المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بصائر عقدية في حديث مثل المداهن في حدود الله


عبدالناصر محمود
10-06-2013, 07:02 AM
بصائر عقدية في حديث ( مثل المداهن في حدود الله ) دراسة وصفية تحليلية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ


http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_2773.jpg




بصائر عقدية في حديث ( مثل المداهن في حدود الله ) دراسة وصفية تحليلية

د . خالد حسين حمدان

كلية أصول الدين – قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة في الجامعة الإسلامية بغزة

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

إن من أوجب الواجبات على المسلم الاعتناء بقضاياه العقدية والعمل بمقتضاها, فهي أساس الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة, أما في الدنيا فلأننا نعيش في عصر غلبت فيه الفتن وعم فيه الفساد, وأما في الآخرة فلأنها تؤدي إلى مرضاة الله الموصل إلى الجنة.

ولا يخلو مجتمع من المجتمعات من بعض صور المنكر والفساد, التي يقدم عليها ضعاف الإيمان, فإن قام أهل الرشد بواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والأخذ على يد الظلم نجو جميعا من غضب الله وسخطه, وإن تقاعسوا عن هذا الواجب, وغلبت كلمة المداهنين فإن العقوبة الإلهية تعم الجميع, وهي سنة إلهية لا تتغير, قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الأنفال / 25, وقال النبي صلى الله عليه وسلم (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) سنن الترمذي 3/316 برقم 2257.

وحديث (مثل المداهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها , فكان الذي في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها فتأخذوا به فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة , فأتوه فقالوا : ما لك ؟! قال : تأذيتم بي ولا بد لي من الماء , فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم , وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم) أخرجه البخاري في صحيحه 3/181 برقم 2686, موضوع الدراسة أصل يقاس عليه, باعتباره مصدر من مصادر التشريع الذي أجمعت الأمة على قبوله.

بعد المقدمة وبيان سبب اختيار الدراسة وأهميتها, بدأت الدراسة بالمبحث الأول المتضمن تعريف المداهنة والمداراة والفرق بينهما, فالمداهنة أن يرى المسلم منكرا يقدر على دفعه ولم يدفعه, حفظا لجانب مرتكبه أو جانب غيره, لخوف أو طمع أو استحياء منه أو قلة مبالاة بالدين, فهي بذلك قريبة من النفاق, بترك واجب من الدين إرضاء للناس, أما المداراة فهي: إظهار الحسن في مقابلة القبيح لاستدعاء الحسن مع سلامة الدين, فهي ترك للمفسدة باللين من القول أو الإعراض عن صاحب الشر إذا خيف شره أو توقع بنهيه شر أكبر.

قال ابن القيم: (المداراة صفة مدح والمداهنة صفة ذم, والفرق بينهما أن المداري يتلطف بصاحبه حتى يستخرج منه الحق أو يرده عن الباطل, أما المداهن فيتلطف به ليقره على باطله ويتركه على هواه, فالمداراة لأهل الإيمان والمداهنة لأهل النفاق) الروح / 231.

وفي المبحث الثاني الذي يعتبر المقصود الأهم من الدراسة, أوضح الباحث أهمية الأمر بالمعرروف والنهي عن المنكر, من خلال بيان فضائل ممارسته ومفاسد تركه, أما الفضائل فيمكن تلخيصها في أربع نقاط:

1- أهم مهام وأعمال الرسل صلوات الله عليهم أجمعين, قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الأعراف / 157.

2- أنه من صفات المؤمنين وخصال الصالحين: قال تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} التوبة / 112.

3- مناط خيرية أمة محمد صلى الله عليه وسلم من بين الأمم: قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} آل عمران 110.

4- من أسباب النصر والتمكين في الأرض: قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ} الحج/41.

أما المفاسد المترتبة على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي:

1- وقوع العذاب والهلاك: قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الأنفال / 25.

2- تسليط شرار الأمة على خيارها: من خلال تماديهم في الشر في غياب الرادع لهم, فيعيش الأخيار والصالحين في ذل وهوان بسبب تركهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3- يجعل الله تعالى بأس المسلمين بينهم.

4- ظهور الجهل واندثار العلم وتخبط الأمة في ظلمة حالكة لا فجر لها.

5- الأزمات الاقتصادية من خلال انتشار الربا الذي يتسبب بالفقر والفاقة.

وفي المبحث الثالث تتناول الدراسة جانبا في غاية الأهمية والخطورة من الحديث النبوي محل الدراسة, ألا وهو اعتذار أرباب البدع والمعاصي بحسن النية والمقصد في أفعالهم, من خلال صاحب الفأس الذي أراد ثقب السفينة بحجة طلب الماء, ظانا أن المقصد كاف لصحة العمل وقبوله, والحقيقة أن الله تعالى لا يقبل العمل إلا إذا كان خالصا وصوابا أيضا, فحتى يقبل العمل عند الله تعالى لا بد من موافقته لشرع الله تعالى, قال صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ ) صحيح البخاري / 3/184 برقم 2697.

وفي هذا الجانب رأيت من المفيد تلخيص الحديث الطويل الذي استدل به الباحث على هذه النقطة لأهميتها وخطورتها, لما فيه من بيان نموذج واضح لما تعاني منه الأمة في هذا العصر مع أمثال هؤلاء المبتدعة, حيث دخل أبو موسى الأشعري مسجدا فرأى قوما يعدون التسبيح والتحميد بالحصى, فأخبر ابن مسعود, فلما دخل عليهم ابن مسعود رضي الله عنه قال: ( مَا هَذَا الَّذِى أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ . قَالَ : فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لاَ يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَىْءٌ ، وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ ، هَؤُلاَءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ -صلى الله عليه وسلم- مُتَوَافِرُونَ , وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ ، وَالَّذِى نَفْسِى فِى يَدِهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِىَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ، أَوْ مُفْتَتِحِى بَابِ ضَلاَلَةٍ . قَالُوا : وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا أَرَدْنَا إِلاَّ الْخَيْرَ. قَالَ : وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حَدَّثَنَا أَنَّ قَوْماً يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ، وَايْمُ اللَّهِ مَا أَدْرِى لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ . ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهُمْ ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَلِمَةَ راوي الحديث : رَأَيْنَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الْحِلَقِ يُطَاعِنُونَا يَوْمَ النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ ) سنن الدارمي 1/ 286 برقم 210.

أما المبحث الرابع والأخير, فقد خصصه الباحث لعقوبة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فبدأ بمراتب تغيير المنكر كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ) صحيح البخاري 1/50 برقم 186.

فالمرتبة الأولى التغيير باليد للقادر عليه, فإن لم يقدر فباللسان بالقول الحسن, فإن لم يستطع فالإنكار بالقلب.

أما السكوت عن المنكر مع القدرة على تغييره بأحد الوسائل المذكورة آنفا, فهو مداهنة مذمومة, تستوجب العقوبة التي بينها صلى الله عليه وسلم بقوله: (مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِى قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِى يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا عَلَيْهِ فَلاَ يُغَيِّرُوا إِلاَّ أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمُوتُوا) سنن أبي داود 4/214 برقم 4341.

وفي الختام نصح الكاتب نفسه والمسلمين إعطاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أهميته, في ضوء البصائر العقدية المبينة في الحديث, حتى لا نقع بالمداهنة المحرمة شرعا, ثم خلص الكاتب إلى أهم النتائج المستفادة وهي:

1- المداهنة والمداراة ضدان لا يجتمعان فالأولى ذم والثانية مدح.
2- حقيقة المداراة والمداهنة مبني على قاعدة شرعية عظيمة هي: سد الذرائع, فما كان ذريعة لثلم الدين فهو مداهنة وما كان لحفظه فهو مداراة.
3- كثرة الخبث الحاصل نتيجة طبيعية لترك إنكار المنكر.
4- إعتذار أرباب البدع والمعاصي بحسن النية ليس مصححا للعمل.
جزى الله تعالى الباحث كل خيرعلى هذه الدراسة العقدية الحديثية, التي تبين جانبا من أخطر جوانب أسباب انتشار البدع, ألا وهو ترك إنكار المنكر واعتذار أصحاب المنكر بالنية والمقصد الحسن.

--------------------------------------------------