المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أصول وضوابط في دراسة السيرة النبوية الشريفة


Eng.Jordan
10-07-2013, 11:11 AM
بتاريخ 10-7-1425 هـ

يمكنكم مراسلتنا والمساهمة بمقالات مشابهة المشرف العام الأستاذ أحمد مدهار نشكركم: يكفي دلالة على القناعة بأهمية دراسة السيرة تلك الكتابات المتكاثرة التي تحاول الإفادة من السيرة بأكثر من صورة . ولِما لمنهج الكاتب من تأثير في كتاباته فإن من المهم السعي إلى تحديد أطر منهجية ضابطة للدراسة والكتابة . وهذه محاولة لرسم بعض المعالم والضوابط أرجو بها النفع ، وأن تتبعها دراسات أكثر نضجاً من ذوي الاهتمام والاختصاص

يكفي دلالة على القناعة بأهمية دراسة السيرة تلك الكتابات المتكاثرة التي تحاول الإفادة من السيرة بأكثر من صورة . ولِما لمنهج الكاتب من تأثير في كتاباته فإن من المهم السعي إلى تحديد أطر منهجية ضابطة للدراسة والكتابة . وهذه محاولة لرسم بعض المعالم والضوابط أرجو بها النفع ، وأن تتبعها دراسات أكثر نضجاً من ذوي الاهتمام والاختصاص
أولاً : حقيقة الإسلام ومنهجه المتكامل :
يكتسب هذا القيد مكانته من جهة عجز من يفتقده عن قراءة أحداث السيرة قراءة موضوعية تمكنه من سلامة فهم الأحداث، وتقصي أسبابها ومعرفة دوافعها وتفسيرها بما يتفق مع روح الإسلام . فمن المهم "أن يُعنى بالجانب التشريعي الذي يحتكم إليه المجتمع ، وتوضح الضوابط الخلقية والقانونية التي تحكم حركة الأفراد والمجتمعات ، ولا يمكن الفصل بين الجانب السياسي والعسكري ، والجانب الخلقي والتشريعي ، خاصة في القرون الأولى من تاريخ الإسلام ؛ حيث تتشابك العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية بالعقيدة تشابكاً وثيقاً بحيث يصعب فهم حركة التاريخ في تلك المرحلة دون فهم روح الإسلام ومبادئه.
إزاء هذا الضابط نرى أنفسنا أمام خطرين اثنين :
أولهما : افتقاد بعض الباحثين والدارسين إلى المرجعية الشرعية .
وثانيهما : قراءة السيرة بأنظمة معرفية أخرى : رأسمالية ، واشتراكية ، وعلمانية ، وقومية من الخارج ، ومحاولة تقطيعها والانتقاء من أحداثها ، وفصلها عن نسقها المعرفي وسياقها ومناسبتها .
ونظير هذا : قراءة السيرة بخلفية بدعية صوفية أو رافضية .. ونحوها ؛ فالرافضة - مثلاً - يحللون أحداث السيرة تحليلاً يتسق مع انحرافاتهم العَقَدِيَّة !
ثانياً : ترك المنطق التسويغي :
ينبغي أن تنطلق دراسة السيرة من اليقين بعزة الإسلام وأحقيته في الحكم والسيادة ، وأن الله لا يقبل ديناً سواه ، وأنه لا يفهم إلا من خلال دراسة السيرة .
ولذا وجب البعد عن الروح الانهزامية في تحرير السيرة وتحليلها ، خاصة في الجهاد .
ومن المواضيع التي ينهزم أمامها التسويغيون ولا يجدون لها مسوِّغاً - على زعمهم - مسألة قتل يهود بني قريظة لما قبلوا حكم سعد بن معاذ فيهم - وكان حليفهم في الجاهلية - فحكم فيهم بحكم الله : أن يقتل رجالهم ، وتسبى نساؤهم وذراريهم هنا يصعب الموقف على من في قلبه انهزامية ، فيسعى للتشكيك في ثبوت القصة . وهي ثابتة بلا شك .
ثالثاً : اعتبار القرآن الكريم مصدراً أولاً في تلقي السيرة وفهمها :
لدراسة السيرة من خلال كتاب الله ميزات عدة منها :
-أن مدارسته عبادة عظيمة .
- اشتمل القرآن على إشارات تفصيلية لا توجد في مصدر آخر ، كما في أحداث زواج زينب- رضي الله عنها -..
- دقة وصفه للأحداث والشخوص ، حتى يصور نبضات القلب ، وتقاسيم الوجه ، وخلجات الفؤاد ، وهذه خصيصة تنقل القارئ إلى جو الحدث ليعيش فيه .
- - تركيزه على خصائص سيرة النبي صلى الله عليه وسلم : مثل كونه بشراً ، وأن رسالته عامة ، وأنه خاتم النبيين . ومنها ربطه بين قصة الحدث وسيره وبين العقيدة والإيمان والقضاء والقدر.
- بيانه حكمة الحدث ونتائجه وحكمة الله في تقديره ، وهو الدرس التربوي المطلوب. وبدراسة السيرة من القرآن يتحول الحدث من قصة في زمان ومكان معينين إلى درس كبير متكامل يتعدى ظروفهما … يُتلى إلى قيام الساعة .
إن من يعيش السيرة من خلال القرآن - وصحيح السنة - لا تعود السيرة في حسه مجرد أحداث ووقائع ، وإنما تصير شيئاً تتنامى معه مشاعره الإيمانية تجاه الجماعة المؤمنة ووعيه الإيماني بالسنن الربانية . ومع أهمية هذا النوع من الدراسة فإنه لم يلق بعدُ اهتماماً يتناسب معه .
رابعا: تمحيص الصحيح من الأخبار فيما يتعلق بالعقيدة والشريعة :
الناس في اشتراط تمييز الصحيح من الضعيف في روايات السيرة على قولين مشهورين: الأول : من لم يشترط التمحيص وأجاز إيراد كل مرويات السيرة ، واحتج بأن كَتَبة السيرة لم يعتمدوه ولم يحرصوا عليه ، واستدلوا بما اشتهر عن الإمام أحمد - رحمه الله - أنه قال : " ثلاثة كتب ليس لها أصول : المغازي ، والملاحم ، التفسير . ويمكن نقاش دليلهم واستدلالهم من أوجه :
أ - أن ثبوت هذا المقولة عن الإمام أحمد موضع نظر ، ومن ذا الذي يقول :إنه لا يثبت شيء في مغازي المسلمين ؟ فأين ما في الصحاح والسنن ، وأين ما ذكره الإمام أحمد نفسه في مسنده ؟
ب - وفي حال ثبوت الرواية فإنه لم يقل : لم يصح فيها شيء ، ولكن قال : ليس لها أصول . وقوله : ثلاثة كُتُب يدل على أن مراده : " كتب مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة غير معتمد عليها ، ولا موثوق بصحتها ؛ لسوء أحوال مصنفيها ، وعدم عدالة ناقليها ، وزيادات القُصّاص فيها .
ت - أنه حتى لو نفى الصحة عنها فإن نفيها لا ينفي الحُسن ، ولا يستلزم الضعف أو الوضع.
ث - يحمل قوله على الحال الغالب ؛ فإن هذه الفنون غالب رواياتها ليس لها أسانيد متصلة.
أما القول الثاني : فيمثله د. أكرم العمري ، حيث يقول : " المطلوب اعتماد الروايات الصحيحة ، وتقديمها ثم الحسنة ، ثم ما يعتضد من الضعيف لبناء الصورة التاريخية لأحداث المجتمع في عصر صدر الإسلام .. وعند التعارض يقدم الأقوى دائماً .. أما الرويات الضعيفة التي لا تقوى أو تعتضد فيمكن الإفادة منها في إكمال الفراغ الذي لا تسده الروايات الصحيحة والحسنة على ألا تتعلق بجانب عقدي أو شرعي ؛ لأن القاعدة : "التشدد فيما يتعلق بالعقيدة أو الشريعة " . ولا يخفى أن عصر السيرة النبوية والخلافة الراشدة مليء بالسوابق الفقهية ، والخلفاء الراشدون كانوا يجتهدون في تسيير دفة الحياة وفق تعاليم الإسلام ؛ فهم موضع اقتداء ومتابعة فيما استنبطوا من أحكام ونظم لأقضية استجدت بعد توسع الدولة الإسلامية على إثر الفتوح .
أما الروايات التاريخية المتعلقة بالعمران : كتخطيط المدن ، وزيادة الأبنية ، وشق الترع ، .. أو المتعلقة بوصف ميادين القتال وأخبار المجاهدين الدالة على شجاعتهم وتضحيتهم فا بأس بالتساهل فيها ، وهذا هو المنهج المعتبر عند الأئمة المحققين ، يشهد به صنيع الذهبي في ( تاريخ الإسلام ) ، وابن سيد الناس في ( عيون الأثر ) ، وابن حجر في ( الفتح ) ، وكذلك ابن القيم وابن كثير .
أما ما يؤخذ من الروايات التاريخية فهو ما اتفق عليه الإخباريون . أما اشتراط الصحة في كل خبر تاريخي - والذي مشى عليه بعض المؤلفين في السيرة فاختزلوا كثيراً من أحداثها - فإن ذلك يترتب عليه تضييع ثروة علمية كبرى ، وإهدار الاستفادة منها في مجالات تربوية وإدارية .. ونحوها ؛ حيث تضعف الثقة في كل ما استنبط منها .
يبقى : كيف تدوّن السيرة على ضوء المنهج السابق : هل تذكر كل الأحاديث بنصوصها ، أم يجمع بين الروايات في سياق واحد ؟
الظاهر : هو الطريق الثاني ؛ تحاشياً لتشويش القارئ وتشتت ذهنه بانقطاع الأحداث ، وتكرر بعضها ، وعدم وضوح صورة متسلسلة متكاملة للسيرة ، ثم إنه صنيع الزهري في روايته لحادثة الإفك التي رواها مسلم عنه .
خامساً : معرفة حدود العقل في قبول النصوص وردِّها :
يرى العديد من الدارسين - وخاصة المستشرقين - أن علماء المسلمين أهملوا نقد المتون ، وأن ذلك لغياب عقليتهم النقدية . وهذا مردود ، وهذا بعض أمثلة لمحاكمات تاريخية مستندة إلى نقد المتن :
1- رفض ابن حزم العدد المذكور عن عدد جند المسلمين في أُحُد بناء على محاكمة المتن وفق أقيسة عقلية بحتة .
2- قدّم موسى بن عقبة غزوة بني المصطلق إلى السنة الرابعة - خلافاً للأكثرين الذين جعلوها في السنة السادسة - ؛ لاشتراك سعد بن معاذ فيها ، وهو متوفى عقب بني قريظة وهي في السنة الرابعة . وتابعه على تقديم تاريخها ابن القيم والذهبي .
3- أخَّر البخاري غزوة ذات الرقاع إلى ما بعد خيبر ؛ نظراً لاشتراك أبي موسى الأشعري وأبي هريرة فيها ، وقد قدما بعد خيبر ، وتابعه على تأخيرها ابن القيم وابن كثير وابن حجر ، خلافاً لرأي ابن إسحاق والواقدي في تقديمها .
4- الخلاف حول تشريع صلاة الخوف معظمه مبني على محاكمة المتن .
والأمثلة كثيرة ؛ ولكن من المهم أن يقال : إن حفظ الروايات قد استنفد طاقة الأوائل ، وأتى بعدهم من لخّص وذيل عليها وانتقى منها ، وهذا عمل نقدي . وفي مؤلفات متأخرة تَبرُز محاكمات دقيقة للمتون ، كما في : البداية والنهاية وفتح الباري ، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية.
قال ابن تيمية - رحمه الله : " الأحاديث التي ينقلها كثير من الجهال ، لا ضابط لها ، لكن منها ما يعرف كذبه بالعقل ومنها مايعرف كذبه بالعادة ، ومنها مايعرف كذبه بأنه خلاف ما عُلم بالنقل الصحيح ، ومنها ما يعرف كذبه بطرق أخرى .
كما يحسب في عداد تقويم العقلية النقدية لدى المسلمين خدمتهم لنصوص أحاديث الأحكام خدمة بالغة ، كجهودهم في كتب أصول الفقه التي تنبئُ عن عقلية فذة . وإذا علمنا أن للمؤرخين القدامى كتباً في فنون أخرى لم يجز لنا أن نتهمهم بإهمال المتون ، كما يجب مراعاة عنصر الزمن ، فلا تقوّم جهودهم بمقاييس أنجزها التقدم العلمي اليوم ؛ لئلا يُغمطوا حقهم .
على أن علم مصطلح الحديث قد اشتمل على مباحث تشكل الجانب النظري لنقد المتون ، ولكن القصورحصل في تطبيق ذلك على الرواية التاريخية ، فلم تحظ بما حظيت به الأحاديث النبوية من العناية .
لقد انزلق المطالبون بنقد المتون ؛ حيث أجروا أحكام العقل في المتون الثابتة ، وجعلوا ذلك أساساً للرد والقبول، وذلك أمر تتفاوت فيه العقول ، وإنما يجي ء الإشكال من جهة قصور العقل عن إدراك الخطاب للتوفيق بينه وبين النصوص الأخرى .
وربما يُثبت من لم يلتزم منهج المحدثين حديثاً واهياً لصحة معناه ، وقد يردُّ رواية الشيخين لظنه تعارضها مع مبادئ الإسلام وقواعده ، وهذا تحكيم ضعيف العقل .
ومما وقعوا فيه خلال دراسة السيرة نفي المعجزات الثابتة بالنقل الصحيح ، وهو في حقيقته انصياع للفكر المادي والفلسفات الوضعية ، مع أن المسلم لا بد له من الاعتزاز الذي يحقق له الاستقلال التام في النظر البحث العلمي .
سادساً: فهم العربية ومعرفة أساليبها :
" امتاز التأليف في العصور الأولى بقوة الأسلوب وفحولة المعاني وجزالة الألفاظ وإشراق الديباجة والتزام أساليب العرب ومذاهبهم في البيان فدعت الحاجة دارس السيرة إلى حسن فهم العربية وأساليبها ؛ ليحسن التعامل مع روايات السيرة ؛ إذ المطلوب في فهمها والاستنباط منها أن يتم وفق قواعد العربية وأساليبها دون تعسف أو تمحُّل في التفسير .
سابعاً : الالتزام بالمصطلحات الشرعية :
قسم الله - تبارك وتعالى - الناس ثلاثة أقسام : مؤمناً ، وكافراً ومنافقاً - كما في صدر سورة البقرة - وجعلهم حزبين : أولياء الرحمن ، وأولياء الشيطان ، فالواجب الالتزام بهذه التسميات ، وعدم العدول عنها إلى مثل : يميني ، يساري ، ليبرالي … إلا عند الحاجة للتعريف باتجاهات بعض الأفراد الذين يترتب معرفة ذلك منهم مصلحة ، مع الحرص على التحديد ما أمكن .
وفائدة التحديد في تقليل التمييع والتضليل الذي يسعى إليه المفسدون وأشياعهم ؛ حيث يحرصون على التعمية وتجاهل الأسماء الشرعية التي يترتب عليها أحكام ، وتستلزم ولاءً أو براءً .
ثامناً : صدق العاطفة :
من أسس الكتابة في السيرة ودراستها توفر المحبة لصحابها صلى الله عليه وسلم والعاطفة الحية التي تُشعر بمدى الارتباط الحقيقي قلباً وقالباً ، والتفاعل الحقيقي مع أحداث سيرته .
ولقد عبر الشيخ محمد الغزالي عن عاطفته الجياشة فقال في مقدمة فقه السيرة : : إنني أكتب في السيرة كما يكتب جندي عن قائده ، أو تابع عن سيده ، أو تلميذ عن أستاذه ، ولست - كما قلت - مؤرخاً محايداً مبتوت الصلة بمن يكتب عنه " . ودراسة السيرة تعبُّدًا لله وتقرباً إليه تنمي ذلك الحب ، وتسقي تلك العاطفة .
تاسعاً : الوفاء بحقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم دون غلو ولا جفاء :
ينأى عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ومنهج سلف الأمة في دراسة السيرة فريقان :
1- قوم قصَّروا في حق النبي صلى الله عليه وسلم وما يجب له من الإجلال والتعظيم ، فدرسوا سيرته كما يدرسون سائر الشخصيات الأخرى ، فنظروا لجوانب العظمة البشريةو القيادة والعبقرية والبطولة والملك والإصلاح الاجتماعي ، مغفلين الجانب الأعلى في حياته ، وهو تشرفه بوحي الله - عز وجل - وختم النبوة والرسالة . ولهؤلاء يحسن سياق خبر أبي سفيان يوم فتح مكة ، حيث قال للعباس لما رأي كتائب الصحابة - رضي الله عنهم - والله لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم لعظيماً ، فقال العباس : ويحك يا أبا سفيان ، إنها النبوة ، قال : فنعم إذاً .
2- وأخرون بالغوا في التعظيم وغلوا في منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلم يرُقْ لهم وصفه بالبشرية ، بل ربما خطر لبعضهم أنه ضرب من الجفاء ! مع أن كونه صلى الله عليه وسلم بشراً عبداً لله - عز وجل - من مسلمات العقيدة وخلافه ضرب من الضلال ؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم : " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ؛ فإنما أنا عبد ، فقولوا عبد الله ورسول الله: .
3- فالحق وسط بين الطرفين ؛ ولدراسة السيرة انطلاقاً من ذلك أثر كبير في العقيدة والعبادة والسلوك والدعوة والتأسي والاقتداء .
عاشراً : تحديد هدف الكتابة والشريحة المخاطبة بها:
على كاتب السيرة معرفة الشريحة المراد مخاطبتها ، وفهم الأسلوب المناسب الذي تؤدى به .
وعليه كذلك أن يعيّن غرضه من الكتابة ، وماذا يريد من معالجة جديدة ، أو طرح للأحداث بأسلوب جديد ، أو تعليل لقضايا منغلقة ، أو التركيز على أحداث أغفلها الكُتّاب .
فمثلاً المرحلة المكية مرحلة تربوية خصبة كتبت فيها كثير من الكتابات ، ولا تزال بحاجة إلى بسط في بعض جوانبها وزواياها ، ومن ذلك :
1- موقف الجاهلية من الدعوة والمؤمنين بها ؛ فأعداء الدعوة ليسوا قريشاً وحدهم، بل كل الجاهلية .. ثقيف وهوازن وغيرهما . وإنما برزت قريش ؛ لأنهم عشيرته صلى الله عليه وسلم الأقربون ، ولكن تخصيصهم بالحديث يوحي بمحلية الدعوة ، وهو خطأ جسيم . 2- موقف المؤمنين من الاضطهاد بالمقارنة بين حالهم قبل الإسلام وبعده ، وكيف صنعهم الإسلام حتى هان على المؤمنين من العقوبات ما كان أخفه هو غاية التهديد في الجاهلية كالطرد من القبيلة - مثلاً - . 3- الدور التربوي العظيم لدار الأرقم - مدرسة المؤمنين السابقين الأولين : ، والمؤسف أن الأخبار عنها قليلة ، مع أنها تميزت بإعطاء منهج تربوي متكامل ، ولعل من الكتب المفيدة في دراسة المرحلة المكية : في ظلال القرآن ، لسيد قطب - رحمه الله - حادي عشر : العناية بتحليل الأحداث والتعليق والموازنة :
بذل العلماء المتقدمون جهوداً مضنية في حفظ العلم وروايته أشغلتهم - في بعض الأحيان - عن العناية بتحليل الأخبار ودراستها والنظر في أسباب الأحداث وملابساتها . وفي عصور الضعف لم يأخذ جانب التحليل والدراسة حقه ؛ بسبب النظرة التجزيئية للقضايا، والسطحية في التعامل مع الروايات ، وعدم وضوح التصور الإسلامي لحركة التاريخ ودور الفرد والجماعة ، و العلاقة الجدلية بين القدر والحرية وقانون السببية في الربط بين المقدمات والنتائج . فضلاً عن أن الكتب التاريخية القديمة لا تمدنا بمنحى واضح في التحليل والتصور الكلي ؛ بسبب اعتمادها على سرد الروايات فقط ؛ إذ قلّما يشير المؤرخ الإسلامي القديم إلى السنن والنواميس والقوانين الاجتماعية التي تحكم حركة التاريخ ، رغم أن القرآن الكريم لفت نظر المسلمين إلى ذلك كله بوضوح ، بل إن أحداً من مؤرخي الإسلام لم يحاول إعادة صياغة النظرة القرآنية للتاريخ وتقديم الوقائع والتطبيقات والشواهد القرآنية عليها بشكل نظريات كلية حتى وقت متأخر عندما كتب ابن خلدون مقدمته .
ولغيات النظرة التحليلة في دراسة السيرة فقد غلب عليها الطابع التسجيلي السردي الذي يحاول إثبات الوقائع ووصف تطور الأحداث وتقرير النتائج دون الالتفات إلى المقدمات ومحاولة اكتشاف المنهج الذي يُسيّرها . ومع أن الدراسات شملت وصفاً دقيقاً لكل أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وكل ما يتصل به .. إلا أن الحديث عن المعجزات والمؤيدات الغيبية كان على حساب سنن عالم الشهادة التي يتحرك في إطارها ويصنع الأحداث ويحقق النتائج . " الحق أن المحدثين في باب التحليل والتعليق والموازنة بين المواقف قد أرْبوا على المتقدمين ، وأكسبوا السيرة جدة ، ورواءً ، وقد تفاوتوا في ذلك على حسب تفاوتهم في المراتب ، وسعة العلم والأفق ، والاطلاع على سير الآخرين .
ولكن غالب هذه الدراسات قد ركز على جانب إثبات النبوة ، وإبراز الخصائص . وهو أمر له مسوِّغه الظرفي في الصراع مع المخالفين . واهتم جزء آخر باستخراج الأحكام والتوجيهات والفوائد ، واهتم آخرون بالتفسير الحركي لتسويغ بعض مواقف الحركة الإسلامية المعاصرة . ثاني عشر : الاهتمام بتحرير المنهج النبوي في سائر المجالات :
بقيت العناية بالمنهج قليلة ، مع أنه بإمكان النظرة الشمولية لهذه الجهود العلمية الضخمة - الآنفة الذكر - أن تستخلص البنية الهيكلية للمنهج النبوي في نواحيه المختلفة . نعم …
إن استخلاص المنهج مطلب ضروري ، بيد أنه ليس بالأمر اليسير ، خلافاً لما قد يتوهمه بعضهم حين ظنوا أن ( المنهج النبوي ) على طرف الثمام ، وأن نظرة عجلى على السيرة العطرة ، أو جزء من السنة المطهرة ، أو انتقاء مقاطع من هنا أو هناك كافية للإحاطة بهذا المنهج الفذ ، وبناء حتميات تاريخية على تلك الأفهام العجلة . وتصوُّر بعضٍ أن بالإمكان إعادة إنتاج العهدين المكي والمدني ، أو تمثيلهما في أي واقع يُعد مجازفة كبيرة. إن المنهج حين يطلق في إطار معرفي إنما يراد به قانون ناظم ضابط يقنن الفكر ويضبط المعرفة التي إن لم يضبطها المنهج فقد تتحول إلى مجرد خطرات انتقائية - مهما كانت أهميتها - لا يمكن تحويلها إلى ضوابط فكرية وقوانين معرفية تنتج الأفكار وتولد المعارف وتضبط حركاتها وتميز بينها ؛ فبالمنهج يمكن أن نحدد طبيعة المعرفة وقيمتها وحقل عملها واتجاهاتها وكيفية البناء عليها والتوليد منها ...
إن أي فكر تتضارب مقولاته وتتناقض لا يعتبر فكراً منهجياً حتى لو تمكن أصحابه من تقديم مختلف التأويلات التوفيقية : كالتأويل ، والمقاربة ، والتلفيق ، وغيرها . ولذلك فإن إطلاق مصطلح : ( منهج النبي صلى الله عليه وسلم ) و ( المنهج الإسلامي ) على ما يصل الباحثون إليه باجتهاد شخصي أو فردي لا بد أن يُحتاط فيه ، كأن يقال :
على ما نراه ، أو على ما توصلنا إليه .. الخ . مطلوب - اليوم أكثر من أي وقت مضى - قراءة السيرة ودراستها دراسة استراتيجية في مختلف الحالات الاجتماعية والتربوية والعلمية والإدارية والسياسية والاقتصادية والحركية والأمنية والثقافية .. ففي السيرة بيان لجميع الحالات أو أصولها ؛ خلافاً لصنيع بعض كُتّاب السيرة حين يصورون حياة النبي صلى الله عليه وسلم على أنها صراع وحروب وغزوات وسرايا ، ويغفلون عن الجوانب الأخرى . لكن المطلوب : دقة تحليل الواقع المعاش من خلال متخصصين ، لا متحمسين فقط ، ثم دراسة السيرة وتحليها ، ثم تحديد مواقع الاقتداء من مسيرة السيرة ، أو اكتشاف المرحلة من السيرة التي تمثل حالة الاقتداء وكيفيته من خلال ظروف الحال نفسه .
ثالث عشر : تحديد هدف الدراسة وهو الاقتداء والتأسي :
من العبث اعتبار سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لمجرد التسلية ، وإبراز عظمة الرجال ؛ بل إن سيرته للناس ، وترجمة عمَلية لدين الله - عز وجل - وتصور للإسلام يتجسد في حياة صاحب الرسالة ، تطبيقاً للمبادئُ والقواعد والأحكام النظرية ؛ ولذا قال الزهري : (في علم المغازي علم الآخرة والأولى ) . لمّا وعى الصحابة وسلف الأمة هذا الغرض اكتسبت السيرة في حياتهم مكانة علمية تليق بها وبهم . قال على بن الحسين .:
( كنا نتعلم سيرة النبي كما نتعلم السورة من القرآن)
لأنه لا غنى لم يريد الاقتداء به عن معرفة سيرته ، والاقتداء أساس الاهتداء : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً )( الأحزاب : 21 ) .
ولكن كيف نتعامل مع السيرة في هذه المرحلة المتغيرة ، وكيف يكون الاقتداء ؟ الواقع يتغير ، ووسائلنا في العمل وقراءة القيم لا تتغير ، والسيرة اتخذت لكل حالة ما يناسبها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر - حين أكرهه المشركون على سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير - : " إن عادوا فعد " . آية التأسي نزلت في غزوة الأحزاب؛ لتبين أن تمام الإقتداء إنما يكون في شدة البأس والضيق وفوات الدنيا لمن تعلق بالآخرة ، فلا يكون الإقتداء في اليسر دون العسر ، ولا في الحاجيات والتحسينيات دون الضروريات من مقاصد الشريعة ، وليس المقصود التقليل من شأن الاقتداء في العادات ؛ فذلك مهم في صياغة الشخصية المتكاملة .
نزلت آية الأحزاب وقد بلغت القلوب الحناجر ، وحين استنجد الصحابة بالرسول صلى الله عليه وسلم عندما واجهتهم الصخرة الكبيرة حاول تفتيتها بالمعول طبقاً للسنن الجارية مؤملاً النصر . "فقيمة الاقتداء وعطاؤه وعظيم ثوابه عندما يكون في العزائم والقضايا الكبيرة التي قد يمتحن صاحبها في صدق إيمانه وقوة يقينه ، فتفوته بعض النتائج في الدنيا ، ويخسر المعركة ، لكن الاقتداء يحميه ويحول بينه وبين السقوط ، ويرتفع به من الوقوف عند النتائج القريبة إلى ابصار العواقب والمآلات .. ذلك أن مظنة الارتكاز في الاقتداء هي رجاء الله واليوم الآخر واستمرار الذكر الذي يجلّى هذه الحقيقة ، ويؤكد حضورها واستمرارها :
( لقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً . ( الأحزاب : 21 ) .
ولكل مخلص أن يتساءل : ما نصيب السيرة النبوية في المناهج التربوية اليوم ؟ وما أثر معرفتها في سلوك العاملين في ميادين الدعوة والتربية والتعليم؟
رابع عشر : معرفة مواضع الاقتداء من فعله صلى الله عليه وسلم :
معرفة أحوال أفعاله صلى الله عليه وسلم وأقسامه مبحث أصولي يهم دارس السيرة . وفعله صلى الله عليه وسلم لا يخلو أن يكون صدر منه بمحض الجِبِلّة ، وهي الخِلقة أو بمحض التشريع ، وهذا قد يكون عاما للأمة وقد يكون خاصا به صلى اله عليه وسلم فهذه ثلاثة أقسام :
القسم الأول : الأفعال الجبلية : كالقيام و القعود والأكل والشرب ، فهذا القسم مباح ؛ لأن ذلك لم يقصد به التشريع والتعبد؛ ولذلك نسب إلى الجبلة وهي الخلقة .
القسم الثاني : الأفعال الخاصة به صلى الله عليه وسلم التي ثبت بالدليل اختصاصه بها كالجمع بين تسع نسوة ؛ فهذا القسم يحرم فيه التأسي به .
القسم الثالث : الأفعال البيانية التي يقصد بها البيان والتشريع ، كأفعال الصلاة والحج ، فحكم هذا القسم تابع لما بيّنه ؛ فإن كان المبيَّن واجباً كان الفعل المبين له واجباً ، وإن كان مندوباً فمندوب .
خامس عشر : معرفة كيفية الاستفادة منها في الواقع :
الدراسة المفيدة للسيرة تحصل حين تّدرس على أنها سنن ربانيه يمكن أن تتكرر كلما تكررت ظروفها ولا تتحقق أبداً حين ننظر للسيرة على أنها مجرد أحداث مفردة قائمة بذاتها حدثت زمن البعثة النبوية ..بل هي آيات وعبر في شؤون الحياة كلها ، وإلا ضاع رصيدها وقوتها الدافعة لأجيال المسلمين ؛ فهي تربط المسلم بالسنن الربانية ، وتربط قلبه بالله تعالى.
إن كل حركة إصلاح أو تغيير تعجز عن الاستفادة من السيرة في صياغة مناهجها وحل مشكلاتها هي بعيدة عن الاقتداء ؛ لأن الواجب تجريد السيرة من قيد الزمان والمكان؛ لتجيب عن أسئلة الواقع ومشكلاته . وهذا النوع من الداراسات قليل جداً ؛ إذ جلّ الدراسات لا تعبر عن عصر مؤلفها ، ولا تخدم احتياجات واقعه ، ولا تطرق مشكلاته .
قد تكون المشكلة كامنة - أحياناً - في غياب المقاصد الحقيقية التي تمثل معاني الخلود عند دارسي السيرة أي قدرتها على التعامل مع جميع الظروف - مما جعلها عن كثيرين تاريخاً لا مصدراً للاهتداء والتشريع .
وهي - لا شك - تاريخ ، ولكنها تاريخ وحاضر ومستقبل : تاريخٌ زماناً ومكاناً ، وحاضرٌ عطاءً ومصدراً للتشريع ، ومستقبلٌ رؤية واستشرافاً . ً . وإذا كان التاريخ مصدراً للدرس والعبرة فالسيرة أوْلى لأنها فترة مسددة بالوحي ، وحقبة بيان عملي للدين .
لقد سبب غياب هذا المنطلق إغراقاً في الفقه النظري - سواء الذي يسير خلف المجتمع ، أو البعيد عن واقعه - ، كما سبب تراجعاً في الفقه التطبيقي ( فقه التنزيل) فصارت مشكلات المسلمين تنشد الحل المستورد .
إن مما يؤكد أهمية الانطلاق من ذلك المنطلق حين التعامل مع السيرة ما يشير إليه ترتيب سور القرآن وآياته - والسيرة بيان عملي للقرآن - فلم يجئ ترتيبه حسب نزوله زماناً ومكاناً ؛ لئلا يبقي المتأسي أسير الزمان والمكان الماضيين ، بل ليبقى مسخِّراً للزمن متحكماً فيه يستطيع تحديد الموقع المناسب للاقتداء من خلال قيم القرآن الكريم ومسيرة السيرة بحسب الظروف والإمكانات وطبيعة أقتدار التدين التي تحدد مكان الاقتداء من السيرة .. هذا وإلا بقيت السيرة في خانة التبرك والفخر تصاغ في شكل موالد وموائد تشيع فيها البدعة ، وتضيع فيها السنة ، وتضيع معها الأوقات .
وفي سيرة سلفنا إضاءات للمستنيرين بنورها ، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقاتل مانعي الزكاة ، ويقول لعمر بن الخطاب لما حاول تأجيل قتالهم : "أجباُرُ في الجاهلية وخوّار في الإسلام ؟ ! إنه قد انقطع الوحي ، وتم الدين ، أَوَ ينقص ؟ وأنا حي ؟ ! ، فلم يتقيد بقيد الزمان وهو ما قبل فرضية الزكاة في صدر الدعوة - ولذا فإن من الخطأ أن نريد إعادة مراحل السيرة التي كانت قبل اكتمال شرائع الإسلام ، فنكتفي ببعضها ردحاً من الزمن، ونحمل الناس على شيء من الدين مرحلة من الزمن ؛ فذلك " تبسيط شديد للأمور من ناحية ، وتجاوز لتحليل ومعرفة أهم الأبعاد التي غابت عن محاولات التغيير ، وأدت إلى تراجعها .
ولكي يتضح جانب التبسيط فإنه يُرد على من أراد تقييد الإفادة من السيرة بالزمان بتقييدها بالمكان ! فهل يطيقه ؟.
ولابد أن نلاحظ - حال الإفادة من معطيات السيرة - أنه لا يمكن أن تُنتج الوسائل والتصرفات التي استعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم النتائج نفسها إذا استعملها سواه؛ لاختصاص الرسول صلى الله عليه وسلم بالوحي والتسديد من الله عز وجل.
ولذا ، فإنه تبقى للسيرة النبوية صفة المعيارية الخالدة في الإطار العلمي التطبيقي ، وليس ذلك أبداً لممارسات أحد غيره - كائناً من كان - فلا يجوز إسقاط السيرة على تصرفات بعض الأفراد أو الجماعات؛ لتسويغ بعض الممارسات وإكسابها المشروعية ، سواء قبل التصرف أو بعده ، وسواء في ذلك القراءات الحركية أو العسكرية أو الأمنية أو الاقتصادية أو التربوية ما دامت فصّلت حوادثها على تصرفات معينة ، والتي لا يمكن أبداً أن تكون معياراً ، بل هي في الحقيقة صفحة من التاريخ تفيد الدرس والعبرة .
وفي الختام : لعل فيما سبق من الضوابط محاولة لرسم معالم في كتابة السيرة ودراستها ، والمرجو أن تبعث لدى المهتمين المبادرة بنقدها وتقويمها ، والسعي لتحرير منهج علمي متين في دراسة سيرة الهادي صلى الله عليه وسلم .
عبد اللطيف بن محمد الحسن
البيان : عدد 74
شبكة التربية الإسلامية الشاملة للأستاذ
المشرف العام احمد مدهار

علاء سعد حميده
11-08-2013, 01:00 PM
موضوع مميز ,, جزاكم الله خيرا

ولي في مساهمات

يسعدني مشاركتكم بها ان شاء الله

علاء سعد حميده
11-08-2013, 05:28 PM
الدراسة من هذا الرابط

http://islamtoday.net/bohooth/artshow-86-5463.htm

علاء سعد حميده
11-08-2013, 05:34 PM
دراسة السيرة النبوية وأهميتها في المنهج الإسلامي
دراسة السيرة النبوية وأهميتها في المنهج الإسلامي
الاربعاء 7 ربيع الأول 1426 الموافق 20 إبريل 2005

دراسة السيرة النبوية وأهميتها في المنهج الإسلامي

علاء سعد حسن

النبي الخاتم والرسول الأمين محمد بن عبد الله أمرنا الله تبارك وتعالى بالتأسي به وجعله قدوتنا في الحياة يقول تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ) الأحزاب21 ، كما أمرنا الله تعالى بمحبته ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ) التوبة24 .. فكيف يتحقق هذا الاقتداء ويتصل القلب بهذه المحبة دون دراسة سيرته العطرة صلى الله عليه وسلم ؟!
إن بعض المناهج والمدارس الإسلامية تغفل دراسة السيرة النبوية إما عن غفلة عن أهميتها ومكانتها في المنهج الإسلامي ودورها في بناء الفهم الإسلامي المستقيم ، وإما عن توجس مما قد يكون اعتراها مما يعتري كتب التاريخ عادة من بعض الأخطاء ، كما تعمد بعض الدراسات إلى استنطاق مواقف السيرة أحكاما ودلالات تخدم توجها مذهبيا أو حزبيا معينا بصرف النظر عن احتمال هذه المواقف تلك التأويلات والنتائج من عدمه ..
والواقع أن المنهج الإسلامي في حاجة إلى دراسات تعيد للسيرة النبوية المطهرة مكانتها وترد إليها اعتبارها بوصفها واحدة من أهم مصادر الفهم الإسلامي الصحيح ، وكذا تنقيها وتنقحها من كل تأويل خاطئ أو فهم مغلوط قد لحق بها أو اختلط بمنهجها ، عسى أن تساهم هذه السطور في التمهيد لتلك الدراسات المرجوة لإعادة السيرة النبوية إلى مكانتها الطبيعية اللائقة ..
أولا أهمية دراسة السيرة النبوية :
1 – المذكرة التفسيرية للقرآن الكريم .. أو هي التطبيق العملي للقرآن ، أو التفسير العملي للقرآن ، فلا شك أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو أول وأعظم من فهم القرآن الكريم ، فهو مبلغ الرسالة عن ربه عز وجل ، وهو أعظم من فسر هذا الكتاب الخالد ، كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يقدم تفسيره للقرآن في أقوال منطوقة - أحاديث نبوية - فحسب ، ولا قدم تفسيره هذا بين دفتي كتاب يقرأ ، ولكنه قدم هذا التفسير وذلك الفهم من خلال حياته العملية والدعوية كلها ، فكانت حياته كلها ترجمة فعلية حية للقرآن الكريم ، فقد كان صلى الله عليه وسلم كما قالت عنه السيدة عائشة رضي الله عنها : (خلقه القرآن أو كان قرآنا يمشي على الأرض ) ، كما تعد مواقف السيرة النبوية كلها أرضا خصبة للمفسرين بما توفره من معرفة أسباب نزول الآيات والمواقف التي نزلت فيها ، وكيفية تطبيق الجيل الأول من المسلمين لها ، حتى يكاد يستعصي علينا فهم بعض معاني القرآن الكريم في معزل عن الحياة والبيئة التي تنزل فيها ، وهي ما تعرف بالسيرة النبوية المطهرة ..
2 – ضمان عدم الغلو أو التعسف في فهم النصوص وضبط ذلك بتطبيق النبي صلى الله عليه وسلم .. ولا توفر السيرة النبوية - وهي التي تجمع مواقفه صلى الله عليه وسلم كلها – تفسيرا دقيقا للقرآن الكريم بالمعنى اللغوي فحسب ، ولكنها تعطينا أهم عنصر من عناصر ضبط الفهم الإسلامي بعيدا عن الغلو أو الخطأ أو التعسف ، لأننا حين نجمع النصوص إلى طريقة تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم لهذه النصوص ، مع إيماننا المطلق بأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو أعلم أهل الأرض بمراد الله تعالى من قوله ، وأنه أوتي القرآن ومثله معه وهو الحكمة (1) ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون )البقرة151 ، ( واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا ) الأحزاب34 ، ندرك أنه ليس في إمكاننا فهم النصوص قرآنا وسنة فهما لغويا مجردا في معزل عن طريقة تطبيق النبي لها ، ونحن مأمورون في كتاب الله بطاعته وإتباعه ( من يطع الرسول فقد أطاع الله )النساء80 ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله )آل عمران31 ، وهو القائل : "خذوا عني مناسككم" (2) .. ومثال على ذلك قوله تعالى: ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ) التوبة 73 ، [التحريم:9]، ورغم أن حدود اللغة تقطع بأن جهاد الكفار والمنافقين على حد سواء ، وأن المنافقين معطوفة على الكفار ، غير أن تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم للنص ، وامتناعه من قتل عبد الله بن أبي ابن سلول رأس النفاق وزعيم المنافقين ، ونهيه ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي من ذلك " بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا"(3) ، وكذا نهيه عمر بن الخطاب عن ذلك وحمايته من القتل وقوله لعمر : " حتى لا تحدث العرب أن محمدا يقتل أصحابه"(4) .. وكذا حمايته لدماء المنافقين بعدم إفشاء سرهم للصحابة واستئمان حذيفة بن اليمان وحده على ذلك ، كل ذلك يضعنا أمام فهم مغاير تماما للمعنى اللغوي للآية الكريمة ، ويقدم لنا تفسيرا عمليا يتعدى حدود اللغة المجردة إلى فهم أعمق وأشمل ، ونجد أنفسنا في النهاية مسلمين بطريقة تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم عبادة وطاعة وإتباعا ، وعلى ذلك نستطيع أن نحكم على فهم من يطالب بقتل المنافقين والعملاء مستشهدا بالآية الكريمة في معزل عن تطبيق النبي لها ، بأنه فهم مغلوط لا يتفق وطبيعة المنهج الإسلامي ، وهذا هو تفسير المفسرين للآية فكيف فسروها هكذا إلا في ضوء تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم لها ؟ : وقال ابن عباس أمره الله تعالى بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان وأذهب الرفق عنهم وقال الضحاك جاهد الكفار بالسيف وأغلظ على المنافقين بالكلام وهو مجاهدتهم وعن مقاتل والربيع مثله وقال الحسن وقتادة ومجاهد ومجاهدتهم إقامة الحدود عليهم وقد يقال إنه لا منافاة بين هذه الأقوال لأنه تارة يؤاخذهم بهذا وتارة بهذا بحسب الأحوال والله أعلم(5) .. ومثل ذلك ينطبق على كثير من النصوص قرآنا وسنة ..
3 – ربط القلوب بصاحب السيرة العطرة محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن دواعي وأسباب تحقيق محبته دراسة سيرته ومواقفه وحياته كلها .. فتحقيق محبة الرسول صلى الله عليه وسلم من أهم واجبات المسلم في الحياة لتحقيق الإيمان يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين "(6) ، وقوله صلى الله عليه وسلم من حديث عمر بن الخطاب في البخاري : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه "(7) والسيرة النبوية هي من أهم وسائل تحقيق هذه المحبة واستقرارها في القلوب ..
4 – تقديم قدوة عملية خالدة للأجيال المسلمة على مر العصور من خلال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته كقصة حياة كاملة .. يقول الله تبارك وتعالى ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) ، ويقول تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) ، ولما بسط الله تعالى بعض قصص الأنبياء في سورة الأنعام عقب على ذلك بقوله : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده )الأنعام90 .. فالمطالبة بالاقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم تستوجب دراسة مسيرة حياته بكل دقائقها وتفاصيلها للتأسي بها في كل موقف من مواقف الحياة المعاصرة ..
5 – المضي على منهج القرآن الكريم الذي قص علينا سير الأنبياء السابقين مثل ( آدم - نوح - إبراهيم– يوسف - موسى – عيسى وأمه مريم .. عليهم جميعا السلام ) بصورة شبه كاملة تقريبا .. فأصبح لزاما علينا أن نجمع سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كذلك ، لتحقيق الأهداف التي من أجلها بسط الله تعالى سير الأنبياء عموما ..
6 – السيرة النبوية مع الحديث الشريف يمثلان معا السنة النبوية وهي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم من مصادر التشريع الإسلامي ، لأن السنة النبوية تشمل الأقوال والأفعال والتقرير ، وإذا كان علم الحديث يقوم في المقام الأول على الأقوال فإن المواقف والأفعال والمواقف التقريرية تعتبر عماد السيرة النبوية ، وإذا كانت كتب السنة والصحاح قد حوت كل ذلك دون تفرقة بين الحديث المنطوق وبين المواقف المختلفة ، إلا أنه جاز جمع ما يمثل سيرته صلى الله عليه وسلم جمعا مستقلا لتحقيق الأهداف المرجوة من دراسة السيرة النبوية .. يقول الدكتور البوطي عن كتب الحديث : وإن كانت عناية هذه الكتب الأولى تنصرف إلى أقوال رسول الله وأفعاله من حيث أنها مصدر تشريع لا من حيث هي تاريخ يدون. (8)
7 – حث الإسلام على ذلك .. يقول بعض الصحابة : " كنا نعلم أبناءنا الغزوة من غزوات النبي كما نعلمهم السورة من القرآن " ، وانظر إلى أحاديث جابر بن عبد الله الأنصاري الطوال وهو يروي عن بعض غزوات النبي صلى الله عليه وسلم ، مثل ما رواه عنه في غزوة الأحزاب وغيرها ، وحديث كعب بن مالك عن المخلفين عن غزوة تبوك وهو حديث طويل دخل ولا شك في باب القصص التاريخي في المقام الأول ، حتى إن أول من جمع المغازي كانوا أبناء الصحابة من أمثال عروة بن الزبير وأبان بن عثمان بن عفان(9) ، وسمح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لتميم الداري بالجلوس مرة واحدة في الأسبوع في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ليقص سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصصه وأخبار الأمم السابقة (10)..
8 – السيرة النبوية قصص ، وهي أسهل المواد دراسة واستيعابا ، لطبيعة القصص من التشويق والتأثير وسهولة الفهم والثبات في النفس والذهن ، ولذلك ركز القرآن الكريم على القصص:( نحن نقص عليك أحسن القصص) [يوسف:3]، ومن خلال قصص السيرة يتم إحاطة الدارس بكثير من علوم الإسلام ويتشرب معانيه دون كثير جهد وعناء ..
9 – تحقيق شدة التعلق بالرسالة نفسها وهي دين الإسلام الذي بذلت في سبيله هذه التضحيات الجسام التي تذخر بها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته أجمعين .. إن دراسة هذه السلسلة المتصلة من العطاء الدائم الذي لا ينقطع والتضحيات الضخمة والجهاد المرير يلقي في قلوب الدارسين قيمة الكنز الذي بين أيديهم فيتمسكون به ..
10 – دراسة السيرة جزء من دراسة التاريخ ، وتكمن أهمية دراسة التاريخ في أن :
أ – التاريخ يعيد نفسه ، ومشكلات الإنسان تكاد تكون متكررة لا تتغير على وجه الحقيقة ، ويجب حلها في ضوء ما تم حلها به سابقا .. ( لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)
ب – التاريخ ذاكرة الشعوب ومن يفقد ذاكرته فلا حاضر ولا مستقبل له..
ج - تعميق هوية وأصالة الأمة والشعوب والحفاظ على التراث ..
د – يعتبر للتاريخ أهمية خاصة في الأمم صاحبة الرسالة المستمرة المتصلة ، لأنه يعينها على فهم طبيعة الرسالة ، والثقة في إمكانية تحقيقها على أرض الواقع كما تحققت في عهود سابقة .. والإسلام على وجه الخصوص والتحديد قد ردم الفجوة بين النظرية والتطبيق ، فما ظهرت نظرية من النظريات على وجه الأرض إلا وحدث بينها وبين التطبيق الواقعي فجوة طبيعية لاستحالة تطبيق النصوص تطبيقا كاملا على أرض الواقع ، إلا دين الإسلام ونصوصه لأنه من لدن حكيم خبير يعلم من خلق ، وليس هناك شاهدا على إمكانية تطبيق النصوص تطبيقا واقعيا كاملا خير من السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي في عصور الالتزام بالمنهج ..
هـ – اهتمام القرآن الكريم اهتماما بالغا بتاريخ الأمم والشعوب السابقة وتركيزه على معنى الوحدة البشرية منذ بدء خلق الإنسان .. ومطالبته لنا بأخذ الدروس والعبر من التاريخ ( أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [الروم:9].
و – تقديم تعريف واقعي للمسلم المعاصر في عالم اليوم على أنه إنسان له تاريخ .. إنك لا تستطيع أن تتقدم إلى مؤسسة أو شركة محترمة لشغل وظيفة مرموقة دون تقديم شهادات الخبرة السابقة والسيرة الذاتية ، والمسلم اليوم إذا أراد تقديم نفسه للعالم فلابد أن يقدم نفسه على اعتبار أنه إنسان له تاريخ حضاري مجيد يعينه على استشراف دوره في حاضر العالم ومستقبله ..

علاء سعد حميده
11-08-2013, 05:37 PM
ثانيا: ضوابط دراسة السيرة النبوية:
غير أن دراسة السيرة النبوية المطهرة على أهميتها القصوى يجب أن تنضبط بضوابط منهجية حتى لا تتحول إلى نوع من اللهو أو العبث أو التسلية دون تحقيق الأهداف المنهجية المرجوة من دراستها ، وأهم هذه الضوابط :
1- ضابط التوثيق على المنهج الإسلامي في حفظ وتوثيق الحديث الشريف ، ويعتبر أهم هذه الضوابط ويتعلق بالكتب والدراسات القديمة – على وجه الخصوص - لتنقية هذه الكتب من الخرافات والإسرائيليات والوضعيات .. وهذا يتحقق بالتنقيح في ضوء منهج علوم الحديث ، ولعل هذا الضابط قد توفر تماما في الدراسات الحديثة للسيرة النبوية ..
2 - تجرد الدارس والباحث والكاتب في السيرة النبوية من كل الأهواء و الميول الشخصية ، وعدم الخضوع عند تفسير حوادث السيرة واستخراج الدروس للأحكام المسبقة والميول المذهبية والحزبية والفكرية ، وهو أهم ضابط يتعلق بالدراسات والكتب الحديثة والمعاصرة.. وهكذا تبقى السيرة نبعا صافيا ينهل منه كل دارس على مر العصور فهي بكر متجددة للاهتداء بها في كل موقف وحدث وكل عصر ومصر ..
3 – استبعاد كتب ودراسات المستشرقين والمتأثرين بهم تماما ككتاب معتمدين للسيرة النبوية .. لما تمثله مدرستهم من تشكيك في وقائع السيرة من ناحية ، ومن تفسير وفهم خاطئ للمواقف من ناحية أخرى ، وكذا عدم اعتمادهم في الأعم الأغلب على منهج التوثيق الإسلامي الدقيق مع عدم إلمامهم بعلوم الرجال والجرح والتعديل وغير ذلك من علوم الحديث التي توثق وقائع السيرة النبوية ، بالإضافة إلى موقفهم الخاص من قضية الخوارق والمعجزات(11) ..
ثالثا: تطور دراسة السيرة النبوية عبر العصور.. والذي يهمنا في هذا المقام إبراز أهم المراحل التي تمثل منعطفات أو ركائز أساسية في دراسة ورواية السيرة النبوية ونستطيع تلخيص هذه المراحل في(12):
1 – مرحلة الرواية .. إن معظم دراسات السيرة تركز على مرحلة التجميع باعتبارها المرحلة الأولى من مراحل دراسة السيرة النبوية ، غير أنني ألفت النظر أن التجميع إنما قام ويقوم على الرواية في المقام الأول ، ولذا فإن المرحلة الأولى من مراحل دراسة السيرة النبوية كانت مرحلة رواية الأحداث والتي بدأها الصحابة رضوان الله عليهم من رواة الأحاديث النبوية وهي الأحاديث التي تتناول المواقف والأحداث وهي التي تبدأ عادة بمثل قولهم : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ويلحق بذلك تميم الداري الذي أجلسه عمر بن الخطاب في مسجد رسول الله يقص على الناس يوما في الأسبوع فلما كانت خلافة عثمان بن عفان سمح له بيومين .. وكان ذلك بلا شك في العشرين سنة التالية لوفاة النبي صلى الله عليه وسلم ..
2 – مرحلة التجميع وهي التي قام عليها عروة بن الزبير وابان بن عثمان بن عفان ووهب بن منبه وشرحبيل بن سعد وبن شهاب الزهري
3 – مرحلة التدوين ومثلها محمد بن اسحاق المتوفي عام 152 هـ
4 – مرحلة التوثيق والتنقيح والتهذيب ومثلها بن هشام الذي هذب كتاب بن إسحاق وأخرجه لنا في واحد من أهم المصادر القديمة للسيرة النبوية على الإطلاق (سيرة بن هشام)
5 – مرحلة المستشرقين وتلاميذهم ، وهي منعطف خطير في تناول السيرة النبوية بدأ من النصف الثاني من القرن التاسع عشر ميلاديا لخطورة فهم هؤلاء وخطورة منهجهم الذي اعتمد ما يعرف بالمنهج الذاتي في تناول التاريخ وهو منهج يقدم ذاتية الكاتب عن وثائقية الوقائع ، بل يكاد يهمل علوم التوثيق جملة وتفصيلا وهي المرحلة التي أخرجت لنا مفهوم العبقرية المحمدية ، وبثت شكوكا حول العلاقات الأخوية المتميزة بين الصحابة رضوان الله عليهم ، والتي شككت كذلك في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم الحسية المختلفة الثابتة بطرق الثبوت الإسلامية المختلفة ..
6 – مرحلة الصحوة ، وهي المرحلة التي تعد انقلابا على مرحلة المستشرقين والتي أعادت للسيرة النبوية بهاءها باعتماد المنهج العلمي ، ثم تابعت في هذا المضمار إضافة المنهج التحليلي والاستنباطي لاستخراج الدروس والأحكام ، وهي المرحلة التي يطمئن الدارس والباحث لإنتاجها في مجموعه ، ويمثل هذه المرحلة – على سبيل المثال – مصطفى السباعي ( دروس وعبر )– الشيخ الخضري – البوطي( فقه السيرة ) – المباركفوري ( الرحيق المختوم )– عماد الدين خليل( دراسات في السيرة ) – محمد أحمد باشميل ( معارك الإسلام الفاصلة )– محمد الغزالي ( فقه السيرة ) ، وغيرهم.

علاء سعد حميده
11-08-2013, 05:44 PM
رابعا : منهج مقترح لتناول السيرة النبوية في ضوء ضوابط تجعل دراستها والاهتداء بها ملزمة للمسلمين مثلها مثل فروع الإسلام من تفسير وحديث وفقه وعقيدة:
1 – جمع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم أولا .. فلقد تعددت المواضع التي تناولت حياة النبي صلى الله عليه وسلم وتلقي الضوء على صفاته والأحداث التي عاصرته ، فنحن نعلم العام الذي ولد فيه النبي من حادثة الفيل التي سجلها القرآن في سورة الفيل - ونحن نعلم أشياء عن البيئة التي نشأ فيها من وأد البنات وشرب الخمر ولعب الميسر وعبادة الأوثان من آيات القرآن – ونعلم أنه يتيم من قوله تعالى : ( ألم يجدك يتيما فآوى )الضحى6 – ونعلم أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب من قوله تعالى : ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون )العنكبوت29 ، ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ) الأعراف 157 – ونعرف بحوادث ووقائع كثيرة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم مثل : الإسراء والمعراج – الهجرة – بناء مسجد قباء – غزوة بدر – غزوة أحد – يهود بني النضير – الأحزاب – صلح الحديبية – فتح مكة – غزوة حنين – غزوة تبوك – حادثة الإفك – مواقف المنافقين من النبي – كفالته لزيد بن حارثة – زواجه من زينب بنت جحش – شغب زوجاته عليه في سورة التحريم – استماع الجن للقرآن والرسالة .. )
2 – جمع السيرة ثانيا من الأحاديث الشريفة مع تحقيقها ، وفقا لمنهج الكتب الصحاح، وهو أمر حادث في بعض الدراسات الحديثة للسيرة النبوية مثل فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي تحقيق الشيخ الألباني ..
3 – ملء الفراغات واستكمال الصورة من روايات الصحابة والتابعين الموثقة ومن أقوال المفسرين في تفسير الآيات وأسباب نزولها ..
4 – ربط دراسة السيرة بعلم أصول الفقه .. بمعنى استخراج الأحكام والعبر والعظات والدروس من السيرة باعتبارها من أصول التشريع كفرع من السنة النبوية مع الحديث الشريف وعدم تركها لأهواء الكتاب والدارسين .. حماية للفهم الإسلامي من الشذوذ أو الغلو أو الخطأ ، وحماية للسيرة من التأويل الخاطئ ، أو لي أعناق الوقائع والأحداث إلى أحكام أبعد ما تكون عن مقاصدها الحقيقية ، ومثال على ذلك ما يؤكده الدكتور البوطي عن منهجه في كتابة فقه السيرة فيقول : ولقد استنبطت من أحداث السيرة النبوية طبقا لهذه القواعد أحكام كثيرة منها ما يتعلق بالاعتقاد واليقين ، ومنها ما يتعلق بالتشريع والسلوك ، والمهم في هذا الصدد أن نعلم أنها جاءت منفصلة عن التأريخ وتدوينه ، بعيدة عن معناه ومضمونه ، وإنما كانت نتيجة معاناة علمية أخرى نهضت في حد وجودها على البنيان التاريخي الذي قام بدوره على القواعد العلمية التي ذكرناها " href="artshow-86-5463.htm#1">(13) .. وليؤمن الدارسون والباحثون
أن لتفسير أحداث السيرة النبوية قدسية مثل تفسير القرآن الكريم ، فهي داخلة في الحكمة التي قرنها الله تعالى في أكثر من موضع مع الكتاب الذي أنزله على رسوله ، وقد قال المفسرون على أن الحكمة في الآيات هي السنة النبوية(14) لقوله صلى الله عليه وسلم : إني
أوتيت القرآن ومثله معه(15) ..