المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : متدينون لكن علمانيون:عن الدكتور جايكل والمستر هايد


تراتيل
01-31-2012, 11:21 PM
هوامش على دفتر الثورة -15-

متدينون لكن علمانيون:عن الدكتور جايكل والمستر هايد

أحمد خيري العمري


http://www.quran4nahda.com/wp-content/uploads/2012/01/429281-5965-452.jpg


أفرزت الثورات العربية- كما كان متوقعاً- استقطابات مختلفة ومتنوعة؛ تعبر بطبيعة الحال عن تنوع القوى الفاعلة على الساحة والتي تطمح –على نحو مشروع- في أن يكون لها دورٌ بارزٌ في المرحلة القادمة فيما بعد سقوط الأنظمة..

ورغم أن “المحرك الأول” للثورات، لم يكن بالضرورة واحداً من هذه القوى “التقليدية في معظمها”، فإن استمرارية بعض هذه الثورات قد دعمت من قبل هذه القوى، كما أن الخبرة التنظيمية التي تتمتع بها بعض هذه القوى أسهمت في ديمومة الثورة وتمكينها من تحقيق أولى مطالبها (الإخوان المسلمون والثورة المصرية مثالاً)..

وهذا كله يجعل الساحة لمرحلة ما بعد سقوط الأنظمة مفتوحة للاستقطاب والتنازع بين القوى الإسلامية (بتنوعات مختلفة موجودة داخلها) وبين القوى العلمانية (بتنوعات موجودة داخلها أيضاً)..، وهو أمر طبيعي للغاية ولا غبار عليه.

كما أفرزت نتائج هذا الاستقطاب في كل من تونس ومصر ( وهما الدولتان اللتان حصلت فيهما الانتخابات ) تفوقاً واضحاً للتيار الإسلامي على منافسه العلماني-الليبرالي، كما أظهرت نتائج هذا الاستقطاب عدم تمكن الحراك الثوري الشبابي (في شقه المستقل عن القوى التقليدية) من إحراز أي نتائج مهمة، رغم دوره الكبير أساساً في إشعال الثورة، وتفسير ذلك لا يمكن اختزاله فقط بسرقة الثورات (الذي أؤمن أنه يحدث دائماً) أو بعدم وجود مصادر تمويل كالتي تملكها القوى المعارضة العريقة في لعبة السياسة، أو حتى بعدم وجود خبرة سياسية لشباب الثورة، بل هي تفسَّر أيضاً بحقيقة أن الثورات تقودها نسبة معينة من الشعب، نسبة فاعلة لكنها لا تتجاوز الـ 10% في أحسن الأحوال..

أما الانتخابات فيمكن للجميع المشاركة فيها، ومن هؤلاء مَن كانوا –مثلاً- ضد الثورة في بدايتها أو مع إصلاحات دستورية محددة، أو مع الإصلاح عموماً دون إسقاط النظام، أو أنهم كانوا من “حزب الكنبة” كما يقول إخوتنا المصريون..

أي إن سقوف الناخبين العاديين، مختلفة تماماً عن سقف الثوار.. (وهو أمر طبيعي جداً وعلى الثوار الشباب، بمختلف توجهاتهم وسواء وجدوا في الأحزاب التقليدية غايتهم أو لم يجدوها، أن يعوه دونما إحباطات درامية، فالثورة بالنسبة لهم يجب أن تستمر في توعية الناس، ولا ينتهي الأمر قط بسقوط النظام أو عند أول انتخابات).

التفوق الإسلامي الواضح، لا يعني أن الناس قد اختارت برامج الإسلاميين بوعي كامل، أو قامت بتقييم حقيقي لها (وكذلك الأمر بالنسبة للعلمانيين والليبراليين).. كل ما في الأمر هو أن الجماهير قد انحازت لفطرتها ولما تصورت أنه الأقرب لها، كما أن تضحيات التيار الإسلامي وما تعرض له من تنكيل من قبل الأنظمة الحاكمة قد زاد من تعاطف الجماهير معه، وبالتالي من التصويت له.

وكل هذا أمر طبيعي أيضاً، أن ينحاز الناخب لمن يعتقد أنه “الأقرب له” أمر حتمي، لاحقاً سيكون الأمر أنضج، ومرتبطا بما قدّم “المرشح” من إنجازات أكثر مما استهلك من شعارات..

وهكذا، فإن المتدين عموماً، بدرجات التدين المختلفة، سيختار “مرشحاً” أو حزباً يكون أقرب إلى خياراته وتدينه، وكذلك فإن الناخب “العلماني”، الذي يحصر دينه في زاوية الشعائر فقط، بغض النظر عن تأديته لها أو عدم تأديته لها، سيفضل الخيار العلماني، وقد يكون أكثر ليبرالية، فيختار الخيار “الليبرالي” الذي يتجاوز “الفصل” إلى ما هو أكثر من ذلك..

حتى هنا والأمور منطقية، من حق كل مواطن أن يختار ما يمثله، وأن يتحمل نتائج خياراته. شخصياً أؤمن أن القرآن كفل حق الكفر نفسه، “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”- مع أنْ يتحمل كلٌّ منا نتائج اختياره. (كما أؤمن أن ما عُرِف بحدّ الردّة لا يمكن أن يلغي هذا الحق، وإنما حدث في ظروف معينة خاصة، سياسية غالباً).

لكن ما هو غير منطقي تلك الدعوات التي يعلنها بعض المتدينين، أو ينخرطون على الأقل ضمنها، في دعم أو تأييد “العلمانية ” كخيار، بصراحة أحياناً، وتحت مسميات “تنكرية” شاعت مؤخراً، بدعم بعض العلمانيين الذين قرروا أن عنوان العلمانية لم يعد مناسباً، واختاروا واجهات أكثر لطفاً (مثل الحديث عن الدولة المدنية الذي يخفي أكثر مما يعلن، ويعوم شعارات مطاطة فقط تجنباً لكلمة العلمانية )… علماً أن العلمانيين العرب قد فعلوها أكثر من مرة في العقد الحالي، فتحولت “رابطة العلمانيين العرب”-مثلا- إلى رابطة “العقلانيين العرب”، لكي تكون أكثر قبولاً، دون أن يتغيّر شيء من أهداف الرابطة أو رسالتها (لا يمكن لأحد أن يهاجم العقلانية مثلاً، بينما الأمر مع العلمانية مختلف!)..

صرنا نرى مثلا ،ناشطة معروفة، وحجابها فوق رأسها ، وملابسها تدل على التزام فعلي ،وهي تؤيد الليبرالية أو تنضوي تحت حركات معروفة تماما بعلمانيتها : ما هو هذا الحجاب إذن ؟ هل هو حجاب سطحي فوق الرأس دون أن تثمر مفاهيمه داخل الرأس؟ (هذا مجرد مثال معروف إعلاميا ، لكن الأمر متكرر ويكاد يشبه الظاهرة ).

المتدينون الجدد متدينون فعلاً، لا يمكن لي شخصياً أن أشكك بما في قلوبهم- ولا أن أزكيها أيضاً- فظاهر الأمر يجبرنا على الإقرار بكونهم ملتزمين بالشعائر، ولا يمكن التشكيك في ذلك، أو اتهامهم بالتفلت، لكن ما يمكن الجدل حوله هو فهمهم للتدين، وللدين عموماً، فهو في رأيي الشخصي يعاني من خلل كبير يؤدي إلى هذا الموقف.. وعندما أقول إنهم “متدينون” فإني لا أقصد حتما جماعة “الدين في القلب”.. أو جماعة “الإسلام المعرفي”- أي أولئك الذين فكرهم إسلامي لكنه حكر على الصالونات والندوات ،مع “إيقاف التنفيذ” خارجها..

مَن هم هؤلاء؟ ولماذا يتخذون هذا الموقف المناقض لتدينهم..؟

أولا- فئة متأثرة بالمفاهيم الغربية، رواج هذه المفاهيم وسيادة قيم التغريب لم تعد تقتصر على فئات تأخذ القيم الغربية وتتبناها بكل ما فيها، وتترك دينها بكل ما فيه كما حدث فعلاً قبل عقود، بل صار هناك اليوم فئة واسعة تعرضت لقيم التغريب، ولكنها أيضا فضّلت أن تزاوج بين هذه القيم، وبين ما تتصور أنه يمنح لها دفئاً وتوازناً روحياً في مقابل برودة القيم الغربية، وهكذا تم توليد فهم جديد للدين الإسلامي مشابه للدين الكنسي” وهذا المفهوم “الكنسي” للإسلام هو أسوأ ما يمكن أن يحدث على الإطلاق لفهمنا للإسلام، فهو يحاول تحييد الإسلام ويحوله إلى مجرد شعائر وطقوس معزولة عن سياقاتها الاجتماعية والتأثير فيها، علماً أن هذا الفهم ليس جديداً تماماً، وأن بعض كبار مشايخ المؤسسة الدينية التقليدية(عجّل الله فرجنا بانهيار الجزء الديناصوري منها) يروّجون له على نحو غير مباشر، وذلك عبر عزلهم للدين عن الواقع والشارع.

هؤلاء فهموا حتى الدين من المنظور الغربي “للحرية الشخصية” (المختلف تماما عن المفهوم الإسلامي لها )، وهكذا فإن تحجب فتاة، أو لبسها “البكيني” سيان عندهم، دون أي صواب أو خطأ، أو أي حكم أخلاقي على أيٍّ منهما.. كل القيم الدينية تم إعادة هضمها من خلال منظور القيم الغربية، وتمّ البحث عن نصوص “مجتزأة من سياقاتها غالباً” لتتوافق مع هذه القيم، وتمّ غضّ النظر وتجاهل كل ما لا يمكن التوافق معه من نصوص (مرة بدعوى النسخ، ومرة بدعوى التاريخية، ومرة بالتجاهل فقط).

كان من الطبيعي لهذه الفئة أن تختار “العلمانية” وتجلياتها المختلفة، فتدينها مجرد حرية شخصية، مسألة شخصية لا تغير شيئا خارج نطاق “شعائرها” الضيق، تدينها قشرة “تهمهم بلا شك” ، لكنها مثل أهمية أي “إكسسوار “،إكسسوار مضاف على قيم لا دينية..أنه مهم بأهمية حبة الصداع، لا بد منها للتخلص من الصداع الناتج عن الحياة المعاصرة..و لا يمكن لحبة الصداع أن تتدخل في “صندوق الانتخاب”.

ثانيا -هناك تيار لا يستهان به، تعرضوا لما يشبه “غسيل الدماغ” بخصوص مفهوم” قبول الآخر”، بمعزل عن أي ثابت شرعي يحدد هذا القبول، وصار “قبول الآخر” بمثابة ركن من أركان الإيمان. قبول الآخر بالنسبة لهؤلاء يتجاوز حدود “التعايش” معه – وهو التعايش الشرعي الذي أمرنا به- إلى “الذوبان” فيه.. وإلى رفع أي حدود مميزة بينهم وبين هذا الآخر..

هؤلاء وجدوا أنفسهم اليوم أمام خيار صعب، النسخة المتطرفة التي آمنوا بها من قبول الآخر تتصادم إلى حد بعيد مع النصوص الشرعية التي تشكل “المرجعية” القيمية والأخلاقية والمدنية لدينهم، والتي تمتلك تصنيفاً أخلاقياً واضحاً، بينما قبول الآخر يرفض مبدأ “التصنيف” من أساسه، ويقبل الآخر بمعزل عن أي شرط مسبق.

أمام هذا التناقض، كان لا بد لهؤلاء، أن ينسحبوا إلى مفهوم “شعائري” بحت للدين يقتصر فيه الدين على بعض الشعائر والطقوس، تتفضل الدولة “العلمانية أو المدنية” على حد سواء بالسماح لهم بممارسة “الشعائر”.. الناتج النهائي لهذا الفهم الكنسي للإسلام هو القبول بكل شيء مادام لا يتعارض مع “حقهم” في ممارسة الشعائر.. بالضبط كما لا يتعارض الذهاب إلى الكنيسة يوم الأحد، مع قضاء ليل السبت في المرقص، وكما لا يتعارض وجود “الكنيسة” مع “البار” أو “الماخور” جنبا إلى جنب.


ثالثا- هناك من يروج لهذا الخيار بين المتدينين، بحجة أن “انتصار الخيار الإسلامي”، سيؤدي إلى “إثارة مخاوف الغرب” وتأليبه على هذا الخيار، وقد يؤدي إلى حدوث “عقوبات” أو “تدخلات” خارجية لوأد هذا الانتصار.

هذه العقلية التي تقيس غالباً على أحداث مجتزأة خارج مرحلة الربيع العربي، هي عقلية لا تزال تعيش في مرحلة “الاستضعاف” و”العمل السري”، وهي غير قادرة على فهم التحول الذي حدث عبر الدعم الجماهيري لها والذي يجب أن يكون فاتحة لعهد “التمكين”.

القياس على ما حدث في “غزة” أو “الجزائر” هو قياس على أحداث لها ظروفها وسياقاتها المختلفة تماماً، والدعوى بأننا ننصر الإسلام بعدم دعمه، أو بالتظاهر بعدم دعمه لمرحلة ما، وأن الغرب “ستنطلي” عليه هذه الخدعة-!- هو أمر لا يمكن أن يوصف بأقل من السذاجة بغض النظر عن “حجم” و”مكانة” المروَّج له…

هل سيأتي على الغرب دهر يكون فيه موقفه من الإسلام وديَّاً؟! وهل سيأتي هذا الدهر دون المرور بمرحلة علينا أن نثبت فيها إمكانات الإسلام ونجاحاته؟ وهل انتصار الإسلاميين في العالم الإسلامي يحتاج إلى موافقة الغرب أولا؟.. هذا النوع من “التقية” في التفكير لن يوصل لأي شيء. لا جدال في أن عالم السياسة يتطلب تطمينات لهذه الجهة أو تلك، لكن ذلك لا يكون بالتواري ودعم من لا تؤمن بمبادئه، بل من تؤمن أنها مستوردة بطريقة ما من الغرب، بل يتم عبر تقديم نموذج إسلامي يركّز على مشاكل الأمة دون أن يستبعد فكرة التعايش مع الغرب، التعايش الذي يحترم حقوقنا، ويحافظ عليها من منطلق قوة، وهذا هو السبيل الوحيد لكسب احترام الغرب لنا، لا كسب اعتباره أننا “عملاء ” له أو أن كل طموحنا هو إحداث نسخ “تايوانية” من تجربته.

رابعاً –وهي الفئة الأهم، فئة مَن تنتخب العلمانيين بسبب عدم اقتناعها أن الإسلاميين “الحاليين” مؤهلون لقيادة المرحلة، أو بسبب وجود أخطاء (كبيرة أو صغيرة) شابت سلوكياتهم، أو بسبب أن فهم الإسلاميين للإسلام هو فهم تقليدي لم يرقَ لمستوى المشروع النهضوي الحضاري الذي يمكن للإسلام تقديمه.

هذه الحجة هي الأكثر وجاهة والأكثر تأثيراً، وهي التي تستحق حقا المزيد من التفصيل والتفنيد..، نعم للإسلاميين أخطاء في الفهم كما في السلوكيات، ولكن وضع أخطاء الإسلاميين تحت المجهر، وتجاهل أخطاء التيارات الأخرى في هذا السياق أمر لا معنى له، كلّ التيارات المتنافسة اليوم لها أخطاء مماثلة إن لم تكن تفوق أخطاء الإسلاميين. كل التيارات العلمانية لها جذر مشترك مع الأنظمة التي قامت الثورات ضدها، وأخطاؤها أوصلتنا لما وصلنا إليه، والحديث عن أخطاء الإسلاميين يجب أن يقودنا أيضاً إلى أخطاء العلمانيين وسواهم. هذا أولاً.

ثانيا- مجرد التصور أن الإسلامي لمجرد كونه إسلامياً عليه ألاّ يخطئ هو تصور يعكس فهماً غير ناضج لمهمة السياسي، فهماً لا يزال يدور في فلك “القائد الملهم”" الذي عليه ألاَّ يُخطئ، فلك الصحابي شبه “المعصوم”، فإذا تبيّن لنا أنه يخطئ حطمناه، وجلسنا على ركامه أو ذهبنا لخصومه نكاية به.

“الإسلامي السياسي” في النهاية هو إنسان له ما له وعليه ما عليه، صحيح أن بوصلته “القيمية” يفترض أن تمنحه “الحصانة” ضد بعض الخطايا الكبيرة، لكن وجود البوصلة الصحيحة لا يعني قط أنك ستصل إلى الجهة التي تريد أن تصل إليها، قد تقابلك في الطريق عوائق كثيرة، قد تعصف بسفينتك عواصف وتمنعها من الوصول إلى مقصدك، لكن هذا كله لا يعني قط أن تترك “البوصلة” والطريق لمجرد أنك “قد” لا تصل..

ثالثا- فكرة “الإسلامي”"السوبرمان” الذي يجب ألاّ يخطئ تقودنا إلى التذكير بأن “الانتخاب” لا صلة له بالبيعة بمفهومها التاريخي، الانتخاب “اختيار” لمن تعتقد أنه يمثلك أفضل من سواه، أنت لا تبايعه على شيء، أعضاء حزبه أو تياره يمكن لهم أن يكون لهم من الالتزام “الحزبي” ما يجعلهم في موقع “المبايعة”، وهو أمر أجده شخصياً لا يخلو من مضار جمة، ولا بد من تكريس مفهوم “البيعة المشروطة” بثوابت ومبادئ معينة، تنتهي البيعة بانتهاك شروطها، علماً أن بيعة عثمان بن عفان رضي الله عنه كانت بيعة مشروطة (بأن يستنّ بسنة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما).

رابعا- التنوع الموجود داخل التيار الإسلامي العام صار يتيح أن تختار الأقرب لك، وصار يمكن لك أن “تهدّد” بأنك ستنتخب المرشح الآخر (الإسلامي أيضاً) في حالة وجدته أقرب إلى مفاهيم الإسلام وتطبيقها حتى لو اختلفتَ معه في بعض التفاصيل (هل يهمّك حقاً إن كان يرى وجوب النقاب-!- وأنت لا ترى ذلك، في حالة كان أكثر نزاهة وأكثر توصيلا لصوتك؟)…

لا يمنع هذا أن يكون هناك تحالفات لكل الإسلاميين، لكن وجود التمايزات “داخلها” أمر حتمي، وهو يسهل لك أن تعاقب المرشح الذي لم يؤدِّ أمانته كما يجب، وتكافئ من ترى أنه أدى أمانة ناخبيه.

خامسا-ما هو أهم من كل ذلك، وهو لا يخص المرشحين الإسلاميين فحسب، أن نعلم أن أي سياسي، مهما كان، لا يملك عصا موسى (حتى عصا موسى لم تفلح في تغيير بني إسرائيل بالمناسبة!)، لذا فإننا نمتلك واجباً أيضا عدا التصويت له لكي يتمكن من النجاح؛ علينا أن نكون ملتزمين أكثر بما نطالبه به؛ علينا أن نكون مواطنين أكثر التزاماً بأداء واجبنا، كما نطالب بحقوقنا بالضبط، بل إن أداء الواجب قد يتقدم في أحيان كثيرة على المطالبة بالحقوق، خاصة في الأوقات الانتقالية.

وعي وفهم كل ما فات أمر ضروري جدا، لترشيد العمل الإسلامي نفسه، علينا أن نكفّ عن السقوط في مطبّ “اتباع الساسة الإسلاميين” وتأييدهم في كل ما يقترفون من أخطاء وزلات في موقف”وثني” دفاعي هزيل ضد “أعداء الإسلام”-!- من”العلمانيين”، وكذلك علينا أن نكفّ عن السقوط في المطب المضاد، وهو تركهم والتخلي عنهم والاتجاه نحو العلمانيين.

كيف سينضج “ساستنا” إن كنا نتعامل معهم على هذا النحو غير الناضج..؟! علاقتنا معهم متبادلة التأثير..، الرعية راعية أيضا للراعي، وليس الراعي وحده راعياً للرعية، الرعية “راعية” بممارسة دورها النقدي..

لم نعد المتلقي الذي يصفق للقائد، ولن يكون من مصلحة أحد أن نتحول إلى المتلقي الذي يرجم مرشحه منذ أول زلة، لكن علينا ألاَّ نكفَ عن انتقادهم عند الخطأ.. أن نشعرهم دوما أن هذا التصريح كان زلة لن يقبلها من انتخبه وعليه ألاّ يكرره، وأن هذا التحالف المريب لا يتوافق مع ثوابت كانت سببا في انتخابه.. كما يجب أن نكون أيضا ناقدين لأنفسنا، لا نطلب منهم ما نستكثره على أنفسنا..

ما يجب أن أميزه هنا هو الفرق بين تحالف يضم إسلاميين وعلمانيين وليبرالين، وبين حزب علماني.. التحالف يمكن أن يحدث لمصالح وطنية مشتركة تضم كل التيارات، وهو تحالف يمكن أن يدعم من قبل الملتزمين دون تردد أو غضاضة مادام التيار الإسلامي داخل هذا التحالف متمايزاً ومحتفظاً بصوته..

******************

ما لا أفهمه حقا، هو كيف يمكن لهؤلاء “المتدينين الجدد” أن يحسموا هذا التناقض في داخلهم..

كيف لهم أن يمروا على آيات مثل “أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ المائدة(50) أو “فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا النساء(65) أو “أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ البقرة(85).. دون أن يشعروا بالقشعريرة أو الغصة أو بشيء ينغص عليهم “تدينهم” المنزوي في ركن الشعائر والطمأنينة وراحة النفس..؟

لا أفهم كيف يمكن لجوفهم أن يضم قلبين؟ (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) الأحزاب (4) قلب مسلم يؤدي الشعائر، وقلب علماني يمضي في حياته دون اكتراث..

لا أفهم كيف تمكّنوا من تخدير التشاكس الموجود داخلهم (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) الزمر(29)… هذا التناقض الموجود فيهم موجود في الكثيرين منا بنسب متفاوتة …، في داخل كل منا (دكتور جايكل ومستر هايد )، ولعل هذه المرحلة المصيرية التي نمر بها تحتم أن نواجههما معا، أن نحسم معا هذا التردد الذي يجرنا إلى التذبذب والتناقض.

لا مشكلة في أن تختار أن تكون علمانياً، ليبرالياً، أو حتى ملحداً، هذا خيارك وشأنك…. المشكلة هي أن تكون “بين-بين”..المشكلة ألاَّ تحسم أمرك، أن يبقيك ترددك خارج الفعل الحقيقي الحاسم ..

كن دكتور جايكل..أو كن مستر هايد..

لكن أبدا أبداً، لا تكن الاثنين معا…




دكتور جايكل ومستر هايد :رواية معروفة للكاتب الاسكتلندي روبرت لويس ستفنسن ،صدرت عام 1886، ونالت شهرة واسعة ، تتحدث عن حالة فصام شخصية للمحامي د.جيكل،الذي يعيش حياة رصينة ، ولكنه يتحول لمستر هايد الذي يعيش حياة مناقضة تماما.

جاسم داود
02-01-2012, 02:17 AM
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمن ِالرَّحِيمِ
الْسَّلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الْلَّه وَبَرَكَاتُه
الأخت القديرة
جزاك الله خيراً على الموضوع الطيب
أكرمك الله وأسعدك أينما كنت
نسأل الرحمــن أن يجعل كل عملنا خالصاً لوجهه الكريم
وفقك الله وسدد خطاك
وصلى اللهُ على سيِّدِنا مُحمَّد وَعلى آلِهِ وصَحْبه وَسلّم
دمـتي برعـاية الله وحفـظه

تراتيل
02-01-2012, 02:13 PM
حياك الله أخي .. وجزاك خيرا على هذه الدعوات وكل ما تقدم !