المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدور الريادي لحملة القرآن الكريم في نهضة الأمة


عبدالناصر محمود
09-23-2013, 07:50 AM
الدور الريادي لحملة القرآن الكريم في نهضة الأمة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ

17 / 11 / 1434 هـ
23 / 9 / 2013 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ






الدور الريادي لحملة القرآن الكريم في نهضة الأمة

كلية الدراسات الإسلامية والعربية – دبي

د . أحمد محمد مفلح القضاة

ـــــــــــ

إن التربية التي حظي بها الجيل الأول, كانت بلا شك العامل الأساسي الذي جعلهم يغيرون مسار التاريخ, ويكتبون الأحداث في العالم من جديد, فقامت للعدل دولة بلغت مشارق الأرض ومغاربها, لا فرق فيها بين غني وفقير, ولا بين رفيع ووضيع إلا بالتقوى والعمل الصالح.

إن العالم الذي يعاني –في هذا الزمان– ما يعانيه من ويلات ومصائب و ظلم واستبداد, وجوع وحرمان, لمحتاج أشد الاحتياج لمثل هذا الجيل, ليصحح ويرد الناس إلى جادة الصواب, فهل من الممكن رؤية ذلك الجيل من جديد؟؟ وما السبيل إلى ذلك؟؟

تحاول هذه الدراسة الإجابة عن هذا السؤال, عبر أربعة مباحث تناولت تلك الإجابة, كان أولها بيان خصائص القرآن العظيم, التي صاغت نفوس ذلك الجيل الذي نتحدث عنه, فالقرآن كتاب هداية قبل كل شيء, أنزله الله تعالى لإرشاد الناس إلى الحق والخير.

لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا دعا أحدا إلى الإسلام تلا عليه القرآن, وإذا أراد أن يجادل المشركين ويقيم عليهم الحجة تلا عليهم القرآن, وإذا أراد أن يعلم المسلمين ويربيهم تلا عليهم القرآن, بينما غاب هذا المنهج اليوم عند كثير من الدعاة, الذين انشغلوا بتقديم الحجج العقلية والكلامية في سبيل إقناع المدعوين, مما تسبب في إبعاد القرآن الكريم كأعظم وسيلة لهداية الناس.

إن القرآن لم ينزل لصنع المعجزات والخوارق فحسب مع أنه جدير بذلك, ولكن غاية نزول القرآن أعظم من كل هذه المعجزات والخوارق, إنه نزل لصناعة وصياغة جيل جديد يصنع العجائب ويغير مجرى الأحداث.

ولعل النموذج الأعظم لقدرة القرآن الكريم على ذلك, ذلك الرعيل الأول من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, الذين كانوا قبل القرآن أهل جاهلية وضلال, فإذا بهم بعد نزول القرآن وإشراق نوره على أفئدتهم رهبان الليل فرسان النهار, فإذا سمعوا أمر القرآن كانوا أول المبادرين للتنفيذ, وإذا سمعوا تحذيره ونهيه كانوا أول المنتهين.

ومن أجل إكتمال الصورة الحقيقية لجيل القرآن الكريم الأول من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, يرسم الباحث في المبحث الثاني الصفات التي تحلى بها حملة القرآن في ذلك الجيل, لربط القول بالفعل والمظهر بالجوهر, فذكر أهمها وهي:

1- الإيمان العميق الذي استقر في قلوبهم, مما جعل الواحد منهم لا يتزحزح عن دينه لا بالترغيب ولا بالترهيب.

2- الفهم الدقيق للقرآن الذي يدعوهم للقراءة والعلم في أول كلمة من كلماته (اقرأ).

3- العمل الصالح الذي نشروا من خلاله الخير في كل مكان حلوا فيه.

4- الهمة والنشاط التي جعلت من أبي أيوب الأنصاري ابن الثمانين من العمر لا يترك ساحات الجهاد حتى الاستشهاد, والذي جعل عمرو بن الجموح يقول لأبنائه: دعوني أجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة, وجعل ابن أم مكتوم الضرير يقول: يا معشر المسلمين أعطوني الراية فإني لا أفر.

وهكذا صارت المحنة منحة, وتحول العذر المقعد إلى عطاء وثبات, وصار الضعف قوة, فما أعظم القرآن الذي صنع هذه النفوس, التي تفيض همة ونشاطا ليس له حدود.

5- الحركة الدائبة التي لا وقوف فيها فكان جيل القرآن الأول إما في جهاد أو دعوة أو علم وتعليم أو عبادة وطاعة أو عمل, أما القعود والخمول والكسل فلا وجود له في قاموس حياتهم.

6- الروح الجماعية التي أدرك أهميتها جيل القرآن الأول, فصناعة الحضارة وبناء الأمة وجهاد الأعداء, ليست من الأعمال التي يقوم به الأفراد, ولذلك لم ينسب التاريخ انتصارات المسلمين لخالد أو أبي عبيدة أو صلاح الدين, بل نسبوه لجماعة المسلمين, وهو ما يجب أن يعقله ويتدبره المسلمون اليوم.

7- الخلق الحسن الذي تحلى به جيل القرآن الأول, من لين الجانب وحسن العشرة والكلمة الطيبة وطلاقة الوجه, متأسين بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق).

ثم يأتي الباحث للمبحث المحوري والأهم في بحثه, ألا وهي الدور الريادي لحملة القرآن الكريم في المجتمع, الذي يضعفه بعض الشائعات التي تقلل من أهمية دور الحفاظ والقراء في المجتمع, مما يتسبب بأثر نفسي سلبي على حملة القرآن الكريم, يجعلهم يقللون من الكنز العظيم الذي يحملونه في صدورهم وقلوبهم.

وبداية لا بد من تحديد مفهوم صاحب القرآن حسب النصوص الشرعية, فصاحب القرآن الذي نقصده في هذا البحث, ليس الحافظ المتقن للتلاوة والتجويد فحسب, بل هو ذلك المسلم الذي أوتي علما في القرآن وفهما فيه, فجعل ذلك العلم والفهم سبيلا إلى العمل الصالح, وهو المقصود من قوله صلى الله عليه وسلم: يقال لصاحب القرآن: (اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها).

إذا وجد صاحب القرآن هذا فإن له دورا كبيرا وخطيرا في المجتمع, من خلال:

1- القيادة والتوجيه: فصاحب القرآن هو القائد في الملمات والشدائد, كسالم مولى أبي حذيفة التي أخذ الراية في اليمامة وقال: بئس حامل القرآن أنا إن أوتيتم من قبلي, وابن عباس الذي كان رائدا في العلم, فكان ترجمان القرآن وحبر الأمة, وأبو بكر كان رائدا في القيادة فاختاره المسلمون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

2- الإرشاد والنصح: ففي وقت انتشار الفساد يبرز دور حملة القرآن, في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وقد خلد القرآن ذكر نملة نصحت قومها وأرشدتهم وحذرتهم من الهلاك, في وقت الشدة والخوف (قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) النمل/18

3- التربية والتعليم: الذي تصاغ النفوس من خلاله, وتعد الأجيال بتعاليمه, وخير من يقوم بهذا الدور هم حملة القرآن الكريم.

4- التعهد والرعاية: فكما نتعهد جسم الطفل بالغذاء والكساء والدواء, لا بد أن نتعهد قلبه وعقله بالقرآن وعلومه.

5- الإصلاح وجمع الكلمة: فالمجتمع البشري عرضة للوقوع في الخطأ, وعرضة للخصام والتنافس والتغالب, وهنا يكون دور أهل القرآن, الذين يسارعون إلى رأب الصدع ولم الشمل وإصلاح ذات البين.

6- إحياء روح الأمل والبشارة: وخاصة عند اشتداد الضيق وتلاحق الهموم وبداية سريان اليأس إلى القلوب, فيكون دور أهل القرآن بالبشارة التي تمحو اليأس وتعد بمستقبل مشرق يسعى الناس لتلمسه بشوق ورغبة, ويزيلون اليأس من القلوب الذي يطمس جذوة الأمل والرجاء.

وأخيرا يضعنا الباحث أمام النتائج المرجوة من أهل القرآن, إذا نحن التزمنا بما سبق, وأهم هذه النتائج برأي الباحث:

1- ربط الناس بالإيمان: من خلال عرض محاسن الإسلام بالأدلة والبراهين, و ربط الظواهر التي تحدث في الكون –كالبراكين والزلازل وغيرها- بالفاعل الحقيقي لها, لا بربطها بالأسباب فقط -التي خلقها الله تعالى أيضا- كما يفعل الماديون.

2- الوصول إلى التغيير الإيجابي الشامل: الجوهري لا المظهري, والحقيقي لا الشكلي, الذي يبدأ بالمعايير والمقاييس التي تغير النظرة للأشياء بشكل عام, فبدلا من أن تكون قيمة المرء بما يملكه من مال ومتاع –كما هو الأمر في زماننا– تصبح قيمة المرء بالتقوى والعمل الصالح لنفسه ولمجتمعه وأمته.

كان الناس في زمن عمر بن عبد العزيز إذا لقي الرجل الرجل: هل صمت اليوم؟ بكم تصدقت؟ هل قمت من الليل؟ بعد ان كان السؤال من قبل: كم عبدا عندك؟ كم بيتا تملك؟ هل تأولمت؟

3- إخراج الجيل القرآني: الذي لا يتم بالأحلام ولا بمعسول الكلام, بل بسلوك طريقه الشاق, وبالمجاهدة والمكابدة والمصابرة, تبدأ بالأهم ثم تتناول ما دونه اهمية, بعد تخطيط محكم, وتنفيذ دقيق ومتقن.

إن أهل القرآن هم أهل هذا المشروع, مشروع إعادة الحياة وضخ الدماء في شرايين هذه الأمة, والنهوض بها من جديد, وإخراج الجيل القرآني الذي يحمل على عاتقه مهمة صناعة الحياة, وكتابة التاريخ بمداد العزائم على قراطيس الهمم.

جزى الله تعالى الباحث على هذا الموضوع البالغ الأهمية, في وقت اقتصر فيه دور حفظة القرآن على التلقين للألفاظ دون المعاني, والتجويد للكلمات دون المباني, حتى انزوى القرآن في نطاق الحفظ وترديد الكلمات, وابتعد بذلك عن دورة الحياة, فكان لا بد من رفع الصوت لتغيير هذا المفهوم, وتصحيح هذا السلوك, فكان هذا البحث لبنة في هذا البناء, وخطوة في الطريق الصحيح الطويل, الذي يحتاج لمزيد من الأبحاث والكتب والدراسات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــــــــــــــ