المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : 4- موقع نظرية التظم من ثنائية اللفظ والمعنى


أيمن أحمد رؤوف القادري
10-16-2013, 10:29 PM
موقع "نظرية النظم" من ثنائية "اللفظ والمعنى"


د.أيمن أحمد رؤوف القادري



-1-


انحياز عبد القاهر إلى المعنى

لا يبدو عبد القاهر بمظهر من يريد أن يَهَبُ اللفظ المفرد في نظريته أكثر من جعله أداة اصطلاحية، كما يقول أحمد عبد السيد الصاوي في "النقد التحليلي عند عبد القاهر الجرجاني"، فدوره أن يكون مطواعاً للمعنى، خاضعاً لما يمليه عليه. لذلك يقول في "أسرار البلاغة" : "الألفاظ خدم للمعاني"، ويجعلها "المصرفة في حكمها"، وعليها إذاً، أن تعلن الخضوع المطلق، والتبعية الكاملة، كما قال في "دلائل الإعجاز": "اللفظ تبعٌ للمعنى في النظم"، وعليها أن توطّئ للمعاني الإطار المناسب، لتحلّ فيها، لأن "الألفاظ أوعية للمعاني...".
ويقزّم عبد القاهر دور الألفاظ المفردة، حتى إنه لينتزع منها الفائدة ما لم تدخل في التأليف، يقول في "الأسرار": "الألفاظ لا تفيد حتى تؤلف ضرباً خاصاً من التأليف..."، ويقول في "الدلائل": "الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها، ولكن لأن يُضَمَّ بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينها فوائد...". لقد ألغى الفائدة في الألفاظ المفردة دون أن يعلمنا: أيقصد الفائدة البلاغية أم الفائدة الدلالية؟ والأمر يحتاج منه إلى توضيح، ذلك أن النحاة أنفسهم لم يجسروا على طمس الفائدة الدلالية؟ نعم... لقد قال ابن مالك:
كلامنا لفظ مفيد كـ(استقم) واسم وفعل ثم حرف الكلم.
فظنّ بعضٌ أن حدّه الكلام (التركيب) باللفظ، أدخل تحت مفهومه اللفظ المفرد المركب، فلمّا أضاف "مفيد" أخرج اللفظ المفرد... ظنوا ذلك وغاب عنهم أن ابن مالك لم ينه حدّه بكلمة "مفيد" وإنما أضاف "كاستقم"، فكأنه أوضح الفائدة التي يريد: إنها الفائدة التي يحسن السكوت عليها. قال ابن عقيل في شرح الألفية: "فاستغنى بالمثال عن أن يقول: "فائدة يحسن السكوت عليها"، فكأنه قال: "الكلام هو اللفظ المفيد فائدةً كفائدة: استقم"، وعليه فقد جرى النحويون كالأشموني والصبّان على إضافة عبارة "يحسن السكوت عليها"، لأن عبارة "اللفظ المفيد" لا تخرج إلا اللفظ المهمل الذي لا معنى له.
ونحن لم نعد نحتاج إلى مطولات وأدلة كثيرة لنعلم أن عبد القاهر جعل مزية النظم "من حيِّز المعاني دون الألفاظ..."، والعبارة له في "الدلائل"، ولكن الذي يحتاج إلى شيء من التبسّط، أن ندقّق في الدوافع التي حبّبت إليه نصرة "المعنى". ولو رحنا نستجلي الأمر سنلقى ثلاثة دوافع رئيسية تضافرت فيما بينها.

الأول: ردة الفعل تجاه الهجمة على القوالب الشكلية:
لم يصل الشعر إلى القرن الخامس الهجري إلا وهو يرسف في أغلال التكلّف، وليِّ أعناق المعاني، حتى تدخل في قوارير ضيقة لفظية، تلهو بها الأذن ولا ينفعل لها القلب. فقلّ الإبداع في حقل المعاني، وكثر الحديث في السرقات الشعرية، تلك السرقات التي كانت تأخذ أبيات الأولين مع شيء من التغيير اللفظي فيها. وكان شيوع هذا الأمر قد دفع بناقد كبير مثل ابن طباطبا إلى أن يعلّم الناس السرقة الخفية في "عيار الشعر"!! وضاقت المعاني حتى لجأ المحدثون إلى دواوين العجم، فقال الشاعر العتابي (208 هـ/ 823م): "اللغة لنا والمعاني لهم". وعند هذا الحد، لا بد أن تثور ثائرة عبد القاهر، فإذا به ينبري لإثبات أن المعاني قابلة للتزايد وأن لا حدّ لهذا التزايد.
لقد تنبّه محمد رشيد رضا لهذا الدافع، فقال في مقدمة تحقيقه لكتاب "أسرار البلاغة"، متحدثاً عن عبد القاهر: "يتنسّم القارئ أن دولة الألفاظ كانت قد تحكمت في عصره واستبدّت على المعاني، وأنه يحاول بكتابه تأييد المعاني، ونصرها، وتعزيز جانبها، وشدّ أسرها...".
الثاني: تحكيم "الفكر" في الاختيار
لم يكن عبد القاهر مجرد ناقد، يندفع به الخيال، ويتلاعب به الذوق، دون ضوابط. إنه رجل فكر. فعلم الكلام وعلم النحو: كلاهما قائم على معايير ومقاييس كان للمنطق فيها أثر واضح، لن يصغي عبد القاهر لحكم الأذن ولا لفتوى الحواس. استمع إليه وهو يعطيك دستوره الذي يحتكم إلى بنوده في "الدلائل": "فينبغي أن ينظر في الفكر بما تلبّس: أبالمعاني أم بالألفاظ؟ فأي شيء وجدته الذي تلبّس به فكرك من بين المعاني والألفاظ فهو الذي تحدث فيه صنعتك، وتقع فيه صياغتك ونظمك وتصويرك. فمحال أن تفكّر في شيء، وأنت لا تصنع فيه شيئاً، وإنما تصنع في غيره...".
وأعطاك الحكم، الذي لا استئناف فيه، بعد جلسة حاسمة: "ومحال أن يكون اللفظ له صفة تستنبط بالفكر...".
الثالث: النظر في الأسبقية
وأمر ثالث كان وراء نصرة المعنى، وهو إيمان عبد القاهر بأن المعاني أسبق في التكوّن من الألفاظ، فلا يأتي اللفظ إلا تعبيراً عن معنى اكتمل وبلغ كل نضوجه في النفس. قال في "الدلائل": "وإذا نظرنا علمنا، ضرورة، أنه محال أن يكون الترتب فيها تبعاً لترتب الألفاظ، ومكتسباً عنه، لأن ذلك يقتضي أن تكون الألفاظ سابقة للمعاني وأن تقع في نفس الإنسان أولاً، ثم تقع المعاني من بعدها وتاليةً لها. بالعكس مما يعلمه كل عاقل إذا هو لم يؤخذ عن نفسه...".
لقد كان منطلق عبد القاهر هذا إرهاصاً لما تبنّاه فيما بعد علماء النفس، كما قرَّر إبراهيم سلامة في "بلاغة أرسطو بين العرب واليونان"، ولما تبنته فئة كبيرة من نقّاد الغرب الذين جنحوا إلى علم النفس، مثل الفرنسيين جونبير Jonbert (1240هـ/1824م)، ونودييه Nodier (1260ه/1844م).
فهل كان عبد القاهر ينصر المعنى وهو مدفوع بوجهة نظر نفسية؟؟؟
نحن نملك الشواهد الكثيرة على قدرات عبد القاهر في ميدان التحليل الأدبي النفسي، لكنها لا يمكن أن تملي عليه التفكير في مسألة أسبقية المعنى على اللفظ، ذلك أن ثمة دافعاً أقوى لا يخفي عبد القاهر الإذعان له. إنه رأي الأشاعرة في تعريف "كلام الله"، وسيلي الحديث عن ذلك.


-2-


ما المعنى الذي ينصره عبد القاهر؟

يقول إحسان عباس في "تاريخ النقد" إن كلمة معنى "مطاطة متعددة الدلالات"، ولذلك لا بد من استجلاء المراد بها عند عبد القاهر. ولا سيما أنه، مع إطنابه في الثناء على المعنى، يقول في موضع آخر من "الدلائل": "واعلم أن الداء الدويّ والذي أعياه أمره في هذا الباب غلط من قدم الشعر بمعناه وأقلّ الاحتفال باللفظ.". فكأنه ارتدّ على عقيبه أو انقلب على ذاته!!!
ليس الأمر كما يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، فالواقع أن المصطلحات آنذاك لم تكن قد بلغت حدّ النضوج التام، الأمر الذي جعل النقاد يعمدون إلى كلمة ما ويجرونها في دلالتين نقديتين أو أكثر. فالمعنى من حيث هو اصطلاح نقدي كان يرمز إلى إحدى دلالتين.
الأول: الموضوع العام الذي يطرقه الشاعر أو الكاتب، كأن يقول: تحدّث فلان في الهجاء أو في معنى وصف الخيل. وقد تضيق دائرة المعنى قليلاً، فبعد أن تكون مرادفة لمصطلح "الغرض الأدبي" بمفهومنا الحالي، تصبح مرادفة لمصطلح "المضمون العام"، الذي قد يعبّر عنه بعدة أسطر حيال قصيدة من عشرات الأبيات. وإن شئت فسمّه موجزاً للنص.
الثاني: المضمون التفصيلي، وهذا الذي يتأتى من الدقة في رصف الكلمات، والإجادة في انتقاء العبارة المؤاتية لما يراد الكشف عنه.
ولا يخفى علينا جميعاً أن "المعنى" الذي يبالغ عبد القاهر في الحفاوة به إنما هو الذي يوافق الدلالة الثانية. وعليه، فالمعنى حين يرد عنده، بغير تلك الحفاوة، فهو يرتد إلى الدلالة الأولى.
وها نحن نحاول أن ندرك الدوافع التي جعلته ينكر أشدّ النكير على أنصار المعنى بالمفهوم المعاكس، وأبرزهم الجاحظ الذي تحدّث عن "المعاني المطروحة في الشوارع".
فواقع التحدي القرآني يشهد أن مسألة "الغرض الأدبي" أو "المضمون العام" لم تكن مطروحة، ذلك أن الله منح العرب، وغيرهم، مطلق الحرية في معارضة أسلوبه في أي غرض شاؤوا، حتى إنه لم يشترط الصحة في الخبر. قال تعالى: {قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} [هود، 11/13]، وهذا دفع عبد القاهر إلى أن يقول في "الرسالة الشافية": "أي: مثله في النظم، وليكن المعنى مفترى... فلا إلى المعنى دعيتم ولكن إلى النظم.". وقال أيضاً: "فإن التحدي كان إلى يجيئوا في أي معنى شاؤوا من المعاني بنظم يبلغ نظم القرآن في الشرف أو يقرب منه.".
ثم إن الكتب السماوية السابقة على القرآن أوردت بعض المعاني التي تضارع معاني القرآن أي أغراضه ومضامينه العامة. وإن في آيات القرآن ما يشير إلى ذلك. قال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله، فيَقتلون ويُقتَلون، وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن} [التوبة، 9/111]، فبيّن أن هذه الفكرة مذكورة في هذه الكتب الثلاثة.
وقال تعالى بعد الحديث عن صفة أصحاب محمد، صلى الله عليه وسلم: {ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، كزرع أخرج شطأه فآزره، فاستغلط، فاستوى على سوقه، يعجب الزرّاع ليغيظ بهم الكفّار} [الفتح،48/29]، وقال: {بل تؤثرون الحياة الدنيا. والآخرة خير وأبقى. إنّ هذا لفي الصحف الأولى. صحف إبراهيم وموسى} [الأعلى، 87/ الآيات 16-19].
ثم، لننظر مثلاً إلى ما بين يدينا اليوم من كتاب التوراة، ولنتابع فيها جزءاً من قصة موسى، عليه السلام، في سفر الخروج، الأصحاح الرابع: "فأجاب موسى، وقال: ولكن ها هم لا يصدقونني ولا يسمعون لقولي، بل يقولون لم يظهر لك الرب. فقال له الرب: ما هذه في يدك؟ فقال: عصا، فقال: اطرحها إلى الأرض. فطرحها إلى الأرض. فصارت حية، فهرب موسى منها. ثم قال الربّ لموسى: مدّ يدك وأمسك بذنبها، فمدّ يده وأمسك به، فصارت عصا في يده. لكي يصدّقوا أنه قد ظهر لك الرب إله آبائهم: إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب".
وهذه المعاني جاء على ذكرها القرآن:
{قال ربّ إني قتلت نفساً فأخاف أن يقتلون. وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردءاً يصدّقني إني أخاف أن يكذّبون}[القصص، 28/33-34]... {وما تلك بيمينك يا موسى. قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى. قال ألقها يا موسى. فألقاها فإذا هي حية تسعى. قال خذها ولا تخف، سنعيدها سيرتها الأولى} [طه، 20/17-20]... {وقال: ربكم وربّ آبائكم الأولين} [يونس، 10/26].
ومع ذلك، لم يزعم أحد أن شيئاً من هذه الكتب السالفة كان معجزاً. نعم، ربما قيل إنه معجز بأخباره عن الغيب، إلا أن ذلك ضئيل جداً إذا قيس بإعجاز القرآن.
وليس هناك، عند التحقيق، فرق بين الحديث القدسي أو النبوي، إلا في مسألة واحدة. فكلاهما من لفظ محمد، صلى الله عليه وسلم، إلا أن القدسي منهما يُصَدَّرُ بعبارة: "قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربه"، أو "قال الله تعالى فيما رواه عنه رسول الله، صلى الله عليه وسلم". والمضمون في الحالين من عند الله. قال تعالى: {وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى} [النجم، 53/ 3-4]. وقال أبو البقاء أيوب بن موسى (1093هـ/1682م)، أحد قضاة الأحناف، في "الكليات": "القرآن ما كان لفظه ومعناه من عند الله بوحيٍ جليٍّ. وأما الحديث القدسي فهو ما كان لفظه من عند الرسول، ومعناه من عند الله بالإلهام أو بالمنام"، وكذا يمكن أن نقول في الحديث الشريف.
فأنت ترى أن الذي يميز القرآن عن سائر الكلام هو لفظه وصياغة لفظه، لا معناه العام. خذ للموازنة كثيراً من الأحاديث النبوية، وستلقى تقارباً بالغاً بينها وبين القرآن في المعنى العام، فنحن إن جعلنا إعجاز القرآن لأجل معناه العام، قادنا الأمر إلى القول بإعجاز تلك الأحاديث. إن القرآن قصّ علينا قصة موسى والخضر، [الكهف، 18/60-82]، ثم جاءت الأحاديث تعيدها دون تبديل في المعنى، ومن ذلك رواية صحيح البخاري. وإن الله تعالى يقول: {إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود، 11/114] ، والحديث الذي رواه الترمذيّ يقول: ".... وأتبع السيئة الحسنة تمحها...". وإن الله تعالى يقول: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [الأحقاف، 46/13]، ثم إذا قال أحدهم للرسول، صلى الله عليه وسلم: "... قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك"، قال له: "قل آمنت بالله. فاستقم" [رواه مسلم]. بل ثمة حديث اقترن في روايته بآية تحوى المعنى نفسه. فقد روى ابن ماجه والترمذي أن الرسول، عليه الصلاة والسلام، صلى الصبح. فلما انصرف قام قائماً فقال: "عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله" (ثلاثاً). ثم قرأ قوله تعالى: {واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به} [الحج، 22/30].
وإذا صحّ أن "الأغراض المطروقة" هي التي تحددّ جودة النص ودرجة بلاغته، فإن ذلك يقود حتماً إلى القول بالتفاوت في الإعجاز القرآني. ذلك أن أسمى الأغراض في كتاب القرآن، العقائد، من جهة إثبات الصحيح منها ورسم السبيل لترسيخه في الفؤاد اعتقاداً وعملاً، واطّراح السقيم منها وتبيان مواطن الفساد فيه ووجوه نقضه بالأدلة العقلية. وهذه الأغراض لا يمكن أن يوضع بإزائها الآيات التي تنهى عن البخل مثلاً، وإن كان الكلّ من عند الله. ذلك أنه لا مراء في جعل العقائد أرقى العلوم، وأول مدارج الحكمة.
إذاً، إن الإعجاز يكمن في القدرة الربانية على إيراد كل هذه الأغراض، على تفاوت ما بينها، في نظم عالٍ لا يبلغه نظم، وتراه على تيرة واحدة هنا وهناك دون أدنى تفاوت. قال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} [النساء، 4/82] ، قال الباقلاني في "إعجاز القرآن": "عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي فيها من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج... وتعليم أخلاق كريمة...".


-3-


الخلفية الأشعرية لخلفية المعنى في نظرية النظم

لقد قال الكثير من المعتزلة بالنظم، ذكر الأشعري في "مقالات الإسلاميين": "فقالت المعتزلة إلا النظام وهشاماً الفوطيّ، وعبّاد بن سليمان: تأليف القرآن ونظمه معجز...". وكتاب "نظم القرآن" للجاحظ، كافٍ في الدلالة على ذلك. إلا أن بعضاً من المعتزلة، مع إشارته إلى النظم، آثر عليه مصطلحات أخرى، فعبد الجبّار الهمذاني (415ﻫ/1024م) مثلاً يعتمد "الضم" وإن لم يخرج به عن دلالة النظم.
أما الأشاعرة فيبدو أنهم لا يرتضون بديلاً من مصطلح "النظم"، فهو مأثور عندهم، يشيع في بيئتهم، لكن معظم القائلين بالنظم قرنوه بغيره من الوجوه.
وبيان ذلك أن "النظم" مرتبط أشد الارتباط بالمعنى الذي هو "المضمون التفصيلي". وفائدة هذه النظرة أن الألفاظ في أي كلام لا تترتب إلا حسب ترتّب المعنى، فهي إنما وجدت لخدمته والتصرف بأمره. وهذا ما أشار إليه الباقلاني في "تمهيد الأوائل" قاصراً نظرته على الحروف: "وليس نظمها أكثر من وجودها متقدمة ومتأخرة في الوجود، وليس لها نظم سواها..." ، ثم جاء الجرجاني في "الدلائل" ليعمّم على الألفاظ: "وإن الكلم تترتب في النطق بسبب ترتيب معانيها في النفس...".
إن تعليق ترتيب الألفاظ على ترتيب المعاني، وجعل الأول ناجماً عن الثاني، لا يصح إلا على اعتبار أن المعنى اكتمل ونضج قبل النطق به، فوظيفة النطق تنحصر في مجرد الكشف عن أمور موجودة، ونقل ما في الذات إلى الأسماع بأمانة. وعليه لا بد من العودة إلى أن الكلام معنى قائم في النفس قبل العبارة عنه، وهو ما أكّد عليه الأشاعرة. ينقل الشهرستاني في "الملل والنحل" قول أبي الحسن الأشعري: "الكلام... معنى قائم بالنفس". ويقول الإمام أبو حامد الغزالي في "إحياء علوم الدين": "والكلام بالحقيقة كلام النفس..."...
وليس في جنوح الأشاعرة إلى هذا الرأي سبب كافٍ لبعث الإصرار في نفس عبد القاهر، لولا أن المعتزلة اتخذوا موقفاً صدامياً في المسألة وأنكروا الكلام النفسي، فاستشعر عبد القاهر في ذاته الرغبة في إثباته بكل الوسائل. لقد جعل المعتزلة الكلام حروفاً وأصواتاً ولم يلتفتوا إلى ما قبل النطق. قال الأشعري في "مقالات الإسلاميين": "قال كثير من المعتزلة إن كلام الإنسان حروف، وكذلك كلام الله..." ، وهم يريدون بذلك الاحتراز من ثغرة تمنع من القول بخلق القرآن، فقد اتفقوا والأشاعرة في أن العبارات القرآنية محدثة، وقال الأشاعرة بأزلية المدلول.
يقول الجاحظ في "البيان والتبيين": "الصوت هو آلة اللفظ، وهو الجوهر الذي يقوم به التقطيع، وبه يوجد التأليف. ولن تكون حركات اللسان لفظاً، ولا كلاماً موزوناً ولا منثوراً، إلا بظهور الصوت، ولا تكون الحروف كلاماً إلا بالتقطيع والتأليف..." ، ويقول في إنكار الكلام النفسي: "المعاني القائمة في صدور العباد، المتصورة في أذهانهم، المتخيلة في نفوسهم، والمتصلة بخواطرهم، والحادثة عن فكرهم، مستورة خفية، وبعيدة وحشية محجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة...".
والجدير ذكره أن الأشاعرة لم ينكروا الحروف والأصوات وإنما استغربوا من المعتزلة عدم النظر إلى ما قبلها. يقول في ذلك الإيجي (756 هـ / 1355م) صاحب كتاب "المواقف في علم الكلام": "... فاعلم أن ما يقوله المعتزلة، وهو خلق الأصوات والحروف وكونها حادثة قائمة، فنحن نقول به ولا نزاع بيننا وبينهم في ذلك، وما نقوله من كلام النفس فهم ينكرون ثبوته، ولو سلموه لم ينفوا قدمه، فصار محلّ النزاع نفس المعنى وإثباته...".
لذلك كان على الأشاعرة ربط العبارة عن "كلام الله" بمسألة النظم. قال السنوسي في "شرح أم البراهين": "كلام الله تعالى، القائم بذاته... هو الذي عبّر عنه بالنظم المعجز...".
لقد تنبّه عبد القاهر مبكراً إلى ذلك. فهو يرفض سحر الحروف والأصوات لأنه في الخندق المقابل للمعتزلة، ويرغب في تقليص دور هذا الجانب المشترك. فلا يبقى إلا مزية المعاني. قال في "الدلائل": "كان من... جعل الإعجاز بجملته في سهولة الحروف وجريانها، جاعلاً له فيما لا يصح إضافته إلى الله تعالى، وكفى بهذا دليلاً على عدم التوفيق وشدة الضلال عن الطريق...". وتراه يركّز بكل طاقاته على المعنى القائم في النفس: "وجملة الأمر أن الخبر وجميع الكلام، معانٍ ينشئها الإنسان في نفسه، ويصرّفها في فكرة، ويناجي بها قلبه، ويراجع فيها عقله...".
وهو حين ينظر في عبارة "يا عبد الله"، يشير إلى أنها كلام بتقدير الفعل المضمر الذي هو "أعني" أو "أريد" أو "أدعو". وأن "يا "دليل عليه، وعلى قيام معناه في النفس. وحين يتحدث عن بلاغة الحذف، يقول: "تجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق..."، مستدلاً بالحذف على أن المعنى لا يتحصل بالنطق دون غيره، وإلا فإن ما حذف وأضمر هو في حكم ما ألغي نطقه، ومع ذلك فإن المعنى يظل يتراءى بين سائر المنطوقات.


-4-


الخاتمة

وهكذا نجد عبد القاهر قد عصر خلاصة جهوده واستنفد طاقاته في سبيل النهوض بالنظم، حتى غدا نظرية شاملة لها أسس وأركان راسخة، ولقد كان له من رصيده الفكري، وذوقه الأدبي، خير معين في إيضاح جزئيات النظرية، والتدليل على فضائلها. لعله قرأ الكثير ولم يدع كتاباً صنّف قبله يرتبط بالنظرية من قريب أو بعيد حتى أجال فيه طرفه مراراً، فتبصّر في شأن كل ثغرة ينفذ منها الآخرون، وكذلك استفاد من كل دليل يؤازر "النظم".
وإذا كنّا قد أوردنا بعض الملاحظات على شوائب مرّت هنا وهناك: من نقص في الاستدلال أو إغفال لبعض الجزئيات، وما شاكل ذلك، فإن هذا كله يندر أن لا يقع فيه باحث، فكيف إذا كان يتصدى لأمر لم يكن قبله قد صنّف فيه إلا من قبيل التعميم؟