المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المذهب الأوزاعي : خامس الفقهاء لو قدر له الانتشار


عبدالناصر محمود
08-26-2013, 07:33 AM
المذهب الأوزاعي : خامس الفقهاء لو قدر له الانتشار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ




كثير من المسلمين لا يعرف شيئا عن الإمام الأوزاعي, ولا عن مذهبه الفقهي وعلمه الأصولي واجتهاداته وفتاويه الكثيرة, وما ذاك إلا بسبب ما استقر في أذهان المسلمين, من أن المذاهب الفقهية أربعة فحسب, المالكي والحنفي والشافعي والحنبلي, ولكن الحقيقة أن المذاهب والآراء الفقهية المعتد بها كثيرة ومتنوعة, ولكن بعضها لم ينل من العناية والتدوين والنشر ما نالته المذاهب الأربعة المعروفة وهذا لا يعني أن نحصر المذاهب الفقهية بأربعة فحسب, وأن نجهل الاجتهادات التي يمكن أن يكون لها أكبر الأثر في حل كثير من التساؤلات الفقهية المعاصرة اليوم, كما كان لاجتهاد الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في موضوع الطلاق المعلق بشرط كبير الأثر في عصرنا الراهن.(1)

ومن أجل زيادة المعرفة بعلمائنا وفقهائنا, ولتوسيع دائرة المذاهب الفقهية التي حصرت بأربعة فقط كما ذكرنا, وللاستفادة من التراث الفقهي الإسلامي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس, وإحياء للكنوز الفقهية الثمينة التي اندثرت, رأيت أن نتحدث عن المذاهب الفقهية التي لها وزن وشأن, ولكنها لم تلق العناية المطلوبة في التأليف والتدوين والانتشار, ولعل أولى المذهب بالبداية به الأوزاعي.

المولد والنشأة والأسرة

بين أيام الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي المعروف وأيام جعفر بن أبي طالب الخليفة العباسي المشهور كانت أيام حياة الإمام الأوزاعي, وبذلك يكون الأوزاعي مخضرما في عهد دولتين قويتين الأموية والعباسية.

اسمه عبد الرحمن بن عمرو بن محمد, واشتهر بالأوزاعي نسبة إلى الأوزاع, وهي قبيلة يمنية حميرية من بطن ذي الكلاع من قحطان, نزل أفراد منها في دمشق قرب الفراديس, وقد أطلق على المنطقة التي نزلوا بها إسم قرية الأوزاع, ومن المؤكد أن عمرو بن محمد والد الإمام الأوزاعي قد نشأ في قرية الأوزاع, ثم انتقل فيما بعد إلى بعلبك حيث رزق بابنه عبد الله وعبد الرحمن.

ولد الإمام عبد الرحمن بن عمرو بن محمد ( أبو عمرو ) سنة 88 هجرية في بعلبك التي لم تزل قائمة إلى اليوم في لبنان, قال الوليد بن مزيد أحد تلامذته: (مولد الإمام الأوزاعي ببعلبك , ومنشأه بالكرك), وبعد ولادته انتقل إلى الكرك وبها نشأ يتيما بعد وفاة والده وهو صغير كما حدث عن نفسه رحمه الله, وتولى تربية الإمام الأوزاعي أمه, مما يذكرنا بالدور الكبير والعظيم الذي تقوم به المرأة المسلمة, من خلال التربية التي تخرج العلماء والعظماء والأبطال, فقد كان لأم الشافعي أيضا دور كبير في تربيته وتنشأته.

تزوج الإمام الأوزاعي وأنجب, ولكن المعلومات عن زوجاته وأولاده شحيحة قليلة, وقد ذكر ابن عساكر ان اسم زوجته جويرية, وأن له من الأولاد أربعة محمد وثلاث بنات لم تذكر منهن إلا رواحة التي روت عنه العلم, مما يؤكد أن العلم كان مقياس الشهرة والسمعة, وليس كما يحدث في عصرنا الراهن.

علمه ومؤلفاته

بدأ اهتمام الإمام الأوزاعي بالعلم منذ نعومة أظفاره كسيرة العلماء الأفذاذ جميعا, خاصة وأن نشأته كانت في المئة الأولى من الهجرة النبوية الشريفة, حيث حب العلم والتعلم تلازم الطفل مع ولادته وظهوره للحياة, فإذا علمنا أن الإمام الأوزاعي استفتي وله من العمر 13 عاما, أدركنا حقيقة اهتمامه بالعلم والتعلم منذ صغره, ولما كانت الطريقة المتبعة للتعلم آنذاك لقاء العلماء ومزاحمتهم بالركب, فقد أكثر الإمام الأوزاعي من الترحال والسفر في طلب العلم, فسافر إلى مكة والمدينة وبيت المقدس ودمشق واليمامة والبصرة, فنهل من العلم الشيء الكثير.

لقد أثنى العلماء على الإمام الأوزاعي, فقال عنه الإمام مالك إمام أهل المدينة: (كان الأوزاعي إماما يقتدى به) وقال عنه الشافعي: (ما رأيت أحدا أشبه فقهه بحديثه من الإمام الأوزاعي) وقال عنه أحمد بن حنبل (الأوزاعي إمام) وقال النسائي (الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم) وقال الحاكم (الأوزاعي إمام عصره عموما وإمام أهل الشام خصوصا) وقال يحيى بن معين (العلماء أربعة: الثوري والإمام أبوحنيفة والإمام مالك والإمام الأوزاعي).

كان الإمام الأوزاعي متمسكا بسيرة السلف الصالح, لم يبدل ولم يغير, وكان شديد الدفاع عن السنة في فترة بداية انتشار البدع والجدال والانحراف, فعندما اشتعلت فتنة غيلان الدمشقي الذي قال بالقدر وبإرادة الإنسان ومشيئته, ناقشه عمر بن عبد العزيز, فلما كانت ولاية هشام بن عبد الملك دعا الأوزاعي لمناظرة غيلان فناظره وغلبه, وهذا يدل على سعة علمه بالعقيدة والقرآن والسنة.

كان الطابع الغالب على العصر الذي نشأ فيه الأوزاعي قائما على الحفظ والتلقي والسماع دون التدوين, قال الأوزاعي في ذلك: (ما زال هذا العلم عزيزا تتلقاه الرجال حتى وقع في الصحف, فحمله أو دخل فيه غير أهله) (2) وهذا يدل على عدم رغبة وميل الإمام الأوزاعي لكتابة العلم, ومع ذلك فقد كان من السباقين لتدوين العلم, إدراكا منه للحاجة إلى التدوين بعد انتشار الإسلام وتفرق الصحابة وكثرة الفتن واختلاف الآراء, حيث شرع علماء المسلمين بتدوين الحديث والفقه والتفسير, فصنف ابن جريج بمكة والإمام مالك بالمدينة والإمام الاوزاعي بالشام.

والثابت أن الإمام الأوزاعي بدأ بالتصنيف والتأليف باكرا, وذلك لما ارتحل إلى اليمامة وقابل يحيى بن كثير, وكان حينئذ شابا يافعا, ومن أشهر المؤلفات التي عرفت للإمام الأوزاعي:

1- مسند الإمام الأوزاعي: ذكره الحاجي خليفة في كشف الظنون دون ذكر ما يتعلق به من تفاصيل.

2- السنن في الفقه وكتاب المسائل في الفقه: ذكرهما ابن النديم في الفهرست.

3- كتاب سير الإمام الأوزاعي: ولعله أشهر كتب الإمام لأنه قدر له البقاء ووصلنا, وهو مطبوع ضمن كتاب الأم للشافعي, قال ابن النديم وهو يعدد ما احتوى عليه كتاب الأم للشافعي من أبواب: (كتاب سير الإمام الأوزاعي).

وهناك رسائل للإمام كان يخاطب بها الولاة والأصدقاء, ذكر الرازي مجموعة من هذه الرسائل لعل أهمها: رسالته لأبي جعفر المنصور يلتمس الفداء لأهل (قاليقلا) وقد استجاب المنصور لطلبه وأمر بالفداء, كما أرسل رسالة ثانية إلى ولد المنصور المهدي طلب منه التوسط عند والده لدعم أوضاع أهل مكة نظرا للغلاء وزيادة الأسعار وهلاك المواشي, ورسالة إلى والي بعلبك العباسي صالح بن علي يتوسط فيها لأهل الذمة من النصارى, الذين أجلوا من جبل لبنان بعد إخماد ثورة ضد العباسيين هناك, بالعودة لقراهم وعدم أخذ البريء بجريرة المذنب, وكان لهذه الرسالة أثر كبير على نصارى جبل لبنان.

من أشهر شيوخ الإمام الأوزاعي: إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزاري, روى عنه ووصفه بالصادق المصدوق, وحسان بن عطية الدمشقي من ثقات التابعين, وربيعة الرأي التابعي الفقيه, والأعمش سليمان بن مهران, وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد الذي يعتبر من صغار التابعين, وعطاء بن رباح مفتي أهل مكة ومحدثهم, والقاسم بن مخيمرة الهمداني الكوفي, وغيرهم كثير لا مجال لذكرهم.

وأما أشهر تلامذته: إسماعيل بن عبد الله بن سماعة الدمشقي, من أجل تلاميذ الإمام الأوزاعي, وعالم دمشق سعيد بن عبد العزيز, وسلمة بن كلثوم, وعيسى بن يونس الكوفي, والوليد بن مسلم أشهر تلاميذه, وغيرهم كثير.

مذهبه والسبب في عدم انتشاره

المذهب هو الطريقة والرأي والاجتهاد المنضبط بضوابط العلم التي كانت معروفة وشائعة, وقد اشتهرت في زمن الأوزاعي مدرسة الحديث التي يتزعمها الإمام مالك في المدينة المنورة, ومدرسة الرأي التي يرأسها الإمام أبو حنيفة في العراق, والإمام الأوزاعي اتخذ لنفسه طريقة وخطة أوفت به إلى الغاية التي أرادها فسميت طريقته مذهبا, كان يجمع بين النظري التأصيلي في مذهبه, والتطبيق العملي الفعلي, فأخذ بالفقه والزهد, وجمع بين العلم الغزير والورع الشديد والعبادة المتواصلة, ومع اعتراضه الشديد في بداية الأمر على أهل ومدرسة الرأي, إلا أنه توسم فيها الخير بعد اطلاعه على آراء أبي حنيفة التي لم تخرج عن إطار السنة.

جمع الإمام الأوزاعي في فهمه وفقهه بين مدرسة الحديث والرأي, وذلك لتلقيه العلم على علماء من مكة والمدينة والعراق وبلاد الشام, مع ميله إلى الأخذ بالحديث والتقليل من القياس, ومع كل هذا العلم وهذه المكانة إلا أن مذهبه لم يكتب له الانتشار والذيوع كبقية المذاهب الأربعة, فما السبب في ذلك؟؟

1- يذكر أن أول أسباب ذلك تعرض كتبه للحرق في بيروت, فمع السبق الذي تميز به الإمام الأوزاعي في الكتابة والتدوين, إلا أنه ثبت أن مؤلفات كثيرة للإمام الأوزاعي احترقت في الرجفة التي وقعت في بيروت, قال الوليد بن مسلم أحد تلامذته: (احترقت كتب الإمام الأوزاعي زمن الرجفة).
2- أضف إلى ذلك عدم الاعتناء بكتابة المذهب الأوزاعي, فالمذاهب كانت تجمع وتنتشر بكتابة صاحب المذهب أو تلامذته, فمالك جمع مسائله بعض تلامذته كابن القاسم وغيره, والشافعي كتب مذهبه بنفسه, وقام محمد بن الحسن بتدوين آراء صاحبيه أبي حنيفة وأبي يوسف في عدة كتب, وأحمد بن حنبل له مسائل كثيرة جمع الخلال وغيره الكثير منها من أصحابه, أما مذاهب الأوزاعي والليث والثوري وامثالهم فلم تخدم, فلم يكتب تلامذة الأوزاعي كل الفتاوى التي قالها الإمام, والتي بلغت كما يقولون 70 ألف مسألة, فصعب عليهم فيما بعد جمعها وتنسيقها وتبويبها.
3- فعل السلاطين والحكام الذين حصروا التعليم والقضاء والفتوى بالمذاهب الأربعة المعروفة الآن, كما قال المقريزي في المواعظ والاعتبار: (فلما كانت سلطنة الظاهر بيبرس البندقداري ولى بمصر أربعة قضاة, شافعي ومالكي وحنفي وحنبلي, فاستمر ذلك من سنة 665 هجرية حتى لم يبق في مجموع الأمصار مذهب يعرف من مذاهب الإسلام سوى هذه المذاهب الأربعة, وعملت لها مدارس وزوايا, وعودي من تمذهب بغيرها وأنكر عليه, ولم يول قاض ولم تقبل شهادة أحد, ولا قدم للخطابة والإمامة من لم يكن مقلدا لأحد هذه المذاهب, وأفتى فقهاء الأمصار مع طول المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب)(3).
وليس ضياع أقوال صاحب مذهب دليلا على ضعفه, وإنما دليل على اجتماع عدة عوامل على عدم انتشاره فحسب, فالثوري وابن المبارك أفقه من أبي حنيفة وقد ضاع فقههما, والليث بن سعد كان أفقه من مالك (بشهادة اثنين من كبار تلاميذ مالك) وقد ضاع فقهه, وما كان الأوزاعي دون أبي يوسف ومع ذلك ضاع فقه الأول وبقي الثاني لتبني السلطان له.

يقول الإمام ابن تيمية: (وأما الأئمة المذكورون فمن سادات أئمة الإسلام, فالثوري إمام أهل العراق ومن أجل أقرانه كابن أبي ليلى وأبي حنيفة, وله مذهب باق إلى اليوم في خراسان, والأوزاعي إمام أهل الشام وما زالوا على مذهبه إلى المئة الرابعة, بل أهل المغرب (وبالذات الأندلس) كانوا على مذهبه قبل أن يدخل عليهم مذهب الإمام مالك)(4).

زهده ووفاته

اتصف الإمام الأوزاعي بالزهد بالدنيا, فقد كان له من خلفاء بني أمية وبني العباس نحوا من 70 ألف دينار, فلم تمسك يده منها بشيء, وأنفقها كلها على الفقراء والمساكين, ولم يترك يوم وفاته سوى سبعة دنانير لجهازه.

توفي الإمام الأوزاعي في بيروت سنة 157 هجرية وله من العمر 69 عاما, وقد ذكر المؤرخون أنه توفي في الحمام اختناقا من الفحم, والغالب أنه توفي في حمام البيت لا السوق, لان زوجته كانت تسأل عن كفارة خطئها كما تقول الروايات, فامرها سعيد بن عبد العزيز بعتق رقبة, قال عقبة بن علقمة: دخل الإمام الأوزاعي الحمام في منزله, وأدخلت معه امرأته كانونا فيه فحم ليدفأ, فلما أغلقت عليه الباب هاج الفحم فصفرت نفسه, وعالج الباب ليفتحه فامتنع عليه فمات رحمه الله.

رحم الله تعالى الإمام الأوزاعي ونفع المسلمين بعلمه وزهده وأخلاقه, إنه سميع قريب مجيب.

ــــــــ



1- صيغة الطلاق المعلق أن يقول الرجل لزوجته: إن فعلت كذا فانت طالق ........ الخ وقد جعلها الأئمة الأربعة طلاقا بوقوع المعلق عليه, واجتهد الإمام ابن تيمية فاعتبرها صيغة يمين, إن كان قصد الحالف الحث على فعل أو المنع عنه, وكفارتها لو وقع المعلق كفارة الحنث باليمين. مجموع الفتاوى 59 / 33 – 60 وإعلام الموقعين لابن القيم 4 / 97

2- سنن الدارمي باب من لم كتابة الحديث 1 / 132 برقم 467

3- خطط المقريزي 3 / 390 والبداية والنهاية لابن كثير 13/ 390

4- مجموع الفتاوى لابن تيمية 20 / 583

5- كتاب الإمام الأوزاعي فقيه أهل الشام للأستاذ عبد العزيز سيد الأهل .

6- للاستزادة في سيرة الأوزاعي انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي و تاريخ ابن عساكر و تاريخ الإسلام للذهبي و وفيات الأعيان لابن خلكان وغيرها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــــــــــــــــــ