المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رواية الأخوة كارامازوف لدوستيفسكي وكتاب النبي لجبران ومرداد لنعيمه


Eng.Jordan
02-03-2012, 02:34 PM
رواية الأخوة كارامازوف لدوستيفسكي
وكتاب النبي لجبران ومرداد لنعيمه

د ممدوح ابو لوي

ملخص البحث:

وجدت في مذكرات الأب زوسيما وهو أحد شخصيات رواية "الأخوة كارامازوف" شبهاً كبيراً بكلٍ من كتابي النبي لجبران ومرداد لنعيمه، ولاسيما من حيث البنية الفنية، والمضمون الفكري فهذه المذكرات مقسّمة إلى أبواب، ولكلِ باب عنوانه وموضوعه فباب بعنوان "حديث عن السادة والخدم" وآخر عن المحبة، وثالث عن الدينونة ورابع عن الجنة والنار....

وهو بذلك يشبه التقسيم الذي اتبعه كلّ من جبران ونعيمه في كتابيهما المذكورين آنفاً، كتبت عن وجود شَبه في مفهوم المحبة في الأعمال الثلاثة المذكورة، فهي عند هؤلاء العباقرة مفهوم مطلق خارج حدود الزمان والمكان وتحدثت ببعض التفصيل عن رواية "الأخوة كارامازوف"، وأهم أفكارها وأحداثها وشخصياتها، نظراً لقلة الدراسات المتوفرة في المكتبة العربية عن هذه الرواية، ولاسيما تلك التي تعرض وجهة نظر النقاد عن عملاق الرواية الروسية، فكتبتُ عن الأخوة الثلاثة وهم ديمتري وإيفان والكسي وعن الابن اللاشرعي سمير دياكوف وعن شخصية الأب فيدور كارامازوف.

كما كتبت عن موضوع الآباء والبنين في الأعمال المذكورة ولاسيما أن الموضوع المذكور على قدمه في الأدب مازال ذا أهمية كبرى، فلقد كتب عنه كبار الأدباء مثل سوفوكليس (496-406ق.م) في مأساة أوديب ملكاً، وشكسبير في"هاملت" 1601.

وتناول الموضوع المذكور العالم النفساني فرويد في أكثر من عمل ولاسيما في كتابه "تفسير الأحلام" (1900) من وجهة نظرٍ خاصةٍ به إذّ يفسّر تصرفات المرء من خلال عالم اللاشعور والدوافع المكبوتة.

رواية الأخوة كارامازوف لدوستيفسكي، وكتاب النبي لجبران خليل جبران، وكتاب مرداد لميخائيل نعيمه (دراسة مقارنة) .
مقدمة:

درس ميخائيل نعيمه (1889-1988) في مدرسةٍ ابتدائيةٍ روسيّة افتتحت في نهاية القرن التاسع عشر في قريته (بسكنتا) بهدف نشر الثقافة الروسيّة في الشرق، على أثر الضعف الذي أصيبت به الدولة العثمانية. فأخذت تتسابق كلّ من فرنسا وروسيا وبريطانية على نشر ثقافتها ونفوذها عن طريق افتتاح المدارس وغيرها من المؤسسات.

قامت الجمعية الرّوسية -الفلسطينية بإدارة المدارس الروسيّة في كلّ من فلسطين وسوريا ولبنان. وكانت المدارس الروسيّة مجانيةً.

درس ميخائيل نعيمه في المدارس الروسيّة في قريته (بسكنتا) ما بين عامي (1899-1902) وتابع دراسته في الناصرة ما بين عامي
(1902-1906) .

ثم تابع دراسته في بولتافا في روسيا ما بين عامي (1906-1911) . ولابدّ من أن تترك هذه الثقافة التي تلقاها في المدارس الروسيّة في لبنان وفلسطين وروسيا نفسها أثراً كبيراً على أدب ميخائيل نعيمه.

وقرا ميخائيل نعيمه في أثناء دراسته في المدارس الروسيّة الأدباء الروس مثل بوشكين (1799-1837) وليرمنتوف (1812-1841) وغوغول (1809-1852) وتشرنيشيفسكي (1828-1889) وبيلينسكي (1811-1848) ودبر الوبوف (1836-1861) وغانتشيروف (1812-1891) وتورغينيف (1818-1883) ، واستروفسكي (1823-1886) وسالتيكوف شيدرين (1826-1889) ، وليف تولستوي (1828-1910) وأنطون تشيخوف (1860-1904) .

وبعد انتهاء دراسته في بولتافا في عام 1911 سافر ميخائيل نعيمه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أقام هناك عشرين عاماً. أيّ عاد من الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1932، أيّ بعد وفاة صديقه جبران خليل جبران في عام 1931.

وعاش في لبنان، وبالتحديد في قريته بسكنتا منذ عام 1932 إلى عام 1988، إذ توفي في العام المذكور. وفي عام 1956 التقى السفير السوفييتي ببيروت وعندما سأله السفير عن مدى رغبته واستعداده لزيارة الاتحاد السوفياتي، فيما لو وجهت له الدعوة، أجاب الكاتب العربي الكبير، أنّه مستعد لزيارة الاتحاد السوفييتي، وسيلبي الدعوة بكلّ سرورٍ.

وبعد مرور مدةٍ قصيرةٍ، تلقى الدعوة من قبل اتحاد الكتّاب السوفييت، في عام 1956، وزار مدرسته في بولتافا، حيث درس قبل الثورة، ورأى صور لينين وستالين معلقة بدل صور السيّد المسيح ومريم العذراء، ولم يستغرب.

وكان كتابه "أبعد من موسكو، ومن واشنطن"، الذي رأى النور في عام 1957، أي بعد مرور عامٍ واحدٍ على زيارته لموسكو، ثمرةً لزيارته المذكورة.

ويعترف الكاتب في عمله الأدبي المذكور، أنّ لحظة وصوله إلى روسيا، كانت أسعد لحظات حياته.

ويكتب في الكتاب الآنف الذكر عن روايات دوستيفسكي: "وتحسست إيمان دوستيفسكي بالأمة السلافية ورسالتها الإنسانية، وبمستقبلٍ أفضل لروسيا، تتقلم فيه أظافر الظلم، والاستبداد، وتتكسر أنياب الحاجة والمذلة، فيتنفس الشعب ملء رئتيه، وتكون له الثقة بأنّه لن يعرق ليهزل، وليسمن غيره، بنتاج عرقه، ولن يسكن الأكواخ ويلبس الأسمال لينعم غيره بالقصور، ويرفل في الديباج" (1)

ويكتب ميخائيل نعيمه في مقالته: "ماهية الأدب ومهمته" التي نشرها في مجموعة "دروب"، التي صدرت في عام 1932: "ولو أنّ جيشاً من رجال الدين، وعلماء النفس وأساتذة الاجتماع، وأساطين القانون تجمعوا معاً لما استطاعوا أن يؤلفوا لنا رواية، كرواية دوستيفسكي ٍ"الأخوة كارامازوف" ففي هذه الرواية نرتفع مع الأب "زوسيما" إلى درجة الإشراق الروحي، والانخطاف بنور الألوهية. وننحدر مع "سمير دياكوف" إلى الحالة البهيمية...." (2) .




مفهوم المحبة في الكتب الثلاثة:
1-مفهوم المحبة في مذكرات الأب زوسيما

وهكذا فإن ميخائيل نعيمه يقيّم تقييماً عالياً شخصية الأب زوسيما. فما هو مفهوم الأب زوسيما للمحبة؟ يقول الأب زوسيما: "ياأخوتي، لا تحتقروا البشر لخطاياهم، أحبّوهم رغم خطياهم، فتلك هي قمة المحبة الأرضية، التي هي على صورة محبة الرب. أحبّوا خلق اللّه جملةً، وأحبّوا كلّ ذرةٍ من الرمل على حدة، وكلّ ورقة شجرة، وكلّ شعاع ضوء. أحبّوا الحيوانات، أحبّوا النباتات، أحبّوا كلّ موجودٍ. إنّكم حين تحبّون الخليقة تنفذون إلى السر الإلهي الذي تضمّنه، والمعرفة التي تحصلون عليها بهذا ستنمو بعد ذلك، ثم ما تنفك تكبر في كلّ يومٍ، فإنّ حبكم يعمّ الكون بأسره، ويصبح شاملاً.

أحبّوا البهائم لأنّ الرب قد وهب لها بذرة فكر، وأودع قلبها فرحاً بريئاً (3) ، ويطالب الأب زوسيما بمحبة الأطفال، لأنّهم بلا خطيئةٍ، لأنّهم أشبه بالملائكة، لأنّهم يعيشون لفرحة قلوبنا، وتطهير نفوسنا.

ويرى الأب زوسيما أن نرد على الخطيئة بالرفق واللين والحبّ المتواضع، لأنّ الحبّ قوة هائلة أقوى من سائر القوى، ليس لها مثيل في العالم. والحبّ معلّم كبير، ولكنّه لا يكتسب بسهولة، وإنّما يحصل عليه الإنسان بثمنٍ باهظٍ، بجهدٍ متصلٍ وفي زمن طويل. لأنّنا يجب أن نحبّ حبّاً مستمراً ومطّرداً. ويرى الأب زوسيما أنّ الكون أشبه ببحرٍ محيطٍ، وأنّ حركةً في مكانٍ ما من الكرة الأرضية تترجع آثارها في أقصى الطرف الآخر من الأرض.

يجب على الإنسان أن يعتبر نفسه مسؤولاً عن خطايا البشر كلّهم. لأنّ الأمر هو كذلك حقاً.

هذا هو رأي الأب زوسيما بالمحبة عبّر عنه في مذكراته التي سجّلها الكسي فهل رأي ميخائيل نعيمه شبيه برأي الأب زوسيما، لنر ذلك في كتابه "مرداد"
2-مفهوم المحبة في كتاب مرداد:

يرى مرداد في كتاب ميخائيل نعيمه الذي يحمل عنوان "مرداد" أنّ المحبة هي ناموس الحياة. وإذا قارنا بين أفكار الأب زوسيما في "الأخوة كارامازوف" لدوستيفسكي حول المحبة، وبين مفهوم المحبة لدى مرداد في كتاب "مرداد" لميخائيل نعيمه، نجد أنّها متشابهة. وتتلخص بأنّنا يجب أن نحبّ كلّ ذرةٍ من ذرات هذا الكون دون تمييزٍ. ويجب أن نحبّ كلّ ورقةٍ على الأشجار، دون تمييزٍ بين ورقةٍ صحيحةٍ وأخرى مريضة، وبين جميلةٍ وقبيحةٍ، وكبيرةٍ صغيرةٍ، لأنّ نضارة الصحيح ليست إلا من شحوب المريض، ولأنّ البشاعة ليست غير مروّد الجمال. المحبة ليست بفضيلةٍ، إنّها لضرورة أشد من ضرورة الخبز والماء والنور والهواء. ويرتبط كلّ ما نحبّ بكلّ مانكره، ولذلك علينا أن نحبّ كلّ ما نكره مثلما نحبّ كلّ ما نحبّ.

ومثلما يفرغ النهر العظيم ذاته في البحر، فيعود البحر ويملؤه، هكذا يجب أن نهب ذاتنا للمحبة، لأنّ المحبة ترجع لنا ذواتنا، كما يرجع البحر إلى النهر ماءه. فالحوض الذي لا يعطي ماءه للبحر يصبح آسناً.

وعندما تطهر المحبة أبصارنا، لن نرى شيئاً غير جديرٍ بالمحبة.

هذه أفكار ميخائيل نعيمه حول المحبة، عبّر عنها مرداد وهي متطابقة مع أفكار دوستيفسكي في روايته "الأخوة كارامازوف"، التي صدرت في عام 1880، وكذلك متطابقة مع أفكار جبران خليل جبران، التي عبّر عنها في كتابه "النبي" الذي صدر في عام 1923 باللغة الإنكليزية، ونقله إلى اللغة العربية الأرشمندريت أنطونيوس بشير.
3-مفهوم المحبة في كتاب النبي:

يقول جبران خليل جبران في كتابه "النبي" منادياً بالمحبة الشاملة التي لا تعرف التمييز والتفرقة بين الغريب والقريب:

"إذا أشارت المحبة إليكم فاتبعوها

وإن كانت مسالكها صعبة متحدرةً

وإذا ضمتكم بجناحها فأطيعوها،

وإن جرحكم السيف المستور بين ريشها.

وإذا خاطبتكم المحبة فصدقوها

وإن عطل صوتها أحلامكم وبددها.... " (4) .

ويرى جبران خليل جبران أنّ المحبة تغربل الناس لكي تحررهم من قشورهم، وتطحنهم لكي تجعلهم أنقياء كالثلج.

ويتابع قوله:

"المحبة لا تعطي إلا نفسها. ولا تأخذ إلاّ من نفسها.

المحبة لا تملك شيئاً. ولا تريد أن يملكها أحد

لأنّ المحبة مكتفية بالمحبة.

***

أما أنت إذا أحببت فلا تقل: إنّ اللّه في قلبي "بل قل بالأحرى: "أنا في قلب اللّه (5)

وهكذا فإن دوستيفسكي وجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمه يؤمنون بالمحبة اللامحدودة، وبذوبان الذات في الآخرين، لأنّ محبة الآخرين تعني محبة الذات، التي هي جزء لا يتجزأ من الآخرين، ومن يحبّ نفسه على حساب الآخرين يحكم على محبته بالموت. ويطالب هؤلاء الأدباء بالعطاء الدائم للجميع كما تعطي الشمس نورها للجميع.
4-مفهوم المحبة في تعاليم الأب زوسيما:

عبّر الأب زوسيما عن مفهومه للمحبة كما أسلفنا في أحاديثه التي سجلها الكسي كارامازوف أحد أبطال الرواية، كما عبّر عن مفهومه للمحبة في مواعظه للناس. فلقد زارته سيدةٍ إقطاعية، وبكت بكاء هادئاً وهي امرأة من الطبقة العليا وحساسة جداً، وصادقة.

وقد زارته لأنّه شفى ابنتها ليزا، فلدى الأب زوسيما قدرة على شفاء المرض، ومعرفة أغوار النفس. كما أنّ السبب الثاني لزيارتها هو عدم إيمانها، أو على الأقل أنّها تشكك في الحياة الأبدية، وأنّ فكرة الحياة الآخرة تؤلمها إلى حد العذاب واليأس والرعب.

ويجيبها الأب زوسيما: أن الإنسان يستطيع الوصول إلى اليقين بوجود الحياة الثانية، وذلك عن طريق معاناة الحبّ الحقيقي، وينصحها بمحبة الآخرين حباً فعالاً بلا كلل، فكلما ازدادت حباً ازدادت اقتناعاً بوجود اللّه، وازدادت اقتناعاً بخلود الروح. ويتابع قوله: "متى وصلت إلى نسيان نفسك في حبّ الآخرين نسياناً تاماً، أصبح يقينك كاملاً، فلا يساور نفسك بعد ذلك أيّ شك، تلك حقيقة مجربة مؤكدة" (7) .

وتؤمن السيدة الاقطاعية بقوة الحبّ، وأنها مستعدة للعمل ممرضةً، تضمّد جروح الآخرين، وتغسلها بيديها، وأن تقبّل الجروح، ولا تريد أجراً إلا مديح وثناء المرضى، ومالم تنل هذا الجزاء لا تستطيع أن تحبّ أيّ إنسان.

ويرى الأب زوسيما أنّ اللّه غفور رحيم وحبّه للبشر يفوق الذنوب كلّها، ولذلك يجب طرد الخوف من القلوب، لأنّ اللّه يحبنا حتى في خطايانا، ورغم الخطيئة. ولكن يجب الندم والتوبة، والحبّ قادر على أن ينقذ كلّ شيء، فإذا كان الناس يشارك بعضهم بعضهم الآخر الألم، فما بالك بالرب. وعبّر الأب زوسيما عن آرائه الآنفة الذكر في حديثه مع إحدى السيدات التي وقعت في الخطيئة، ويقلقها الخوف من غضب اللّه.

وفي بداية الجزء الثاني من رواية "الأخوة كارامازوف" يصف دوستيفسكي لقاء الأب زوسيما بالرهبان وتعاليمه لهم. فيطلب الأب زوسيما من الرهبان أن يحبّ بعضهم بعضهم الآخر، وأن يحبّوا جميع أبناء الرب، وأن يبتعدوا عن الكبرياء، وأن يعتبروا أنفسهم أقل من الآخرين.

ويجب عليهم أن يتحملوا المسؤولية عن جميع البشر، آنذاك تنفتح قلوبهم للحبّ الشامل ويتابع قوله: "لا تكرهوا أولئك الذين ينبذونكم ويهينونكم ويهاجمونكم ويغتابونكم، ولا تكرهوا الملحدين ودعاة الشر والماديين، لا تكرهوا حتى أسوأ هؤلاء وأخبثهم" (8) .
مفهوم المحبة لدى إيفان كارامازوف

وهكذا فإنّ إحدى وصايا الأب زوسيما لتلاميذه وللرهبان هي ألا يكرهوا الماديين والملحدين ويمثل إيفان كارامازوف في هذه الرواية الفكر المادي الملحد.

إيفان كارامازوف هو ابن فيدور كارامازوف، ويبلغ عمره أثناء وقوع أحداث الرواية أربعاً وعشرين سنة وهو أكبر من أخيه ألكسي بأربع سنوات وأصغر من أخيه ديمتري بأربع سنوات ولقد أنهى إيفان كارامازوف دراسته الثانوية وانتسب إلى الجامعة: وحصل على شهادةٍ جامعيةٍ في العلوم الطبيعية إلا أنّه كان ينشر بعض الدراسات في العلوم الإنسانية. فلقد نشر بعض المقالات في إحدى الجرائد اليومية، عن حوادث الشوارع، مذيلةً بتوقيع "شاهد عيان"، وقد دلت على فكره المتوقد والفكاهة اللاذعة.

ونشر في يوم من الأيام مقالاً هاماً حول القضاء الاكليركي.

ولابأس من الإشارة إلى أنّ أحداث رواية (الأخوة كرامازوف) بدأت في الساعة الحادية عشرة والنصف في أواخر شهر آب، وفي يوم حار.

وبهذا يشبه زمن رواية "الأخوة كارامازوف" زمن رواية "الجريمة والعقاب" فتجري أحداث الروايتين في زمنٍ حارٍ وفي فصل الصيف. تجري أحداث رواية "الجريمة والعقاب" في شهر تموز، وفي حرٍ خانقٍ، وهذا واضح من الجملة الأولى لهذه الرواية، فالجملة الأولى في الرواية المذكورة "في الأيام الأولى من شهر تموز، أثناء حرٍ شديدٍ للغاية" (9)

وإيفان ملحد، ويجيب بصراحةٍ عن سؤال والده: هل اللّه موجود أم لا؟

"-لا... لا يوجد إله.

ويتابع والده يطرح عليه سؤالاً آخر:

-"سؤال آخر يا إيفان: هل هناك خلود؟ هل هناك أيّ خلود، ولو صغير صغير جداً؟

-لا يوجد خلود كذلك.

-أيا كان؟

-أيا كان؟

-أهو العدم المطلق إذاً؟ أم يوجد شيء ما؟ ربما يوجد شيء ما مع ذلك؟

-لا يوجد إلا العدم الكامل." (10)

ويرى إيفان أنّ اللّه، قد اخترع من قبل الإنسان، ولولا هذا الاختراع لما وجدت المدينة.

* * *

وفي اليوم التالي يلتقي إيفان أخاه أليوشا في المطعم ويتابع معه الحديث الذي شاركهما فيه والدهما في اليوم السابق. ويقول إيفان لألكسي إنّه لا يؤمن بحكمة نظام الكون، ولكنه يحبّ وريقات الأشجار الطريات النديات حين تطلع في الربيع، ويحبّ البطولات الإنسانية، ويرى أنّ حبّ الحياة ينبع من قرارة الأرحام. ويتابع فيقول إنّ على الإنسان تعلم حبّ الحياة، أكثر من حبّ مغزاها، وبهذا يصل الإنسان إلى معنى الحياة.

وكما أسلفنا يمثل إيفان كارامازوف الجيل المادي الملحد الاشتراكي الروسي ويبحث هذا الجيل في فكرة وجود اللّه وخلود الروح وفي إعادة بناء الإنسانية بناءً كاملاً على أسسٍ جديدةٍ.

لأنّ هذه المسائل بنظر الروس ذات أهميةٍ حيويةٍ.

ويرى إيفان أنّ الإنسان هو الذي اخترع اللّه، ويعفي نفسه من التفكير بهذه المسألة، مسألة هل اللّه هو الذي صنع الإنسان أم أنّ الإنسان هو الذي اخترع فكرة وجود اللّه.

ويخاطب إيفان كارمازوف أخاه ألكسي كارامازوف "لست أرفض اللّه... افهمني جيداً.. وإنما أن أرفض العالم الذي خلقه ولا أستطيع الموافقة على قبوله"(11) ويؤمن إيفان إيماناً جازماً بأنّ آلام العالم ستخف شيئاً بعد شيء. وأنّ التناقضات الإنسانية ستتبدد تبدد سرابٍ باطلٍ، وأنّ حقيقةً عليا ستنبثق أخيراً في خاتمة الحياة الدنيا، حين يتأكد الانسجام الأبدي، فإذا هي تبلغ من السمو والنقاء أنّها تهديء جميع القلوب، وتسكّن جميع أنواع الغضب، وتكفّر عن جميع جرائم الإنسانية، وتفدي الدم كله الذي سفح على الأرض.

ولكنه يتابع فيقول "حتى في هذه الحالة فإنّني لن أقبل الأمر ولن أريد أن أقبله" (12) وذلك لأنّ إيفان كارامازوف لا يريد أن تلتقي الخطوط المتوازية. ويتابع إيفان فيقول إنّه أراد أن يجري الحديث على نحو غبيّ جداً، لأنّ الإنسان يكون أقرب إلى الصدق عندما يكون غبياً، فالغباء يمشي إلى الهدف رأساً. الغباء بساطة وإيجاز أما الذكاء فمكر ومخاتلة. إنّ الفكر الذكي فاجر فاسد أما الغباء فمستقيم شريف.

ويرى إيفان كارامازوف أنّ الإنسان لا يستطيع أن يحبّ إنساناً معيناً، إلا إذا بقي هذا الإنسان مختفياً عن نظر المحبّ فمتى لمح وجهه اختفى الحب، ولقد ردّد الفكرة ذاتها الأب زوسيما.

لأنّ وجه الإنسان يخلق حاجزاً، في كثير من الأحيان دون الحب. ومع ذلك فإنّ في الإنسانية كثيراً من المحبة.

ويمكن للمرء أن يحبّ الأطفال، فهم لم يأكلوا تفاحة الخير والشر، وبراءتهم سليمة لم يمسها سوء، ومن الظلم أن يعذب الأطفال عن ذنبٍ اقترفه غيرهم. ويحبّ إيفان كارامازوف الأطفال، وحتى القساة يحبّون الأطفال، لأنّ طبيعة الأطفال تختلف عن طبيعة الكبار اختلافاً عظيماً. ولذلك يندد إيفان بتعذيب الأطفال، فيروي إيفان قصصاً عن تعذيب الأطفال تفوق الخيال، مثلاً أن بعض الدول، عندما تحتل أرض الغير، تعمد إلى تعذيب أطفال الشعوب المستعمرة، مثلاً أنهم تارةً ينتزعون بالخناجر صغاراً من أرحام أمهاتهم، وتارةً أخرى يرمون رضعاً إلى فوق ويتلقفونهم بالحراب، على مرأى من أمهاتهم، اللواتي يعد حضورهن أهم عنصرٍ من عناصر هذه المتعة.

ولقد حفظت ذاكرة إيفان مشهداً: أم ترتجف جزعاً وهلعاً وفي يديها ابنها، والآخرون يلاعبونه، ثم يتناول أحدهم مسدساً، ويظنه الطفل لعبةً، فيضغط الغريب على الزناد ويهشّم جمجمة الصبي. فالإنسان الذي خلق الشيطان، قد خلقه على صورته، كما خلق اللّه أيضاً على صورته، يستخلص إيفان أنّ الإنسان يجمع التناقضات ويتصف بالرحمة والقسوة.

فإذا كان الأطفال أبرياء، لذلك يجب العطف عليهم فكذلك المخلوقات الأخرى تستحق العطف.

ويذكر إيفان قصيدة للشاعر الروسي الشهير نيكولاي نكراسوف
(1821-1878) نشرها في عام 1859 بعنوان "قبيل الغسق" كيف أنّ فلاحاً ضرب حصانه ضرباً مبرحاً. هناك أشخاص يسكرون من الضربات التي يكيلونها، ويبلغون من النشوة بها حد اللذة الجسدية ويتمتعون بالضرب تمتعاً وحشياً متزايداً.

ويثور إيفان كارامازوف ضد الظلم، ويختار أمثلته من قصص ظلم الإنسان للأطفال لكي يكون برهانه أكثر إقناعاً.

ولكنه يرى أنّ الأرض تتبلل من قشرتها إلى وسطها بالدموع الإنسانية. فلقد أعطى اللّه للإنسان الجنة إلاّ أنّ الأخير آثر أن ينال حريته، وسرق النار من السماء، وهو يعلم أنّه ي*** لنفسه الشرور.

ويرى إيفان ضرورة معاقبة الظالمين، ويجب أن يحل العقاب بالظالمين ليس في الحياة الأبدية وإنّما في الحياة الدنيا.

ويذكر إيفان بعض الحوادث عن أبوين عذبا طفلتهما أو طفلهما، وبعد ذلك يسرد قصة قرأها في مجلة "الأرشيف" وقعت هذه القصة في بداية القرن الثامن عشر، في أحلك عهود القنانة، التي خلص روسيا منها القيصر ألكسندر الثاني (1818-1881) الملقب بمحرر الشعب لأنّه ألغى القنانة في 19 شباط 1861، وتتحدث القصة عن جنرال له علاقات رفيعة ويملك أطياناً واسعة. ويملك قرية يعيش فيها ألفين من الأقنان، ويملك بضع مئات من كلاب الصيد ، لها ما يقرب من مئة خادم يجرون وراءها على خيولهم.

في يوم من الأيام كان قن صغير، هو صبي في الثامنة من عمره يتسلى برمي الحجارة فإذا هو يصيب بإحداها سهواً وغفلةً، الكلب الأثير لدى الجنرال، يسأل الجنرال مستطلعاً: لماذا يعرج هذا الكلب؟ فقيل له إنّه جرح بحصى رماها ذلك الصبي فأمر الجنرال بحبس الصبي، وانتزاعه من أمّه، وألقى بالصبي في زنزانةٍ مظلمةٍ طوال الليل. وفي اليوم التالي أخرج الصبي من زنزانته، وأمر الكلاب بتمزيق جسد الطفل على مرأى من والدته.

ويرى إيفان أنّ عذاب جنهم غير كافٍ لمثل هذا الجنرال ولا يجوز أن تسامح والدة الطفل الجنرال في يوم من الأيام.

ويطرح إيفان على أخيه ألكسي سؤالاً: "لو كنت مهندس المصائر الإنسانية وأحببت أن تبني عالماً تجد فيه الإنسانية السعادة والهدوء والأمن أخيراً، أفتشرع في هذا العمل إذا علمت أنّه لن يتحقق إلا إذا كان العذاب ثمنه، ولو لم يكن إلا عذاب واحد صغير... لو كان ذلك ضرورةً لا مناص منها، لا يمكن أن يتحقق الهدف بدونها، أفتظل توافق على أن تكون مهندس الكون في تلك الشروط؟"(13).

ويؤلف إيفان قصيدة "المفتش الأكبر" ويسردها على أخيه ألكسي ويقول إيفان إنّ قصائد كثيرةً كتبت مثل قصيدته، حيث يظهر فيها يسوع أو العذراء، كتبت مثل هذه القصائد في روسيا، وفرنسا ولقد وصف الروائي الفرنسي فيكتور هيجو في روايته "أحدب نوتردام" إحدى هذه التمثيليات.

تجري أحداث قصيدة "المفتش الأكبر" في إسبانيا، في مدينة إشبيليا في أحلك عصور التفتيش في القرن السادس عشر، عندما كان المفتش الأكبر يأمر بحرق مئات الخارجين عن طاعة الكنيسة. وفجأة يظهر السيّد المسيح ويشفي المرضى، ويبعث الموتى. إلا أنّ المفتش الأكبر يأمر بسجنه، ويسجنه، ويأتي يزوره في زنزانته في ظلمة الليل ويسأله عن التجارب الثلاث التي جرب بها الشيطان السيّد المسيح وطلب الشيطان في التجربة الأولى من السيّد المسيح تحويل الحجر إلى خبزٍ، فرفض السيّد المسيح وأجابه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.

المعجزة الثانية "إذا أردت أن تتأكد أنّك ابن الرب، فألق بنفسك في الفضاء، لأنّه كتب بأن الملائكة ستتلقفه وتسنده، فلا يقع ولا يتحطم، وعندئذ تعلم أنّك ابن اللّه، وتبرهن على قوة إيمانك بأبيك".

أما المعجزة الثالثة، أو التجربة الثالثة التي عرضها الشيطان على السيّد المسيح، والتي رفض بها السيد المسيح ممالك الأرض كلّها.
موضوع الآباء والبنين في الكتب الثلاثة:

Eng.Jordan
02-03-2012, 02:35 PM
موضوع الآباء والبنين في الكتب الثلاثة:
يقرر إيفان كارامازوف السفر إلى قرية والده "تشرماشينا" ولكنه عندما وصل إلى المحطة قرر أن يسافر بالقطار إلى موسكو، وبذلك لم يسافر إلى تشرماشينا.
تشرماشينا هي قرية والد دوستيفسكي، الذي كان يعمل طبيباً في موسكو في مشفى للفقراء، حيث ولد دوستيفسكي نفسه في عام 1821. واستطاع والده بعد خدمةٍ طويلة في المشفى أن يجني ثمن قرية تشرماشينا واشتراها، ولكنه كان ذا طبع صعب، فقتله فلاحوه في عام 1839 أيّ عندما بلغ عمر دوستيفسكي ثمانية عشر عاماً وبعد وفاة والدة دوستيفسكي بعامين إذ توفيت والدته في عام1837.
ولم تعرض قضية والده على القضاء لتجنب النفقات المادية، ولمحاولة نسيان القضية المؤلمة، وقد سبب هذا الحادث لدوستيفسكي آلاماً نفسية شديدةً و "هناك رأي يؤكد أن نبأ مقتل أبيه قد أحدث عنده أولى نوبات الصرع التي رافقت الأديب حتى وفاته" (15) .
قد يكون هذا الرأي صحيحاً، ولكن السنوات العشر التي قضاها دوستيفسكي في الأعمال الشاقة في سيبيريا كان لها أثرها أيضاً في إصابته بمرض الصرع.
فكما هو معروف، لقد انضم دوستيفسكي في عام 1847 إلى منظمةٍ اشتراكيةٍ تدعى منظمة بتراشيفسكي، نسبةً إلى رئيس المنظمة. وكان الكاتب قد بدأ يشق طريقه في عالم الأدب، فلقد صدرت روايته الأولى "الفقراء في عام 1846 وقد لاقت استحسان كبير النقاد الروس آنذاك بيلينسكي (1811-1848)، الذي عندما قرأ مخطوط الرواية قال لدوستيفسكي بأنّه سترى روسيا كتاباً كثيرين، إلا أنّها ستنسى معظمهم، أمّا أنت فلن تنساك روسيا أبداً.
وبسبب انتمائه إلى منظمة بتراشيفسكي الاشتراكية، اعتقل الكاتب في عام 1849 وحكم عليه وعلى رفاقه بالإعدام رمياً بالرصاص، وفي اللحظات الأخيرة من مراسم تنفيذ الإعدام يستبدل القيصر نيكولاي الأول الحكم بالنفي مع الأعمال الشاقة إلى سيبيريا. ويبدو أنّ للأعمال الشاقة في سيبيريا تأثيراً كبيراً على تطور الحالة المرضية لدى الكاتب. فكان مريضاً بمرض الصرع. وهو المرض نفسه الذي كان مصاباً به سمير دياكوف، أحد أبناء كارامازوف وهو الابن اللاشرعي، الذي قام فيما بعد بقتل والده، لإيمانه بأفكار أخيه إيفان كارامازوف حول إباحية كلّ شيء مادام اللّه غير موجود. وبالتالي مباح قتل الابن لأبيه.
فأقدم على هذه الجريمة، وسرق ثلاثة آلاف روبل، كان والده فيدور كارامازوف قد خبأها خلف صورة العذراء، لفتاة اسمها غروشنكا، سيقدم لها هذه النقود في حال زيارتها له.
سمير دياكوف وأوديب الملك:
وموضوع قتل الابن لأبيه، موضوع قديم في الأدب العالمي، لعل الشاعر اليوناني سوفوكليس (496-406ق.م) أول من طرح هذا الموضوع في مأساته الشهيرة "أوديب الملك".
تتحدث المأساة عن الملك لايوس، ملك طيبة، الذي لم يرزق أطفالاً خلال فترة طويلة من الزمن. فذهب إلى الكاهن، فقال له الكاهن: "ستنجب طفلاً يقتلك، ويتزوج أمّه". وعندما رزقه اللّه طفلاً، أمر الملك لايوس، ملك طيبة راعياً من الرعاة، أن يأخذ الطفل إلى جبلٍ بعيدٍ، كي يموت الطفل هناك، أو يفترسه وحش. ولكن الراعي أشفق على الطفل وأسلمه لراعٍ آخر من مملكة كورنته، وكما يقول الراعي مخاطباً أوديب الملك: "الراعي: بل هي الحقيقة... وفي مقدورك أن تسأل الملكة "جوكاستا".... فقد كان كلّ شيء في حضورها وبعلمها... لقد دفعوا إليّ بالطفل لأهلكه، ولكن قلبي لم يجرؤ على إهلاكه.. وسلمته إلى هذا الرجل..." (16) .
وقام الراعي الآخر وسلمه بدوره إلى الملك يوليبوس ملك مملكة كورنته، المحروم من البنين، فرباه وهيأه لولاية عهده.
وعندما كبر أوديب أنبأته العرافة بأنّه سيقتل والده ويتزوج أمّه، ولكي يهرب من قدره، هرب من مملكة كورنته متوجهاً إلى مملكة طيبة، وهو لايعلم أنّه متوجه إلى والده، ووالدته الحقيقيين، وأنّه متوجه إلى وطنه الحقيقي.
ويلتقي في الطريق رجلاً، معه خمسة من أتباعه، ومعه أيضاً سائق العربة، أيّ أنّ عدد مرافقيه ستة إضافة إليه، وكان هذا الرجل هو الملك لايوس ملك طبية، دون أن يعلم. ويختلف أوديب معه حول من الذي سيعبر الطريق أولاً، فيقتله أوديب بالهراوة، ويقتل خمسةً من أتباعه، ويستطيع واحد فقط من أتباع الملك لايوس الهرب، وكان هذا المرافق الذي هرب هو ذلك الراعي الذي حمل أوديب طفلاً إلى الجبل ليتركه هناك.
ويدخل أوديب مدينة طيبة، فيجد أهلها في فزعٍ من وحشٍ له جسم أسدٍ وجناحا نسرٍ ووجه امرأةٍ. أيّ أنّ هذا الوحش يجمع في ذاته أجمل وأقوى مافي المخلوقات وجه المرأة وجسم الأسد وجناحي النسر.
يطرح هذا الوجه الغريب على أدويب اللغز، الذي يطرحه على الناس كلّهم:
"إليك سؤالاً.. إذا عجزت عن جوابه فإني افترسك: ماهو الحيوان الذي يعيش في الصباح على أربع، وفي الظهر على اثنين، وفي المساء على ثلاث؟...." (17) .
ويحل أوديب اللغز، بأنّ الإنسان هو الذي في الصغر يحبو على يديه وقدميه، وفي الكبر يستوي ماشياً على قدميه، ويتوكأ على العصا شيخاً.
الجواب واضح، إلا أنّ معظم الناس لا يرون أنفسهم ولذلك عجزوا عن حل اللغز، ووقعوا ضحية الوحش، أما أوديب الباحث عن ذاته فحل اللغز وأخرس الوحش، وقتله وألقى به في البحر. ودخل مدينة طيبة، التي استقبلته، وأجلسته على عرشها، ومنحته يد ملكتها. دون أن يدري أحد أنّه يتزوج والدته. وينجب منها نسلاً جميلاً، أنجب منها طفلين وطفلتين، كانت انتيغونا إحداهن. وعاش أوديب مع زوجته جوكاستا أمه سابقاً قرابة سبعة عشر عاماً حياةً سعيدةً، حتى كانت تظن إنّها فعلت خيراً بأنّها ألقت بابنها الأول على الجبل لأنّه لو كان مازال على قيد الحياة لنغص عليها حياتها مع أوديب، دون أن تدري أنّ ابنها عاد إليها زوجاً.
تغضب الآلهة على المدينة، وتصيبها بوباء الطاعون وأخذ الموت يطيح بالقطعان في المراعي، ويبطش بالأطفال في المهود، ويحصد الأرواح ويثير الدمار.
ويرى الكاهن أنّ الخلاص في الرجوع إلى الإله. ويذهب الكاهن مع كريون، وهو أخو الملكة جوكاستا إلى معبد "دلف" لمعرفة سبب الوباء. ويعرف الكاهن أنّ الوباء لن يزول ما لم يعرف من قتل الملك لايوس. ويطلب من الملك أوديب معرفة القاتل.
ويكتشف أوديب من أقوال الراعي الذي حمله طفلاً من طيبة والراعي الذي حمله إلى كورنته أنّه هو ابن جوكاستا ولايوس وأنّه هو القاتل. وأنّ أولاده الأربعة هم في الوقت ذاته أخوته من أمّه وأنّ زوجته هي أمّه ذاتها.
خنقت جوكاستا نفسها، وفقأ أوديب عينيه لكي لا يرى الناس وثمرات زواجه من أمّه ولكي يبكي جوكاستا بدموع من دم.
ويقول أوديب ".... أنا سليل أمٍ دنسةٍ، وأنا أب لأخوتي" (18) ويقول أيضاً مخاطباً ابنتيه بعد أن فقأ عينيه: "وكذلك أخرجتكما من الأحشاء التي خرجت منها، وإني لأبكي عليكما، بعد أن حيل بيني وبين رؤيتكما، أبكي عليكما، حين أقدّر كلّ الآلام المرة التي يجب أن تلقياها طوال حياتكما من الناس... وإذن فأي الناس يستطيع أن يتزوجكما؟ لن يتزوجكما أحد يابنتي، إلى أن تفنيا حياتكما في العقم والوحدة" (19) .
وهام أوديب على وجهه. وبذلك لا ينجو أوديب والداه من القدر. ويقدم أوديب على أكثر من جريمة دون قصدٍ أو عمدٍ أو دون أن يدري، الأولى قتل الوالد والثانية الزنى في الوالدة والثالثة التسبب في العار والذل لذريته.
وقد يكون الملك لايوس والملكة قد ارتكبا جريمةً كبرى عندما قررا قتل ولدهما أوديب لكي ينجوا من قدرهما، وبذلك قد يستحقا الموت.
أما أوديب فما هي جريمته؟ لماذا كان هذا هو قدره؟ أرى أنّ الإثم الذي اقترفه أوديب هو محاولته البحث عن الحقيقة ولذلك أنزل من عرشه بعد أن عرف الحقيقة وأمضى بقية حياته في الشقاء.
فهو بذلك، أيّ في هذه النقطة فقط يشبه آدم الذي أكل من تفاحة المعرفة، فحرم من الفردوس وأخذ يأكل خبزه بعرق جبينه. ولكن آدم لم يستطع أن يفعل إلا ذلك وكذلك أوديب لأنّ حبّ المعرفة موجود في دمهما، وسيبحثان عن الحقيقة والمعرفة حتى ولو كلفهما ذلك فقدان الفردوس أو الحياة الهادئة السعيدة وهذا ماحصل لهما.
والصراع في المأساة الآنفة الذكر بين حكم القدر وبين محاولات الإنسان التغلب على قدره، وكما نرى في هذه المأساة، للقدر سلطان ساحق على الإنسان. تتحول به انتصارات المرء إلى هزائم، وهزائمه إلى انتصارات.
رأي أرسطو في مأساة "أدويب الملك".
يرى الفيلسوف الإغريقي المعروف أرسطو (384-322ق.م) في كتابه "في الشعر" وهو من الكتب الأولى في النقد الأدبي أنّ موضوع مأساة "أوديب الملك" هو سلطان القدر على الإنسان واعتبر أرسطو الشاعر سوفوكليس عملاقاً في مجال الشعر المسرحي (20) .
رأي فرويد في مأساة "أوديب الملك"
أعتقد أن رأي أرسطو (384-322ق.م) سليم إلاّ أن رأي عالم النفس المعروف فرويد، مغاير لهذا الرأي. ففي الفصل الخامس من كتابه "تفسير الأحلام" الذي صدر في عام 1900 باللغة الألمانية والذي صدرت الطبعة الأولى منه باللغة العربية في 1958 يعارض فرويد الرأي السائد بأنّ مأساة "أوديب الملك" هي من مأساويات القدر.
يرى عالم النفس المذكور أن مأساةٍ أوديب ملكاً تهزّ اليوم معاصرينا مثلما هزّت من عاصرها من الإغريق. فلا تفسير لذلك إلا أنّ وقعها لا يقوم على ما بين القدر وإرادة الإنسان من التضاد، وإنّما ينبغي علينا أن نلتمس سر هذا الواقع في طبيعة المادة التي تشخص بها هذا التضاد.. فما يحركنا مصيره إلا لأنّه مصير قد كان يمكن أن يصير إليه، لأن النبوءة قد صبت علينا، ولما نولد، تلك الدعوة التي صبت عليه، فلقد قدر علينا أجمعين أن نتجه بأول نزوعنا الجنسي جهة الأم بأول البغضاء ورغبة الدمار جهة الأب. وأحلامنا تقنعنا بأنّ الأمر كذلك"(21) .
وذكر فرويد عبارة من نص مأساة سوفوكليس إذ تقول الملكة جوكاستا لابنها الملك أوديب محاولة التخفيف من ألمه: "والخير في أن يستسلم الإنسان للحظ ما استطاع، أمّا أنت فلا تخف من فكرة الاقتران بأمّك، فكثير من الناس من ضاجعوا أمهّاتهم في أحلامهم، ولكن يسهل عبء العيش لمن لم يلق إلى ذلك بالاً"(22) .
ولقد عبّر فرويد عن آرائه المذكورة في رسائله إلى أحد أصدقائه في عام 1897، أيّ قبل صدور كتابه "تفسير الأحلام" بثلاث سنوات" كما يشير جان ستاروبنسكي في كتابه "النقد والأدب"(23) إذ يرى فرويد أن هذا الشعور تجاه الأم يظهر لدى الطفل عندما يبلغ الثانية أو الثانية والنصف من عمره. ويرى أنّ الأسطورة الإغريقية المذكورة عالجت غريزة، يعترف بها الناس كلّهم، لأنّهم احسّوا بها في قرارة أنفسهم وكلّ من رأى المأساة كان قد شب في يوم من الأيام على عاطفة أوديب، أو أنّها اختلجت في خاطره وخياله، ولذلك يعتريه الجزع حين يرى هواجسه الخفية، تنتقل إلى حيز الواقع، ويتم تنفيذها.
ولكن النقد الأدبي يرفض فكرة فرويد، وهذا المسرحي توفيق الحكيم يرد عليه، ويفهم أنّ مأساة أوديب في بحثه عن الحقيقة، وفي خروجه عن النظام العام، فهو ترك مدينة كورنته باحثاً عن الحقيقة(24) .
فهم فرويد بعض المسائل الأدبية من وجهة نظر علم النفس، مركزاً اهتمامه على نقطتين:
1-تأثير الدوافع الجنسية في تصرفات الإنسان.
2-تأثير الجانب اللاشعوري على حياة الفرد.
وبكلمة أخرى حاول فرويد تصوير الإنسان، كما هو، أي بلا مكياج، فتناول بعض الأعمال الأدبية مثل "هملت" (1601) لشكسبير (1564-1616) وكذلك الأخوة كارامازوف "للروائي الروسي دوستيفسكي (1821-1881) .
موضوع الآباء والبنين في مأساة هاملت:
إنّ جانباً من جوانب مأساة أوديب أنّه ولد من أمّ خانت زوجها المقتول مع أقرب الناس إليه دون أن تعلم ذلك. أمّا أحد جوانب مأساة هاملت أنّه ولد من أمّ خانت زوجها مع أقرب الناس إليه مع أخيه ولكن الفرق أنّ والدة هاملت كانت تعرف أنّها خائنة، فلقد خانت زوجها وهو على قيد الحياة، وبعد قتله تزوجت من أخيه، الذي قتله بسم دسّه في أذنه، وتولى العرش بعده، وتزوج الملكة. وزعم أنّ الملك مات بسبب لسعة ثعبان، وهو نائم.
تبدأ مأساة "هاملت" 1601 بأنّ طيف والده المقتول أخذ يظهر للحرس في منتصف الليل. في إحدى المرات ظهر للحرس عندما كان هاملت معهم فيقول الطيف لهاملت كيف قتل: "... ذلك الوحش الفاسد.. تصيد قلب مليكتي، وأنزلها على حكم شهوته، مع ما كان يبدو عليها من الأمانة.. وأندس عمك في خلوتي، ساعة أمني وراحتي، وبيده قارورة.. أفرغ منها سماً زعافاً في أذني.. ذلك ما أصابني في نومي بيد أخي فحرمت حياتي، وتاجي، ومليكتي، وقضيت نحبي"(25) .
ويقسم هاملت لطيف والده بأنّه سيأخذ بثأره، ولكنه يقتل في البداية بولونيوس رئيس الديوان الملكي لأنّه تصنت على حديثه.
وفي نهاية المأساة أثناء مبارزة هاملت مع لايرتس بن بولونيوس، تموت الملكة- والدة هاملت مسمومةً إذ تشرب من كأسٍ مسموم أعده الملك لهاملت، كما أنّ هاملت يجرح بسيف لايرتس المسموم ويتبادلان السيوف فيجرح هاملت لايرتس بالسيف ذاته، ويكشف لايرتس أنّ الملك هو المجرم الحقيقي فيقتل هاملت عمه الملك بالسيف المسموم.
كم من شخصٍ قتل في هذه المأساة: وأكثرهم مات مسموماً الملك الأول والملك القاتل والملكة وهاملت ولايرتس كلهّم ماتوا بالسّم. بدأت المأساة بقتل الملك، وانتهت بقتل الملك القاتل.
كتب حول مأساة "هاملت" الكثير وسيكتب الكثير، وقد تكون الأعمال النقدية التي تتناول المؤلفات الأدبية متنوعة ومختلفة ومتناقضة أحياناً، فنظرة الناس إلى الحياة متنوعة ومختلفة ومتناقضة، وفي الوقت ذاته تجد كلّ نظرة لنفسها المبررات الكافية، ومن الأعمال النقدية الهامة حول مأساة "هاملت" تلك التي كتبها الروائي الروسي إيفان تورغينيف (1818 -1883) بعنوان "هاملت ودونكيشوت" إذ يقارن بها بين هاتين الشخصيتين، ويرى أنّ هذين العملين هاملت ودونكيشوت صدرا في العام ذاته في 1601 وأنّ مؤلفيهما توفيا في يوم واحد في 26 نيسان عام 1616 ويقول إيفان تورغينيف:
"رأينا في هذين النموذجين تجسيداً لطبيعتين إنسانيتين متناقضتين تناقضاً جذرياً، إنّهما نهايتان لمحور واحد، تدوران حوله. ورأينا أنّ كلّ إنسان ينتهي بنسبةٍ أو بأخرى إلى واحد من هذين النموذجين، بحيث أنّ كلّ واحدٍ منا إمّا يشبه دون-كيشوت، وإمّا يشبه هاملت".(26) .
ويرى الكاتب الروسي المذكور أنّ دونكيشوت يمثل الناس الذين يعيشون لغيرهم، في حين يمثل هاملت الإنسان الأناني الذي يعيش لنفسه فقط، ويظن أنّ الناس كلّهم خلقوا لتلبية حاجاته، ولا توجد لدى هؤلاء الناس متطلبات خاصة بهم. وعلى عكس ذلك الشخصية التي أبدعها الكاتب الإسباني ميخائيل سيرفانتس.
رأي فرويد في مأساة هاملت:
ومن بين وجهات النظر الهامة تلك التي جاء بها عالم النفس فرويد، الذي يرى أنّ مأساة هاملت تضرب جذورها في ذات التربة التي تضرب بها مأساة أوديب الملك فمأساة هاملت تقوم على تردد هاملت، فهو لا ينفذ المهمة الموكلة إليه مباشرة.
ويرد فرويد على وجهة نظر الشاعر الألماني غوته 1749-1832 الذي رأى أنّ هاملت يمثل ذلك النموذج من الرجال الذين شلت عندهم القدرة على العمل مباشرة: شلها نمو العقل نمواً مفرطاً ولكن فرويد يرى أنّ هاملت ليس مشلول الحركة، فلقد استطاع قتل بولونيوس لأنه تنصت عليه، وكذلك استطاع أن يرسل برجلين من رجال البلاط بمكرٍ وخبث إلى الهلاك. فما الذي يمنعه من تنفيذ المهمة التي طلبها منه طيف أبيه؟
يرى فرويد أنّ هاملت يستطيع أن يقوم بأي عمل إلا أن يثأر من الرجل الذي أزاح أباه واحتل مكانته عند أمّه. الرجل الذي يريه- إذن- رغباته الطفولية وقد تحققت"(27) ويشير فرويد في كتابه "تفسير الأحلام"(1900) إلى نقطة هامة وهي أنّ والد شكسبير مات في العام نفسه الذي كتب فيه شكسبير هاملت، أي في عام 1601. ويرى فرويد أنّ أحد أسباب تلكؤ هاملت أنّه يعلم في قرارة نفسه أنّه ليس أفضل حالاً من ذلك الرجل الذي تجب معاقبته، لأنّ عم هاملت اقترف الإثم الذي كان يريد هاملت نفسه أن يقترفه، ولذلك فإنّ إدانة هاملت لعمه إدانة ضعيفة، ويكرر فرويد رأيه الآنف الذكر في كتابه "المدخل إلى التحليل النفسي" الصادر في عام 1916 وفي رسائله لأصدقائه.
وكذلك في سيرته الذاتية الصادرة في عام 1925. وأغرب ما في الأمر أنّ فرويد في نهاية حياته يأخذ بفرضية الناقد لوني، القائلة بأنّ الكاتب الحقيقي للمسرحيات المنسوبة إلى شكسبير قد يكون إدوار دوفير أمير اكسفورد، وبذلك فهو ينسف نظريته السابقة، والتي تستند على أنّ شكسبير كتب هاملت في عام 1601 أيّ في العام نفسه الذي توفي فيه والده، لأنّه بدأ يشكك في أن شكسبير لا علاقة له بمأساة هاملت لأنّها كتبت بقلم غير قلم شكسبير.
صحيح أنّ فرويد تعرض لفكرة أن المسرحيات المنسوبة إلى شكسبير هي من تأليف كاتب آخر ولكنه بوجه عام لا يؤمن بهذه الفكرة، لأنّه على مدى عشرات السنوات كتب حول مأساة "هاملت" وذكر أنّها لشكسبير، وعاد في عام 1938 فترك لنا كتاباً بعنوان "معالم التحليل النفسي".
ويكتب فرويد 1856-1939 كتاباً بعنوان ليوناردودافنشي
(1452-1519) الذي لم يعترف به أبوه لأنّه ابن غير شرعي له من فلاحة فتزوج أبوه فتاة تنتمي لعائلة محترمة ولكنه لم ينجب منها أطفالاً، فعاد وطالب بابنه اللاشرعي وانتزعه من أمّه، بعد أن تخلى عنه مدة خمس سنوات.
أحبّ ليوناردو دافنشي والدته حبّاً لا مثيل له حتى أنّه رفض الزواج أو إقامة أيّة علاقة عاطفية مع أيّة امرأة وعبّر عن عاطفته تجاه أمّه في لوحاته الكثيرة. إن المعلومات التي جمعها فرويد حول الرسام الإيطالي العظيم ليوناردو دافنشي صحيحة، ولكن الاستنتاجات غير صحيحة، لأنّ ليوناردوا دافنشي شغله الفن عن الزواج ولم تشغله قصته الشخصية أنّه ابن غير شرعي.
موضوع الأب وأبنائه في رواية "الأخوة كارامازوف "1880 لدوستيفسكي 1821-1881.
شخصية الأب:
إن الأب في رواية الأخوةٍ كارامازوف "شخصية فاسدة. ويكرّس دوستيفسكي الفصل الأول من هذه الرواية حول شخصية الأب الفاسدة "فيدور كارامازوف "ويقول إنّه كان إنساناً عجيباً، وينتمي إلى ذلك النوع من الأفراد الشاذين يجمع بين طبيعة منحطة ولكن هذه الطبيعة المنحطة لا تمنعه من تصريف أعماله المادية تصريفاً جيداً، لا يعوزه الذكاء والدهاء والمكر، فلقد ترك بعد وفاته مئة ألف روبل.
تزوج مرتين، وأنجب ثلاثة أبناء. واسم ابنه الأكبر ديمتري، وهو من زوجته الأولى. وأنجب من زوجته الثانية ابنين هما إيفان وألكسي. كانت زوجته الأولى غنية وتنتمي إلى أسرة نبيلة. ومن الصعب الإجابة عن سؤال: لماذا قبلت به زوجته الأولى. أمّا بالنسبة له فإن زواجه من إنسانة غنية كان فرصة العمر التي خلصته من الفقر. ولكنه لم يحبّها، وكان لديه الاستعداد، لأن يلهث وراء أيّة امرأةٍ، لأنّه شهواني، إلا زوجته فإنّه لم يحبها.
استطاع أن يحتال على زوجته، وأن ينقل ممتلكاتها كلّها إلى اسمه، وعاملها معاملة سيئة فهربت منه إلى العاصمة حيث ماتت إمّا بسبب المرض وإمّا بسبب الجوع تاركة له الطفل (ميتيا) الذي يبلغ عمره ثلاث سنوات.
نسي فيدور كارامازوف أنّ لديه ابناً نسياناً تاماً فاهتم بأمر الطفل الخادم غريغوري، وبعد ذلك أخذ أحد أقرباء الصبي من جهة أمّه تربيته على عاتقه، وبعد ذلك تولت تربيته امرأة أخرى، بسبب سفر المربي الأول ميوسوف إلى باريس، أما والده فلم يره إلا بعد بلوغ الصبي سن الرشد.
وتزوج فيدور كارامازوف من فتاةٍ صغيرة السن لا يزيد عمرها عن ستة عشر عاماً، وقبلته لأنّها يتيمة وتريد أن تتخلص من الأسرة التي تعيش في كنفها، وعاش مع زوجته الثانية قرابة ثماني سنوات، وأنجب منها طفلين الأول إيفان والثاني ألكسي.
وأخذ فيدور كارامازوف يستغل زوجته الثانية أبشع استغلال، إذ كان يمارس الفجور على مرأى منها، ماتت زوجة فيدور كارامازوف الثانية، وربى الخادم الطفلين، إلى أن ظهرت امرأة محسنة أخذتهما إليها.
وكان فيدور كارامازوف وهو في حالة سكر قد ضاجع امرأة خرساء، وحملت منه ابنه سميردياكوف الذي عاش عند والده ولكن بصفة خادم. فكانت هذه المرأة والدة سميردياكوف تمشي شبه عارية في شوارع المدينة وتنام على الأرصفة، وكانت تتبرع بما تحصل عليه من تبرعات إلى الكنسية أو إلى صندوق السجن وكان غذاؤها الوحيد الماء والخبز الأسود، وكانت لا تعرف السرقة ولقد عرف أهالي المدينة أنّ والد سميردياكوف إنّما هو فيدور كارامازوف.
وماتت والدة سميردياكوف بعد أن ولدته مباشرة:
عاش سميردياكوف مع أخوته، وكان غريب الأطوار ومصاباً بمرض الصرع، المرض نفسه، الذي كان مصاباً به دوستيفسكي. وآمن بأفكار أخيه إيفان الملحدة، وكان يردد ما دام اللّه غير موجود فكلّ شيء مباح.
وأراد قتل والده، وكان يأمل أن يقوم بهذا العمل أخوه ديمتري، إلا أنّ ديمتري تردد في اللحظة الأخيرة، ولم يقدم على هذا العمل القذر، فأقدم سميردياكوف، وقتل والده، وسرق منه ثلاثة آلاف روبل، وأصيب بنوبة صرع، وبعد ذلك اعترف لأخيه إيفان بجريمته، وشنق نفسه، دون أن يترك ورقة تثبت أنّه المجرم والسارق.
ولكن القضاء اتهم ديمتري بأنّه القاتل وحكم عليه بالأعمال الشاقة. إن هذا الأب الفاجر الذي لا يتصف بصفةٍ واحدة تجعله شخصاً محبوباً، يستحق الموت، بلا أدنى شكٍ. ولكن من الذي يقدم على قتله؟ إنّ دوستيفسكي ذلك الفنان العبقري جعل ابنه اللاشرعي يقدم على قتله. فأقدم سميردياكوف على قتل أبيه، حين أحجم ديمتري. ولقد قدم دوستيفسكي التبريرات الكافية لقتل العجوز فهو فاسق ضار، يعيش للذة والفساد، ولا فائدة ترجى منه، حتى لأقرب الناس إليه، حتى لأبنائه. وعاش في كنفه ابنه اللاشرعي سميردياكوف بصفة خادم، وهو يعلم أنّ هذا هو أبوه وأنّ ديمتري وإيفان وألكسي أخوته، ويعمل لدى أبيه وأخوته خادماً. ولذلك يحقد على المجتمع وعلى أسرته. فالتناقض في وضعه واضح فهو من جهة ابن وأخ ومن جهة أخرى خادم لأبيه ولأخوته، ولا يجرؤ على أن يصرح لأخوته ولأبيه بأنّه أخ وابن.
يعتنق أفكار أخيه إيفان لأنّها الأفكار الأكثر انسجاماً مع وضعه، لأنّها أفكار ثورية على الكون بكامله، وعلى خالق هذا الكون، وعلى النظام الاجتماعي القائم على التمييز والتفرقة والقهر. ولذلك فإنّه يتمنى أن يقوم ديمتري بقتل أبيه، ولكن عندما حاول ديمتري تنفيذ جريمته وتراجع في اللحظة الأخيرة أقدم هو ونفذ الجريمة إلا أنّه مرض بعد ذلك، وشنق نفسه.
مات ميتة بشعةً، وكذلك مات فيدور كارامازوف ميتةً بشعة. حاول أحد أبنائه قتله، وتمنى ابنه إيفان موته، لأنّه بالفعل قام بأعمال يستحق عليها عقوبة الموت فمات كما يموت الأبطال الأشرار في روايات دوستيفسكي، أمّا الأبطال الأبرار فإنّم يموتون ميتةً جميلةً، وقد يستغرب المرء هل هناك ميتة جميلة وأخرى قبيحة. فالموت في كلّ الأحوال قبيح. ولكن عند دوستيفسكي يميت الأبطال الأبرار وكأنهم نائمون، لا بشاعة في موتهم، فمثلاً "الوديعة" في قصة "الوديعة" ماتت وكأنّها نائمة، وكذلك ماتت إحدى بطلات رواية "الأبله" 1868 واسمها ناستاسيا فيليبوفنا فعلى الرغم من أنّها ماتت مقتولة بيد راغوجين إلاّ أنّها لم تنزف أكثر من ملعقة دمٍ واحدةٍ. لأنّها أصيبت بنزيفٍ داخلي، لأنّ دوستيفسكي أراد ألا يكون موتها بشعاً.
ولقد صوّر دوستيفسكي في رواياته السابقة مثل هذه الشخصية فعلى سبيل المثال، يصوّر مثل هذه الشخصية في رواية "الجريمة والعقاب" التي صدرت في عام 1866.
إنّ شخصية العجوز المرابية في الرواية الآنفة الذكر شبيهة بشخصية فيدور كارامازوف في رواية "الأخوة كارامازوف "فهي مرابية، والربا محّرم ومكروه في الديانات السماوية والتشريعات الأرضية، وتستغل العجوز المرابية الناس كلّهم، حتى أختها، ولا يوجد لديها وريث ولقد أوصت بأموالها كلّها لأحد الأديرة من أجل الصلوات الدائمة على روحها. إنّها عجوز غبية سخيفة شريرة خبيثة مريضة، لا قيمة لها، ولا فائدة منها لأحد، بل هي ضارة لجميع الناس، ولا تعرف لحياتها هدفاً.
إن العجوز في رواية "الجريمة والعقاب" وفيدور كارامازوف في رواية "الأخوة كارامازوف" يمثلون النظام القديم الفاسد الذي يجب أن ينتهي.
ولقد كتب حول شخصية فيدور كارامازوف الناقد الروسي ستيبانوف: "لقد فضح دوستيفسكي في شخصية فيدور كارامازوف النظام الاجتماعي القائم، لأنّه يجسّد القذارة والتعفن والفساد، الذي تراكم في المجتمع الروسي القائم على سلطة أصحاب الأموال. إنه دجال وكذاب وعاشق للملذات الجسدية، ووقح- هذه هي صفاته."(29) .
وتمثل ساعة قتل العجوز المرابية في رواية "الجريمة والعقاب" 1866 وساعة قتل فيدور كارامازوف في رواية "الأخوة كارامازوف" 1880، ساعة الصفر، أيّ ساعة القيام بالثورة على النظام الفاسد البغيض. وينفذ الثورة في رواية "الجريمة والعقاب" راسكو لنيكوف أيّ أنّه يجسّد الفكرة الثورية ويجسد أداتها. أمّا في رواية "الأخوة كارامازوف" فإنّ إيفان كارامازوف هو المفكر، هو صاحب الفكرة الثورية، أمّا الأداة التي نفذتها فكان سميردياكوف. كما أشرنا كان إيفان كارامازوف يتمنى موت والده الفاسد، وترك البيت عندما عرف أنّ والده في خطر، لكي يساعد في تنفيذ الجريمة، وابتعد كثيراً عن البيت فقرر أن يسافر إلى قرية تشرماشنيا (وهو اسم قرية والد دوستيفسكي الحقيقي) ولكنه استبدل قراره في أثناء الطريق بالسفر إلى موسكو، بقرار الابتعاد أكثر أثناء سفره لكي يفسح المجال لتنفيذ الجريمة.
ويقول دوستيفسكي في رواية "الأخوة كارامازوف" إن إيفان كارامازوف كان يكره سميردياكوف كرهاً شديداً. وذلك لأنّ سميردياكوف يؤمن بأفكار إيفان، إنّه الوجه الآخر لإيفان، إنّه أفكار إيفان المتجسدة في شخصه.
وكذلك يتمنى إيفان الموت لوالده لفساده، مع أنّ إيفان ووالده وسميردياكوف يؤمنون بأفكار واحدةٍ فهم يؤمنون بالعدم ولا يؤمنون بوجود خالق لهذا الكون، ولا يؤمنون بخلود الروح ويكرهون روسيا والفلاح الروسي والشعب الروسي.
ومع أنّ دوستيفسكي يدين أفكار إيفان، كما هو واضح من سير أحداث الرواية، إلا أنّ الكاتب العظيم يؤمن ببعض هذه الأفكار، مثلاً يؤمن بضرورة الدفاع عن الأطفال المظلومين، الذين دافع عنهم إيفان في حديثه مع أخيه الكسي، كما دافع عن المظلومين في روسيا وفي البلاد الأجنبية.
وكما أشار مكسيم غوركي 1868-1936 مؤسس المدرسة الواقعية الاشتراكية فإن "دوستيفسكي صوّر آلام الإنسان عبر قرون طويلة، آلام المظلومين والمقهورين والمذلين والمهانين ولذلك فإنّ عبقريته يمكن مقارنتها فقط بعبقرية الشاعر الانكليزي شكسبير."- قال مكسيم غوركي ذلك في المؤتمر الأول للكتّاب في الاتحاد السوفييتي(30) .
ومع هذا فإنّ دوستيفسكي يدين الجانب الإلحادي في فكر إيفان كارامازوف، ويرى أنّ جذور هذا الفكر هي جذور شيطانية، تمتد إلى تسعة عشر قرناً مضت، فالشيطان أبو الالحاد، وهو الصوت الآخر النقيض لصوت السيّد المسيح في الإنجيل. والذي رفضه السيّد المسيح رفضاً قاطعاً ودون أيّ تردد لأنه صوت الجسد، في حين كان السيّد المسيح صوت الروح. ولكن الروح تحتاج إلى الجسد كحاجة الجسد إلى الروح، فكلّ يحتاج للآخر، ويحدث الخلل عندما يطغى أحدهما على الآخر، ولا سيما إذا طغى صوت الجسد على صوت الروح، ففي هذه الرواية يطغى صوت الجسد على صوت الروح لدى كلّ من سميردياكوف وإيفان كارامازوف، وفيدور كارامازوف.
إنّ شخصية إيفان لها جذورها في أدب دوستيفسكي نفسه، فهذه الشخصية شبيهة بشخصية بطل رواية "في القبو" 1864 وهي أيضاً شبيهة بشخصية راسكولنيكوف، بطل رواية "الجريمة والعقاب" لأنّ كلاً منهما اشتراكي، وصاحب نظرية، وكاتب، وينشر مؤلفاته في الدوريات، وينظر إلى الحياة نظرة مادية، ولكن ثورة راسكولنيكوف ثورة اجتماعية، إنها ثورة على الظلم الاجتماعي، في حين أنّ ثورة إيفان ثورة على النظام الكوني، بالإضافة إلى طابعها الاجتماعي.
إنّ أفكار راسكولنيكوف بطل رواية "الجريمة والعقاب" 1866 وأفكار ايبوليت في رواية "الأبله" 1868 أفكار مادية شيطانية.
أمّا في رواية "الأخوة كارامازوف" فإنّ الشبيه الأساسي لشخصية إيفان هو الشيطان نفسه. فلقد سعى إيفان في تهريب أخيه ديمتري إلى خارج الحدود، لأنّه كان متأكداً من أنّه القاتل. وكان يرى ضرورة دفع عشرة آلاف روبل من أجل تهريبه، وتزويده بعشرين ألفاً لكي يعيش بها في أمريكا، إلا أنّ ديمتري رفض هذا العرض لاقتناعه ببراءته، ولأنّه لا يستطيع أن يعيش في أمريكا.
بعد ذلك يعرف إيفان من سميردياكوف أنّ سميردياكوف هو القاتل وأنّ إيفان نفسه هو أراد ذلك وهو صاحب نظرية "ما دام اللّه غير موجود فكل شيء مباح" التي آمن بها سميردياكوف، ولإيمانه بها أقدم على جريمة القتل والنهب وبالتالي الانتحار شنقاً.
يقول سميردياكوف مخاطباً إيفان: "أصبحت لا أريد هذا المال! لقد قدرت خلال مدة معينة أن أبدأ بهذا المال حياة جديدة في موسكو، أو قل أيضاً أن أسافر إلى الخارج. كان لي هذا الأمل. ولا سيما أنّك كنت تقول لي: "أنّ كل شيء مباح "أنت علمتني أن أفكر هذا التفكير. وأنّ أقضي في هذه الأمور على هذا النحو. كنت تقول لي دائماً:"إذا لم يوجد الإله اللانهائي، فالفضيلة باطل لا جدوى منه ولا داعي إليه "هكذا كنت تفكر أنت. ولقد تقبلت أنا أراءك هذه.
سأله إيفان، وهو يبتسم ابتسامة ساخرة:
-ثم توليت تطبيق التفكير بنفسك في هذه الجريمة، أليس كذلك؟
-نعم، مستوحياً آراءك.
-والآن هل عدت إلى الإيمان باللّه، ما دمت ترد إليّ المال؟
دمدم سميردياكوف:
-لا، أنا لا أومن باللّه(31)
ويتابع سميردياكوف قوله مخاطباً إيفان: "أنت تشبه فيدور بافلوفتش، أنت من سائر أبنائه أكثرهم شبهاً به.(32) .
ويلاحظ إيفان أنّ سمير دياكوف صادق في ملاحظته الآنفة الذكر.
وبعد ذلك يشعر إيفان أنّه مرض، وأنّه بحاجة إلى علاج ويراجع الطبيب، ويشخص الطبيب مرض إيفان بأنّه اضطرابات ذهنية وأنّه بحاجة إلى العلاج الفوري وإلا فإنّ الأزمة ستتفاقم. ولم يتعالج إيفان. وأخذ يتراءى له أنّه يرى الشيطان ويقول إيفان مخاطباً الشيطان: "أنت أنا.. ما أنت إلا أنا ولا شيء أكثر،... أنت حقارة، أنت ثمرة خيالي أنا!
-بل قل إنّ فلسفتي هي فلسفتك، ذلك أصوب."(33) .
لقد ألفّ إيفان في الماضي أسطورة المفتش الأعظم، ولم يكن المفتش الأعظم إلا صورة أو وجه من أوجه إيفان كارامازوف والآن يتراءى له الشيطان وهو وجه من أوجه إيفان أيضاً، إنّه من صنع خياله المريض في تلك الآونة ويشهد في المحكمة ببراءة أخيه ديمتري، إلاّ أنّ المحكمة لا تصدقه، واعتبرته مريضاً، وحكمت على ديمتري بالأعمال الشاقة.

شخصية ديمتري كارامازوف:
ديمتري كارامازوف بريء من دم أبيه، وهذا واضح للقارئ، ولكن النائب العام وأجهزة القضاء كلّها أدانته. وحكمت عليه بالأعمال الشاقة.
لقد اتبع المحقق في رواية "الأخوة كارامازوف"(1880) في تحقيقه مع ديمتري كارامازوف الأسلوب ذاته الذي اتبعه المحقق بورفيري في رواية "الجريمة والعقاب" 1866 وتوصل المحقق بورفيري إلى نتائج صحيحة وهي أنّ راسكولنيكوف هو القاتل وهو السارق. وفهم المحقق شخصية راسكو لنيكوف فهماً صحيحاً. ولكن المحقق في رواية "الأخوة كارامازوف" توصل إلى استنتاجات خاطئة. فكان متأكداً أنّ ديمتري هو القاتل، في حين أنّ القاتل هو سميردياكوف.
لقد أخفق المحقق لأنّ شخصية ديمتري في رواية "الأخوة كارامازوف" تختلف عن شخصية راسكولنيكوف بطل رواية "الجريمة والعقاب" وقد يفكر ديمتري بالإقدام على الجريمة، ولكنه في نهاية المطاف لن يقترف مثل هذه الجريمة وسيتراجع عنها في اللحظة الأخيرة. أمّا راسكو لنيكوف وأمثاله فإنهم يقدمون على الجريمة، الفرق بين ديمتري وبين راسكو لنيكوف أنّ الأول ابن تربة وطنية معينة في حين أن الثاني ابن وسط اجتماعي معين، للأول جذور في أعماق تربة الوطن، والثاني ريشة في مهب التغييرات الاجتماعية. إنّه ابن المجتمع وليس ابن تربة الوطن. ولذلك فلا يتصف بجذور عميقة تضرب في أعماق تراب الوطن، ولن تستطيع الرياح ولا العواصف اقتلاعها.
فكان الحكم على راسكو لنيكوف عادلاً وكان حكم المحكمة على ديمتري ظالماً فأرسل إلى سيبيريا إلى الأعمال الشاقة، لأنّه اتهم بأنه القاتل في حين أنّ القاتل انتحر ليلة صدور الحكم.
كان إيفان يتمنى أن يكون ديمتري هو القاتل لأنّه في هذه الحالة بريء من دم أبيه، ولكنه تأكد أنّ سميردياكوف هو القاتل وأنّ نظريته أيّ نظرية إيفان، هي السبب، ولذلك فهو شريك في الجريمة.
كان يريد في أعماقه، في عالمه اللاشعوري، أن يكون ديمتري القاتل لكي يرسل ديمتري إلى الأعمال الشاقة، ولكي يتفرد بكاترينا، التي يزاحمه عليها ديمتري، ولكي يتفرد أيضاً بميراث والده، كما قال له أخوه اللاشرعي سميردياكوف. إلا أنّ الأمور سارت لا كما يشتهي إيفان فأصيب باضطرابات دماغية لأنه شعر بهول المصيبة التي كان يتمنى حدوثها، فقتل والده، وكان يتمنى ذلك ولكن أرسل أخوه البريء ديمتري إلى الأعمال الشاقة وانتحر القاتل، إن إيفان هو القاتل الحقيقي وإن لم يلطخ يديه بدم أبيه.
وحدثت جريمة القتل لأنّ الأب فيدور كارامازوف فاسد ويستحق القتل. ولأنّ الظلم الاجتماعي لا بدّ وأن يعبّر عن ذاته.

ديمتري كارامازوف هو الابن البكر لفيدور كارامازوف، وهو ابنه من زوجته الأولى، التي ورث عنها فيدور كارامازوف أرزاقه والتي ضايقها، فهربت وماتت تاركة له ديمتري، وعمره لا يتجاوز الثالثة. وتربى ديمتري في البداية في كنف الخادم غريغوري، واهتم به الخادم مدة عام كامل، وبعد ذلك اهتم به أحد أقربائه من جهة والدته. وبعده ربته إحدى السيّدات وثم أعطته لغيرها وهكذا وكان ديمتري يعتقد عندما بلغ سن الرشد أن لديه أرزاقاً لا بأس بها، يحق له وراثتها فجاء إلى والده يطالبه بالأرزاق إلا أنّ والده حاول التخلص من مطالب ابنه، بأن وعده بارسال مبلغ من المال إليه شهرياً، وأعطاه مبلغاً معيناً مباشرة. وكره الابن أباه والأب ابنه منذ اللحظة الأولى. فغاب الابن عن أبيه مدة أربع سنوات وعاد إليه ليطالبه ثانية بحصته من الميراث إلا أنّ ديمتري صعق حين علم أنّ أباه يدعي أنّه أرسل إليه أموالاً تقدر بقيمة الميراث بكاملها لا بل أنّ للأب ديوناً على ابنه.
ولدى ديمتري خطيبة اسمها كاترينا. كان ديمتري يخدم برتبة ملازم في كتيبة ترابط على الحدود، وكان والد كاترينا قائداً لهذه الكتيبة، وبرتبة مقدم. وكان المقدم يستثمر أموال الكتيبة، فيعطيها لتاجر يعيدها إليه في وقت معين مع الفوائد، إلا أنّ هذا التاجر، في أحد الأعوام أخذ النقود ولم يرجعها، فوقع قائد الكتيبة في ورطة. قدّم ديمتري خمسة آلاف روبل لابنته كاترينا حين جاءته بناء على طلبه، وأنقذ بذلك والدها، الذي مات متأثراً بهذه المصيبة، ولكن ديمتري لم يستغل وضع كاترينا مع أنّه فكر بذلك، وكانت هي مستعدة لتلبية رغباته لكي تنقذ والدها. وبعد وفاة والدها ورثت كاترينا ميراثاً لا بأس به من إحدى قريباتها وأعادت لديمتري أمواله، وبعد ذلك خطبها ديمتري.
وأعطته في إحدى المرات ثلاثة آلاف روبل لكي يرسل النقود لأختها إلا أنّه بدد نصفها على فتاة طائشة اسمها غروشنكا، ووقع في حبّ هذه الأخيرة، واحتفظ بالنصف الآخر من أجل الزواج من غروشنكا، وهو بحاجة للنقود، لكي يعيدها لخطيبته كاترينا.
وأمّا كاترينا فوقعت في حبّ إيفان وكذلك وقع إيفان في حبها دون أن يصرح أحدهما للآخر، ولكنّ حبّهما ما زال في عالم اللاشعور، الذي سينفجر في ساعة التجربة، في تلك الساعة التي حكمت فيها المحكمة على ديمتري بالأعمال الشاقة كانت كاترينا تريد أن يرسل ديمتري إلى الأعمال الشاقة، وأن تثبت براءة إيفان وقدمت للمحكمة وثيقة بذلك. وبهذا أثبتت أنّها لا تحبّ ديمتري وإنّما تحبّ أخاه إيفان. ولقد عرف ألكسي كارامازوف أنّ كاترينا لا تحبّ ديمتري وصرح بذلك لها: "أنا نفسي لا أعرف تماماً.. لقد تراءت لي الحقيقة فجأة، كأنما في ضوء برق..
ويتابع أليوشا كلامه يقول بصوتٍ يختلج ألماً حتى ليوشك أن ينكسر:
-أنا أحسّ أنّني ارتكبت خطأ إذ عبّرت عن مشاعري، ولكنني سأقول ما بنفسي مع ذلك. إليك الضوء الذي رأيته: إنّك لا تحبين أخي ديمتري.. ولعلك ما أحببته أبداً.. حتى منذ البداية.. ثمّ إنّ ديمتري لا يحبّك.. فيما أظن"(34) .
ويتابع ألكسي كارامازوف ويصرح بأن ديمتري يحترم كاترينا لكنه لا يحبّها ولم يحبّها في الماضي. وهي كذلك لا تحبه، وإنّما تحبّ أخاه إيفان الذي يبادلها الحبّ أيضاً. ولكن حبّ كاترينا لإيفان ما زال في عالم اللاشعور. هي نفسها لا تعرف ذلك.
يحبّ ديمتري غروشنكا، الفتاة الطائشة، التي يفكر بالوصول إليها والده. وحضر لها مقابل ذلك ثلاثة آلاف روبل وضعها خلف صورة العذراء سيقدم لها هذه النقود في حال مجيئها إليه.
تحبّ غروشنكا ديمتري كما ثبت أثناء المحكمة، وتسافر معه إلى الأعمال الشاقة. وكانت النقود التي حصل عليها ديمتري من كاترينا لكي يرسلها لأختها ولم يرسلها، وبقي معه نصفها، دليلاً برأي المحقق على أنّ ديمتري هو القاتل والسارق.
وعرف ديمتري أثناء التحقيق بأنّ القاتل والسارق هو سميردياكوف، ولكن القضاء لم يأخذ كلامه بعين الاعتبار. حاول ديمتري الحصول على الثلاثة آلاف روبل التي أخذها من كاترينا من أحد الأغنياء عشيق غروشنكا، إلا أنّ هذا الغني رفض، وكذلك حاول الحصول عليها من غني آخر ورفض الغني الثاني، ولذلك اضطر ديمتري لصرف ما بقي لديه من نفوذ، من أجل غروشنكا، وهي بالأصل نقود لكاترينا.
لم يقتل ديمتري والده، لكنه حاول، ولولا محاولته لما قتل سميردياكوف سيده ووالده لأنّ الابن اللاشرعي سميردياكوف هو ابن وبالوقت ذاته خادم. واستغل سميردياكوف محاولة ديمتري لقتل والده، ولكن ديمتري تراجع، ولم ينفذ مأربه، فأقدم سميردياكوف على ما لم يقدم عليه ديمتري أيّ على جريمة قتل الوالد، الذي دفع بنفسه وأولاده لتنفيذ جريمة القتل، فشردهم أطفالاً، وحرمهم من الميراث كباراً وحاول أن ينتزع من ديمتري حبيبته وأن يشتريها بالنقود، وقد يفكر بالزواج منها مزاحماً بذلك ديمتري عليها.
وهكذا فإنّ الجريمة ليست جريمة شخص واحد بل اشترك فيها أكثر من شخص وتلقى الجميع عقوبات تتناسب مع دورهم في الجريمة، فقتل الأب، لأنه شريك في جريمة القتل، وهو في الوقت ذاته الضحية. أيّ أنه هو المقتول. وانتحر الابن اللاشرعي سميردياكوف لأنّه نفذ جريمة القتل، وأرسل ديمتري للأعمال الشاقة، لأنّ المحكمة رأت أنه هو القاتل والسارق، وهو يستحق العقوبة، لأنّه حاول قتل والده وبذلك ساعد على تنفيذ الجريمة. وفقد إيفان عقله لأنّه المفكر المحرض على الجريمة.

شخصية ألكسي كارامازوف:
قد يكون دور ألكسي كارامازوف هو أقل أدوار أخوته في الجريمة، ولكنه دور سلبي بمعنى أنّه لم يستطع أن يقف بوجه الجريمة، وأن يمنع وقوعها، وكان متأكداً من براءة أخيه ديمتري من جريمة قتل والده، وحاول قبل المحكمة أن يجمع الأدلة، وكان الجميع يتوقعون أن ألكسي سيثبت براءة أخيه، ولكنه لم يثبت ذلك، وعندما سأله **** النيابة: "وما الذي يحملك على هذا الاقتناع كله ببراءة أخيك؟" أجاب: "لا أملك إلا أن أصدقه. أنا أعلم أنّه لن يكذب بحال من الأحوال. ثم إنّني رأيت في عينيه أنّه كان يقول الحقيقة.
-في عينيه فقط: أليس لديك براهين أخرى؟
-ليس لدي براهين أخرى.(35) .
وألكسي هو الابن الأصغر لفيدور كارامازوف. يحبّه والده ويحبّه إيفان وديمتري. وهو بطل رواية "الإخوة كارامازوف" التي تجري أحداثها قبل تاريخ كتابتها بثلاثة عشر عاماً أي تقريباً في عام 1866، في ذلك العام الذي كتب فيه المؤلف روايته الشهيرة "الجريمة والعقاب" والتي شقت طريقها إلى الأدب العالمي، وكانت بداية شهرة دوستيفسكي العالمية. وتوفي دوستيفسكي بعد أن أنهى كتابة رواية "الأخوة كارامازوف" بعامٍ واحدٍ ولو أنّه عاش لكتب الجزء الثاني من هذه الرواية أيّ أنّنا نقرأ الآن الجزء الأول من الرواية، لأنّه ضروري لفهم الجزء الثاني الذي لم يكتبه دوستيفسكي إلا أنّه أراد كتابته وحال موته دون ذلك، وفي الجزء الثاني كان من المقرر أن تجري الأحداث في الزمن المعاصر للكاتب أيّ في عام 1880، وأن يكون الكسي كارامازوف هو بطل هذا الجزء بعد أن صقلته الأيام.
إذا كان ديمتري ابن الوطن أو ابن تراب الوطن وإذا كان إيفان ابن المجتمع أو ابن الوسط الاجتماعي. فإنّ الكسي هو ابن الإنسانية جمعاء، وبذلك فإنّ عالمه أرقى من عالم ديمتري ومن عالم إيفان وأنّ عالم ديمتري أنقى من عالم إيفان. وشخصية ألكسي هي الشخصية الأقرب إلى الكمال. فهي شبيهة بشخصية سونيا مارميلادوف في رواية "الجريمة والعقاب" وبشخصية الأمير ميشكين في رواية "الأبله"(18680).
في نهاية الرواية يحكم على ديمتري بالأعمال الشاقة مدة عشرين عاماً، ويمرض إيفان، وتبقى الآمال معقودة على ألكسي وعلى أطفال روسيا.
نرى هذه الرواية، كما أشار النائب العام، قصة أسرة روسية، تدين تصرفات الأب والأبناء في آن واحدٍ. ولكن دوستيفسكي أراد بتصويره لهذه الأسرة أن يصوّر روسيا بكاملها.
ولا بأس من الإشارة إلى أنّ دوستيفسكي سمى أحد أبطال روايته باسم ألكسي، وهو اسم ابنه الذي مات في عام 1878، وهو العام نفسه الذي شرع به دوستيفسكي في كتابة الرواية.
ولا شك أنّ دوستيفسكي حين رسم صورة ألكسي تأثر ببعض سير حياة القديسين. كما أنّه عندما أعد هذه الرواية تأثر أيضاً ببعض الأساطير التي تروي حكاية الأخوة الثلاثة، وفي نهايتها يتضح أنّ الأصغر أكثرهم حكمة.
ويؤمن الابن الأصغر بالتضحية من أجل الآخرين لأنّ الحياة قصيرة، فإن عاشها الإنسان لنفسه، فلا تستحق أن تعاش، فيجب أن يعيشها من أجل الآخرين. ويؤمن على ما يبدو دوستيفسكي نفسه بهذا المبدأ بدليل أنّه قدّم لروايته تصديراً من الإنجيل "ما من حبة قمح تسقط على الأرض ولا تموت إلا وتبقى وحدها، أمّا إن ماتت فتعطي حباً كثيراً". ولهذا الكلام معنى حقيقي، أيّ بالفعل إنّ حبة القمح إن لم تمت تبقى حبة واحدة، أمّا إن ماتت، أيّ إنّ الحبة عندما تنبت وتنمو، وتصبح سنبلة تعطي حباً كثيراً، ولكنها نفسها تموت تحت الأرض.
أمّا المعنى المجازي فإنّ الإنسان الذي لا يضحي من أجل الآخرين يبقى وحيداً، أمّا إذا ضحى فإنّه سيجد أتباعاً كثيرين.
رواية "الآباء والبنون" لإيفان تورغينيف 1862
عالج إيفان تورغينيف 1818-1883 في رواية "الآباء والبنين "موضوع صراع الأجيال. لا نجد في رواية "الأخوة كارامازوف" صراعاً للأجيال وإنّما هناك صراع الأفكار والمواقف والشخصيات وإن كان الأب يرمز إلى روسيا القديمة التي لا بدّ من أن تزول ويرمز الأولاد إلى روسيا المستقبل، بتفرعاته المتعددة، روسيا المؤمنة، وروسيا الملحدة، وروسيا الأرض والتراب، ويرى الكاتب أنّ المستقبل هو لروسيا الإيمان.
أمّا في رواية "الآباء والبنين" لإيفان تورغينيف وهو الكاتب الروسي الذي التقى بدوستيفسكي وتبادل معه الرسائل وكتب عنه دوستيفسكي في رواية "الشياطين" 1872 وإن كان دوستيفسكي لا يتقبل آراء تورغينيف، واتضح عداؤها في الاحتفال، الذي أقيم في عام 1880 في موسكو بمناسبة إزاحة الستار عن تمثال للشاعر الروسي الكسندر بوشكين (1799-1837) حيث ألقى كلّ منهما كلمة، وكان النصر في هذه الاحتفالات حليف دوستيفسكي يبيّن إيفان تورغينيف في روايته الآنفة الذكر صراع الأجيال ويرمز بافل كيرسانوف إلى الجيل القديم البالي المتعفن. وكذلك نيكولاي كيرسانوف، ويقف بوجه أفكارهما بازاروف. أمّا آركادي كيرسانوف فهو شخصية سطحية، كسول ومتردد.
إنّ الشخصية الإيجابية هي شخصية بازاروف فلقد حاول تورغينيف أن يبيّن خصائص الجيل الجديد. وعبّر المؤلف نفسه عن تعاطفه مع شخصية بازاروف. وأشار إلى هذه النقطة في إحدى رسائله إلى الكاتب المعروف غيرتسن (36) ولذلك فلقد أخطأ الناقد انتونيفتش عندما اتهم تورغينيف بالكراهية تجاه بازاروف. بازاروف شخصية مستقلة، ينتقد الأنظمة القديمة، يشخّص الأمراض الاجتماعية، ويقدم العلاج لهذه الأمراض. ويحاول اقتلاع الآفات الاجتماعية من جذورها. لا يرغب بازاروف في الإصلاح، بل يريد الحلول الجذرية، وينادي بالكثير من العمل وبالقليل من الكلام. ويعبّر بازاروف عن الأفكار التي ينادي بها الشعب البسيط. ولقد أشار إلى هذه النقطة الناقد غيرتسن في مقالته "عودة إلى بازاروف" التي نشرها في جريدته "الناقوس" التي كانت تصدر في لندن (37) . فلقد آمن بازاروف بضرورة هدم القديم، من أجل بناء الجديد.
مسرحية "الآباء والبنون" لميخائيل نعيمه:
كتب ميخائيل نعيمه (1889-1988) مسرحيته الآنفة الذكر في عام 1917 في مدينة نيويورك بطل هذه المسرحية داود يؤمن بأفكار تولستوي.
عالج ميخائيل نعيمه في هذه المسرحية الموضوع نفسه الذي عالجه تورغينيف في روايته، وهو صراع الأجيال. ينظر الآباء إلى الحياة نظرة تختلف عن نظرة الأبناء، الذين رغم خبرتهم المحدودة في الحياة، أكثر صواباً من الآباء، فهم بحسهم السليم، وقلبهم النير يهتدون إلى الصراط المستقيم.
ومع أن ميخائيل نعيمه ينكر وجود تأثير لتور غينيف على مسرحيته، إلا أنّ الدكتورة دالينينا أثبتت وجود هذا التأثر في مقال لها نشرته جامعة لينينغراد.(38) .
موضوح "الآباء والبنين" في كتاب النبي لجبران خليل جبران:
خصص جبران خليل جبران (1883-1931) في كتابه "النبي"(1923) فصلاً عن الأبناء ويقول النبي عن الأولاد:
"إنّ أولادكم ليسوا أولاداً لكم.
إنّهم أبناء وبنات الحياة المشتاقة إلى نفسها..
أنتم الأقواس، وأولادكم سهام مرمية قد رمت بها الحياة عن أقواسكم."(39).
خاتمة: وهكذا فإن الأبناء هم المستقبل، وإن كانت لهم علاقة بالماضي الذي صنعه الآباء. وسيصبح الأبناء آباءً. كما كان الآباء أبناء. وهكذا فإنّ المواضيع المشتركة في الكتب الثلاثة "الأخوة كارامازوف" "والنبي"، "مرداد" كثيرة. فلقد عالج الكتاب الثلاثة موضوع المحبة والعطاء والتضحية من وجهة نظر تكاد تكون واحدة. وتبقى لكلّ واحدٍ منهم أصالته وخصوصيته. ولقد اطلع هؤلاء الكتّاب على الثقافة الغربية فلقد أتقن دوستيفسكي اللغة الفرنسية وترجم منها أحد مؤلفات بلزاك، وكانت هذه الترجمة جيدة، وهي فاتحة نشاطه الأدبي، كما أتقن جبران خليل جبران اللغة الانكليزية وكتب قسماً كبيراً من مؤلفاته باللغة الانكليزية المذكورة. وأتقن ميخائيل نعيمه اللغة الروسية، ونظم قصيدة "النهر المتجمد" باللغة المذكورة، وكذلك أتقن اللغة الانكليزية، وبها كتب "مرداد" وكذلك أتقن اللغة الفرنسية، أيّ أنهم كتّاب منفتحون على الغرب غرفوا من ثقافة عصرهم المتعددة والواسعة. أما التأثير المباشر فهو قليل، وذلك بسبب أصالة هؤلاء الكتّاب، فلم يكن جبران أو نعيمه كاتبين مقلدين.


 المصادر:
1-نعيمه، ميخائيل، أبعد من موسكو ومن واشنطن، المؤلفات الكاملة، المجلد السادس، بيروت، دار العلم للملايين، 1972 ص210
2-نعيمه، ميخائيل، دروب، ماهية الأدب ومهمته، المؤلفات الكاملة المجلد السادس، بيروت، دار العلم للملايين، 1972 ص34
3-دوستيفسكي، فيدور، الأخوة كارامازوف، المجلد الأول موسكو دار رادوغا، (1988)
ص(663-664)
4-جبران، خليل جبران المؤلفات الكاملة المعربة. النبي. بيروت 1964 ص87
5-المصدر السابق ص88
6-دوستيفسكي، الأخوة كارامازوف، المجلد الأول. موسكو، دار رادوغا 1988 ص154
7-المصدر السابق 127
8-المصدر السابق ص35
9-دوستيفسكي، فيدور، الجريمة والعقاب الجزء الأول، موسكو دار رادوغا، 1989 ص14
10-دوستيفسكي، الأخوة كارامازوف، المجلد الأول مصدر سابق ص290-291
11-المصدر السابق ص499
12-دوستيفسكي. الأخوة كارامازوف، المجلد الأول ص500
13-المصدر نفسه ص520
14-المصدر نفسه ص536
15-أ.أ. روما يانتسفا، فيدور ميخايلوفيتش دوستيفسكي. لينينغراد، 1971 ص8 (باللغة الروسية) .
16-توفيق الحكيم. الملك أوديب القاهرة الطبعة التاسعة 1985 ص140
17-المصدر نفسه ص64
18-سوفوكليس أوديب- ملكاً. ترجمة الدكتور طه حسين. القاهرة 1972 ص153
19-المصدر نفسه ص158
20-أرسطو، في الشعر، القاهرة، وزارة الثقافة 1967 ص106 وكذلك ص156
21-فرويد. تفسير الأحلام. القاهرة دار المعارف، الطبعة الثانية 1969 ص278
22-سوفوكليس. أدويب. ملكاً. ترجمة الدكتور طه حسين القاهرة 1972 ص140.
23-ستارويفسكي. النقد والأدب. دمشق، وزارة الثقافة والإرشاد القومي 1976 ص272
24-توفيق الحكيم، أوديب الملك. القاهرة الطبعة التاسعة 1985 ص194
25-شكسبير، هاملت، ترجمة خليل مطران. القاهرة. دار المعارف ص46
26-الآداب الأجنبية.اتحاد الكتاب العرب العدد 71 عام 1992 ص67
27-فرويد، تفسير الأحلام، القاهرة، دار المعارف الطبعة الثانية 1969 ص280
28-فرويد. معالم التحليل النفسي. القاهرة. دار الشروط الطبعة السادسة 1986 ص114
29-تاريخ الأدب الروسي في القرن التاسع عشر الجزء الثاني. موسكو دار التنوير، 1971 ص113
30-مكسيم غوركي. المؤلفات الكاملة في ثلاثين مجلداً. المجلد 27 ص514
31-دوستيفسكي الأخوة كارامازوف، موسكو المجلد الثاني ص614
32-المصدر نفسه ص615
33-المصدر نفسه ص638
34-المصدر نفسه المجلد الأول ص409
35-المصدر نفسه المجلد الثاني ص709
36-رسائل كافيلين وتورغينيف إلى غيرتسن، جنيف 1898 ص146
37-غيرتسن، المؤلفات الكاملة، المجلد الثامن موسكو 1858 ص379
38-دالينيا الآباء والبنون لميخائيل نعيمه. مجلة جامعة لينينغراد 1946 العدد 20ص66
39-جبران خليل جبران، المؤلفات الكاملة، بيروت 1964 ص90-91