المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نرجســـية الـمقام


جاسم داود
09-14-2013, 05:29 PM
http://download.mrkzy.com/u/1013_85cd926839521.gif



نرجســـية الـمقام


تسافر بنا الألقاب إلى حيث نحلم، وعندما يصبح حلمنا واقعاً ، نطير معها إلى حيث لا ندري فتصبح نفوسنا رهينة لذلك الإطار الذهبي الخارجي . يأسرنا بريقه ، فيحولنا إلى أصنام تتحرك وفق معاييره الخاصة. ويبدأ الجوهر الداخلي يفقد لمعانه، فيخبو بريقه و قد يذهب.

ماذا يحدث للنفوس عندما تسافر مع رحلة الألقاب و تعتلي صهوة المقام ؟!

أحياناً تلك النفوس ، ذاتها لا تعرف الإجابة عن ذلك السؤال ، فهي إما مفتونة بسحر الألقاب في حضرة المقام ، وإما غارقة في بحور الغرور والزهو بذلك اللقب ، وإما صامتة حفاظا على مقام الألقاب.

الإنسان الساعي لبناء قلعة صامدة ذات بنيان منيع ، تبقى قلعته يذكرها التاريخ مع مرور الأيام ويشدو بها ، وتتحول إلى مزار يقصده الناس من كل مكان للاستمتاع بهذا المزار والتمعن بآثاره و نقوشه الأثرية ..
الإنسان الذي يحمل رسالة في سعيه ، يتعرض للكثير من العوائق والعثرات، يسقط تارة ويتماسك تارة ، لكنه لا يتوقف عن أداء تلك الرسالة وكلما كانت هذه الرسالة واضحة الملامح والأهداف ، وزاخمة المعاني، ووافرة العطاء ، كلما تلقتها النفوس واستوعبتها وشربت رحيقها كما تشرب الأرض العطشى ماء الغمام الماطر بغزارة.
الإنسان العاقل يدرك أهدافه في هذه الحياة ويدرك الحكمة من خلقه وما عليه من بناء لعمارة الحياة ويعلم أن كلما كان بناؤه قوياً في هذه الحياة ، كلما جعل لبصمته آثر يبقى بعد الرحيل الأخير.

التواضع في المقام لمن ينظرون إلينا بعين الحاجة، ويتطلعون إلى خير ذاك المقام وما ينسجونه من أحلام ، وما يبنون على ذلك المقام قلاعاً من الأمل والنجاح والتجاوز لحالات الجهل التي تسكن عقولهم، هو أساس نجاح صاحب المقام، فهم يتطلعون بعيون حارقة إلى منارتهم لكي تضيء طريقهم المتعثر والغارق في ظلمة الجهل.

ماذا نفعل بضعفائنا عندما نمارس طغيان المقام وسلطته فنقوم بقمع أصواتهم الاستفهامية ، أو إغلاق قنوات العبور إلى ضفاف المقام، أو ممارسة طقوس الصمت الفاجع وقتل رغبة التواصل؟!
إننا نقتل وجودهم ونفوسهم... وما أصعب أن يموت شيئاً في نفس الإنسان وهو مازال على قيد الحياة.

أهي نرجسية تصيب المقام؟!
أم هو مرض يصيب نفوس أصحاب المقام فيجعلها تحلق في عالم تصبو به لذاتها وتتألق في عالم ينطق بالأنا التي لا يسمع صداها إلا النفس ذاتها ؟!
أي عيون تعمي أصحاب المقام عن رؤية الحق في تلك النعم التي أغدقها الرب عليهم واختصهم بنعم لم يختص بها الكثير من البشر!
ألا يتدبرون الحكمة من اصطفاء الله لهم وتخصيصهم بشرف تلك النعمة .
ألا يدركون أن الحساب على قدر العطاء والنعم؟!
ألا يدركون أن كلما ازدادت نقاط القوة عند الإنسان ، ازدادت مسؤوليته في توظيف هذه القوة لخدمة البشر و بناء الأرض ؟!

يا أصحاب المقامات .. رفقا بضعفائنا
علو المقام يكون بعلو الهمة والعزم على أداء رسالة المقام التي منّكم الله بها ، وليس بزهو النفس وتعجرفها وتكتمها عن أداء رسالة المقام.
فسلطة المقام فتنة سارحة بالإنسان إن حكم الهوى في النفس واتبع ضلالها وهي نعمة لمن حكّم العقل و أتبعه هداه.
فهل نكون من أصحاب النعم أم نرضى بأن نكون من أصحاب النقم؟


دمتم برعاية الرحمن وحفظه
الكاتبة رنا خطيب






http://download.mrkzy.com/u/1013_457b4d1035402.gif