المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفطرة الإلهية وقاية وعلاج من الإلحاد


عبدالناصر محمود
09-15-2013, 08:21 AM
الفطرة الإلهية وقاية وعلاج من الإلحاد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ

(د. عامر الهوشان)
ــــــــــــــــــــــــــ




مع كونه لم يصبح ظاهرة بعد, إلا أن الإلحاد بات يؤرق الكثير من المهتمين بالشأن الإسلامي بشكل عام, والمفكرين بشكل خاص, نظرا لما تشهده الساحة الإسلامية من انتشار الإلحاد بين صفوف شبابها, بشكل ينذر بتحوله لظاهرة –لا سمح الله– بعد سنوات إن نحن أهملناه ولم نجد له حلا, وهو ما يشكل عبئا جديدا على المسلمين, يضاف إلى أعبائهم وأزماتهم السياسية والفكرية والدعوية.

ومع ضعف وانعدام حجة منطقية عقلية واحدة تؤيد الإلحاد وتدعمه, ومع الصفعات الكثيرة المؤلمة التي تلقاها خلال الفترات السابقة, واللطمات الموجعة القاتلة, ومع دخول الكثير من الملحدين وأعتاهم في الإسلام في القديم والحديث, وكان آخرهم أشرس الملاحدة في العصر الحديث (سير أنتوني فلو) أستاذ الفلسفة البريطاني الشهير, والتي كانت كتاباته الإلحادية الغزيرة تعتبر جدول أعمال الفكر الإلحادي طوال النصف الثاني للقرن العشرين, والذي ترك الإلحاد واعترف بوجود إله لهذا الكون, وذلك بعد أن جاوز الثمانين من عمره, من خلال إصداره عام 2007 م كتابا يشرح ذلك بعنوان (هناك إله) مما شكل صدمة هستيرية لزملائه وتلامذته الملاحدة -مع كل ماسبق- إلا أن الإلحاد ما يزال يشكل خطرا على شباب المسلمين, لماذا؟؟!!

لعل الشهوات والشبهات الجارفة, هي السبب الرئيسي في ذلك, وبين الشهوات و الشبهات ترابط وتلازم يجعل الفصل بينهما أمرا في غاية الصعوبة, فمع أهمية الشبهات العقلية التي يثيرها أعداء الإسلام في عقول المراهقين والشباب من المسلمين, والتي تشككهم في عقيدتهم ودينهم, إلا أن ذلك لا يعني إهمال الجانب النفسي وتأثيره الشديد على وصول بعض المسلمين للإلحاد, فالجانب النفسي الذي يتسلل منه الملحدون لشبابنا وبناتنا, من خلال استثارة شهواتهم وأهوائهم النفسية, التي يطمرون بها فطرتهم السليمة التي فطرهم الله عليها, يلعب دورا بارزا في تسلل الإلحاد إلى نفوس وعقول المسلمين.

خطر الإلحاد على المسلمين

لعل مكمن خطورة الإلحاد وانتشاره بين صفوف المراهقين والشباب المسلمين, في كونه يبدأ خفيا ويستمر كذلك, حتى يأتي ما يظهره ويكشفه, بعد أن يكون قد توغل في نفوسهم, وتمكن من عقولهم , بشبهاته الواهية وشهواته الجاذبة, وخير دليل على ما نقول قصة أشرس وأكبر ملاحدة العصر الحديث (سير أنتوني فلو) البريطاني, صاحب أكثر الكتابات الإلحادية تأثيرا, فقد كتم هذا الرجل إلحاده الذي اكتمل في سن الثالثة عشر من عمره, وأعلنه في عام 1946 أمام عائلته وزملائه في الثالثة والعشرين من عمره, أي أن كتمانه للإلحاد دام عشر سنين تقريبا.

فإذا كان النصراني البريطاني الذي يعيش في بيئة يمكن فيها إظهار الإلحاد وإعلانه, إضافة لعدم وجود موانع اجتماعية وأخلاقية كبيرة لذلك الإعلان, يخفي إلحاده لمدة عشر سنين, فما بالك بالمسلم الذي يعيش في بلد مسلم وبيئة إسلامية وعائلة إسلامية, لا شك أن إظهار إعلان الإلحاد في مثل هذه الظروف سيكون في غاية الصعوبة, وسنوات الكتمان والإخفاء ستكون أكثر وأكبر.

والإلحاد بهذا المعنى يشبه إلى حد كبير المرض العضال القاتل, كمرض فقدان المناعة (الإيدز) مثلا, والذي لا تظهر أعراضه وتداعياته إلا بعد أن ينتشر في الجسم وتتمكن في الخلايا جراثيمه, فيقضي على كل مقاومة وممانعة – الفطرة الإلهية- مما يجعل طريقه في القضاء على حياة الإنسان ودينه سهلة ميسرة.

وأمثال هذه الأمراض والأوبئة الخطيرة القاتلة, التي يصعب بعد اكتشافها العلاج والدواء, فإن الوقاية منها ومن الوقوع فيها خير وأفضل بكثير من علاجها, وقديما قالوا في المثل: درهم وقاية خير من قنطار علاج, وقال سيدنا عمر: ترك الخطيئة خير من معالجة التوبة, ورب نظرة زرعت شهوة, وشهوة ساعة أورثت حزنا طويلا.

وفي هذا الإطار يمكن القول بأن وقاية أولادنا وبناتنا من الوقوع في شرك وشبك الإلحاد, خير من معالجته ومعاركته, خاصة إذا علم أن العلاج بسيط وفي متناول اليد, لا يحتاج إلا لبعض العناية والرعاية والمتابعة من الوالدين والمربين في فترة المراهقة والصبا, لسلامة وتنمية تلك الفطرة الإلهية السليمة, التي أودعها الله تعالى في كل إنسان في هذا الكون.

معنى الفطرة الإلهية

الفِطْرةُ بالتعريف: ما فَطَرَ الله عليه الخلقَ من المعرفة به والإيمان بوجوده سبحانه, وقد جاء في لسان العرب عن معنى الفطرة: أَن الله فَطَرَ الخلق على الإِيمان به والفَطْرُ في اللغة: الابتداء والاختراع, والمعنى أَن الإنسان يُولَدُ بداية على نوع من الجِبِلَّةِ والطَّبْعِ المُتَهَيِّء لقبول الدِّين, فلو تُرك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها, وإنما يَعْدل عنه من يَعْدل لآفة من آفات البشر والتقليد, كأَولاد اليهود والنصارى في اتباعهم لآبائهم والميل إلى أَديانهم عن مقتضى الفِطْرَةِ السليمة.

وقيل معناه كلُّ مولودٍ يُولد على معرفة الله تعالى والإِقرار به فلا تَجِد أَحداً إلا وهو يُقِرّ بأَن له صانعاً وإن سَمَّاه بغير اسمه ولو عَبَدَ معه غيره. (1)

قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} الروم/30, قال ابن كثير رحمه الله: فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره. (2)

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: فالحنيفية من موجبات الفطرة ومقتضياتها، والحب لله، والخضوع له، والإخلاص له هو أصل أعمال الحنيفية.(3)

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما ينتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها) ثم قرأ أبو هريرة رضي الله عنه : {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } البخاري برقم 1385 ومسلم برقم 2658 .

فالفطرة السوية تهتدي إلى وجود الخالق بما أودع الله في الإنسان من قوانين كلية، تظهر آثارها في الطفل الناشئ الذي لم يتعلم أو يتكلم، فهو يدرك أن الحادث لابد له من محدث، وأن الجزء دون الكل، وأنه يستحيل الجمع بين المتناقضين، وهذا من أوائل العقل وبواكيره, بل اعتبره شيخ الإسلام ابن تيمية أشد رسوخا في النفوس من مبدأ العلم الرياضي، كقولنا: إن الواحد نصف الاثنين، ومبدأ العلم الطبيعي كقولنا: إن الجسم لا يكون في مكانين؛ لأن هذه المعارف أسماء قد تعرض عنها أكثر الفطر، وأما العلم الإلهي فما يتصور أن تعرض عنه فطرة.

وقد اختلف في معنى هذه الفطرة والمراد بها من خلال روايتين عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله:

الأولى: الإقرار بمعرفة الله تعالى وهو العهد الذي أخذه الله عليهم في أصلاب آبائهم حتى مسح ظهر آدم فأخرج من ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعا ومدبرا وإن سماه بغير اسمه قال تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} الزخرف/87, فكل مولود يولد على ذلك الإقرار الأول.

الثانية : الفطرة هنا ابتداء خلقه في بطن أمه من حيث الشقاوة والسعادة التي قدرها الله تعالى على عباده.

ولم ير شيخ الإسلام ابن تيمية تعارضا بين هذين القولين, فالرواية الأولى تعني دين الإسلام, لأن الكافر إذا مات أبواه حكم بإسلامه على الفطرة التي لم يغيرها الوالدان بعد, والدليل هو الحديث الذي استدل به الإمام أخمد على ذلك (كل مولود يولد على الفطرة ) فلو لم تكن الفطرة عنده الإسلام لما صح استدلاله بالحديث.

وأما قول الإمام أحمد في موضع آخر: يولد على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة, فإنه لا ينافي ذلك, فإن الله سبحانه قدر السعادة والشقاوة وكتبهما , وقدر أنها تكون بالأسباب التي تحصل بها كفعل الأبوين, فتهويد الأبوين وتنصيرهما وتمجيسهما هو مما قدره الله أنه يفعل بالمولود, والمولود ولد على الفطرة سليما, وولد على أن هذه الفطرة السليمة يغيرها الأبوان كما قدر سبحانه ذلك وكتبه, وقد مثل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله (كما ينتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ) فبين أن البهيمة تولد سليمة ثم يجدعها الإنسان, وذلك بقضاء الله وقدره, فكذلك المولود يولد على الفطرة سليما ثم يفسده أبواه وذلك أيضا بقضاء الله وقدره.


وبالمجمل فإن كلمة الفطرة هي من الكلمات التي يختلف معناها باختلاف استخدامها, فانها إن جردت تكون الفطرة: هي إدراك الشيء دون الحاجة لتعلمه من الاخرين.
فالفطرة أمر لا يتعلق بما يتعلمه الإنسان من أعمال, ولكنها معرفة مرتبطة بالتكوين أو الخلق, وسميت الفطرة فطرة لأنها ترتبط مع الخلق من بدايته, وهي أمر غير مكتسب بتعلم من الآخرين, فلارتباط الأمر بالفطر أو الخلق سميت فطرة, وكل عمل يقوم به الانسان من غير تعلم مكتسب بوسائل اكتساب المعرفة من سمع وبصر وفؤاد وما يتبعها من باقي الحواس هو أمر فطري.

دور الفطرة في الوقاية من الإلحاد

بداية لا بد من التأكيد بأن هذا المقال موجه للمسلمين وأبناء المسلمين, ممن قد تلوثت نفسه ببعض أدران الإلحاد, أو تسللت إلى عقله بعض شبهاته وأوهامه, أما غير المسلمين ممن ولد لأبوين ملحدين أو غير مسلمين, أو تربى في أحضان الملحدين والكافرين, أو نشأ في بيئة ترعرع فيها الإلحاد وانتشر, فإن الحوار مع هؤلاء مختلف, ليس مجاله ولا مكانه هذا المقال.

إذا علم هذا فإن للفطرة الإلهية التي فطر الناس عليها دور كبير في الوقاية من هذه الآفة الخطيرة, بل والعلاج منها أيضا, فمع كثرة المفكرين والمنظرين والباحثين في كيفية معالجة الإلحاد المنتشر بين شباب المسلمين وبناتهم, ومع كثرة الخوض في المناقشات الفكرية مع من تلوثوا بهذه اللوثة الفكرية الخطيرة من المسلمين, ومحاولة إقناعهم عقليا ومنطقيا ببطلان الإلحاد, وعدم توافقه مع العقل والتفكير السليم, ومع التقدير الكبير لدور هذه المناقشات والحوارات الفكرية في إزالة شبه المشتبهين, ونفض غبار الإلحاد الذي حجب عنهم رؤية الحق, فإن ذلك قد لا يكون كافيا لمعالجة تزايد أعداد الملحدين في صفوف المسلمين, نظرا لعدم ردم المصدر الذي يخرج منه الإلحاد, وعدم قطع دابر السبب الذي ينبت منه الكفر بوجود الإله, ألا وهو انحراف الفطرة الإلهية التي فطروا عليها, والتي هي السبب الرئيسي في انتشار الإلحاد الذي نراه.

ويمكن معالجة هذا الأمر من خلال هذه الرؤى التالية:

1- إن مجرد ترك الإنسان على ما خلقه الله تعالى عليه وفطره, من ميل نحو الإيمان بوجود خالق للكون وصانع, مع ما يترتب على ذلك من الخضوع له والانصياع , والعبادة والطاعة والانقياد , والمحافظة على هذه الفطرة السليمة, خير وسيلة لإبعاد شبح الإلحاد عنه, وأمر كاف للوقاية منه.

فالإلحاد أمر خارج عن نطاق المألوف والعادة, بل خارج عن نطاق الجبلة والطبيعة التي خلق الإنسان عليها, وهي نقطة في غاية الأهمية لا بد من التأكيد والتركيز عليه للوقاية والعلاج من الإلحاد, فالأصل أن يكون الإنسان مؤمنا بوجود الخالق والإله, كما أن الأصل فيه أن يولد بعقل وقلب وحواس, وعكس ذلك هو الاستثناء, وقد ثبت في صحيح مسلم عن عياض بن حماد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: (خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا) صحيح مسلم برقم 2865

قال ابن القيم رحمه الله: فالخلق مفطورون على معرفة الله تعالى وتوحيده, فلو خلوا وهذه الفطرة لنشأوا على معرفته وعبادته وحده, وهذه الفطرة أمر خلقي خلقوا عليه ولا تبديل لخلقه, فقد مضى الناس على هذه الفطرة قرونا عديدة, ثم عرض لها موجب فسادها وخروجها عن الصحة والاستقامة, بمنزلة ما يعرض للبدن الصحيح والطبيعة الصحيحة, مما يوجب خروجهما عن الصحة إلى الانحراف. (4)

2- إذا كان ترك الناس وفطرتهم السليمة دون تأثير عليها وتغيير لملامحها أمر شبه مستحيل في هذه الأيام التي نعيشها, نظرا لكثرة الأفكار الهدامة الوافدة من الشرق والغرب, والتي أصبحت في متناول كل أحد, عبر وسائل الإتصال التي غزت العالم, ورافقت فتيان المسلمين وشبابهم حتى في غرفة نومهم, فإنه لا بد إذن من بعض الإجراءات التي تحمي فطرة المسلمين السليمة, وعقديتهم القويمة من خلال:

· ربط فتيان وشباب المسلمين منذ نعومة أظفارهم بالله تعالى, من خلال تنمية فطرتهم السليمة, وتدعيمها في كل مناسبة, من خلال تشجيعهم على التأمل والتفكر في عظمة الله وقدرته, وبديع خلقه وحكمته, في النفس والكون والحياة.

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على تدعيم فطرة الصحابة الإيمانية, خاصة عند الفتيان والشباب, فنراه يربط ابن عباس رضي الله عنه بتلك الفطرة ويدعمها, من خلال الوصية المشهورة له: ( يا غلام! إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله و إذا استعنت فاستعن بالله و اعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك و لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك جفت الأقلام و رفعت الصحف ) سنن الترمذي برقم 2516 وصححه الألباني.
وكان الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله يربط أولاده وأحفاده بالله لا بنفسه, وذلك من خلال ربط كل عطاء وكل منحة منه بإعادتها لمصدرها ومانحها الحقيقي, ألا وهو الله تعالى الرازق المعطي, فإذا أراد منح ولده شيئا قال له: رزقني الله فأعطيتك, ولولا أن الله رزقني لما ملكت شيئا لأعطيك, وفي ذلك تدعيم للفطرة أيما تدعيم.

كما يمكن لأي مسلم تدعيم الفطرة السليمة عند أولاده من خلال عدة أمور: فمائدة الطعام فرصة ذهبية لاستثارة انتباه الفتيان والغلمان لعظيم خلق الله تعالى وقدرته, فلكل طعام لون وطعم وشكل يختلف عن الآخر, مع أنها بمجملها تخرج من أرض واحدة, وتسقى بماء واحد, والنزهة والطريق فرصة أخرى وميدان آخر للتذكير بالتأمل والتفكر, من خلال لفت انتباه الغلمان والشباب لإبداع الله في الشجر والحجر والأنهار والبحار ...........الخ

· إبعاد المراهقين والشباب قدر المستطاع عن الفلسفة وعلم الكلام , نظرا لوعورته وخطورته, ناهيك عن عدم حاجة المسلم إليه بوجود كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

وقد نصح والد حيران –الشخصية الرئيسية في كتاب قصة الإيمان لنديم الجسر– ولده حيران وقد أولع بالفلسفة وعلم الكلام في شبابه فقال: يا حيران! لقد مررت في مثل الذي أنت فيه, فمالت نفسي للفلسفة, وأوغلت في الشك والحيرة, حتى هيأ الله لي الشيخ أبو النور الموزون السمرقندي –الشخصية الثانية في قصة الإيمان– فنصحني يومئذ بمثل الذي أنصحك به اليوم فقال: (إن الفلسفة بحر على خلاف البحور, يجد راكبه الخطر والزيغ في سواحله وشطآنه, والأمان والإيمان في لججه وأعماقه) فدع عنك يا بني هذه القراءات الناقصة المشوشة البتراء, فإنها شديدة الخطر على عقلك وإيمانك.

· عقد جلسات دورية مع أولادنا ومن تقع مسؤولية تربيتهم على عاتقنا -وخاصة المراهقين منهم والشباب– للتأكد من سلامة فطرتهم, والإجابة عن كل تساؤلاتهم التي تثور في نفوسهم وعقولهم, ولا شك أن ذلك يتطلب معرفة وعلما محصلا عند الأب أو المربي والمعلم.

· عقد لقاءات إيمانية لتلاوة القرآن وذكر الله تعالى, فإنه من أكبر المساعدات على تقوية الفطرة الإلهية, ومن أشد موانع انحرافها وزيغها, فقد تجدي بضع جلسات إيمانية في عودة النفس إلى خالقها ومولاها, ما لا تفعله عشرات جلسات المجادلة والمناقشة الفكرية.

فقد ورد عن أبى الدرداء رضي الله عنه قوله : كان عبد الله بن رواحة يأخذ بيدى فيقول : (تعال نؤمن ساعة، إن القلب أسرع تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانه) رواه أحمد بإسناد حسن , وذكر الذهبي أن في إسناده ضعف .

هذه بعض الرؤى العملية في تقوية وتدعيم الفطرة الإلهية للوقاية من الإلحاد, تلك الفطرة التي تعتبر السد المنيع في وجه كل الشبهات والأفكار الهدامة الوافدة في هذا العصر, وفي مقدمتها الفكر المادي الإلحادي, الذي جعل من التقدم المادي الذي وصل إليه الإنسان إلها من دون الله, فعبد ما صنعه بالأمس, وهو بذلك يشبه إلى حد كبير ما كان عليه الناس في زمن الجاهلية, حيث يصنع الرجل صنما من تمر يعبه في النهار, فإذا جاع أكله, فهل يعقل هذا في القرن الحادي والعشرين؟؟!!

وأختم بمقولة ابن القيم التي تكتب بماء الذهب, لعلها تكون عبرة لنا ومنهاج : (أرض الفطرة رحبة قابلة لما يغرس فيها, فان غرست شجرة الايمان والتقوى أورثت حلاوة الأبد, وان غرست شجرة الجهل والهوى فكل الثمر مرّ) (5)
-----------------------------------------------------------

الفهارس

(1) لسان العرب مادة فطر

(2) تفسير القرآن العظيم ابن كثير 3/433

(3) درء تعارض العقل والنقل ابن تيمية 8/451

(4) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والجكمة والتعليل 24/97 ابن القيم

(5) الفوائد لابن القيم 1/37
ومن مراجع المقال أيضا : مجموع الفتاوى لابن تيمية , قصة الإيمان لنديم الجسر , للكون إله للدكتور صبري الدمرداش .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــــــــــــــــ