المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الكويكرز وجه آخر للمروق والتحدي للكنيسة النصرانية الغربية


عبدالناصر محمود
10-03-2013, 09:46 AM
الكويكرز وجه آخر للمروق والتحدي للكنيسة النصرانية الغربية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

27 / 11 / 1434 هـ
3 / 10 / 2013 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3092.jpg




عندما اشتدت سطوة الكنيسة النصرانية في أوروبا وعندما تغولت سلطاتها وكبلت الناس بقوانينها وحكمها الجائر خرج الناس منها أفواجا متتابعة ليست كارهة للكنيسة فحسب بل ربما كارهة لفكرة الأديان عامة وللوجود الإنساني كله.

فكانت هناك ردود أفعال كثيرة كلها اتجهت في عدة مسارات كلها خاطئة واستبدال الضلال بالضلال والعمى بالعمى ولكن يجمعهم كلهم شيئ واحد أن كلا منهم يعلن انه – وحده يمتلك الصواب ويحتكر الحقيقة.

ففي القرن السابع عشر وتحديدا في عام 1652 ظهرت في انجلترا جمعية ضمت مجموعات من النصارى الناقمين على سيطرة الكنيسة الكاثوليكية وسميت بجمعية الأصدقاء الدينية ثم تطورت إلى "الصاحبيّون" ثم عرفوا بالنسبة لغيرهم باسم "الكويكرز", وتعتبر الولايات المتحدة حاليا هي نقطة ارتكازهم وتجمع أكثريتهم كما توجد أعداد منهم في إنجلترا وكينيا وتوجد أعداد أصغر في كثير من دول العالم.

وترجع تسميتهم بالكويكرز التي يقصد بها في الغة بـ"المهتزون" او "المرتجفون" وذلك لأنهم كانوا يهتزون في لحظات الوحي - كما يقولون- أو كما يقول أحد مراجعهم: إنهم "يرتجفون رهبة لنقاوة الله وجلاله اللامتناهيين".‏

المؤسس:

أسس هذه الجمعية رجل يدعى جورج فوكس[1] الذي يقول عن نفسه انه سمع صوتا عجيبا لم يسمع مثله ووقع في قلبه أنه يمكنه الاتصال مباشرة بالله –سبحانه وتعالى عما يقولون- ونيل الأنوار منه مباشرة وبهذا فهو غير محتاج إلى الأنباء ومنهم عيسى عليه السلام.

وجعل هذا الرجل من أهدافه -كما زعم ونادى- إحياء المسيحية في صورتها البكر وذلك كرد فعل معاكس تماما لما يرونه من أفعال رجال الكنيسة البعيدين تماما عن النصرانية الحقيقية والذي أذاقوا العباد الويلات وكانوا ينعتون مخالفيهم بالزندقة والمروق لأي اختلاف ومن ثم يحكمون عليه بالحكم الشهير وهو الحرق إحياء.

وظهر التخبط قطعا في كلمات وعقائد وأفكار الكويكرز نتيجة أنها عقيدة باطلة ليس لها مدد الهي فظهرت تخبطاته الكثيرة التي كان منها ما قال فوكس – الذي ادعى الاتصال المباشر بالله- أنه يسترشد بالروح القدس وأيضا بأنبياء الكتاب المقدس رسل المسيح،‏ وذبك بالإضافة للنور كما سماه وهو الصوت الداخلي الذي ادعى انه يهديه إلى الحق الروحي ولم يكن الهدف مكن هذه الفكرة سوى تحطيم صورة رجل الدين الذي يدعي استقلاله بالحديث عن الله, فأراد فوكس أن يكون كل واحد من اتباعه بمثابة رجل الدين لنفسه وبمثابة النبي الذي يتصل مباشرة بالله وان كلا منهم لن يحتاج للكنيسة ولا للقسيس ثانية.

‏وكانت معظم اجتماعاتهم ولقاءاتهم الدينية عبارة عن لحظات صمت جماعية طويلة ثم لا يؤذن بالحديث إلا لمن شعر أن هناك رسالة من الله أرسلت له فيتحدثون جميعا بهذه الرسالة باعتبارها أرسلت لهم جميعا من الله.

تحدث الكويكرز في فضائل أخلاقية كرد فعل طبيعي لما كانت عليه الحالة النصرانية فطالبوا بالعدل والأمانة المطلقة والحياة البسيطة واللاعنف وتحدوا السلطات الكنسية ورفضوا وجود أية مظاهر من الأبّهة والطقوس الشكلية على رجال الدين كما طالبوا بان يكون للمرأة نصيب من الأعمال الكنسية وهو الأمر الممنوع في الكنائس النصرانية حتى يومنا هذا.

ولم تكن هناك مهمة لرجل الدين عندهم إلا تنسيق الاجتماعات فقط وربما يطرح قضية للنقاش لا يلزم أحدا منهم بالعمل بما انتهى إليه النقاش لتكون فقط مجرد جلسات مقاهي لا يخرجون بعدها بفكرة أو تصور أو حلول ويكفيهم فقط الكلام والاستماع ثم يخرجون وهو يشعرون أنهم أدوا المطلوب منهم في العبادة.

وبالطبع فمثل هذه الدعوات حتى لو كانت قليلة العدد تثير غضب القساوسة الذين رأوا فيها خطرا عليهم وعلى وجودهم, فطاردتهم القساوسة مستعملة الرعاع والأتباع الذين ينساقون لكل رأي وكلمة تصدر من القساوسة, وتم القبض على الكثيرين منهم وفر آخرون, فكان الحكم الدائم على من قبض عليه منهم بالسجن والقتل شنقا والنفي كما عومل من سجن منهم بالتقييد بالأغلال حتى الموت والجلد والكي بالنار وبغيرها من وسائل التعذيب الشديدة والوحشية.

وعلى الرغم من كل هذه الوسائل البشعة في مقاومتهم إلا أن دعوتهم بدأت بالازدياد والتوسع والانتشار في أكثر من مكان, وجاء انتقالها التاريخي من انجلترا إلى الولايات المتحدة نقطة فاصلة في تاريخها.

وكان وليم بن الذي يمكن اعتباره المؤسس الثاني للكويكرز في الولايات المتحدة بتأسيس مستعمرة وسماها على اسمه "بنسلفانيا" أي "غابات پِن" في عام 1682م لتكون مأوى للصاحبيين "الكويكرز" في هجرتهم إلى الولايات المتحدة وأصدر "بن" فيها دستورا لهذه المستعمرة ظل العمل به فترة طويلة ولتكون هذه الفترة من فتراتهم تحت عنوان "التجربة المقدسة" أو المدينة الفاضلة التي أحب "مستر بن" أن يقيمها.

وذهب إلى انجلترا وأيرلندا الشمالية داعيا من بقي من الكويكرز إليها فاجتمعوا فيها وعقدوا جمعيتين عموميتين في جو ملئ بالسطحية والسذاجة, ثم ما لبثوا أن أفاقوا على حقيقة النصارى بل بحقيقة النظام الكوني كله انه لا يمضى بمثل هذه الأحلام الوردية التي انغمسوا فيها كرغبة في التخلص من الظلم الكنسي.

فاصطدمت تجربتهم الجديدة الحالمة بوجوب استخدام القوة مع المخالفين لنظام الدولة, انه لا دولة دعامتين أساسيتين وهما العدل والقوة, فكما يتطلب الأمر وجود عواطف جياشة تنبذ العنف لابد من وجود حزم قوي وإلا انهارت الدولة.

وبالفعل حدثت المشكلات وكثر الخارجون على القانون والآداب العامة استلزم الأمر وجود قوة رادعة لهم فوقع الحيرة إذ هدمت الفكرة من أساسها ولكن بن حاول التملص منها بتعيين غير الكويكرز في مناصب لحفظ الأمن وليكونوا -على حد تعبير بن– "قساة مع جيراننا إذا دعت الحاجة", فأضحوا قوة عليهم لا لهم وفسدت التجربة أكثر حينما جاء المستوطنون من أوروبا وسرقوا ونهبوا أراضي أصحابها الأصليين فانهارت تلك المدينة الحالمة التي لم تكن أبدا لتعيش بهذه المصادمة للفطرة الإنسانية والتي كانت رد فعل على النقيض تماما من الدولة البوليسية الفاشية التي كان يحكم بها القساوسة.

وبالفعل كثرت فيهم الانشقاقات عن صفوفهم بعد تخلي الخلف عن أفكار أسلافهم, وهكذا فان من أراد أن يصلح شان الحياة لابد وان يصلحها بالدين بشرط عدم تغول رجال الدين وبعدم تفويض احد للحديث بالأمر الإلهي فما يحكم الناس ليس أهواء رجال الدين بل القانون الملزم الذي يحكم كل الناس بكل من فيهم وخاصة أنه ليس في الإسلام طبقة تعرف بطبقة رجال الدين الذين يشرعون بل الكل مأمور بالاحتكام إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وكل أبن آدم –عالما أو جاهلا أميرا أو مأمورا- يؤخذ منه ويرد إلا النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ

[1] ‎(‏1624-‏1691)‎‏،‏ وهو ابن حائك من لَيْسترشير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــــــــــــــــ