المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فلسطين في عام 2000 ؟


Eng.Jordan
11-03-2013, 09:36 PM
أحمد الشقيري

3224ر5ع9

احم أحمد الشقيري

فلسطين في عام 2000/ أحمد الشقيري – عمان:
المركز المثلث، 1990

(83) ص
ر. أ. (644/9/1990)
1- فلسطين – تاريخ أ- العنوان

(تمت الفهرسة بمعرفة المكتبة الوطنية)




رقم الإجازة المتسلسل: 572/9/1990
رقم الإيداع لدى دائرة المكتبات والوثائق الوطنية: 644/9/1990
تاريخ تقديم الطلب: 23/9/1990

المقــدمة

يأتي نشر هذا الكتاب في عام 1990، بمناسبة مرور عشرة أعوام على وفاة أحمد الشقيري، المجاهد العربي الفلسطيني، ودراسة "فلسطين في عام 2000 ؟" مكتوبة بخط يده في عام 1975، ولكنها لم تنشر في حياته وحتى الآن.

تتضمن هذه الدراسة تحليلات للماضي والحاضر (حتى عام 1975م) واستقراء للمستقبل بعد ربع قرن، مع حلول العام ألفين. وبغض النظر عن مدى تحقق توقعات الكاتب، فإن القارئ لهذه الدراسة سيجد فيها حقائق هامة وآراء قيمة، وسيحس بالتفاؤل والأمل بالمستقبل، ذلك أن أحمد الشقيري كان قوي الإيمان بالله ثم بقدرات الأمة العربية. تغمده الله بواسع رحمته وأجزل له الثواب على ما قدم من عمل وفكر في الحياة العربية والدولية.


عمان – تموز (يوليو) 1990م.


فلسطين في عام 2000 ؟

إنه سؤال مثير حقا، وخطير حقا..
إنه مثير حقا لأنه يتصل بأعز آمال الأمة العربية وأقدس أمانيها، ويرتبط بنضال طويل مرير خاضته الجماهير العربية عبر خمسين عاما ويزيد، وبذلت من أجله أغلى التضحيات، والشهداء هم الأغلون والأعلون… وإنه خطير حقا لأنه يتناول مصير الأمة العربية في وحدتها ووجودها، ودورها التاريخي في أداء رسالتها نحو نفسها ونحو الإنسانية جمعاء.

والجواب على هذا السؤال، يطرح بطبيعة الحال وبصورة أكثر تحديدا ووضوحا السؤال بصيغة أخرى، ما هو مصير إسرائيل في عام 2000 ؟ هل ستكون إسرائيل قائمة على التراب الفلسطيني، تحتل ذلك الجزء الغالي من الوطن العربي الكبير.. هل سيظل الشعب الفلسطيني بعيدا عن أرض آبائه وأجداده، نائيا عن مدنه وقراه، ومغانيه ومقدساته؟

لقد انقضى عصر النبوات، وليس لأحد أن يدعي النبوة ليكون قادرا على التحدث في المستقبل والإفاضة في الأحداث قبل وقوعها، فقد أصبحت – وكانت "المستقبلية" علما له قوانين وضوابط تعين الباحث والدارس على قراءة المستقبل.. وكان هذا "العلم"، في الماضي، يستعين بالكهنة والعرافة و*****ة، ولكن أصبح في هذه الأيام، يجمع الحقائق وينظم الوقائع مأخوذة كلها من سجل الماضي والحاضر، ويكون المستقبل، عندئذ، هو بنفسه جواب المعادلة.. أشبه ما يكون بالعمليات الرياضية في الجبر والحساب..

ولكننا، بادئ ذي بدء، يجب أن نحذر من خطأ فادح يقع فيه العديد من الباحثين والدارسين، ذلك أنهم كثيرا ما يتوقعون للمستقبل أن يأتي بنفسه يجر أذياله.. أو أن المستقبل له كيان قائم بذاته يسقط من السماء بغتة أو يبرز من وراء الغيب فجأة في معزل عن نواميس التطور الإنساني وقوانين الحياة المتحركة دائما وسرمدا..

والحقيقة الثابتة أن المستقبل تصنعه عوامل شتى، كما صنع الماضي من قبله، والحاضر الذي نعيشه قد صنع كذلك، ومسيرة الحياة كلها تطور مستمر يصنعه الإنسان، وليس مصادفة أو لقطة يجدها على قارعة الطريق..

وكان لا بد لهذه المقدمة الموجزة لنؤكد أن إسرائيل القائمة اليوم على أرضنا وبين ظهرانينا قد صنعتها "عوامل" متعددة قد تظافرت لتحقق قيامها ووجودها، وتعمل كذلك على استمرارها إلى يومنا هذا.. كما لنؤكد حقيقة أخرى أن "عوامل" أخرى كفيلة بأن تزيل وجودها من على أرضنا وتعيد الوطن السليب إلى أصحابه الشرعيين – شعب فلسطين الأصيل العريق.

وتقودنا هذه البديهية القاطعة إلى أن نبحث عن هذه العوامل – العوامل التي صنعت إسرائيل، والعوامل التي تعمل على إضعافها وإذابتها أو قهرها وإزالتها – وليطمئن الخائفون أننا نقصد إسرائيل الدولة، فإن مصير الشعب الذي خلقته هذه الدولة له بحث آخر ليس له مكان في هذا المقام.

وكائنا ما كان الأمر، فإن هذه العوامل هي التي تحدد الإجابة عن مستقبل فلسطين في العام 2000، أو في أوائل القرن الواحد والعشرين حتى لا نكون ملتزمين بيوم كذا، من شهر كذا، من عام كذا.. والكلام عن مستقبل فلسطين هو بالتالي يتناول مستقبل إسرائيل.. والعوامل في كلا الموضوعين، هما وجهان لقطعة النقد الواحدة تتلخص فيما يلي:

العامل الأول: مستوى القدرة القومية:

حينما صدر وعد بلفور في 1917م، ومن بعده صك الانتداب على فلسطين في عام 1922م، كان مستوى القدرة القومية غاية في الانخفاض والانحطاط، فمنذ أن سقطت السيادة العربية في أواخر
العهد العباسي فقد العرب كيانهم السياسي وتجمدت طاقاتهم وسادهم التخلف على مدى خمسة قرون في عهد الحكم العثماني، وجاءت الحرب العالمية لتستنزف طاقاتهم وكانت ثروتهم الوحيدة هي آمالهم العظمى بالحرية والسيادة والاستقلال، وقد تحركت حوافزها في أواسط القرن التاسع عشر وما بعده.

وما أن وضعت الحرب العالمية أوزارها حتى واجهت الأمة العربية تحديا كبيرا لا تملك القدرة على تطويعه أو ترويضه، فالشمال الإفريقي تحت الاستعمار والحماية، بريطانيا في مصر، فرنسا في تونس والجزائر ومراكش، وإيطاليا في ليبيا.. أما المشرق العربي، وكان مقر الحركة العربية، فقد وقع فورا تحت السيطرة الأجنبية، بريطانيا في العراق والأردن، وفرنسا في سوريا ولبنان، وبريطانيا والصهيونية في فلسطين.. وكل ذلك في عالم كانت الكلمة العليا فيه للحلفاء، فقد خرجوا منتصرين في الحرب.. والويل للمغلوب..

وكانت كارثة الكوارث تلك التجزئة التي حلت بالمشرق العربي، فقد أصبح ميسورا للاستعمار أن يسيطر على البلاد العربية قطرا قطرا وعلى الأمة العربية شعبا شعبا.. ولو أن استعمارا واحدا بسط يده على المشرق العربي بأجمعه لكانت مقاومته الشاملة أيسر وأسرع، ولواجهت الصهيونية "أمة" المشرق العربي بكاملها، بدلا من أن تجد أمامها ستمائة ألف فلسطيني، وكان هذا هو عدد الشعب الفلسطيني في أوائل العشرينات..

وبدأ الصراع على الساحة الفلسطينية.. الشعب الفلسطيني يتصدى للاستعمار البريطاني وللصهيونية العالمية، والأقطار العربية من حوله مشغولة هي كذلك بالكفاح لانتزاع حريتها واستقلالها وإقامة الحكم الوطني على أرضها، وإجلاء الحكم الأجنبي بجيوشه ومؤسساته، وكان الصراع الفلسطيني، والعربي "فقيرا" في قدراته، غنيا في طموحاته، ولا تثريب على شعب فلسطين والأمة العربية في ذلك، فتلك طبيعة الأمور بعد قرون من التخلف والانحطاط..

وتجسد الصراع الفلسطيني في مراحله الأولى بالاحتجاج السياسي، وإرسال الوفود، وإقامة الاجتماعات الوطنية والمظاهرات الشعبية، ثم تطور الأمر إلى اصطدامات مسلحة في المدن الرئيسية، وتصاعد بعد ذلك إلى ثورات شاملة واضطرابات متواصلة ودفع الشعب بخيرة أبنائه إلى ميادين الشهادة، ولكن المعركة لم تكن متكافئة إطلاقا، فالشعب الفلسطيني محدود الموارد يتصدى للصهيونية العالمية بثرواتها واتصالاتها الدولية تسندها الإمبراطورية البريطانية بخبراتها الاستعمارية وجيوشها، وقد بلغت في أواخر الثلاثينيات ما يقرب من مائة ألف جندي بريطاني بأسرابهم الجوية وكتائب دباباتهم ومصفحاتهم.. وكل ذلك في زمن لم يكن في الحياة الدولية إلى عصبة الأمم، وهذه تمثل الدول الاستعمارية المنتصرة، فلا رأي عام دولي، ولا دول عدم الانحياز، ولا دنيا العملاقين تعيش الشعوب الصغيرة في كنف حروبهما الباردة، وصراعاتهما المتعاقبة.
وخلال معظم الحقبة التي خاض الشعب الفلسطيني صراعه الدامي في مواجهة الصهيونية والاستعمار، لم يكن في الوطن العربي شيء اسمه الدول العربية.. لقد كان الوطن العربي كله من المحيط إلى الخليج تحت السيطرة الأجنبية، احتلالا، أو حماية، أو انتدابا أو نفوذا بشكل أو بآخر.. ومع هذا فقد كانت الأقطار العربية تساند شعب فلسطين بالتأييد السياسي، والمتطوعين، والأموال، والأسلحة، ولم يتردد أولياء الأمر في الوطن العربي في أن يناشدوا دول الحلفاء أن يعملوا على إنصاف الشعب الفلسطيني ووضع حد للغزوة اليهودية التي يقودها ويؤيدها الاستعمار البريطاني..

ولكن دول الحلفاء وبريطانيا في المقدمة، كانوا ملتزمين بإقامة دولة يهودية في فلسطين على أنقاض الشعب العربي الفلسطيني، فلم يكد ينتصف عام 1948م حتى أصبح اليهود يؤلفون ثلث السكان بعد أن كانوا لا يزيدون على العشر في أوائل العشرينات.. وأصبح لهم جيش يملك أحدث الأسلحة تولت تدريبه القيادة البريطانية في نفس الوقت الذي حرمت على الشعب الفلسطيني التدريب العسكري وحمل السلاح، فأصبح الشعب الأعزل يعيش في مدن مفتوحة وقرى مكشوفة.

وتخلت بريطانيا عن دورها في فلسطين في عام 1948م لأسباب لا مجال لذكرها، وانتقل الدور إلى الولايات المتحدة، فعملت في قصة طويلة، على دفع الأمم المتحدة إلى إصدار قرار بإنشاء دولة يهودية على أرض فلسطين وأقحمتها على عضوية الأمم المتحدة.. وتوت إمدادها بالسلاح والعون الاقتصادي إلى يومنا هذا..

وقد أوردت هذا التلخيص الموجز لأبرز واحدا من العوامل الأساسية التي أدت إلى خروج فلسطين من الحظيرة العربية، ودخولها في حوزة الصهيونية والاستعمار، وهذا "العامل" هو ضعف القدرة العربية عن الوقوف في وجه الغزوة اليهودية والتصدي لها وردها على أعقابها.

وإذا كان هذا "العامل" هو سبب وجود إسرائيل، فإن استمراره سيفضي حتما إلى استمرار وجودها.. والواقع أن استمرار هذا العامل، وأعني ضعف القدرة العربية، قد مكن لإسرائيل أن تنقل حدودها على أقدام جنودها من خطوط 1947م إلى خطوط 1967م، التي امتدت من جبل الشيخ إلى شرم الشيخ في حرب الأيام الستة..

وهنا يبدأ التطلع من الماضي والحاضر إلى المستقبل.. ويقفز السؤال: هل يستمر هذا العامل الذي أوجد إسرائيل والذي دفع بها إلى احتلال فلسطين كلها والأرض العربية من ورائها في سيناء والجولان.. وبكلام أوضح، هل يستمر عامل القدرة العربية في مسراه إياه وفي مستواه إياه… والجواب على وجه قاطع لا.. ثم لا..

أقول لا.. بالتحليل العلمي الصحيح، والحساب المحسوب الدقيق، لا بالعاطفة القومية فحسب، وليست العاطفة نقيصة ولا عيبا، فإنها روح النضال الإنساني عبر العصور والأجيال.. وإذا فقدت الأمة – أية أمة – عاطفة "التعلق" بالوطن، ضاع الوطن وانعدم النضال من أجله، واستحال من موئل مقدسات وذكريات وأمجاد، إلى زريبة بهائم وأنعام.

أقول لا.. لأن القدرة الذاتية العربية التي كانت في أوائل العشرينات قد تطورت كثيرا في السبعينات بعد خمسين عاما من تصريح بلفور، وصك الانتداب، وبدء الغزوة اليهودية، وهذا التطور شمل مختلف جوانب الحياة العربية..

ففي مجال التقدم الحضاري، انتشرت المدارس والمستشفيات في جميع المدن والقرى في الوطن العربي، وتخرج جيل جديد يعد بالآلاف من الأطباء والصيادلة والمحامين والمهندسين والحرفيين بعد أن كان هؤلاء يعدون بالعشرات.. وتعاظمت وسائل الثقافة العامة من صحافة وإذاعة ودور نشر وندوات ومؤتمرات بعد أن كانت هذه النشاطات هزيلة أو معدومة.. وغدا راديو الجيب أكبر وسيلة للمعرفة في أقصى الريف وفي مضارب الخيام.. وكانت حوافز هذه النهضة منبثقة من طموح الإنسان العربي وبعضها الآخر جزء من التقدم البشري الزاحف من كل مكان إلى كل مكان..

وفي مجال التنمية العامة نشطت الزراعة والصناعة والعمران في جميع الوطن العربي بعد أن كان ذلك كله متخلفا لأجيال من الاحتلال، والفتن والقلاقل التي سادت الأقطار العربية بعد أن انحسر الحكم العربي..

وفي مجال القوة العسكرية أنشئت في البلاد العربية جيوش مدربة تدريبا حسنا، ومسلحا تسليحا جيدا، وعيبها الوحيد أنها ليست جيشا واحدا، أو على الأقل ليست تحت قيادة عربية مشتركة تمارس سلطات حقيقية.. ولم يكن للأمة العربية قبل ذلك – في أحسن الأحوال – إلا شرطة عادية سلاحها العصا، لمن عصى.

ونحن الآن، في عامنا هذا، 1975م، نملك من الطاقات والقدرات، ومن الجيوش والأسلحة ومن الثروات، أضعاف ما تملك إسرائيل.. ومن شاء فليأخذ بين يديه بالقلم والأوراق وسيرى نتيجة الحساب.. والفارق الوحيد، وهو على جانب عظيم من الأهمية، هو أن قدرات إسرائيل بيد حكومة واحدة.. وقدرات الأمة العربية في أيدي عشرين ملكا ورئيسا..

هذه قدراتنا الذاتية في هذا العام، 1975م، وهي قدرات تتنامى وتتعاظم كل عام بل كل يوم.. وهنا يطرح السؤال نفسه، ماذا ستكون عليه حال القدرة العربية الذاتية بعد خمس وعشرين عاما في جميع مجالات الحياة، في التقدم الحضاري وفي الزراعة والصناعة والتعليم والصحة والعمران.. وفوق كل ذلك في مجال القوة العسكرية، فهي العامل الحاسم الذي سيفصل في النهاية في مصير فلسطين في عام ألفين وهو مصير إسرائيل بالذات.

ولا بد لنا أن نلاحظ في هذا المقام أننا نخطئ كثيرا في موضوع بالغ الأهمية.. وهو أننا نهول في قوة إسرائيل ونهون من قوة الأمة العربية.. لقد نسجت إسرائيل الأساطير حول تاريخها ووجودها، وحاضرها ومستقبلها، ونحن صدقنا الأساطير وأصبحنا نتخذ منها أساسا تنطلق منه تصوراتنا للمستقبل.. مستقبل فلسطين وإسرائيل.

ونحن نهون من قوة الأمة العربية، لأننا لا نقوم بعملية الحساب، بروية وهدوء.. إننا ننسى حال التخلف الذي كانت عليه الأمة العربية حين صدر وعد بلفور عام 1917م وصك الانتداب عام 1922م، بل ننساه كذلك على مدى الثلاثين عاما التي كان الانتداب البريطاني والصهيونية يبنيان الوطن القومي اليهودي بالهجرة اليهودية الدافقة وإنشاء القوة العسكرية اليهودية.. وفي نفس الوقت بإضعاف الشعب العربي الفلسطيني وإنهاكه..

نحن لا نرى تعاظم قدرتنا العربية، كما لا يرى الوالد ولده وهو يكبر يوما بعد يوم، ولكنه حين يتذكر طفولته يدرك رجولته.. ولأن بعض المثقفين منا لا يدركون الطاقات الكبرى التي تملكها الأمة العربية، فيصورون المستقبل في عام 2000 تصورا خاطئا.. فهم يرون أن إسرائيل الدولة باقية إلى ختام هذا القرن.. وأن المستقبل سيرى إسرائيل عضوا في نظام فدرالي عربي، على صورة أو أخرى.. ونحن لا نطعن في "ضمير" هذا النفر من الدارسين، ولكننا نأخذ عليهم "عقلهم" وهو يخطئ الحساب والتقدير.

ولا يفوتنا ونحن نقارن بين القدرة العربية الماضية والحاضرة، ثم نركز البصر عليها فيما ستفضي إليه بعد خمسة وعشرين عاما.. لا يفوتنا أننا نملك طاقتين عظيمتين تحررتا وأصبحتا تحت السيادة العربية، أو أوشكتا على ذلك..

الطاقة الأولى هي البترول العربي.. وقد رأينا بعد حرب رمضان ما معنى البترول العربي، في مصانع اليابان وأوروبا الغربية، وما معناه في الأساطيل الأمريكية.. وما معناه في السيارات والمصانع والمستشفيات وسائر مرافق الحياة في الدنيا بأسرها، هذا مع العلم بأن معركة البترول التي خضناها كانت لزجة كالبترول نفسه، وفاحت في ميادينها رائحته الكريهة.. وهذا التلميح يغني عن التصريح!!

والطاقة الثانية، هي المواقع الاستراتيجية للوطن العربي.. إنها فريدة فذة على الصعيد العالمي، وهذه المواقع لا يملك الاتحاد السوفييتي مثلها، ولا الولايات المتحدة.. نحن بيدنا مفاتيح جبل طارق، والبحر المتوسط وقناة السويس، والبحر الأحمر، ومضيق باب المندب، ومضيق هرمز، والبحر العربي، وإذا أضفنا إلى ذلك الموانئ والمطارات العربية.. اتضح أمامنا أن الوطن العربي يمثل صدر العالم برئتيه وقلبه، ومن هذا الصدر تمتد الشرايين والأوردة إلى "جسد" العالم بأسره..

إن بعض الدارسين لا يدركون هذه الحقائق إدراكا كاملا، ولا يدركها معهم عدد من حكام العرب الذين أخذوا يرددون أخيرا، تكريما للقدرات العربية، أن الدول العربية أصبحت تؤلف القوة السادسة في العالم، ولو عقلوا بعض الشيء لأيقنوا أن الأمة العربية في عام 2000 تستطيع أن تكون القوة الثالثة لا السادسة..

ونحن لا نبغي من وراء ذلك أن نكون الدولة العظمى الثالثة، للسيطرة على أحد، أو التعاظم على الغير.. ولكننا نبغي أن نعيش أحرارا في وطننا وأن تكون فلسطين العربية جزء لا يتجزأ من هذا الوطن، ثم نساهم بعد ذلك في ركب الحضارة الإنسانية، ونؤدي قسطا في ميادين الثقافة والعرفان بكل سخاء وتواضع، كما فعلنا في العصور الوسطى، من دمشق وبغداد والقاهرة وفاس..

وهذا "العامل" عن القدرة العربية، وقد لخصنا مستواه في ماضيه وحاضره، مع النظرة إلى مستقبله، يقودنا إلى خطين بيانيين يضعن أمامنا صورة المستقبل في عام 2000 بالنسبة إلى الأمة العربية وأثر ذلك على مستقبل القضية الفلسطينية.. ذلك أن المستقبل واحد.. ولا يمكن أن يفصل الواحد منهما عن الآخر. إن ضعف الأمة العربية هو الذي أفضى إلى قيام إسرائيل في الماضي.. وأن قوة الأمة العربية في المستقبل هي التي ستفضي إلى تحرير فلسطين وزوال إسرائيل.. وأن الذين يعرفون الأمة العربية معرفة علمية صادقة ويعرفون قدراتها التاريخية الماضية ويضيفون إليها قدراتها المعاصرة، سيصلون إلى هذه الحقيقة الأكيدة.. إلى الحتمية العلمية، التي توضحها الوقائع والأرقام.

والخطان البيانيان اللذان ترسمهما الوقائع والأرقام واضحان كل الوضوح.. الخط البياني لإسرائيل منذ نشوئها إلى يومنا هذا نراه آخذا في الصعود عبر الخمسة والعشرين عاما الماضية، وها هو الآن بدأ يميل إلى الانحدار.. ذلك أن قوة إسرائيل قد وصلت درجة الإشباع، ولم يعد عندها مجال لصعود.

أما الخط البياني العربي، فقد كان هابطا في الماضي في اتجاه الانحدار.. وقد أخذ يتجه نحو الصعود وهو في هذا العام 1975م لم يصل إلى درجة الإشباع.. إنه في البداية وأمامه طريق طويل في الصعود لأن طاقاته في بداية الاستخدام وبينه وبين درجة الإشباع قرن أو قرنان.

والنتيجة الحسابية لهذين الخطين البيانيين، أن الخط العربي الصاعد "سيقطع" الخط الإسرائيلي المنحدر، وستكون حقبة "القطع" في عام 2000. وإذا كنا – أنا وجيلي _ لن يقدر لنا أن نرى ذلك المستقبل الأكبر والأسمى والأعظم، بعيوننا، فسيراه أولادي والملايين من أبنائنا الذين يدبون على الأرض العربية.

العامل الثاني: الحكم العربي المعاصر:

الحكم العربي لا يمكن انفكاكه عن ماضي القضية الفلسطينية، ولا عن حاضرها. وكذلك فإنه لا يمكن انفكاكه عن مستقبل القضية الفلسطينية في مستقبلها عند "فاتح" العام 2000. ولا بد لنا في معالجة هذا "العامل" أن لا نخون الصدق والصراحة، وأن لا تخوننا الذاكرة، وهي مدعومة بالوثائق، وأكبر هذه الوثائق هي كارثة فلسطين، وهي ماثلة أمامنا تطالعنا مأساتها وعارها كل صباح ومساء..

ولقد بدأت صلة الحكم العربي المعاصر بالقضية الفلسطينية في أواخر عام 1936م، حين كان الشعب الفلسطيني يخوض ثورته الكبرى في وجه القوات البريطانية والصهيونية، أيام إضرابه الشهير وبعده، وقد امتد ستة أشهر كاملة..

في تلك الحقبة، وجه الملوك والأمراء العرب، وكانوا قلة في ذلك الوقت لا يتجاوزون أصابع اليد، نداء إلى "أبنائهم" عرب فلسطين يطلبون إليهم وقف الإضراب والثورة، اعتمادا منهم على "صداقة بريطانيا والثقة بحسن نواياها" وأوقف الشعب الفلسطيني إضرابه الكبير وثورته الباسلة. ولم يفعل الملوك والأمراء أكثر من بضعة برقيات ومقابلات ومذكرات، ناعمة كالرياحين، طرية كالورود.

وفي عام 1939م، دخل الحكم العربي المعاصر في دور آخر

في قضية فلسطين، ذلك أن الحكومة البريطانية دعت وفودا عربية تمثل خمس حكومات عربية، وكانت هذه كل الحكومات العربية يومئذ، إلى مؤتمر لبحث القضية الفلسطينية، عتمت مباحثات قانونية وسياسية، فلم يفض ذلك المؤتمر إلا إلى نتائج محدودة كان الفضل فيها لثورة الشعب الفلسطيني لا للجدل القانوني السياسي.. ومع ذلك فسرعان ما تبخرت تلك النتائج المحدودة تحت "الحرارة اللاهبة" للحرب العالمية الثانية.

وفي عام 1942م دخل الحكم العربي في مرحلة الجامعة العربية، ومضت ثلاثة أعوام من الاجتماعات التحضيرية، والمآدب، والتصريحات، والصياغات إلى وضع ميثاق الجامعة العربية في ربيع 1945م، وكان حظ فلسطين "ملحق" يتسم بالصياغة البارعة، ثم تلا ذلك حشد من المذكرات السياسية واللقاءات الدبلوماسية في القاهرة ولندن وواشنطن لتأييد عرب فلسطين في مطالبهم العادلة المشروعة.

وفي عام 1948م دخل الحكم العربي في حرب فلسطين بعد أن تطورت الأمور تطورا خطيرا، وراحت القوى الصهيونية تنفذ قرار التقسيم الذي أصدر في الأمم المتحدة في خريف 1947م بإقامة دولة يهودية. وانتهت حرب الثلاثين يوما بما نعرف من حلول الكارثة، وتشريد الشعب الفلسطيني عن مدنه وقراه، وإعلان الدولة اليهودية متجاوزة الأرض الفلسطينية التي خصصتها لها بالأصل الأمم المتحدة ظلما وبغيا وعدوانا.

وفي الأدوار الأربعة المذكورة، من عام 1939م حتى عام 1948م يتحمل الحكم العربي المسؤولية الكاملة عن التردي الرهيب الذي حل بالقضية الفلسطينية وعن إقامة إسرائيل، وما تلا ذلك من تشريد الشعب الفلسطيني عن موطن آبائه وأجداده.

لقد كانت الكارثة التي وقعت متوقعة من غير أدنى ريب، ولم بكن الحكم العربي في حاجة إلى عبقرية ليدرك الخطر الذي كان يحيط بالقضية الفلسطينية يومئذ، فقد كانت الصهيونية تعلن عن أهدافها بصورة واضحة وجلية، وكانت الهجرة الرسمية وغير الرسمية تغمر البلاد يوما بعد يوم، وباخرة بعد باخرة، وكانت العصابات اليهودية تعيث بالبلاد تدميرا وتقتيلا، وجاء على رأس ذلك قرار الحكومة البريطانية بالجلاء عن فلسطين تحت حجة مخزية، مضحكة مبكية، خلاصتها أنه ثبت لها "عدم إمكان التوفيق بين التزاماتها لليهود وللعرب"، وكان ذلك واضحا من البداية قبل ثلاثين عاما، يوم تعهدت بريطانيا للفريقين بتلك الالتزامات المتناقضة!!

وقد كان الحكم العربي يراقب هذه الأحداث الرهيبة تجري على الساحة الفلسطينية ويتابع أنباء الغزوة الصهيونية الاستعمارية ولا يعالجها إلا بالجهود السياسية الرخوة والقليل من العون المادي للشعب الفلسطيني، ويوم دخل الحرب الشاملة في ربيع 1948م، دخلها من غير استعداد ولا تخطيط ولا قيادة رشيدة، وفي جو من التصاريح بين هذه العاصمة العربية أو تلك، حتى أن الأسرة الهاشمية لم تكن على رأي واحد في كل من عمان وبغداد. وكان النصر أمرا طبيعيا لإسرائيل والهزيمة نتيجة منطقية للحكم العربي.. ولا أقول للأمة العربية.

وبعد ذلك كله، دخل الحكم العربي في دور خامس، أثناء العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956م، فوقعت سيناء وقطاع غزة تحت الاحتلال وتظافرت ظروف متعددة فتم جلاء القوات الإسرائيلية وحلت محلها قوات الطوارئ الدولية وتم لإسرائيل الملاحة الحرة في خليج العقبة.

ثم دخل الحكم العربي في دور سادس، في حرب الأيام الستة، فاجتاحت إسرائيل الضفة الغربية وسيناء والجولان وألحقت بالجيوش العربية هزيمة نكراء، لا يمحوها إلا نصر ساحق يقتلع إسرائيل من جذورها، ذلك أن انكسار مائة مليون من العرب لهم تاريخهم العسكري المجيد، في حرب الساعات الست هيهات هيهات أن يكون له عوض. والحكم العربي لا يستطيع ان ينجو من حكم التاريخ وكل ما قيل دفاعا عن تلك الهزيمة الكبرى او تبريرا لظروفها سترفضه الأجيال العربية المقبلة وتحكم عليه بالازدراء والاحتقار..

ودخل الحكم العربي في دور سابع في حرب رمضان المجيدة، وبها بدا الخط البياني العربي يتوقف عن الانحدار، وأخذ يتحرك نحو الصعود قليلا. لقد كانت حربا مجيدة حقا أعادت للجندي العربي ثقته برجولته وبطولته، وأعادت للأمة العربية إيمانها بذاتها، وألزمت العالم أجمع باحترام الأمة العربية وتقدير قدراتها الروحية والمادية..

ولقد كانت حربا محددة الهدف منذ البداية، ولكنها لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، حرمت الجيش الإسرائيلي من أن يسجل نصرا جديدا، واستطاعت أن تلحق به رضوضا شديدة وتثخنه بجراح أليمة لم يشف منها حتى الآن.

ولقد رافق حرب رمضان الباسلة، حرب البترول.. وانتهت المعركتان بوقف إطلاق النار، الأولى بعد ستة عشر يوما، والثانية بعد بضعة أشهر، وكان وقف إطلاق النار في الحالتين غير رشيد ولا سديد، وهذا يحتاج إلى كتاب ولا يمكن تلخيصه في مقال أو مقالين..

ولكن أخطر ما وقع فيه الحكم العربي، بعد الحرب المجيدة، هو الخط السياسي الذي أقره الملوك والرؤساء العرب في مؤتمري الجزائر والرباط، فقد اختاروا الوقوف عند تسوية سياسية تنتمي إلى حرب الهزيمة لا إلى الحرب المنتصرة.. إن قرار 242 الذي اعتمدوه قد صدر في أعقاب حرب الأيام الستة وهو أسوأ قرار اتخذته الأمم المتحدة بعد قرار التقسيم لعام 1947م، وإن أسوأ ما فيه وسوآته كثيرة، إنه أعطى لإسرائيل خمسة آلاف كيلومتر من الأراضي الفلسطينية – حدود 1967م – وهذه حصيلة عدوان متواصل عبر عشرين عاما بالتجاوز على خطوط الهدنة لعام 1949م وخطوط التقسيم لعام 1947م.

وإن صورة المرحلة الحاضرة قاتمة من غير شك. فالحكم العربي منقسم على ذاته والأمة العربية ستجد نفسها أمام واحد من اثنين: أمام عودة إلى اللا حرب واللا سلم، وأما تسوية سياسية لا عادلة ولا شريفة.. ولن تفلح الأجهزة العربية التي تنفخ في "الإنجازات الكبرى، والانتصارات الرائعة والمتغيرات الدولية" في أن تقنع الأمة العربية بجدوى هذه المسيرة السياسية.

وقد يبدو للرائي أن هذه الصورة القاتمة ستكون هي صورة المستقبل للقضية الفلسطينية في عام 2000، وأن إسرائيل باقية حتى ذلك العام، وأن لا مناص من أن تعرف بها الأمة العربية وتتعامل معها، فذلك أمر واقع ما له من دافع..

إن الأمر سيكون على العكس تماما. وأن هذه الصورة القاتمة التي نشهدها اليوم، هي بنفسها ستكون نقطة الانطلاق.. نقطة البداية، وسيأخذ الخط البياني العربي، ومعه الحكم العربي في الصعود، وأن الأعوام الخمسة والعشرين المقبلة ستكون حافلة بالأحداث، مليئة بالمتغيرات، وقد يسخر البعض من هذا التصور المستقبلي. ولكن الذين قرأوا التاريخ العربي قراءة واعية عميقة، والذين يعرفون أصالة الإنسان العربي، الجندي والمواطن العادي، والذين يدركون ما معنى بقاء إسرائيل في قلب الوطن العربي، يوقنون اليقين كله أن حكما عربيا جديدا، حازما ورشيدا سيقود الأمة العربية إلى النصر.

وفيما ينظر الحكم العربي الجديد وراءه، فإنه واجد كثيرا من العبر والدروس، وسيجد أن الحكم السالف قد وثب على الحكم بعد حرب فلسطين في عام 1948م لا بمشيئة الشعب ولكن بدافع الظن بأن حكم الرجل الواحد هو الطريق المختصر إلى فلسطين، فالجيش يسلح ويدرب بأمر واحد، والميزانية تعد بأمر ثان، والتحرير يتم بأمر ثالث، وقد رضيت الأمة العربية بهذه المحاولة لإعطاء الفرصة لهذه المغامرة، وقرفا من نظم برلمانية فاسدة تمت في عهدها هزيمة العرب في ساحة القتال.. ولم تثبت الأعوام الخمسة والعشرون الماضية عقم هذه التجربة فحسب ولكنها أثبتت أنها أدت إلى احتلال مزيد من الأراضي العربية، وتعاظم الدولة اليهودية وتفاقم مأساة الشعب الفلسطيني.

وسيجد الحكم العربي الجديد أن الحكم السالف، لأنه لا يستمد وجوده من مشيئة الشعب، قد تعرض لموجات من الانقلابات، وانقلابات على الانقلابات، وأهمل أمر الجيوش العربية وأصبح "واجبها" حماية الحكم والحاكم بدلا من أن تؤدي دورها الأكبر في ساحة الشرف والكرامة.

وسيجد الحكم العربي الجديد أن الحكم السالف قد صادر حرية الشعب، فقد صنع المجالس القومية وصنع النقابات والاتحادات وصنع أجهزة الإعلام ووضع كل ذلك تحت إمرته ومشيئته، وله وباسمه وبأمره تقام الندوات والمؤتمرات والمظاهرات، وتنشر الإعلام واللافتات. ولا يستطيع من له رأي آخر أن يكتب مقالا، أو يعقد اجتماعا، أو أن يدعو إلى مظاهرة، وهذا كيسنجر الوزير الأمريكي طاف بالعواصم العربية فلم يجد عربيا أمامه يحمل لافتة يقول فيها: "العدو لا يكون وسيطا"، هذا على حين أن كيسنجر قد لقي نقدا شديدا في بلاده ومظاهرات صاخبات في إسرائيل.

وسيجد الحكم العربي الجديد أن الحكم السالف قد اتخذ من قضية فلسطين سبيلا إلى البقاء في الحكم، وأنه لا صوت يعلو صوت المعركة، مع أن المعركة مرهونة بصوت الحرية قبل قصف المدفع وأزيز الطائرات. فإن حرية الشعب، الحرية الكاملة، هي طريق التحرير، والأحرار وحدهم هم المؤهلون للتحرير.

إن كل هذه الدروس والعبر هي التي تأتي بالحكم العربي الحر الجديد، وما كانت الأمة العربية في يوم من الأيام أمة عقيمة، ولا كانت الأمهات العربيات إلا ولودات للرجال والأبطال والأخيار والأحرار، وهؤلاء الرجال – ونكاد نراهم في الأعوام الخمسة والعشرين المقبلة – هم الذين سيضعون صورة المستقبل في ختام هذا القرن، فالأمة بقادتها الذين يفجرون طاقاتها ويتصدرون نضالها. ذلك شأن الشعوب دائما، إنها لا تتحرك بذاتها، وذلك شأن معارك التحرير، إنها لا تقاد من غير قيادة، وقادة العرب المؤمنون المناضلون قادمون قادمون.. وليست هذه بنبوءة.. ولكنها الفجر الذي بعد الظلام مهما طال.. ومهما طال فلن يتخلف عن الأعوام الأولى من القرن الواحد والعشرين.

العامل الثالث: الصهيونية:

والصهيونية لا يمكن عزلها عن مستقبل القضية الفلسطينية. وأن مستقبل الصهيونية سيلقى مزيدا من الضوء على المستقبل في الأعوام المقبلة، وإذا كان ماضي الصهيونية وحاضرها هو المؤشر البارز على زوالها، وفي هذا الإطار لا بد لنا أن نتذكر الحقائق التالية:

أولى هذه الحقائق، أن الصهيونية الحديثة هي ربيبة الاستعمار، ولولاه ما كانت لتكون، وبالتالي لولاه لما كانت إسرائيل، فإن إسرائيل هي حصاد الصهيونية زرعته على تراب فلسطين، والمواطن العربي حين يقرأ ما كتبه الدكتور حاييم وايزمن في مذكراته – التجربة والخطأ – يدرك هذه الحقيقة من خلال واقعة لا تخلو من الطرافة والجدية، ذلك أنه حين كان الدكتور وايزمن كما يقول بنفسه، ينتظر في مقر وزارة الخارجية البريطانية في لندن – في نوفمبر 1917م – صدر تصريح بلفور، وخرج إليه السير كريستوفر سايكس سكرتير وزارة الحرب البريطانية وقال له: "يا دكتور وايزمن.. إنه غلام"، إشارة إلى أن التصريح البريطاني بإقامة وطن قومي يهودي في فلسطين قد صدر بصيغته النهائية الرسمية، والواقع أن هذا التعبير الرمزي قد تجسد فيما بعد على أرض فلسطين، فقد كبر "الغلام" على أرض فلسطين، وأصبح بعد ثلاثين عاما دولة تحارب وتنتصر، وتحتل الأرض العربية رقعة بعد رقعة، والصهيونية لم تكن سوى "نقطة" التقطها "رحم" الاستعمار، تكفل بها وأعطاها كل مقوما الوجود والنماء، ومن أجل ذلك، فإن تعبيرنا الشائع من أن الصهيونية هي ربيبة الاستعمار ليس من كلام الشارع، ولكنه يستند إلى وقائع تاريخية لا يرقى إليها الشك.. وحينما كان الصراع على اشده بين الإمبراطورية الفرنسية والبريطانية تطلع الفريقان الى فكرة الوطن القومي اليهودي كركيزة لتحقيق أطماعهما الاستعمارية، فحين كان نابليون في عام 1799م أمام أسوار عكا وجه إلى يهود العالم نداءه الشهير يطلب معاونتهم باعتبارهم "ورثة فلسطين الشرعيين"! ويناشدهم العمل "على إعادة احتلال وطنهم" وأنه قد اتخذ مقره العام في القدس وسيجعله بعد قليل في دمشق "والتقط" المفكر اليهودي موسى هس دعوة نابليون، ونبه اليهود إلى أن فرنسا لا تتمنى أكثر من أن ترى الطريق إلى الهند والصين وقد سكنها شعب (يهودي) مستعد أن يتبعها (فرنسا) حتى الموت، وهل هناك اصلح من الشعب اليهودي لهذا الغرض، فالفرنسيون واليهود قد خلقوا لكي يتبادلوا المنفعة معا، وقامت بريطانيا بدورها في التصدي للأطماع الفرنسية، بل لأطماع محمد علي باشا الكبير، حينما زحف بجيشه على الديار الشامية وكاد أن يصل إلى الأستانة، فبعث اللورد بالمرستون وزير الخارجية البريطانية (1840م) تعليمات إلى سفيره في العاصمة العثمانية يطلب فيها أن يعمل "لإقناع" السلطان، وأن يشجع عودة اليهود إلى فلسطين، لأنهم سيكونون حجر عثرة في سبيل أية أهداف تخطر في بال محمد علي أو من يخلفه، والتصريحات البريطانية الصادرة عن الساسة البريطانيين في القرن التاسع عشر والعشرين تملأ كتابا بكامله وأبرزها أقوال السير ونستون تشرشل، آخر عمالقة الإمبراطورية البريطانية، وكلها تتحدث عن إقامة دولة يهودية في فلسطين يسكنها بضعة ملايين من اليهود لتكون "موقعا بريطانيا لحماية المصالح الإمبراطورية البريطانية، والدفاع عن قناة السويس والطريق إلى الهند" ولم يقتصر الأمر على فرنسا وبريطانيا فقد كان لروسيا القيصرية المطامع نفسها فأقامت مؤسسات كبرى ثقافية ودينية في فلسطين، وكذلك الإمبراطورية الألمانية فقد أنشأت مستعمرات ليهود ألمانيا في فلسطين، تسندها مؤسسات مالية وثقافية.. واليهود قاموا بدور العملاء لهؤلاء جميعا فاتصلوا بهذه الدول واحدة بعد أخرى، والمراجع العلمية غنية بالوقائع والأحداث لتثبت أن الدول الاستعمارية – بلا استثناء – قد احتضنت "الغلام" الصهيوني في فترات مختلفة وأن "الغلام" الصهيوني قد تعامل مع الجميع، وكان ربيبا للجميع..

وإلى هنا يتعين علينا القول أن الاستعمار العالمي قد فقد وجوده أسلوبا وهدفا منذ أواسط القرن العشرين، واتخذ الصراع الدولي أنماطا أخرى في الأسلوب والهدف بسبب تطور الحياة الدولية وأساليب الحرب الحديثة والثورة العلمية المتصاعدة، فقد انتهى عهد الإمبراطوريات وأصبح العالم الدولي في يومنا يربو على مائة وأربعين دولة بعد أن كان مؤلفا في أوائل هذا القرن من بضعة إمبراطوريات، يضاف إلى ذلك أن السيطرة على الطرق التجارية والمواد الخام والأيدي العاملة أصبحت له وسائل أخرى غير الاحتلال العسكري، وضم الأراضي بالقوة المسلحة، ثم إن تطور الأسلحة الحديثة وغزر الفضاء قد أفقد إلى حد كبير قيمة "الأرض" كقاعدة عسكرية، ولم يعد احتلال "المواقع الأمامية" هدفا ضروريا كما كان في الحروب السابقة، ولا أريد أن أقول أن الأطماع الدولية قد احتجبت، وأننا نعيش في عالم من الملائكة، فالأطماع الدولية باقية على حالها ولكن وسائلها قد تغيرت إلى حد بعيد والتطور التكنولوجي أصبح يقول أن بلوغ الأطماع الدولية لم يعد في حاجة إلى هذا الموقع، أو حتى إلى هذه الدولة، وأريد أن أقرر هنا أن الصهيونية لم تعد لها قيمة دولية في سبعينات القرن العشرين كما كانت لها في سبعينات القرن التاسع عشر، وبالتالي فإن إسرائيل القائمة على مشارف البحر الأبيض المتوسط قد فقدت إلى حد كبير في الحقبة الراهنة "قيمتها العسكرية" التي كانت مقدرة لها في الماضي، فقد تحررت الهند ومعها قناة السويس، ولم تعد في المنطقة بأسرها مواصلات إمبراطورية يتحتم "ابتداع" الوسائل للدفاع عنها. وإذا الأمر كذلك، في عامنا هذا 1975م، فإن الأطماع الدولية في عام 2000 ستتخذ أنماطا أخرى ووسائل أخرى، أن "الفضاء" سيكون يقينا بديلا عن الأرض، ليكون ميدان الأطماع والصراع، وستجد إسرائيل نفسها وقد قل عليها "الطلب" وضاعت فيها "الرغبة" وبذلك تفقد أهم مقومات وجودها، وأهم الحوافز لتسليحها وتمويلها والدفاع عنها، وستترك لمصيرها الطبيعي وقدرتها الذاتية، وهذا كله يرسم الصورة العامة للمستقبل، مستقبل إسرائيل في عام 2000 يشهدها ذلك العام نحيلة هزيلة تنتظر الضربة الأخيرة وتبلغ النهاية الطبيعية الكامنة أصلا في بذورها وجذورها.

وثاني هذه الحقائق، أن الصهيونية لا بد أن تخضع في النهاية إلى نواميس الحياة وقوانين الطبيعة، فالصهيونية في الأصل حركة مصطنعة، مهما تألق وجودها لبعض الوقت، لا بد أن تفنى في النهاية ولا بد أن يجرفها تيار التاريخ البشري، ولا بد أن تخضع على المدى الطويل إلى حتمية الوجود الإنساني، إن بضعة ملايين من الناس يطلقون على أنفسهم "الشعب اليهودي" لا يمكن أن يكون لحياتهم ناموس يختلف عن ناموس العالم الذي يعيش تحته مليارات من البشر في جميع قارات الأرض، إن قانون الحياة واحد للبشر جميعا، وطبيعة الحياة تأبى أن يكون لليهود قانون خاص بهم، إن المجتمعات البشرية منذ كانت خضعت لقانون "التمثل أو الاندماج أو الذوبان"، وكل مجتمع بشري في يومنا هو حصيلة ذوبان لجماعات مختلفة الأجناس والأعراق والدماء، ولم يكن اليهود استثناء لهذا القانون، فالواقع أنهم ذابوا في المجتمعات التي عاشوا فيها، في فترات مختلفة من التاريخ. لقد نشأ لبيهود القدماء في العراق وسوريا ومصر وفلسطين، وحينما ارتحل منهم جماعات إلى بابل والاسكندرية وإسبانيا ذابوا فيها، وبعد النصرانية والإسلام تنصر بعضهم وأسلم البعض الآخر، وفي أوروبا ذابوا حيث يعيشون، ودعا كثير من مفكريهم وفلاسفتهم أن يندمج اليهود بين الشعوب التي يعيشون فيها، وكان من أبرزهم مندلسون وأصبحت له مدرسة فكرية تعرف باسمه تدعو إلى التمسك بالجانب الروحي من الديانة اليهودية واعتبارها خالية من أي جانب سياسي، وقد انتشرت الحركة الاندماجية وخاصة بعد الثورة الفرنسية التي أعلنت مبادئ الإخاء والعدالة والمساواة، حتى أن مفكرا يهوديا معاصرا هو مكسيم رودنسن قد أكد في كتابه "إسرائيل والعرب" أن اليهود بعد الثورة الفرنسية قد اندمجوا في حياة أوروبا الغربية بحيث أصبح اليهودي فرنسيا وبريطانيا وبلجيكيا نت أصل يهودي وأصبح تعبير الشعب اليهودي قد عفى عليه الزمن، وكذلك كان حال الاندماج في أمريكا وبريطانيا، لقد رأينا أثر ذلك أن أكثرية اليهود في أمريكا كانوا أقل من ثلاثة في المائة من اليهود، وكذلك كان الأمر في أوروبا الغربية كلها، أما في بريطانيا فقد وفدت عليها الصهيونية من أوروبا الشرقية وكان معظم يهود بريطانيا يقاومون الحركة الصهيونية، وفيما بدأت الحكومة البريطانية تدرس موضوع إصدار تصريح بلفور تصدت الجمعيات اليهودية في بريطانيا بالمعارضة الشديدة، وفي عام 1966م نشرت الحكومة البريطانية الوثائق السرية المتصلة بوعد بلفور فانكشفت ثلاث رسائل كان قد بعثها الوزير اليهودي أدوين مونتاجو يعارض فيها إصدار تصريح بلفور ويؤكد فيها أن اليهودية دين وليست قومية وأن اليهودي البريطاني خائن لبريطانيا إذا كان يتطلع إلى فلسطين، ولكن الاستعمار في مجموعه هو الذي نفح روح الحياة في الحركة الصهيونية بالإضافة إلى أسباب أخرى لم تكن في الحساب..

وأول هذه الأسباب المجزرة الرهيبة التي حلت باليهود على يد القيصر الروسي اسكندر الثالث، فقد اغتال جماعة من اليهود والده في عام 1881م وتبع ذلك اضطهاد لليهود أدى إلى هجرة بضعة ملايين منهم إلى إوروبا الغربية وإلى أمريكا، وهذا يفسر نشوء الحركة الصهيونية في أوروبا الشرقية ، ومولد القيادة الصهيونية الحديثة وعلى رأسها الدكتور وايزمن من يهود أوروبا الشرقية، ومعظم القادة الصهيونيين الذين اتصلوا بالحكومة البريطانية أثناء الحرب العالمية الأولى لاستصدار وعد بلفور كانوا من أوروبا الشرقية، ومن أجل ذلك تصدى لهم الوزير البريطاني اليهودي أدوين مونتاجو وقال أنهم "غرباء لا حق لهم أن يتدخلوا في شؤوننا في بريطكانيا ولا في سياسة بلادنا".

وثاني هذه الأسباب، محاكمة دريفوس، الضابط اليهودي الفرنسي، وهي القضية التي أشغلت المحاكم الفرنسية عدة سنوات، وكان هذا الضابط قد اتهم بالتجسس لألمانيا فثارت ثائرة الشعب الفرنسي وكان من مضاعفاتها أن انتهز الانعزاليون من اليهود الفرصة فثار الجدل حول الاندماج وعدم الاندماج، وأن للشعب اليهودي قوميته ولا خلاص له بالاندماج بل أن خلاصه هو بالبحث عن وطن له أينما كان هذا الوطن، ومع أن الضابط اليهودي قد لقي محاكمة عادلة استمرت في القضاء الفرنسي عدة سنوات، ودافع عنه اثنان من ألمع رجال فرنسا، هما: إميل زولا، وكلمينصو المقلب بنمر فرنسا وقد ترأس الوزارة الفرنسية في الحرب العالمية الثانية، إلا أن هذه المحاكمة أثارت الصحفي النمساوي، تيودور هرتزل، وكان يتابع أخبارها وكان أحد أعلام الاندماج بنفسه، فانقلب إلى قومي يهودي، ووضع كتابه الشهير عن الدولة اليهودية – 1896م، دون أن يشير فيه إلى فلسطين بالذات. ورغما عن أن الضابط اليهودي قد قضت المحكمة ببراءته بالنهاية، وأصدر مجلس النواب الفرنسي قرارا يشكره على خدماته، ومنحته الحكومة الفرنسية وسام فرقة الشرف، ثم أقام له الجيش الفرنسي احتفالا مهيبا، وأعيدت إليه رتبته العسكرية واعتباره الأدبي، ومع ذلك كله فقد كان هذا الحادث، الذي كان يمكن أن يقع لأي ضابط فرنسي مسيحي، الجمرة التي أوقدت الحركة الصهيونية ودفعت إلى عقد المؤتمر الصهيوني الأول في بال سويسرا 1897م، الذي قرر إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين وعقبته ستة مؤتمرات أخرى كلها برئاسة الدكتور ثيودور هرتزل، اليهودي الذي ذاب كليا في المواطنة النمساوية وأصبح فيما بعد قوميا يهوديا داعيا إلى قومية فاقدة كل المقومات.

وثالث هذه الأسباب: الحركة الهتلرية النازية التي كانت وبالا على القضية الفلسطينية، ومن غير مناقشة لمبررات هتلر في عدائه لليهود الألمان، وكانوا صفوة اليهود في كل العالم، فإن الاضطهاد النازي، وهذا أقل ما يوصف، قد دفع بضحاياه اليهود إلى الهجرة إلى فلسطين بأعداد مخيفة، فبعد أن كان مجموع الهجرة اليهودية إلى فلسطين من 1919م إلى 1923م قد بلغ 53 ألف يهودي، وصلت الهجرة اليهودية في عام واحد، 1935م وحده إلى 62 ألفا وبذلك فاقت أربعة أعوام متجمعة، ولا بد أن نضيف إلى ذلك أن ألمانيا الاتحادية – بعد الحرب العالمية الثانية – قد دفعت إلى إسرائيل مليارات الدولارات وأطنانا من الأسلحة والذخيرة كتعويضات على الجرائم النازية التي اقترفت ضد اليهود في ألمانيا، وبذلك باتت الحركة الهتلرية عاملا قويا في دعم إسرائيل بالمال والسلاح والرجال، كل ذلك في ظروف كانت فيه إسرائيل ترزح تحت أعباء اقتصادية ضخمة، وكانت الهبات الألمانية السخية "أعواما جديدة" في حياة إسرائيل، وفوق كل ذلك، فإن الهتلرية قد دفعت الجماهير اليهودية إلى أن تؤمن بالصهيونية وترى فيها الخلاص.

هذه الأسباب متجمعة قد جعلت من الحركة الصهيونية قوة كبرى لعبت دورا كبيرا في بناء الوطن القومي اليهودي، ثم في إقامة إسرائيل، وأصبحت قوة عالمية لها نفوذها في الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، والمؤتمر الصهيوني لا يزال يمارس نشاطه في داخل إسرائيل بالتنمية والتعمير والتجهيز وجباية الأموال وهو يمثل الحكومة اليهودية العالمية ومن تحته حكومة إسرائيل.

ذلك هو ماضي الحركة الصهيونية وحاضرها ، وليس من السهل أن نستهين بقوتها ونفوذها، ولكن النظر إلى المستقبل على ضوء ماضي الصهيونية لا ينبئ عن استمرار قوتها، فقد تغيرت الظروف العالمية.. تغيرت كثيرا عن الزمن الذي نشأت فيه الصهيونية الحديثة، إن المذابح الروسية قد ولت وعالمنا الحديث لن يتكرر فيه أمثالها لمائة سبب وسبب، في الماضي شهد التاريخ مجازر دينية بين النصارى أنفسهم، على البروتستانت في فرنسا وعلى الكاثوليك في انجلترا، والتاريخ الأوروبي لا يزال يتشح بالسواد على هذه المذابح الرهيبة، كانت تلك الأيام الغابرة على اليهود والمسيحيين سواء بسواء، وكائنة ما كانت أسبابها ودوافعها فقد مضت إلى غير رجعة، ولن تتكرر، ولن يتكرر كذلك "المذهب النازي" من جديد، إن الانسانية تسير نحو الديمقراطية، إلى عالم تسود فيه حقوق الإنسان، ويكون فيه اليهودي مواطنا عاديا في الوطن الذي يعيش فيه، وبهذا تفقد الصهيونية أكبر حوافزها الذي ألهبت به مشاعر العالم، ومعه مشاعر الجماهير اليهودية التي لا تربطها بفلسطين إلا الأساطير الضاربة في أعماق الخرافات.

إن الصهيونية تقوم على "فلسفة"عقيمة لا تتفق مع الطبيعة البشرية، واليهود بشر أولا وآخرا، لقد كان الدكتور هرتزل يعتبر أن العلاقات الاجتماعية بين اليهود والأمم الأخرى "غير قابلة للتغيير أساسا"، وذهب الدكتور وايزمان إلى أبعد من ذلك، فقد ذكر في معرض شهادته أمام اللجنة الانجلو أمريكية – 1946م "إن السبب الأساسي لمعاداة اليهود هو أن اليهودي موجود، ويبدو أننا نحمل معاداة اليهود في حقائبنا أينما ذهبنا"، إن هذا الكلام يعكس فكرا بربريا، لا يمت إلى الإنسانية بصلة، إن المشكلة اليهودية إذا كانت لا تزال قائمة، فلا يمكن حلها بعزل وفصل اليهود عن المجتمعات التي يعيشون بها، ولكن بتهذيب الإنسان اليهودي، وتهذيب المجتمعات التي يعيشون بها، ليكون مواطنا صالحا في وطن يكفل له حقوق المواطن، وقد قطعت الإنسانية شوطا كبيرا على هذا الطريق، وأن تكف إسرائيل والصهيونية معا عن حملاتهما الضاربة "لخلع" ولاء اليهود عن مواطنهم "وسوقهم" إلى فلسطين.

وإن حاضر الصهيونية يسير في هذا الاتجاه، على غير إرادتها، لقد فقدت الصهيونية سحرها وبريقها، فلم تعد بيدها "ورقة" المذابح والاضطهادات لتلعب بها على عواطف الرأي العام الدولي ولا على عواطف الإنسان اليهودي، وإذا كان اليهودي قد ارتبط بالحركة الصهيونية في الماضي طلبا للأمن والاستقرار، ففي الأعوام المقبلة سيجد اليهودي ازدياد الأمن والطمأنينة في البلاد التي يعيش فيها، وسيسأل نفسه في المستقبل لماذا أهاجر من وطن أنعم فيه بالحرية والمساواة والأمن، إلى فلسطين حيث الحروب والقلق والاضطراب. وإلى ختام هذا القرن ستظل فلسطين ساحة صراع، لا حبا في الصراع، ولكن سعيا وراء الحق والعدل، إذ كيف ترضى الأمة العربية باستمرار هذا الاحتلال على رقعة غالية من وطنها، وهذا التشريد لشعب من شعوبها ؟

ولن تستطيع إسرائيل أن تعيش طويلا على أسطورة "العودة إلى صهيون" وهو هدف الصهيونية وشعارها، فإن صهيون جبل عربي يقع شرقي مدينة القدس القديمة، ولفظ صهيون نفسه هو كلمة عربية كنعانية، والعبرانيون طارئون على فلسطين، وقد انتهى أمرهم بعد سبيهم إلى بابل وتشتتهم في الآفاق، والعودة إلى صهيون هي حكاية رمزية، والحاخامون وهم مرجع الشريعة اليهودية، مجمعون على أن العودة إلى أرض الميعاد لا تتم إلا بعودة السيد المسيح وتحت قيادته، وكل عودة أخرى هي إلحاد لأنها تخالف النبوات وتستعجل المشيئة الإلهية، والسيد المسيح نفسه وهو أعظم يهودي في التاريخ الإنساني، شنع على اليهود ممارساتهم وانحرافاتهم، وأن إسرائيل ، والعودة ، وأرض الميعاد هي كلها "ملكوت السموات" وزاد على ذلك بولس الرسول أعظم حواريي السيد المسيح، بأن "القدس" هي القدس الروحية في السماء، وأن العودة إليها هي عودة إلى الروح.

وكائنة ما كانت الصهيونية ، فإنها من مخلفات العصور ، ولولا الاستعمار الذي تكفلها ورباها لبقيت مطمورة مغمورة تحت ركام الأساطير والخرافات ، وقد حمل الاستعمار عصاه وارتحل، وأصبح لا بد أن يرتحل من بعده "الرديف" وهو الصهيونية، لتندثر مع الحركات البائدة، وهذا اتجاه أصبح يمثل حاضر الصهيونية وسيمضي في طريقه إلى ختام هذا القرن، ليشهد خاتمة الصهيونية، وقد شهد عام – 1957م – بداية النهاية، في القرار الخطير الذي أصدرته الأمم المتحدة تدين الصهيونية بوصفها شكلا من أشكال العنصرية، وكلاهما إلى زوال، وبزوال الصهيونية تفقد إسرائيل "الروح" التي عملت على نشوئها ولا يبقى إلا الجسد يتهاوى في اللحظة التاريخية الحاسمة، وتعود إلى الوجود مرة أخرى فلسطين عربية حرة مستقلة، ونحن على موعد في عام 2000.

العامل الرابع: بريطانيا:

الأجيال العربية الناشئة لا تعرف دور الاستعمار البريطاني في فلسطين إلا من المراجع العلمية، وهذه على قيمتها لا تؤدي الصورة الحقيقة الكاملة بلحمها ودمها وأعصابها، ولكن الأجيال العربية ، ومنها الفلسطينية ، التي واكبت دور الاستعمار البريطاني في تهويد فلسطين، وبناء إسرائيل ، قضت من عمرها ثلاثين عاما طوالا وهي تشهد الامبراطورية البريطانية بخبراتها الاستعمارية، وقوتها العسكرية، ونفوذها السياسي، تقتلع الشعب الفلسطيني من وجوده القومي عاما بعد عام، بل يوما بعد يوم لتحل محله المهاجرين اليهود يغزون البلاد موجة بعد موجة.. ولم يكن في الأمر خفاء ولا تورية ، فقد أعلن صك الانتداب في المادة الثانية أن بريطانيا "مسؤولة عن وضع البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي" واعترفت المادة الرابعة بالجمعية الصهيونية لتشترك مع الحكومة البريطانية في بناء الوطن القومي اليهودي وأعلنت المادة السادسة أن على الحكومة البريطانية "أن تسهل الهجرة اليهودية، وحشد اليهود في الأراضي الأميرية والأراضي الموات" وفي مواد متعددة تجاهل صك الانتداب الوجود القومي للشعب الفلسطيني، وأشار إليه "بالطوائف غير اليهودية".

وكان أول ما فعلته الحكومة البريطانية لتنفيذ هذه الالتزامات الظالمة أن عينت السير هربرت صموئيل، الصهيوني المعروف، أول مندوب سام على فلسطين، فوضع خلال ولايته التي امتدت خمس سنوات الأسس الرئيسية للوطن القومي اليهودي، ويكفي للتدليل على ذلك أن الدكتور قد أشار في مذكراته إلى أن "صموئيل هو صموئيلنا"، وعلى كل حال فهو صاحب المذكرة الخطيرة التي وضعها عام 1915م حين كان عضوا في مجلس الوزراء البريطاني ، وعنوانها "مستقبل فلسطين" سرد فيها مصالح الامبراطورية البريطانية التي تحتم "إنشاء دولة يهودية في فلسطين بعد سقوط الدولة العثمانية".

وبعد صموئيل، تعاقب على حكم البلاد حتى أواسط عام 1948 عدد من المندوبين السامين البريطانيين يعاونهم كبار الموظفين البريطانيين، وهؤلاء جميعا كانوا يؤلفون ما يسمى "حكومة فلسطين" وهي تابعة لوزارة المستعمرات البريطانية.

وتلخيصا لهذا الحكم البريطاني عبر ثلاثين عاما ، فقد تدفقت الهجرة اليهودية على فلسطين، وبحماية الجيش البريطاني ، ووهبت "حكومة فلسطين" اقطاعات واسعة من الأراضي العامة والموات إلى مؤسسات الجمعية الصهيونية، وما أطل عام 1948م حتى أصبح لليهود في فلسطين جيش مؤلف من ستين ألفا بكامل سلاحهم وعتادهم، كما اعترفت بذلك لجنة التحقيق الانجلو أمريكية، وكذلك أصبحت الوكالة اليهودية "حكومة ضمن حكومة" كما شهدت بذلك لجنة التحقيق الملكية البريطانية – لجنة اللورد بيل، وتهيأ كل شيء لأن تعلن الحكومة اليهودية عن نفسها ، كما جرى بالفعل في ربيع 1948م.

ولم يكن اليهود في ذلك الوقت يزيدون على ثلث سكان البلاد كما شهد بذلك آخر مندوب سام بريطاني على فلسطين بقوله "إن يهود فلسطين قد زاد عددهم من 48 ألفا عام 1922م إلى 640 ألفا عام 1948م وذلك تحت حماية السلاح البريطاني وبفضله".

أما ملكية اليهود للأراضي في فلسطين، فلم تكن تتجاوز خمسة في المائة كما اعترف بذلك بن غوريون أمام لجنة الأمم المتحدة في عام 1947م ، وكانت ملكيتهم بمقدار اثنين في المائة من الأراضي في عام 1920م حصلوا عليها خلال مائة عام أثناء الحكم العثماني، ثم زادوا على ثلاثة في المائة بفضل السياسة البريطانية.

ولهذا، فإن قيام الدولة اليهودية في فلسطين كان نتيجة حتمية للمؤامرات البريطانية الصهيونية، وكان العامل الحاسم هو القوة العسكرية اليهودية، وبذلك وقعت الأرض الفلسطينية في حوزة الدولة اليهودية بقوة السلاح، وأصبح اليهود أكثرية السكان بعد أن أفلحوا في تشريد أهلها الشرعيين، ولقد أجمع الخبراء البريطانيون الذين درسوا القضية الفلسطينية على الطبيعة أنه ما كان لليهود أن يصبحوا أكثرية السكان حتى بالهجرة لأن النمو الطبيعي للعرب سيجعمهم دائما هم الأكثرية ويجعل اليهود على الدوام هم الأقلية.

أما بالنسبة لامتلاك الأراضي فقد كانت تقديرات الخبراء البريطانيون أن اليهود لن يفلحوا أبدا عن طريق الشراء في حيازة الأرض الفلسطينية.

وذلك كله، يفسر السياسة البريطانية في عام 1948م، التي قررت الجلاء عن فلسطين في وقت كان فيه اليهود قادرين بقوة السلاح على إقامة الدولة، وعرب فلسطين عاجزين عن المقاومة والصمود، بل مكرهين على النزوح.

كان ذلك دور بريطانيا في بناء إسرائيل ولولاه لم تكن إسرائيل، وقد انتهى هذا الدور وقد أصبح جزء من تاريخ الماضي، ولم يبق لبريطانيا في الحاضر إلا الدور السياسي والدبلوماسي، وهو دور مؤيد لبقاء إسرائيل مع التفاتة يسيرة إلى ظلامة الشعب الفلسطيني لا تتعدى التصريحات الهادئة كلما قصفت الطائرات الإسرائيلية مخيمات اللاجئين في الأقطار العربية المحيطة بإسرائيل، وبريطانيا ما تزال في أكثر من موقف في الأمم المتحدة تطرح صوتها هي والمجموعة الأوروبية لصالح إسرائيل وضد الشعب الفلسطيني..

وهل يستمر هذا الموقف البريطاني في المستقبل ، وهل سيظل على حاله هذا خلال ربع القرن المقبل، والجواب بالتأكيد أن موقف بريطانيا سيتغير تغييرا جوهريا ، وسنشهده متغيرا حتى بل ختام هذا القرن، أن بريطانيا لم تعد امبراطورية، ولم تعد لها مصالح عالمية تحتم أن تكون إسرائيل جزءا أساسيا منها وستقتصر هذه المصالح على علاقات اقتصادية متبادلة وهذه تعتبر قليقة هزيلة أمام العلاقات البريطانية العربية، إن بريطانيا في عام 1957م لم تعد بريطانيا التي كانت حتى الثلاثينات تقدم هبات مالية بالجنيه الذهب الإنجليزي إلى هذا الملك أو الأمير أو الشيخ في الوطن العربي ليستطيع أن يدفع مرتبات موظفيه المحليين، لقد ولى ذلك العهد إلى غير رجعة، وحل محله عهد آخر على النقيض منه تماما، إن بريطانيا ومعها مجموعة الدول الغربية تشكو تضخما ماليا كبيرا وبطالة عمالية واسعة ومشاكل اقتصادية خانقة، وليس لها خلاص من هذه المصاعب الكبرى إلا بالتعامل مع الثروات العربية الهائلة التي تتفجر كالبراكين الهادرة في الصحارى العربية، لقد أصبح الوزراء البريطانيون يقفون على عتبات الجزيرة العربية وغيرها يلتمسون من "محمياتهم" السابقة أن يمنحوهم القروض والعقود، وأصبح وزير البترول العربي قادرا بتصريح صحفي أن يسقط الجنية الإسترليني في البورصات العالمية، ويسقط معها أسهم الشركات البريطانية ، وقد وقع هذا فعلا وتصحح الموقف في اليوم الثاني حين أصدر الوزير العربي تصريحه الثاني..

وفي هذا التحليل الموجز لماضي السياسة البريطانية ، وحاضر العلاقات العربية البريطانية يكمن المستقبل، مستقبل إسرائيل والقضية الفلسطينية، وأن المصالح البريطانية الكبرى في الوطن العربي والثروة العربية، هي التي ستحدد موقف بريطانيا من إسرائيل في المستقبل، تماما كما كانت المصالح الإمبراطورية هي التي حددت موقفها من الوطن القومي اليهودي، وسيكون المستقبل على نقيض الماضي وستنجح الثروة العربية في حمل بريطانيا على الجنوح إلى العدل إلى جانب الشعب الفلسطيني بعد أن فشل المنطق والقانون والعدل المجرد من دفع الظلم عن الشعب الفلسطيني قرابة ثلاثين عاما.

وفي صراعنا مع إسرائيل في ربع القرن المقبل سنجد بريطانيا ملزمة "بصك المصالح البريطانية" كما كانت ملزمة "بصك الانتداب" أن تؤيد كفاح الأمة العربية لتحرير فلسطين، ولن تعدم بريطانيا العريقة في الصياغة السياسية أن تجد حججا قوية تؤيد فيها القضية العربية من غير مبالاة بإسرائيل ولا بالصهيونية ، فكلاهما لن يكون لهما مكان في "دليل" المصالح البريطانية.

العامل الخامس: أمريكا:

إذا كانت بريطانيا العظمى مسؤولة عن إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين فإن أمريكا مسؤولة عن إنشاء الدولة اليهودية، هذا مع العلم أن دور أمريكا في ماضي القضية الفلسطينية أقدم عهدا من عام 1948م ، وإذا كانت الحركة الصهيونية قد خرجت أصلا في أواخر القرن التاسع من أوروبا الشرقية ومن روسيا القيصرية بالذات، فإن اليهود الذين هاجروا من روسيا ، وكانوا قرابة ثلاثين ملايين، حمل بعضهم بذور الدعوة الصهيونية ، وكانوا أقلية قليلة.. غير أن الجماهير اليهودية بقيت معارضة للحركة الصهيونية حتى أواخر الثلاثينات، تشجب القومية اليهودية، ففي يونيو 1917م حين كان وعد بلفور يدرس في لندن من قبل الحكومة البريطانية ، أعلن رئيس مؤتمر الحاخامين في بافالو نيويورك معارضته للوطن القومي اليهودي وقال "نحن بوصفنا خدام الله والعارفين بالشريعة ليس لنا مكان في الحركة التي تستهدف التجمع على أساس عنصري أو قومي، أو لإقامة دولة سياسية أو وطن معترف به قانونا ، ونحن نعلن من هنا أن رسالة اليهود هي دينية محضة ونؤكد عدم رضانا عن أية حركة تستهدف أمورا غير دينية" وما أن أشرفت المباحثات الرسمية في لندن على الانتهاء لإصدار وعد بلفور حتى أعلن الرئيس ويلسون موافقته على التصريح، ثم ذهب إلى أبعد من الوطن القومي، فأعلن في مارس 1919م بتصريح قال فيه: "إنني مقتنع بأن دول الحلفاء بموافقة حكومتنا وشعبنا التامة هي متفقة على وضع الأسس لدولة يهودية في فلسطين" وكانت هذه هي البداية الرسمية لموقف أمريكا إزاء القضية الفلسطينية.

غير أن الصورة في المشرق العربي كانت على غير ذلك، فقد كانت الأمة العربية نشوانة في تلك الحقبة بالمبادئ الأربعة عشر التي أعلنها الرئيس ويلسون وفي مقدمتها حق تقرير المصير لجميع الشعوب ، وحسبت أن هذه المبادئ ستشملها، وأنه استنادا إلى هاتيك المبادئ ستتمتع الأقطار العربية المنسلخة عن الدولة العثمانية، ومنها فلسطين، بحقها في الاستقلال والحرية.

وتألقت سمعة أمريكا في صفوف الجماهير العربية حتى أن لجنة التحقيق الأمريكية – كنج كرين – التي قامت باستفتاء عام في البلاد الشامية في عام 1919م أعلنت في تقريرها الذي قدمته إلى الحكومة الأمريكية أن أكثرية الشعب تطالب بانتداب أمريكا إذا لم يكن الاستقلال ممكن التحقيق بصورة عاجلة، وأوصت اللجنة في تقريرها العدول عن تجربة الوطن القومي اليهودي وحبذت قيام اتحاد بين فلسطين وسوريا ولبنان، وكانت هذه هي المناسبة الأولى التي أنشب فيها النفوذ الصهيوني مخالبه فبقي تقرير اللجنة الأمريكية مهملا، ولم ينشر إلا بعد أعوام.

ولم يكن لأمريكا بعد ذلك دور بارز في سير الأمور في فلسطين، ذلك أنها كانت تراقب نمو الوطن القومي اليهودي في فلسطين على أيدي بريطانيا حليفتها الصادقة وتؤيد سياستها العامة، وبعد قيام الحكم الهتلري في ألمانيا والاضطهاد الذي جرى على اليهود، راحت الولايات المتحدة تلح على بريطانيا أن تسمح بالمزيد من الهجرة اليهودية إلى فلسطين.

وما أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها حتى نشطت الولايات المتحدة في مساندة الحركة الصهيونية ، وخاصة في عهد الرئيس ترومان، فبدأت أمريكا تأخذ زمام المبادرة في القضية الفلسطينية وتنفذ سياسة الحكومة البريطانية لأنها تتباطأ في تنفيذ التزاماتها إزاء اليهود، وفي عام 1946م وجه الرئيس ترومان كتابه الشهير إلى بريطانيا يطالبها فيه بإدخال مائة ألف يهودي إلى فلسطين، ثم نشطت المنظمة الصهيونية العالمية، ومن أمريكا، في تأييد الإرهاب اليودي الذي كان مسلطا على الشعب العربي في فلسطين، وأصبح شعار "الدولة اليهودية"مطلبا أمريكيا تنادي به الصحافة الأمريكية وعدد كبير من أعضاء الكونجرس.

وأعلنت بريطانيا رغبتها في التخلي عن الانتداب على فلسطين، وعرضت القضية على الأمم المتحدة، وهنا بدأ الدور الأكبر للولايات المتحدة، فأخذت على عاتقها خلال عام 1947م "سوق" المنظمة العالمية لإقرار التقسيم وإقامة دولة يهودية، وقد فضح عدد من المنصفين الأمريكان في كتب متعددة الدور المخزي الفاضح الذي قامت به الولايات المتحدة، بالضغط والإغراء لحمل الأعضاء على إقرار التقسيم، وقامت إسرائيل، واعترف بها الرئيس ترومان، بعد إحدى عشرة دقيقة من قيامها.

ومنذ ذلك التاريخ أخذت أمريكا على نفسها دعم إسرائيل بالأموال والأسلحة والتأييد السياسي، وغدت إسرائيل كأنها الولاية الأمريكية الواحدة والخمسين، انزلقت عبر الأطلنطي واستقرت شرقي البحر الأبيض المتوسط.

وهكذا ، وعلى مدى نصف قرن من الزمان بدأ الموقف الأمريكي يتصاعد شيئا فشيئا في مساندة الحركة الصهيونية ، وأصبح بقاء إسرائيل وازدهارها وقوتها ومنعتها قضية أمريكية داخلية وخارجية على السواء ، ويكفي أن نذكر في هذا الصدد "الجسر الجوي الأمريكي" الذي كان يحمل إلى مطار العريش أحدث وأضخم الأسلحة المتطورة، فتسلم إلى الجيش الإسرائيلي وتدفع إلى المعركة.

كان ذلك هو الماضي، ولا يزال كذلك في الحاضر ، فماذا يكون عليه المستقبل وبين جميع الأدوار التي تناولناها بالتحليل ، باستثناء الموقف العربي ، فإن الدور الأمريكي هو أخطرها وأكثرها تعقيدا ، ومع هذا فإنه ليس بالدور الذي يستحيل التصدي له أو يستعصى تطويعه وتطويقه، وأن المستقبل مرهون بقدرة العرب على مواجهة الدور الأمريكي ، وفي جميع الميادين ، ولا بد لنا أن نعود قليلا إلى الماضي لنرى كيف واجهت الأمة العربية الدور الأمريكي في الماضي والحاضر.. ثم نستقرئ كيف سيواجهونه في المستقبل.

لقد بدأت المواجهة العربية لأمريكا عن طريق الحوار في عام 1946م ، حينما بعث الملك عبد العزيز آل سعود رسالته إلى الرئيس روزفلت شارحا وجهة النظر العربية بشأن القضية الفلسطينية ، وأعقب ذلك اجتماعات الجامعة العربية بمناهضة فكرة التقسيم و "قراراتها السرية" بوقف البترول وعدم إعطاء امتيازات جديدة وتهديد الدول العربية بمقاطعة الولايات المتحدة وأية دولة أخرى توافق على قيام الدولة اليهودية.

ولكن هذا الموقف العربي لم يتعد حدود المذكرات السياسية القائمة على المناشدة والرجاء ، فقد راحت أمريكا تواصل مساندتها لليهود وللدولة اليهودية، دون أن تنفذ المقررات السرية، بل إن الامتيازات البترولية التي منحت للشركات الأمريكية أخذت بالازدياد، وبقي "سلاح البترول" شعارا تنادي به الجماهير العربية، والحكومات العربية تماطل فيه من عام إلى عام ، وتنام عليه من يوم إلى يوم.

وقعت حرب الأيام الستة، فوقعت الأمة العربية صريعة الهزيمة بسبب سوء القيادة وفساد الرؤية وضحالة التفكير والتدبير، ولكن الجماهير العربية تصدت لأمريكا ولسائر الدول الغربية التي ساندت العدوان، فدفعت الحكم العربي إلى فرض العقوبات، فتوقف البترول العربي وانعقد مؤتمر الخرطوم في صيف 1967م لاستكمال أسباب المقاطعة وسحب الأرصدة العربية من المؤسسات الأمريكية والغربية، ولكن الهزيمة التي وقعت في سيناء والجولان والضفة الغربية قد وجدت طريقها إلى قاعات مؤتمر الخرطوم، فأصدر قراره المارق معلنا "استئناف تدفق البترول" ، وبذلك ضاعت فرصة كبرى كانت بيد قادة العرب، فلو أن البترول استمر محبوسا ولو لبضعة أسابيع أخرى لتألب العالم على إسرائيل وزحزحها عن مصر عام 1956م وأجبر الرئيس ايزنهاور المعتدين الثلاثة معا، بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، على الجلاء عن مصر وعن سيناء بالذات.

وبسبب هذا الموقف المرق والمارق، كان على الأمة العربية أن تتحمل عناء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية هذه الأعوام الطوال وما تزال.

وأخيرا ، وقعت المواجهة العربية لأمريكا في حرب رمضان المجيدة، وفرضت هذه الحرب الباسلة أن ينطلق البترول من عقاله وينسل من غمده ، وفي السادس عشر من شهر أكتوبر 1973م قرر وزراء البترول العرب بعض الإجراءات والقيود على تصدير البترول، حتى "يتم انسحاب إسرائيل من كل الأراضي العربية المحتلة" وحتى تعاد للشعب الفلسطيني حقوقه المشرع، وأن يوجه الخفض (البترولي) نحو الولايات المتحدة في المقام الأول، وفيما تقرر وقف إطلاق النار في الثاني والعشرين من شهر أكتوبر، أعلنت الدول البترولية أن "الحظر على تصدير البترول إلى أمريكا سوف يستمر إلى أن يتم انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي العربية المحتلة، وتستعاد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ، وفي الخامس والعشرين من شهر نوفمبر أصدرت منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول تمسكها بالقرارات السابقة واستمرارها في تنفيذها، وفي اليوم الثاني (26/11/1973م) أصدر مؤتمر القمة العربي في الجزائر قرارا يقضي "باستخدام النفط العربي كسلاح والاستمرار في الحظر بالنسبة للدول المساندة لإسرائيل"، وفي 29/12/1973م أصدرت منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول قرارا يعلن أنه "إذا تم التوصل إلى اتفاق حول الانسحاب الإسرائيلي من كل الأراضي المحتلة وفي مقدمتها القدس بموجب جدول زمني موقع من إسرائيل ومضمون من الولايات المتحدة فإن الحظر على تصدير النفط إلى الولايات المتحدة سيرفع فور بدء تنفيذ الجدول الزمني للانسحاب.

إلى هنا، فقد كان كل شيء يسير سيرا حسنا، والأمة العربية راضية رغما عن أن الإجراءات البترولية لم تكن رادعة ولا مانعة بالقدر الكافي، ورضيت الأمة "بالكحل ولا العمى"، غير أن الداهية الدهماء في معركة البترول وقعت في التاسع عشر من شهر آذار 1974م، فقد أفاقت الأمة العربية في صبيحة ذلك اليوم لترى نفسها أمام فاجعة جديدة تضم إلى فواجعها السابقة، ففي ذلك اليوم أصدرت الحكومات العربية قرارا آخر من قراراتها المارقة، ورفعت الحظر عن الولايات المتحدة دون أن تنسحب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة ولا جدول زمني ولا تعهد موقع من إسرائيل ومكفول من أمريكا.

وإذا سأل المواطن العربي عن السبب في هذا التراجع العربي المشين المحزن، بعد القرارات الواضحة الحاسمة، فالجواب هو الدكتور كيسنجر هكذا أراد في طوافه بالعواصم العربية، وكان له ما أراد، وبقيت الأراضي العربية تحت الاحتلال.

هكذا كان دور أمريكا في القضية الفلسطينية في الماضي والحاضر، وهكذا كانت المواجهة العربية للدور الأمريكي، ويبقى أن نتساءل، هل سيظل دور أمريكا ومواجهتنا له على نفس المستوى في الخمس والعشرين سنة المقبلة؟ سنجيب على هذا السؤال حين نبحث الجنب الهام الخاص بالمعركة وفرقاء الحرب..

العامل السادس: روسيا:

إن للاتحاد السوفييتي دورا هاما في القضية الفلسطينية، كما كان للإمبراطورية الروسية القيصرية في الماضي، ولا يغيب عن بالنا أن روسيا في الماضي كانت لها مطامع في الشرق الأدنى، وعلى وجه التحديد في أقاليم تركيا القائمة على عتباتها، ولم تكن فلسطين بالذات بعيدة عن إطار هذه المصالح، وهذا ما يفسر المنشآت والمدارس والكنائس الروسية التي أقامتها روسيا الأرثوذكسية في جهات متعددة من فلسطين، وخاصة في بيت المقدس، وإلى يومنا هذا لا تزال عمارة "المسكوبية" قائمة خارج أسوار المدينة القديمة، وفي مدينة الناصرة "مسكوبية" أخرى هي مصغر بناء الكرملين في موسكو، أضف إلى ذلك أن حجاج الروس الذين كانوا يتوافدون على الديار المقدسة في المناسبات الدينية، كانوا في الواقع مظهرا من مظاهر اهتمام روسيا بشؤون فلسطين، ولا يفوتنا أن نذكر أن أكثر أهلنا النصارى في فلسطين هم من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية، وكانت روسيا تعتبر نفسها حامية المذهب الأرثوذكسي، كما كانت بريطانيا حامية البروتستانتية وفرنسا حامية المذهب الكاثوليكي.

وحينما نشبت الحرب العالمية الأولى نشبت معها المطامع الدولية واتفقت الدول الثلاث: بريطانيا وفرنسا وروسيا على اقتسام تركة الرجل المريض - الدول العثمانية - حينما يلفظ آخر أنفاسه، وتحددت بينهم "شرائح الإمبراطورية العثمانية" باتفاق سايكس بيكو – 1916م – أما بالنسبة إلى فلسطين، فقد كان لروسيا نصيب في الإدارة الدولية التي يجب أن تقام عليها وفق التفاصيل الواردة في ذلك الاتفاق، ولكن روسيا أخرجت من اللعبة الدولية بعد الحرب العالمية الأولى، كما يقع عادة في اللصوصية الدولية.. ففازت بريطانيا بفلسطين كلها تحت اسم الانتداب وبموافقة عصبة الأمم يوم ذاك.

وكرت الأعوام وروسيا الشيوعية مشغولة عن فلسطين والشرق الأوسط بثورتها وشؤونها الداخلية، إلى أن انتهت الحرب العالمية الثانية وعرضت قضية فلسطين على الأمم المتحدة، ورأت روسيا الشيوعية الفرصة السانحة التي ضاعت على روسيا القيصرية، وبدا دور الاتحاد السوفييتي في قضية فلسطين بارزا وحاسما..

وهذا الدور الروسي يؤلف كتابا بكامله، لا داعي لشرحه بالتفصيل، فإن المواطن العربي المعاصر يعرفه بالتفصيل، وقد واكبه منذ بدايته في عام 1947م حتى يومنا هذا، لقد كان موقفا يناقض العقيدة الماركسية اللينينية كما أوضحتها كتابات ماركس ولينين عن الصهيونية، وخلع الاتحاد السوفييتي نفسه من تلك العقيدة، وراح يبحث عن مصالح الدولة الروسية، ورأى من مصلحته أن يؤيد التقسيم وإقامة دولة يهودية، وقد امتلأت محاضر المنظمة العالمية بالخطب التي ألقاها أندريه جروميكو، الوزير الحالي الذي كان يومئذ المندوب الدائم للاتحاد السوفييتي، حيث نادى "بالحقوق التاريخية للشعب اليهودي في فلسطين، وأن التقسيم هو الطريق الوحيد لتحقيق السلام في فلسطين، وأن إقامة دولة يهودية أمر لا مندوحة عنه".

وألقت الكتلة الاشتراكية أصواتها إلى جانب التقسيم، الذي فاز بصوت واحد فقط، ولو أنها طرحت أصواتها مع المجموعة العربية أو لو أنها قد استنكفت عن التصويت، ما قامت الدولة اليهودية، ولتغير مجرى التاريخ في الشرق الأوسط، ولكن الاتحاد السوفييتي كان يريد أن يضع تاريخ الشرق الأوسط على الصورة التي انتهى إليها في الخمس والعشرين سنة التالية من قلاقل واضطرابات وحروب، وكان له ما أراد.

وكانت القضية الفلسطينية هي القضية الوحيدة التي اتفق عليها العملاقان أمريكا وروسيا، وإن كانت الأهداف متباينة، غير أن موقف كل منهما قد حقق لهما الأهداف التي كانا يسعيان إليها، فأمريكا تريد أن تدق إسفينا في الوطن العربي، وأن تستنزف طاقات الأمة العربية، وأن تقيم لها قاعدة عسكرية في قلب العالم العربي، كما كانت تهدف بريطانيا من قبل، ومن الناحية الأخرى فإن روسيا رأت من مصلحتها أن تؤرث العداء بين العرب وأمريكا وأن تجر الأمة العربية إلى أحضانها، سعيا وراء العون العسكري، والتأييد السياسي.

وهكذا ، حقق الاتحاد السوفييتي أهدافه، وحققت الولايات المتحدة أهدافها، وامتدت هذه المرحلة خمسة وعشرين عاما، ولكن مسيرة الأحداث ستختلف في الخمسة والعشرين عاما المقبلة.

أما بالنسبة للاتحاد السوفييتي بالذات، وهو موضع بحثنا الآن، فلن تكون مواقفه حيال القضية الفلسطينية وإسرائيل في المستقبل كما كانت في الماضي، وكما هي في الحاضر، إن موقف الاتحاد السوفييتي في الحاضر واضح ولا خفاء فيه، إنه تأييد لإسرائيل ولوجودها كدولة في المنطقة العربية، ومؤيد كذلك للوصول إلى اتفاق مع الدول العربية والشعب الفلسطيني في حدود هذا الإطار فقط، وهو وجود إسرائيل، وتبني روسيا موقفها هذا لا حبا في إسرائيل، ولكن حبا في مصالح الاتحاد السوفييتي الذي يرى في مصلحته استمرار القلق في الشرق الأوسط، واستمرار الحاجة إلى عونه العسكري والسياسي.

ولكن الموقف العربي في الخمس والعشرين سنة المقبلة، سيفرض على الاتحاد السوفييتي سياسة أخرى مؤيدة للموقف العربي بصورة كاملة، وسيخرج الاتحاد السوفييتي من إطار سياسة "أن إسرائيل وجدت لتبقى"، وهو الشعار الذي ابتدعته أمريكا وثنت عليه، وربما زاودت عليه الدولة السوفييتية.

وسياسة المستقبل هذه للاتحاد السوفييتي، كما نترقبها، مبنية على أسباب متعددة، ومن أهمها أن الصراع بين روسيا وأمريكا سينتقل من منطقة الشرق الأوسط إلى آفاق أخرى بسبب التنافس التكنولوجي بينهما ، ولأسباب أخرى منها، وهذا على جانب عظيم من الأهمية ، إن إخراج الخبراء السوفييت من مصر، وتردد الاتحاد السوفييتي في تأييد القضية الفلسطينية تأييدا كاملا، قد وضع أمام أبصار الاتحاد السوفييتي تجارب غنية في كيفية التعامل مع الأمة العربية، وعلى رأس التجارب أن القضية الفلسطينية هي قضية قومية كبرى لا تحتمل أنصاف المواقف والحلول وهي محور العلاقة بينها وبين الدول الأخرى، فليس فيها نصف صديق ونصف عدو، وعلى الآخرين أن يختاروا الصداقة الكاملة، أو العداوة الشاملة..

وعلينا أن نضيف إلى ذلك كله أن شعوب الاتحاد السوفييتي ستتدرج نحو المزيد من الديمقراطية والحرية ، وسترى أن أيدلوجيتها، إذا بقيت حتى ذلك الحين، وكذلك مصالحها.. كل ذلك يفرض عليها أن تكون إلى جانب القضية الفلسطينية ، وإلى جانب تطوراتها في معركتها المقبلة. العامل السابع: الصين:
والكلام عن جمهورية الصين الشعبية الديمقراطية مختصر ومفيد، فإن دورها في القضية الفلسطينية ليس له ماض، وأكثره في نطاق الحاضر، ذلك أن جمهورية الصين حديثة العهد، وقد نشأت مع نشوء إسرائيل، ولكن موقف الصين منذ كان ولا يزال، موقف عقائدي ثوري، يرى في إسرائيل وجودا غير شرعي، كالموقف العربي الأصيل، وقد وضح هذا الموقف في حرب الأيام الستة، وفي حرب رمضان، وانعكست آثاره في الأمم المتحدة، ومن المتوقع أن يستمر هذا الموقف ما بقيت القضية الفلسطينية، ذلك أن جمهورية الصين ليست لها مصلحة في بقاء إسرائيل، وترى في الأمة العربية، متحررة مزدهرة موحدة، قوة دولية تحفظ التوازن العالمي ازاء الاتحاد السوفيتي وأمريكا والكتلة الأوروبية…هذا إذا طرحنا الناحية العقائدية جانبا.

العامل الثامن: المعركة
إن معركة التحرير مقبلة لا محالة، وستخوضها الأمة العربية بكل قدرتها العسكرية والمادية والروحية، وهي معركة حتمية….يحتمها أن هدفها هو تحرير الوطن السليب، وهي حرب عادلة كما يسميها القانون الدولي قديمة وحديثة، وأنها حرب لا من أجل الحرب، ولكن من أجل العدل والسلام، ذلك أنه منذ أن قامت "دولة إسرائيل" على تراب الوطن العربي، فقدت الأمة العربية أمنها وسلامها واستقرارها، فأصبح لا بد من النضال المسلح من أجل تحقيق السلام. والحروب يمكن تجنبها...إذا كانت الخلافات مما يمكن تسويتها..ولا تسوية مع بقاء العدوان والاحتلال، ذلك أن احتلال الوطن لا يقبل أية تسوية، والتسوية الوحيدة هي الجلاء الكامل عن التراب الكامل، وليس هذا بدعة عند الأمة العربية، فإن جميع الحركات التحريرية في العالم وعبر التاريخ الطويل ، قد انتهت بجلاء الغاصب مهما طال أمده، وفي الأمم المتحدة ما لا يقل عن ثمانين دولة عضوا، حرا مستقلا ، كانت إلى عهد غير بعيد أجزاء من إمبراطوريات أو خاضعة لاحتلال أو انتداب أو حماية أو استيطان، ولكن حروب التحرير التي خاضتها تلك الشعوب الثمانين قد انتهت بجلاء المحتلين وتسوية أمور المستوطنين.

وما بقي الاحتلال الإسرائيلي جاثما على أي جزء من التراب الفلسطيني ، ستبقى حتمية المعركة قائمة، لأن الموضوع موضوع وطن، والوطن لا يقبل مساومة ولا تسوية مهما طال الزمن على احتلاله.

وقد يبدو للبعض ، العرب والفلسطينيين، أن التسوية التي تهيأ في "المطبخ الدولي" سواء في جنيف أو في غيرها، ستنهي الصراع العربي الإسرائيلي، وأن إسرائيل يمكن أن تكون إحدى دول الشرق الأوسط، لا تعتدي على أحد ولا يعتدي عليها أحد.. وأن لا جدوى من القتال.. وأن الحروب السابقة تثبت أ، لا جدوى من الحرب، وأن رفض السنين الخمسين الماضيات ليس فيه نفع ولا غناء، بل البلاء كل البلاء…وأن لا خلاص إلا بالتسوية السليمة، وأنه لم يعد منها مناص.

وهذا البعض، من العرب والفلسطينيين على السواء، يخطئ في الحساب، وربما كان البعض من هذا البعض من هذا لا يعرف القضية الفلسطينية جيدا، ولا يعرف إسرائيل جيدا، أولا يعرفها معا..ولعله يحسب أن الأمر بسيط وأن إسرائيل ساذجة.. وأن التسوية ستنتهي بجهود أمريكا إلى جلاء إسرائيل عن سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، وأن دولة فلسطين ستقوم، وما أحلى هذه المرحلة.. ربحنا قسما من وطننا من غير قتال!!.

والأجهزة العربية الرسمية تقوم بحملة ضخمة "لتجريع" هذه التسوية على هذه الصورة إلى الأمة العربية ومعها الشعب الفلسطيني.. وهذا البعض يجد الفرصة متاحة أمامه للسير في هذا الطريق، فهو يملك كل أجهزة الإعلام من صحافة وإذاعة ومؤسسات كبرى.. وأن أي مواطن عربي لا يستطيع الدنو من هذه الأجهزة!!.

ولكن هذه الصورة وقد تورمت "بالانتصارات الرائعة والإنجازات الكبرى" التي تحققها القضية العربية، كما تدق طبول الإعلام العربي الرسمي – هذه الصورة قصيرة العمر، وستبلغ أجلها، وتتجسد حتمية المعركة، ويتجسد معها مستقبل القضية الفلسطينية في عام 2000.

وحتمية المعركة قد تبدو خيالا لأولئك "البعض"، فإن الأمة العربية مثقلة بأعباء الحروب الماضية التي لم تفلح.. وأنها لم تفلح لأنها لم تكن حروبا حقيقية بالنسبة لنا، إلا حرب رمضان المجيدة، وفي إطار أهدافها المحدودة.. ثم أن الأمم لا تحدد أهدافها على ضوء أوجاعها اليومية وقناعتها الراهنة، وإنما على أساس أهدافها الكبرى التي لا تتغير.. بل أن حتمية المعركة وهي ليست بالضرورة في هذا العام أو الذي يليه، تفرضها المرحلة الحاضرة التي تواجهنا ، التسوية أو اللا تسوية.. فأي منهما ستفرض المعركة سواء بسواء.. ولنبدأ بالأولى.

والتسوية، بعد أن تتم الألف خطوة بعد خطوة، إذا أفلحت، فإن الدلائل والقرائن الراجحة تشير إلى أن حل أزمة الشرق الأوسط سيكون على الوجه التالي:

أولا: الجلاء عن كل ، أو معظم ، أو بعض سيناء والجولان تحت شروط مخلة بالسيادة العربية.

ثانيا: الانسحاب عن الضفة الغربية وقطاع غزة بعد أن يعمل المقص الإسرائيلي في "قصقصة" الأطراف تحت شعار الحدود الآمنة، بحيث يكون الباقي خاليا من المقومات الاقتصادية والدفاعية ولا يستوعب أهله الذي يقيمون فيه، فيضطرون للنزوح إلى الخارج طلبا للعمل، أو الانسياب إلى "إسرائيل" إجراء مبتذلين في المزارع والمصانع اليهودية.

ثالثا: بقاء القدس بكاملها، القديمة والحديثة، تحت الاحتلال الإسرائيلي، فإسرائيل لا تخرج من أي منهما إلا بحرب طاحنة، لا بتسوية أمريكية.

رابعا: استمرار تشريد مليونين من الشعب الفلسطيني، من الذين أخرجوا من ديارهم ومدنهم وقراهم في عامي 1948م و 1967م وما بينهما.

خامسا: وهو موضوع قل من يلتفت إليه، وأعني الاعتراف بسيادة إسرائيل على ما لا يقل عن خمسة آلاف كيلومتر مربع من الأراضي الفلسطينية الواقعة بين خطوط التقسيم لعام 1947م وخطوط يونيو 1967م، وهذه المساحة لم يشملها أي قرار لصالح إسرائيل.. بل هي على العكس تابعة للدولة العربية التي خصصتها الأمم المتحدة لعرب فلسطين في قرار التقسيم لعام 1947م.

سادسا: إقامة "دولة" فلسطينية، فاقدة كل مقومات الدولة، تحت رحمة إسرائيل، ولا تصلح في أحسن الأحوال إلا أن تكون معسكرا للاجئين.

سابعا: السماح بالملاحة الإسرائيلية في قناة السويس وخليج العقبة، كحق شرعي بالنسبة للبضائع والبواخر الإسرائيلية وتحت علم إسرائيل.

ثامنا: وهو الواقع أولا.. توقيع اتفاقية صلح مع إسرائيل، وإنهاء حالة الحرب بين الأمة العربية والشعب الفلسطيني من جانب وإسرائيل من جانب آخر.. والاعتراف بشرعية السيادة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية، والتعايش السلمي مع إسرائيل.. وكل هذه الأمور، مضافا إليها غيرها، واردة بالنص في قراري مجلس الأمن رقم 242 و 338 اللذين تسير السياسة العربية على أساسهما لتتم التسوية السلمية بالاستناد إليهما.

وإشفاقا على عقل أي عربي ووجدانه، حاكما كان أو محكوما، أكاد أكون على ما يشبه اليقين، أن مثل هذه التسوية لن يجرؤ على توقيعها أحد.. ولكن إذا تم توقيعها من هذه الحكومة أو تلك، وهذا الأمر ليس لنا أن نستبعده من أجل سلامة القضية العربية، فلا شك أن الأمة العربية سترفضها، وسيرفضها الشعب الفلسطيني.. ومن هنا، ستكون حافزا جديدا للحرب، بالإضافة إلى صلب القضية التي هي الحافز الأول والأخير..

هذا بالنسبة إلى التسوية.. فما بالك باللا تسوية، وهي العودة بالأمة العربية إلى حالة اللا حرب واللا سلم التي كانت سائدة بعد حرب الأيام الستة.. سترى الأمة العربية في اللا تسوية إهدارا لحرب رمضان المجيدة، وإهانة لشهدائها الأبرار، وعبثا بمصير الأمة العربية..

ومن هنا، فإن الموقف السياسي الراهن، سواء انتهى بالتسوية أو اللا تسوية، سيفضي إلى الحرب لا محالة.. وهذه هي حتمية الحرب.. ويبقى أن نعرف فرقاء الحرب الذين سيخوضونها في المستقبل.. هل سنخوضها مع إسرائيل وحدها؟ وما هو موقف أمريكا منها؟ فإن الجواب على هذين السؤالين هو الذي سيحدد مصير الحرب، ومعه مصير فلسطين ومصير إسرائيل.

العامل التاسع: فرقاء الحرب؟ :

الواقع أنه يمكننا أن نعتبر أن أمريكا كانت فريقا عدوا ومحاربا منذ زمن طويل.. منذ اليوم الأول الذي قدمت دولارا واحدا وبندقية واحدة للوطن القومي اليهودي، ومن بعده للدولة اليهودية.. هذا العون، قليلا كان أو كثيرا، هو عدوان محض وبتعريف جميع مراجع القانون الدولي.. أن الوجود اليهودي في فلسطين هو وجود عدواني منذ أن نزل أول يهودي على أرض فلسطين بعد انسلاخها عن الدولة العثمانية.. الهجرة، أية هجرة، بدون موافقة أصحاب البلاد الشرعيين، هي عمل عدواني على حقوق ذلك الشعب، وهي أمعن في العدوان حينما تستهدف الاحتلال الاستيطاني وإقامة دولة لأولئك المهاجرين الغزاة..

وتضخمت حالة العدوان الأمريكي للشعب الفلسطيني وللأمة العربية، بذلك السيل الدافق من المساعدات العسكرية والاقتصادية والفنية التي أغدقتها الولايات المتحدة على إسرائيل لتمكينها من الدفاع عن عدوانها والتوسع في رقعته حتى شمل هذا العدوان كل الأرض الفلسطينية، وما يزيد عنها بثلاثة أضعاف باحتلال سيناء والجولان.

وآخر الدلائل على ذلك، وأنا أكتب في شهر ديسمبر من عام 1975م، انطلاق ثلاثين طائرة إسرائيلية قصفت مخيمات اللاجئين في لبنان، وقتلت العشرات من الشيوخ والنساء والأطفال.. وهذه الطائرات بذخائرها أمريكية، وبهذا تكون أمريكا، وهي التي كانت سببا مباشرا في نزوح الفلسطينيين عن وطنهم بسبب قرار التقسيم الذي صنعته أمريكا إبان سيطرتها العالمية وجبروتها على المنظمة الدولية – تكون أمريكا قد هجرت أهل فلسطين ثم تابعتهم بالطائرات لتدمرهم في مخيماتهم وملاجئهم.

والمواطن العربي لا ينسى كذلك، أن حرب رمضان المجيدة، كان يمكن أن تحقق نتائج أعظم وأعمق، لولا الجسر الجوي الأمريكي الذي أنجد إسرائيل في أحلك أيام الحرب وأشدها حرجا. وهذا العمل يعتبره القانون الدولي عملا حربيا عدائيا من جانب أمريكا، لأن المعركة العربية كانت تستهدف تحرير الأرض العربية.. وهذه حرب دفاعية بموجب ميثاق الأمم المتحدة.

ولكن الحكم العربي المعاصر، لم يلتزم لا بالقانون الدولي، ولا بموجبات القومية العربية، فقد كان وما يزال يتعامل مع الولايات المتحدة كدولة صديقة، وقد منحها في هذه الأيام ثقته الكاملة كدولة وسيطة!!.

ولكن هل يستمر الموقف الأمريكي على هذا المنوال، ويكون هو موقف المستقبل.. وهل ستكون أمريكا فريقا في حرب المستقبل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.. وماذا سيكون عليه الموقف العربي إزاء أمريكا في هذه الحالة أو تلك..

من الممكن أن يطرح المرء فرضية بأن أمريكا سيكون لها موقف آخر في المستقبل، وأن يورد حججا من هنا وهناك في أن الشعب الأمريكي لا يريد أن يتورط في حروب جديدة، وخاصة بعد فيتنام، وأن الشعب الأمريكي يعاني متاعب اقتصادية ضخمة، وبطالة مستشرية، وأنه قد ضجر من معاونة إسرائيل في ربع القرن الماضي، وأنه لا يحتمل أن يحمل إسرائيل في ربع قرن آخر.. وأنه.. وأنه..

ومن ناحية فكرية، فإن هذا الجدل معقول، وله جوانب من الصحة، ولكن هل من سداد الرأي أن تعتمد الأمة العربية على هذه الفرضية، وتخوض حرب المستقبل على أساس أن أمريكا لا تتدخل، وأنها قد ضجرت وملت.. وهل يجوز أن تكون هذه النظرة إلى المستقبل، وقد سمعنا الحكم العربي المعاصر يقول في الحاضر أنه لا يستطيع أن يحارب أمريكا.. ولا يريد أن يحارب أمريكا..

ومن أجل هذا، يجب أن نقرر على وجه اليقين أن أمريكا ستكون فريقا محاربا في حرب المستقبل بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لتحول دون تحرير فلسطين، لتبقى إسرائيل الدولة آمنة مطمئنة، خصوصا أن أمريكا هي صانعة إسرائيل وصانعة الشعار: "أن إسرائيل وجدت لتبقى"..

وإني لأرجو هنا، وأنا أكتب ما أكتب الآن، أن يعرف المواطن العربي، أني قاربت على السبعين من عمري، "وقد وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا" وأطفأت الأيام حماستي، وتمرست بالحياة الدولية سنين طويلة من عمري.. كما أني في هذه السن لا أكتب مزاودا على أحد، ملكا أو رئيسا أو زعيما، ولا أحسد أحدا على أي موقع في هذا المستنقع الكبير الذي انزلقت إليه القضية العربية..

أريد أن أقول، فيما أكتب الآن، عن عقل وبصيرة وتجربة، أن حرب المستقبل، سواء كانت حربا طويلة، أو مجموعة من الحروب المتواصلة، سيخوضها الحكم العربي القادم، على أساس أن أمريكا فريق فيها يساند إسرائيل مباشرة أو غير مباشرة.. وأريد أن أقول كذلك أن الأمة العربية قادرة أن تخوض هذه الحرب على هذا الأساس، وستخوضها من غير شك ولا ريب.. ومرة ثانية، ليس هذا كلام حماسة ولا مزاودة، ولا انفعال..

وأريد أن أقول كذلك، أننا قادرون على هذه الحرب، وقادرون أن نتصدى لأمريكا.. إنه من المسلم به أننا لا نقدر أن نحارب أمريكا ولا نقدر أن ننتصر عليها، وذلك على أرضها، ولكننا قادرون أن نحاربها وننتصر عليها في وطننا.. وأنا أسرد الأسباب..

أولا: يجب أن نسلم أن الشعب الأمريكي سيكون قد تحرر إلى حد غير قليل من سذاجته وبساطته ومطاوعته للنفوذ الصهيوني، خلال ربع القرن المقبل، وإذا انساق أبناؤه للقتال في ميدان فلسطين فستكون روحهم المعنوية ساقطة إلى حد بعيد، فهم يحاربون من أجل غيرهم، بعيدا عن بلادهم، ومثل هذه الروح لا تفضي إلى النصر.. وفي عهد حرب فيتنام، فر كثير من الشباب الأمريكان من الجندية ولا يزالون فارين إلى يومنا هذا بعد انتهاء حرب فيتنام.. وكثيرون من الجنود الأمريكان قد تمردوا في الميدان وأضربوا، وتظاهروا، ومزقوا بطاقات خدمتهم.. وسيظل شبح الموت والهزيمة في فيتنام يطارد الأجيال الأمريكية إلى زمن بعيد.. فإذا انساقوا إلى الشرق الأوسط فإنهم سيفرون ويقتلون ويهزمون.

ثانيا: إن حرب المستقبل ستكون حربا شاملة لا تقتصر على الجوانب القتالية فحسب على أهميتها.....فإنها ستشمل المقاطعة البترولية والاقتصادية والمالية، وستحرم المطارات والموانئ والمضائق العربية على الطائرات والبواخر الأمريكية، وستصل نتائج هذه الحرب بالنسبة إلى البترول إلى كل بيت، وكل مصنع، ودار سينما، وكل صحيفة في الولايات المتحدة من أقصاها إلى أقصاها...بالنسبة للاستثمارات العربية وما أكبرها وأكثرها ستصل الحرب إلى البنوك والشركات وسائر المؤسسات المالية، وعلى رأس ذلك كله البيوتات المالية اليهودية في أمريكا نفسها.

ثالثا: إن دول الغربية، لن تكون مع أمريكا في هذه الحرب، فقد عانت كثيرا من سلاح البترول في أعقاب كثيرا من سلاح البترول في أعقاب حرب رمضان، ولا تريد أن تتكرر هذه التجربة المضنية مرة أخرى، فضلا عن علاقتها الاقتصادية الضخمة مع الأقطار العربية ستكون رادعا كبيرا يمنعها من أن تتخذ موفقا عدائيا من الدول العربية، ومن المتوقع خلال ربع القرن المقبل أن تفيق أوروبا الغربية المتحدة وتصبح لها إرادة مستقلة، ومصالح عن الولايات المتحدة.

رابعا: إن مشاركة الولايات المتحدة في حرب المستقبل ستعرضها لمخاطر رهيبة بالنسبة للمواقف التي سيتخذها الاتحاد السوفيتي، وجمهورية الصين الشعبية، وهذه ستكون العملاق الكبير في ربع القرن المقبل...أضف إلى ذلك أن علاقات أمريكا مع دول العالم الثالث ستتعرض لهزة كبرى بسبب صلاتها القوية الحاضرة مع الأمة العربية، والتي ستزداد قوة في المستقبل.

خامسا: إن حرب المستقبل ستكلف الولايات المتحدة أعباء عسكرية ومالية ضخمة، ومصاعب كبرى في حشد ونقل قواتها عبر البحار إلى الشرق الأوسط، لتواجه الأمة العربية كلها على كامل ترابها....فإن إنزال الجندي الأمريكي الأول غلى شواطئ تل أبيب، سيحفز مايتي مليون عربي-وهذا سيكون عددهم قريبا، إلى المعركة الشاملة...والفرق شاسع بين الفريقين...نحن نقاتل في وطننا من أجله وهم يقاتلون بعيدين عن وطنهم ومن أجل الآخرين.

سادسا: إن الحكم العربي، الذي سيقود ويخوض هذه المعركة، سينطلق من عبرة كبرى يجدها بين يديه...إنه لن يقاتل حرب الأيام الثلاثين كما جرى في حرب 1948م، ولا حرب الأيام الستة كما جرى في عام 1967م، ولا حرب الأيام الستة عشر كما جرى رمضان، ولكنها ستكون الحرب الصابرة ...فالنصر مع الصبر.

سابعا: إذا كانت حرب رمضان قد فضحت أسطورة أن إسرائيل لا تقهر، فإن حرب المستقبل ستفضح أساطير أخرى، شاعت في هذه الأيام، بأننا لا نستطيع أن حارب أمريكا، وأن أمريكا لا تقهر.

وهذه الملاحظة الأخيرة، ليست بعيدة عن الذاكرة، ولم يمضي على إحداثها عام واحد...لقد انكسرت أمريكا في حرب فيتنام، وانهزمت شر هزيمة...ولو أننا وقفنا قليلا أمام المتشابهات والمفارقات بيننا وبين فيتنام لوجدنا النصر في معركة المستقبل، ماثلا أمامنا كانبلاج الفجر وفلق الصبح...فماذا عند فيتنام، وماذا عندنا... ولنحتكم إلى الأرقام، وإلى الوقائع، إلى العلم.....ويأتي على رأس هذه الوقائع، في مجال المقارنة بين هزائمنا وانتصارات فيتنام موضوع " التكنولوجيا" فقد سمع الحكم العربي المعاصر وخاصة بعد حرب الأيام الستة، بهذه الكلمة، فتلقفوها وراحوا يرددونها في خطبهم لا اهتمام بالتكنولوجيا ولكن تبرير لهزائمهم التي يتحملون وحدهم مسئوليتها دون شعوبهم...وتلقفت أجهزة الإعلام العربية الرسمية هذه الكلمة من أفواه ملوكهم ورؤسائهم وراحوا يرددونها بدورهم في مناسبة وغير مناسبة، ونزلت الكلمة إلى الجماهير فأخذوا يتندرون بها لهوا وتسلية في مجالسهم، وتعزية عن همومهم في ملوكهم ورؤسائهم.

والواقع أن التكنولوجيا ليست هي السبب في انتصارات فيتنام فهي البلاد الواقعة في شرق آسيا لا تملك شيئا من التكنولوجيا، وهي قطر متخلف إلى أبعد شأنها في ذلك شأن الأقطار الآسيوية والإفريقية المتخلفة، وعلى سبيل المقارنة الصحيحة فإن بلادنا العربية أكثر تقدما وأرقى ثقافة وأعلى حضارة، ومساحة وطننا أضعاف مساحة فيتنام الشمالية والجنوبية مجتمعتين، وتعدادنا يبلغ أربعة أضعاف الفيتناميين جميعا.. أما بالنسبة إلى الثروة القومية، فنحن نمثل العملاق فيتنام تمثل واحدا من الأقزام.

ثم إن فيتنام قد ابتليت بما ابتلينا به من الاستعمار والتجزئة معا، تماما مثل حالنا، بل ربما أشد وأقسى، ففي أواخر القرن التاسع عشر احتلت فرنسا الأراضي الفيتنامية، واحتكرت خيرات أرضها وجهود عمالها، وقسمتها ووحدتها ثم قسمتها، تماما كما فعلت في الأراضي السورية في عهد الانتداب الفرنسي في الثلاثينات، وفي الحرب العالمية الثانية سقطت في أيدي الغزاة اليابانيين، فالبريطانيين، ثم عادت إلى الفرنسيين، وبعد أن أخرجوا منها في أعقاب هزيمتهم في معركة ديان بيان فو (أيار 1954م) وقعت في قبضة أمريكا، ونشبت حرب التحرير المعروفة.. وانتهت بالنصر التاريخي العظيم – البلد الفقير المتخلف ينتصر على العملاق الأمريكي، المحتكر الأكبر للتكنولوجيا، والحضارة والمال والسلاح.

والحديث عن شعب فيتنام بأنه شعب متخلف ليس كلامي.. ولكنه كلام بطل التحرير الجنرال جياب القائد العام لجيش التحرير الفيتنامي، فقد كان يردد في أحاديثه الصحفية وكتبه قوله المأثور "نحن شعب متخلف اقتصاديا واجتماعيا".. وفوق ذلك، وعلى خلاف الأمة العربية ذات القومية الواحدة ، فإنه شعب مؤلف من عدة قوميات بسبب موقعه الجغرافي على مقربة من الصين والهند، ويدين بعدة ديانات: التوتمية والبوذية والكونفوشية، والمسيحية، وهذه دخلت البلاد عن طريق الإسبان والفرنسيين في القرن التاسع عشر.. وكانت جبهة التحرير الفيتنامية تخاطب الشعب الفيتنامي، بالمناسبات القومية، بمنشوراتها موجهة إلى الشعب "بمختلف القوميات، والمذاهب الدينية، والأحزاب، والاتجاهات السياسية" ومع هذا فقد كان الوطن كله جبهة واحدة، والمعركة واحدة.

وإلى جانب التكنولوجيا، لجأ الحكم العربي المعاصر إلى موضوع "الحضارة ومشتقاتها" تبريرا لهزائمه المتوالية، فأخذ يردد ويؤكد أن الصراع العربي الإسرائيلي هو صراع حضاري بين أناس متقدمين وأناس متخلفين.. والحضارة على قيمتها وأهميتها في قوة الأمم فإنها لم تكن سبب انتصار إسرائيل ، كما زعم الملوك والرؤساء، ولكن كانوا هم سبب الانتصار إياه، وفيتنام التي انتصرت على العملاق الأمريكي لم تكن لها لغة قومية، خاصة بها، واللغة عنوان الحضارة.. فقد كانت اللغة الصينية سائدة في فيتنام لعدة قرون.. وفي عام 1945م صدر مرسوم يجعل اللغة الفيتنامية لعدة قرون.. وفي عام 1945م صدر مرسوم يجعل اللغة الفيتنامية هي لغة التخاطب الرسمية، وبصورة عامة فقد كانت وما تزال الأمية فاشية في الشعب الفيتنامي، وطرق الزراعة والصناعة بدائية إلى أقصى حد، بالإضافة إلى العادات التي تسود الشعوب المتخلفة.

هكذا كان الشعب الفيتنامي فقيرا في كل شيء، ولكنه يملك ثروة روحية هائلة، كالأمة العربية، مع ميزة واحدة….قيادة ثورية مناضلة شجاعة صابرة صادقة….وعلى راس ذلك نومن بالوحدة القومية " قد تجف الأنهار ولكن الوحدة لن تنفصم " كما كان يقوم "هو شي منه" قائدهم العجوز.

وحينما نشبت حرب التحرير الفيتنامية ضد الإمبراطورية الفرنسية في أواخر 1946 وما تلاها، لم يكن بين فيتنام وفرنسا تكافؤ حضاري أو تكنولوجي أو عسكري، فقد بلغت قوات فرنسا 800 ألف جندي يتصدى "عصابات من الجنود الصفر" كما كانت تطلق عليهم الصحافة الفرنسية احتقارا وازدراء وكانت الولايات المتحدة تمد فرنسا وأمريكا…ولم يقل أحد فيتنام أننا لا نقدر على محاربة فرنسا ولا نريد أن نحارب أمريكا.

وحينما انكسرت فرنسا في المعركة الشهيرة" ديان بيان فو" في عام 1945م، =دب الهلع في أمريكا، فحلت محلها في المعركة، وأعلن الرئيس ايزنهاور في مؤتمره الصحفي في إبريل من ذلك العام أن "سقوط ديان بيان فويشبه سقوط الخط الأول في لعبة الدومينو، ويؤذن ذلك بسقوط الخطوط الأخرى …ويصبح الدفاع عن أمن أمريكا في جزر هاواي-في أمريكا نفسها".

ولقد كانت فيتنام أهم لأمريكا من إسرائيل، في إطار الاستراتيجية العالمية.. وهذه الحقيقة تؤكدها المواقف الأمريكية على مدى سنين طويلة.. فقد تعاقب على حرب فيتنام الرؤساء الأربعة للولايات المتحدة: ايزنهاور، كندي، جونسون، نيكسون.. ما بين 1952م إلى 1974م.

وتولى قيادة المعركة ثلاثة من أشهر رؤساء الأركان: تيلور، وستمورلاند، وابرامز.. وأجمعت القيادات السياسية والعسكرية على أن الدفاع عن فيتنام هو دفاع عن أمريكا نفسها.

وفوستر دالاس ألمع وزراء الخارجية الأمريكية في القرن العشرين، كان قد أعد بالاتفاق مع القيادة العسكرية خطة لقصف القوات الفيتنامية التي كانت تطوق ديان بيان فو، بالأسلحة الذرية، ولكن المعركة انتهت قبل الانتهاء من الخطة.

وفوستر دالاس نفسه، هو الذي أنشأ حلف السنتو (الحلف المركزي) حتى يضم قوات الدول المتحالفة مع القوات الأمريكية لمحاربة القوات الفيتنامية.

أما الرئيس كندي، فقد بلغ من اهتمامه بموضوع فيتنام بعد توليه الرئاسة، بأن ضاعف القوات الأمريكية وقال كلمته الشهيرة ".. يجب علينا الاحتفاظ بجنوب شرق آسيا، فإما الجحيم وإما النصر.. وأن الحرب في فيتنام نزاع عسكري وسياسي كبير يساوي
في أهميته حربا نووية.. وأن انسحابنا من الميدان ليس معناه انهيار فيتنام فحسب، ولكن جنوب شرق آسيا كلها..".

وقد ذهب الرئيس جونسون إلى أبعد مما ذهب إليه سلفه، في تقييم فيتنام بالنسبة إلى المصالح الأمريكية، فقد أعلن "أن المعركة يجب مواصلتها حتى يمكن النصر فيها وإلا فإن على الولايات المتحدة أن تتخلى عن المحيط الهادئ وأن تعتبر أن أمننا هو على شواطئنا فقط" وقد عبر الرئيس نيكسون بمثل هذه المعاني وأشد..

ولكن الأرقام، أكثر من الخطب والبيانات الرسمية، أكثر إيضاحا لاهتمامات أمريكا في حرب فيتنام، حتى لتكاد إسرائيل أن تبدو في المقام الثالث أو الرابع في الاستراتيجية الأمريكية.. ففي عام 1959م بلغ العون العسكري وحده، بالإضافة إلى المعاونات الاقتصادية، بما يزيد على 500 مليون دولار.. وكان الدولار يومئذ له قيمته الكبرى. وفي العام التالي بلغ مجموع قيمة المساعدات مليار وربع مليار دولار، ثم أخذت تتصاعد على مر الأعوام!!

وفي الجانب العسكري راحت أمريكا تنشئ جيشا فيتناميا، من فيتنام الجنوبية العملية، وأصبح عدده في عام 1954م ثلاثمائة ألف مقاتل تم تدريبهم وتسليحهم بمعرفة الخبراء الأمريكان – وهذا أكبر من الجيش الإسرائيلي مع دعوة الاحتياطي بأكمله.

وتضاعف الجيش الفيتنامي في الأعوام التالية، عددا وعدة.. حتى أصبح عدده مليون جندي، وهذه السياسة العسكرية التي عرفت باسم "فتنمة الحرب" حتى يقاتل الفيتناميون بعضهم بعضا.

وكذلك تضاعف عدد القوات الأمريكية، ففي أكتوبر 1965م كانت القوات الأمريكية 148 ألفا.. وفي مارس 1966م زادت إلى 215 ألفا، وفي ديسمبر من نفس العام أصبحت 390 ألفا، وفي يونيو 1967م تصاعدت إلى 463 ألفا، وفي أغسطس قفزت إلى 524 ألفا.. وهكذا دواليك. وكان الأسطول بكامله، وقاذفات القنابل الضخمة، وقوات المظليين تلعب دورها في المعركة.. ومعها قوات تعرف "بالجرذان الحمراء" دربت تدريبا خاصا لمقاومة العصابات.

ذلك كان اهتمام أمريكا بفيتنام، تزيده وضوحا المعارك الطاحنة التي دارت رحاها في أرض فيتنام واستعملت فيها إلى جانب الحرب الكيميائية آخر ما وصلت إليه التكنولوجيا الأمريكية من أسلحة الدمار والإحراق والإبادة، مما "مسح" مسحا كاملا مدنا وقرى بكاملها، وسدودا وأقنية، ومعابد ومستشفيات ومدارس وملاجئ، ومزارع ومصانع – كلها من غير حصر ولا عد.

وفي نفس الوقت الذي بنى فيه خط بارليف على ضفة القنال بعد حرب الأيام الستة، أقامت أمريكا خطا هائلا ليفصل بين فيتنام الشمالية، وعرف بخط ماكنمارا باسم وزير الدفاع الأمريكي، وكان هذا الخط معجزة الاستراتيجية الأمريكية، فقد بلغ طوله تسعين كيلو مترا، وعمقه (!!) عشرة كيلومترات.. وبنيت فيه الأبراج المحصنة، ومن حوله الأسلاك الشائكة، وانبثت فيه الألغام، ونصبت فيه الآلات الإلكترونية، وسلسلة من الرادارات تكشف أقل حركة من المتسللين، ترسل إنذاراتها إلى القيادات الجوية لتبادر بالقصف في المواقع المطلوبة – وقد بلغت تكاليف هذا الخط عشرات المليارات من الدولارات.. وأنفق بعد إتمامه مبلغ 750 مليون لزيادة تحصينه!!

وحينما تولى ماكنمارا وزارة الدفاع الأمريكية، حشد في وزارته مجموعة كبرى من خيرة الخبراء والعلماء والمستشارين لوضع الخطط اللازمة للتغلب على حرب التحرير الفيتنامية، واستمر في عمله سبع سنوات يعمل تحت رئيسين متعاقبين.. وباءت خططه بالفشل.. وهو من أقدر الشخصيات الأمريكية، عرف بهدوء الأعصاب ودقة الحساب حتى أنهم وصفوه بأنه عقل إلكتروني يمشي على قدمين.

ولقد أطلت بعض الشيء في الكلام عن فيتنام، ولا أعتذر، فإنه في جوهره كلام عن حرب المستقبل لتحرير فلسطين.. وأن فيتنام هي أبلغ رد على الحكم العربي المعاصر الذي لا يريد أن يحارب أمريكا، لا يقدر أن يحارب أمريكا، ثم يضيف إلى ذلك أن أزمة الشرق الأوسط لا تحل بالحرب..

وانتصار فيتنام في الشرق الأقصى كان في ربيع هذا العام.. في نفس العام الذي نلوذ فيه بأمريكا صانعة إسرائيل وصاحبة الفضل في وجودها وقوتها، وعدوانها وتوسعها، أن تقنعها بأن تحن علينا بأرضنا أو ما تجود به منها، أو من "الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني".

لقد كان انتصار فيتنام انتصارا تاريخيا ساحقا في أطول حرب عرفتها الولايات المتحدة منذ نشوئها.. وانسحبت فلول قواتها إلى أمريكا بعد أن تكبدت في الميدان 60 ألف قتيل، و300 ألف جريح، وأكثر من مليون جندي فيتنامي.. و150 مليار دولار، وعشرة ملايين طن من القنابل والذخائر، أضف إلى ذلك الخسارة الكبرى التي تتعدى الأرقام في كرامة الشعب الأمريكي، وفي آلامه وأحزانه، وفي الشبح المخيف الذي سيؤرق الشعب الأمريكي لزمن طويل..

لقد قدر الخبراء أن قوة النيران التي ألقت بها أمريكا على فيتنام ما يعادل ألف قنبلة من عيار قنبلة من عيار قنبلة هيروشيما.. ولكن الهزيمة الأمريكية كانت حتمية.. وستكون حتمية في أية بقعة من العالم حينما تكون المعركة معركة التحرير.

ومرة أخرى، ليس هذا كلام الحماسة.. ولكن كلام العسكرية المتزنة المجربة، ففي اليوم الثاني من سقوط سايجون، حينما انسحب السفير الأمريكي ولف العلم الأمريكي تحت إبطه، أعلن الجنرال الفرنسي مارسيل بيمار وهو الذي قاد معركة ديان بيان فو قبل واحد وعشرين عاما "إن الهزيمة الأمريكية كانت أمرا محتوما.. إذ أنه لا يمكن أن تفعل شيئا ضد أي شعب عقد الإجماع، سواء كان شيوعيا أو غير شيوعي.. إن الإحساس الوطني هو نزعة أصيلة عميقة، ولم يستطع أحد أن يجد لها بديلا..".

ولقد اهتزت الدنيا بأسرها، ومعها الأمة العربية، لانتصار فيتنام وانكسار الولايات المتحدة.. ولكن إسرائيل، وهنا بيت القصيد، أصابتها جفلة ورجفة إزاء هذا الحدث التاريخي – وانطلقت صحفها، وتصريحات قادتها تطمئن الجماهير اليهودية أن "هزيمة أمريكا لن يكون لها أثر على مصير إسرائيل".

هذه المخاوف الإسرائيلية، هي حس صادق عن معركة المستقبل.. مستقبل إسرائيل، ومستقبل فلسطين.. وهذا مؤشر واحد يشير بسهمه إلى المستقبل.. ويبقى العامل العاشر الذي تهمس به إسرائيل إلى شعبها وإلى الأمة العربية.

العامل العاشر: القنبلة الذرية:

وليست القنبلة الذرية بعيدة عن إسرائيل، إنها تملك من غير شك القدرة العلمية والتكنولوجية لصنع القنبلة الذرية، فلديها طائفة من العلماء والمختبرات في هذا المضمار، ويجب أن نفترض أنها تملك الإمكانات المادية كذلك.. وعلى الأمة العربية أن تفرض مع إسرائيل أسوأ الاحتمالات وأشرس أنواع الحروب، لأسباب متعددة لا يتسع المجال لسردها.. وليس معنى هذا أن الأمة العربية تقف معدومة الحيلة والوسيلة بصدد القنبلة الذرية أو أية أسلحة أخرى لها خصائص التدمير الشامل.. ذلك أن العلوم الذرية لم تعد أسرارا كما كانت في ربع القرن الماضي وستكون علوما "مباحة" في ربع القرن المقبل.. ونحن عندنا علماء وخبراء قادرون على امتلاك ناصية الذرة من كل الوجوه، فضلا عن أن علماءنا المغتربين في شتى أنحاء العالم أصبحوا في مستوى عال في ميادين الفيزياء والكيمياء، وفي اختصاصات الدراسات الذرية نظريا وتطبيقيا، وهؤلاء إذا كانوا لم يجدوا في ظل الحكم العربي المعاصر أجواء الحرية والتشجيع فإن الأعوام المقبلة كفيلة من غير شك، وفي ظل الحكم العربي الحر المقبل، بأن تعيد إلى الأمة العربية أدمغتها المهاجرة، ويومئذ يسعد العلماء بأن يؤدوا واجبهم بما لا يقل عن واجب الشهداء.

والواقع أن جزء من الأخبار التي "تسربها" إسرائيل عن "عبقريتها الذرية" لتلقى الرعب في نفوس الأمة العربية لن يحقق غايته، فالقنبلة الذرية فضلا عن أنها سلاح ذو حدين، إلا أن خطرها على إسرائيل أشد وأفتك، فإن الرقعة الصغيرة من أرضنا التي تحتلها إسرائيل ستكون مصيدة ذرية لا نجاة لإسرائيل منها.. والمصيدة ستنقلب إلى مقبرة.. أما وطننا العربي الكبير بحواضره وبواديه وصحاريه، فإن مجال الحماية فيه رحب فسيح.. وإذا تعرضت هذه العاصمة أو تلك لضربة ذرية إسرائيلية، يبقى الوطن العربي في حمى أرضه وناسه.. أما إذا تعرضت تل أبيب لهجمة ذرية محكمة، فإنها تكون القاضية على إسرائيل الدولة، فإن تل أبيب هي قلب الوجود الإسرائيلي، وستستسلم إسرائيل كما استسلمت اليابان، ويتحدث التاريخ عن قنبلة تل أبيب، كما يتحدث اليوم عن قنبلة هيروشيما.. ركعت بعدها اليابان وخضعت واستسلمت..

وإذا كانت الأوضاع العربية القائمة مهتزة، غير رشيدة ولا سديدة.. فلن يكتب البقاء لهذه الأوضاع ولا للحكم العربي الذي صنعها.. وسيأتي حكم عربي أصيل يتخذ للأمر عدته.. ويشق طريقه إلى المستقبل بعين يقظة ساهرة يتصدى للقنبلة الذرية ولغيرها من أسلحة الدمار الشامل.. وما حديث صواريخ برشنج الأمريكية بعيدا عن الأذهان، تلك الصواريخ التي تحدثت وكالات الأنباء أن مداها يصل إلى العواصم العربية‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!!

هذا وغير هذا سيكون في الحساب، حتما.. فإن الأمة العربية تملك كل مقومات الوجود والصمود والخلود.. لقد بادت كل أخواتها في التاريخ وبقيت.. ومن أجل ذلك ستبقى، وتبقى معها فلسطين عربية حرة، سيدة أمرها ومصيرها..


l D l


وبعد، فهذه هي العوامل العشرة التي ستحدد صورة المستقبل، مستقبل القضية الفلسطينية في عام 2000، يستقيم في ربوعها الحق والعدل، وترتفع على مدنها وقراها، وجبالها ووديانها، وسهولها ومروجها، وأنجادها وأغوارها، ألوية الأمن ورايات السلام.. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.

ورب قائل يقول: هذا خيال رائع وجميل.. لا يعدو أن يكون قد ألقى ظلاله على أوراق معدودات، أجل: لا ضير من الخيال والأوراق، فهكذا بدأ كل شيء في الحياة، وكل حركات التحرير في التاريخ بدأت هكذا.. بالخيال والأوراق.. وبعدها انتقلت إلى الميدان.. ومن الميدان إلى النصر..

أحمد الشقيري

ديسمبر – 1975م



































































الفهــرس

المحتويـات الصفحة


- مقدمة .................................................. ............................... 3
- العامل الأول: مستوى القدرة القومية .................................................. ... 7
- العامل الثاني: الحكم العربي المعاصر .................................................. ..... 18
- العامل الثالث: الصهيونية .................................................. .............. 26
- العامل الرابع: بريطانيا .................................................. ................. 38
- العامل الخامس: أمريكا .................................................. ................ 44
- العامل السادس: روسيا .................................................. ................ 52
- العامل السابع: الصين .................................................. ................. 57
- العامل الثامن: المعركة .................................................. ................. 57
- العامل التاسع: فرقاء الحرب .................................................. ........... 63
- العامل العاشر: القنبلة الذرية .................................................. ........... 79