المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : 3- أسباب تبني نظرية النظم في تفسير الإعجاز


أيمن أحمد رؤوف القادري
10-16-2013, 10:25 PM
أسباب تبني نظرية النظم في تفسير الإعجاز:


د.أيمن أحمد رؤوف القادري


من الواضح أن عبد القاهر قد انتقى "النظم" ليكون السبيل الوحيد في إيضاح حقيقة الإعجاز. غير أنه يحاول في "الرسالة الشافية" إشعارنا بأن ما انتقاه إنما هو شيء معلوم لا يحتاج إلى إثبات. قال: "ومعلوم أنّ المعوّل في دليل الإعجاز على النظم...". فلماذا إذاً، وجدت الآراء الكثيرة المخالفة، إلى حدّ أن نهض هو ذاته لإبطالها؟! إن كلمة "معلوم" هنا إنما جاءت في سياق "حملة نفسية" على ذهن القارئ ووسائل إدراكه، لإشعاره أنّ عليه ألّا يخالف ما صار معلوماً عند العلماء.
على أي حال، نحن هنا نريد البحث عن الأسباب أو العوامل والحجج، التي رافقت نظرية عبد القاهر، وسنجدها حتماً، لأن إبطاله لوجوه الإعجاز الشائعة جاء مصحوباً أدلة بأو أشباه أدلة، وعليه فلا يملك إلا أن يحشد لنفسه الدليل تلو الآخر. ولنا أن نستعرضها لنحكم بعد: أهي صحيحة؟ أم هي من جنس ما كان، من قبل، يهدمه في نقاشاته؟
1- النظم سنّة عربية
يقول عبد القاهر في "الدلائل" إن نظم الكلم كان عند العرب "نظيراً للنسج والتأليف والصياغة، والبناء والوشي والتحبير..." ، وكأنه يجعل النظم يرقى إلى أن يكون عند القوم حرفة تمتهن، ولا يجدون فيها كبير عنتٍ أو كثير مكابدةٍ.
وهذا الذي أورده، إنما هو مقدمة للقول بأن التحدي لا يكون إلّا من جنس مقدور المتحدى، ومن صميم ما يألفه ويباري فيه. وعندئذ، يكون عجزه وإذعانه أبهر في الدلالة، وعليه يكون دليل الإعجاز "المجيء ينظم لم يوجد من قبل قط..."، على نحو ما جاء في "الشافية"، و"أن يبين ذلك النظم من سائر ما عرف ويعرف من ضروب النظم، وما يعرف أهل العصر من أنفسهم أنهم يستطيعونه، البينونة التي لا يعرض معها شك لواحد منهم أنه لا يستطيعه...".
* حراجة موقف عبد القاهر
ولكن عبد القاهر، حين جعل "النظم" سنّة عربية، كان في أحرج مواقفه.
فهو قد عدل عن "علم النحو" إلى "معاني النحو"، على أمل أن تكون في "معاني النحو" بذور لعلمٍ يكون مشتركاً بين العرب وغيرهم. وهذا يخدمه من وجهتين: عقدية عامة وإعجازية خاصة.
- الوجهة العقَدية
فالقرآن لم ينزل خطاباً للعرب فحسب، كيف ذلك وهو يردد في آذان السامعين {يا أيها الناس} [ البقرة، 2/153؛ البقرة، 2/172؛ البقرة، 2/178؛ البقرة، 2/183....]، و{يا أيها الذين آمنوا} [ البقرة، 2/21، البقرة: 2/168؛ النساء، 4/17؛ النساء، 4/174؛ الأعراف، 7/158]؟ اقرأ قول الله تعالى للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم: {وأرسلناك للناس رسولاً وكفى بالله شهيداً} [النساء، 4/79]، وقوله له أيضاً: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً} [سبأ، 34/28]. ووازن الفحوى بما تراه في الآية: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا الى فرعون وملئه...} [الزخرف، 43/46]، تجد أن موسى بعث في رسالة خاصة إلى قوم دون سواهم. ولا تقل: هذا شأن موسى فحسب، فإن ثمة أية جاءت عامة في هذا الشأن لم تستثن إلا محمداً، عليه السلام: {ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى قومهم فجاؤوهم بالبيّنات} [الروم، 30/47]. وأنت تجدّ ذلك كله مجموعاً في الحديث النبوي الشريف، المرويّ عن جابر بن عبد الله الأنصاري: "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: كان كل بني يبعث إلى قومه خاصة، وبُعِثْتُ إلى كل أحمر وأسود. وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي. وجعلت لي الأرض طيبة وطهوراً ومسجداً، فأيّما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان. ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر. وأعطيت الشفاعة...". [رواه مسلم في صحيحه]
- الوجهة الإعجازية

ولا يفتأ عبد القاهر يردد أن الإعجاز مرتبط بالعقيدة، وهذا وحده كافٍ لجعل الوجهة الإعجازية تتمشى مع الوجهة العقدية في تحبيذ أن يكون النظم "مشاعاً" بين الأمم.
إلا أن خصوصية الإعجاز لا تلبث أن تلحّ عليه أكثر في توكيد الفكرة.
فالتحدي شامل للإنس دون تخصيص: {قل لئن اجتمعت الجن والإنس على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً}[الإسراء، 17/88] ، وهذا ما كرّره عبد القاهر في تفهّم واضح.
وطالما أن البشرية كلَّها دخلت تحت دائرة "التكليف" برسالة محمد، عليه السلام، فإنها أيضاً مطالبة بأوامر القرآن ومنهية عن نواهيه. من هذه الفكرة دخل الأشاعرة حين أصرّوا على أن يدخل في تعريف المعجزة أنها واقعة في "دار التكليف"، أي في الحياة الدنيا. ومن ذلك البغدادي في "أصول الدين"، والشاطبي في "الموافقات".
وعليه، فالبشر قاطبة مخاطبون بالآيات التالية: {فليأتوا بحديث مثله}[الطور، 52/34]، و{قل فاًتوا بعشر سورٍ مثله مفتريات...}[هود، 11/13]، و{قل فأتوا بسورة مثله} [يونس، 10/38]، و{... فأتوا بسورة من مثله....}[البقرة، 2/23]. فعليهم، إن لم يؤمنوا بإعجازه، أن يحاولوا معارضته. وهذا لا يكون إلا وهم يعلمون ما الشيء الذي ينبغي أن يعارضوه. إنّ عبد القاهر أكّد ذلك حين رأى في "الدلائل" أنه لا يثبت إعجاز حتى يثبت ويعلّم ما هو المعجوز عنه، وإلا فإن التحدي يكون، كما قال في غير هذا السياق، بمنزلة أن يتحدى العرب إلى أن يتكلموا بلسان الترك.
وهنا يأتي السؤال: إذا كان عبد القاهر توّاقاً إلى جعل "النظم" أمراً مشتركاً بين الناس كلهم، فلماذا يقول: ".... تعلم أن الجهة التي منها قامت الحجة بالقرآن وظهرت وبانت وبهرت هي أنْ كان على حدّ من الفصاحة تقصر عنه قوى البشر، ومنتهياً إلى غاية لا يطمح إليها الفكر، وكان محالاً أن يعرف كونه كذلك إلا من عرف الشعر الذي هو ديوان العرب..."؟؟!
* نفي الحرج

نقول: إن شأن النظم أو لنقلْ "معاني النحو" شأن "علم النحو"، فهو مشترك بين الشعوب من حيث إنها جميعاً تستند إليهما في الكلام وتُعوّل عليهما في تجويد العبارات. أما المسائل الفرعية، والتفصيلات الدقيقة، فلا نحسب أنها كثيرة التشابه.
خذ، مثلاً، الجملة الفعلية، والتقديم والتأخير فيها بين الفعل والفاعل والمفعول به، في العربية. وانظر كيف عالجها عبد القاهر. لقد نقل عن سيبويه أنه قال في "الكتاب" وهو يذكر الفاعل والمفعول به: "كأنهم (العرب) يقدمون الذي بيانه أهمّ لهم، وهم بشأنه أعنى، وإن كانا جميعاً يهمانهم ويعنيانهم...". وأُعجِب بذلك، حتى إنه ساق على إثره تفرقة النحويين بين "قتل الخارجيَّ زيدٌ" و"قتل زيدٌ الخارجيَّ"، وجَعْلَهُمْ فائدة العبارة الأولى أن تكون في حالة اشتداد تأذِّي الناس من الخارجي، فهم "يريدون قتله، ولا يبالون مَنْ كان القتل منه، ولا يعنيهم منه شيء، فإذا قُتِلَ وأراد مريدٌ الإخبارَ بذلك، فإنه يقدِّم ذكر الخارجي...".
هذا البحث لا يتأتّى في غير العربية بهذا الوصف الدقيق، ففي الفرنسية مثلاً لا يتقدم الفعل على الفاعل إلا لضرورة لغوية، تجدها في حالة الاستفهام، وهي خالية الذهن من الغرض البلاغي. والمفعول به لا يتقدم على الفعل، إلا إذا كان ضميراً، بل إن ذلك يصبح عندئذ حتمياً لا جائزاً، وقد أملته الضرورة النحوية، لا الفائدة البلاغية. وترى أن المفعول به لا يتقدم على الفاعل، إلا في صيغة المجهول، وعندئذ لا بد من أن يتوسطها الفعل. ومهما يكن فإن التقديم ههنا قد يحمل غرض إظهار ما هو أهمّ.
قد يقول قائل إن عبد القاهر لم يكن يعرف الفرنسية مثلاً، فيفقه من خصائصها أنها تخالف خصائص العربية. نعم. لكنه يفقه الفارسية، إنه من أصل فارسي وقد ذكر الفارسية في غير موضع من "الدلائل" على سبيل الموازنة السريعة، فهو يدرك حتماً أن الفعل في الفارسية لا ينبغي إلا أن يجعل في آخر الجملة، على سبيل المثال.
ومهما يكن، فإنّ باب التقديم والتأخير الحاصل في غير العربية، لا يمتنع أن يحمل الفائدة البلاغية حيناً، وأن يُحْرَمَها حيناً آخر. وهذا كافٍ لأن يكون مخالفاً للأصل الذي وضعه عبد القاهر: "واعلم أنّ من الخطأ أن يقسم الأمر في تقديم الشيء وتأخيره قسمين، فيجعل مفيداً في بعض الكلام، وغير مفيد في بعضٍ، وأن يعلل تارة بالعناية، وأخرى بأنه توسعة على الشاعر والكاتب، حتى تطّرد لهذا قوافيه، ولذاك سجعه...".
وهكذا، نرى أن أبعد ما استطاع عبد القاهر الوصول إليه، هو أن أساس "النظم" مشترك بين العرب وغيرهم، بحيث إن الجميع لو طولبوا بمعارضة القرآن من وجهة النظم، فلن يجدوا غرابةً في الطلب. ولكنهم سيجدون صعوبة في التنفيذ على كل حال، ما لم يكونوا خبراء في اللسان العربي، وفي خصائص العربية وأصول نظمها.
وغاية ما في ذلك أن المولّد أو الدخيل من العناصر الأعجمية هو على حد سواء مع العربي الأصيل، في تفهّم مواطن الإعجاز. ذلك أن الأمر لا يرتبط بمسائل النطق واتقان مخارج الحروف، تلك المسائل التي لا يبلغ المولد أو الدخيل، بها، شأو العربي الأصيل، كما يقول الجاحظ في "البيان والتبيين": "ألا ترى أن السِّنْدِيَّ إذا جُلِبَ كبيراً فإنه لا يستطيع إلا أن يجعل الجيم زاياً، ولو أقام في عُليا تميم وسُفلى قيس وبين عجز هوازن، خمسين عاماً؟".
2- النظم عمل عقلي

كما كان لمبدأ "التكليف الشرعي" أثر في تعزيز توق عبد القاهر إلى معجزة تخاطب البشر على السواء، كذلك كان له أثر مماثل فيما يتعلق بإظهار معجزة عقلية. قال الرسول، صلى الله عليه وسلم، فيما ترويه عنه عائشة، رضي الله عنها: "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق". [رواه ابن ماجه في سننه]

فالعقل مناط التكليف، بحيث لا يخاطب بالعقائد ولا الشرائع إلا العاقل. قال تعالى: {قد بيّنّا لكم الآيات إن كنتم تعقلون}[آل عمران، 3/118]، وقال: {أفٍ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون}[الأنبياء، 21/67]. ويمكن للباحث أن يلاحظ اشتداد الربط بالعقل في القرآن، عند الحديث عن أمر يتصل بالعقيدة، لأن الأساس فيها أن تبنى عليه.
والقرآن بإعجازه أبلغ وسيلة لإثبات العقيدة الاسلامية، فلا غرو أن يرتبط إعجازه بالإشارة إلى الأساس العقلي، قال تعالى: {إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون}[ يوسف، 12/2]، وقال: {إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون}[الزخرف، 43/3]، وقال: {لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم، أفلا تعقلون} [الأنبياء، 21/10].
يضاف إلى ذلك أن المعجزة العقلية تفضل المعجزة الحسية في شمولية الدلالة مكاناً وزماناً، لأن المعجزات الحسية تنقضي آثارها، بانقضاء زمانها، واندثار من شهدوا حصولها بمداركهم الحسية، علاوة على أن المعجزة الحسية لن توقع الأثر في نفوس من يعانون النقص في إحدى الحواس. فمن أدرك موسى، وهو ضرير، لن يفقه من معجزة إلقائه العصا وانقلابها حية إلا ما يرويه له مَن شاهد، ومن أدرك عيسى، وهو أصمّ، لن يفقه مِن تكلُّمه في المهد إلا ما يشرحه له السامع، بالإشارة، وهذا مما يضعف من أثر المعجزة. وقس على ذلك من لم يعاصر حدوث المعجزة أصلاً، أو عاصرها وكان في بلد آخر!!
لقد كان عبد القاهر مدركاً لكل هذه الأبعاد، فيما يبدو، فهو يريد في "الدلائل" منك "... أن تعرف حجة الله من الوجه الذي هو أضوأ لها وأنوه لها... وأن تسلك إليها الطريق الذي هو آمن لك من الشك، وأبعد من الريب، وأصحّ لليقين..."، ويريده "يقيناً يملأ الصدور...".
وهذا الطريق هو القرآن، "ذاك لأنّا لم نتعبّد بتلاوته وحفظه، والقيام بأداء لفظه، على النحو الذي أُنزل عليه، وحراسته من أن يغير ويبدل، إلا لتكون الحجة به قائمة على وجه الدهر، تُعرَف في كل زمان، ويُتَوَصَّلُ إليها في كل أوان...". وهذه المزية التي ستحقق الإعجاز، "ليست لك حيث تسمع بأذنك، بل حيث تنظر بقلبك، وتستعين بفكرك، وتعمل رويتك، وتراجع عقلك..."، فهو إعجاز لا يرجع إلا "إلى أمر يقع من المرء في فؤاده، وفضلٍ يقتدحه العقل من زناده..."، كما يوضح في "الأسرار".
ولهذا جهد عبد القاهر في توكيد أن المدار في "النظم" على الترتيب العقلي والعمل الذهني.
3- "النظم" لا يخلو من كل آية.
لقد استقرى عبد القاهر جملة الوجوه التي جعلت تفسيراً للإعجاز القرآني، وانتفى الكثير منها شاهراً الحجة الدامغة، وهي أنها تؤدي "إلى أن يكون الإعجاز في آيٍ معدودة، في مواضع من السور الطوال مخصوصة..."، بينما النظم مختلف، فهو موجود في كل آية، وهو ما يروق عبد القاهر، ولهذا قال: "وبهرهم أنهم تأملوه سورة سورة، وعشراً عشراً، وآيةً آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها، ولفظة ينكر شأنها، أو يرى أن غيرها أصلح هناك أو أشبه أو أحرى أو أخلق، بل وجدوا اتساقاً بهر العقول وأعجز الجمهور...".
ولذلك وقف عبد القاهر ليثبت أنه "من البعيد أن يكون في جملة "النظم" ما يدلّ تارة ولا يدلّ أخرى...". فلا بدّ من رصد النظم في كلّ آية لملاحظة مباينته لنظم الآدميين، ذلك أن "النظم" قابل للتفاوت، والقرآن يبلغ الرتبة العليا فيه دون اختلاف، أو تفاوُتٍ في درجة النظم وجودته، بين آية وآية.
عندئذ، يدرك عبد القاهر أنه سيُجَابَهُ بأنصار "مذاقة الحروف" و"سحر اللفظ المفرد". فهؤلاء يعلمون أن هاتين الخاصّتين تتوافران في كل آية. فما يمنع أن تشاركا النظم في المزية، أو أن تنهضا بها دون "النظم". لعل انتشار هاتين الخاصتين في كل آي القرآن، قد دفع عبد القاهر إلى عدم تنحيتهما، فغاية ما فعل، تأخيرُ رتبتهما. وهنا استعان بشيء، هو في "النظم" دونهما. إنه سبيل "العقل" وإعمال الروية.
* تحليل تطبيقي لنظم آية

ولنقرأ تحليل عبد القاهر لإحدى الآيات على ضوء النظم. إنها الآية: {وقيل يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء أقلعي، وغيض الماء، وقضي الأمر، واستوت على الجوديّ، وقيل بعداً للقوم الظالمين}[هود، 11/44].
قال عبد القاهر:
"مبدأ العظمة في أن نُوديت الأرض، ثم أُمرت، ثم في أن كان النداء بـ(يا) دون نحو (يا أيتها الأرض)، ثم إضافة الماء إلى الكاف، دون أن يقال (ابلعي الماء)، ثم أن أَتبع نداءَ الأرض وأمرَها بما هو شأنها، نداءَ السماءِ، وأَمَرَها كذلك بما يخصها، ثم أن قيل: (وغيض الماء)، فجعل الفعل على صيغة (فُعِلَ) الدالة على أنه لم يغض إلا بأمر آمر، وقدرة قادر، ثم تأكيد ذلك وتقريره بقوله تعالى (وقُضي الأمر)، ثم ذكْر ما هو فائدة هذه الأمور، وهي (استوت على الجودي)، ثم إضمار السفينة قبل الذكر كما هو شرط الفخامة والدلالة على عظم الشأن، ثم مقابلة (قيل) في الخاتمة، بـ(قيل) في الفاتحة".
لقد أحسن في إظهار جودة "النظم"، وأراك "الخصائص التي تملأك... روعة، وتحضرك عند تصدُّرها هيبةً تحيط بالنفس من أقطارها..." ، ولكن، هل استطاع أن يظهر الوجه الذي به باين هذا النظم نظم الآدميين!!؟
إنك لترى معالجته لنظم شاعر أو ناثر، لا تختلف عن معالجته لنظم القرآن، إلا من حيث الإكثار من الثناء والوصف بالإعجاز!
* قصور عبد القاهر في إظهار مدى التمايز بين نظم القرآن وسائر أنواع النظم

قال إحسان عباس (1920/2003م)في "تاريخ النقد الأدبي عند العرب": "لم يقل لنا عبد القاهر إلى أي حدّ سَـمَا "نظم القرآن" كمّاً وكيفاً، على ما عداه من صور "النظم" الجميل في الفنون الأدبية. وبهذه النظرة اتجه عبد القاهر إلى النقد والبلاغة يضع فيهما أحكاماً، دون التفات كثير إلى أن "قضية الإعجاز تتطلّب شيئاً أبعد من حدّ المشاركة في الجمال المشاع بين صور التعبيرات الأدبية المختلفة...".
وأنت ترى عبد القاهر، مثلاً، في باب التقديم والتأخير، يفيض في إظهار كثرة فائدته وسعة تصرفه، ويأتي بأمثلة من النثر قد لا تجد فيها جمالاً رائقاً، ثم يتبعها بالآيات القرآنية، دون أن يحاول الموازنة بين النظمين! فكيف إذاً، ندرك علّة التفاوت بينهما؟ إذا جعلنا النظم سر الإعجاز، ووقفنا عند هذا الحدّ، فإن في كل الكلام منثوره ومنظومه، نظماً. فما هو الفيصل الدقيق في ذلك؟‍ صحيح أنّه يُفْهَمُ من كلام عبد القاهر أنه كلما أحسن في مراعاة "معاني النحو" كان النظم أرقى، وأن "نظم القرآن" حاز الذروة فيها. ولكن ذلك كلام نظري لم يحاول عبد القاهر إثباته في خطوات تطبيقية ميدانية. وهذا مأخذ كبير. لقد طرح السؤال: "من أين كان نظمٌ أشرفَ من نظم، وبِـمَ عظم التفاوت، واشتد التباين، وترقى الأمر إلى الإعجاز؟...."، ولم يأت بالجواب!