المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لجنة الخمسين والتغييرات في دستور مصر


عبدالناصر محمود
09-05-2013, 07:38 AM
"لجنة الخمسين" والتغييرات في دستور مصر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3362.jpg

على العكس تماما لما أفرزته كل الاستفتاءات والانتخابات السابقة بأنواعها النيابية أو الرئاسية والتي كانت تحسم دائما بأغلبية كبيرة لأصحاب التوجهات الإسلامية مما يعكس قوتهم وتأييدهم من الشارع السياسي المصري, إلا أن لجنة الخمسين التي عينت من قبل السلطات الحاكمة المصرية لمناقشة وإقرار التعديلات على دستور 2012, همشت تماما وربما أقصت الوجود الإسلامي كله ليعين بها عضوان فقط من اصل خمسين ليكون صوتهم لا يزيد عن 4% من نسبة المصوتين وبالتالي سيكون أيضا اعتراضهم –إذا كان لهم اعتراض على أي من مواده- بلا قيمة حقيقية وبلا أدنى تأثير على النتيجة التصويتية النهائية.

وحتى على مستوى الصوتين الذي سمح للتيار الإسلامي أن يحصل عليهما كان أحدهما للدكتور بسام الزرقا نائب رئيس حزب النور الذي يعتبر الممثل الوحيد للأحزاب الإسلامية فى اللجنة أما الآخر فهو الدكتور كمال الهلباوى المنشق عن الإخوان المسلمين والذي اتجه كثيرا إلى الجهة المقابلة للتيارات الإسلامية بعد انفصاله عن الإخوان فلا يمكن اعتباره ممثلا عنهم.

وفي حين كانت الاتهامات التي طالت لجنة كتابة دستور 2012 التي كانت ممثلة حسب حصص القوى السياسية في البرلمان المصري المنتخب محل اعتراض دائم ممن يسمون بالقوى المدنية الذين اتهموا الإسلاميين بالاستحواذ والسيطرة على اللجنة رغم تمثيلهم القوي فيها الذي كان يزيد عن نسبة حصولهم على مقاعد في مجلس الشعب المصري إلا أنهم وحين سنحت الفرصة لتشكيل لجنة لتعديله لم يسمحوا بوجود إسلاميين معهم إلا بهذه النسبة الضئيلة مما يسمح بكتابة دستور لا يمثل بصدق وحيادية الشعب المصري قياسا على اختياراته البرلمانية والرئاسية في كل الاستحقاقات الانتخابية.

ومن اللافت للنظر أن التيار اليساري في مصر والذي لا يحصل إطلاقا إلا على نسبة ضئيلة من الأصوات الانتخابية عند نزوله للشارع المصري قد حصل على الأغلبية في لجنة الخمسين فقد مثل بعدد من شخصياته البارزة الصريحة تقدر بنحو 11 مقعدا في حين أن الباقين من الشخصيات العامة يميلون إلى التيارات المضادة للتوجهات الإسلامية والتي تلتقي مع التيار اليساري في إقصاء وتهميش الإسلاميين ليخرج في النهاية دستور لا يعبر عن الهوية الإسلامية لمصر أو كما أطلقوا عليه معظمهم أنه سيخرج دستورا علمانيا لمصر .

وبالطبع لم يمثل جماعة الإخوان المسلمين ولا حزب الحرية والعدالة أحد في لجنة الخمسين رغم وجود الحركة في الشارع السياسي بقوة ورغم أن الحزب هو صاحب الاغلبية في كل الانتخابات التي خاضها في مصر منذ إنشائه بعد الثورة إلا أن الخصومة السياسية للحكومة الحالية مع الدكتور مرسي المنتمي للإخوان المسلمين ورئيس حزب الحرية والعدالة قبل استقالته لفوزه في رئاسة الجمهورية دفعتهم إلى إقصاء فصيل مهم من الحياة السياسية في مصر واعتباره كأن لم يكن موجودا.

وسبقت لجنة الخمسين لجنة الـ10 التي عملت على إدخال تعديلاتها على الدستور الذي وافق عليه الشعب في نهاية العام الماضي بأغلبية الثلثين والذي عطل من قبل وزير الدفاع المصري بعد عزله للدكتور مرسي, وكان أبرز التعديلات التي أعلن عنها من اللجنة مما تمس الهوية الإسلامية والثقافية والاجتماعية المصرية ما قدمته المسودة النهائية للتعديلات الدستورية إلى رئاسة الجمهورية والتي ألغت فيها 32 مادة من مواد الدستور المعطل وكذلك تعديل 154 مادة أخرى أبرزهم إلغاء مادة 219 الخاصة بتفسير كلمة "مبادئ الشريعة الإسلامية" التي كانت تحافظ على دولة مصر دولة مسلمة سنية" مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة " وتم إلغاء المادة 44 التي تجرّم التعريض أو الإساءة للأنبياء والرسل، وتم إلغاء المادة 25 الخاصة بإحياء الوقف الخيري، والمادة 12 الخاصة بحماية الدولة للمقومات الثقافية والحضارية للمجتمع، والمادة 11 التي تنص على رعاية الدولة للآداب والأخلاق العامة والنظام العام.

هذا ولم تتضمن لجنة الخمسين بتشكيلها الذي أبهمت معايير الاختيار فيه لم تضم أحدا من شباب ثورة الخامس والعشرين من يناير بينما ضمت من شبابا من حركة تمرد التي قامت ضد نظام الدكتور مرسي حتى عزله الجيش وضمت عددا كبيرا من رموز نظام مبارك مما عزز شكوكا ومخاوف كثيرة من عودة النظام القديم ليهيمن على مصر كما كان قبل يناير وخاصة مع إلغاء اللجنة لمادة العزل السياسي لمن افسد في الحياة السياسية إبان حقبة مبارك.

وأبدى عدد من الأحزاب السياسية المصرية ورموز العمل السياسي في مصر اعتراضهم على تشكيل اللجنة التي أثارت جدلا كبيرا قبل بدء عملها, فقال الدكتور ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية "أنه في الوقت الذي تم فيه تهميش التيار الإسلامي من لجنة الـ 50 يتم تمثيل الاتجاه اليساري والناصري بـ 11 عضوا مشيرا إلي أن تم اختيار الشخصيات التي تعادي المشروع الإسلامي وتعادي الشريعة والأحكام الإسلامية".

كما أعلنت حركة "إخوان بلا عنف" عن رفضها بشكل قاطع التشكيل الحالي للجنة الخمسين، بسبب إقصاء التيار الإسلامي بشكل كامل في رغبة تدل على وجود بواعث لإقصاء تيارا بكامله، مؤكدة أن تلك السياسات تزيد من الاحتقان الموجود حاليا بالشارع, كما أعلن اعتراضه عليها حزب مصر القوية برئاسة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح الذي أمد المتحدث باسمه أن "تشكيل لجنة الخمسين المعنية بكتابة الدستور، قائم على أساس استقطابي وإن الدستور الجديد سيكون إنقاذي، فمعظم أعضاء لجنة الخمسين أعضاء بجبهة الإنقاذ الوطني".

ولكن من أعلن تأييده ومباركته ودعمه الكامل لهذا لتشكيل هي القوى العلمانية في مصر التي تطلق على نفسها القوى المدنية مما يؤكد بأن الدستور المصري القادم سيكون علمانيا كاملا, وهو الذي استبدل بالدستور الذي كان يسير في الاتجاه الإسلامي ويحافظ على الحريات وكرامة المواطن المصري في أرضه وخارجها, فهل هذا ما جناه وطمح إليه حزب النور السلفي وحزب مصر القوية الذين يحملان مرجعية إسلامية كما يقولون من الثورة على الدكتور مرسي ودعم عزله؟ وهل هذا ما وصلت إليه مصر -المسلمة التي كانت حامية الإسلام- بدعم أشقائها العرب والمسلمين الذين ساندوا من عزل مرسي واعترفوا به؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــــــــــــــــ