المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الزواج والطلاق والتعدد بين الأديان والقوانين ودعاة التحرر


عبدالناصر محمود
09-10-2013, 07:33 AM
الزواج والطلاق والتعدد بين الأديان والقوانين ودعاة التحرر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(زكى علي السيد أبو غضة)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_2843.jpg

ألفاظ ثلاثة تستطيع أن تمثل أهم محاور العلاقات الاجتماعية والإنسانية في الجنس البشري, تتحقق فيها معظم الحياة وبها يتحقق فلاحه أو فشله في الآخرة, فالكتب السماوية الثلاث حثت على الزواج ورغبت فيه وحرمت الزنا ونبهت على خطورته, وتحدثت عن الطلاق كوسيلة لإنهاء علاقة زواجية بصورة جيدة وفيها أيضا التعدد في الزواج وهو تنظيم شرعي بالسماح للرجل بأكثر من علاقة مشروعة وهو علاج شاف أيضا من مشكلات تهدد المجتمعات.

ولكن ما إن ظهرت العلمانية وهي دعوة واضحة وصريحة لنقض الأديان وهدمها والتخلص منها حاول العلمانيون الهجوم على الأسرة والعلاقة الأسرية واختص العلاقات الثلاث بأكبر الهجوم وخصوصا التعدد ثم انتقل إلى الزواج ذاته والدعوة إلى التحرر الكامل للرجل والمرأة من أي قيد ديني أو ضابطك اجتماعي.

وبهذا اهتم الكاتب في هذا الكتاب بمناقشة عدة معان هامة ووضح فيها الفروق بين المنهج الإلهي ممثلا في الكتب السماوية من جهة وبين القوانين الوضعية وأقوال دعاة التحرر العلمانيين من جهة أخرى, آخذا في رد بعض الشبهات التي أثارها هؤلاء المارقون عن الدين المجاهرون بالفسق والبعيدون عن كل خلق، معنى الزواج وأهدافه في الأديان السماوية وفي القوانين الوضعية ثم بحث في فكرة الزواج عند دعاة التحرر.

فافتتح الكاتب كتابه بباب عن الزواج بين الأديان السماوية والقوانين الوضعية ودعاة التحرر, فبين انه لا تختلف أهدافه في الأديان الثلاث فالمسيحية تراه سرا مقدسا واليهودية تجعل من الزوجة الصالحة تاجا على رأس زوجها والإسلام يراه آية من آيات الله, وجميع الأديان تؤمن بأن ممارسة الجنس خارج نطاق الزواج فاحشة وزنا صريح وجزاؤه الجلد والموت بالرجم أو الحرق بتفاصيل صغيرة متفاوتة بين الأديان.

وبالنسبة للقوانين الوضعية لم تكد تخلو دولة في العالم حتى من آمنت بالحرية والشيوعية الجنسية اضطرت لان تضع قوانين لتنظيم حياة الأسرة, ولكن القانون المدني لا يعتبر بكون الزنا جريمة إلا صاحبها عدم رضا من طرف منهما ولا يعتبر أن الزنا جريمة يعاقب إذا كان بالتراضي ولم تأت الشكوى من متضرر كالزوج أو الزوجة على فراش زوجيتها.

لكن هؤلاء المدعون الذين يزعمون سعيهم لتحرير الإنسان وما هو بتحرر إلا من الدين بدئوا بنقد الحكمة من الزواج وأنه لا يحقق راحة الإنسان ولا سعادته, وادعوا أن طاعة المرأة لزوجها ما هي إلا نوع من العبودية التي يجب عليها التخلص منها محاولين تأويل أحاديث جاءت عن وصف وتشبيه الزوجة بالرقيق وحديث السجود للزوج والاستدلال بها على فساد أقوالهم وادعاءاتهم, وطعنوا كذلك في الوصايا الإسلامية المكرمة للمرأة مدعين بان الإسلام حابى الرجل ووفر له قداسة في حين أهان المرأة في حين أن النظام الغربي أهان المرأة أيما إهانة فاعتبرها سلعة لا قيمة لها في حين كرم الإسلام المرأة وجعل منها درة مكنونة محافظ عليها في كل مرحلة من مراحل عمرها , وفصل الكاتب في الردود على هذه الشبهات تفصيلا جيدا مستشهدا بوقائع التاريخ الإسلامي ابتداء من العهد الزاهر عهد نزول القران في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم تناول الكاتب في باب ثان قضية المهر فناقشه بداية في الشرائع السماوية فبين أنه مجرد تعبير عن تقدير الرجل لزوجته وإعزازه لها وتأمينا لمستقبلها المالي والاقتصادي, وبين أنه موجود في التوراة في قصة خطبة اسحق لرفقة عندما أعطاها جواهر من فضة ومن ذهب وثيابا وأهدى إلى أخيها وأمها تحفا [1].

والإنجيل لم ينسخ حكم الشريعة في التوراة فيما يخص المهر وقد نظمت لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الارثوذوكس أحكام المهر في بابها الثالث, وفي القرآن الكريم جاء المهر باسم الصدُقات فقال سبحانه: "وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً" النساء:4.

ولا يختلف القانون الوضعي كثيرا إذ استمد اغلب قوانين الأحوال الشخصية من الشريعة الإسلامية, فيوضح القانون المطبق في كثير من الدول العربية أن المهر تكريم وتشريف للمرأة واعتبر أن أداء المهر واجب شرعي للزوجة على زوجها إبانة لتشريف المحل في حين ألزم القانون الفرنسي –حتى تم تعديله سنة 1942م- الذي يتشدقون به ألزم المرأة ألا تمارس أهليتها الكاملة في مالها إلا إذا حصلت على تصريح كتابي من الزوج ومثله في القانون الأمريكي والإنجليزي والبلجيكي والإيطالي والأسباني وغيرها, هكذا نرى سمو التشريع الإسلامي وقوانينه على شرائع الغرب وقوانينه.

أما دعاة التحرر من العلمانيين فقد افتروا على المنهج الإلهي واتهموا الشرائع السماوية بأنها قدمت المرأة كسلعة تباع وتشترى عن طريق المهر, وكانت ممن قال ذلك "نوال السعداوي", وبالطبع فكلامها هراء, فلو كان المهر ثمن شراء لجاز للرجل أن يبيع ما يملك أو يؤجره لغيره أو يتنازل عنه لغيره وهذا ليس في الإسلام ولا في غيره من الشرائع الإلهية, وممن قالت أن المهر هو مقابل الاستمتاع الجنسي فقط المدعوة "سناء المصري" التي اتهمت الإسلام أنه جعل المرأة كالعاهرة وهذا أيضا هراء واضح فالمهر يجب للمرأة منذ لحظة العقد وليس من لحظة الدخول عليها وهو حق من حقوقها إذا توفي الزوج عنها ولم يمسها, فكيف يقال أنه ثمن للاستمتاع الجنسي؟

ثم انتقل الكاتب إلى موضوع آخر مهم وهو موضوع النفقة, فتحدث عنها في الكتب السماوية, ففي التوراة هي حق الزوجة الشرعي في إنفاق الزوج عليها وتوفير حياة كريمة تليق بمثلها ولم تختلف النصرانية عنها إذ لم تأت بتشريع ناسخ لذلك فوجوب إنفاق الرجل على زوجته ثابت عندهم, أما في القرآن فأمرها ثابت ومؤكد فقال سبحانه "وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ" البقره:233، وقال "أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ" الطلاق:6.

ولكن العجيب عن فاسدي العقول من العلمانيين دعاة التحرر أن اعتبروا أن باب إنفاق الرجل على زوجته سبب لظلم الرجل للمرأة وأن النفقة سبب لوجود طاعة الزوج عليها وأن النفقة هذه سبب ضياع حقوق النساء, وهذا من افسد الأقوال وأكثرها تعسفا.

ثم تحدث الكاتب عن الطلاق في الأديان السماوية و فقد أباحته التوراة بسبب وبغير سبب ثم قيد ببعض الشروط أما في النصرانية فلا طلاق وتطليق إلا لعلة واحدة وهي الزنا أما في الإسلام فقد جاء الطلاق حقا للزوج عن استشعاره استحالة إكماله لحياته الزوجية وهو حق مكروه لا يستعمل إلا لضرورة لكنه مقيد بطلقات ثلاث لا يحل للزوج أن يراجعها بعد ذلك إلا أن تتزوج زواجا صحيحا مدخولا بها ثم طلاقها طلاقا عاديا ويمكن أن يعاود الزواج منها إن رأيا أنهما سيقيمان حدود الله "الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ" البقره:229، ولا يجوز للرجل أن يهجر زوجته أكثر من أربعة اشهر مما يسمى بالإيلاء فعليه أن يقطع هجره أو يطلقها "لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" البقره: 226-227.

أما ما جاء عن هؤلاء المتناقضين المتربصين فقد اعترضوا على حق الرجل في التطليق ونقدوا رجال الدين في آرائهم حول أحكام الطلاق وطالبوا بمنح النساء حق الطلاق مثل الرجل ثم استفاضوا في الخلع وأحكامه وكان ممن تولى كبر هذا الأمر أيضا "نوال السعداوي وفريدة النقاش" والعجيب أنهما يعلمان أن المرأة أسرع غضبا من الرجل واقل احتمالا وليس عليها من الأصل تبعات الطلاق وآثاره المادية.

ثم كانت القضية الثالثة الهامة وهي قضية التعدد التي وجهت لها غالبية اسهم العلمانيين ممن يدعون أنهم دعاة التحرر.

فالتوراة أباحت لليهودي الزواج بأكثر من امرأة ولم تحدد له عددا ولكن ما جاء في التلمود قيده بأربعة على شرط قدرة الزوج على إعالتهن, وأقرت النصرانية ذلك في بداية أمرها حتى وصلت إلى عام 1750 بدأت الكنيسة تحظر الزواج الثاني على الرغم من الإنجيل كله الموجود بين أيديهم ليس فيه أي ملمح يحرم التعدد, أما في القران فقد أباح الله التعدد وقيده بعدم جمع الرجل في لحظة واحدة بأكثر من أربعة زوجات قال تعالى "وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً" النساء:3.

أما التعدد في فكر دعاة تحرر المرأة فنال منهم اشد المعاناة إذ اعتبروه ليس من الإسلام في شئ وتزعمتهم بالطبع "نوال السعداوي" التي ادعت أن التعدد ليس إسلاميا وتابعتها "فريدة النقاش", وادعى كلاهما أن التعدد ضد الفضيلة وينشا عنه الرعب العائلي, انه ضد مصلحة الزوجة والأبناء ونسوا وتناسوا أن الدول التي تمنع التعدد تسمح في نفس الوقت ولا تجرم اتخاذ العشيقات والأخدان فيكثر فيها الأطفال غير الشرعيين بل وتكثر فيها بيوت الخنا والدعارة لدرجة أن البغاء الرسمي كان معترفا به في مصر حتى عام 1931 وتم الاستفتاء الشعبي على إلغائه, وقد أعلن كبير أساقفة انجلترا أنه لا يجد علاجا لمنع الانحلال الخلقي والانهيار العائلي الذي شاع بعد الحرب العالمية الثانية إلا بإباحة تعدد الزوجات.

ثم أظهر دعاة التفسخ والانحلال دعوتهم لتعدد أزواج المرأة لمقابلة التشريع الإلهي بجواز التعدد للرجل لينشروا الفاحشة التي يحرصون على نشرها في كل مكان يتواجدون فيه وينشرون فيه سمومهم الخبيثة.

وفي الختام فهذا الكتاب كتاب شامل في القضايا الثلاث وقدم فيه الكاتب رؤية عميقة لهذه القضايا وردودا وافية على شبهاتها , فما أحوج المكتبة الإسلامية لهذه النوعية القيمة من الكتب, فجزاه الله خيرا.

--------------------------

[1] سفر التكوين 24 / 51 : 53

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــــــــــــ