المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دراسة تحليلية // "ما لم تخرج مصر من الإستقطاب الحالي فلن تُغادر النفق المظلم"


ابو الطيب
09-28-2013, 04:22 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



منذ التحقت مصر بموكب ما وُصِف بالربيع العربي بعد الشرارة الأولى التي أطلقها الشاب محمد البوعزيزي في تونس، والوضع فيها يتأرجح بين الأمل في تحقيق أهداف الثورة واليأس من تمتْرس آليات الدولة العميقة، التي استأسدت تحت قبضة نظام مبارك على مدى ثلاثة عقود كاملة.

ومع أن التاريخ المصري الذي يمتد آلاف السنين، لم يعرف عن الشعب المصري أنه اعتاد على الثورات، فإن التاريخ سيسجل له القيام بثورة أطاح فيها بحُكم مبارك الإستبدادي، والترحيب بمساندة الجيش ثم وضع ثقته في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ليقود المرحلة الإنتقالية، فإذا به يتخبّط بين تسليمها للإخوان والوقوع في خطإ إجراء الإنتخابات قبل إعداد الدستور.

بعد ذلك، تململ الشعب من ممارسات قمعية واعتقالات جائرة ومحاكمات عسكرية، فخرج مناديا بسقوط حُكم العسكر وأجبرهم على إنهاء الفترة الانتقالية بإجراء انتخابات، سرعان ما وضعت الشعب أمام الخِيار التقليدي، بين العسكر (ممثلا في شخص الفريق أحمد شفيق) والإخوان (ممثلين في شخص الدكتور محمد مرسي)، فاختارت الأغلبية مرسي الذي اتهمه معارضوه لاحقا بتناسي وعوده بـ "المشاركة وليس المغالبة" وبالمبالغة فيما أسموه "أخونة" مفاصل الدولة، فخرج ملايين المصريين في موجة ثورية ثالثة في غضون ثلاثين شهرا، وساند الجيش الشعب للمرة الثانية في الإطاحة بالرئيس المُنتخب بعد مرور عام واحد على تنصيبه.

بعد 3 يوليو 2013، عادت مصر إلى مرحلة انتقالية في ظل حكومة مؤقّتة يدعمها الجيش، ولكن مع انتشار العُنف المنسوب إلى "إسلاميين" من سيناء إلى الرّيف، واستمرار التظاهرات الإحتجاجية في القاهرة الكبرى والعديد من المدن، لم يعد أحد يستطيع التنبُّؤ بمستقبل تطور الأوضاع في البلاد.

في ظل هذه الأوضاع المتأزمة، نظم معهد الشرق الأوسط في واشنطن مؤخرا مؤتمرا دعا إليه بعض رموز القوى السياسية في مصر ومجموعة من الخبراء الأمريكيين في الشأن المصري، لمناقشة التحديات التي تواجه محاولات الخروج من النفق المُظلم الذي دخلت فيه مصر بعد الثورة، بسبب ما أسماه البعض "خطايا" الإخوان و"أخطاء" العسكر.

النمر خرج من القفص

في مداخلته، حاول المحلّل السياسي الأمريكي المشهور توماس فريدمان تلخيص ما حدث في مصر خلال ثلاثين شهرا مرّت منذ ثورة ميادين التحرير، فقال: "ما شاهدتُه في ميدان التحرير، هو أن النّمر الذي ظلّ حبيسا في قفَص ضيِّق لمدة خمسين عاما، خرج من القفص ولن تستطيع أيّ قوة أن تُعيده داخل القفص، وهو يتحرك فقط من أجل مصر، ولذلك فلن يقبل أن يحاول أحد ركوبه لتحقيق مصالح ضيقة، سواء للإخوان أو الجيش أو أي طرف آخر، وسيقضم رقبة مَن يحاول ذلك، وعلى الجميع أن يُدرك أن النّمر لن يأكل اليوم إلا اللحم، بعد أن كانت وجبته اليومية على مدى خمسين عاما، الوعود والأكاذيب".

وعلى بُعد آلاف الأميال عن أرض الكنانة، اختلفت الرّموز السياسية المصرية في توصيف ما حدث ومَن المسؤول عما آلت إليه الأمور. فبينما قال الدكتور وائل هدارة، المدير السابق لحملة الرئيس مرسي الإنتخابية، إن "الإخوان حاولوا دعوة القوى السياسية للمشاركة في الحكومة، ففضلت التربّص واستخدام آليات الدولة العميقة في عرقلة ما حاول مرسي تقديمه"، واتّهم بأن "الجيش انقلب على الشرعية وقام بانقلاب عسكري"، أكّد الدكتور هاني سري الدين، القيادي بحزب الدستور الليبرالي، أن "الإخوان ارتكبوا أخطاءً فادِحة وأقصَوْا كل القوى السياسية غيْر الإسلامية وفضّلوا مشروعهم الأيديولوجي على مصالح مصر وشعبها، فقام الشعب بثورة جديدة ساندها الجيش"، فيما نبّه الدكتور عبد المنعم سعيد، الرئيس السابق لمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أن "الشعب والجيش حالا دون خطر بات يُهدِّد الأمن القومي المصري من جماعة سرية، لا يعرف أحد مصادِر تمويلها، كانت تسعى لتحويل مصر إلى مجرّد إمارة في مشروع دولي لخلافة إسلامية"، على حد زعمه.

مصر تواجه تحدّيات جسيمة

في المقابل، اتفق المشاركون في المؤتمر، من مصريين وأمريكيين، على أن مصر تواجِه تحديات جسيمة وما لم تخرج من الإستقطاب الحالي بين الإسلاميين وغير الإسلاميين وتوفر أجواء من الإستقرار السياسي والأمني، فلن تخرج من النفق المظلم.

في هذا السياق، قالت ميريت مبروك، كبيرة الباحثين بمركز الحريري لشؤون الشرق الأوسط، التابع لمؤسسة أتلانتيك كاونسل: "لم تتحسن أوضاع المصريين ولم تتحقّق أهداف ثورتهم، وهذا سبب رئيسي في ثورتهم على حُكم الإخوان، ولكن سقوط مرسي لن يغيِّر من الأمر شيئا. فالحكومة الإنتقالية تواجِه مشكلة نقْص الموارد وثورة التطلّعات، في وقت وصل فيه معدل الفقر في الريف المصري إلى سبعين في المائة ومعدل البطالة إلى 13 في المائة، فيما هربت الإستثمارات وتقلّصت السياحة بسبب عدم الإستقرار السياسي والأمني، ولن تُفلح تحويلات دول الخليج السخية، إلا في تحسين مركز الإحتياطي من النقد الأجنبي"، على حد قولها.

أما الدكتور خليل العناني، كبير الباحثين في معهد الشرق الأوسط، فأشار إلى أن أكبر تحدٍّ يواجه التحوّل في مصر، هو التوصل إلى صيغة سياسية للخروج من العُقدة المستعصية، التي تسببت في عدم الإستقرار السياسي والأمني، وقال: "يبدو أن الإسلاميين والإخوان بشكلٍ خاص، يعتقدون بأن السبيل الوحيد أمامهم، هو مواصلة التظاهر وليس الدّخول في مفاوضات للتوصّل إلى نوع من المصالحة الوطنية".

ويرى الدكتور العناني، أنه للخروج من ذلك الوضع، يتعيّن على الإخوان المسلمين الإعتراف بأخطائهم في الحُكم التي دفعت الملايين للخروج من جديد إلى الميادين لإسقاط حُكمهم ورفض عقيدة التنظيم الدولي للإخوان، وأن يبحثوا عن حلول وسط ويلتزموا بخارطة الطريق التي اتّفقت عليها باقي القِوى السياسية والوطنية. في الوقت نفسه، طالب الدكتور العناني أيضا الجيش وقوات الأمن بوقف عمليات القمْع التي استهدفت أعضاء وقيادات الإخوان وحزب الحرية والعدالة، لتمهيد الطريق أمام مصالحة وطنية.

الدكتور هاني سري الدين، من حزب الدستور، أبدى اتفاقه مع هذا التحليل، وقال: "يتعيّن على الإخوان الإعتذار عمّا اقترفوه في حق الشعب المصري وأن يُراجعوا أيديولوجيتهم وينبذوا استخدام العُنف ويعترفوا بخارطة الطريق، لكي يُمكن إعادة إشراكهم في الحياة السياسية وإعادة الإستقرار والأمن، ليُمكن الخروج من النفق المظلم". غير أن المستشار السابق للرئيس مرسي الدكتور وائل هدارة، نفى أن يكون للإخوان أي علاقة بالعنف وقال لـ swissinfo.ch: "من يتابع قنوات التليفزيون المصري وما يسمي بالقنوات الخاصة، سيلاحظ حملة منسّقة لتشويه الإخوان المسلمين ووصمهم بالعنف والإرهاب، دون دليل، والهدف الواضح هو حشد الرأي العام المصري ضد الإسلام السياسي وإقصائه". وقال الدكتور هدارة، إذا كانت هناك رغبة حقيقية في المصالحة الوطنية، فيجب طرح خطوات لبناء الثقة، مثل إطلاق سراح عدد من زعماء الإخوان المعتقلين، ليمكنهم التفاوض حول أسُس تلك المصالحة.

من جهته، نبّه البروفيسور طارق مسعود، أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد، إلى استمرار سياسة الإقصاء في ظلّ عودة الجيش لممارسة السياسة وقال: "من المفارقات الواضحة في تجربة التحوّل في مصر، هو أن الثورة الأولى جاءت بعد المجلس العسكري بالإسلاميين إلى الحكم، فاحتلوا معظم مفاصل الدولة وأقصَوا مُعظم القوى غير الإسلامية. والآن، تبدّل الحال وصعد نجم القوى السياسية الليبرالية والعلمانية وتم إقصاء معظم الإسلاميين". ويرى الدكتور مسعود أن "الطريق إلى الديمقراطية لا يمر بعمليات الإقصاء، وإنما تمهده مشاركة كل القوى، حتى وإن اختلفت رؤاها السياسية".
طريق السلامة أم سكة الندامة؟

في جميع الندوات التي تخللت المؤتمر الذي عقده معهد الشرق الأوسط في واشنطن حول مستقبل مصر، بعد ثلاثين شهرا من الثورة، تبانت الآراء حول تقييم ما إذا كانت خارطة الطريق (التي أعلنها الفريق أول عبد الفتاح السيسي بموافقة معظم القوى السياسية والوطنية) ستقود مصر في نهاية المطاف إلى سكّة السلامة أم سكّة الندامة.

فعلى سبيل المثال، لم يُخف الدكتور خليل العناني شكوكه إزاء مستقبل غيْر مُشرق، في ضوء ما يحدث الآن في مصر، وقال: "أشك في قرب الوصول من خارطة الطريق إلى نهاية سعيدة، في ضوء تمديد العمل بقانون الطوارئ وتقديم المدنيين من جديد لمحاكمات عسكرية وملاحقة ناشطين سياسيين غير إسلاميين. فكل هذه الممارسات لا تُنْبئ بتحرّك مصر على الطريق نحو الديمقراطية". ويُذكّر الدكتور العناني بأن "التحول الحقيقي نحو الديمقراطية، لم يتحقق في تجارب الدول الأخرى، إلا بعد ترسيخ قدرة الحكومة المدنية المُنتخبة، على الإشراف على كل شؤون القوات المسلحة، وليس منحها صلاحيات وامتيازات خاصة".

السيد حسام بهجت، مؤسّس المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أعرب عن اتفاقه مع هذا التقييم، وقال: "رغم أن الشعب المصري تغيّر منذ ثورة 25 يناير، فإن التغيير لم يصِل إلى مؤسسات الدولة العميقة التي أرساها حُكم مبارك ولم تتِم محاسبة أحد عن جرائم الماضي وظلّ جَبَـروت وقمع الآلة الأمنية، فيما لم يطرأ تحسّن على أوضاع حقوق الإنسان في مصر، وظل المجتمع المدني أسيرا لنفس السياسات العقيمة والقوانين المعوقة القديمة". وفيما يتوقع الناشط الحقوقي حدوث موجة جديدة من الإحتجاجات الشعبية العارمة خلال الشهور الستة القادمة، إلا أنه يرى أنها "لن تنتهي هذه المرة إلا بثورة تغيير حقيقي ضد مؤسسات فاسِدة وقيادات تنتمي للنظام القديم، خاصة مع تصاعد العنف المُفرط من قوات الأمن وموجة الإعتقالات التعسّفية والإفتقار إلى استخدام الإجراءات القانونية اللازمة في التحقيقات مع المحتجزين"، على حد قوله.

بدوره، يرى الدكتور هاني سري الدين، القيادي بحزب الدستور أن خارطة الطريق التي ستنتهي بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، قد ينطبق عليها المثل القائل: "تأتي الرياح بما لا يشتهي السّفِنُ"، وقال: "تطلع المصريون بعد الثورة إلى حُكم رئيس مدني منتخب يؤسّس دولة مدنية ديمقراطية، ولكن فشل تجربة الإخوان وعجْز معظم الأحزاب السياسية عن طرح مرشّحين مدنيين أقوياء، أدى إلى أنه، سواء رغب المصريون أم أبوا، فإن الفريق أول عبد الفتاح السيسي يبدو أكثر الشخصيات التي تحظى بشعبية هائلة وسيفوز في الإنتخابات الرئاسية إذا ما قرر خوضها. وكل ما أتمناه أن لا يرشّح نفسه". ولم يُخف الدكتور سري الدين خشيته من أن يؤدّي نظام الإنتخابات البرلمانية المقترح إلى فوز المرشحين القادرين على الإنفاق واستخدام النفوذ العائلي والقبلي، خاصة في صعيد مصر، بحيث "يمكن أن يُطل نظام مبارك برأسه من جديد" داخل مجلس الشعب القادم.

في مقابل ذلك، عبر الدكتور عبد المنعم سعيد، المفكر السياسي ورئيس مجلس إدارة صحيفة "المصري اليوم"، عن شعوره بالتفاؤل لـ "زوال خطرٍ كان يُهدّد الهوية المصرية" على أيدي جماعة الإخوان المسلمين، ولأن خارطة الطريق رسمت معالِم واضحة لبداية التحرّك على طريق الديمقراطية ولأن حزب النور السلفي يمثل الإسلاميين في قبول تلك الخارطة ولم تستبعد الحكومة الانتقالية إمكانية مشاركة حزب الإخوان في الإنتخابات كحزب سياسي وليس كجماعة سرية تمرر أهداف تنظيم دولي يتخطّى الحدود، كما أكد أن "الجيش ليس راغبا في العودة إلى ممارسة السياسة"، ولكن يظل التساؤل قائما حول "حجْم النفوذ الذي ستمارسه القوات المسلحة على أي حُكم مدني مُنتخب" في المستقبل.

محمد ماضي - واشنطن- سويس انفو