المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل خسر السيسي الرهان


عبدالناصر محمود
09-02-2013, 06:54 AM
هل خسر السيسي الرهان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(جمال سلطان)
ــــــــــــــــــــــ


هل خسر السيسي الرهان ؟!
--------------
بدأ المشهد الذي ظهرت عليه الخريطة السياسية في مصر في 30 يونيو الماضي يتغير تدريجيا، وبدأ الإجماع الوطني -باستثناء الإخوان وحلفائهم- الذي تشكل حول دعم قرارات الجيش ووضع كامل الثقة والتأييد للفريق عبد الفتاح السيسي، بدأ هذا الإجماع يتآكل تدريجيا، والمشهد يمكن ملاحظته بسهولة، وتحديدا منذ اللحظة التي قرر فيها الجناح المتشدد إنهاء اعتصامات الإسلاميين في ميدان رابعة العدوية والنهضة بالقوة الغاشمة، حيث ارتكبت مذابح حقيقية لم تعرفها مصر في تاريخها الحديث كله، بل لم تحدث مثلها طوال ثمانين عاما من الاحتلال الانجليزي لمصر، هذا المشهد هز الضمير المصري بعنف، ربما الخوف من المستقبل والظلال الكئيبة لحكم الإخوان وتجربتهم منعت الكثيرين من أن يبدي رأيه أو حتى تحفظه على تلك "الجريمة" في حينها، على أمل أن تكون حالة استثنائية وتعقبها عملية "غسيل الدم" بإجراءات تصالحية ومسؤولة تجاه الجميع، لكن الذي حدث بعد ذلك وحتى اليوم أتى محبطا للجميع، وكاشفا عن أن المسار الذي تتجه فيه مصر الآن لا صلة له أبدا بثورة 25 يناير وأهدافها، ربما كان المشهد الأكثر إثارة هو الاستقالة المسببة من الدكتور محمد البرادعي، أيقونة ثورة يناير ورمزها الأكبر، والحقيقة أن استقالة البرادعي لم تكن فقط بسبب العمل الدموي في فض الاعتصامات، وإنما لظهور سيطرة الجناح المتشدد والإقصائي على القرار السياسي في أعلى هرم السلطة، حيث كانت الممارسات التي تتم على الأرض متناقضة تماما مع الخطاب المعلن، وفور خروج البرادعي شن هذا الجناح المتشدد حملة مروعة للتشهير بالرجل ووصفه بالخيانة وحتى المطالبة بمحاكمته على "جريمته" بالاستقالة وهو ما تم بالفعل حيث تنظر المحاكم المصرية حاليا قضية "المتهم" محمد البرادعي، ثم بدا أن الفريق السيسي ـالذي كان يتحسس طريقه إلى المستقبل وأعتقد أن نواياه كانت طيبة بالفعلـ بدا أنه استسلم للفريق المتطرف والإقصائي، فعهد للمؤسسة الأمنية بالتعامل مع الموقف الجديد، باعتبار أن الأزمة منحصرة في تنظيم الإخوان، دون أن يدرك أن شيئا ما تغير في مصر، وأن الإنسان نفسه تغير في طموحه وطاقاته وإصراره، فانتشرت حالة من العنف الأمني طالت الجميع، وبدا أن نظام مبارك الأمني عاد بكل تفاصيل سلوكياته، وبدأت الاتهامات والتحرشات تصل إلى كل القوى السياسية التي ترفض هذا السلوك الأمني الجديد، كما تم تسليم عملية تسويق السلطة الجديدة إلى فلول نظام مبارك والمنابر الإعلامية التي يسيطرون عليها من صحف وقنوات فضائية، فعززت لدى قوى ثورة يناير صورة المشهد المصري في نهاية عصر مبارك، حيث تم إقصاء القوى الثورية بالكامل عن شاشات الفضائيات الخاصة وحتى التليفزيون الرسمي للدولة الذي تم تسليم شاشاته إلى "حفريات" عسكرية قديمة تسيء إلى العسكرية المصرية ذاتها إعلاميا، وأقصي الجميع بما في ذلك رموز ونشطاء ليبراليين من خصوم التيار الإخواني ونشطاء ورموز يساريين أيضا كانوا في قلب المشهد الثائر ضد محمد مرسي، وقد أعطت تقديرات الجهات الأمنية صورة مغلوطة للقيادة العسكرية والسياسية بأن حملة توقيف قيادات الإخوان وكوادر الصف الأول والثاني يمكن أن تشل حركة الشارع وتنتهي المسألة بدعم إعلامي واسع ومحاصرة أي إعلام آخر لا يكون متوافقا مع تلك السياسة الأمنية الجديدة، غير أن احتجاجات الشوارع استمرت على مدار أسبوعين بصورة يومية، ثم كانت مظاهرات "جمعة الحسم" التي دعا إليها التجمع الوطني لدعم الشرعية الجمعة الماضية مؤشرا لا تخطئه العين على أن كرة الثلج تكبر، وأن مئات الآلاف من المصريين نزلوا إلى الشوارع والميادين على امتداد مدن مصر جميعا ومحافظاتها بالكامل، وهي حالة لم تكن معهودة في أحداث 25 يناير ولا أحداث 30 يونيو، وهذا يعني ببساطة أن الغضب والاحتجاج وصل إلى جميع خلايا الوطن من الاسكندرية إلى أسوان، وبعض هذه الاحتجاجات كانت غير مسبوقة بالفعل في تعدادها كما حدث في الاسكندرية والغربية ومعظم مدن الصعيد، رغم التعتيم الإعلامي شبه الكامل، كما أن الخطير في هذه المرة أن قوى سياسية جديدة نزلت للميدان، مثل حركة أحرار، وهي حركة معارضة للإخوان المسلمين بالأساس ولكنها أيضا معارضة للحكم العسكري، ووصل من عنف إصرارها على المواجهة أن استشهد من شبابها حوالي أربعة أو خمسة في منطقة المهندسين بالقاهرة، كما أن عناصر من التيارات الليبرالية واليسارية شاركت بشكل غير منظم وغير معلن في تلك الأحداث، وأي متابع للجدل والحوار على صفحات التواصل الاجتماعي يدرك ذلك بسهولة، وأعتقد أن الجهات الأمنية ترصد ذلك جيدا.

هل أخطأ الفريق السيسي في تحديد بوصلة مسار الوطن بعد نجاح حركة 3 يوليو، هل خسر رهانه على الفلول والمؤسسة الأمنية من أجل حسم مواجهة لا يمكن حسمها بالعنف مع التيار الإسلامي وقوى الثورة، قد يكون من الصعب الحكم القاطع على ذلك الآن، ولكن المؤكد أن هناك إشارات لا يمكن تجاهلها تدل على أنه إما خسر الرهان بالفعل أو هو في طريقه إلى خسارته، إن لم يتدارك المسار الوطني ويبذل الجهد الحقيقي في سياق آخر مختلف لإعادة الإجماع الوطني ووضع مسار مصر على طريق التصالح والمشاركة والديمقراطية، الحل الأمني ثبت فشله الآن، كما ثبت فشله قبل ذلك، ولو كان بإمكان الحل الأمني أن ينقذ نظاما لأنقذ مبارك، ولكنه هوى به، كما أن الرهان على الفلول بهذه الصورة الفجة التي تحدث الآن سيكون كارثيا، لأنهم يتصرفون كثورة مضادة صريحة، لا تعادي الإخوان فقط بل تعادي ثورة يناير ذاتها برموزها وأفكارها ومشاهدها، وكما أغرقوا مبارك من قبل سيغرقون أي نظام جديد يتصور أنه يمكنه الاعتماد عليهم، وفكرة صناعة المجد السياسي بالأغاني والشو الإعلامي مضى زمانها.

الذي يحتاج إليه الفريق السيسي الآن هو إعادة تقييم كامل وحاسم لمجمل التجربة وتطورها منذ 3 يوليو إلى الآن، عليه أن يحسب تكلفة الدم الممكنة في هذا المسار إن رغب في استكماله، لقد استشهد حتى الآن عدة آلاف من المواطنين وجرح وأصيب آلاف غيرهم وتم اعتقال آلاف غيرهم، فهل حسب الفريق السيسي تكلفة الدم هذه بشكل صحيح، وهل لديه تصور محدد عند رقم محدد من القتلى يمكنه أن يتوقف بعدها، وهل حسب ـوهو رجل مخابرات- تطورات كرة الثلج التي تكبر حاليا وتأخذ معها كل يوم قوى جديدة كانت معه وتنحاز الآن ضده وبعضها قد ينزل إلى الشارع بكامل ثقته قريبا إن لم يجد أي أفق للانفراج أو إذا وجد أن ثورته تسرق بالفعل، وهل سيمكن مواجهة هؤلاء جميعا بتهمة الإرهاب، وهل حسب جيدا تكلفة هذه الموجة الغاضبة من ملايين المصريين على اقتصاد البلد الذي يترنح بقوة الآن وستتفجر مشكلاته خلال أسابيع قليلة بأعنف مما كانت أيام محمد مرسي، وهل من الحكمة والعقلانية السياسية أن نضع المؤسسات الوطنية المهمة وتماسكها ووحدتها تحت ضغط الاختبار الدائم رغم ما في ذلك من مجازفة ومخاطرة قد لا تسلم دائما وفي كل مرة.

لا أعتقد أن الوقت فات على تدارك الفريق السيسي للمسار الخاطئ، ولكن -كما قلت لمرسي والإخوان من قبل أيام رهاناتهم الخاطئةـ الوقت الآن ليس في صالح السيسي، وعليه أن يتذكر أن كل من أخطأوا حساباتهم أو استسهلوا الواقع المعقد خسروا، مبارك ثم المجلس العسكري الأول ثم مرسي والإخوان، فهل يكون هو رابعهم أم يتدارك نفسه والوطن، هذا ما ستكشف عنه الأيام القليلة المقبلة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ