المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تبلور نظرية النظم مع عبد القاهر


أيمن أحمد رؤوف القادري
09-21-2013, 08:36 PM
د.أيمن أحمد رؤوف القادري
لقد جعل عبد القاهر الجرجاني (471هـــ/1078م) دلالة النظم اللغوية، في ترتيب الكلمات وترابطها. وهو، في ذلك، قد أغفل ما أشار إليه الباحثون من ترابط بين سورة وأخرى، ترابطاً ينمّ عن جودة وإتقان. ونحن هنا نميل إلى أن إغفاله ناجم عن عدم انضواء ذلك الامر تحت باب النحو، إضافة إلى أمر آخر لا أظن أن عبد القاهر غفل عنه، وهو فقدان الإجماع على توقيفية الترتيب في سور القرآن، في حين أن ترتيب الآيات توقيفيٌّ حتماً وإجماعاً.
ربما كان لهذه النظرة أثر في ما لاحظه عبد القادر حسين، إذ قال في مقالته «عبد القاهر الجرجاني ونظرية النظم»، عبر مجلّة الفكر العربي: «إن عبد القاهر حين طبق نظرية النظم على الأمثلة لا نراه يتعدى الجملة أو الجملتين أو الجمل... ولا يتجاوز ذلك إلى القطعة الكاملة، أو القصيدة التامة...». وانظر بعد ذلك إلى تعريفه للنظم في «الدلائل»: «ليس النظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب بعض...».
على أي حال، لا يرضى عبد القاهر بأن يكون هذا النظم اعتباطياً يقتصر الغرض فيه على إنشاء جمل سليمة من اللحن، وكفى!! لا بد أن تظهر فائدة من هذا النظم. استمع إليه وهو ينقل في «الدلائل»، تعريف بعضهم للنظم: «خصوصية في نظم الكلم، وضمّ بعضها إلى بعض على طريق مخصوصة، أو وجوه تظهر بها الفائدة...»، الأمر الذي يدل على أنّ هناك نظماً بسيطاً، ونظماً آخر هو الذي يحظى بخصوصية تميّزه من الأول، ذلك أنه سيسلك طريقاً مخصوصة تبلغه إلى الفائدة المرجوة.
وقبل أن نسأل: ما هي الطريق؟ وما هي الفائدة؟ نرى من الأهمية أن نتذكر انتقاد عبد القاهر للجاحظ (255هــــــ/868م) على بعض أساليبه الكتابية، فقد قال: «ترى سبيله في ضم بعضه إلى بعضٍ، سبيل من عمد إلى لآلٍ فخرطها في سلك، لا يبغي أكثر من أن يمنعها التفرّق، وكمن نضد أشياء بعضها على بعضٍ، لا يريد في نضده ذلك أن تجيء له منه هيئة أو صورة، بل ليس إلا أن تكون مجموعة في رأي العين...»

طريق «النظم المفيد»
وبعد، فإن شئنا السؤال عن طريق المخصوصة لبلوغ النظم المفيد، فليس إلا النحو. قال عبد القاهر: «ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله...»، وقال: «مدار أمر النظم على معاني النحو...»
هذه هي الطريق، أما الإفادة التي تُــجنى فهي بلوغ المعنى الرائق. قال: «ليس الغرض بنظم الكلم أن توالت ألفاظها في النطق، بل أن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل...»
وعبد القاهر لا يملّ من سرد الأمثلة الدالة على مذهبه، فيستحضر الأبيات والآيات والحكم المنثورة، ويدلّل على جمالها المتأتي من جودة السبك. مثال ذلك قول ابن المعتز (296 هـــ/908 م).
وإني على إشفاق عيني من العدى= لتجمح مني نظرة ثمَّ أطرق
قال عبد القاهر في دراسة تحليلة راقية: «فترى أن هذه الطلاوة، وهذا الظرف، إنما هو لأن جعل النظر يجمح؟ وليس هو ذلك، لأن قال في أول البيت «وإني» حتى دخل اللام في قوله «لتجمح»، ثم قوله «مني»، ثم لأن قال «نظرة»، ولم يقل «النظر» مثلاً، ثم لمكان «ثم أطرق»، وللطيفة أخرى نصرت هذه اللطائف، وهي اعتراضه بين اسم «إن» وخبرها بقوله «على إشفاق عيني من العدى»....».

حقيقة العلاقة بين النظم والنحو
رأينا أن عبد القاهر قد فسّر النظم بأنه ربط الكلمات برباط من علم النحو، وإلا فإن المعاني والأغراض لا تــــــــتَّضح، ولا تخرج إلى حيّز الإبلاغ: «إن الألفاظ مغلقة على معانيها، حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها، وإن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها...». ولا يكتفي عبد القاهر بمجرد الاسترشاد بمقاصد النحو الأساسية، وعناوينه الكبرى، بل «لا نعلم شيئاً يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظم في وجوه كل باب [من النحو] وفروقه....». ويقول أيضاً: «وإذ قد عرفت أن مدار أمر النظم على معاني النحو، وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه، فاعلم أن الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد ازدياداً بعدها».

الاعتراضات على ربط النظم البلاغي بالنحو.
غير أن هذا الذي يطرحه عبد القاهر لا بد أن يواجه بعدة اعتراضات:
الأول: أن الجاهلي بل العربي حتى قبيل نشأة علم النحو، كان «ينظم» أجود أنواع النظم نثراً وشعراً دون حاجة إلى أصول النحو، أو معرفة بمصطلحاته وعوامله اللفظية للرفع وغيره. يروي صاحب «الخصائص» ابن جني(392ﻫـ/1001م)، في هذا المجال، حواراً له مع أحد الأعراب الفصحاء، ممن كان يأخذ عنهم اللغة. فقد قال له: كيف تقول: ضربتُ أخوك؟ قال الأعرابي: أقول ضربتُ أخاك. فأداره ابن جني على الرفع، فأبى الأعرابي، قال: لا أقول «أخوك» أبداً. قال ابن جني: فكيف تقول ضربَني أخوك؟ فرفع الأعرابي، فقال ابن جني: ألست زعمت أنك لا تقول: «أخوك» أبداً؟ عندئذ أجاب الأعرابي: «إيش هذا؟ اختلفت جهتا الكلام». هذا، وعلم النحو قد أرسيَتْ قواعده، لكنها لم تصل إلى ذاك الأعرابي. فكيف يكون الحال قبل نشوء النحو؟ ألم يكن هناك بلاغة وفصاحة؟ فلماذا التعويل، إذاً، على النحو!؟
الثاني: أن العلم بقواعد اللغة لا يستلزم بالضرورة تكوين طاقات فنية إبداعية. فهذا الخليل بن أحمد (175ﻫــ/791م) يضع علم العروض، ويصنّف أول معجم، وهو «العين»، ومع ذلك لا يكون نصيبه من الشعر إلا كلّ غثّ.
روى له ابن قتيبة (276ﻫـ/889 م) في «الشعر والشعراء»:
إنَّ الخليط تصدّع= فطِرْ بدائك أوْ قَعْ
لولا جوارٍ حسانٌ = حورُ المدامع أربعْ
أمُّ البنين، وأسماءُ= والرَّبابُ، وبوزعْ
لقلتُ للرَّاحل: ارحل= إذا بدا لك، أو دعْ.
ثم قال: «وهذا الشعر بيّن التكلّف، رديء الصنعة، وكذلك أشعار العلماء ليس فيها شيء جاء عن إسماح وسهولة، كشعر الأصمعي (216هــــ/831م) وشعر ابن المقفع (142هـــ/759م)، وشعر الخليل، خلا خلف الأحمر (180هـــ/796م)، فإنه أجودهم طبعاً وأكثرهم شعراً. ولو لم يكن في هذا الشعر إلا «أم البنين» و«بوزع» لكفاه!»
الثالث: أن الكلام قد يكون كلّه موافقاً لأصول النحويين، ثم لا يقال فيه إنه بليغ. ويمكن التأكيد على ذلك من خلال استقراء تعريفاتهم للكلام. صحيح أن تعريفهم له أفضل من تعريف اللغويين، إلا أنه قاصر في المنظور البلاغي. فمع تقدم الزمن ومرور عهد عبد القاهر، بقي الكلام عندهم كما يقول ابن عقيل (769 هــ/1367م) في شرح ألفية ابن مالك (672هـــ/1273م): «اللفظ المفيد فائدة يحسن السكوت عليها»، وقال الأشموني (900هــ/1495م) في شيء من الإضافة: «(مفيد) فائدة يحسن السكوت عليها (كاستقم)، فإنه لفظ مفيد الوضوح، فخرج باللفظ غيره من الدوالِّ مما ينطلق عليه في اللغة: كلام، كالخطّ والرمز والإشارة»!!

احتراز عبد القاهر من هذه الاعتراضات
لا يبعد أن يكون عبد القاهر قد اصطدم بهذه الاعتراضات، وهو في مرحلة الإعداد لنظريته، ونحن بعدئذ لا نتوقع أن يقف حائراً أو غير مبالٍ لتلك الشبهات.
وفعلاً، ها هو يتحدى ذوي الشبهات مهما كانت، ويقول منتصراً لنظريته: «.... إنّا نحبّ أن لا ينبس أحد في معنى السؤال والاعتراض بحرف، إلا أريناه الذي استهواه....». ولئن كان عبد القاهر لم يقدم لنا الردود على هذه الاعتراضات في مكان واحد، فإننا نستطيع، بعد شيء من الجهد والتقصي هنا وهناك، أن نستجمعها ونستقري الدقة في دحض الشبهة.
1- العبرة بمدلول المصطلحات لا بمنطوقها.
إنّ عبد القاهر تداول مسألة النظم بألفاظ مختلفة، الأمر الذي يدل على أن العبرة عنده بمفهوم النظم، لا بمنطوقه، وأن المصطلح دائماً إنما هو وسيلة للدلالة على المراد، فمتى فهم المراد بذاته، كان المصطلح من نافل الأمور.
ونحن لو عدنا إلى ما قبل بدايات نشوء علم النحو، وجدنا فعلاً أن الناس على السليقة اللغوية، فهم يفهمون النحو أكثر ممّا فهمه سيبويه، وإن كان الواحد منهم لو قرأ «الكتاب» لم يفقه منه إلا القليل القليل، وكذلك القول في مصطلحات الخليل العروضية، فقد نقل ممدوح حقي (1423هـ/2002م) في «العروض الواضح» قول أحدهم:
مستـــــفعلن فاعـــــــــلن فعولُ= مــــــــــسائل كلُّـــــــــــها فضول
قد كان شعر الورى صحيحاً= من قبل أن يُــخْلَقَ الخليل
يمكن لتقريب الصورة أن نضرب مثال شاعر عربي لا يتقن إلا العربية، فتترجم أشعاره إلى الفارسية، ويطلب إليه قراءتها... إن النتيجة معروفة! مع أنها في الواقع أشعاره، وهو أدرى البشر بمضمونها.
كل هذا كان واضحاً في ذهن عبد القاهر.
يقول: «وهذا سؤال لهم، من جنس آخر، في النظم. قالوا: لو كان النظم يكون في معاني النحو، لكان البدوي الذي لم يسمع النحو قطّ ولم يعرف المبتدأ والخبر، وشيئاً مما يذكرونه، لا يتأتّى له نظم الكلام. وإنا لنراه يأتي في كلامه بنظم لا يحسنه المتقدّم في علم النحو...».
فما كان جوابه؟ «الاعتبار بمعرفة مدلول العبارات لا بمعرفة العبارات. فإذا عرف البدوي الفرق بين أن يقول: «جاءني زيد راكباً»، وبين قول: «جاءني زيد الراكب»، لم يضرّه أن لا يعرف أنه إذا قال «راكباً»، كانت عبارة النحويين فيه أن قولوا في «راكب» إنه حال، وإذا قال «الراكب» إنه صفة جارية على زيد...».
واستحضر عبد القاهر رواية من هذا الباب جرت مع أحد الأعراب: «أترى الأعرابي حين سمع المؤذن يقول: أشهد أنّ محمداً رسولَ الله، بالنصب، فأنكر وقال: صنع ماذا؟ أنكر من غير علم أن النصب يخرجه عن أن يكون خبراً، ويجعله والأول في حكم اسم واحد، وأنه إذا صار والأول في حكم اسم واحد، احتيج الى اسم آخر، أو فعلٍ، حتى يكون كلاماً، وحتى يكون قد ذكر ما له فائدة....؟».
لسنا في حاجة، بعد هذا، إلى شرح للعبارات حتى تنبئنا بالقوة الدامغة في تبكيت الخصوم.
2- العالم النحوي قادر على التبصّر بفنون النقد
يعترف عبد القاهر بأن العلماء لن يكونوا بالضرورة، أصحاب قدرة على نقد الشعر. وتراه في تأكيد هذا، يروي المزيد من الحوادث التي تصبّ في المصبّ ذاته.
فعبيد الله بن عبد الله بن طاهر، يسأل البحتري (284ﻫـ/897م) عن مسلم بن الوليد(208ﻫـ/823 م) وأبي نواس (199هـ (http://ar.wikipedia.org/wiki/199_%D9%87%D9%80)ــ/813م (http://ar.wikipedia.org/wiki/813)): أيهما أشعر؟ فيقول البحتري: أبو نواس. عندئذ يعترض عبيد الله: «إن أبا العباس ثعلباً (291ﻫـ/904م) لا يوافقك على هذا». فماذا يقول البحترى؟ لا بدّ من التأني عند التأمل في القول: «ليس هذا من شأن ثعلب وذويه، من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله. إنما يعلم ذلك من دفع في سلْك طريق الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ضروراته...».
وهذا آخر يغفل عبد القاهر اسمه يقول: «رآني البحتري ومعي دفتر شعر، فقال: ما هذا؟ فقلت: شعر الشنفرى (70 قبل الهجرة/525م). فقال: وإلى أين تمضي؟ فقلت: إلى أبي العباس أقرؤه عليه. فقال: قد رأيت أبا عباسكم هذا، منذ أيام عند ابن ثوابة (277هــ/890م)، فما رأيته ناقداً للشعر. فقلت له: أمّا نقده وتمييزه فهذه صناعة أخرى، ولكنه أعرف الناس بإعرابه وغريبه...»
إن هاتين الروايتين منـــتقاتان بدقة، إذ عندما يختار عبدُ القاهرِ البحتريَّ ليكون أحد طرفي الحوار في كل مرة، فهذا يرجح الحكم على ما فيهما بالقبول، فنحن نعلم ميل عبد القاهر إلى البحتري.
ومن خلال التدقيق في كلام البحتري لا نجده يخرج العلماء من حقل النقد إخراجاً حتمياً، فهو يطب من عالم اللغة إذا أراد نقد الشعر أن يباشر في نظمه، لئلا يكون «من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله».
وهنا نتساءل: هل كان عبد القاهر شاعراً ؟ لن ننظر إلى الأبيات التي صدّر بها «الدلائل»، فهي أقرب إلى منهاج ألفية ابن مالك وما شاكلها. وعلى ذلك لن نجد له شعراً كثيراً. يقول محمد حنيف فقيهي في «نظرية إعجاز القرآن عند عبد القاهر الجرجاني» إنّ له شيئاً يتناقله الرواة، «إلا أننا نراه شعراً قليلاً، لا يعدو أن يكون هواتف قد ألــحــَّت عليه في بعض المناسبات، لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون محصول شاعر ونتاج أديب، يصح أن يسلك اسمه في سلك الشعراء....»
إلا أن إخراج عبد القاهر من سلك الشعراء المجيدين لا يعني بالضرورة انتفاء الذهنية الأدبية، والحسّ الفني، والذوق النقدي، عنده. كيف ذلك ونحن نرى ابن المقفع، مثلاً، صاحب مدرسة النثر الفني، ولكنه لا يملك الجرأة على ادعاء الشاعرية؟
إذاً، هل كان لعبد القاهر شيء من النتاج النثري الفني؟ إن كتب التراجم لم تنقل إلينا من أسماء مصنفاته ما يفيد ذلك. لكننا نجد في غير موضع من «الأسرار» ذلك النفس الإبداعي. حتى في تناول الأمور التي تتخذ الأسلوب العلمي، نراه يمزجه بأسلوب فني رائق. مثال ذلك قوله تعليقاً على أحد النصوص للجاحظ:
«فقد ترك أولاً أن يوفّق بين الشبهة والحيرة في الإعراب، ولم ير أن يقرن الخلاف إلى الإنصاف، ويشفع الحق بالصدق، ولم يعن بأن يطلب لليأس قرينةً تصل جناحه، وشيئاً يكون رديفاً له، لأنه رأى التوفيق بين المعاني أحق، والموازنة فيها أحسن، ورأى العناية بها حتى تكون أخوة من أب وأم، ويذرها على ذلك تتفق بالوداد على حسب اتفاقها بالميلاد، أولى من أن يدعها، لنصرة السجع وطلب الوزن، أولاد علّة، عسى أن لا يوجد بينها وفاق إلا في الظواهر، فأمّا ما يتعدى ذلك إلى الضمائر، ويخلص إلى العقائد والسرائر، ففي الأقل الظاهر...»
فأنت ترى هنا ازدواجاً أو توازياً في العبارات، وتسجيعاً ترضاه الأذن بل تحبّذه، وكثيراً من الاستعارة النابهة، كما في ادّعاء الجناح لليأس، وقديماً كان الطائر الذاهب يساراً أمارة على اليأس، فجاء الجناح إيماءةً لطيفة إلى ذلك الاعتقاد. وترى التشخيص في أبهى صورة عندما جسّد المعاني، وأعطاها صفة البشر، حتى غدت رابطة الأخوة تؤلف بينهما، والأرقى من ذلك أنه جعل من المعاني ما يترابط بوشائح الأخوة التامة من أب وأم، وما لا يترابط إلا من جهة الأم. والقبيل الأخير ما دخله التكلّف اللفظي. فكأن تغليب العنصر اللفظي يفقد المعنى أباه!! ألا يوحي ذلك بأن المعنى أدعى إلى أن يرمز إليه بالأب، واللفظ بالأم؟ إن الأمّ وعاء لماء الرجل، وعبد القاهر يقول في «الدلائل» إن الألفاظ أوعية للمعاني. يا لها من لفتة خفية لا تدرك إلا بالتفكّر والروية، تماماً كما يطلب عبد القاهر!
وتأمل بعد ذلك سلاسة العبارات، وبهاءها، والجزالة التي تخطر بها الكلمات. ألا يدلّ ذلك كله على قدرات عالية في الكتابة الفنية؟!
إذاً، عبد القاهر من الأشخاص الذي يرتضيهم البحتري لخوض غماري البحوث العلمية النظرية، والبحوث النقدية التطبيقية!
3-«معاني النحو» غير «علم النحو»
ليس علم النحو بمفهومه المألوف الشائع القائم على إدراك أسباب الإعراب من رفع ونصب وجر، هو ما يعوّل عليه عبد القاهر في نظرية النظم. إنه يقول مخاطباً من يريد الاقتصار في فائدة النحو على هذا: «... و[أن] تزعموا أنكم إذا عرفتم مثلاً أن الفاعل رفع، لم يبق في باب الفاعل ما تحتاجون إلى معرفته!!» إذا ، ما المقصود بالنحو!؟
لقد كان عبد القاهر في موضع من «الدلائل» ينتقص من قدر بعض النصوص الأدبية، رغم أنها سليمة التركيب من المنظور النحوي الشائع. وهنا افترض اعتراضاً ليتولّى دحضه، قال: «فإن قلت: أفليس هو كلاماً قد اطّرد على الصواب وسلم من العيب؟ أفما يكون من كثرة الصواب فضيلة؟ قيل: أما الصواب كما ترى فلا. لأنا لسنا في ذكر تقويم اللسان، والتحرر من اللحن وزيغ الإعراب، فنعتدّ بمثل هذا الصواب، وإنما في أمور تدرك بالفكر اللطيفة، ودقائق يوصل إليها بثاقب الفهم...»
عبد القاهر، إذاً، لا يبغي سلامة التركيب وكفى، وإنما جمال التركيب، أو ما سماه إبراهيم سلامة في «بلاغة أرسطو بين العرب واليونان» بــــ«النحو الجمالي»، انظر إليه وهو يضع في كفَّتي الميزان «النحو المعياري» و«النحو الجمالي»:
«وإذا نظرتم في الصفة مثلاً، فعرفتم أنها تتبع الموصوف، وأن مثالها قولك: «جاءني رجل ظريف» و«مررت بزيد الظريف»، هل ظننتم أن وراء ذلك علماً، وأن ههنا صفة تخصِّص، وصفة توضح وتبيّن، وأن فائدة التخصيص غير فائدة التوضيح، كما أن فائدة الشيّاع (الشيوع) غير فائدة الإبهام، وأن من الصفة صفة لا يكون فيها تخصيص ولا توضيح، ولكن يؤتى بها مؤكدة، كقولهم: «أمس الدابر»، وكقوله تعالى: {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة} [الحاقة، 11/69] وصفة يراد بها المدح والثناء كالصفات الجارية على اسم الله، تعالى جدّه....؟».
فالنحو الجمالي ينقّب عن الفائدة البلاغية التي أسداها اللفظ، وعن الكيفية التي بها استطاع تنويع المعنى. إن قول عبد القاهر: «... أو وراء ذلك علماً»، إشارة الى علم آخر غير علم النحو، فماذا سمّاه!؟ لنقرأ معاً قوله في مكان آخر: «مدار أمر النظم على معاني النحو». «معاني النحو» هذه، هي نفسها التي عادت فألَّفت عند البلاغيين المتأخرين «علم المعاني»، ولهذا قال نقل القزويني (739ﻫـ/1338م) في الإيضاح قول السكاكي (626هـــ/ 1228م): «علم المعاني هو تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره، ليحترز، بالوقوف عليها، من الخطأ في تطبيق الحال...» ولقد عدّ القزويني أبواب علم المعاني ثمانية، نجد في «الدلائل» بذوراً لمعظمها، تحت أسماء شديدة التقارب.
إن مصطلح «معاني النحو» ليس من إنشاء عبد القاهر، فقد سبقه إليه السيرافي، إذ نقل عنه أبو حيان التوحيدي في «الإمتاع والمؤانسة» قوله: «معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته، وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير، وتوخّي الصواب في ذلك، وتجنّب الخطأ من ذلك...». فالسيرافي هنا يمزج بين «معاني النحو» و«علم النحو»، وإن كان من الممكن للباحث استنتاج أن «معاني النحو» أشمل.
أمّا عبد القاهر، فإني على ثقة بأن شيئاً في داخله كان يحركه للنهوض بمعاني النحو، علماً مستقلاً، لا يرتبط بعلم النحو، إلا من بعيد... لماذا؟ لعلّ الإجابة لن يدركها معاصرو عبد القاهر، بل الباحثون الذين تبلور في عهدهم «علم المعاني» كما أراده هو، فـــينقل عبد القادر بن عمر البغدادي (1093هــ/1682م) مثلاً في «خزانة الأدب» عن الأندلسي (779 هـ/1377 م)، وهو نحوي أيضاً، قوله: «علوم الأدب ستة: اللغة والصرف والنحو، والمعاني والبيان والبديع. والثلاثة الأول لا يستشهد عليها بكلام العرب دون الثلاثة الأخيرة، فإنه يستشهد منها بكلام غيرهم من المولدين، لأنها راجعة إلى المعاني، ولا فرق في ذلك بين العرب وغيرهم، إذ هو أمر راجع إلى العقل. ولذلك قبل من أهل هذا الفن الاستشهاد بكلام البحتري وأبي تمام وأبي الطيّب، وهلمّ جراً....».
وهكذا فإن «معاني النحو» أو «علم المعاني» تمتاز بأمرين: الأوّل أنّها مشتركة بين اللغات، بخلاف النحو، فله خصائص تتبع كل لغة، والثّاني أنّها قائمة على العقل.
ونسأل بعد: وماذا في ذلك؟ أقول إن هذين أبرز ما يريدهما عبد القاهر للنهوض بإثبات الإعجاز، ولن نتسرع في الإيضاح، فالمقالة القادمة كفيلة بذلك، إن شاء الله!