المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مشكلة التأليه في فكر الهند الديني


عبدالناصر محمود
10-12-2013, 05:17 AM
مشكلة التأليه في فكر الهند الديني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

7 / 12 / 1434 هـ
12 / 10 / 2013 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3030.jpg




الكتاب: مشكلة التأليه في فكر الهند الديني

المؤلف: د. عبد الراضي محمد عبد المحسن

عدد الصفحات: 136 صفحة

الناشر: دار الفيصل الثقافية- الرياض

الطبعة: الأولى- 1422هـ، 2002م

ـــــــــــ

تُعدُّ الهند -بخصوصيتها الحضارية والفكرية، وبما توافر لها من ديانات موغلة في القدم، ودرسٍ فلسفيٍّ عريق، وفكر دينيٍّ غني بالمذاهب والآراء- مجالاً خصباً للدراسات المقارنة التي قلَّت فيها الكتابات العربية أو كادت تندر.

فتأتي هذه الدراسة لتسد جانبا من حاجة المكتبة العربية لمثل هذا النوع من المؤلفات المتخصصة التي تتناول بالفحص النقدي قضية الألوهية في الفكر الديني الهندي عبر تاريخه القديم والمعاصر.

وإذا كانت طبيعة الموضوع الذي تعالجة الدراسة تمثل ضرورة دينية وفكرية، فإن التخصص العلمي الدقيق للمؤلف، ومنهجيته في المعالجة وجدَّة النتائج التي انتهى إليها، لتمثل بعداً إضافياً لقيمة الكتاب.

فقضية الألوهية تمثل القاسم المشترك بين الدين والفلسفة والفكر الديني، فهي الأصل الأول من أصول الدين، والركن الأول من أركان الإيمان، وهي أول الأسئلة الثلاثة مدار البحث الفلسفي: (ما الله؟ ما العالم؟ ما الإنسان؟)، كما أنها جوهر الاستبصارات الفكرية التي أثمرتها التأملات العقلية للنص الديني وعمل العقل فيه؛ ولهذا كانت أغنى المجالات البحثية وأكثرها خصوبة ومركزية وأهمية للبحث والدرس القديم والمعاصر على حدٍّ سواء.

أما عن بواعث تناول مبحث الألوهية في فكر الهند الديني في هذا الكتاب المتخصص، فيشير الكاتب إلى بعضها بالآتي:

- قلة البحوث الحديثة في هذا المجال.

- اضطراب الآراء والتصورات حول أكثر جوانب الموضوع.

- قصور المعرفة العميقة بالفكر الديني الهندي بسبب غياب مصادره الأصلية، والدراسات الجادة حوله التي لم يترجم أكثرها إلا مؤخرا.

- غموض الرؤية الميتافيزيقية الهندية حول الألوهية ذلك الغموض الذي جعلها مشكلة خلفت فوضى تأليهية تباينت مساراتها، وتذبذبت نزعاتها بين الإلحاد والغلو في التجريد المفضي إلى العدم والمغالاة في التعددية والوثنية.

وعلى هذا الأساس جاء المنهج -الذي سار عليه الكاتب- تحليلياً نقدياً مقارناً يستهدف فصل جزئيات مشكلة التأليه المتشابكة، واستخلاص العناصر المؤثرة في بنيتها، والأسباب الفاعلة في نشأتها، والنتائج التي ترتبت عليها من معوقات لحركة الفكر الهندي، أو انحرافات في مساراته، أو أنسنة كاملة لنسق التأليه في الفكر الديني الهندي باتت معها معالجة الموضوع– على حد قول الكاتب- حتمية من جهة الفاعلية الهندية (التأليه)، لا من جهة الذات الإلهية؛ لأن المشكلة في التأليه ونسقه لا في الألوهية.

وعليه جاء هذا الكتاب في مقامات ثلاثة تضمنتها مباحث ثلاثة مرتبة وفق القدم التاريخي لموضوعها، فتناول الأول مشكلة التأليه في الهندوسية، وتصدى الثاني لإشكالية التأليه لدى المفكرين الأحرار، أما الثالث فكشف النقاب عن حقيقة التأليه في البوذية والجينية بعد بوذا وماهافيرا.

فعند حديثه عن التأليه في الهندوسية أشار إلى أن البحث في مسألة الألوهية في الهندوسية هو بحث في المتناقضات، إذ تشتمل على أرقى الآراء الفلسفية وأسخف المذاهب الدينية: كالتجريد والتعدد، والحلول وإنكار وجود الإله، وعبادة الشيطان وعبادة الأبطال، وعبادة الأسلاف وعبادة الحيوان، وعبادة الطبيعة وعبادة العدم.

كما يضاف إلى هذا عدم ثبات الاعتقاد الهندوسي في الآلهة؛ فالهندي مستعد بطبيعته لاعتقاد كل شيء، وإذا ما رضي بآلهة جديدة لا يترك آلهته القديمة، وإنما يضمها إليها، وهو يعمل بأوامر هذه تارة، وبأوامر الأخرى تارة بحسب ما تمليه ظروف عيشه.

وعن مسألة التوحيد في الهندوسية أشار المؤلف إلى أن ما ظنه بعض الدارسين للهندوسية من حديث عن الكائن السامي المتعالي توحيدا، ليس بتوحيد، فليس ذلك معتقد الهندوسية، إنما معتقد الهندوسي في ذلك أن عملية رفع بعض الآلهة إلى المقام السامي الخالق والقاضي والحافظ تختلف عن التوحيد، وذلك لأن الهندوسي حينما يتحدث عن الواحد أو يحاول الارتقاء إلى مفهومه متجاوزا التعددية والشرك، فإن الواحد لا يعني الإله الوحيد، إنما يعني الأحدي الذات، أي ذا الذات الواحدة المتجسدة في كثرة من الآلهة.

وعن نزعات التأليه الهندوسي ومذاهبه حسب تسلسل ظهورها أشار الباحث إلى أربعة نزعات رئيسية، وهي كالآتي:

- النزعة الأولى: التجريد، بمعنى أنه لا سبيل إلى وصف الإله عندهم إلا بالسلب، ليس كذا وليس كذا، فهو ليس مذكرا وليس مؤنثا، ليس شخصا وليس غير شخص..الخ.

- النزعة الثانية: التجسيد، وهي تقابل النزعة الأولى، وتكون بتشخيص الإله في قالب حسي منظور.

- النزعة الثالثة: تعدد الآلهة.

- النزعة الرابعة: وحدة الوجود، وهي نظرية ميتافيزيقية تختزل الوجود في موجود واحد هو الله، وتطابق بين هذا الموجود والعالم.

وفي المبحث الثاني من هذا الكتاب تحدث الكاتب عن التأليه لدي المفكرين الأحرار، والمقصود بالمفكرين الأحرار أصحاب التأملات والأفكار والرؤى التي نشأت بمعزل عن سلطة أسفار الفيدا والفيدانتا في الهند.

حيث ثار هؤلاء المفكرون على كهنة البراهمة وكتبهم المقدسة، حتى وصفوهم في تمسكهم بعقيدتهم بموكب الكلاب النابحة الممسك بعضها في ذيل بعض.

ومن معتقدات المفكرين الأحرار، التصريح بأنه لا إله، ولا جنة ولا نار، ولا تناسخ، ولا عالم، وأن أسفار الفيدا والأوبانيشاد ليست إلا تأليفا من عند جماعة من الحمقى المغرورين؟

وفي خلال هذا المبحث ناقش المؤلف قضية الألوهية عند بوذا، وما دار حولها من خلافات، حيث يرى فريقا من الباحثين أن بوذا كان ملحدا، لا يؤمن بأي إله، وفي المقابل رأي فريق آخر إيمان بوذا بفكرة الألوهية وإن لم يصرح بذلك!!

وتوسط الكاتب في رأيه بعد عرض أدلة كل فريق فبين أنه عند التحقيق يبدو أن بوذا نحا منحى جديا في التأليه دمج فيه التجريد بوحدة الوجود، فهو يؤمن بإله مجرد من الذات والصفات، وهو ناموس العلة والمعلول الذي يدير الكون، ويسمى هذا الناموس "دهارما" كما جاء في "أبيداما بيتاكا: "من استبصر هذا الناموس فقد استبصر دهارما، ومن استبصر دهارما فقد استبصر الناموس".

وفي المبحث الثالث والأخير من كتابه عرض المؤلف لمسألة التأليه في الجينية والبوذية، فبين أنهما تتقاربان في مسألة الألوهية تقاربا كبيرا يجعل من السهل تصنيفهما في مربع واحد؛ وذلك لأنهما على حد تعبير بول ماسون: شقيقتان من كلا الوجوه.

حيث أبقيا من الناحية العملية على آلهة البراهمة، ولم تكونا لتستطيعا زعزعة مركز الآلهة الهندوسية التي تشكل دعامة النظام الاجتماعي الهندي.

فالجينية إلى جانب إبقائها على آلهة الهندوسي، قد أخذت بنظرية الأفتار الهندوسية فألهت جيناً (مؤسسها) ومعه ثلاثة وعشرين جيناً سبقوه إلى مرتبة المتبصر، فأصبح المعبد الجيني يضم في الأساس أربعة وعشرين تمثالا للآلهة من الجينات.

أما البوذية فأشار المؤلف إلى أن غوستاف لوبون لا يعدها سوى تطور بسيط للهندوسية، وذلك لمحافظتها على جميع آلهتها، وعدم اختلافها عنها سوى في لغة الأدب التي كتبت بها البوذية.

وفي نهاية هذا العرض نسأل الله تعالى أن يجزي المؤلف خيرا على ما قام به من جهد في هذا المُؤلَّف المتخصص في بابه، الكاشف لحقيقة المعتقدات الهندية القديمة والمعاصرة حول مسألة الألوهية، والتي تتشابه في كثير من جوانبها مع بعض الخروجات والضلالات لعدد من الفرق الإسلامية والمذاهب الفلسفية التي عاشت في البيئة الإسلامية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ
{التأصيل}
ــــــــــــــــــ