المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عدو المرأة


جاسم داود
09-05-2013, 05:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عدو المرأة


كم من مرة وأنا أقول لكم بأني عدو المرأة ولا أحد يصدقني ، من أجل ذلك لا تفهموني غلط عندما تشاهدوني أتناقش مع زميلة أو أخت أو تشاهدوني أرتشف معها بعض الشاي في كافتيريا العمل فأغلب حواراتي مع المرأة ، كلها حوارات ساخنة ، لا تختلف كثيراً عن برنامج الاتجاه المعاكس .
كما أن تجاربي العاطفية قليلة جداً فمنذ طفولتي عشت أربعة تجارب كل واحدة تختلف عن الأخرى ، من حيث المضمون ، ومن حيث الشكل أيضاً طبعاً أنتم تفهمون معنى الاختلاف من حيث الشكل ..

الأولــــى :

عندما كنت في المرحلة الابتدائية كنت أقف أمام باب المدرسة ، أشاهدها وهي تنزل من سيارة والدها الفخمة ، وهو يبوسها ويضع علبة شكولاطة في يدها فأضع كفي على خدي لأتذكر الكف الساخن الذي أعطته لي والدتي قبل خروجي إلى المدرسة بعدما دلقت كوب الحليب على الأرض وخرجت من غير فطورثم أضع يدي على قفايا لأتذكر الكف البارد الذي أعطاه لي والدي بسبب تأخري في شراء الخبز صباحا من الفرن .
كانت البنت حمراء الخدين ليس من آثار الكفوف طبعاً ، ولكن من آثار الدلال والبوس.
أنا لا أحد يبوسني سوى في الأعياد حتى إني أصبت بعقدة نفسية وأصبحت أقرف من التقبيل .
تدخل الطفلة إلى الصف ويرمقها الجميع بإعجاب وحب ، ابتداء من السيد المدير والسيد المعلم المحترم إلى غاية العبد الفقير لله الذي يكتب لكم هذا المقال وعلى الرغم من حداثة سني لا أخفي عليكم بأني أحببت هذه البنت حباً صادقاً وحقيقياً بسبب قطع الشكولاطة والحلوى والسكر والعلك التي كانت تزودني بها في فترة الاستراحة .حتى أني أصبت بإدمان الشكولاطة ، والحمد لله أن البنت كانت تبادلني الشعور ، فأنا أحل لها الواجبات المدرسية ، وهي تزودني بالحلويات ، حتى أنها من شدة ولعها بي جعلت والدها يوصلني معها في السيارة ، لدرجة أني أصبحت أشعر أني واحد منهم ، من طبقة الأثرياء . وأصبحت أتماطل في الذهاب إلى الفرن كل صباح لشراء الخبز ، إذ كيف لشخص غني مثلي أن يقف في طابور الفرن .
كانت قصة حب رائعة كلها تبادل مصالح ومنفعة ..الحلوى مقابل حل الواجبات المدرسية وانتهت العلاقة بمجرد أن نجحت البنت في امتحانات الابتدائي ، وتعافيت بصعوبة من داء الإدمان على الشكولاطة وأصبت بصدمة عاطفية جعلتني أكره كل نساء الأرض بما فيهم أمي ولأنها أمي فقط .
....


الثانيـــــة :

استغرقت صدمتي العاطفية مدة طويلة إلى غاية الثانوية وبسبب مشاهدتي للقصص والأفلام الرومانسية ، خصوصاً المصرية منها حتى أعجبتني بنت كانت تدرس معي في الصف بصراحة أنا شعرت بعاصفة عاطفية قوية جداً تجاه هذه الفتاة الثانوية ورحت أنظم فيها القصائد والأغاني وتحولت إلى قيس وكنت أغرق شعري في الجل ، وملابسي في العطور ، وحذائي في اللماع ...
ولا أذهب إلى الثانوية إلا وأنا في كامل الأناقة .وكانت أغنيتي المفضلة آنذاك هي قارئة الفنجان لعبد الحليم حافظ وكثيراً ما كان الأستاذ يمسكني من قفايا وأنا أغني في الصف المقطع الذي يقول فيه :
بحياتك يا ولدي امرأة عيناها سبحان المعبود
فمها مرسوم كالعنقود ...
ضحكتها أنغــــام وورود...
والشعر الغجري المجنون.. يسافر في كل الدنيا..
فيكمل الأستاذ قائلاً : فطريقك مسدود ...مسدود ..مسدود يا ولدي ..
ثم يضربني بكف ساخن يذكرني بكف والدتي الله يحفظها...
أيام مراهقتي ، كانت أيام فضائح الحب ، وكنت أرى في الفتاة إياها ملكة جمال الدنيا ، رغم أن أنفها كان أطول من قامتها ، وأنها كانت مثالا يحتذى به في القبح والعياذ بالله.وعلى الرغم من كل ذلك ، لا أدري ما الذي جعلني أحب هذه المخلوقة كل الحب... ولأنها أخذت من إبليس الأخلاق والخلقة رأيتها تقف مع شخص آخر في فسحة الثانوية ، وهو يهديها علبة حمراء ، أعتقد أنها كانت ساعة يد فعندما رأتني جاءت لتبرر وقوفها معه : لا تفهمني غلط ، هذا أخو صاحبتي وجابلي هدية بمناسبة عيد ميلادي .
طبعا أخذتني العزة بالنفس وصرخت في وجهها قائلا : أصلا أنا عديم الذوق والفهم ، وسمحت أن أضيع وقتي مع أمثالك ، إياك أن تتصوري أني كنت ، أقع في شباك حبك ، أنا كنت أعصر على نفسي حبة ليمون قبل الجلوس معك ، كل ما في الأمر أني كنت أسلي وقتي ...يلعن أبو الحب ويلعن سنينه ..
طبعاً الآنسة سمعت كلامي من هنا...أغمي عليها ونقلت إلى المشفى .. ويا دار ما دخلك شر...
.....


الثالثــــة :

طبعا بعد صدمة عاطفية بقيت فترة هكذا ، عازب أعزب ، لا صديقة ولا خطيبة ولا أية أنثى في حياتي سوى أمي وإخوتي وطبعا خالاتي وعماتي .
أستطيع أن أقول لكم أن فترتي الجامعية كانت مثل العصر العباسي في حياتي ، العصر الذهبي لأني تعرفت في مكتبة الجامعة على فتاة فائقة الجمال ، قيل لي أنها حصلت على جائزة ملكة جمال
كانت متعلقة بي لدرجة كبيرة ، وغرقت أنا في بحر العسل ، وفي وسط دواوين نزار قباني وأغاني كاظم الساهر ، حتى أني أصبت بمراهقة متأخرة .
كنا نجلس بالساعات أمام البحر . (( لحد الآن أنا لا أفهم لماذا نجلس أمام البحر)) على الرغم من أن كل شيئ مقرف هناك ...حتى رائحته كلها سمك وسردين ، وهواؤه يسبب لي الأنفلونزا ، وصوت الأمواج مع محركات السفن يجلب الطرش ، ومع ذلك كنا نجلس على الكورنيش ، نكسر لوز وجوز وفستق وفول سوداني . كنت شديد الأدب معها ، ولو حاولت مجرد محاولة أن أمسك يدها أتكهرب ... لتقول لي :
عيب خلينا مثل الإخوة .
أنا بصراحة كنت أتشاءم من كلمة إخوة في علاقتي مع الجنس الآخرلأن الشرع يحرم الارتباط بالأخت ، فلو البنت قالت لك أنت أخي ، يعني حرمت عليك ، إذا قالت لك واحدة :
أنت مثل أخي فهذا معناه أنها لا تفكر فيك أبداً ، ومن الأفضل أن تنسحب بهدوء ، لأنها إذا فقدت دبلوماسيتها ولياقتها ستقول لك : - دمك ثقيل وابتعد عني ...
لكن العكس غير صحيح ، فإذا الشاب قال للفتاة :
- أنت مثل أختي .. يجب على الفتاة أن تفكر جيداً ...وجيداً جداً.
وفي يوم من الأيام دخلت على حبيبتي الحسناء وقالت لي :
- تفضل بطاقة دعوة لحضور احتفال خطوبتي ، خطوبتي على هاني ابن خالة الوزير .
ولم أجد بعد الصدمة ما أقوله وأنا أبلع ريقي الناشف بصعوبة سوى :
- سبحان الله ،كنت سأدعوك أنا أيضاً إلى احتفال خطوبتي يوم الخميس الجاي .
تساءت في استغراب :
- خطوبتك على مين ؟؟ لماذا لم تخبرني بذلك من قبل ؟.. يا خداع يا غشاش ...
فقلت لها متهكماً ومبتسماً :
- و هل أخبرتني أنت على خطيبك قبل هذا ؟ عموماً أنا سأخطب زوخروفة بنت عمي موح .
وهكذا أسدل الستار على ثالث تجربة عاطفية فاشلة في حياتي .
......


الرابعــــــة :

بعد كل هذه التجارب الفاشلة طبعاً كرامتي كرجل لا تسمح لي أن أكون صديقا للحب أو حتى صديقاً لقصصه ولا تسمح لي بأي حال من الأحوال أن أكون نزار قباني أو دون جوان عصره.
فقررت أن أحب سيدة متزوجة من نصف قرن وأن أجعلها الفريدة في حياتي بكل مشاعري وعواطفي وأن أقبل يدها وجبينها وخديها كل صباح .

لا تذهبوا بتفكيركم بعيداً .
هذه السيدة ..هي أمي .. !!

دمتم برعاية الرحمن وحفظه
منقول بتصرف