المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إقصاء منطقة الخليج العربي من معادلة أمن الطاقة الأمريكي


Eng.Jordan
10-23-2013, 09:30 AM
بداية الانهيار:إقصاء منطقة الخليج العربي من معادلة أمن الطاقة الأمريكي

لتدشين عام 2013 خصصت 'لوموند' ملفا لثلاث عشرة مسألة أو ظاهرة يجمع بينها أنها من 'العلامات المؤذنة بحلول عصر جديد'. تشمل هذه العلامات - التي يأخذ معظمها شكل مسارات لمّا تبلغ مداها بعد - انقلاب نموذج الإنتاج الزراعي والغذائي بفعل الاحتباس الحراري؛ وتحول الصين من 'ورشة العالم' إلى 'سوبرماركت' الدنيا، بفعل بروز طبقة وسطى استهلاكية من 475 مليون نسمة؛ وظهور فئة كبرى من حملة الشهادات الجامعية صارت أوسع في بقية العالم من نظيرتها في الدول الغربية، التي كانت حتى الأمس تحتكر قوة التعليم الجماهيري؛ وتحول افريقيا إلى منطقة جاذبة للاستثمار بفعل أن عدد سكانها (وبالتالي سوق استهلاكها) سيتضاعف في غضون عشرين عاما، ليبلغ مليار نسمة.
انعطافات عالمية كبرى ومسارات ذات طبيعة تحولية أو انقلابية تؤكد، في رأي 'لوموند'، صحة ما ذهب إليه مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي (الذي تعرّفه الصحيفة بأنه 'ابن عم سي آي ايه الصغير المكلف بالاستشراف وبدراسة المستقبليات'، في تقريره الصادر الشهر الماضي من أننا نحيا الآن فترة انتقالية قلما شهدت الإنسانية لها مثيلا.
أما المسألة التحولية أو الانقلابية التي عدتها 'لوموند' أولى فواتح العصر القادم، فإنها ستكون أنفذ أثرا في العرب منها في سواهم من الأمم. وتتعلق بما كنا قد ذكرناه هنا قبل أسابيع، في إشارة عابرة، عن بدء التفكير الاستراتيجي في واشنطن في 'إقصاء منطقة الخليج العربي من معادلة أمن الطاقة الأمريكي، نظرا إلى أنه صار في حكم المؤكد أن الولايات المتحدة سوف تكون قادرة على الاستغناء عن النفط العربي في غضون أعوام قليلة'.
تروي 'لوموند' القصة من البداية، حيث تتطرق إلى لقاء 14 شباط (فبراير) 1945 الشهير بين الرئيس روزفلت والملك عبد العزيز بن سعود على متن الباخرة 'كوينسي'، وإلى التحالف القائم على مقايضة الحماية الدبلوماسية والعسكرية الأمريكية بفتح الحقول النفطية السعودية للشركات الأجنبية وبضمان تزويد أمريكا بالنفط بأسعار متدنية ومستقرة لمدة ستين سنة. وقد ظل هذا التحالف، الذي جدده الرئيس بوش عام 2005، في لقاء في تكساس مع ولي العهد آنذاك عبد الله بن عبد العزيز، 'يحدد بنية الجغرافيا السياسية العالمية منذ حوالي سبعين سنة'.
إلا أن هذا التحالف قد يكون شارف الحد، ذلك أن خارطة الطاقة العالمية قد اضطربت بفعل اكتشاف المحروقات غير التقليدية، مثل غاز وزيت الصخور، حيث يظهر التقرير السنوي لوكالة الطاقة الدولية أن أضخم المخزونات العالمية من النفط القابل تقنيا للاستغلال لم تعد موجودة في الشرق الأدنى (1200 مليار برميل)، بل في شمال القارة الأمريكية (2200 مليار برميل، 1900 مليار منها غير تقليدية).
وقد مضى هذا المسار الانقلابي في أمريكا شوطا بعيدا، حيث تنتشر عمليات التنقيب في معظم الولايات، وحيث تمكن الإنتاج الداخلي من تلبية ما لا يقل عن 83 بالمئة من حاجيات البلاد النفطية في النصف الأول من 2012، بينما انخفضت الواردات طيلة العام بنسبة 11 بالمئة. كما حققت موارد الطاقة الداخلية، أثناء الأعوام الأربعة الماضية، زيادة استثنائية بلغت نسبة 25 بالمئة. وعلى هذا، فإن ما كان 'غير قابل للتصور' سوف يتحقق: إذ سوف تتفوق أمريكا على السعودية، بين 2017 و2020، وتصبح أول منتج عالمي للنفط. أما في مجال إنتاج الغاز فإن الصعود سيكون أسرع. إذ ستتفوق أمريكا على روسيا بداية من 2015 (لهذا أعلن بوتين أن غاز الصخور خطر على بلاده). ونتيجة هذه التطورات الحاسمة فان أمريكا سوف تحقق الاكتفاء الذاتي من الطاقة في غضون 2030.
أما أهم أثر مترتب على هذا الـ'بيغ بانغ' في مجال الطاقة، فإنه سوف يكون على صعيد الجيوستراتيجيا العالمية، حيث أن استغناء أمريكا عن نفط الخليج كفيل بأن يدفعها إلى الانسحاب العسكري من العالم العربي، بل إن هناك من يدعو للتعجيل بهذا الانسحاب منذ اليوم، حيث قال أحد أكبر المستثمرين الأمريكيين إن 'من العبثية أن يظل الأسطول الخامس الأمريكي منحصرا [في الخليج] بغرض حماية بترول لن ينتهي به الأمر قريبا إلا في الصين وفي أوروبا'.
فماذا سيكون موقف العرب من البيغ بانغ النفطي؟ مجرد خفض الإنتاج للحفاظ على الأسعار؟ أم أنهم سيسعون لاستثمار تحول مركز ثقل التجارة النفطية، من أمريكا إلى آسيا، في محاولة انتهاج سياسات مبنية على استقلالية القرار؟

مالك التريكي