المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رثاء بعض الأدباء العرب لتلستوي


Eng.Jordan
02-03-2012, 02:28 PM
رثاء أحمد شوقي لتولستوي

د . ممدوح ابو لوي

بنى الشاعر أحمد شوقي (1868-1932) ، الذي عاصر مصطفى لطفي المنفلوطي رثاءه لتولستوي على شكل حوار بين الكاتب الروسي وبين الشاعر العربي أبي العلاء المعري.
يصف أحمد شوقي الكاتب الروسي بالحكمة والشجاعة، فعليه يحزن الفقراء والمساكين، لأنّه نصير الضعفاء، ومن الصعب على الإنسان الفقير أن يجد لنفسه نصيراً. يبكيه الفقراء لأنّه منارتهم ويبكيه المؤمنون، لأنّه أخذ من الدين جوهره، وإذا كان لابدّ من طقس الاعتراف فيجب أن نذهب ونعترف بخطايانا إلى تولستوي وليس إلى الكاهن، لأنّه دافع عن الفقراء، ضد ظلم الأغنياء، ولأنّه ناضل ضد الحروب بكل أشكالها، ونادى بالمحبة، يكتب أحمد شوقي في مطلع قصيدته التي بعنوان "تولستوي":

(تولستوي) ، تُجري آية العلم



ودمعها عليك، ويبكي بائس وفقير


وشعب ضعيف الركن زال نصيره



وما كل يوم للضعيف نصير


ويندب فلاحون أنت منارهم



وأنت سراج غيبوه منير(28ص80)



ويرى شوقي أنّ تولستوي يشبه السيّد المسيح فيقول:

تطوف كعيس بالحنان وبالرضى



عليهم، وتغشى دورهم وتزور



(28-ص80)

ويرى شوقي أنّ تولستوي يخدم لب الدين، ويخدم الناقمون عليه قشور الدين، ولعل كل كتاب من كتبه يشبه الإنجيل في قدسيته، وسمع شوقي عن هرب تولستوي من بيته.
ويتابع قوله فيرى في تولستوي علماً مثله مثل أبي العلاء المعري:

إذا أنت جاورت (المعري) في الثرى



وجاور (رضوى) في التراب (تُبير)



(28-ص80) .

ويجري أحمد شوقي حواراً بين أبي العلاء المعري وبين تولستوي الذي زهد بالمال وهو لديه وفير، وبالشهرة وهو كالشمس معروف في كل بلدة، وعاش طويلاً متمسكاً بأفكاره الإنسانية ويسأل المعري الكاتب الروسي: هل حل الخير مكان الشر. والمحبة مكان الكراهية؟ وهل انتهى الفقر؟ ويجيب تولستوي أن الحياة مازالت كما كانت في أيام المعري. ومازال الغش والإفك والزور سائداً، وما زال هناك عبد وسيّد ومستأجر وأجير. وحكم استبدادي، والحكم لمن يملك المال. ومازال السلاح هو السيد. يشترونه ويصنعونه على حساب قوت الفقير. وبعد أن ملؤوا الأرض والبحر بأسلحتهم، يريدون الآن ملء السماء بها.
ومن الجدير بالذكر أنّ القصيدة المذكورة ترجمت إلى اللغة الروسية، ونقلها إلى الروسية الشاعر جورافيلوف، ونشرت في "مختارات من الشعر العربي في مصر". صدرت في موسكو في عام 1956.
كتب المستشرق السوفييتي المعاصر شيفمن، الذي كان يعمل في معهد تولستوي الأدبي في موسكو، حول رثاء أحمد شوقي لتولستوي "عندما نقرأ رثاء الشاعرالعربي نتحسس، مشاعر الاحترام العميق التي يحملها أحمد شوقي لتراث تولستوي الذي يتميز بنزعته الإنسانية (139ص390) .
كما كتبت حول القصيدة المذكورة الباحثة السوفييتية شوستر: "إن رثاء أحمد شوقي لتولستوي ذو أهميةٍ كبيرةٍ بالنسبة لنا، لأنّه يكتب حول الكاتب الروسي العظيم، الذي كرس حياته من أجل سعادة الإنسانية"(138-ص144-145) .
* * *

9 - رثاء الشاعر حافظ إبراهيم لتولستوي:

نشر حافظ إبراهيم (1872-1932) رثاءه لتولستوي مباشرةً بعد سماعه بوفاة الكاتب الروسي وبعد أن سمع برثاء أحمد شوقي له. فلقد توفي تولستوي في 21 تشرين الثاني عام 1910 وفي الشهر نفسه نشر حافظ إبراهيم -شاعر النيل رثاءه لتولستوي. وبعد ثلاثة أيام فقط من وفاة الكاتب الروسي أيّ في 24 تشرين الثاني كتب الأستاذ أحمد لطفي السيّد مقالاً في صحيفة "الجريدة" بعنوان "مات الرجل".
كان رثاء حافظ إبراهيم لتولستوي لا يختلف كثيراً من حيث الشكل والمضمون عن رثاء أحمد شوقي له. حتى أن القافية واحدة.
ويبدأ قصيدته فيقول:

رثاك أمير الشعر في الشرق وانبرى



لمدحك من كتّاب مصر كبير


ولست أبالي حين أرثيك بعده



إذا قيل عني قد رثاه صغير



(2-ص164) .

ويتابع حافظ إبراهيم فيقول إنّ تولستوي كان عوناً للضعيف، ولا يهم الشاعر أكان تولستوي في الجنة أم في النار فحسبه أنّه عالم مفكر وأنّه دعا إلى المعروف ونهى عن المنكر.
ويرى الشاعر أنّ علوم تولستوي وأملاكه خلصته من كيد أعداء فكره وسلوكه.
ويقارن الشاعر بين المعري وبين تولستوي كما فعل أحمد شوقي فكلاهما كان زاهداً ناسكاً، فيقول:

إذا زرت رهن المحبسين بحفرةٍ



بها الزهد ثاوٍ والذكاء ستير



(2- ص165) .

فيدور حديث بين المعري وتولستوي ويقول الأول للثاني تريد الحياة سلاماً وهي حرب وكفاح. لقد سلوت عن الدنيا وتهالك غيرك عليها. تحاول رفع الشر، وهو واقع.
ويقول المعري: لقد ناديت بما ناديت به، ولكن الناس يلهثون وراء الملذات والطيبات، ومتّ ومطامع الجشعين لم تمت، ويتابع قوله:

إذا هدمت للظلم دور تشيدت



له فوق أكتاف الكواكب دور



(2ص-166) .

فقلوب الناس من صخر جبلت، فلا تؤثر فيها نصائح شيخ المعرة ولا أفكار كاتب الأرض الروسية العظيم.
هذا هو مضمون رثاء شاعر النيل لكاتب الأرض الروسية، وكما نرى فإنّ حافظ إبراهيم مثله مثل شوقي والمنفلوطي وأمين الريحاني ومثل كل من كتبوا حول تولستوي من الكتاب العرب في مطلع القرن العشرين نظر إليه نظرته إلى فيلسوفٍ أكثر مما هو أديب عظيم ألفّ الروائع الأدبية، والرثاء، كما نرى، دمعّة حزنٍ ذرفها شاعر رقيق على إنسان كتب مدافعاً عن طبقة الفلاحين في روسيا القيصرية وعبّر عن وجهة نظرهم في شؤون الحياة.
* * *

10 - رثاء جميل صدقي الزهاوي لتولستوي:

ويرثي تولستوي الشاعر العربي الكبير جميل صدقي الزهاوي
(1863-1936) الذي عاصر شوقي وحافظ. والذي كتب عنه المستشرق السوفييتي الكبير إيغناتي كراتشكوفسكي بأنّه:"شاعر عربي كبير يعيش في العراق في وقتنا الحاضر (159-ص415) . وقافية قصيدته (الراء) ، مثل قافية قصيدة شوقي وحافظ إبراهيم كما أنّ الموضوع نفسه. يقول في قصيدته مخاطباً الكاتب الروسي:
لقد عشت عمراً أنت فيه ظهير



لمن عاش بين الناس وهو فقير


بكفك مصباح من العلم ساطع



به لعقول الناشئين تنير


وقد كنتَ حراً في حياتك مصلحاً



تدور مع الإنصاف حيث تدور



(25-ص168) .

ويرى الزهاوي أنّ تولستوي وعظ أصحاب الزعامة وذكرهم أنّ الحياة فانية ونهاهم عن الظلم. وتذكرنا فكرة الزهاوي هذه بفكرة المنفلوطي الذي يرى أنّ تولستوي واجه الظلم والسلطة المستبدة. ويقول:

أفذنا بأسرار الحياة دراية



فأنت بأسرار الحياة خبير



(25ص169) .

ويتابع قوله إن الحياة بقيت كما هي ولم يتغير فيها شيء، وإذا تبدل في الحياة أمر فهو يتبدل من سيء إلى أسوأ.