المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اقتصاديات الحج وانعكاساته على التنمية


ام زهرة
10-12-2013, 04:19 PM
الحج الركن الخامس من أركان الإسلام، ومنذ أن دعا إبراهيم عليه الصلاة والسلام الناس للحج كما جاء في قوله تعالى: "وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق" (سورة الحج: الآية 27) تحولت هذه الأرض القاحلة إلى أهم بقعة في الأرض وقبلة المسلمين، يقصدها الناس في كل يوم للصلاة وأداء العمرة والحج وأداء العبادات، وكانت الأمم تقدر وتحترم من يقوم بالعناية والاهتمام بهذه الأرض المباركة المقدسة، وقد كانت أولوية في التطوير والاهتمام والعناية للحكومة بالمملكة بالتوسعة والخدمات والاهتمام بضيوف الرحمن من كل بقاع الدنيا، حتى أصبح ظاهراً لكل زائر للحرمين الشريفين الرضى عن التطوير المتواصل للمشاريع والخدمات.
هذه الأرض المباركة جعلت من هذا التجمع الديني للحج انعكاسات ذات أبعاد متعددة منها الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، حيث يلتقي الأفراد من مختلف دول العالم دون تمييز لشخص على آخر، فطبيعة اللباس اللازم لهذه الشعيرة يجعل الجميع سواسية لا تكاد تستطيع أن تفرق بين غني وفقير وبلد عن آخر ومنطقة عن منطقة أخرى، وجنسية عن أخرى، فالجميع يشتركون في هدف واحد، وإن اختلفت أشكالهم وأعراقهم، كما أنها ملتقى ثقافي يجتمع فيه المسلمون من مختلف دول العالم، يتعرف فيه البعض على البعض الآخر، ويزيد من مستوى التواصل والتآلف والعلاقات التي تنبني على هموم مشتركة بالتقرب إلى الله تعالى، فظروف هذا الملتقى تعزز من تجاوز جميع أسباب الخلاف والنزاع بين أفراد المجتمع المسلم، ويزيد من فرص التعاون الذي يسعى إليه المصلحون في جميع البلدان الإسلامية، إضافة إلى أنها فرصة لإبراز جانب التنوع الثقافي الذي يحظى به المجتمع المسلم والمجتمع في المملكة، بما يساعد في فهم أكثر لكل ثقافة، ويسهل التواصل ويقلل من الحواجز التي تراكمت بسبب سوء فهم خلال فترة ما.
هذا التجمع لا شك أن له بعداً اقتصادياً كبيراً ينعكس على النشاط الاقتصادي المحلي والمجتمع المسلم، فحركة التنقل سواء البري أو الجوي أو البحري التي تنشط الحركة في البلاد في الموانئ والمطارات والطرق، وبعدها النشاط داخل المشاعر من خلال التنقل بوسائل النقل المتعددة، إضافة إلى حركة البيع والشراء التي تتم بصورة هائلة يومياً، وكثير من الأعمال الخيرية التي تقدم خلال هذه الفترة من المحسنين والجمعيات الخيرية، إضافة إلى السكن والخدمات بمختلف أشكالها وصورها.
لا شك أن خدمة ضيوف الرحمن تهدف إلى تحقيق طاعة الله والمقصود هو رضى الله سبحانه، وليس التركيز على أمر من أمور الدنيا، ولكن من دعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي دعا الله فيه أن يجعل الله هذا البلد آمناً وأن يرزق أهله من الثمرات لما يقدمونه إلى ضيوف الرحمن من خدمة، ولصبرهم في ذلك كما قال تعالى: "وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر..." الآية (سورة البقرة: آية 126)، وهذا ما يجعل الإقبال والعيش في هذا البلد المبارك سبباً من أسباب الرزق، وليبقى هذا البلد أيضاً بلداً آمناً يستأنس فيه كل من يفد إليه من أي مكان في هذه الأرض ولا يشعر بأي نوع من الوحشة.
لا شك أن النشاط الاقتصادي أثناء الحج ينعكس على التنمية في المجتمع، وهذا أمر مكتسب لهذا المكان الطاهر الذي تحول مع الزمن إلى مركز تجاري اشتهر بذلك قبل الإسلام وبعده، فاقتصاديات المناسبات الإسلامية مثل العيدين والحج والعمرة ورمضان تحتاج إلى دراسة متخصصة، وأن تكون جزءاً من المناهج التعليمية داخل الجامعات في المملكة لاختصاصها في ذلك، فهي حالة متخصصة في احتياجاتها ودراستها تعزز من الاستفادة منها للمجتمع المسلم وبناء منهج علمي اقتصادي لهذه المناسبة.
الاحتياجات الاقتصادية متنوعة لمن يقصد مكة لهذه الشعيرة، إضافة إلى تنوع الأشخاص سواء في ثقافتهم أو إمكانياتهم أو لغاتهم أو أعراقهم، يجعل من ذلك سبباً للتنوع في احتياجاتهم ووسائل توفيرها، كما أن هذه المناسبة توفر فرص عمل دائمة ومؤقتة لأفراد المجتمع، إضافة إلى التنوع في المنتجات والخدمات، وما يلزم أن يقدم من خدمات حكومية، وكيف يمكن تقديمها بصورة مثالية بتكلفة مناسبة.
لا شك أن كثيراً من المظاهر الاجتماعية والمناسبات سواء كانت دينية أو ثقافية أصبحت اليوم مادة تعتني بها المؤسسات العلمية، لتستفيد منها كمادة علمية لدراستها، وقد تتحول إلى منهج تعليمي مع تطور هذه الدراسة بما يعزز من كفاءة إدارتها بمشاركة من متخصصين على أسس علمية، واليوم نجد أن المملكة أنشأت مركزاً متخصصاً في الحج بجامعة أم القرى، وقد يكون هذا المركز بذرة لعلم متخصص في اقتصاديات الحج.
الخلاصة، إن الحج مناسبة إسلامية عالمية، والعناية بجانبها الاقتصادي مع المناسبات الأخرى مثل العيدين والعمرة وشهر رمضان أمر مهم يعزز من كفاءة إدارتها واستفادة المجتمع المسلم منها بتوفير الاحتياجات بصورة أفضل، إضافة إلى الاستفادة من هذه المناسبات الإسلامية لتحقيق تنمية في المجتمع.