المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في الاستشراق الفرنسي المعاصر .. "جاكلين شابي نموذجا


عبدالناصر محمود
10-01-2013, 07:51 AM
نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في الاستشراق الفرنسي المعاصر .. "جاكلين شابي نموذجا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ

25 / 11 / 1434 هـ
1 / 10 / 2013 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_2925.jpg


اسم الكتاب: نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في الاستشراق الفرنسي المعاصر ..

"جاكلين شابي نموذجا "

الكاتب: الدكتور عبد الحكيم فرحات[1]

ــــــــــــــــ

أصل الكتاب بحث قدمه الكاتب للمؤتمر الدولي " نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم " الذي أقامته الجمعية العلمية السعودية للسنة وعلومها في مدينة الرياض الذي عقد في 23-24 / 10 / 1431.

وبدا الكاتب كتابه ببداية غير تقليدية تماما فتساءل في أول كلماته فقال: هل نحن مقبلون على ثورة علمية في دراسة السيرة النبوية؟ فقال إن الذي دفعه لهذا التساؤل أنه وجد عدة أبحاث تتخذ رؤى منهجية جديدة لم تألفها العلوم الإسلامية التراثية تطمح إلى تفكيك المعتقد الإسلامي في النبوة المحمدية وتعيد تركيب السيرة الشريفة ودراستها دراسة نقدية, ويتعجب أن هذه الأبحاث تجري في المراكز الغربية في بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وحتى في دولة الكيان الصهيوني وأقيمت لها فهارس عديدة ما يؤكد أن النبوة المحمدية قد صارت موضوعا خصبا لأبحاث الألفية الثالثة.

وعلى الرغم من ذلك فالكثير من الباحثين المسلمين بعيدون تماما عن هذه الدراسات, فلا يعرفون هذه الرؤى النقدية ولا نتائجها المستجدة, ولا حتى على سبيل النقد لما جد من كتاباتهم في مجال السيرة النبوية بالذات.

ولقد تناول الكاتب كتابات المستشرقة جاكلين شابي الأستاذة المحاضرة في جامعة باريس اليهودية الأصل التي كتبت مقالات كثيرة حول الإسلام بالموسوعة الفرنسية والتي ألقت محاضرات عديدة حول الرسول صلى الله عليه وسلم وألفت كتابين يختصان بالسيرة النبوية, أولهما بعنوان "رب القبائل, إسلام محمد" عام 1998, طبعت فيها رسالتها للدكتوراه في الدراسات الإسلامية عام 1992 التي كانت تحت إشراف المؤرخ اليهودي الشهير كلود كوهين, أما الكتاب الثاني كان بعنوان "القرآن المفكك, صور توراتية في الجزيرة العربية" عام 2008, تحدثت في الأخير عن علاقة السيرة النبوية بالقران الكريم وادعت فيه ان طريقتها هي الوحيدة التي تصلح لإعطاء صورة تاريخية وافية عن النبي صلى الله عليه وسلم والقران الكريم.

ووظفت في الكتابين مناهج نقد جديدة لم يعرفها التراث الإسلامي لتؤكد الفكرة التي أرادت طرحها أن النبوة المحمدية صناعة أيدلوجية وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أسطورة عربية وتَمَثُّل معرفي للثقافات العربية حاكتها الأذهان العربية وكرستها الظروف الاجتماعية ورعتها النظم السياسية.

فاتت جاكلين شابي لما يأت به من قبلها حيث أنكرت وجود النبي صلى الله عليه وسلم تماما واعتبرته أسطورة مما جعلها تحتل مركز الصدارة في الاستشراف الفرنسي المعاصر واعتبروها رائدة جديدة منتمية لعصر روادهم, وكان من المسلمين الذين افتتنوا بكلماتها ولقبوها تبجيلا وتكريما بـ "السيدة الكبيرة" واثنوا عليها المفكر الحداثي "محمد أركون" وتلميذه الدكتور هاشم صالح اللذان اعتبرا أن كتاباتها تحديا حقيقا للفكر الإسلامي ولن يجرؤ مسلم على ترجمتها للعربية[2], على الرغم من قول كاتب الكتاب أنه تقدم بنفسه للدكتورة بطلب رسمي لترجمة كتاباتها للعربية فلم ترد عليه.

فقام الكاتب بتحليل كتاباتها للتبصير بحقيقة رؤيتها النقدية وللكشف عن عدتها المنهجية باستخدام منهج تحليلي نقدي تارة ومقارن تارة أخرى وابرز نتائج ما توصل إليه في أربعة مباحث وهي :

- المبحث الأول: أزمة الدراسات المحمدية وضرورة إعادة التأسيس.

تقول جاكلين شابي إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك سجلا مكتوبا يثبت وجوده وتبصر بعقيدته وتبين سمات دعوته وأن ما بين أيديها من كتابات ووثائق لا يمكن الركون إليه في نظرها واعتبرت أنها كلها عبارة عن روايات رجال بالمشافهة التي تقل في نظرها عن التدوين والكتابة وبالتالي فتضعف عندها قيمة الأحاديث النبوية والمرويات الإسلامية كلها حتى القران الكريم, وهنا تجاهلت أن النبي صلى الله عليه وسلم في حياته أمر بتدوين القران الكريم على قطع الجلد وأوراق النخيل وعظام الكتف من الإبل, فتقول بان روايات الكتابة غير موثقة وأنها لا تعتبر بالكتابات الموثقة إلا في عهد بني أمية حيث أمروا بجمع القران والسنة مما علق بذاكرات الحفاظ وكما تقول أنهم اخضعوا النصوص التي حفظوها لتنسيقاتهم وتعليلاتهم.

ثم تقول إن بني أمية قرروا إطلاق النسخة المعدلة من القران الكريم وأسمتها تسمية خاصة بها فسمتها "الفولجانا القرآنية" مستعيرة الاسم الذي أطلق على الإنجيل عندما جمعوه, ولا تقبل جاكلين شابي أيضا إجماعات الأمة الإسلامية حول القرآن الكريم ولا روايات السير الإسلامية برمتها, وانتقدت أيضا من سبقها من المستشرقين الذين افترضت فيهم أنهم تأثروا بالإسلام وسلموا بحجية تلك المصادر, وبالتالي فمنهج جاكلين عدم التسليم بأي حقيقة إسلامية ثابتة لا الرسالة ولا الرسول ولا القران الكريم.

- المبحث الثاني: جاكلين شابي قراءة في المنهج المقترح.

أوضحت جاكلين ان هدفها هو إعادة قراءة النصوص الإسلامية وإخضاعها لمعايير النقد الاجتماعي وما تقترحه من أدوات العلوم الإنسانية مع عدم تقديس أي نص أي أنسنة القرآن وأنسنة شخص النبي محمد بعيدا عن كونه نبيا , وتلح على استخدام الانثروبولوجيا في الدراسة وتراه المنهج الأصلح, أي انه مشروع تاريخي انثربولوجي لتفكيك النصوص الإسلامية من الداخل بإثارة عدة أسئلة انثربولوجية عن الدين والمجتمع والقبيلة والخيال والمقدس والطبيعة والعقل والرموز وغيرها, وتسمي جاكلين شابي مرحلة الأمويين بمرحلة "الإسلام الإمبريالي".

- المبحث الثالث: مشروع تفكيك صورة النبي صلى الله عليه وسلم.

تقول شابي إن صورة النبي صلى الله عليه وسلم التي نعرفها الآن قد تبلورت عبر تراكمات معرفية متتالية وأنها لا تماثل الصورة الحقيقية التي كان عليها, لكنها في الوقت ذاته تكرر ما قاله المستشرقون حول اختلاف مصاحف الصحابة والتهويل لحادثة حرق المصاحف وجمع الناس على مصحف واحد في عهد سينا عثمان وتعتمد كل شاذ من الروايات وتركن إليه وتعتمده رغم أنها من الأصل تنكر الروايات –خصوصا الصحيحة والمتواترة- وتقلل من قيمتها.

وبعد أن أنهى الكاتب عرض آراء هذه المستشرقة –التي صبر طويلا على عرض ما تقول- أعلن رفضه العلمي لآرائها جملة وتفصيلا فهي تميز بين قرآنين "المكتوب والمقروء" إذ انه لا يوجد إلا قرآن واحد مقروء ومكتوب وانتقل بالتواتر منذ النبي محمد صلى الله عليه وسلم للان, فكيف يصح علميا ادعاؤها بوجود قرآنين؟ كما لم يسلم لها بوصف القران بالفولجاتا لعدم التناسب الذي يجيز المقابلة والإطلاق وما هو إلا إسقاط المفاهيم المسيحية على مجال البحث القرآني, وأيضا ابتعدت عن الصواب في ما قررته حول تدوين السنة الشريفة فاتضح أنها لم تطلع –أو تتجاهل عامدة- على تاريخ تدوين الحديث ولا الجهود الفردية المبذولة التي تصدت لخدمة السنة.

ثم رد على كل ما أثارته جاكلين شابي ردودا علمية قوية ورصينة وثابتة علميا ليكشف مدى التجاوز العلمي الذي تجنته على الطرق والوسائل العلمية للتقييم والنقد والبحث.

- المبحث الرابع: النبي التاريخي, قراءة انثربولوجية نقدية.

اهتمت جاكلين شابي بالفكرة القبلية فوصفت كل ما في البيئة المحيطة بالقبلية فالمجتمع والسلطة والمعرفة والسياق والتاريخ والحكاية والذاكرة والقران والإسلام كله عندها ينسب للقبيلة وذلك دون أن توضح المعنى الذي تفهمه للقبيلة رغم أنها كلمة مفتاحية في بحثها وبنت عليها كل مفاصل كتابها وعاودت تفسير القران على ضوئها مما حير القارئ في أمر توظيفها بهذا الاستغراق فكيف يتم ذلك في بحث علمي يفترض به ان يكون قويا ومؤثرا؟.

ففهم بعضهم أنها تقصد بالقبيلة المعنى البدو وهي مخطئة في هذا فمكة بالمعنى الانثربولوجي آنذاك مدينة حضرية.

وتستنتج شابي تبعا لذلك ان الفترة التي بعث فيها النبي محمد كانت فترة يسود فيها المنطق العجائي وتقوم على الثقافة الشفهية بمفردها, رغم الوجود التاريخي الثابت لمن يعرفون القراءة والكتابة في أهل قريش بمسلميهم ومشركيهم ومن المسلمين الأوائل من كان يعرف بعض اللغات.

وترى جاكلين شابي أن الدعوة الإسلامية لم تكن واضحة المعالم في ذهن النبي صلى الله عليه وسلم ولا فكر قبلها في أي يكون نبيا, وهذا حق لا ننكره فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغا فقط ما ينزل عليه من ربه.

ثم فند الكاتب اراءها كاملة وهي كثيرة في كتابه الممتع الذي يعتبر رغم حجمه القليل كتاب كبير القيمة جدا إذ صور لنا ما يتدارسه الغرب وكيف يفكر مستشرقوهم الحاليون الذين اختلفوا كثيرا عن المستشرقين في القرون الماضية أو حتى في العقود السابقة , وهذا ما نحتاجه كمسلمين لمعرفته ويحتاجه يقينا الباحثون المسلمون الذين يدرسون السيرة النبوية وطلبة العلم في مقارنة الأديان ودراسات الاستشراق.

جزى الله الكاتب الكريم خير الجزاء على كتابه القيم.

----------------------------------------

[1]دكتوراه الدولة في مقارنة الأديان - أستاذ مشارك في مقارنة الأديان بكلية العلوم الإسلامية، جامعة باتنة، الجزائر , رئيس مشروع الدراسات العليا تخصص مقارنة الأديان , وأستاذ زائر متفرغ بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا , يجيد العربية، الفرنسية، الإنجليزية، العبرية، الإسبانية , وله ما يزيد عن عشرة كتب حول مقارنة الأديان والعديد من الدراسات حول الأديان , ويعد لإنجاز أول موسوعة عربية حول الأديان الشرقية.

[2]في كتاب الفكر الأصولي واستحالة التأصيل - محمد أركون - ترجمة هاشم صالح بيروت دار الساقي 2002 ص 44

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــ

Eng.Jordan
10-01-2013, 10:07 AM
جزاك الله خيراً أخي