المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نواقض الإيمان العملية


ام زهرة
10-29-2013, 05:25 PM
الحمد لله الذي أمرنا بتوحيده، وفضَّل المسلمين على غيرهم من الأمم وجعلهم خير عبيده، وجعل لهم في الآخرة داراً هي خير لهم من هذا العالم وتنكيده، وصلى الله على محمد الذي هدى الله به الناس إلى رحمة الله وتوحيده، ونور طريقهم بتلاوة القرآن وترديده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.. أما بعد:
فإن نواقض الإيمان كثيرة، وهي تنقسم إلى نواقض عملية ونواقض قولية ونواقض اعتقادية، وما يهمنا ذكره في هذا الموضوع هو ذكر النواقض العملية والتي يعد ارتكابها خروجاً من الإسلام، نعوذ بالله من الخذلان. وسوف نعتمد بعد الله على كتاب لطيف للشيخ د/ عبد العزيز العبد اللطيف، واسم الكتاب: نواقض الإيمان القولية والعملية..
فمن النواقض العملية:
نواقض تتعلق بالتوحيد، وهي أنواع:
أولاً: الشرك في العبادة:
من النواقض التي يكفر بها العبد ويصير من الخارجين عن الإسلام:
1. الذبح لغير الله: الأدلة معلومة حول الذبح لله، وأنه من العبادة كما قال الله: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (سورة الأنعام: 162). وقال: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (سورة الكوثر: 02)، وإذا تقرر أن الذبح عبادة فإن صرفها لغير الله شرك.. وصاحبها ملعون، وقد قال الله -عز وجل-: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ) (سورة المائدة: 3) ، قال مجاهد وابن جريج: (كانت النصب حجارة حول الكعبة، قال ابن جريج: وهي هذه الذبائح التي فعلت عند النصب، حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح عند النصب، فهو من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وينبغي أن يحمل هذا على هذا).1
وهكذا بيَّن المفسرون ذلك، وأن المقصود به الذبح لغير الله عند الأوثان والقبور والقباب وغيرها..
وعن عامر بن واثلة قال: كنت عند علي ابن أبي طالب -رضي الله عنه- فأتاه رجل فقال ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسر إليك قال: فغضب وقال ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسر إلي شيئاً يكتمه الناس غير أنه قد حدثني بكلمات أربع قال: فقال: ما هن يا أمير المؤمنين, قال: قال: "لعن الله من لعن والده، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثاً، ولعن الله من غيَّر منار الأرض" رواه مسلم في صحيحه.
والعجيب أن الذين يذبحون عند قبور من يسمونهم (الأولياء) وكذا عند القباب وغيرها، يقولون: نحن نذكر اسم الله، مع أنهم يتقربون بها لذاك الميت، ويريدون تعظيمه، فكان هذا هو عين الذبح لغير الله، وكلام العلماء في هذا يطول ذكره.. لكن الذي يجب أن يُعلم أن من ذبح عند قبر يريد تعظيم من فيه، والتقرب بذلك إليه، حتى ولو قال قد ذكرت اسم الله عليه، أو أني أقصد به الله، فإن ذلك متناقض، ويعد ذلك من الشرك الذي نهى الله عنه ورسوله..
2. النذر لغير الله: من الشرك، ومن نواقض لا إله إلا الله؛ لأن النذر المراد به التقرب والتعظيم، ومن نذر لغير الله - تعالى- بفعل طاعة أو قربة فقد أشرك.
3. السجود والركوع لغير الله: من الشرك ومن نواقض لا إله إلا الله؛ لأن السجود والركوع يقصد بهما التعظيم والتقرب، ولا يجوز صرف ذلك إلا لمن يستحق العبادة والتقديس -سبحانه وتعالى-.
يقول الله -عز وجل-: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (سورة فصلت: 37).
ومن أنواع ذلك السجود الذي وقع فيه أهل الضلال والشرك:
أ‌- سجود الصوفية الذي يفعله جُهّالهم عند دخولهم على مشايخهم واستغفارهم.. قال ابن القيم: (ومن أنواع الشرك سجود المريد- الصوفي- للشيخ، فإنه شرك من الساجد والمسجود له).
ب‌- قال ابن القيم: (ومن أنواعه: سجود المتعممين بعضهم لبعض عند الملاقاة، وهذا سجود في اللغة، وبه فسر قوله -عز وجل-: (ادخلوا الباب سجداً) أي منحنين، وإلا فلا يُمكن بالجبهة على الأرض)2.
ومن هذا القبيل ما يفعله الناس اليوم عند دخولهم على القادة والزعماء والرؤساء من إحناء الرأس والركوع لهم..
4 0 الطواف لغير الله.. كما يفعل كثير من الضُلَّال عند مزاراتهم، وعند قبور الموتى، والقباب وغير ذلك.. لأن المقصود بالطواف تعظيم من أمر بذلك والتقرب إليه به. وصرف ذلك لغير الله -عز وجل- عند قبور الموتى يعد من الشرك، ومن نواقض التوحيد..
ووجه كون صرف هذه الأمور لغير الله من الشرك:-
1. أن هذه الأعمال شرك يناقض توحيد العبادة، فإذا كان الذبح والنذر والسجود والركوع والطواف عبادات لا يجوز صرفها لغير الله، فمن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا له فهو كافر بالإجماع.
2. أن من صرف تلك العبادات لغير الله فقد شبه المخلوق الضعيف العاجز بالخالق القوي القادر.
ثانياً: من الشرك في التوحيد ومن نواقض لا إله إلا الله:
الحكم بغير ما أنزل الله:
أصبح الحكم بغير ما أنزل الله وتحكيم القوانين البشرية من أخطر وأبرز مظاهر الانحراف في دول المسلمين.. لقد كانت عواقب الحكم بغير ما أنزل الله كثيرة: الفساد الأخلاقي، وصنوف الظلم والذل والمحق..
ولا بد من بيان هذا الخطر الذي التهم البلدان، وقلب الأوضاع، وجعل الرعاع يستولون على خيرات المسلمين، وظهر كثير ممن يدعي الثقافة يتحدث باسم الدين حتى ميعوا شريعة الله وأحكامه وجعلوها في نطاق خاص..
الحكم بما أنزل الله من أعظم القربات والعبادات التي يتقرب بها إلى الله كما قال الله على لسان يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (سورة يوسف: 40) ، فجعل الحكم هنا هو العبادة.. والآيات في هذا كثيرة..
وقد ذم الله المتحاكمين إلى أهوائهم وعاداتهم، وما تمليه مصالحهم، التاركين شرعه وراء ظهورهم، بل جعلهم ظالمين فاسقين كافرين، بنص الآيات: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} وفي آية أخرى: (هم الفاسقون) و (هم الكافرون).
بل جعل الأحبار والرهبان الذين يحلون الحرام ويحرمون الحلال أرباباً من دون الله، فقال عن أهل الكتاب: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (سورة التوبة: 31).
ولما سمع عدي ابن حاتم هذه الآية قال يا رسول الله:‏ إنا لسنا نعبدهم‏، قال‏: ‏‏(‏ أليس يحرمون ما أحل اللّه فتحرمونه، ويحلون ما حرم اللّه فتحلونه‏؟‏‏!‏‏)‏ قال‏:‏ فقلت‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏‏(‏فتلك عبادتهم‏)‏‏3.‏ وكذلك قال أبو البختري‏:‏ (أما إنهم لم يصلوا لهم، ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون اللّه ما أطاعوهم، ولكن أمروهم، فجعلوا حلال اللّه حرامه، وحرامه حلاله، فأطاعوهم، فكانت تلك الربوبية).
‏وسمى الله الحكم بغير شريعته طاغوتاً: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا} (سورة النساء: 60).
والآيات والأحاديث وكلام السلف والعلماء مشهور لا يتسع المجال لذكر ذلك، ولكن حسبنا بما ذكرنا إشارات يعرف بها ذلك الأمر..
لكن متى يكون الحكم بغير ما أنزل الله -عز وجل- ناقضاً من نواقض الإيمان؟!
1. من شرّع شرعاً يخالف ما أنزل الله: لأن التشريع حق خالص لله، من نازعه شيئاً منه فهو مشرك: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (سورة الشورى: 21).
(وغالب الأنظمة التي تحكم بلاد المسلمين -من خلال استقراء دساتيرها- إنما هو انسلاخ من عقيدة إفراد الله وحده بالتشريع، حيث جَعلت التشريع والسيادة للأمة أو الشعب، وربما جَعلت الحاكم مشاركاً في سلطة التشريع، وقد يستقل بالتشريع في بعض الأحوال، وكل ذلك تمرد على حقيقة الإسلام التي توجب الانقياد والقبول لدين الله، والله المستعان)4.
2. أن يجحد أو ينكر الحاكم بغير ما أنزل الله -عز وجل- أحقية حكم الله ورسوله؛ كما جاء في رواية لابن عباس في قول الله: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال: (من جحد ما أنزل الله فقد كفر ) رواه ابن جرير في تفسيره (6/149) واختاره.
3. أن يفضِّل حكم الطاغوت على حكم الله، سواء كان هذا التفضيل مطلقاً أو مقيداً في بعض المسائل.. وقد ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب هذه الحالة ضمن نواقض الإسلام..
ولقد فعل ذلك التتار عندما أسقطوا الخلافة الإسلامية، فقدَّموا حكم الياسق (كتاب تشريعي مختلط) وفرضوه على المسلمين، ونبذوا حكم الله، وقد كفَّرهم علماء عصرهم، وقد ذكر ذلك ابن كثير عند تفسير قوله -تعالى-: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (سورة المائدة: 50).
وهذا صار شائعاً في قوانين الدول اليوم، حيث أحلوا القوانين الوضعية محل شرع الله، وجعلوها أفضل منه، وقالوا: شريعة الله كانت خاصة بالأزمنة الأولى، وهي لا تتماشى مع روح العصر، فكفروا بالله من حيث يشعرون أو لا يشعرون.. وهؤلاء لا تنفعهم صلاتهم وصيامهم وزعمهم بأنهم مسلمون ما داموا لم يحكِّموا شريعة الله، فإن الحكم بشرع الله من صميم العبادة، كما تبين ذلك..
ويلحق بهذه الحالة: من لم يحكم بما أنزل الله استهانة لحكم الله، واستخفافاً واحتقاراً له، فقد اجتمع فيه من الشناعة أمران:
العدول عن حكم الله، والاستهزاء {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ} (سورة التوبة: 65).
4. من ساوى بين حكم الله وحكم الطاغوت.. فهذا من نواقض التوحيد؛ لأن ذلك يقتضي مساواة المخلوق بالخالق في التشريع، وقد قال الله: (ليس كمثله شيء) وقوله: (فلا تجعلوا لله أنداداً) والند: هو المثيل والشبيه..
5. أن يجوّز الحكم بغير شريعة الله، أو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، فهذا ردة عن الإسلام..
من لم يحكم بما أنزل الله إباءً وامتناعاً، فهو كافر خارج عن الملة.. وإن لم يجحد أو يكذب حكم الله..
ثالثاً: الإعراض التام عن دين الله:
فلا يتعلم الدين ولا يعمل به.. والإعراض معناه في اللغة: الصدّ والتولِّي، يقول الراغب الأصفهاني: (وإذا قيل: أعرض عني، فمعناه: ولّى مبدياً عرضه)5.
والمقصود بالإعراض -هاهنا- والذي يعد ناقضاً من نواقض لا إله إلا الله العملية هو: الإعراض عن دين الله، فلا يتعلمه ولا يعمل به، وهو التولي عن طاعة الرسول، والامتناع عن الاتباع، والصدود عن قبول حكم الشريعة.. قال الله -عز وجل-: {..وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} (سورة طـه: 99-101).
والإعراض عن دين الله وشرعه هو حقيقة النفاق قال الله -عز وجل-: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا} (سورة النساء: 61) ء ، يقول ابن القيم في هذه الآية: (فجعل الإعراض عما جاء به الرسول، والالتفات إلى غيره هو حقيقة النفاق، كما أن حقيقة الإيمان هو تحكيمه وارتفاع الحرج عن الصدور بحكمه، والتسليم لما حكم به رضىً واختياراً ومحبة، فهذا حقيقة الإيمان، وذلك الإعراض حقيقة النفاق..)6.
والإعراض من صفات الكافرين:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ} (سورة الأحقاف: 3) ، {وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} (سورة القمر :2).
مفاسد الإعراض عن دين الله:
1. أنه سبب المصائب والبلايا: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} (سورة النساء: 61-62) ، وقال: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} (سورة المائدة: 49).
2. الإعراض سبب لفساد النفس، بل وفساد العالم: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} (سورة آل عمران: 63).
3. الضنك والقلق في الدنيا، والعذاب الشديد في الآخرة: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (سورة طـه: 124).
4. أن المعرض يُشبه أقبح وأبلد الحيوانات، وهو الحمار حال نفرته: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ* كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} (سورة المدثر: 49-51).
وغيرها من العقوبات والمفاسد العاجلة والآجلة، مع كونه كفراً بالله، وكفى بذلك إثماً مبيناً..
ومن النواقض العملية لـ (لا إله إلا الله) في جانب التوحيد:
مظاهرة المشركين وتوليهم وإعانتهم على المسلمين:
وذلك أن ذلك مخالف لما يجب أن يكون عليه المسلم تجاه الكفار؛ لأنهم أعداء الله ورسوله.. ونذكر أمثلة من موالاة الكفار ومظاهرتهم على المسلمين؛ لأن البلوى عمت بذلك في هذا الزمن، وحصل خلط شديد، وتداخل رهيب، فيما يخص عقيدة الولاء والبراء، فمن ذلك:
1. الإقامة ببلاد الكفار حباً ورغبةً في صحبتهم فيرضى دينهم ويمدحهم عليه، أو يرضيهم بعيب المسلمين، فهذا كافر عدو لله ورسوله، كما قال -عز وجل-: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ} (سورة آل عمران: 28)..
2. من أطاع الكفار في التشريع، والتحليل والتحريم، فأظهر موافقتهم على ذلك، فهو خارج عن الملّة قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} (سورة آل عمران: 100).. وقال -عز وجل-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ} (سورة آل عمران: 149). وقال -تعالى-: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} (سورة الأنعام: 121). فصرح بأنهم مشركون في طاعة أولئك الكفار، حينما وافقوهم في تحليل أو تحريم.
ومن ذلك التجنس بجنسية الدول الكافرة رغبة في بلاد الكفار، وانتماء إليهم، ورضى بأحكامهم الطاغوتية، وتبعية لأنظمتهم الوضعية، فهذا لا شك أن فاعله خارج من الإسلام..
لكن هناك ظروف أخرى تدفع كثيراً من الناس إلى أخذ الجنسية من الدول الكافرة، فلا يعد ذلك من الكفر؛ لأسباب ودوافع وملابسات، يمكن الاطلاع عليها في مواطنها..
3. التشبه المطلق بهم، أو التشبه بهم فيما يوجب الكفر والخروج عن الملة.. لأن المشابهة الكلية في الظاهر تدل على حب في الباطن، وتعظيم لما هم عليه من تلك المظاهر... وليس المقصود أن كل من تشبه بهم في أمر ما يعد كافراً، بل المقصود أن يتشبه بهم فيما يناقض العقيدة، أما التشبه في أمور نادرة فهذا من المعاصي.. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- عند حديث: ((من تشبه بقوم فهو منهم))7 قال: (فقد يحمل هذا على التشبه المطلق، فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك، وقد يحمل على أنه منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفراً أو معصية أو شعاراً لهم كان حكمه كذلك.. وبكل حال يقتضي تحريم التشبه)8
من أمثلة التشبه:
قال القاضي عياض: (وكذلك نكفِّر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر، وإن كان صاحبه مصرحاً بالإسلام مع فعله ذلك، كالسعي إلى الكنائس والبيع مع أهلها بزيهم، من شد الزنانير، وفحص الرؤوس، فقد أجمع المسلمون أن هذا الفعل لا يوجد إلا من كافر)9.
وكذلك من التشبه لبس الصليب وتعليقه على الصدر أو أي مكان، أو رفعه في أي مكان مع الرضى بالانتساب إليهم، والإصرار على ذلك، فهذا كله من الكفر..
ومن ذلك مشاركة الكفار في أعيادهم، وهذا خطر كبير انتشر في زماننا، بين كثير من بني جلدتنا الجهلاء، الذين لم يعرفوا دينهم، وضرورة الاعتزاز به..
يقول الذهبي: (وقد أوجب الله عليك -يا هذا المسلم- أن تدعو الله -عز وجل- كل يوم وليلة سبع عشرة مرة بالهداية إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.. فكيف تطيب نفسك بالتشبه بقوم هذه صفتهم، وهم حطب جهنم؟! ولو قيل لك: تشبه بمسخرة لأنِفْت من ذلك وغضبت! وأنت تتشبه بأقلف عابد صليب في عيده!! وتكسو صغارك وتفرحهم، وتصبغ البيض، وتشتري البخور، وتحتفل بعيد عدوك، كاحتفالك لعيد نبيك ! فأين يُذهب بك إن فعلت ذلك إلا إلى مقت الله وسخطه، إن لم يغفر الله لك، إن علمت أن نبيك محمداً -صلى الله عليه وسلم- كان يحض على مخالفة أهل الكتاب في كل ما اختصوا به)10
قال محمد بن إسماعيل الرشيد الحنفي: (وفي الخلاصة: من أهدى بيضة إلى المجوس يوم النيروز كفر!) وهذا ما لم يختلف فيه العلماء، وهو أن من شارك الكفار في أعيادهم كفر..
4. إقامة ملتقيات من أجل تقرير وحدة الأديان، وإزالة الخلاف العقدي، وإسقاط الفوارق الأساسية بين تلك الديانات، وذلك لتوحيد هذه الأديان والملل المختلفة.. وقد يطلقون على الأديان الثلاثة الإسلام والنصرانية واليهودية: الديانة الإبراهيمية، أوالديانة العالمية..
وقد نشأت هذه الدعوات المضللة في أحضان التنصير والصهيونية العالمية. وجمال الدين الفارسي، المشهور بالأفغاني، هو مِن أشهر مَن سعى إلى ذلك، وتلقف هذه الدعوة عنه تلميذه محمد عبده.
وهذا من أكبر الكفر وأظلم الظلم.. كيف يمكن التوفيق بين الإسلام وبين دياناتٍ جُلُّ القرآن يتحدث عن بطلانها.. أين هؤلاء من آيات تكفير اليهود والنصارى، وأن ملتهم وكتبهم محرفة! وأن الإسلام مهيمن ومسيطر على ما سبقه؟!!
وهذا الموضوع لا يحتاج إلى مزيد بيان لوضوحه.. والله أعلم.
وأما مظاهرة الكفار على المسلمين: فالمقصود بها: أن يكون أولئك أنصاراً وظهوراً وأعواناً للكفار ضد المسلمين، فينضمون إليهم، ويذبون عنهم بالمال والسنان والبيان، فهذا كفر بـالله.
قال ابن كثير في تفسير الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} (سورة الممتحنة: 13) قال- رحمه الله-: (.. فكيف توالونهم وتتخذونهم أصدقاء وأخلاء). ولو نظرت إلى واقع العلاقات الدولية اليوم وأنزلت هذه الآيات على ذلك، لوقفت حيران من الفارق الهائل بين كلام السلف ومواقفهم، وصريح آيات القرآن، وبين تلك العلاقات بين كثير من أولئك ( المستسلمين) الذين يزعمون الإسلام، وترى منهم كافة المعونات والدعم والحب الذي يظهر عن طريق التصريحات، كالدول الشقيقة، والدول الصديقة، والأخ السيد فلان.. اليهودي أو النصراني.. فإلى الله الشكوى مما حل بنا..
وما دعم النصارى والجيوش الأمريكية في كل مكان لضرب المسلمين في كل أرض عنا ببعيد.. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (سورة المائدة: 51).
ومن نواقض لا إله إلا الله العملية: ما يتعلق بالنبوات:
ومنه الاستهانة بالمصحف.. فهو ناقض للتوحيد، ومخرج فاعل ذلك من الملة؛ لعدة أمور:
1. أن الاستهانة بالمصحف تناقض الإيمان بالله وإجلاله وإجلال كلامه..
2. أن الله توعد من اتخذ آياته هزواً بالعذاب المهين.. ولم يجئ العذاب المهين إلا في حق الكفار.
3. أن الاستهانة بالمصحف -تحريفاً أو تبديلاً- استهانة بالدين، وهدم لأصول هذه الشريعة وفروعها..
4. أجمع العلماء على كفر من استهان بالمصحف وأنه خارج عن الملة..
وهناك نواقض أخرى سواء كانت قولية أو عملية أذكرها باختصار:
أ‌- سب الصحابة، رضي الله عنه: بالقدح في عدالتهم ودينهم قدحاً يعرف به انحراف اعتقاده وفساد طويته؛ كأن يقصد رد كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فيما ثبت لهم من فضل أو الطعن في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالوقوع في نسائه، أو يطعن في فضل الصحبة فيطعن في فضل الصحابة، ونحو ذلك.
ب‌- الاستهزاء بالعلماء والصالحين؛ لدينهم وتمسكهم بسنة نبيهم. فإن ذلك من صفات الكافرين: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ } (سورة البقرة: 212) ، {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} (سورة البقرة: 29-30) .. أما الاستهزاء بخلقتهم أو بعض أمور فيهم، غير دينهم واستقامتهم، فإن ذلك ذنب كبير لا يصل إلى الكفر كما قال الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (سورة الحجرات: 11).
ت‌- ترك الصلاة: من ترك الصلاة جاحداً لوجوبها كفر بإجماع المسلمين سلفاً وخلفاً.. ومن تركها كسلاً وتهاوناً وهو مقر لوجوبها، فهذا كافر في قول عامة الصحابة، وكثير من السلف والخلف، وخالف في ذلك أقوام.. وقد نقل إجماع الصحابة غير واحد.. وعدوا خلاف من بعدهم غير مقبول؛ لأنه حاصل بعد إجماع.. وعلى العموم فهذه مسألة اختلف فيها الفقهاء فيما بعد عصر الصحابة الكرام.. لكن الذي يُجزم به أن من تركها جاحداً لوجوبها منكراً لها فهو كافر.. وأن من تهاون بتركها وهو معتقد لوجوبها مقراً بذلك فهو أيضاً كافر.. بل قد ذهب بعض العلماء إلى أن من ترك فرضاً واحداً متعمداً حتى خرج وقته فهو كافر، ونقل ابن حزم ذلك عن جمع من السلف11.
ث‌- *****: تعلم ***** والعمل به كفر بنص قوله -تعالى-: (إنما نحن فتنةٌ فلا تكفر..) الآية. ومن العلماء من قال إن ذلك كبيرة من كبائر الذنوب لا يصل إلى حد الكفر، ومنهم من فصل في ذلك.. ولمزيد من الإيضاح انظر (نواقض الإيمان القولية والعملية) ص504 وما بعدها..
وقد أتينا على ذكر مجمل لنواقض لا إله إلا الله العملية..
وبالله نستعين، ومنه نستمد التوفيق..
وصلى الله على محمد رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً..
).