المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البدعة دراسة ونقد


ام زهرة
10-16-2013, 05:39 PM
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - إمام المرسلين، وخاتم النبيين، أما بعد:
فإن من ألد الأعداء التي تواجه المسلم؛ الشيطان وخطواته البغيضة قال - تعالى -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ1، فالداء العضال الذي أصاب أمة الإسلام تزيين الشيطان، والخروج عن نظام الشرع الإسلامي المنزل، واستبداله بأمنيات وإغراءات لا تتفق مع الشريعة بصلة، أضلت الناس عن الصراط المستقيم، وأبعدتهم عن الهدي القويم؛ حتى ابتعدوا عن حكم الله، وتفرقوا على الباطل سبلاً وأحزاباً، ولقد حذر الله من سلوك سبل الشيطان فقال - تعالى -: وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ2، وفي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: ((إني تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضلَّ)) وفي رواية: ((من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة))3، فيحل البلاء، وتتفرق السبل، وتتشتت المحدثات، يقول الإمام الطبري: "وقوله "كل حزب بما لديهم فرحون" يقول كل طائفة وفرقة من هؤلاء الذين فارقوا دينهم الحق فأحدثوا البدع التي أحدثوا بما لديهم فرحون بما هم به... فرحون مسرورون يحسبون أن الصواب معهم دون غيرهم"4، ويقول الإمام الشاطبي: "فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه وهو السنة، والسُبُل هي سبل أهل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم وهم أهل البدع"5، ومن خلال هذه البحث سنبين كيف أن البدعة تخالف ما جاء عن الله، وتسبب في ضياع المبتدعين عن الدين، وسنتعرف على ضوابط البدعة والمبتدعين، والقواعد التي من خلالها نعرف بها المبتدعين، وكذا بعض المجالات التي يسيرون فيها، ويلبسون بها على الناس.
أولاً: التعريف بالبدعة:
في اللغة: هي اسم هيئة من الابْتِدَاعِ6 مِنْ ابْتَدَعَ الْأَمْرَ إذَا ابْتَدَأَهُ وَأَحْدَثَهُ7، قال ابن فارس: بدع، الباء والدال والعين أصلان: أحدهما: ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال، والآخر: الانقطاع والكلال، فالأول: قولهم: أبدعت الشيء قولاً أو فعلاً؛ إذا ابتدأته، والعرب تقول: ابتدع فلان الركي؛ إذا استنبطه، وقال الجوهري: "أبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال، والله - تعالى- بديع السماوات والأرض"8، قال - تعالى -: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ9، ويقول الراغب الأصفهاني: "البدعة في المذهب إيراد قول لم يستن قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة، وأماثلها المتقدمة، وأصولها المتقنة"10، وهي كل محدث جديد على غير مثال سابق11، ومنه الابتداع في الدين وهي الحدث في الدين بعد الإكمال12، أما في الاصطلاح: فقد تعددت تعاريف العلماء للبدعة وبيانها بالآتي:
يعرفها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب"13، ويعرفها الحافظ ابن حجر بقوله: "ما أحدث وليس له أصل في الشرع"14، ويعرفها الإمام الشاطبي بقوله: "البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية؛ يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية"15, ويعرفها ابن رجب الحنبلي بقوله: "ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه"16، ويعرفها الشيخ ابن عثيمين بقوله: "ما أحدث في الدين على خلاف ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من عقيدة أو عمل"17.
ثانياً: ضوابط لمعرفة البدعة:
حتى نعرف البدعة على حقيقتها لابد من معرفة القواعد والضوابط التي نسير عليها، والمستنبطة من الكتاب والسنة, فنستطيع السير وفق هدى الله، ويمكن بيانها على النحو التالي:
أولاً: الدين مبني على الاتباع لا على الهوى والابتداع، وهو مبني على أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرعه، قال - تعالى -: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ18.
ثانياً: الأصل في العبادات الوقوف على الدليل أي أن باب العبادات ليس مفتوحاً لكل أحد يثبت منه ما يشاء على ما تهواه نفسه، ويستحسنه عقله، بل التشريع كله لله قال - تعالى -: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ19.
ثالثاً: الأحكام الشرعية تقوم على الأدلة الصحيحة الصريحة، وذلك لأنه لا يحق لأحد أن يحكم على شيء من الأقوال أو الأفعال بشيء من الأحكام الشرعية إلا وعنده على ذلك الحكم دليل من الشريعة، ومن شرط قبوله أن يكون صريحاً صحيحاً.
رابعاً: الشريعة كاملة بأحكامها وفرائضها، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، وهذا مأخوذ من قوله - تعالى-: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً20.
خامساً: الإحداث والإتيان بالأمر الجديد المخترع بدعة؛ لأنه مبني على إتباع الهوى، والدليل على هذا القيد في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((وكل محدثة بدعة)).
سادساً: لا يشترط في البدعة أن تُفعل على وجه المداومة والتكرار، بل إن الشيء قد يُفعل مرة واحدة دون تكرار ويكون بدعة مثل: زيادة العاطس "الشكر لله - أي أن يقول بعد عطسته الحمد لله والشكر لله - فهذه بدعة إضافية ولو لم تتكرر.
سابعاً: لا يشترط في البدعة أن تُفعل مع قصد القربة والتعبد، بل إن الشيء ربما كان بدعة دون هذا القصد مثل: السبحة لمن يتخذها لحصر العد دون اعتقاد الثواب فيها عند من يقول ببدعيتها كالشيخ: بكرأبو زيد، وله رسالة فيها.
ثامناً: لا يشترط في البدعة أن يتصف فاعلها بسوء المقصد، وفساد النية، بل قد يكون المبتدع مريداً للخير، ومع ذلك فعمله يوصف بأنه بدعة وضلالة، كما ورد ذلك في أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - حيث قال: "وكم من مريد للخير لن يصيبه"21.
تاسعا: لا يشترط في البدعة أن تخلو عن دلالة الأدلة العامة عليها، بل قد تدل الأدلة العامة المطلقة على شرعيتها من جهة العموم، ولا يكون ذلك دليلاً على مشروعيتها.
ويبين الإمام الشاطبي بعض الضوابط التي تعلم بها البدعة من وجوه22:
أحدها: أنه قد علم بالتجارب والخبرة السارية في العالم من أول الدنيا إلى اليوم أن العقول غير مستقلة بمصالحها.
الثاني: أن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان؛ لأن الله - تعالى - قال فيها: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً23.
الثالث: أن المبتدع معاند للشرع، ومشاق له؛ لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقاً خاصة على وجوه خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها، وأن الشر في تعديها... إلى غير ذلك؛ لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، وأنه إنما أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، فالمبتدع راد لهذا كله؛ فإنه يزعم أن ثم طرقاً أُخر ليس ما حصره الشارع بمحصور، ولا ما عينه بمتعين، كأن الشارع يعلم ونحن أيضاً نعلم، بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع أنه علم ما لم يعلمه الشارع، وهذا إن كان مقصوداً للمبتدع؛ فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود فهو ضلال مبين.
الرابع: أن المبتدع قد نزّل نفسه منزلة المضاهي للشارع؛ لأن الشارع وضع الشرائع، وألزم الخلق الجري على سننها، وصار هو المنفرد بذلك؛ لأنه حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون، وإلا فلو كان التشريع من مدركات الخلق؛ لم تنزل الشرائع، ولم يبق الخلاف بين الناس، ولا احتيج إلى بعث الرسل - عليهم السلام -.
الخامس: أنه اتباع للهوى؛ لأن العقل إذا لم يكن متبعاً للشرع لم يبق له إلا الهوى والشهوة.
ثالثاً: أقسام البدع:
للبدع أقسام متعددة يمكن بيانها على النحو الآتي:
القسم الأول: البدعة الحقيقية والإضافية:
1- البدعة الحقيقية: وهي التي لم يدل عليها دليل شرعي لا من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا استدلال معتبر عند أهل العلم لا في الجملة ولا في التفصيل؛ ولذلك سميت بدعة؛ لأنها شيء مخترع في الدين على غير مثال سابق24، ومن أمثلة ذلك: التقرب إلى الله - عز وجل - بالرهبانية: أي اعتزال الخلق في الجبال، ونبذ الدنيا ولذاتها؛ تعبداً لله - عز وجل-، ومن أمثلة ذلك: تحريم ما أحل الله من الطيبات تعبداً لله - عز وجل -25.
2- البدعة الإضافية: وهي الأمر المبتدع مضافاً إلى ما هو مشروع بزيادة أو نقص، يقول الإمام الشاطبي في البدعة الإضافية: "أن الأمر يكون مشروعاً في الأصل، وقامت الأدلة على مشروعيته، ولكن الكيفية أو الهيئة التي يؤدى بها ليست مشروعة، فمن هنا سميت هذه البدعة إضافية لأنها لم تتخلص لأحد الطرفين لا المخالفة الصريحة، أو الموافقة الصريحة"26، ومن أمثلة ذلك: الذكر أدبار الصلوات أو في أي وقت على هيئة الاجتماع بصوت واحد، أو يدعو الإمام والناس يؤمنون أدبار الصلوات، فالذكر مشروع ولكن أداؤه على هذه الكيفية غير مشروع، وبدعة مخالفة للسنة27، ومن ذلك تخصيص يوم النصف من شعبان بصيامه وقيام ليلته، وكذا صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من رجب.
القسم الثاني: البدعة التَّركية والفعلية:
قبل الكلام عن البدعة التركية والفعلية لابد من تبين: هل الترك يعد فعل من الأفعال الاختيارية، ويكون بذلك طاعة من الطاعات، أو معصية من المعاصي، والذي يظهر لي من أقوال العلماء أنه فعل من أفعال التعبد، ويدل عليه قوله - تعالى -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ28، فإن الترك لما أمر الله يعد بدعة من البدع.
1- البدعة التَّركية: قد يقع الابتداع بنفس الترك تحريماً للمتروك، أو غير تحريم؛ فإن الفعل - مثلاً - قد يكون حلالاً بالشرع فيحرمه الإنسان على نفسه تديناً سواء كان المتروك مباحاً أو مأموراً به، وسواء كان في العبادات، أو المعاملات، أو العادات: بالقول، أو الفعل، أو الاعتقاد؛ إذا قصد بتركه التعبد لله كان مبتدعاً بتركه29، ومن الأمثلة على ذلك: ترك الزكاة، ترك السنن ... وغيرها.
2- البدعة الفعلية: اختراع أفعال في الدين والتعبد بها، ومنها اختراع الأحاديث الموضوعة، فإنها تدخل في تعريف البدعة: فهي طريقة في الدين مخترعة تشبه الطريقة الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله - سبحانه -30، ومن أمثلة ذلك: الزيادة في شرع الله ما ليس منه كمن يزيد في الصلاة ركعة، أو يدخل في الدين ما ليس منه، أو يفعل العبادة على كيفية يخالف فيها هدي النبي - صلّى الله عليه وسلّم-31، أو يخصص وقتاً للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع: كتخصيص يوم النصف من شعبان بصيام، وليلته بقيام32، ومن الأمثلة على ذلك: زيادة وقت الصيام.
القسم الثالث: البدعة الاعتقادية والقولية والعملية:
1- البدعة الاعتقادية: وهي اعتقاد الشيء على خلاف ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم- كبدعة الجهمية، والمعتزلة، والرافضة، وسائر الفرق الضالة، ويدخل في ذلك الفرق التي ظهرت كالقاديانية، والبهائية.
2- البدعة القولية: تغيير قول جاءت به الشريعة، أو ابتداع قول لم تأت به الشريعة؛ كالقول بخلق القرآن ... وغيره.
3- البدعة العملية العمل الذي يخالف أمر الله وهي أنواع:
النوع الأول: بدعة في أصل العبادة، فيحدث عبادة ليس لها أصل في الشرع كأن يحدث صلاة غير مشروعة، أو صياماً غير مشروع، أو أعياداً غير مشروعة كأعياد الموالد وغيرها.
النوع الثاني: ما يكون من الزيادة على العبادة المشروعة كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلاً.
النوع الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة المشروعة بأن يؤديها على صفة غير مشروعة، وكذلك أداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة، وكالتعبد بالتشديد على النفس في العبادات إلى حد يخرج عن السنة، ومن أمثلته: "قصة الثلاثة الذين جاءوا إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادته، فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي - صلّى الله عليه وسلّم -؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له؛ لكني: أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني))33.
النوع الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع: كتخصيص يوم النصف من شعبان بصيام، وليلته بقيام؛ فإن أصل الصيام والقيام مشروع، ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل34.
التقسيم الرابع: البدعة العادية والتعبدية:
البدعة العادية: فالمقصود بالعادية الأمر الذي يعاوده صاحبه أي يرجع إليه مرة بعد مرة حتى يصبح له عادة، ومن أمثلته أمور الصناعة والزراعة.
التعبدية: كل بدعة قائمة على الخضوع والتذلل أي أنَّ قصد صاحبها التعبد، ومن أمثلتها الذكر في الصلاة على خلاف ما أمر به الشارع.
التقسيم الخامس: الكلية والجزئية: فالبدعة الكلية: ما يتعدى أثرها إلى الآخرين، والبدعة الجزئية: ما كان أثرها قاصراً على الفرد نفسه.
رابعاً: الأدلة في ذم البدعة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة:
جاء في ذم البدعة نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، وحذر منها الصحابة والتابعون لهم بإحسان، ومن ذلك على سبيل الإيجاز ما يلي:
أولاً: من القرآن:
1- قوله - تعالى -: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ35 عن التستري: قَصْدُ السَّبِيلِ طريق السنة، وَمِنْهَا جَائِر يعني: إلى النار وذلك الملل والبدع، يقول الشاطبي: "فالسبيل القصد هو طريق الحق، وما سواه جائر عن الحق: أي عادل عنه، وهي طرق البدع والضلالات"36.
2- قوله - تعالى -: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ37 وهؤلاء هم أصحاب الأهواء، والضلالات، والبدع من هذه الأمة38، قال ابن عطية: " وهذه الآية تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدال والخوض في الكلام، هذه كلها عرضة للزلل، ومظنة لسوء المعتقد"39.
3- قوله - تعالى -:وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ40 قُرئ: فارقوا دينهم، وفُسِّر عن أبي هريرة أنهم الخوارج، ورواه أبو أمامة مرفوعاً، وقيل: هم أصحاب الأهواء والبدع.
3- قوله - تعالى - :إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ41، يقول ابن كثير: "من افترى بدعة فإن ذل البدعة ومخالفة الرشاد متصلة من قلبه على كتفيه كما قال الحسن البصري: إن ذل البدعة على أكتافهم، وإن هملجت بهم البغلات، وطقطقت بهم البراذين ... فقال: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة، وقال سفيان بن عيينة: كل صاحب بدعة ذليل"42.
4- قوله - تعالى -: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ43، وقال مالك في الخروج من أرض البدعة: "لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يسب فيها السلف"44.
5- قوله - تعالى -: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ45، وقد ذكر الشاطبي آثاراً تدل على أن هذه الآية في الذين يجادلون في القرآن، وفي الخوارج، ومن وافقهم46، وقد جاء في الحديث تفسيرها فصح من حديث عائشة - رضي الله عنها- أنها قالت: "سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ قال: فإذا رأيتيهم فاعرفيهم، وصح عنها أنها قالت: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ إلى آخر الآية فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه؛ فأولئك الذي سمى الله؛ فاحذروهم))47.
ما جاء في الأحاديث المنقولة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:
ما في الصحيح من حديث عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))48، وفي رواية لمسلم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))49 قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: "وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام ... فكل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء"50، وفي الحديث كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يخطب الناس؛ يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله؛ ثم يقول: ((من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة))51، وفي رواية للنسائي: ((وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار))52، وفي الصحيح من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من يتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً))53، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: ((سيكون في آخر أمتي ناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم))54، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لكل أمة مجوس، ومجوس أمتي الذي يقولون: لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم))55.
أقوال الصحابة والسلف الصالح:
وإليك ما ورد في شأن البدعة من كلام بعض صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وهي على النحو الآتي:
* أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - يقول: "لست تاركاً شيئاً كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعمل به إلا عملت به؛ إني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ"56.
* عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ذات يوم حدث نفسه؛ فأرسل إلى ابن عباس- رضي الله عنه - فقال: "كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد، وكتابها واحد، وقبلتها واحدة؟ فقال ابن عباس: "يا أمير المؤمنين إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيم أنزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن ولا يعرفون فيم نزل، فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان لكل قوم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا، فزبره عمر وانتهره، فانصرف ابن عباس، ثم دعاه بعد فعرف الذي قال، ثم قال: إيه أعد علي"57، ويقول: "إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي، ضلوا أضلوا)58.
* عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - يقول: "كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة"59.
* عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يقول: "اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"60، وعنه - رضي الله عنه - يقول: "الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة"، وعنه أيضاً يقول: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"، ويقول: "تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب أهله، ألا وإياكم والتنطع، والتعمق، والبدع، وعليكم بالعتيق"، ويقول: "إنا تقتدي ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر"، ويقول: "أيها الناس إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول".
* ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول: "عليكم بالاستقامة والأثر، وإياكم والبدع"، ويقول: "ما يأتي على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا سنة، حتى تحيا البدع، وتموت السنن"61.
* عمر بن عبد العزيز كان يكتب في كتبه: "إني أحذركم ما مالت إليه الأهواء والزيغ البعيدة"، ومن كلامه قال: "سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وولاة الأمر من بعده سنناً؛ الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها، من عمل بها مهتدٍ، ومن انتصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً"، وقال يوصي رجلاً: "أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته ... فعليك بلزوم سنته فإنها لك بإذن الله عصمة".
* وقد قال إمام دار الهجرة مالك - رحمه الله -: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة لأن الله يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً"62، وعن عبدالله بن وهب قال: كنا عند مالك، فدخل رجلٌ فقال: يا أبا عبد الله الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ فأطرق مالك، فأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه فقال: "الرحمن على العرش استوى كما وصف به نفسه، ولا يقال كيف، وكيف عنه مرفوع، وما أراك إلا صاحب بدعة، أخرِجوه"63.
* الإمام أحمد يقول: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله، والاقتداء بهم، وترك البدعة، وكل بدعة ضلالة، وعنه أيضاً: أخوف ما أخاف على الناس اثنتان: أن يؤثروا ما يرون على ما يعلمون، وأن يضلوا وهم لا يشعرون"64.
* الفضيل بن عياض يقول: "أدركت خيار الناس كلهم أصحاب سنة، وينهون عن أصحاب البدع"65، وقال: "من أتاه رجل فشاوره فدله على مبتدع فقد غش الإسلام، واحذروا الدخول على صاحب البدع فإنهم يصدون عن الحق"66، وقال: "إن لله ملائكة يطلبون حلق الذكر، فانظروا من يكون مجلسك، لا يكون مع صاحب بدعة؛ فإن الله لا ينظر إليهم، وعلامة النفاق أن يقوم الرجل ويقعد مع صاحب بدعة"67، وقال أيضاً: "الأرواح جنوده مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، ولا يمكن أن يكون صاحب سنة يمالئ صاحب بدعة إلا من النفاق"، ويقول: "اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين"68، ويقول: "لا تجلس مع صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه"69، ويقول: "صاحب البدعة لا تأمنه على دينك، ولا تشاوره في أمرك، ولا تجلس إليه، فمن جلس إلى صاحب بدعة ورثه الله العمى"70.
* عبد الله بن المبارك يقول: "صاحب البدعة على وجهه الظلمة، وإن ادهن كل يوم ثلاثين مرة"، وكان يقول: "اللهم لا تجعل لصاحب بدعة عندي يداً فيحبه قلبي".
* الحسن يقول: "صاحب البدعة لا يزداد اجتهاداً - صياماً وصلاة - إلا ازداد من الله بعداً"71، ويقول: "لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك"72.
* وعن عمرو بن قيس: "لا تجالس صاحب زيغ فيزيغ قلبك"73.
* أبو إدريس الخولاني يقول: "لأن أرى في المسجد ناراً لا أستطيع إطفاءها؛ أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها"74.
* إبراهيم بن ميسرة يقول: "ومن وقَّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام"75.
* أيوب السختياني يقول: "ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا زاد من الله - عز وجل - بعداً"76.
* مصعب بن سعد يقول: "لا تجالس مفتوناً فإنه لن يخطئك منه إحدى خصلتين: إما أن يفتنك فتتابعه، أو يؤذيك قبل أن تفارقه"77.
* عن أبي قلابة قال: "لا تجالسوا أهل الأهواء فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون"78.
* ويقول الأوزاعي: "اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم".
اللهم وفقنا لكل خير، وادفع عنا كل ضير، والحمد لله رب العالمين.