المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مسلمو ألبانيا ..عودة الهوية الدينية


عبدالناصر محمود
09-18-2013, 07:35 AM
مسلمو ألبانيا ..عودة الهوية الدينية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

12 / 11 / 1434 هـ
18 / 9 / 2013 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(د. نصرت تشانشار)
ــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3406.jpg



دولة ألبانيا، التي تبلغ مساحتها 28,784 كيلومترًا مربعًا، تحتل في تاريخ شبه جزيرة البلقان مكانة جيوستراتيجية بالغة الأهمية؛ فأراضيها تمتد على طول الساحل الجنوبي للبحر الأدرياتيكي 316 كيلومترًا، ونحو الداخل، إلى جهة الشرق، تتسع مساحتها عرضًا بين 100 إلى 150 كيلومترًا. مرَّت بها تاريخيًا كل الطرق البحرية الرابطة بين موانئ اليونان وإيطاليا، ولاحقًا بين موانئ البندقية وتركيا. عرفت موانئ ألبانيا منذ العصور القديمة تطورًا مهمًّا ساهم بشكل مباشر في تنمية الاقتصاد الألباني وتنوع الحياة الثقافية للألبان.

من المعروف تاريخيًا أن ألبانيا، وكل الفضاء الواقع في جنوب شبه جزيرة البلقان، كان أرضًا يسكنها الإيليرويين منذ القرن التاسع قبل الميلاد، وهم شعوب من أصول هندو-أوروبية تعرضوا باستمرار لمحاولات احتواء وإخضاع من قبل اليونانيين ثم الرومان اللذين سعيا إلى فرض ثقافتيهما على تلك الشعوب.

منذ القرن السابع قبل الميلاد، وعلى إثر قدوم السلافيين إلى شبه الجزيرة البلقانية، بدأت أعداد الإيليريين في تناقص، وتمت عمليات إرغام قبائل إيليرية في كرواتيا والبوسنة والهرسك والجبل الأسود وصربيا على القبول بالانتماء إلى الهوية السلافية، ولم ينجُ من ذلك سوى السكان الإيليريين المقيمين في أراضي ألبانيا كما هي اليوم، وكوسوفو والمنطقة الغربية من مقدونيا ونجحوا في الحفاظ على هويتهم الثقافية واللغوية لأسلافهم الإيليريين القدامى. وظلت اللغة الألبانية، منذ العصور القديمة وإلى يومنا هذا، العامل الأهم في بناء الهوية الألبانية والحفاظ عليها(1).

بدأت عمليات التنصير في ألبانيا، كما في غيرها من المستعمرات الرومانية، في القرنين الثالث والرابع. وبتقسيم الإمبراطورية الرومانية بين الشرق والغرب عام 395م وقعت ألبانيا تحت السيادة البيزنطية. وهنا نذكِّر بأن ثلاثة من الأباطرة البيزنطيين الأوائل: أناستاسيوس الأول، وجاستين وجاستينيان الأول، كانوا من أصول إليرية.

أدى ترهل السلطة المركزية البيزنطية إلى تقوية شوكة الحكام المحليين في الأقاليم المجاورة وأضعف في نفس الوقت حكام البلدان المجاورة. وهكذا ضمت صربيا ألبانيا في العام 1344 وحكمتها حتى العام 1389 عندما قهرت تركيا صربيا في موقعة كوسوفو وأنهت مستقبل دولة صربيا لخمسمائة عام قادمة، لكنها أيضًا رهنت مستقبل دولة ألبانيا لأربعة قرون كذلك.

خضعت ألبانيا إلى الحكم التركي منذ العام 1385 (أم: 1389بعد معركة كوسوفو) وحتى 1501، وقد لاقت القوات التركية مقاومة شرسة من قبل القائد العسكري الألباني غيارغ كاستريوتي، المعروف في الوثائق التركية باسم إسكندر بيك، وكان ذلك ما بين أعوام 1446-1468.

خلال القرون الأربعة للاحتلال التركي لألبانيا اعتنق غالبية الألبان الإسلام، وبلغت نسبتهم حوالي 80%. وتبعًا لذلك تأسست داخل المجتمع الألباني مؤسسات تعليمية ودينية وإدارية جديدة أفرزت شخصيات شهيرة مثل: غيديك أحمد باشا، الذي كان أحد الجنرالات المميزين في جيش السلطان محمد الفاتح، وكبير الوزراء محمد باشا كوبرولو 1656-1702، ومحمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة، والعالم الإسلامي المعروف ناصر الدين الألباني، وكثيرين آخرين.حصلت ألبانيا على استقلالها عام 1912 مع سقوط الإمبراطورية العثمانية، قبل أن تحتلها إيطاليا الفاشية قبيل الحرب العالمية الثانية عام 1939 وخلعت ملكها أحمد بيك زوغوا.عام 1944 قاد ثوار الجبهة الوطنية المعادية للفاشية بالتعاون مع منتسبي الحزب الشيوعي الألباني معارك الاستقلال ضد بقايا القوات الألمانية المحتلة وطردوها من الأراضي الألبانية وسيطروا على مقاليد الحكم في البلد في 28 نوفمبر من العام 1944، واستلم أنور خوجة رئاسة ألبانيا وأرسى ديكتاتورية شيوعية استمرت حتى العام 1991. وكان أنور خوجة قد أعلن عام 1967 ألبانيا "أول دولة مُلحدة في العالم"، وأغلق أو هدم كل المؤسسات الدينية والتي كان يبلغ عددها 2169، ومنع كل نشاط ديني وسجن مئات الأئمة والعلماء المسلمين والمسيحيين وقتل منهم من كانوا يُظهرون مقاومة له ولنظام حكمه(2).

على إثر تهاوي المنظومة الشيوعية وانهيار الحلف السوفيتي تخلصت ألبانيا من الأيديولوجيا الشيوعية وبدأت تشق طريقها نحو تأسيس دولة مدنية ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان والحريات العامة. انضمت ألبانيا إلى حلف شمال الأطلسي عام 2010، وهي مرشح قوي لعضوية الاتحاد الأوروبي. كما لا يفوتنا التذكير بأن ألبانيا عضو كامل العضوية في منظمة التعاون الإسلامي منذ عام 1992.

الخارطة الديمغرافية والاقتصادية(3)

· يبلغ عدد سكان ألبانيا 3,011,405

· التوزيع الإثني لسكان ألبانيا: ألبانيون 95%، يونانيون 3%، في حين تبلغ نسبة باقي السكان 2%.

· الانتماء الديني لسكان ألبانيا: 70% من المسلمين، 20% أرثوذكس، 10% كاثوليك.

· نسبة الزيادة في عدد السكان بلغت 0,29% أو 8,733 نسمة سنويًا.

· متوسط عمر السكان: 31 سنة.

· نسبة الأمية: 2%.

· الدخل القومي الخام: 26,54 مليار دولار أميركي.

· الدخل الفردي السنوي: 8200 دولار أميركي.

· بلغت نسبة النمو في الدخل القومي الخام عام 2012 نسبة 1,3%، ونلفت الانتباه هنا إلى أن نسبة النمو في الدخل القومي الخام الألباني مستمرة في الارتفاع منذ عام 2000؛ ما يجعلها الدولة الوحيدة في البلقان التي لم تعرف ركودًا اقتصاديًا.

· يبلغ حجم الدين الخارجي 5,917 مليار دولار أميركي.

بنية المجتمع المسلم في ألبانيا

لم تُفصح الإحصاءات السكانية الأربعة الأخيرة التي أُجريت في ألبانيا عن توزيع واضح للسكان بحسب انتمائهم الديني، إلا أن جُلّ المصادر المحلية والأجنبية تقدر نسبة المسلمين في ألبانيا بحوالي 70%، مقابل 20% من الأرثوذكس و10% من الكاثوليك، كما توجد مصادر أخرى غير رسمية تقدر نسبة المسلمين الألبان بـ80%(4)، بينما تؤكد مصادر أخرى أن المسلمين في ألبانيا أقلية(5).ومهما يكن من أمر، فإننا سنعتمد في هذه الدراسة النسبة الرسمية والتي تقدر بـ70%. ووفقًا لهذه التقديرات فإن عدد المسلمين يبلغ 000 2,100 نسمة. وجدير بالذكر في هذا الإطار أن الجماعة الباكتاشية في ألبانيا، تحت اسم "المركز العالمي للباكتاشية" تُصنف باعتبارها جزءًا من المجتمع المسلم الألباني، وذلك في كل الإحصاءات الرسمية.

قانونيًا وفعليًا تتمتع الجماعة الباكتاشية منذ 2001 باستقلالية كاملة باعتبارها مؤسسة دينية لها نفس وضع المؤسسات الدينية الأخرى: الجماعة المسلمة في ألبانيا والكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية، وتتحدث أكثر التقديرات وثوقًا عن بلوغ نسبة الباكتاشيين في المجنمع المسلم الألباني حوالي 15% أو حوالي 316000 نسمة(6). ويضمن الدستور الألباني حرية مطلقة للألبانيين في اختيار انتمائهم الديني، ويمنح للمؤسسات الدينية حقًّا كاملاً في إدارتها دون أي تدخل من الدولة التي لا تمدها بالتمويل، وتسمح لها بالحصول على التمويل والمساعدات المالية من تبرعات المؤمنين والمساعدات المالية القادمة من الدول الأجنبية والمنظمات الدينية والكنائس، ويحرم القانون التعليم الديني داخل المدارس العمومية ولا يسمح به إلا داخل المؤسسات الدينية التابعة لكل ديانة.

نشرت صحيفة "تيرانا أوبزرفر"(7) في عددها الصادر في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2011 معلومات تفردت بها حول عدد المنشآت والمؤسسات الدينية في ألبانيا، معتمدة في ذلك على تقارير الجماعات الدينية الألبانية المختلفة؛ ووفقًا لتلك المعطيات فإنه يوجد في ألبانيا 1668 مؤسسة دينية تتوزع بين كل الديانات الموجودة في ألبانيا:

· 873 مؤسسة إسلامية، منها 700 مسجد/جامع سني، و173 زاوية بكتاشية.

· 794 كنيسة، بينها 450 أرثوذكسية، و196 كنيسة كاثوليكية، و148 كنيسة بروتستانتية.

تظهر هنا بعض الخصوصيات المتعلقة بالجانب الديني لمسلمي ألبانيا؛ إذ إن عدد المؤسسات الإسلامية في هذا البلد وخاصة منها المساجد هو الأقل، مقارنة بأعداد المساجد في دول الجوار البلقاني المسلمة، هذا من ناحية أما من ناحية أخرى، فإننا نجد في ألبانيا من الزوايا ما يفوق بكثير أعدادها في نفس تلك الدول المجاورة.

ولنضرب هنا مثلاً، فعدد المصلين الذين يؤمّون مسجدًا واحدًا في ألبانيا يبلغ 2,570 شخصًا، أما في البوسنة فيخصص مسجد واحد لكل 1,119 مصليًا، وفي الجبل الأسود 885، وفي كوسوفو 2,160، وفي مقدونيا يبلغ معدل عدد مرتادي المسجد الواحد 1,100، في حين يكون في صربيا مسجد واحد لكل 1,261 مصليًا، وفي بلغاريا 794(8).

تنشط الطرق الصوفية في ألبانيا أكثر من أي بلد آخر في دول منطقة شبه جزيرة البلقان، ويظهر ذلك في أشكال التقاليد الصوفية وجماعات الدراويش التي تهيمن عليها طريقة الدراويش الباكتاشيين، ونذكّر هنا بأنه على إثر منع كمال أتاتورك نشاط جماعات الدراويش عام 1925، فإن شيخ الطريقة الباكتاشية رحل من تركيا ليستقر في ألبانيا التي أعلنها مركزًا عالميًا للباكتاشية. وقد شيد الباكتاشيون في ألبانيا 173 زاوية، في حين يُعرف عنهم عبر التاريخ أنهم لم يهتموا في الغالب ببناء المساجد.

إذا طبقنا نفس التوزيع الذي اعتمدناه سابقًا بين عدد السكان المسلمين والمساجد التي يعمرونها، فإن الخارطة الخاصة بالمسيحيين بمختلف مذاهبهم تبدو كالتالي: يبلغ العدد الإجمالي للمسيحيين بمختلف مذاهبهم حوالي 911000 نسمة ويرتاد كل كنيسة للصلاة فيها حوالي 1,147 مسيحيًا، وهو وضع أفضل بكثير من وضع المسلمين. ويكتسي هذا التحليل أهمية بالغة في فهم منطلقات وأسس حملات التشويه والتخويف من الإسلام (الإسلاموفوبيا) التي يروجها المسيحيون، والتي أصبحت ظاهرة مشهودة في المجتمع الألباني في العقود الأخيرة.

التأثير الخارجي وردود الفعل الداخلية

تطلبت جهود إعادة تجديد مظاهر الحياة الإسلامية والروحية لمسلمي ألبانيا، كما لغيرهم من أتباع الديانات الأخرى، بعد خمسة عقود من الحملات الإلحادية الشرسة التي شنتها الديكتاتورية الشيوعية، مساهمة جيل جديد حديث السن في كسب ذلك الرهان وهو ما لم يكن متوفرًا في ألبانيا. وفي تلك الحقبة قرر الرئيس المنتخب حديثًا عام 1992، صالح بريشا، إعادة جزء من الهوية الإسلامية المقموعة للمجتمع الألباني. ودون اكتراث كبير بالإجراءات البرلمانية الواجب اتباعها في رسم القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية، استطاع الرئيس صالح بريشا إلحاق ألبانيا بعضوية منظمة التعاون الإسلامي(9). وبهذا تمكنت ألبانيا من ربط علاقات تسمح لها بتطوير مشاريع تعاون سياسي واقتصادي وثقافي مع العالم الإسلامي.

منذ العام 2006، ووفقًا لمعلومات رسمية قدمها سمير روشاكو، رئيس قطاع التعليم في مؤسسة الجماعة الألبانية المسلمة، فقد تلقى 1,357 طالبًا ألبانيًا تعليمًا إسلاميًا في جامعات تركيا ومصر وليبيا والأردن وماليزيا والإمارات العربية المتحدة وسوريا ولبنان وقطر وعمان واليمن والسعودية(10). عودة هؤلاء الطلبة إلى بلدهم وتوظيفهم للعمل في المؤسسات الإسلامية تزامنت مع *** العائدين من الطلبة تفسيرًا سلفيًا للإسلام، وممارسة شعائرية غريبة عن التقاليد التي درج عليها المجتمع الألباني المسلم. ومع قدوم المذهب السلفي وطريقته المختلفة في أداء الشعائر الدينية، حلّت أيضًا رؤوس أموال ضختها دول إسلامية خُصصت في مرحلة أولى للمساعدات الإنسانية والعمل الخيري، ثم استُعملت تلك الأموال في مرحلة لاحقة في الاستثمارات في مشاريع مختلفة وشهدت حركة تشييد المساجد تطورًا واضحًا في قرى ومدن ألبانيا.

اتسمت عملية إعادة أسلمة الحياة للألبان المسلمين في قطاعات مختلفة بطابع سلفي واضح؛ حيث باتت المساجد التي كانت خاوية من المصلين إلى حدود العام 1991، عامرة بشباب في مقتبل العمر من الملتحين أصحاب السروايل القصيرة الذين يؤدون صلاتهم بطريقة مختلفة عما توارثه مسلمو ألبانيا حنفيو المذهب.

طريقة هؤلاء الشباب في ممارسة شعائرهم الدينية وتحركاتهم الدعوية الداعية إلى "استعادة القيم الإسلامية الصحيحة" أحدثت نوعًا من التذمر داخل المجتمع الألباني و***ت انتباه النخبة السياسية والثقافية الألبانية الملحدة، كما ***ت أيضًا اهتمام الدبلوماسيين الأجانب ووكالات الاستخبار وممثلي الاتحاد الأوروبي والعسكريين الأميركيين المقيمين في البلد.

لاحظ المراقبون الموضوعيون للساحة الدينية الألبانية وجود نفس الممارسات أو ما يشبهها لدى مسيحيي ألبانيا خاصة فيما يتعلق بالنشاط الواضح للمنظمات الخيرية الكاثوليكية والإنجيلية والبعثات التبشيرية وتعدد المؤسسات المسيحية الغنية التابعة لدول غربية؛ وتهدف تلك النشاطات إلى إعادة تمسيح الألبان المسيحيين، وفي أحيان كثيرة إلى التبشير بالمسيحية بين الملحدين من مسلمي ألبانيا دون أن تثير تلك النشاطات التبشيرية قلق أو ردة فعل الرأي العام الألباني أو الملاحظين المقيمين في ألبانيا(11).

لم تلق عودة مظاهر الحياة الإسلامية في المجتمع الألباني ترحيبًا من طرف النخبة السياسية والثقافية، بل على العكس من ذلك فقد لاقت عودة الإسلام الكثير من الريبة والمعاداة، وكان يُنصب له أكثر من كمين؛ حتى إن الرئيس الألباني في ذلك الوقت، ألفريد مُوِيسِيُو، قال في إحدى محاضراته التي ألقاها في منتدى بأكسفورد عام 2005: "ليس الإسلام دينًا أصيلاً في ألبانيا، بل لقد تم ***ه إلى بلدنا عن طريق جيوش العثمانيين... وليس صحيحا أن المسلمين يشكِّلون أغلبية السكان في ألبانيا"(12)، وقد كان أحد الكتّاب الألبان المغمورين، إسماعيل قداري، دعا إلى نقاش عام حول الهوية الثقافية والدينية للألبان، مؤكدًا على أن "الألبان كشعب ينتمون إلى الثقافة المسيحية والحضارة الأوروبية دون غيرها"، ومتهمًا مسلمي ألبانيا بتنفيذ حملات أسلمة مفتوحة للألبان المسيحيين، مضيفًا: إن رئيس الوزراء صالح بريشا يسعى لتحويل ألبانيا إلى دولة إسلامية من خلال إلحاقها بعضوية منظمة التعاون الإسلامي(13).

جاء رد فعل المنتدى الإسلامي الألباني(14) حادًا وسريعًا، واتهم الرئيس مويسيو والكاتب قداري بالعنصرية والإسلاموفوبيا، ودعا المنتدى الرجلين إلى الاعتذار العلني للمسلمين في ألبانيا على ما اجترآ عليه من ادعاءات باطلة وجرح لمشاعر المسلمين، وقد تلا ذلك جدل واسع في وسائل الإعلام تواصل لشهور عدة وأوجد نوعًا من الانقسام داخل الساحة الثقافية والسياسية الألبانية، ولكن هذا الجدل دلّل أيضًا على أن الصحوة الإسلامية تحظى بتقدير متزايد داخل الدوائر الأكاديمية والثقافية لهذا البلد.

لم تتقبل جماعة الباكتاشيين بدورها هذا التوجه الجديد الداعي إلى إعادة إحياء الإسلام السني في ألبانيا؛ فالباكتاشية حققت انتشارًا واسعًا في البلد بسبب مزجها بين التعاليم الدينية الإسلامية والمسيحية، وسماحها لأتباعها بجميع المُتع واعتمادها منهجًا ليبراليًا متساهلاً تجاه الواجبات الدينية، وكل ذلك يتوافق تمامًا مع طبيعة المجتمع المحلي من سكان الجبال والقرى الذين يميلون إلى عدم الالتزام عمومًا. هذا، وقد تمكنت الجماعة الباكتاشية من احتلال موقعها المتقدم داخل النسيج المجتمعي وشاركت بفعالية في الحركة الوطنية لاستقلال ألبانيا، وحظي أتباعها بمكانة مرموقة داخل النخبة الألبانية، وقدموا أنفسهم قادة للإصلاح والتسامح داخل المجتمع الألباني. وقد كان لمثقفي الجماعة الباكتاشية قبيل الحرب العالمية الثانية دورًا رائدًا في النقاشات العامة المطالبة بإجراء إصلاحات داخل المنظومة الإسلامية(15)، لكن مطالباتهم الإصلاحية تلك تراجعت قبل ظهور المذهب السلفي في ألبانيا.

يبقى أن نشير في هذا الصدد إلى أن إيران أبدت اهتمامًا كبيرًا بدعم الجماعة الباكتاشية وأتباع المذهب الشيعي في ألبانيا، ويظهر ذلك من خلال تقديم منح دراسية لكوادر الجماعة الباكتاشية وترجمة المؤلفات الشيعية وتعليم اللغة الفارسية.

انقسامات وتوترات

يُشكِّل المسلمون الألبان أكبر فئة مجتمعية دينية في هذا البلد، والجماعة المسلمة الألبانية هي وريثة الجماعة الإسلامية التي كانت موجودة في ألبانيا قبل حقبة الحكم الشيوعي، والتي كانت تتبع فقه المدرسة الحنفية وتتبنى التقاليد الإسلامية العُثمانية.

كنا أشرنا في موقع متقدم من هذه الدراسة إلى أن المؤسسات الإسلامية لاقت تدميرًا شبه كامل خلال الحقبة الشيوعية، ولم تستطع الجماعة الإسلامية بعد عام 1991 استعادة نشاطها دون مساعدة مادية وبشرية (دعاة وعلماء وأساتذة) من بلدان العالم الإسلامي، وقد كان قصب السبق في تلك المساعدات للمملكة العربية السعودية وبلدان الخليج الأخرى.

يرأس الجماعة المسلمة الألبانية، فريد موتشا، وتحوي الجماعة داخلها ثلاث مجموعات مصالح، أو لنقل: ثلاث مدارس مختلفة:

1. الجماعة الألبانية-القومية التي تمثلها العائلات الألبانية الأصيلة سليلة العلماء التقليديين، لكن أعضاء هذه الجماعة يفتقدون الثقافة والتعليم الديني، كما تضم الجماعة أيضًا عددًا من العلماء الذين تلقوا تعليمهم الديني أساسًا في تركيا ومصر. وتدعو هذه الجماعة إلى إحياء "الإسلام الألباني" على الصورة التي كان عليها قبل حقبة حكم الديكتاتورية الشيوعية في ألبانيا، ويُسيطر أعضاؤها على المناصب الإدارية العليا في المجتمع ويديرون الأوقاف الإسلامية وأموال المتبرعين المتأتية من مسلمي ألبانيا ومن المتبرعين الأجانب، كما أنهم أصحاب المبادرات في صنع الحياة الدينية ورسم العلاقات مع الأحزاب السياسية والحكومة الألبانية. وهي جماعة قريبة من الحزب الديمقراطي بزعامة صالح بريشا.

2. الجماعة ذات التوجه التركي أو القريبة من تركيا، والتي تلقى أغلب قادتها تعليمهم الجامعي في تركيا، وتضم أساتذة ومدرسين أتراكًا متواجدين في المدارس الدينية والجامعات والمعاهد. تتلقى هذه الجماعة تمويلها من الدولة التركية ومن ريع الأوقاف.
يظهر التأثير التركي على مناحي الحياة الإسلامية في ألبانيا من خلال نشاطات مؤسسات فتح الله غولن. ويدير الأتراك ويمولون خمسًا من بين سبع مدارس إسلامية، كما أسس الأتراك في 9 إبريل/نيسان 2011 أول جامعة إسلامية في ألبانيا. وقد استطاعت الطريقة العصرية الحديثة التي يتبعها الأتراك في تقديم الإسلام وقدرتهم على توظيف مخرجات الثقافة الحديثة والوسائل التكنولوجية المتطورة أن ت*** الشباب الألباني حتى أصبح الألبان يقولون: "احتل الإسلام التركي مكانة الإسلام العربي"(16).

3. بعض عناصر الجماعة السلفية التي تلقى أبرز قادتها تعليمهم أساسًا في المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى، يشغلون مناصب أئمة في المساجد، في حين يدرّس بعضهم الآخر في المدارس الإسلامية. وقد لاقى التوجه السلفي ومُمارسات أتباعه رفضًا وصدًا في أوساط المجتمع المسلم الألباني، وتبعًا لذلك بدأنا نشهد إبعادًا للكوادر من السلفيين وتعويضهم بأولئك الذين أنهوا تعليمهم في تركيا أو بمن تلقوا تعليمهم في ألبانيا، وهو أفضل الخيارات. وتبعًا لعمليات إقصاء وإبعاد العناصر السلفية من المجتمع الألباني المسلم، فقد تأسست مؤخرًا رابطة الأئمة الألبانيين التي تسعى إلى حماية وضع أعضائها القانوني وتطالب بحقوقهم المدنية.

توجد في صلب الجماعة الألبانية المسلمة حالة من التوتر المستمر والتجاذب بين تلك المدارس الثلاث ومجموعات المصالح، وقد تتسرب بعض تلك الصراعات أحيانًا إلى العلن. وتعاني الجماعة المسلمة في ألبانيا من غياب القائد الديني والقدوة الموثوق به خاصة من قبل فئة الشباب الذين تعرّفوا على الإسلام عن طريق السلفيين ومعتقداتهم، كما ينقص الجماعة المسلمة الألبانية التمويل اللازم للاستجابة إلى الحاجيات المتزايدة للنشاط التعليمي والدعوي وما يتطلبه من نفقات.

ويمكن تهدئة هذا التوتر وإعادة الثقة بين مُكونات المجتمع الألباني المسلم الرئيسية الثلاث من خلال ابتكار مشروع تعليمي-رُوحي وإنساني وثقافي ينهل من معين التقاليد المجتمعية الأخلاقية التي تم إهمالها، إلا أن مبادرة مثل هذه لم تجد طريقها في المجتمع الألباني المسلم، ويبدو أن ذلك العمل ينتظر أن يتولاه طرف ثالث يقوم بدور الوسيط في تقريب وجهات النظر المتباينة.

ما يُلاحَظ هو أن 70% من المصلين الذين تغص بهم المساجد في مدن تيرانا ودوريس وسكودر، هم من السلفيين الشباب، وتكاد الجماعات المسلمة المحلية في ألبانيا تخلو من جيل المصلين الذين هم في منتصف العمر (من 40 إلى 60 عامًا) وهو الجيل الضائع الذي جنت عليه ديكتاتورية أنور خوجه الشيوعية وحملته على الإلحاد.

قد تلتقي هنا وهناك بين جماعات المصلين بعض الشيوخ السبعينيين أو الثمانينيين من أولئك الذين بلغوا سن الرشد في عهد ديكتاتورية خوجة، التي فرضت الإلحاد عام 1967، وقد أنجاهم الله من الوقوع فيه بفضل ما اكتسبوه من ثقافة وإيمان روحي في أيام صباهم.
_______________________________________
الدكتور نصرت تشانتشار ديبلوماسي بوسني شغل منصب سفير بلاده في دولتي الإمارات العربية المتحدة وقطر ما بين1995 و2002 وهو حاليا سفير غير مقيم للبوسنة إلى ألبانيا. له عدة مؤلفات وترجمات في السياسة والدبلوماسية, و عمل أستاذا في الحضارة والتاريخ الإسلامي في الجامعات البوسنية.

كريم ماجري: باحث متخصص في شؤون البلقان
----------------------------------------------------

المصادر
(1) لمعرفة المزيد عن هذا، راجع "الغزو البربري لألبانيا"، رايموند زيكال ووالتس إيفاسكيف، مختصر تاريخ ألبانيا، نيويورك 1994.

(2) لمزيد من المعلومات زوروا:

www.http://gjirokastrainfocus.tripod.com
(3) المعلومات مستقاة من: CIA The World Factbook, 2012

(4) انظر "80% من الشعب الألباني مسلمون"

http://www.balkaninsight.com/en/main/news/22817/
(5) راجع محاضرة الرئيس الألباني، ألفريد مويسيو خلال منتدى أكسفورد "التسامح الديني في تقاليد الألبانيين"، والتي أكد فيها على مسيحية الشعب الألباني نافيًا أن تكون أغلبيته مسلمة . www.zeriislam.com

(6) هاغ بولتون، سهى تاجي-فاروقي، الهوية المسلمة والدولة البلقانية، لندن: Hurst and Company,1997, pp. 118.

(7) www.tiranaobserver.al/2011/10/28/raport/ekskluziv
(8) يورغن نيلسون، صميم أكغونول، أحمد ألباشيتش، بريجيت ماريشال، كريستيان موي: المسلمون في أوروبا، مؤسسة القلم، سراييفو 2011، صفحة 30.

(9) الهوية الوطنية الألبانية والإسلام في حقبة ما بعد العهد الشيوعي، أيدين بابونا، ص 44.
(10) ميراندا فايكرس، الإسلام في ألبانيا، أكاديمية الدفاع البريطانية، 2008، ص 10.

(11) الهوية القومية الألبانية...ص 7.

(12) أولسي ياييخي، تاريخ أسس الإسلاموفوبيا في ألبانيا

www.zeriislami.com
(13) يمكن مشاهدة الجدال بين إسماعيل قداري ونشطاء في منتدى مسلمي ألبانيا على الموقع التالي: www.forumimusliman.org

(14) منتدى مسلمي ألبانيا هو منظمة غير حكومية أسسها عدد من المثقفين الألبان المسلمين عام 2005؛ هدفها بناء صورة جديدة للإسلام والمسلمين في ألبانيا وحماية حقوق الإنسان ومحاربة العنصرية والإسلاموفوبيا. وتتهم دوائر اليسار السياسي في ألبانيا أعضاء هذه المنظمة بالأصولية الإسلامية.

(15) سهى تاجي-فاروقي، الإسلام الشيعي والهرية-هويتا العلويين والباكتاشيين في فترة ما بعد الإمبراطورية العثمانية. أي .بي. توريس&كوليت، لندن 2012، ص180–191.
(16) ألتين رحيمي، مسلمو ألبانيا وتواصلهم مع الهوية الدينية،

www.balkaninsight.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــــــــــــــــ