المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تأليه الروح القدس اكتمال للانحراف النصراني


عبدالناصر محمود
11-04-2013, 08:30 AM
تأليه الروح القدس اكتمال للانحراف النصراني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ

30 / 12 / 14344 هـ
4 / 11 / 2013 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3260.jpg


رغم دعوة رسل الله تعالى وأنبيائه جميع البشر إلى توحيد الله تعالى, من لدن آدم عليه السلام وحتى خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين, ورغم استحالة أن يرسل الله تعالى بعض أنبيائه ورسله بتوحيده في الألوهية والربوبية, ثم يرسل بعضا آخر من الأنبياء والرسل بالشرك والتثليث, إلا أن اليهود والنصارى بتحريفهم لكلام الله تعالى ووحيه, جعلوا لله تعالى شريكا وندا من البشر ومن غير البشر, فأصبحت الألوهية لقبا يتوج به بشر أوملك, بمؤتمر أو مجمع يعقده ملك أوحاكم, مما يوحي بمدى التحريف الذي تعرضت له كل من التوراة والإنجيل.

ومع كون معنى الروح القدس بسيط ولا تعقيد فيه في الإسلام, وهو بمعنى الملك الذي ينزل على الأنبياء والرسل بالوحي من الله تعالى, وهو جبريل عليه السلام كما ورد في القرآن الكريم بشكل صريح وواضح, قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} البقرة/87, وقال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} البقرة/253, وقال تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} المائدة/110.

إلا أن اليهود والنصارى قد حرفوا الكلم عن مواضعه, وجعلوا للروح القدس معان تصل في التقديس والتعظيم إلى حد التأليه عند النصارى, وتصل في الكره والعداوة إلى حد جعل جبريل عليه السلام رئيس الشياطين عند اليهود.

أما اليهود فالبرغم من معرفتهم بحقيقة معنى الروح القدس, وأنه الذي يأتي بالوحي من السماء إلى الأنبياء, وأنه جبريل عليه السلام, ولكنهم مع كثرة نزوله بالعقاب عليهم لكثرة عصيانهم لربهم ومخالفتهم لأمره, كرهوه وكرهوا اسمه, بل واعتبروه عدوا ومحاربا لهم, فقد ورد في صحيح البخاري عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ مَقْدَمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ, فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ, قَالَ: مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ إِلَى أَخْوَالِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خَبَّرَنِي بِهِنَّ آنِفًا جِبْرِيلُ, قَالَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ .....) 4/132 برقم 3329

وفي حديث آخر في مسند الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا: يا أبا القاسم إنا نسألك عن خمسة أشياء فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك, قال هاتوا ..... فذكروا أربعة ثم قالوا: إنما بقيت واحدة وهى التي نبايعك إن أخبرتنا بها, فإنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر, فأخبرنا من صاحبك؟؟ قال: جبريل عليه السلام, قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا, لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان, فأنزل الله عز و جل {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} البقرة/97-98. رقم الحديث 2483.

وأما النصارى فقد تطور مفهوم ومعنى الروح القدس عندهم, من مجرد ملك ينزل بالوحي على الأنبياء والمرسلين, ويوحي لهم بتعاليم الله تعالى, ويؤيد تلاميذ المسيح عليه السلام والمؤمنين جميعا بالنصر والتأييد, ويبشر زكريا بيحيى عليهما السلام, ويبشر مريم البتول بالمسيح عليه السلام, إلى إله يعبد مع الله تعالى ضمن ثالوث عرف فيما بعد بالأب والابن والروح القدس.

يقول زكي شنودة عن الروح القدس: (هو الأقنوم الثالث من اللاهوت الأقدس، وهو مساوٍ للآب والابن في الذات والجوهر والطبع وكل فضل اللاهوت، وهو روح الله، وحياة الكون ومصدر الحكمة والبركة، ومنبع النظام والقوة، ولذلك فهو يستحق العبادة الإلهية، والمحبة والإكرام والثقة مع الآب والابن) (1).

فكيف حدث ذلك ؟؟!!


ألوهية الروح القدس عند النصارى
-------------------

1-يبدو أن اعتقاد النصارى في حياة المسيح وحوارييه والقرون الثلاثة الأولى لميلاده، كان اعتقادا لا تشوبه لوثات الشرك التي ظهرت فيما بعد, وكانت أولى خطوات الانحراف عن التوحيد لله تعالى في سنة 325.

حين عقد الامبراطور قسطنطين مجمع نيقية, وحضره أكثر من 2048 أسقفا من مختلف الكنائس المسيحية, ورغم وجود زهاء ألف من الأساقفة الذين كانوا ينكرون ألوهية المسيح, ويتزعمهم آريوس الاسكندراني وأوسابيوس, إلا أن قرار المجمع خرج بألوهية المسيح مع الله تعالى, مع الإيمان بالروح القدس دون جعله إلها, وقد جاء في نص القرار:

(نؤمن بإلهٍ واحد، آبٍ قادر على كل شيء، صانع كل الأشياء المرئيّة واللامرئيّة. وبربٍ واحدٍ يسوع المسيح، ابن الله، مولود الآب الوحيد، أي من جوهر الآب، إله من إله، نور من نور، إلهٌ حق من إلهٍ حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي بواسطتهِ كل الأشياء وُجِدَت، تلك التي في السماء، وتلك التي في الأرض .. وبالروح القدس)

فلم يأت القرار على ذكر حقيقة الروح القدس ولا على ألوهيته.

2-في سنة 381 دعا الإمبراطور الروماني (ثيودوسيوس الأول) علماء النصرانية إلى عقد مؤتمر عام في القسطنطينية لمناقشة حقيقة (الروح القدس)، وذلك إثر تصريح أسقف القسطنطينية (مكدونيوس) بأن (الروح القدس) مخلوق مثل الملائكة، وهو ما أثار جدلا واسعا بين علماء النصرانية، فخشي الإمبراطور من تطور الخلاف وتهديده لوحدة الكنيسة الخاضعة لسلطانه، فدعا إلى عقد ذلك المؤتمر، والذي عرف تاريخيا باسم: (مجمع القسطنطينية الأول).

وكان من أبرز ما خرج به المؤتمر تتويج (الروح القدس) إلها، تماما كما تم تتويج المسيح بالألوهية في مجمع نيقية, و جاء في نص قرار المجمع: (ونؤمن بالروح القدس، الرب المحيي، المنبثق مـن الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد، الناطق في الأنبـياء) وبهذا القرار اكتملت أقانيم الإله عند النصارى، وأصدر الامبراطور ثودوسيوس الكبير مرسوما أعلن فيه: (حسب تعليم الرسل وحق الإنجيل، يجب علينا أن نؤمن بلاهوت الأب والابن والروح القدس، المتساوي في السلطان، وكل من يخالف ذلك يجب عليه أن ينتظر منا العقوبات الصارمة, التي تقتضي سلطتنا بإرشاد الحكمة السماوية أن نوقعها به، علاوة على دينونة الله العادل).

ورغم أن هذه المجامع كانت –حسب الظاهر- للحؤول دون اشتداد الخلافات بين الأسقف والكنائس, إلا أن الخلافات في الحقيقة استمرت وزادت وتعقدت, فقد ظهر الاختلاف حول أم المسيح -عليه السلام- فظهر البطريرك نسطور بطريرك كنيسة القسطنطينية الذي قال بأن مريم لاتدعى أم الإله، بل أم الإنسان، وأحدث هذا نزاعا شديدا بين كنائس النصارى، وقد عقد لذلك مجمع أفسس الأول سنة 431 م، وصدر عنه القرار الآتي: (نعظمك يا أم النور الحقيقي، ونمجدك أيتها العذراء المقدسة، والدة الإله، لأنك ولدت لنا مخلص العالم، أتى وخلص نفوسنا، المجد لك ياسيدنا وملكنا المسيح، فخر الرسل، إكليل الشهداء، تهليل الصديقين، ثبات الكنائس، غفران الخطايا، نبشر بالثالوث المقدس، لاهوت واحد، نسجد له ونمجده).

ثم ظهر الاختلاف حول طبيعة المسيح بعد اعتقادهم ألوهيته، فعقدوا مجمعا في خلقدونية سنة 451 م، فقرر الكاثوليك الاعتقاد أن للمسيح طبيعتين ومشيئتين, بينما رفض الأرثوذكس هذه العقيدة, وزعموا أن المسيح هو الله (تعالى الله عن قولهم)، وقالوا: إن للمسيح طبيعة إلهية واحدة ومشيئة إلهية واحدة.

ثم ظهر نزاع آخر بين النصارى بسبب الاختلاف بينهم حول انبثاق الروح القدس، هل هو من الأب فقط، أم من الأب والابن؟

فعقدوا لذلك مجمعا لحل النزاع في هذه القضية في طليطلة بأسبانيا سنة 589م، فأقروا فيه نفس قانون الإيمان السابق، ثم أضافوا الاعتقاد بانبثاق الروح القدس من الابن أيضا، وقد أصبحت هذه الزيادة هي عقيدة الكنائس الغربية الكاثوليكية والإنجيلية, التي تنص على انبثاق الروح القدس من الأب والابن، بينما رفضت الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية هذه الزيادة، وظلت متمسكة باعتقاد أن الروح القدس منبثق من الأب وحده, كما أن هناك من كان ينكر ألوهية الروح القدس, ويعتبره كسائر المخلوقات وخادما للابن كأحد الملائكة كأسقف القسطنطينية البطريرك مكدونيوس.

وهكذا يمكن القول بأن تلك المجامع كانت أداة في يد الامبراطور لتنفيذ أغراضه، مستغلا في ذلك مطامع الأساقفة وطموحهم إلى الجاه والنفوذ والسلطان, واستغلال الدين سلاحا للكسب السشياسي, وأنها أدت إلى انحراف الدين المسيحي انحرافا كبيرا, بين التوحيد الذي كان عليه في زمن عيسى عليه السلام وحوارييه, وبين إشراك المسيح إلها مع الله في عام 325, ثم الروح القدس عام 381.



نقد ألوهية الروح القدس
--------------

يمكن ببساطة نفي الألوهية عن الروح القدس من خلال:

1- لم يرد في نصوص العهد القديم أو الجديد أي نص على ألوهية الروح القدس, بل ورد ذكر الروح مضافا إلى الله وإلى القدس وبدون إضافة، وكلها جاءت بمعنى الوحي بالإلهام، وبمعنى الثبات والنصرة التي يؤيد الله بها من يشاء من عباده المؤمنين، وبمعنى ملاك الله جبريل ـ عليه السلام.
2- إن عقيدة ألوهية الروح القدس لم تكن معروفة في عصر المسيح -عليه السلام- ولا في عصر حوارييه، ولا في القرون الثلاثة بعد رفع المسيح، بدليل أنهم في قانون إيمانهم المقدس سنة 325م قالوا: (ونؤمن بالروح القدس)، دون أن يذكروا اعتقادهم ألوهيته.
3- ظهور العديد من الاعتراضات على ألوهية المسيح الذي أقر في مجمع نيقية, وظهور الاعتراض على ألوهية الروح القدس الذي أقر في مجمع القسطنطينية, يدل على عدم الإجماع على أي أمر من أمور الانحراف عن التوحيد –ومنها ألوهية الروح القدس- التي بدأت تظهر وتقر من خلال تلك المجامع.
4- نصوص الإنجيل وأقوال بولس الرسول التي تدل -بزعمهم- على ألوهية الروح القدس باطلة بنصوص الإنجيل نفسه، وبأقوال بولس نفسه أيضا، ودليل ذلك أنه ورد في الإنجيل أن ملاك الله جبريل عليه السلام، بشر زكريا -عليه السلام- بميلاد يوحنا المعمدان -يحيى عليه السلام -وأنه يكون عظيما أمام الرب، ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس, فالروح القدس هنا هي جبريل عليه السلام, ولم يرد بأنه إله على الإطلاق.(2)
5- كيف يمكن للعقل أن يصدق أن الروح القدس –الإله– الذي حبلت منه العذراء مريم ببشارة جبريل لها لتلد المسيح الابن –الإله– فكيف حل الأقنوم الثالث في بطن مريم لتلد الأقنوم الثاني؟؟!! وكيف يتجسد الإله الأعلى –المسيح– من الإله الأدنى الأقنوم الثالث –الروح القدس– في بطن الإنسان المخلوق مريم؟؟!! وكيف يمكن للروح القدس –الإله حسب زعمهم– قد حل في أناس مختارين لكتابة الوحي؟؟!! فهل يمكن أن يكون الوحي الإلهي من الله الأب إلى الله الروح القدس, ومن ثم إلى أناس مختارين؟؟!!

والنتيجة التي يمكن أن نخلص إليها من هذا التقرير هي:

إن اعتقاد النصارى بألوهية الروح القدس جاء نتيجة لتأويلهم النصوص المتشابهة, وجعلها دليلا على معتقدهم, وتركهم النصوص المحكمة الصريحة الواضحة, التي تدل على أن الروح القدس هو جبريل عليه السلام لا غير, فقد وردت نصوص تذكر اسم الروح القدس تارة, ونصوص تذكر اسم جبريل عليه السلام تارة أخرى, فظنوا أنهما شيئان مختلفان, فنسبوا إلى الروح القدس الصفات الإلهية, بينما هما في الحقيقة شيء واحد, هو الملك جبريل عليه السلام الموكل بالنزول بالوحي على الأنبياء والمرسلين.

===========

الفهارس

(1) موسوعة تاريخ الأقباط 1/246
(2) لوقا إصحاح 1 فقرة 67
(3) من مراجع التقرير أيضا: الروح القدس في عقيدة النصارى, العقائد النصرانية, الله واحد أم ثلاثة: منقذ بن محمود السقار, والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة.

-----------------------------------------------------
{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــــــــــــــ