المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دور الفكر المحاسبي في الإعصار المالي 2008


Eng.Jordan
10-31-2013, 10:08 AM
بحث بعنوان:




حمل المرجع كاملاً من المرفقات





The Role of Accounting Thought in Financial Hurricane 2008

مقدم للمشاركة في المؤتمر الثاني لكلية الأعمال بالجامعة الأردنية تحت عنوان:

"القضايا الملحة للاقتصاديات الناشئة في بيئة الأعمال الحديثة"

الباحثان:

د. محمد عبدالله المومني أ.د حسين القاضي

كلية الدراسات الاقتصادية والإدارية كلية الدراسات الاقتصادية والإدارية

قسم المحاسبة - جامعة جدارا قسم المحاسبة-جامعة جدارا

E-Mail:hussainalkadi@Gmail.com E-Mail: momani_m62@yahoo.com

تلفون رقم: 0777460374


دور الفكر المحاسبي في الإعصار المالي

د.محمد عبدالله المومني أ.د. حسين القاضي


الملخص
تهدف هذه الدراسة الى معرفة دور الفكر المحاسبي في الإعصار المالي الذي واجه الإقتصاد العالمي في خريف 2008 . ولتحقيق هدف الدراسة تم أستخدام المنهج الأستنباطي والمنهج المقارن عند أستعراض الأدبيات المختلفة التي عالجت هذا الموضوع بالإضافة الى مظاهر الأزمة المالية الراهنة. وتناولت الدراسة العلاقة بين النظرية الإيجابية النقدية في المجال الأقتصادي التي وضعها ميلتون فريدمان عام 1953 والمدرسة الإيجابية في الفكر المحاسبي التي تبنتها مدرسة روشيستير في نهاية العقد السابع من القرن الماضي التي تأثرت بالنظرية الإيجابية الاقتصادية ،هذه النظرية التي تبنت نظرية الوكالة للتنبؤ في سلوك الإدارة للتأثير في الممارسة المحاسبية بما يحقق مصالحها الخاصة على حساب مصالح أطراف أخرى من المجتمع المالي ضمن إطار العقود الناظمة لعملها. وخلصت الدراسة الى أن النظرية الإيجابية ما زالت هي السائدة في الفكر المحاسبي ولها دور في الإعصار المالي الراهن نتيجة الممارسات المحاسبية المتحيزة من قبل الإدارة . وأن ثمة قصور في المدخل المعياري مما يجعلة عاجزاً عن ضبط سلوك الإدارة في ظل عجز النظرية الإيجابية في الأقتصاد عن معالجة مشكلات العالم المالية.
كلمات مفتاحيه:الإعصار المالي، الأزمة المالية، النظرية الإيجابية، النظرية المعيارية، الفكر المحاسبي.


مقدمة
تعد المحاسبة علم اجتماعي تطورت لتلبية احتياجات االانسان في تنظيم معاملاته المالية وعملياتة الاقتصادية، ولهذا العلم مبادئ وقواعد وأحكام تبحث في الوقائع التي يتضمنها النشاط الاقتصادي والاجتماعي، والمحاسبة كنظام يهدف الى تحديد وقياس وعرض المعلومات الاقتصادية بشكل يمكن الاطراف ذات العلاقة من الحكم على الامور المالية للمنشأة وأتخاذ القرارات الاقتصادية الرشيدة بين البدائل المتاحة، من خلال القوائم المالية( الميزانية العمومية، وقائمة الدخل، وقائمة التدفقات النقدية‘ وقائمة حقوق الملكية) التي تمثل مخرجاته، فالاسواق المالية والمساهمين والمستثمرين والمقرضين تعتمد على البيانات المالية كأساس لقراراتها، ولكي يعتمد عليها يجب أن تعد وفق مبادئ أو أسس أو معايير تجعلها غير مضللة. هذه المبادئ أو الاسس تمثل نتاج النظرية المحاسبية التي تخضع للتقييم والتعديل إذا دعت الظروف الى ذلك، فهي جاءت لتلبي حاجات الاطراف المعنية بأمور المشروع الاقتصادي، وقد ترتب على ذلك الى تطوير نظريات محاسبية متعددة ترسم الاطار العام الذي يحكم الطرق والاجراءات المتبعة في اثبات العمليات المالية وفي اعداد القوائم المالية، التي تؤدي أغراض معينة تختلف بأختلاف الجهات المستفيدة من هذه القوائم.
شهد العالم خلال العقود الماضية انهيارات مالية في كبرى الشركات وخاصة في الدول المتقدمة كشركة انرون Enron وورلدكم للاتصالاتWorldCom.....الخ، كما شهد العالم إعصاراً مالياً في خريف 2008م بدأ في الولايات المتحدة الامريكية وانتقلت عداوه الى الاسواق المالية لمختلف دول العالم، ولا شك أن الفكر المحاسبي السائد يتحمل جزءاً من المسؤولية عن هذه الانهيارات والازمات ، وتعد الممارسات المحاسبية المتحيزة من جانب الإدارة المسؤول الأول عن نقص الشفافية والافصاح وعدم الاهتمام بتطبيق المبادئ المحاسبية الملائمة واظهار بيانات ومعلومات لا تعبر عن حقيقة الاوضاع المالية للمشروعات الاقتصادية.
والواقع أن الفكر المحاسبي لم يكن منعزلاً عن البيئة الاقتصادية والمالية التي نعيش فيها، ففي بداية عصر الرأسمالية الحرة لم تكن الدولة تتدخل في النشاط الاقتصادي، وكانت المبادئ الاقتصادية تخدم المشروع كوحدة محاسبية، واعتمدت النظرية المحاسبية مبدأ التكلفة التاريخية من خلال افتراض استمرار المشروع وكان التركيز على قياس أصول المشروع أكثر من التزاماته (القاضي وحمدان،2007 ص:26-56 ).
وقد أدت الثورة الصناعية وما تلاها من منافسة شديدة بين الشركات المساهمة الصاعدة إلى حدوث الكساد الكبير عام 1929م وما تلاه من إفلاس الكثير من الشركات التي اعتمد بعضها على قيم مضللة لأصولها مما عرض مهنة المحاسبة للخطر وأدى إلى تعديل النظرية الاقتصادية السائدة في ذلك الوقت على يد الاقتصادي البريطاني كينز، الذي سمح ببعض التدخل المحسوب للدولة في الشأن الاقتصادي عن طريق تمويل المشروعات العامة والمساهمة بتشغيل نسبة من العمالة الفائضة التي أدت التكنولوجيا التي أفرزتها الثورة الصناعية إلى جعلها عاطلة عن العمل.
أما على الصعيد المحاسبي فقد أسس مجمع المحاسبين الأمريكيين العديد من اللجان والهيئات لتطوير مبادئ أو معايير المحاسبة المالية والزم مدققي الحسابات بالاعتماد عليها عند بيان رأيهم في عدالة الإفصاح في القوائم المالية المنشورة، وهكذا بدا التخلي عن النظرية التقليدية التي استهدفت أصول المشروع بغض النظر عن المجتمع المالي من مستثمرين ومقرضين، فنشأ مبدأ التكلفة أو السوق أيهما أقل في الأصول المتداولة ، انطلاقاً من مصلحة المستثمرين في السوق المالي الذي أدى بدوره إلى صياغة المدخل المعياري لنظرية المحاسبة أساساً للقياس والإفصاح المحاسبي الذي عمم استخدامه من خلال المعايير المحاسبية المحلية، ثم من خلال معايير المحاسبة الدولية International Accounting Standards (IAS) منذ 1973 التي آلت إلى معايير التقارير المالية الدولية International Financial Report Standards (IFRS)وصارت معتمدة في كافة دول العالم، وفق ما يمكن تسميته بالمدخل المعياري.
إلا أن التقدم التكنولوجي وما آل إليه من ثورة المعلومات والعولمة، أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية من خلال سيطرة الشركات متعددة الجنسيات وزيادة أعداد العاطلين عن العمل واتساع دائرة الفقر، فلم يعد التدخل المحسوب من قبل الدولة كافياً لإعادة إنعاش الاقتصاد الرأسمالي مما مهد لظهور النظرية النقدية على يد الاقتصادي الأمريكي ميلتون فريدمان أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة شيكاغو الذي اعتبر كمية النقود الموجودة في المجتمع من خلال معدلات الفائدة كافية لتحريك النشاط الاقتصادي والتنبؤ بتصرف المستثمرين والمستهلكين في المجتمع، وقد تم تبني هذا الاتجاه في الولايات المتحدة ثم في الدول الصناعية السبع وهكذا صارت النظرية النقدية هي المهيمنة على الاقتصاد العالمي في الوقت الحاضر.
وقد أغرت نظرية فريدمان كتاب مدرسة روشيسترRochester في نظرية المحاسبة الذين دعوا إلى النظرية الإيجابية في المحاسبة Positive Accounting Theory التي نبذت النظريةالمعياريةNormative Theory التي أهتمت بتحديد ما يجب أن يكون وليس ماهو كائن، وبالتالي يعتمد المحاسبين على قرارات وتعليمات يجب اتباعها دون منهج علمي يريط القرار بظروف اتخاذه، وقد حاولت النظرية الإيجابية تفسير الطرق والمبادئ والمعايير المحاسبية المستخدمة في أنها تخدم الإدارة من خلال نظرية المدير ال****.
وقد حل الإعصار المالي في خريف 2008م وأدى إلى نشؤ ازمة مالية عالمية، انعكست على الأسواق المالية وفقدت الشركات جزءاً كبيراً من قيمة اسهمها، ولقد تبنت الولايات المتحدة نفس الحلول النابعة من نفس المدخل ألا وهي ضخ المزيد من النقود لزيادة رؤوس أموال الشركات المتعثرة من بنوك وغيرها. وإن العودة إلى بعض البنوك والشركات المتعثرة تشير إلى أن اتباع المدخل الإيجابي أدى إلى منح بعض المدراء عمولات ومكافآت ومزايا كبيرة، وإن حصولهم على هذه المبالغ كان من خلال التوصل إلى نتائج مضللة مشفوعة بتقرير مدققي الحسابات، المبنية اساساً على المبادئ المحاسبية المقبولة عموماًGenerally Accepted Accounting Principle (GAAP) أو (IFRS).
نحاول في هذه الدراسة بيان دور الفكر المحاسبي في الإعصار المالي الراهن وذلك من خلال التركيزعلى النظرية الإيجابية التي تسيطر على الفكر المحاسبي بصورة عامة وعجز هذه النظرية عن حل مشكلات المجتمع المالية في الوقت الحاضر.









مشكلة الدراسة
تعد المحاسبة وسيلة من وسائل الاتصال للمتعاملين مع الوحدات الاقتصادية ، إذ تلبي احتياجاتهم من المعلومات المالية والاقتصادية، فهي تتصل اتصالا وثيقا في الاقتصاد ، حيث يرتبط كل من المحاسبة والاقتصاد بالثروة والدخل، فالمحاسبة تركز على الناحية التطبيقية بينما الاقتصاد يركز على الناحية النظرية، فالمعايير المحاسبية المطبقة في القياس والإفصاح المحاسبي تدرس بعناية ، وهناك العديد من الاطراف مهتمة فيها وتتأثربنتائج تطبيقها، فهي معنية بتطوير المعايير من خلال التأثير على واضعي المعايير وممارسة ضغوطات من اجل تطوير او تعديل او الغاء تنسجم مع اطراف معينة من مستخدمي القوائم المالية وان تطبيق تلك المعايير له نتائج اقتصادية هامه تعود على القطاعات المختلفة في اقتصاديات المجتمع.
ونتيجة لتزايد عولمة التجارة والاعمال والاسواق المالية انتقلت عدوى الانهيارات والازمات المالية الى معظم دول العالم، مما ادت الى حدوث خسائر مالية عالية وارتفاع مستمر لمؤشرات البطالة والتضخم والفقر وضياع حقوق اصحاب المصالح وخاصة المستثمريين الحاليين، وفقدان الثقة في المعلومات المحاسبية التي تتضمنها التقارير والقوائم المالية للوحدات الاقتصادية، وقد يعزى محاسبياً للمرونة الممنوحة للإدارة العليا في اختيار وتطبيق بدائل السياسات المحاسبية في ممارساتها سواء في عمليات القياس والأفصاح. ما تحاول الدراسة الحالية الإجابة على التساؤلات الأتي:
1. مدى تأثر الفكرالمحاسبي المعاصر بالنظرية الايجابية في الاقتصادية ؟
2. ما هو دور الفكر المحاسبي المطبق في الممارسات الحالية للوحدات الاقتصادية في الأزمات المالية ؟

أهداف الدراسة
تسعى هذه الدراسة الى تحقيق الاهداف الاتية:
1- التعرف على العوامل المسببة للإعصار المالي 2008.
2- التعرف على الفكر المحاسبي بعد الثورة الصناعية .
3- التعرف على الفكر المحاسبي في ظل الأزمات الاقتصادية في القرن العشرين.
4- التعرف على دور المدخل المعياري في الفكر المحاسبي.
5- التعرف على النظرية الايجابية في الاقتصاد والمحاسبة ودورها في الأزمات المالية.

أهمية الدراسة
بعد تزايد الفضائح والانهيارات المالية وافلاس العديد من الشركات الكبرى ، وتعاظم الخسائر التي تكبدها المستثمرون وحالات الارباك في الاسواق المالية العالمية بسب انخفاض اسعار الاسهم المتسارع نتيجة عولمة الاسواق المالية وحركة رؤوس الاموال بين الدول ، والقصور في معالجة أزمة الإعصار المالي من قبل القادة السياسين في معظم دول العالم وخاصة الدول الرأسمالية، وقد أشارت الصحافة المالية الى العديد من الاسباب التي تقف وراء هذا الإعصار المالي ، كغياب الشفافية والوضوح والتغاضي عن الاخطاء، وتضخيم الانجازات وتقديم أرقام وهمية عن ارباح خيالية ساهمت في رفع اسعار اسهم تلك الشركات في الاسواق المالية دون مبررات اقتصادية فعلية، وتواطؤ شركات المحاسبة والتدقيق مع مسؤلي هذه الشركات ، وتوسع دائرة الفساد بين المسئولين الكبار في هذه الشركات وتقديم الرشاوي لمسئولين حكومين . لذلك جاءت هذه الدراسة لتبين الدور الفكري للنظرية المحاسبية في الإعصار المالي، وذلك من خلال التركيز على ممارسات الشركات لعمليات القياس والافصاح. فالشركات مطالبة بتطبيق معايير محاسبية في عملياتها من اجل توفير معلومات محاسبية لمستخدميها من الاطراف ذوي العلاقة لتساعدهم باتخاذ القرارات الاقتصادية الرشيدة ، الا أن المعايير المحاسبية المطبقة اعطت مرونة لإدارة الوحدات الاقتصادية في اختيار وتطبيق بدائل في طرائق(سياسات) القياس والافصاح المحاسبي ، ويرجع تفضيل الإدارة لطريقة محاسبية معينة على نتائج تطبيقها على منفعتهم الاقتصادية، وفي هذه الحاله قد يمثل نوعا من اغتنام الفرص بالنسبة للإدارة. تبنى الفكر المحاسبي المدخل الايجابي في شرح وتفسير الممارسات المحاسبية التي تعتمدها الادارة والتنبؤ بالممارسات المتوقعة منها.
أما المدخل المعياري الذي اهتمت المنظمات المهنية المعنية بتنظيم الممارسات المحاسبية للوحدات الاقتصادية من خلال ايجاد معاييرمحاسبية تحقق نفعا عاما من تطبيقها ، وتمثل الاداة المناسبة لقياس نتائج نشاطات الوحدات الاقتصادية والافصاح عنها . كان بناء معايير محاسبية تنظم العمل المحاسبي في الوحدات الاقتصادية له اهمية كبيرة في المجتمع لما لها من تأثير في قرارات التخطيط والاستثمار والتمويل والرقابة على استخدام الموارد في النشاطات الاقتصادية. وتأخذ هذه الدراسة أهميتها من حيث مقارنتها بين دور كل من المدخلين السائدين في الفكر المحاسبي في الأعصار المالي في الوقت الحاضر، وذلك من خلال إبراز نواحي قصور كل من هذين المدخلين ودعوة مفكري المحاسبة لإيجاد حل ملائم.

منهجية الدراسة
تحقيقا لأهداف الدراسة ووصولا لأفضل النتائج لبيان دور الفكر المحاسبي في الازمات المالية وتأثيرة على الاسواق المالية وعلى جودة المعلومات المحاسبية ولمعالجة مشكلة الدراسة وذلك من خلال التفكير المنطقي والمقارنة للكشف عن أهمية النظريات المحاسبية المطبقة في الوحدات الاقتصادية، فإن الباحثان سوف يعتمدان المناهج العلمية الأتية:
1- المنهج الاستنباطي
يعتمد المنهج الاستنباطي على التفكير المنطقي الإستنتاجي لمحاولة الربط بطريقة منطقية بين الجوانب المختلفة لتطور الفكرالمحاسبي من خلال الاطلاع على بعض الكتابات والدراسات السابقة التي تحدثت عن مراحل تطور الفكر المحاسبي للوصول الى اسنتاجات لمعالجة مشكلة الدراسة.
2- المنهج المقارن
سيتم استخدام المنهج المقارن للمقارنة بين مناهج النظرية المحاسبية المشكلة للنظرية المحاسبية بهدف بيان اسهاماتها في بروز الأزمة المالية التي يشهدها العالم في الوقت الحاضر.





خطة البحث
لتحقيق أهداف الدراسة ومعالجة مشكلة الدراسة ، فقد تم تقسيم الدراسة الى المباحث الاتية:
المبحث الأول: العوامل المسببة للإعصار المالي.
المبحث الثاني: الفكر المحاسبي بعد الثورة الصناعية.
المبحث الثالث: الفكر المحاسبي في ظل الأزمات الاقتصادية في القرن العشرين.
المبحث الرابع: المدخل المعياري في الفكر المحاسبي.
المبحث الخامس: المدخل الايجابي في الاقتصاد والمحاسبة.
المبحث السادس:الاستنتاجات والتوصيات.

المبحث الأول
العوامل المسببة للإعصار المالي 2008
لم يسبق للصحافة المالية بمختلف وسائلها أن اهتمت بأزمة مالية كالأزمة الراهنة، إذ أن هذه الأزمة أدت إلى انخفاض مؤشرات الأسواق المالية بنسب لم تشهده منذ سنوات طويلة ، وقد انخفضت قيمة أصول الشركات المدرجة في الأسواق المالية وحققت بيوت الاستثمار خسائر هائلة، وتقدر الخسائر التي حققتها أسواق الخليج العربي وحدها بخمسمائة مليار دولار، وبدأ الناس في أمريكيا يشعرون بنقص في السيولة الموجودة في الأسواق، وانتشر الهلع بين المواطنين ، مما حدا بالحكومة الأمريكية إلى اللجوء إلى الوصفة النقدية المعتادة فقررت ضخ 700 مليار دولار لمساعدة الشركات المهددة بالإفلاس.وكان المقترح في بداية الأزمة شراء الديون المشكوك بتحصيلها وخاصة ما يتعلق بسندات الرهن العقاري التي كانت تعبر عن الأزمة الاقتصادية الحقيقية وليس نتيجة سلوك المضاربين، إلا أن الديمقراطيين عارضوا وجهة نظر الرئيس بوش وقالوا أن هذا بمثابة مكافئة للبنوك المهددة بالإفلاس وجعلها رابحة، لذا تحول الرأي إلى زيادة رؤوس أموال المؤسسات المتعثرة، وشراء الحكومة لأسهم ممتازة في هذه الشركات بدافع الحرص على عدم تدخل بإدارة هذه الشركات عن طريق الأسهم الناخبة العامة. ودعت الحكومة الأمريكية إلى اجتماع للدول السبع الصناعية الكبار فتبنت هذه الدول الموقف الأمريكي بضرورة الدعم، إلا أن الأوربيين قرروا شراء أسهم عادية وليست ممتازة.
ثم دعت الحكومة الأمريكية إلى اجتماع لعشرين دولة من بينها المملكة العربية السعودية بالإضافة إلى بعض الدول الأخرى كالبرازيل والهند والصين......، وقد جاء في البيان الختامي لمؤتمر العشرين ليؤكد على ضرورة الدعم المالي بالإضافة إلى المطالبة بوجود ضوابط رقابية على الأسواق المالية دون أن يقضي ذلك إلى التدخل المباشر من الدولة في إدارة هذه الأسواق وهذا ما عبر عنه الرئيس الأمريكي بوش بمصطلح "إصلاح العجلات دون استبدالها".
لعل أهم عوامل الإعصار المالي الراهن تكمن فيما يلي:
أ‌) عولمة الأسواق .
ب‌) ارتفاع أسعار النفط.
ج‌) نمو المضاربات والاتجار بالمشتقات .
د‌) الرهن العقاري.
ه‌) عجز الموازنة الأمريكية .
و‌) ضعف رقابة المصرف الاحتياطي الفدرالي على البنوك الأمريكية الأخرى .

والأتي عرض موجز لهذه العوامل :
أ‌) العولمة الأسواق .
أدت المنافسة وتحطيم الحدود الجمركية والسياسية بين الدول بعد توسع نطاق السوق واتساع العولمة لتغطي معظم أرجاء كوكبنا وتهافت كافة دول العالم على الدخول إلى المنظمة الدولية للتجارة إلى زيادة نفوذ الشركات متعددة الجنسيات وسيطرتها على أسواق العالم وما يعنيه ذلك من الحد من حرية المنافسة، وقدرة هذه الشركات المتعددة الجنسيات من رسم الأسعار والتحكم بالإنتاج والتوزيع عبر أنحاء العالم .
وقد أدى ذلك إلى تحطيم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وعدم قدرتها على الصمود في وجه الشركات العظمى، وهذا ما أدى بطبيعة الحال إلى تفتت شرائح من الطبقة الوسطى لتنظم إلى شريحة الفقراء التي تتعاظم باستمرار على مستوى العالم كله .
وبالرغم من أن غالبية هذه الشركات متعددة الجنسيات أمريكية الجنسية إلا أن هدفها هو تعظيم الأرباح دون التقيد باعتبارات وطنية أو سياسية، وهذا ما دفعها إلى نقل استثماراتها إلى آسيا حيث تنخفض أجور اليد العاملة ومعدلات الضرائب مما يؤدي إلى زيادة الأرباح وقد أدى تمركز هذه الشركات في الصين الشعبية في العقدين الماضيين إلى تحقيق الصين أعلى معدلات للتنمية . وهذا بدوره أدى إلى اعتماد المستهلكين الأمريكيين على منتجات مصنوعة في الصين، وتزايد البطالة في أمريكا نفسها بالإضافة إلى تفشي الكساد في قطاعات اقتصادية عديدة .

ب- ارتفاع أسعار النفط.
وقد عملت هذه الشركات على رفع أسعار النفط تدريجياً مما زاد من تكاليف المعيشة في كافة أنحاء العالم، وحين وصلت الأسعار إلى حدود تزيد على مئة دولار للبرميل صارت صناعة الوقود الحي (الميثانول) مبررة اقتصادياً، وهذا ما أدى بدوره إلى ارتفاع أسعار الحبوب وغيرها من المواد الغذائية مما هدد عشرات الملايين في العالم بالمجاعة، ورفع من معدلات الكساد التي يعيشها الاقتصاد الأمريكي . وقد لجأت الحكومة الأمريكية إلى تطبيق النظرية الاقتصادية النقدية، فاستدانت أموالاً، أعادت ضخها إلى كافة دافعي الضرائب بمعدل 800$ لكل دافع ضرائب لمحاولة رفع الطلب في السوق المحلي وتلافي حلول الكساد، إلا أن الأسبرين لا يؤدي إلى شفاء المريض بل يريحه مؤقتاً .

ج- المضاربة في المشتقات المالية .
اتسعت في السنين الأخيرة المتاجرة بالمشتقات المالية (Derivatives) من عقود مستقبلين أو آجلة أو مضاربة على أسعار صرف العملات أو أسعار الفائدة وغيرها. وبلغ حجم تجارة هذه المشتقات أضعافاً مضاعفة من حجم التداول السلعي المتاح في العالم، مما أدى إلى رفع الأسعار بشكل متصاعد وبالرغم من أن المعيار المحاسبي الدولي (IAS39) منع بقاء مثل هذه المضاربات خارج الميزانية، لكن ضخامة عمليات المشتقات وتنوعها وعدم تأثيرها في النقدية أو الأصول أو الالتزامات الأخرى جعل الرقابة عليها من قبل مدققي الحسابات غاية في الصعوبة .
د- الرهن العقاري.
يلعب قطاع السكن دوراً قيادياً في النمو الاقتصادي في كافة دول العالم، ويعد سوق السكن في الولايات المتحدة سوقاً مالية بكل ما للكلمة من معنى، إذ أن مجرد قيام الشركة ببيع المنزل أو الشقة إلى أي مواطن دون النظر إلى دخله أو وظيفته تقوم برهن الشقة المباعة مقابل أدوات مالية يوقعها المشتري ويمكن بيعها إلى المصارف بأسعار تختلف باختلاف الظروف الاقتصادية السائدة ومنها الطلب على السكن الذي يتأثر بحالة التشغيل السائدة في المجتمع، فكلما قلت البطالة وارتفعت الرواتب والأجور، وانخفضت تكاليف المعيشة كلما ارتفع سعر هذه الورقة المالية والعكس هو الصحيح، وقد أدى الكساد الذي واجه الاقتصاد الأمريكي في السنوات الماضية إلى انخفاض الطلب على السكن وانخفاض سعر الأدوات المالية الخاصة به، مما ألحق الخسائر بالشركتين العملاقتين اللتين تمارسان نشاط السكن في لولايات المتحدة، وقد أدى تفاقم أزمة الكساد عام (2008م) إلى إفلاس هاتين الشركتين، كما تم إفلاس بنك (Leman Brothers) الذي كان يتعامل بالأدوات الخاصة بالرهن العقاري . وقد أدى إفلاس هذا البنك إلى تهديد مصارف أخرى اشترت منه أدوات مالية أو أسهم أو من غيره من البنوك المتعثرة، وهكذا عم الإفلاس وانخفضت مؤشرات الأسواق المالية في نيويورك ثم في دول العالم الأخرى . وكان لابد من اللجوء إلى النظرية النقدية مرة أخرى فتقرر ضخ 700مليار دولار تقدمها وزارة الخزانة لإنقاذ الموقف عن طريق شراء أسهم ممتازة في البنوك المتعثرة، وفي شركتي البناء المفلستين لزيادة رأس المال مما يمكن من دوران عجلة الاقتصاد من جديد، كما تبنت الدول الأوروبية كإنجلترا وبلجيكا نفس الأسلوب لكن عن طريق شراء أسهم عامة بما يمكن الحكومة من التدخل في اتخاذ القرار .
ه- عجز الموازنة الأمريكية .
أدت الحروب التي خاضتها أمريكا في العراق وأفغانستان إلى تراكم العجز في الموازنة الأمريكية عن طريق اللجوء إلى الاقتراض بسندات الخزينة وغيرها من الوسائل مما أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية التي تعيشها أمريكا عن طريق الحد من الإنفاق العام داخل الولايات المتحدة وإضعاف الحوافز الاستثمارية بصورة عامة .
و- ضعف رقابة المصرف الاحتياطي الفدرالي
إن الحكومة الأمريكية سبق أن أعفت مصرف ليمان براذرز(Leman Brothers) من رقابة المصرف الاحتياطي الفدرالي، بدعوى أهمية هذا المصرف من الجانب الاستثماري وخاصة دعم قروض السكن، كما أن المصارف الأمريكية لا تخضع لقواعد بازل الولية حرصا من الحكومة الأمريكية على حرية العمل المصرفي وسريته.






المبحث الثاني
الفكر المحاسبي بعد الثورة الصناعية
كانت الثورة الصناعية نتيجة للحرية الفكرية التي تمتعت بها أوروبا في بداية عصر النهضة، وانتشار الفكر العلمي والمدرسة التجريبية في الإثبات، مما أدى لاختراعات علمية عظيمة أفسح المجال أمام الصناعة للاستفادة من الآلات والمعدات التي نتجت عن هذه الاختراعات، وهذا أدى بدوره إلى الحاجة إلى رؤوس أموال كبيرة قادرة على تمويل الآلات الحديثة، فتهاوت المشروعات الفردية التي لم يكن لديها مالاً كافياً لشراء هذه الآلات، وقلما تمكنت الشركات التضامنية من الصمود وتأمين المال اللازم .ونتيجة التقدم الاقتصادي في مجال الصناعة والتجارة تأثرت الاشكال التنظيمية للمشروعات الاقتصادية القائمة، فقد أدى إلى نشوء الشركات المساهمة وانفصال الملكية عن الإدارة، وأصبح مجلس الإدارة المنتخب من المساهمين يقوم بإدارة الشركة المساهمة ****ل عن المساهمين ،وقد انعكس هذا التحول على أغراض المحاسبة فأصبحت تركز على القياس والتقييم بعد ان كانت تركز على الرقابة كغرض رئيسي وبرزت الوظيفة الاعلامية.
وقد أدى التطور الصناعي الى تطوير المزيد من أساليب القياس المحاسبي وخاصة في مجال التحليل التكاليفي، وقد استخدم التحليل الحدي في التكاليف ، واستخدم المدخل الرياضي لتحليل العلاقة مابين التكلفة والحجم والربح(مطر،2004).
أما النظرية الاقتصادية السائدة في تلك المرحلة فهي الحرية الاقتصادية والمنافسة التامة على جميع المستويات، وقد كان الطلب على الإنتاج أكثر من العرض بكثير وهذا ما أدى إلى تراكم الأرباح وتوسع حجم المشروعات القائمة ونشوء المشروعات الجديدة.
وكان على الدولة أن ترعى هذه المنافسة دون أن تتدخل فيها، جاعلة من تأمين الأمن والسيادة والعلاقات الدولية الملائمة لتأمين الأسواق الجديدة هي الوظيفة الأساسية التي ادت إلى نشوء الحروب والمنازعات بين الدول القومية الناشئة التي تصارعت على الاسواق .
وقد شهد الفكر المحاسبي في تلك المرحلة تطوراً عميقاً من خلال ضرورة الشروع بالإعلام أو الإفصاح لإعلام المساهمين وغيرهم من المهتمين بوضع الشركة المالي عن واقع هذه الشركة لإتحة الفرصة لهم لاتخاذ القرارات الاستثمارية اللازمة . دون أن تكون الشركة ملزمة بتطبيق مبادئ أو معايير محددة للمحاسبة، إذ أن حرية الإدارة فيما تضمه من سياسات كانت تشمل المحاسبة أيضاً، حتى أن بعض المشروعات كانت تمتنع عن تسجيل استهلاك أصولها الثابتة في بعض السنوات إذا كانت الأرباح أقل من الأرقام المتوقعة، أما تغيير طرق صرف المخزون من FIFO إلى LIFO فهي قرار الإدارة الذي لا ينازعها فيه منازع وهي الأكثر انسجاماً مع حرية الإدارة المطلق في جو من المنافسة التامة (القاضي ، وحمدان، 2007) .
في ظل هذه الظروف قام باتون (Paton,1922) بوضع أول محاولة لبناء نظرية المحاسبة عام 1922م أستجابة لتزايد أهمية شركات الاموال وتعاظم دور المحاسبة كنظام للمعلومات، وقد اعتبر التكلفة التاريخية هي الحقيقة الوحيدة التي تبنى عليها المحاسبة في ظل مفهوم استمرار المشروع، وأن القياس الحقيقي لنتائج أعمال المشروع لا يظهر إلا عند توقف المشروع عن الاستمرار لأي سبب من الأسباب التي تفرض هذا التوقف سواء كان سبباً قانونياً أم مالياً أم اقتصادياً، وإن تصفية المشروع هي التي تفرض عليه التوقف عن التكلفة التاريخية واللجوء إلى أسعار السوق التي تستخدم في التصفية . اما في ظل فرض استمرارية المشروع Going Concern فإن على المحاسب أن يغمض عينيه عن تغير الأسعار أو تغير مستوى الأسعار، أما الباحثين عن القيم السوقية للأسهم التي تباع بموجبها في السوق المالي فإنهم لن يجدوا ضالتهم في الدفاتر المحاسبية أو في النظرية المحاسبية، بل عليهم الذهاب إلى السوق المالي .
ولا شك أن اعتماد التكلفة التاريخية تمثل دليل موضوعي لوقوع حدث اقتصادي بين المشروع والغير، قد أسبغ على نظام التكلفة التاريخية موضوعيتها وحرم الإدارة من فرصة التلاعب بالأرباح من خلال إعادة تقويم الأصول بما يتفق مع مصالحها في ظل نظرية الوكالة التي سمحت لها بإدارة الشركة نيابة عن المساهمين .

المبحث الثالث
الفكر المحاسبي في ظل الأزمات الاقتصادية في القرن العشرين
أدت المنافسة الحرة بين الوحدات الاقتصادية إلى التوسع في استخدام التكنولوجيا وتضخم رؤوس الاموال المملوكة والمقترضة لتقديم منتجات أفضل بأسعار أقل، مما أدى إلى سيطرة الشركات العملاقة متعدية الجنسية ذات الكفاءة الأعلى والاسعار الأقل بسبب اعتمادها على عدد أقل من العمال وطرق تكنولوجية أكثر تقدماً. وهذا بدوره أدى إلى زيادة العاطلين عن العمل، وزيادة حركة الإفلاس، وانخفاض مؤشرات الاسواق المالية، وتراجع الثقة بالبورصات وسيطرة الهلع على نفوس المستثمرين، بالإضافة إلى تنامي الحركات العمالية المنادية بإسقاط النظام الرأسمالي الحر، وقد كان لهذه الظواهر آثار عميقة على النظرية الاقتصادية والفكر المحاسبي .والاتي استعراض موجز للمدارس الفكرية خلال تلك الحقبة:
أ‌) موقف النظرية الاشتراكية من الأزمة :
كانت الدولة في ظل النظام الرأسمالي تقف موقف المتفرج تاركة المنافسة تنظم السوق من خلال الدورات الاقتصادية وما يرافقها من انتعاش أو انكماش، وما ينجم عن ذلك من تراكم الأرباح وتوسع المشروعات، ثم جمود الحركة الاقتصادية وزيادة العرض عن الطلب وظهور أزمات جديدة، مما جعل البعض من الاقتصاديين الكلاسيكيين يرمز إلى هذه الحركة اللولبية على أن النظام الرأسمالي يجدد نفسه من خلال الأزمات .
إلا أن زعماء الاشتراكية الدولية ككارل ماركس اعتبروا أن النظام الرأسمالي قد استنفذ أغراضه وسبب الدمار للإنسانية وفسروا الاقتصاد الرأسمالي على أساس دراسة التاريخ الإنساني الذي اعتبره ماركس يتحرك بحسب حركة حلزونية ديالكتيكية من خلال الصراع بين الطبقة البورجوازية من جهة وطبقة العمال المضطهدين من جهة أخرى، ووضع كتاب رأس المال من خمسة أجزاء ليشرح فيه آلية الاستغلال الذي تتعرض له الطبقة العاملة من خلال قانون القيمة الزائدة للمالكين . وقد استغل ماركس اليأس السائد في أوساط الطبقة العاملة لينشر البيان الشيوعي تحت شعار يا عمال العالم اتحدوا ، وقد نجحت الحركة الشيوعية في السيطرة على نظام الحكم القيصري في روسيا لتنشئ أول دولة لا تعتمد على الاقتصاد السياسي السائد بل على الاقتصاد الاشتراكي الذي لا يقيم للمنافسة أي وزن يذكر، بل يعتمد على التخطيط من خلال سيطرة الدولة كممثلة للحزب الشيوعي الذي يمارس ديكتاتورية الطبقة العاملة (البروليتاريا)، ويعتمد التخطيط على الأسعار الثابتة من خلال نظام للقيمة يبنى على أساس قوة العمل الجسدي المبذولة في الإنتاج دون إعطاء أي قيمة لعوامل الإنتاج الأخرى كالإدارة أو رأس المال ، وكان من المأمول أن النظام الاشتراكي سيؤمن نوعاً من العدالة الاجتماعية والاستقرار في الأسواق التي تهدف سد حاجات الناس جميعاً، الذين تتكفل الدولة بتأمين فرص عمل لهم، حتى لو كان ذلك عبئاً على الإنتاج أو بطالة مقنعة، وقد لمع نجم النظام الشيوعي وتخيل البعض أنه يحمل معه عصا سحرية تنهي الصراعات التي تولدها المنافسة، وتنهي رأس المال المسؤول عن الاستغلال، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع شعبية هذا النظام في الغرب الرأسمالي الذي يعاني من الأزمة، وأيده الكثيرون من المثقفين والقادة النقابيين .
وقد استهدفت المحاسبة في النظام الاشتراكي خدمة الحسابات الاقتصادية القومية المبنية اساسا على نظام من الموازين السلعية والبشرية والمالية والنقدية من خلال الأسعار الثابتة . حيث أعدت جهات التخطيط نظاماً محاسبياً إحصائياً موحداً فيه مبادئ ثابتة للمحاسبة المعتمدة على التكلفة التاريخية بطبيعة الحال . ولم يحقق القادة الشيوعيون مطامحهم في إسقاط النظام الرأسمالي والسيطرة على كافة أنظمة الحكم الأخرى، وإن نجحت الحركة الشيوعية في السيطرة على بعض الأنظمة بالفعل كالصين وفيتنام وكوبا (القاضي، وحمدان، 2008،ص:30-56) .
ب) موقف كينز :
أدى حدوث الكساد العالمي في الثلاثينات القرن العشرين الى زعزعة الثقة في النظرية الكلاسيكية وبالسياسات الاقتصادية التي بنيت على اساسها ، لانها اعتبرت مشكلة البطالة وانخفاض الإنتاج ظاهرة مؤقتة وان الاقتصاد السوق الحر قادر على معالجة هذه المشكلة بشكل تلقائي. لقد هيأت أزمة الكساد العالمي الفكر الاقتصادي لتقبل نظرية جديدة اطلق عليها النظرية الكنزية(العيسى،وقطف، 2006).
بعكس كارل ماركس الذي رأى تقويض الرأسمالية واستبدالها، فإن الاقتصادي البريطاني جون كينز رأى أن علاج المريض ليس بقتله، بل بإنعاشه هذا الإنعاش الذي يتم بالتخلي عن حرفية النظام الرأسمالي والقبول بنوع من تدخل الدولة للحد من الأزمة الاقتصادية ويكمن هذا التدخل في العديد من المظاهر أهمها زيادة الانفاق الحكومي حتى لو كان تضخمياً ضمن حدود محسوبة وهو ما يؤدي إلى توفير فرص عمل جديدة، وامتصاص جزء من البطالة، ويضاف إلى ذلك توسيع مجال الاهتمام الحكومي ليتدخل في الشأن الاقتصادي من خلال تأميم بعض الشركات عن طريق شراء جزء من أسهمها العادية وزيادة رؤوس أموال الشركات المتعثرة وإعطاء الفرص للدولة في المشاركة بإدارة هذه الشركات.
ويأمل كينز أن هذا التدخل يبقى محسوباً ولا يمس طبيعة النظام الرأسمالي المبني على الحرية والمنافسة، وعند زوال الأزمة يمكن أن تخفض الدولة من الإنفاق التضخمي وتلجأ إلى رفع معدلات الضرائب فيخفض العجز في موازنة الدولة وتنخفض الأسعار نسبياً، أما الأسهم التي تم شراؤها ويمكن للدولة بيعها للقطاع الخاص بعد انتهاء الأزمة ، مما يجعل الدولة تحافظ على أسس النظام الرأسمالي دون التدخل المستمر في الشأن الاقتصادي .
ج‌) الأسواق المالية :
أدت الأزمة الاقتصاديةفي عام 1929 الى نتائج هامه على صعيد الاسواق المالية ، فقد تم تنظيم السوق المالي في نيويورك من خلال القانون الصادر في 1933م الخاص بتنظيم السوق والقانون الصادر عام 1934م الخاص بإدارة السوق المالي حيث أسست هيئة الأوراق الماليةSecurities and Exchange Commission(SEC) وتعد الجهة المخولة في تنظيم الأوراق المالية، مما جعل تداول الأوراق المالية محصوراً بالشركات التي اتبعت تعليمات البورصة، وتوفرت فيها المقومات اللازمة لحماية المستثمرين من الغش والتلاعب والاحتيال المالي(Wolk, et al., 2004, p: 60). وقد استفادت البورصات الأخرى من التشريعات الناظمة للبورصة الأمريكية التي غدت أكبر البورصات في العالم .وقد كان التركيز على اتباع المبادئ المحاسبية التي يعتمدها مجمع المحاسبين الأمريكيينAmerican Association of Certified Public Accountants (AICPA) أهم شروط قبول تداول أسهم الشركات في بورصة نيويورك، ولم تقبل إدارة السوق أن تقحم نفسها في إصدار تشريع بمبادئ المحاسبة ومعاييرها بل اكتفت بإناطة هذه المهمة الى المنظمة المهنية المختصة وهي مجمع المحاسبين الامريكيين ، وقد تطورت هذه الصيغة لتتمخض عن اشرااك مجموعة من المنظمات المهنية ذات العلاقة بمعايير المحاسبة او مبادئها من خلال مجلس المعايير المحاسبة الماليةFinancial Accounting Standards Board (FASB)التي أنشئت عام 1973 .وهكذا تميز المنهج الامريكي بالحد من التدخل في المبادئ المحاسبية تاركا للمهنة دورها في هذا المجال معتمداً على مفهوم الأفصاح الذي يمكن قراء القوائم المالية من معرفة طبيعة البدائل المحاسبية المستخدمة تحت مظلة المبادئ المحاسبية المقبولة عموماً(GAAP) .ويتضح أن الأسواق المالية رسخت المدخل المعياري في المحاسبة بما فيه من رقابة وصدقية وحرية للإدارة.

المبحث الرابع
المدخل المعياري في الفكر المحاسبي
إن الخوف من التضليل في القوائم المالية للشركات، دفع الحكومة الأمريكية عن طريق البورصة للاهتمام بسبل الإفصاح في القوائم المالية المنشورة، وخاصة بالنسبة للشركات التي يسمح لها بتداول أسهمها في البورصة . وكان لهذه البورصة الحق في إصدار تشريع حكومي لتنظيم المبادئ أو المعايير المحاسبية، لكن البورصة رأت أن تترك هذا الحق للمنظمة المهنية المسؤولة عن تدقيق حسابات الشركات وهي مجمع المحاسبين الأمريكيين (AICPA) . هذا المجمع الذي اختار الإبقاء على حرية إدارة الشركة في اختيار المبادئ المحاسبية المتبعة شريطة الإفصاح العادل في القوائم المالية عن تلك المبادئ المتبعة، ثم شرع هذا المجمع بتشكيل لجنة الإجراءات لحل المشكلات التي تعترض المحاسبين في التطبيق العملي، وكان من الطبيعي أن يتبع أعضاء المجمع هذه الإجراءات، ونظراً لعدم تحقيق لجنة الإجراءات لمصالح المجتمع المالي في إصدار مجموعة متكاملة لمبادئ المحاسبة يتم تطبيقها بشكل حاسم، قام المجمع (AICPA) بحل لجنة الإجراءات وتشكيل هيئة مبادئ المحاسبة Accounting Principle Board (APB) عام 1959م لإصدار آراء ملزمة للمحاسبين القانونيين في التطبيق العملي، وبالرغم من إصدار هذه الهيئة للعديد من الآراء إلا أن الضغوط من المجتمع المالي حول عدم كفاية هذه الآراء (التي تم ضمها للإجراءات وأصبحت تشكل مع بعضها GAAP) أدت إلى حل هيئة المبادئ المحاسبية ثم الاستعاضة عنها في هيئة معايير المحاسبة المالية (FASB) في 1973م التي غدت تمثل (AICPA) وغيره من المنظمات الممثلة للجهات المهتمة بـ (GAAP) الذي صار يمثل المعايير المحاسبية والإجراءات المحاسبية غير المعدلة أو الملغاة والآراء