المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخيول المتعبة لم تصل بعد


Eng.Jordan
02-03-2012, 02:55 PM
الخيول المتعبة لم تصل بعد

قصة قصيرة

بقلم علي السباعي

-لا تقاطعيني، فأنا لم أنه كلامي بعد.
قالها هارون الرشيد غاضباً، نظر كمن يتوجس خيفة بعيني (دموع) السوداوين، ظنت دموع بأن عاصفة من الغضب آتية في الطريق. إذ كان يتناهى إلى مسمعها صوت رياح عاتية، الشمس لأول مرة تراها دونما ألق، بادرها الرشيد قائلاً:
-تغير الزمن يا دموع! وتغير هارون، كا...
قاطعته وفي عينيها صرخة احتجاج تصدر من أعماق أتعبها عزف موسيقى تتجول أصداؤها في جوف امتلأ بالأسى:
-نعم! تغير هارون، ظهر بدلاً عنه ملايين الرجال الذين يدعون بـ (هارون)!؟
يجيبها وصوته يسابق صوت المطر الذي أخذت تتقيؤه السماء، وكأن هذه السماء خيول متعبة أضناها الجري فبدأت تتقيأ ما التهمته من صراخ الخليفة:
-ليس هارون وحده الذي تغير، بل كل التقاليد والعهود، الأحاسيس والإنسان الشجر والأغصان، السحابة والمطر، السجان والسجين. آه... كل العواطف تغيرت، حتى البحر تغير. والرشيد وسط ذلك كله يقف على الساحل وحيداً بلا مركب، بعد أن رحلت كل المراكب.
تختلط أصداء العواطف مع صهيل خيول العاصفة، تناهى إلى مسامع دموع التي بدت كأنها مساء ساحر اختلط فيه أنين (داخل حسن) مع صهيل خيول متمردة تنبثق من أعماق التاريخ، أصواتها سياط تلهب جسد الريح –الزمن سجن- ذيول الجياد سياط تلسع عصافير أسقمها حبسها، تنظر إليه مكتشفة في بريق عينيه عالماً من التساؤلات، عالماً من الرغبات المكبوتة والأحاسيس المرهفة، والأفكار السجينة مجموع ذلك كله يشكل نهراً دفاقاً من السعادة- السعادة التي إذا ما مرت فوق عشب يابس أخضر ونما، قالت دموع وصوتها عذب كالسعادة:
-مولاي الخليفة! اصنع لنفسك مركباً وسأكون شراعك المتين!!
-سألها الرشيد بحزن لم تعهده:
-أنبحر في شريان الدم رغم كل القتل الذي يجتاح الدنيا؟
تجيبه:
-مولاي! إن حياتنا قصيرة، عندما يمر بنا مركب الزمن فلن يتوقف، ولا يعود.
يضحك بحزن قائلاً:
-دموع! إنك حلوة كما الدنيا.
يدخل حاجب الخليفة متمنطقاً بسيفه، قال بعدما أدى تحية الولاء:
-مولاي! هناك أمير ينتظر المثول بين يديك. لكن يبادره هارون الرشيد:
-لكن! ماذا؟
يجيب الحاجب متلعثماً بكلماته مهابة لمولاه:
-هيئته، منظره، ثيابه كلها لا تدلل على كونه أميراً، بالإضافة إلى ذلك... يقاطعه الخليفة مغاضباً:
-بالإضافة إلى ماذا أيها الحاجب؟... تكلم.
يجيبه الحاجب بتلكؤ:
-يا مولاي الخليفة! إنه... عفوك... لا يرتدي خفاً!!!
أستغرب الرشيد قول الحاجب، بدا وكأن الوقت –الزمن- قد سحقه وأثقل عليه، تساءل في نفسه: أيكون هذا الزي الذي يدعيه الحاجب خاصاً بملوك، وأمراء عصر غير زماني هذا؟.. قال بشدة: -دعوه يدخل-
مثل نهر مهتاج تدفق الأمير على ديوان الخليفة، لم ينحن لمولاه الخليفة، نظر بعينيه الزرقاوين الصافيتين كبحر أزرق، وقال:
-أنا أمير يا دموع! أنا عبد الا...
يقاطعه الخليفة حانقاً:
-تحدث معي يا أمير.. ألا تعلم أنك تقف في حضرة الرشيد؟ أمير أي بلد أنت؟... من أين أتيت؟ وهل أمراؤكم يرتدون زي الشحاذين يا...؟
يضحك الأمير بسخط حتى تعالت قهقهاته، كأنها العاصفة التي بدأت ترعد خارج القصر أضاف الخليفة:
-ما الذي يضحكك؟... تكلم!
ما زالت كل براكين الأرض خامدة لا تستعر. لكن! بإمكان شرارة صغيرة أن تجعل الأرض تتنفس بعمق فتزفر جهنم إلى الخارج، بهذا تغرق الأرض في بحر من الحمم المستعره، تساءل الأمير:
-دموع! كيف يعيش الإنسان وسط أنهار الدم وبرك القتل؟ كيف؟
بادره الرشيد وقد استبدت به كل ثورات الغضب:
-إنك تصر على تجاهلي يا هذا...
قاطعه الأمير مخاطباً دموع:
-أصبحت خرائطنا مرسومة بالدم بعد أن قتلت أحاسيسنا، أفكارنا التي نحيا بها، ماتت التقاليد يا دموع... ماتت التقاليد.
يستشيط الخليفة غضباً، بادره بالصراخ طالباً من الحاجب الحضور:
-أيها الحاجب... أيها الحاجب... تعال إلى هنا لكي تخرج هذه القمامة من هنا بسرعة...
نطقت العيون الزرقاء، تحدث الجسد الهرم قائلاً:
-دموع! إن الإنسان يهرب من تعاسته بالقتل. لكن! الطيور بإمكانها الهرب من كل شيء دونما اللجوء إلى القتل، حياتنا لو كانت ثمناً لراحة العالم، سنمنحها لهم، وهذا غير جائز معك يا أميرة.. فمثلك شفافة، حلوة، تشبهين التفاحة النضرة، صعب أن تمنح حياتك من أجل... آه... حياة الآخرين!
يأتي الحاجب ومعه الجلاد بسوطه، يأمرهما الرشيد بإخراج الأمير من ديوانه، باءت جميع محاولات إخراجه بالفشل، عاد الأمير الشيخ يتحدث لدموع، كأنه لا يرى غيرها في هذا الديوان، والعالم كله أصبح دموعاً، قال وصوته كصوت البحر إذا أزبد وأرغى:
-لقد علمتني الدنيا...
تقاطعه، وقد امتلأت بالحزن كما يمتلئ قدح الماء فتفيض جوانبه:
-من أنت؟ ما بالك ترتدي الأسمال البالية؟ ما لي أراك تحمل ثلاثة أكياس؟ ما الذي تلف به رأسك بدل العمامة؟ ما الذي تضعه على أنفك؟
جاءها صوت الأمير بارداً عاصفاً:
-أنا من تقرّحت قدماه من السير فوق خرائط الدم، أنا عبد الأمير الشحاذ، أرتدي الأسمال البالية لأنها زي كل الفقراء يا مولاتي. أحمل الأكياس الثلاثة معبأة بالأواني الفارغة، والقناني، لأنها عدة كل أمير لحفلاته، الذي أضعه على أنفي قطعة من القماش تجعلني استنشق هواء نقياً لأن هواء الدنيا كلها يزكم أنفي لما فيه من نتانة يا ملكتي.
عصف صوت الخليفة كمدفع في الديوان، أطلق قذيفته، سقطت أمامه وحدث الذي لم يكن بالحسبان:
-شحاذ... أيها الوغد…! أيها الحاجب خذه وأطح برأسه.

***

مطر وقمح
02-11-2012, 02:07 AM
رغم بحثي عن اعمال علي السباعي الا انني لم اعثر على الكثير
...






عرس في مقبرة


-كنت أحسب أنني أعيش في عزلة موحشة، كل ما فيَّ ينتمي إلى الماضي، حتى أنفاسي فإنها تصدر عن الوحدة المتفردة بداخلي. اكتشفت من يشاركني وحدتي.
أنظر إلى الشمس الغاربة، كأنها قرص أحمر ملتهب شرخ حياتي إلى نصفين: -عزلة، وخذلان. هكذا! عندما أقوم بجولتي في تفتيش المقبرة خوفاً من عبث السراق، امرأة في عقدها الرابع. تلف حول وسطها عباءة، بدا جسدها مترهلاً، تسحب أنفاسها بصعوبة كأنها قنينة تحشر في الماء عنوة فتطلق فقاقيع الهواء بعنف، وجدتها تنبش أحد القبور، نهرتها قائلاًٍ:
-ماذا تفعلين؟
كخفاش مذعور انتفضت، لتقول بصوتها المخنوق:
-أفزعتني! ألا تراني أتزين لك- في ليلة- زفافنا..؟
أنظر متلعثماً يميناً وشمالاً لكن ألا أحد هنا غيري
-أتسرقين قبور الموتى يا امرأة؟
صوبت سلاحي نحوها، وببلاهة قالت:
أصبحت –أنا لا أسرق. فقط! أتزين لك.
مذهولاً بما يجري، تستطرد قائلة بصوتها الفقاعي الذي يملأ سكون المقبرة ببقبقة مزعجة:
-تعال شاركني فرحتي في زفافنا، اجلس بجانبي نشاهد جميع الموتى قد حضروا عرسنا، وهم يغنون، يرقصون، ويصفقون لنا.
شلَّتني كلماتها، تراخت يدي الممسكة بالسلاح، لأسمعها تجتزئ بالقول:
-عملت لك سرير الزوجية فوق أحد قبور أثرياء مدينتنا.
كنت دائماً واقعياً، ولم أحلم قط بأن أكون خيالياً. جلت نظري متفحصاً، تخترق عيوني العديد من الهياكل العظمية تصطف على شكل أزواج، العشرات من الجماجم موزعة على مواضع منتخبة بإتقان وقد رتبت على شكل أزواج فوق القبور. علمت ساعتها أن هذه المرأة تعيش جنوناً يشابه حلقات الخوف عندما تنداح لتكبر متحولة إلى هوس مدمر، سحبت حبلاً بجانبها، تراجعتُ مذعوراً إلى الوراء، أصدرتْ الهياكل العظمية طرطقه مزعجة بفعل تصادم العظام مع بعضها، قالت بسذاجة:
-إنها تصفق مرحبة بقدومك.
حاولت استرجاع جرأتي، لم أفلح، نقلت بصري بينها وبين الهياكل العظمية، الجماجم التي تحدق بي بمحاجرها الفارغة كأنها صقيع بارد يجمد الأجساد فلا تبقى سوى النظرات البليدة، ارتفعت القعقعة تصدر من حولي تزعزع يقيني بما أشاهد، تحسست وجهي، قرصت يدي بقوة تأكدت أنني لم أكن أحلم، والشمس بانحدارها نحو الغروب تترك صبغتها الحمراء كالدم تعتمر بها قمم القبور، لم يبق بداخلي جزء إلا وارتجف، راح جسدي يتصبب عرقاً غزيراً، داهمني شعور بأن نذير شؤم ستحمله الساعات القادمة، ارتفع صوتها كالانفجار:
-سنزف خلال لحظات.
أغمض عينيَّ لإراحتهما، أشعر بأن قلبي السجين يقف أمام فرقة الإعدام منتظراً موته، أنتفض فزعاً، يداها ذات القبضتين الوحشيتين تعتصراني بقوة، وددت البكاء نعم! البكاء لما أنا فيه من تمزق. لعنت اليوم الذي عملت فيه حارساً للمقبرة، رن صوتها وسط شعوري بالضعف والوحدة:
-لأول مرة في حياتي أشاهد عريساً غير سعيد بزواجه؟
رفعتني بعيداً عنها، لتقول:
-لماذا خطبتني؟
أختنق صوتها بداخلها، راحت شفتاها ترتجفان بشدة، عيناها السوداوان الوحشيتان تهطلان دموعاً مخضبة بالكحل، أحسست بأنني كطائر البوم وحيد إلاّ من: مشاهداتي، تعطلت حواسي داهمتني قشعريرة برد كمن سكب عليه ماء بارد في شتاء قارص، أخذت بيدها، أجلستها فوق أحد القبور قائلاً:
-اجلسي! سيكون لك ما تشائين.
كانت مصرة على البكاء، لتذكرني بأيامي الماضية التي أنفقتها في مراقبة عوائل الموتى وهم يبكون موتاهم، ألبث مضطرباً لبعض الوقت لأسألها بعدما لوَّعني بكائها:
-علام تبكين؟
تدحرج صوتها بداخلها مندفعاً كصخرة سقطت من علٍ، قالت وهي تكفكف مطرها الأسود:
-وحيدة أبكي كل شيء في حياتي فحياتي بكاء في مأتم.
غريباً وسط الموتى أعيش، شعور باليأس شرع يقتات علي، يتآكلني تعب مزمن لما أشاهد من فواجع، قلت بقناعة:
-ابكي! فالدموع وحدها كفيلة بإراحتك.
ارتدى الليل ثوبه الجنائزي الأسود، اكتست القبور بظلام أب الحالك، نظرت ذاهلاً، مندهشاً من المرأة، طلبت علبة ثقاب، أعطيتها ما طلبت انبعث الضوء راجفاً بوهن بدد ظلمة أب، استطعت فيها مشاهدة وجهها المتغضن تعباً، هامت تزرع النيران في محاجر العيون، كأنها فلاح يوزع شتلات الرز في أرض منقوعة بالمياه، تضيء جميع الشموع داخل المحاجر، انتشر النور قادماً من عصور سحيقة، موحشة، ليملأ المكان برائحة الشمع والجماجم المحترقة قلت مستفهماً بقسوة:
-أسعيدة أنت بضوء الشموع؟
تقول بلهجة مستهزئة:
-قل لي بربك! عمرك كله شاهدت فيه عروساً حزينة يوم زفافها –يوم سعدها- اليوم الوحيد في حياتها الأكثر سعادة!
أغاظني كلامها، قلت لها:
-عن أي زفاف تتحدثين؟ وأين الزوج المزعوم؟ ومن سيرضى بك زوجة له؟ من..؟
إنها غيمة بدأت تهمي مطراً، اختلط صوت ضحكتها بصوت صرير الصراصر الحاد، قالت بعدما فرغت من ضحكتها المستهزئة:
-أنت من سيرضى بي!
خرقت بدبوس طويل حاد لسماعي كلماتها، قلت غاضباً:
-أمجنونة أنت... أمجنونة أنت...؟ تكلمي.
تجيب بهدوء:
-أجل! مجنونة.. مجنونة لأنني أقتات على السعادة كما العصافير التي تعيش سعيدة وهي تزقزق قبل التزاوج، مجنونة لأن في أعماقي تسكن امرأة... أنثى بانسدال ستائر الليل تتفجر بركاناً من الشهوة: فأعيش زفافاً كل ليلة... ينتهي بنشوة عامرة مع أحد العابرين. حينها أنام نوماً عميقاً... عميقاً جداً.
أذهل لكلماتها، أمتثل مرغماً لقسوة الحياة، الحزن يصر بداخلي، يكَّز بقوة ساحقاً بأسنانه القوية على مشاعري، جعلني أغامر قائلاً:
-سأحضر يوماً لنعيش زفافاً يبدد وحشتنا، نريق غربتنا ضحية للعرس. لكن! بدون جماجم وهياكل لأنها أمانة في عنقي.
فقالت بغير ما صبر:
-لماذا غير هذا اليوم؟ الآن سنحييّ عرسنا.
صرير الصراصر حاد وموجع، تقول ودموع الفرحة تترقرق من عينيها:
-سأنجب لك العديد من الأبناء.
وبخت نفسي لتهوري، قلت غير راضٍ عن اقتراحها:
-أتريدين أن تنجبي مجانين. تكلمي! أتريدين زيادة عدد مجانين العالم؟ أم تراك تنجبين مجانين من النوع السوبر؟ ها.. تكلمي..
وتقاطعني صارخة:
-كل الرجال متشابهون قساة القلوب، بلا مشاعر أتسمع يا رجل...
أما المجانين مختلفون، طيبون، ومشاعرهم نبيلة. لم أعان قط مثل هذا الإحساس الذي راح يمزقني بين شعوري بالعطف عليها، وبين محاولتي لملمة جنونها المتبعثر، واحتوائه، نشطت بداخلي مرارة الحياة، وبأنني معشوشب هنا في المقبرة، كأنني عشبٌ ضار يقتات وجعاً، يتلبسني الإنهاك كوني زمناً مضى، بل فكرة سرعان ما تناقضها حياة أرهقها الطوفان بين القبور حارساً للموتى. اكتشفت صورهم بتجمعهم في عرس المجنونة، قلت بعدما انحسرت كلماتي في أحد زوايا جسدي، انتشلتها متسائلاً:
-ما أسمك؟
كأنها مغامر يتسلق جبال حصاروست، لتقول:
-تاجية.
أثنيت إعجاباً باسمها، سألتها من جديد:
-ما هي قصتك؟
تحوم كخفاش، عيناها السوداوان أشبه بغرابين يبحثان عن غصن يحطان عليه، تقول بلغه: استكشافية لبواطن الأمور:
-لقد زوجني أهلي عنوة، وأنا بعد بنت في الرابعة عشرة من عمري، لشخص يدعي بأنه: تاجر! أنجبت له خمس بنات، باعهن زوجي لأحد بيوت الدعارة هه.. لقد كان: قواداً.
انتهكتني كلماتها، رحت أطوف صارخاً بغابة القبور الصماء، أصرخ محفزاً كل الموتى على –النهوض- من سباتهم الأزلي، تشاركني ((تاجية)) الصراخ والطواف بين القبور تبكي بناتها، حظها، وألمها الذي زعزع كياني، مزق يقيني بالحياة، أمسكتها من يدها مهدئاً، داهمني منظر الدموع السابحة في الكحل الأسود، قلت لها:
-ا***ي طبولك، دقي، اقرعي عليها إيقاعاً يوقظ الموتى، فهم أصدقاء اليوم.. دعي أصابعك تضاجع طبول الفرحة.
تهلل وجه ((تاجية)) وهي تقول:
-افرحوا يا أمواتنا وابتهجوا، فإن ((تاجية)) ستزف الليلة لعريسها.
تزغرد، تقرع طبولها، تراقصه نغماتها فوق جذع شجرة الكافور المنتصبة وحيدة وسط القبور، لتقول ثانية:
-أنذر نفسي لمن يساعدني في العثور على بناتي، ضحكت بحزن، صرخت طبولها
-أحب نفسها لمن يوقظ منسيي هذا العالم.
تستفيق عيون الفجر، تدعك عيونها بأياد من برد الصباح، يتثاءب الفجر ندياً، يطالعني وجهها مغرداً بالفرحة، يداها تعملان على قرع الطبول، أندفع محركاً الهياكل العظمية، والمحاجر بعيونها النارية تبارك عملنا، نوقظ الموتى، يرتفع صراخنا مختلطاً مع قرقعة العظام، وأزيز الشموع المحترقة، سكتت الصراصر، راحت نسمات عذارى تنعش أجسادنا المتعبة، قلت لها:
-أتعلمين أن البشر مقيدون حتى وهم في مثواهم الأخير. فكيف يبحثون عن بناتك...؟ دعينا نحررهم من قيودهم.. هـ..
تقاطعني متساءلة بغباء:
-نحرر من؟ الأحياء أم...
قاطعتها بلهجة رسمية:
-طبعاً الموتى!
**


عارية ((تاجية)) تستلقي، خيوط الفجر تغتسل بدموع الشموع طاردة كل أثر للنعاس، أيقنت بأنني من وضع الشمع الأحمر فوق بوابة الليلة الماضية، فسال الشمع الأحمر شوقاً في انحدار ظلفتي البوابة *****ية.
**
تسيد الفجر، أغمض عيون النار أجفانها، تراقصت، خشخشات ناعمة أصدرتها إغفاءاتها المتثائبة نشوة، فردت الحياة أجنحتها، راحت تنظف ريشها الزاهي بمناقير قدت من وهج الشمس، شرعت غربان المقبرة بالبحث عن غذائها، غراب أسود كبير بجناحين أبيضين عظيمين يحوم فوق ((تاجية)) المضطجعة على الأرض، مباعدة ساقيها ما وسعها، مغرية الغراب على النعيق، استفاقت مذعورة، تتلفت كمن داهمها لصوص سرقوا سعادتها منها، راحت تنشد منتحبة:
((شعندي وشخليت تنغك يا لغراب
تنذكر ما تنشاف خليت الأحباب))

ازداد الغراب صلفاً، ينعق بعناد بينما ((تاجية)) ترتدي ملابسها، صرخت بهستريا مؤلمة:
-اغرب عني.. أجئت لتعلمني بنذير شؤم.. اغرب عني
غادرتها متجهاً إلى مهجعي كي ما أنام بعد تعب الليلة الفائتة، قلت وطعم اللذة المجنونة يقوّم أسناني النخرة:
-قولي للغراب: سكين وملح.
فغمزت ((تاجية المجنونة)) بعينيها الباسمتين، ولتصرخ بجنون:
-سكين وملح.. سكين وملح.
...
شكراً اختي نور لهذا النقل الجميل