المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة


تراتيل
02-03-2012, 07:30 PM
http://saaid.net/feraq/mthahb/mthahb.jpg



http://www.saaid.net/feraq/mthahb/index.htm

عقيدة أهل السنة والجماعة

الفرق العقائدية في الإسلام

الحركات الإسلامية
الصوفية وما تفرع عنها ومن تأثر بها

جماعات غالية

جماعات عنصرية

الحركات الباطنية

الأحزاب والحركات والاتجاهات المعاصرة

اليهودية وما تفرع عنها
النصرانية وما تفرع عنها من مذاهب

فلسفات ولدت في كنف الحضارة الغربية ومتأثرة بالنصرانية

الأديان الشرقية

المذاهب الفلسفية والمدارس الأدبية

من المدارس الأدبية

من الفلسفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية

تجدها على هذا الرابط :
http://www.saaid.net/feraq/mthahb/index.htm

عبدالناصر محمود
02-19-2012, 08:54 AM
حزب البعث العربي الاشتراكي
-------------------------------

التعريف :
-----------
حزب البعث حزب قومي علماني ، يدعو إلى الانقلاب الشامل في
المفاهيم والقيم العربية لصهرها وتحويلها إلى التوجه الاشتراكي ،
شعاره المعلن ( أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ) وهي رسالة
الحزب أما أهدافه فتتمثل في الوحدة والحرية والاشتراكية .

التأسيس وأبرز الشخصيات :
-----------------------------
ـ في سنة 1932م عاد من باريس قادما إلى دمشق كل من ميشيل عفلق
( نصراني ينتمي إلى الكنيسة الشرقية ) و صلاح البيطار ، وذلك بعد
دراستهم العالية محملين بأفكار قومية وثقافة أجنبية .

ـ عمل كل من عفلق و البيطار في التدريس، ومن خلاله أخذا ينشران
أفكارهما بين الزملاء والطلاب والشباب .

ـ اصدر التجمع الذي أنشأه عفلق والبيطار مجلة ( الطليعة ) مع
الماركسيين سنة 1934م وكانوا يطلقون على أنفسهم اسم ( جماعة
الإحياء العربي ) ..

ـ في نيسان ( إبريل ) 1947م تم تأسيس الحزب تحت اسم ( حزب
البعث العربي )، وقد كان من المؤسسين : ميشل عفلق ، صلاح
البيطار، جلال السيد، زكي الاسوزي كما قرروا إصدار مجلة باسم
( البعث ) .

ـ كان لهم بعد ذلك دور فاعل في الحكومات التي طرأت على سوريا
بعد الاستقلال سنة 1946م وهذه الحكومات هي :

1ـ حكومة شكري القوتلي : 1946م وحتى 1949م .

2ـ حكومة حسني الزعيم : استلم السلطة عدة شهور من سنة 1949م.

3ـ حكومة اللواء سامي الحناوي : بدأ حكمه وانتهى في نفس عام 1949م.

4ـ حكومة أديب الشيشكلي : استمر حكمه حتى سنة 1954م.

5ـ حكومة شكري القوتلي : عاد إلى الحكم مرة ثانية واستمر إلى توقيع
اتفاقية الوحدة مع مصر سنة 1958م .

6ـ حكومة الوحدة برئاسة جمال عبد الناصر : 1958م ـ 1961م .

7ـ حكومة الانفصال برئاسة ناظم القدسي : وقد دام الانفصال من
28ـ 9ـ 1961م وحتى 8ـ 3ـ 1963م . وقد قاد حركة الانفصال
عبد الكريم النحلاوي .

9ـ منذ 8ـ 3ـ 1963م وإلى اليوم فقد وقعت سورية تحت حكم حزب
البعث، وقد مرت هذه الفترة بعدة حكومات بعثية هي :

أ ـ حكومة قيادة الثورة : 1963م وفيها برز صلاح البيطار كرئيس
للوزراء .

ب ـ حكومة أمين الحافظ : من 1963م وحتى 1966م .

ج ـ حكومة نور الدين الأتاسي : 1966م ـ 1970م حيث لعبت القيادة
القطرية للحزب دوراً بارزاً في الحكم ، وقد برز في هذه الفترة كل
من صلاح الحديدي الذي عمل أميناً عاماً للقيادة القطرية وحافظ الأسد
الذي عمل وزيراً للدفاع .

د ـ حكومة حافظ الأسد : من سنة 1970م وحتى وفاته .

د ( مكرر ) ـ حكومة بشار الأسد : من موت أبيه وإلى يومنا هذا .
( ورث بشار الحكم عن والده ) .

من الشخصيات البارزة التي ظهرت في تاريخ الحزب :
--------------------------------------------------------

ـ سامي الجندي : تقلد منصب وزير الإعلام بعد انقلاب 1963م .

ـ حمود الشوفي : عمل سكرتيراً عاماً للقيادة القطرية الأولى إلا أنه
انشق وجماعته عن الحزب في آذار ( مارس ) 1964م ورحل إلى
العراق .

ـ منيف الرزاز: ( أردني ) عمل سكرتيراً عاماً للقيادة القومية للحزب
من نيسان ( إبريل ) 1965م إلى شباط ( فبراير ) 1966م .

ـ مصطفى طلاس : ولد سنة 1932م ، درس في الكلية العسكرية بحمص،
انضم إلى الحزب في سنة 1947م وعمل رئيساً لمحكمة الأمن القومي
للمنطقة الوسطى من 1963م، ورئيس أركان اللواء المدرع الخامس من
1964م ـ 1966م ورئيس الأركان للقوات المسلحة من شباط 1968م
ونائب وزير الدفاع من 1968م ـ 1972م وفي آذار 1973م صار
وزيراً للدفاع حتى وفاته .

ـ اللواء يوسف شكور: خلف مصطفى طلاس في رئاسة الأركان وهو من
منطقة حمص .

ـ اللواء ناجي جميل : من دير الزور، كان قائدا لسلاح الجو من تشرين
الثاني 1970م وحتى آذار 1978م .

ـ سليم حاطوم : حاول أن يقود انقلابا عام 1966م لكنه فشل في ذلك. وقد
أعدم في عام 1967م .

ـ زكي الأسوزي : ( من لواء الاسكندرونه ) مؤسس مع ميشيل عفلق
ومنافس له .

ـ شبلي العيسمي : ولد عام 1930م ، عمل وزيراً للإصلاح الزراعي ثم
وزيراً للمعارف ، ثم وزيراً للثقافة والإرشاد القومي 1963م ـ 1964م
ونائبا للأمين العام لحزب البعث 1965م .

ـ عبد الكريم الجندي : من أنصار صلاح جديد ، انتهى منتحراً عام
1969م .

ـ سليمان العيسى : ( من لواء الاسكندرونه ) منظّر ومفكر وشاعر .

ـ أحمد الخطيب : استلم رئاسة الجمهورية من تشرين الثاني 1970م
واستقال في شباط 1971م وهي الفترة الانتقالية بين نور الدين الأتاسي
وحكومة حافظ أسد ، وقد كان عضو القيادة القطرية الموسعة من 1965م
كما استلم رئاسة مجلس الشعب لفترة قصيرة .

ـ يوسف زعين : مولود في البوكمال 1931م ، طبيب ، عمل وزيراً
للإصلاح الزراعي 1963م ـ 1964م ، وسفيراً في بريطانيا ، وفي
1965م انتخب عضواً في القيادة القطرية ، ومن شباط 1966م إلى
تشرين الأول 1968م، كان رئيساً للوزراء حتى عام 1970م .

ـ جلال السيد : عضو مؤسس في حزب البعث وهو من مدينة دير الزور
وقد ترك الحزب لكنه بقي نشيطاً في السياسة السورية .

ـ عبد الحليم خدام : ولد 1932م في بانياس ، خريج كلية الحقوق بدمشق،
تنقل في عدة وظائف حيث عمل محافظاً لمدينة حماه ومحافظاً لمدينة
القنيطرة ومحافظاً لمدينة دمشق1964م ووزيراً للأقتصاد1969م ،
ووزيراً للخارجية من1970م وهو عضو القيادة القطرية منذ عام 1969م
وقد اتقى عام 1984م ليكون نائب رئيس الجمهورية للشئون السياسية.
وفي آواخر2005م انشق عن الحزب وترك سورية ، ويقيم الآن في
فرنسا .

ـ حافظ أسد : ولد بالقرداحة من قرى اللاذقية سنة 1930م ، تخرج في
الكلية العسكرية بحمص1955م ، عمل قائداً لقاعدة الضمير الجوية
1963م ، وقائداً لسلاح الطيران 1964م، انضم إلى المجلس الوطني
لقيادة الثورة 1965م، انضم إلى صلاح جديد في انقلاب 1966م ،
وصار وزيراً للدفاع من 1966م إلى 1970م . ومن تشرين الثاني
1970م صار رئيساً للجمهورية بعد قيادته الحركة التصحيحية التي
أوصلته إلى السلطة حتى وفاته ، ورثه في الحكم نجله بشار الأسد!!!

= الأفـــــــكار والمعتقدات :
----------------------------

ـ حزب البعث العربي الاشتراكي حزب قومي علماني انقلابي له
طروحات فكرية متعددة يتعذر الجمع بينها أحيانا ً فضلاً عن الاقتناع
بها ، لقد كُتِبَ عنه كثيراً وتحدث زعماؤه طويلاً ، ولكنْ هناك بون
واسع بين ممارسات وأقوال فترة ما قبل السلطة ، وممارسات وأقوال
ما بعدها .

ـ الرابطة القومية عنده هي الرابطة الوحيدة القائمة في الدول العربية
التي تكفل الانسجام بين المواطنين وانصهارهم في بوتقة واحدة وتكافح
سائر المذهبية والقبلية والعرقية والإقليمية !!! . ( سورية تسيطر عليها
طائفة يبلغ عددها أقل من 5% من عدد السكان !!! ) .

ـ تعلن سياسة الحزب التربوية أنها ترمي إلى خلق جيل عربي جديد
مؤمن بوحدة أمته وخلود رسالته !آخذ بالتفكير العلمي ! وطليق من
قيود الخرافات والتقليد الرجعية ، مشبع بروح التفاؤل والنضال
والتضامن مع مواطنيه! في سبيل تحقيق الانقلاب العربي الشامل
وتقدم الإنسانية .

ـ من التوصيات العامة لمقررات المؤتمر القومي الرابع :
-------------------------------------------------------

ـ تقول التوصية الرابعة : ( يعتبر المؤتمر القومي الرابع الرجعية
الدينية إحدى المخاطر الأساسية التي تهدد الانطلاقة التقدمية في
المرحلة الحاضرة ولذلك يوصي القيادة القومية بالتركيز في النشاط
الثقافي والعمل على علمانية الحزب ، خاصة في الأقطار التي تشوه
فيها الطائفية!!! العمل السياسي ).

ـ التوصية التاسعة تقول: ( إن أفضل سبيل لتوضيح فكرتنا القومية
هو شرح وإبراز مفهومها التقدمي العلماني وتجنب الأسلوب
التقليدي الرومانطيقي في عرض الفكرة القومية ، وعلى ذلك
سيكون نضالنا في هذه المرحلة مركزاً حول علمانية حركتنا
ومضمونها الاشتراكي لاستقطاب قاعدة شعبية لا طائفية ( !!! )
من فئات الشعب ) .

ـ أما عن الوحدة فهم يقولون :
--------------------------

ليست الوحدة العربية ، مجرد تجميع ولصق لأجزاء الوطن
العربي بل هي التحام فصهر لهذه الأجزاء ، لذا فإن الوحدة
ثورة بكل أبعادها ومعانيها ومستوياتها ، وهي ثورة لأنها قضاء
على مصالح إقليمية عاشت وتوسعت وترسبت عبر القرون ،
وهي ثورة لأنها تجابه مصالح وطبقات تعارض الوحدة وتقف
في وجهها ( المنطلقات النظرية للمؤتمر القومي السادس ) .

ـ وأما الاشتراكية فهي تعني تربية المواطن تربية اشتراكية
علمية تعتقه من كافة الأطر والتقاليد الاجتماعية الموروثة
والمتأخرة لكي يمكن خلق إنسان عربي جديد بعقل علمي
متفتح ، ويتمتع بأخلاق اشتراكية جديدة ويؤمن بقيم جماعية.

ـ الرسالة الخالدة يفسرونها بأن الأمة العربية ذات رسالة خالدة
تظهر بأشكال متجددة متكاملة في مراحل التاريخ ترمي إلى تجديد
القيم الإنسانية وحفز التقدم البشري وتنمية الانسجام التعاون بين
الأمم .

هذا ويمكن ملاحظة ما يلي :
---------------------------

ـ كلمة الدين لم ترد مطلقاً في صلب الدستور .

ـ كلمة الإيمان بالله على عموميتها لم ترد في صلب الدستور
لا في تفصيلاته ولا في عمومياته مما يؤكد الاتجاه العلماني
لديه .

ـ في بناء الأسرة لا يشيرون إلى تحريم الزنا ولا يشيرون إلى
آثاره السلبية .

ـ في السياسة الخارجية لا يشيرون إلى أية صلة مع العالم الإسلامي.

ـ لا يشيرون إلى التاريخ الإسلامي الذي أكسب الأمة العربية مكانة
وقدراً بين الشعوب .

الجذور الفكرية والعقائدية :
--------------------------

1ـ يعتمد الحزب على الفكر القومي الذي ظهر وبرز بعد سقوط
الدولة العثمانية في العالم العربي والذي نادت به أوربة ، والذي
نادى به رائد القومية العربية في العالم العربي آنذاك ساطع الحصري

2ـ يعتمد على الفكر العلماني إذ ينحي مسألة العقيدة الدينية جانباً
ولا يقيم لها أي وزن سواء على صعيد الفكر الحزبي أو على صعيد
الانتساب إلى الحزب أوعلى صعيد التطبيق العملي .

3ـ يستلهم الحزب الفكر الاشتراكي ويترسم الخطى الماركسية ،
والخلاف بينهما أن الماركسية أممية، أما البعث فقومي ، وفيما
عدا ذلك فإن الأفكار الماركسية تمثل العمود الفقري في فكر
الحزب ومعتقده .

4ـ لقد كان الحزب واجهة انضوت تحته كل الاتجاهات الطائفية
( درزية ـ نصيرية ـ إسماعيلية ـ نصرانية ) وأخذ هؤلاء يتحركون
من خلاله بدوافع باطنية يطرحونها ويطبقونها تحت شعار الثورة
والحرية والاشتراكية والتقدمية وقد كانت الطائفة النصيرية أقدر هذه
الطوائف على استغلال الحزب في تحقيق أهدافها وترسيخ وجودها .

الانتشار ومواقع النفوذ :
-----------------------

1ـ للحزب أعضاء ينتشرون في بعض الأقطار العربية ، بعضهم
يعمل بشكل علني وبعضهم الآخر سري، ويتفاوت وجودهم وتأثيرهم
من بلد إلى آخر حسب طبيعة البلد ونوعية حكمه .

2ـ يحكم حزب البعث بلد عربي مهم هو سورية :Syria:، وكان يحكم من قبل
العراق .

3ـ يتطلعون إلى استلام السلطة في جميع أرجاء الوطن العربي إذ إن
ذلك جزء لا يتجزأ من طموحاتهم البعيدة .
------------------------------------------------------------------

مراجع للتوسع :
--------------

1ـ نضال البعث -- -- -- -- بشير الداعوق ـ بيروت ـ 197-م.

2ـ حزب البعث الاشتراكي مرحلة الأربعينات التأسيسية
( 1940م ـ 1949م ) -- -- شبلي العيسمي ـ بيروت ـ 1975م.

3ـ التجربة المرة -- -- -- -- منيف الرزاز ـ بيروت ـ 1967م.

4ـ البعـث -- -- -- -- سامي الجندي ـ بيروت ـ 1969م.

5ـ تجربتي مع الثورة -- -- محمد عمران ـ بيروت ـ 1970م.

6ـ حزب البعث -- -- -- -- مطاوع صفدي .

7ـ الصراع من أجل سورية -- -- باتريك سيل ـ لندن 1965م.

8ـ أعاصير دمشق -- -- فضل الله أبو منصور ـ بيروت 1959م.

9ـ مذكراتي عن الانفصال -- -- عبد الكريم زهر الدين .

10ـ الدروز -- -- -- -- فؤاد الأطرش .

11ـ الحركات القومية الحديثة في ميزان الإسلام -- --
محمد منير نجيب ـ ط1ـ 1981م ـ مكتبة الحرمين.
-----------------------------------------------------------
{ م: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة ـ
الندوة العالمية للشباب الإسلامي ـ الرياض ـ }.
---------------------------------------------------------

على النجار
02-28-2013, 11:45 AM
شكـرا لكـم

عبدالناصر محمود
12-15-2013, 09:37 AM
فرقة الكرَّاميَّة.. عقائدها وأصولها..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ

12 / 2 / 1435 هــ
15 / 12 / 2013 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3567.jpg




التعريف بفرقة الكرَّاميَّة:

الكرامية هي فرقة من فرق المبتدعة، والكرامية نسبة إلى مؤسسها وصاحبها الأول محمد بن كرام السجستاني، ويعد قوله في الإيمان أشهر أقوله البدعية، حيث زعمت الكرامية أن الإيمان "هو القول باللسان دون المعرفة بالقلب، فمن نطق بلسانه ولم يعترف بقبله فهو مؤمن، وزعموا أن المؤمنين كانوا مؤمنين بالحقيقية"(1).

ومذهب الكرامية في الإيمان يسمى بالإرجاء، وهو مذهب بدعي مذموم، ولأهل السنة والجماعة موقف عظيم في التحذير منه وبيان خطره على الأمة، بل لهم موقف عظيم في التحذير من فكر الكرامية بصفة عامة.

وقد كان ظهور هذه الفرقة في النصف الأول من القرن الثالث الهجري.

طوائف الكرامية:

قال الشهرستاني في كتابة الملل والنحل مبينا لطوائف الكرامية: "هم طوائف بلغ عددهم إلى اثنتي عشرة فرقة، وأصولها ستة‏:‏ العابدية، والتونية، والزرينية، والإسحاقية، والواحدية، وأقربهم‏:‏ الهيصمية‏.‏ ولكل واحدة منهم رأي، إلا أنه لما يصدر ذلك من علماء معتبرين بل عن سفهاء أغتام جاهلين لم نفردها مذهباً، وأوردنا مذهب صاحب المقالة، وأشرنا إلى ما يتفرع منه"(2).

التعريف بابن كرام شيخ الكرامية:

هو محمد بن كرام بن عراق السجستاني، ولد في قرية من قرى زرنج، وزرنج حاضرة سجستان، بتاريخ لم يحدده المؤرخون، إلا أن المستشرق الفرنسي ماسيثيون ذكر أنه ولد في تاريخ 190هـ تقريبا، وذد ذكر الجوزقاني أن أبا عبد الله محمد بن كرام كان من نواحي سجستان من قرية يقال لها الحروي.

فابن كرام ينسب إلى سجستان، فيقال محمد بن كرام السجزي أو السجستاني؛ لأنه ولد فيها ونشأ بها، وينسب إلى نيسابور لأنه مكث فيها طويلا(3).

وقد كان ابن كرام زاهداً عابداً، لكنه خُذِل حتى التقط من المذاهب أرداها، ومن الأحاديث أوهاها، سجن ثم نفي ومات بأرض بيت المقدس سنة خمس وخمسين ومائتين(4).

أقوال العلماء في ابن كرام:

جرَّح العلماء ابن كرام ووصفوه بأنه ساقط الحديث وأنه صاحب بدعة وكان يروي الموضوعات في أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وفي مدح أبي حنيفة، كما وصفه بعضهم بأنه من غلاة المرجئة.

فقال عنه الذهبي: "محمد بن كرام السجستاني المبتدع شيخ الكرامية كان زاهداً عابداً ربانياً، بعيد الصيت كثير الأصحاب، ولكن يروي الواهيات"(5).

وقال عنه ابن حبان: "خذل حتى التقط من المذاهب أرداها، ومن الأحاديث أوهاها"(6).

مجمل عقائد الكرامية(7).

- تجويزهم وضع الحديث على سول الله صلى الله عليه وسلم، بدعوى أنهم يكذبون له لا عليه، وهي دعوى باطلة..

- اتفاقهم على إطلاق لفظ الجسم على الله تعالى، وفسروا معناه بأنه القائم بالذات، المستغني وجوده عن غيره.

- إثبات الصفات، مع تحريف لما أثبتوه، كما صنعوا في صفة السمع، والبصر، والكلام، والاستواء، والإرادة.

- إثبات الجهة لله تعالى، وقالوا إنه بجهة فوق ذاتا، ثم اختلفوا في شرح هذا المعتقد عندهم.

- أثبتوا الرؤية حتى قالوا إن الله تعالى يمكن أن يرى بالأبصار في الدنيا.

- القول بأن الإيمان هو قول اللسان فقط، وأنه لا يزيد ولا ينقص، ولا يستثنى فيه، وقالوا إن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان.

- وقالوا في الإمامة‏:‏ إنها تثبت بإجماع الأمة دون النص والتعيين كما قال أهل السنة‏.‏

- ومذهبهم الأصلي اتهام علي رضي الله عنه في الصبر على ما جرى مع عثمان رضي الله عنه، والسكوت عنه.

- واتفقوا على أن العقل يحسن ويقبح قبل الشرع وتجب معرفة الله تعالى بالعقل كما قالت المعتزلة، إلا أنهم لم يثبتوا رعاية الصلاح و الأصلح واللطف عقلاً كما قالت المعتزلة‏.‏

- ومن مذهبهم جميعاً‏:‏ جواز قيام كثير من الحوادث بذات الباري تعالى‏.‏

- ومن أصلهم‏:‏ أن الحوادث التي يحدثها في ذاته واجبة البقاء، حتى يستحيل عدمها، إذ لو جاز عليها العدم لتعاقبت على ذاته الحوادث، ولشارك الجوهر في هذه القضية أيضاً.

- وأجمعوا على أن الحوادث لا توجب لله تعالى وصفاً، ولا هي صفات له فتحدث في ذاته هذه لحوادث من‏:‏ الأقوال والإرادات، والتسمعات، والتبصرات، ولا يصير بها‏:‏ قائلاً ولا مريداً، ولا سميعاً، ولا بصيراً، ولا يصير بخلق هذه الحوادث‏:‏ محدثاً ولا خالقاً‏.‏ وإنما هو‏:‏ قائل بقائليته، وخالق بخالقيته، ومريد بمريديته، وذلك قدرته على هذه الأشياء‏.‏

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ

الهوامش:

(1) عقائد الثلاث والسبعين فرقة- لأبي محمد اليمني: (1/275).

(2) الملل والنحل للشهرستاني: (ص:107).

(3) ينظر: موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الكرامية في الإلهيات- لعبد القادر محمد عبد الله- رسالة ماجستير: (ص:4-5).

(4) ينظر سير أعلام النبلاء للذهبي: (11/523-524).

(5) سير أعلام النبلاء: (11/523).

(6) ميزان الاعتدال للذهبي: (4/21).

(7) [ينظر الملل والنحل للشهرستاني: (1/107)، وموقع الدرر السنية: الكرامية:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
12-16-2013, 09:06 AM
عقيدة الأحباش الهررية- عرض ونقد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ

13 / 2 / 1435 هــ
16 / 12 / 2013 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_1469.jpg


الجامعة الإسلامية -غزة
عمادة الدراسات العليا
كلية أصول الدين
قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة
ــــــــــ
عقيدة الأحباش الهررية-عرض ونقد
بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير في العقيدة والمذاهب المعاصرة
بكلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية بغزة
إعداد الطالب: محمد مصطفى الجدي
إشراف الدكتور: محمد حسن بخيت
العام الجامعي: 1422 هـ- 2001 م
ــــــــــ
تظهر أهمية هذا البحث في أنه يبحث في إحدى الفرق الإسلامية المعاصرة التي تدعي بأن منهجها هو منهج أهل السنة والجماعة في إثبات العقائد، مع أنها اعتمدت منهج الأشاعرة والماتريدية في العقيدة، وسارت على ضلالات الصوفية الرفاعية.
ومن المعلوم أن هناك فروقاً كثيرة بين منهج السلف ومنهج الأشاعرة والماتريدية في إثبات العقائد، منها على سبيل المثال - لا الحصر - أن الأشاعرة والماتريدية يثبتون بعضاً من الصفات، ويؤولون معظم الصفات، فأين هذا من منهج السلف الصالح الذين يثبتون الصفات كلها دون تأويل، أو تشبيه، أو تحريف، أو تعطيل؟ لهذا الأمر أقدم الباحث على اختيار هذا الموضوع ليجلي الحقيقة عن اعتقاد هذه الفرقة التي لها أتباع في بعض البلدان الإسلامية والأوربية.
والأحباش هم طائفة ضالة تنسب إلى عبد الله الحبشي، ظهرت حديثاً في لبنان مستغلة ما خلّفته الحروب الأهلية اللبنانية من الجهل والفقر والدعوة إلى إحياء مناهج أهل الكلام والصوفية والباطنية، بهدف إفساد العقيدة وتفكيك وحدة المسلمين وصرفهم عن قضاياهم الأساسية. ولد مؤسس هذه الجماعة عبد الله الهرري الحبشي في مدينة هرر بأثيوبيا وانتقل إلى لبنان، وتوفي في 2 سبتمبر 2008م.
جاء البحث في مقدمة، وتمهيد، وثلاثة أبواب، وثمانية فصول، وخاتمة:
عرض الباحث في مقدمته لخطة بحثه وأسباب اختياره للموضوع، ومنهج البحث وطبيعة العمل فيه، ثم تناول في التمهيد الحديث عن نشأة الأحباش، وسبب تسميتهم بهذا الاسم وأبرز دعاة جماعة الأحباش، وأهم المؤسسات والأنشطة التابعة لهم.
الباب الأول: أسس العقيدة عند الأحباش عرض ونقد
الفصل الأول: منهج الأحباش في تقرير العقيدة
اعتمد الأحباش في تقرير العقيدة على مجموعة من القواعد هي: التأويل، والمحكم والمتشابه، وخبر الآحاد والاجتهاد والتقليد، وعلم الكلام، وفي هذا الفصل كان الحديث عن منهج الأحباش في تقرير العقيدة من خلال القواعد سابقة الذكر.
الفصل الثاني: موقف الأحباش من الألوهيات
تناول الباحث هذا الفصل من خلال الحديث في ثلاث محاور وهي: موقف الأحباش من وجود الله، وموقف الأحباش من وحدانية الله، وموقف الأحباش من أسماء الله وصفاته، وبين الباحث أن الأحباش قد ساروا في هذه المعتقدات خلف المتكلمين، مخالفين بذلك معتقد السلف في تقرير العقيدة وموقفهم من الإلهيات.
الفصل الثالث: عقيدة الأحباش في النبوات
بين الباحث في هذا الفصل أن اعتقاد الأحباش في النبوات موافق لما عليه السلف الصالح، كذلك بين أن الأحباش وافقوا السلف في الصفات التي يجب أن تتوفر في الرسول، وفي التفريق بين النبي والرسول، كذلك رد الباحث على قول الأحباش أن (السبيل إلى معرفة النبي المعجزة) وبين بطلان هذا القول.
الفصل الرابع: الغيبيات عند الأحباش
بين الباحث في هذا الفصل أن الحبشي لم يخالف السلف في الإيمان بالغيب، ولا في عذاب القبر ونعيمه لكنه خالف أهل السنة والجماعة في حكم منكر عذاب القبر، والملاحظ أن منهج السلف لا يظهر عليه الميل إلى تكفير منكر عذاب القبر، وإنما اكتفى علماء السلف بإطلاق عبارات التضليل والتبديع وبيان سوء المنقلب وخسران من ينكر عذاب القبر.
كذلك عرض الباحث لكثير من المسائل الغيبية الأخرى لدى الأحباش كالشفاعة والصراط وصفة حشر العباد والميزان والجنة والنار مع بيان المسائل التي خالفوا فيها السلف.
الباب الثاني: الإيمان والكفر والتصوف عند الأحباش عرض ونقد
الفصل الأول : الإيمان والكفر عند الأحباش.
عرض الباحث في هذا الفصل لقضية الإيمان والكفر عند الأحباش، وبين أنهم خالفوا في مسألة الإيمان معتقد أهل السنة والجماعة، حيث ظنوا أن ما في القلب من الإيمان ليس إلا التصديق فقط، دون أعمال القلوب، وهذا نفس ما قاله جهمية المرج، كما ناقش الباحث مسألة الإٍسلام والفرق بينه وبين الإسلام، ومسألة الردة وعلاقتها بالكفر لدى الأحباش .
الفصل الثاني: التصوف عند الأحباش
عرض الباحث في هذا الفصل للتصوف ومعناه، ثم بين أن الحبشي يعتبر من المتصوفة المعاصرين، ومن أتباع الطريقة الرفاعية، وكان دائم الدأب في التعمق في الطرق الصوفية، فلم يكتفِ بأخذ إجازتين في كبرى الطرق الصوفية: الرفاعية والقادرية، بل اتجه إلى الطريقة النقشبندية وأخذ إجازة فيها بسند متصل.
وختم الباحث هذا الفصل بذكر أشهر البدع الصوفية التي وقع فيها الأحباش الاستغاثة والتوسل البدعي، التبرك بالقبور وغيرها من المسائل البدعية.
الباب الثالث: موقف الأحباش من الصحابة والعلماء عرض ونقد
الفصلالأول:موقفالأحباشمنالصحابة
في هذا الفصل عرض الباحث لموقف الأحباش من الخلفاء الراشدين ومن معاوية بن أبي سفيان، كذلك تعرض للحديث عن موقفهم من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ورد من ذلك ما خالفوا فيه اعتقاد السلف رضوان الله عليهم.
الفصل الثاني: موقفهم من العلماء
جعل الباحث هذا الفصل للحديث عن موقف الأحباش من علماء أهل السنة قديما وحديثا، فعرض الباحث لرأيهم في كل من: شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام محمد بن عبد الوهاب، والأستاذ سيد قطب، والشيخ أبي الأعلى المودودي، والشيخ الألباني، والدكتور يوسف القرضاوي.
وختم الباحث رسالة بقائمة بأهم النتائج التي توصل إليها:
1- يعتمد الأحباش على التأويل المخالف لما عليه أهل السنة والجماعة والذي يعني صرف النص عن معناه الظاهر إلى معنى محتمل، وذلك لتأويل صفات الله العلي بحجة تنزيه الله عن التشبيه بالخلق، ويعتبر الحبشي آيات الصفات من المتشابه الذي يتوجب تأويله وصرفه عن الظاهر، مخافة الوقوع في التجسيم، وهذا مخالف لما عليه السلف الصالح.
2- قام الأحباش برد خبر الآحاد، وعدم اعتماده في الأمور العقدية، وذلك تمهيداً لتأويل صفات الله -سبحانه وتعالى-.
3- التردد الواضح لدى الأحباش في موضوع التقليد والاجتهاد، فتارةً يكونوا من أشد الدعاة إلى التقليد وعدم جواز المخالفة، وذلك عندما يدعون لاتباع منهج الأشاعرة، ويرون عدم جواز مخالفته؛ وأخرى يكونوا من دعاة الاجتهاد وذلك عندما يجتهدون في مسألة ما، فيقولوا بجواز الاجتهاد.
4- يعتبر الأحباش من أشد الناس تمسكاً بعلم الكلام؛ ويرون وجوب دراسته وتعلمه، وذلك لميل منهجهم في الاعتقاد إلى المسائل الكلامية، غاضين الطرف عن الويلات التي جاء بها هذا العلم على المسلمين بشكل عام، وعلى المشتغلين به بشكل خاص.
5- اعتماد الأحباش بصورة كبيرة على الأدلة العقلية في إثبات وجود الله، وهذه الأدلة انتقدها السلف وبينوا عدم صحة الاستدلال بها لما تحويه من مآخذ، وأيضاً خالفوا السلف عندما جعلوا أول واجب على المكلف معرفة الله؛ والصحيح هو النطق بالشهادتين.
6- استخدم الأحباش ألفاظاً مبتدعةً بعيدة عن منهج أهل السنة والجماعة، والتي تعود في أصلها إلى المتكلمين والفلاسفة مثل: التركيب، والجسم، والتأليف، والجهة، والتحيز وأشباه ذلك من ألفاظ.
7- يؤخذ على الأحباش أنهم جعلوا التوحيد، والواحد، والأحد بمعنى الواحد، وهذا كلام معلوم الفساد.
8- استخدام الأحباش للأدلة العقلية في إثبات وحدانية الله، والتي منها دليل التمانع، وهو دليل صحيح لا شيء فيه من حيث التركيب، ولكن الخطأ الذي وقعوا فيه استخدامهم آية الأنبياء في غير موضعها، حيث استدلوا بها على توحيد الربوبية، وهي قصد بها توحيد الألوهية؛ مع العلم أن الألوهية أشمل من الربوبية.
9- قسم الأحباش التوحيد بصورة مخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة، وهذا التقسيم يحتمل أوجهاً عديدة من القصور والنقص.
10 - وافق الأحباش السلف عندما قالوا بأن أسماء الله الحسنى أكثر من تسعة وتسعين اسماً، ولكنهم خالفوا عندما جعلوا الاسم هو الصفة نفسها.
11 - خالف الأحباش السلف عندما قاموا بتأويل صفات الله عن ظاهرها، وأيضاً عندما اقتصروا على وجوب معرفة ثلاث عشرة صفة وهي: الوجود، القدم، البقاء، السمع، البصر، الإرادة، القدرة، العلم، الحياة، الوحدانية، القيام بالنفس، المخالفة للحوادث، الكلام، ومع ذلك أولوا هذه الصفات عن ظاهرها، وأخرجوها عن حقيقتها.
12 - اعتقاد الأحباش في النبوات موافق لما عليه السلف من حيث إن إرسالهم إنما هو تفضل من الله على عباده، وفي ذكر الصفات الواجب توفرها في الرسل؛ وصحة اعتقادهم في سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، ولكن الحبشي ق  صر عندما جعل دليل النبوة يقتصر على المعجزة فقط، بل هذا يعتبر دليلاً واحداً من مجموعة أدلة، وليست هي وحدها فقط الدليل على صدق النبوة.
13 - يؤمن الأحباش بالأمور الغيبية، ويوافقون السلف في ذلك، حيث إنهم يؤمنون بعذاب القبر ونعيمه، ولكنهم يخالفون عندما جعلوا عذاب آل فرعون قبل قيام الساعة الذي أخبر الله به إنما يقتصر على إدخال الرعب في قلوبهم، دون تعذيبهم بالنار، وأيضاً وافق الأحباش السلف في إثبات الحشر يوم القيامة للعباد.
14 - خالف الأحباش السلف في مسألة الشفاعة، حيث أثبتوا شفاعة واحدة للرسول -صلى الله عليه وسلم- وهي لأهل الكبائر، وأحياناً يثبتون شفاعة أخرى للرسول -صلى الله عليه وسلم- وهي تخليص الناس من حر الشمس يوم القيامة، وهذا بخلاف الشفاعات الثماني التي أثبتها علماء السلف -رحمهم الله- للرسول -صلى الله عليه وسلم-.
15 - وافق الأحباش السلف في مجموعة من الأمور الأخروية مثل: محاسبة الله للعباد، والجنة والنار والميزان، وبالثواب والعقاب للعبيد، وبالإيمان بالصراط، ولكنهم خالفوا بوصف الصراط بأنه جسر عريض خلاف ما قال السلف بأنه أدق من الشعر وأحد من السيف.
16 - سار الأحباش في تعريفهم للقضاء والقدر على منهج السلف، وبالإيمان بالقدر خيره
وشره، ولهم نصوص توهم القول بالجبر، وذلك من خلال القول بمقالة الأشاعرة في
الكسب والتي حقيقتها لا تأثير لقدرة العبد في الكسب.
17 - يرى الأحباش أن الإيمان بمعنى التصديق بالقلب والإقرار باللسان دون ذكر العمل، وهذا خلاف ما عليه السلف الصالح في تعريفهم للإيمان، وأيضاً يؤخذ عليهم أنهم جعلوا الإيمان والإسلام بمعنى واحد، والسلف -رحمهم الله- أوجدوا فرقاً وتغايراً بين مسمى الإيمان والإسلام.
18 - وافق الأحباش المرجئة عندما جعلوا الإيمان مقتصراً على الإيمان بالقلب والإقرار باللسان دون إدخال العمل فيه.
19 - تقسيم الأحباش للكفر بأقسامه الثلاثة: الكفر الاعتقادي، الكفر الفعلي، الكفر القولي، فإن قصدوا بذلك المسمى الطبيعي للردة، فهذا صحيح، وإن أرادوا بذلك المسمى العام للكفر الذي يتصف به كل مخالف لما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- فهذا خلاف ما عليه السلف، لأنهم جعلوا الكفر نوعين: أصغر وأكبر، والكفر الأكبر ينقسم إلى خمسة أقسام: تكذيب، وإباء، وإعراض، وشك، ونفاق، وأيضاً فإن الأحباش تميزوا بإطلاق عبارات الكفر دون ضابط ضد مخالفيهم.
20 - وافق الأحباش السلف في معظم مستثنيات الكفر، ولكنهم حادوا عن قول السلف عندما التمسوا العذر لمانعي الزكاة بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وجعلهم معذورين في اجتهادهم الخاطئ.
21 - يعتبر الأحباش من أتباع الطرق الصوفية، ومع شيخهم إجازات في طرق منها كالقادرية، والرفاعية، والنقشبندية، وفي هذه الطرق من البدع ما يعلمه الله سبحانه وتعالى، والتي من أشهرها: الاستغاثة والتوسل بالأموات، وزيارة قبور الرسل والأولياء للتبرك بها بحجة
التقرب إلى الله، الاعتقاد بأن الولي الصالح قد يخرج من قبره كرامةً له، واستعمال الدف بحجة التقرب إلى الله.
22 - وعن موقف الأحباش من الخلفاء الراشدين فيوافقوا السلف بتفضيل الصديق -رضي الله عنه- على سائر الصحابة، ولكنهم يذكرون شيئاً غريباً هو أن من ينكر صحبة أبي بكر الصديق بقلبه يكفر بخلاف إنكار صحبة الخلفاء الراشدين الثلاثة سوى أبي بكر –رضي الله عنه-، وهذا كلام لم يرد عن سلف هذه الأمة، وإنما هذا من شواذ الفكر لدى الأحباش.
23- افترت الأحباش على الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان، وأطالوا عليه لسانهم عندما وصفوه بالباغي، ولم يتأدبوا بأدب السلف الصالح، وخاضوا فيما شجر بين الصحابة، حتى أنهم تجرءوا على أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- بوصفها بالوقوع في المعصية.
24 - افترت الأحباش على كثير من العلماء الكرام أمثال: شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام محمد بن عبد الوهاب، والأستاذ الشهيد سيد قطب، والشيخ أبي الأعلى المودودي، والشيخ الألباني، والدكتور يوسف القرضاوي، بحيث كفّروهم، ووصفوهم بالزنادقة والجهال، والزائغين، وبالسخفاء، وبالإرهابيين، وبالمتطرفين وغير ذلك من الألفاظ البشعة، التي ليس من الأدب وصف عوام الناس بها، ويعتبر ذلك من الفجور بالخصومة، فكيف يكون ذلك في حق العلماء العاملين.
25 - تدعو هذه الفرقة إلى الاعتزاز بالقومية العربية أكثر من الاعتزاز بالانتساب إلى الدين الإسلامي. ومما سبق بيانه يظهر بدون أي ريب أن الأحباش ضلوا عن منهج السلف الصالح، وذلك بارتكابهم الكثير من المحظورات الاعتقادية، والتي تم بيانها بين طيات البحث.

---------------------------------

عبدالناصر محمود
12-20-2013, 08:37 AM
الدرزية .. الديانة والعقيدة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

17 / 2 / 1435 هــ
20 / 12 / 2013 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_1413.jpg




هذا التقرير يعرض لجملة من اعتقادات الطائفة الدرزية التي يعتقد البعض نسبتها إلى الإسلام، مع التعريف بها وأبرز شخصياتها، وموقف الإسلام منها، وموقفها من المسلمين، ثم الحديث عن موقف دروز سوريا من الثورة السورية.

من هم الدروز:
الدروز فرقة باطنية تؤلِّه الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، أخذت جل عقائدها عن الإسماعيلية، وهي تنتسب إلى نشتكين الدرزي. نشأت في مصر لكنها لم تلبث أن هاجرت إلى الشام. عقائدها خليط من عدة أديان وأفكار، كما أنها تؤمن بسرية أفكارها، فلا تنشرها على الناس، ولا تعلمها لأبنائها إلا إذا بلغوا سن الأربعين.
فالدرزية فرقة سرية من فرق الباطنية يتظاهرون بالإسلام، ويلبسون أحيانا لباس التدين والزهد والورع ويظهرون الغيرة الدينية الكاذبة ويتلونون ألوانا عدة من الرفض والتصوف وحب آل البيت، ويزعمون أنهم حملة لواء الإصلاح بين الناس وجمع شملهم ليلبسوا على الناس ويخدعوهم عن دينهم، حتى إذا سنحت لهم الفرصة، وقويت شوكتهم، ووجدوا من الحكام من يواليهم وينصرهم ظهروا على حقيقتهم، وأعلنوا عقائدهم، وكشفوا عن مقاصدهم، وكانوا دعاة شر وفساد ومعاول هدم للديانات والعقائد والأخلاق.
أصل التسمية وألقابهم الأخرى:
يعرفون بـ"الدروز" نسبة إلى "نشتكين الدرزي" ورغم ذلك فالدروز يعتبرونه زنديقًا ومحرفًا للحقائق، ويكرهون هذا الاسم ويرفضونه، بل يشيرون إلى أن هذا الاسم غير موجود في كتبهم المقدسة ولم يرد تاريخياً في المراجع التي تكلمت عنهم.
لكن أحب الأسماء إليهم هو اسم "الموحدين"، ويشيرون إلى أن تلك التسمية نسبةً إلى عقيدتهم الأساسية في "توحيد الله".
كلك فهم يعرفون بـ"بني معروف" ويعتقد جماعة من الباحثين أن هذا الاسم هو لقبيلة عربية اعتنقت الدرزية في بداياتها، أو ربما هو لقب بمعنى أهل المعرفة والخير.
"نشتكين الدرزي" وديانته الجديدة:
ينتسب الدروز –كما قلنا- إلى نشتكين الدرزي، أحد دعاة الباطنية الذين قالوا بألوهية الحاكم العبيدي، ويسمى هذا الداعي محمد بن إسماعيل، ويقال له: درزي، من أصل فارسي ويعرف بـ "نشتكين"، قدم إلى مصر ودخل في خدمة الحاكم ثم كان أول من أعلن ألوهية ذلك الحاكم المفتون، ولم يكن "نشتكين" في هذا الميدان وحده، بل كان معه ضال آخر فارسي أيضاً يسمى "حمزة بن علي الزوزني" من أهالي "زوزن" بإيران، وكان له الأثر البارز في تاريخ الدروز فيما بعد، بل هو زعيم المذهب الدرزي ومؤسسه .
وقد بدأ "درزي" في إعلان مذهبه الهدام بتأليف كتاب أعلن فيه ألوهية الحاكم، ثم جاء به إلى أشهر مكان في القاهرة؛ الجامع الأزهر وبدأ يقرأه على الناس فأحدث ضجة يبن الناس. وثارت غيرتهم الإسلامية وأرادوا قتله فهرب- أو هربه الحاكم- من مصر إلى جبال لبنان، حيث أخذ ينشر مذهبه إلى أن هلك سنة 410هـ مقتولاً.
المؤسسون لمذهب الدروز:
يعد "حمزة بن علي بن محمد الزوزني" هو المؤسس الفعلي لعقيدة الدروز، حيث قام سنة 408هـ بالإعلان أن روح الإله قد حلت في الحاكم ودعا إلى ذلك، وألف كتب العقائد الدرزية، ويأتي بعدة في المرتبة "نشتكين" سالف الذكر وقد سبق حمزة بالإعلان عن ألوهية الحاكم، وكان ذلك سنة407هـ، ولذلك دبر حمزة الزوني لقتله، كلك برزت مع حمزة عدة شخصيات أخرى ساهمت في نشر تعاليمه، من هذه الشخصيات "الحسين بن حيدرة الفرغاني" المعروف "بالأخرم" أو "الأجدع"، و"بهاء الدين أبو الحسن علي بن أحمد السموقي" المعروف "بالضيف"، و"أبو إبراهيم إسماعيل بن حامد التميمي" صهر حمزة وساعده الأيمن في الدعوة وهو الذي يليه في المرتبة.
أماكن انتشارهم:
ينتشر الدروز بعدة بلدن أبرزها لبنان وسوريا وفلسطين والأردن، إضافة إلى بعض التجمعات في دول المهجر كالولايات المتحدة وكندا وأمريكا الجنوبية ممن هاجروا من الدول آنفة الذكر، لكن نفوذهم الأقوى يوجد في لبنان الآن تحت زعامة وليد جنبلاط ويمثلهم الحزب الاشتراكي التقدمي، ولهم دور كبير في الحرب اللبنانية، وعداوتهم للمسلمين لا تخفى على أحد.
عدد الدروز:
ويبلغ عدد المنتمين إليها حوالي 250 ألف نسمة موزعين بين سوريا 121 ألفاً، ولبنان 90 ألفاً والباقي في فلسطين وبعض دول المهجر.
انحرافاتهم الاعتقادية:
- يعتقد الدروز بألوهية الحاكم بأمر الله، ولما مات قالوا بغيبته وأنه سيرجع.
- يرون أن أئمتهم معصومون من الخطأ والذنوب بل ألهوهم وعبدوهم من دون الله كما فعلوا ذلك بالحاكم.
- ينكرون الأنبياء والرسل جميعا،ً ويلقبونهم بالأبالسة.
- يعتقدون بأن المسيح هو داعيتهم حمزة.
- دعواهم إلى الباطن ، فهم يزعمون أن لنصوص الشريعة معاني باطنية هي المقصود منها دون ظواهرها وبنوا على هذا إلحادهم في نصوص الشريعة وتحريفهم لأخبارها و أوامرها و نواهيها.
- يبغضون جميع أهل الديانات الأخرى، والمسلمين منهم بخاصة، ويستبيحون دماءهم وأموالهم وغشهم عند المقدرة.
- يقولون بتناسخ الأرواح، وأن الثواب والعقاب يكون بانتقال الروح من جسد صاحبها إلى جسدٍ أسعد أو أشقى.
- ينكرون الجنة والنار والثواب والعقاب الأخرويَّيْن.
- ينكرون القرآن الكريم، ويقولون إنه من وضع سلمان الفارسي، ولهم مصحف خاص بهم يسمى المنفرد بذاته.
- يرجعون عقائدهم إلى عصور متقدمة جدًّا ويفتخرون بالانتساب إلى الفرعونية القديمة وإلى حكماء الهند القدامى.
- يبدأ التاريخ عندهم من سنة 408هـ،‍ وهي السنة التي أعلن فيها حمزة ألوهية الحاكم.
- يعتقدون أن الحاكم أرسل خمسة أنبياء هم حمزة وإسماعيل ومحمد الكلمة وأبو الخير وبهاء.
- يعتقدون ما يعتقده الفلاسفة من أن إلههم خلق العقل الكلي وبواسطته وجدت النفس الكلية وعنها تفرّعت المخلوقات.
- يقولون في الصحابة أقوالاً منكرة منها قولهم: الفحشاء والمنكر هما "أبو بكر وعمر" رضي الله عنهما.
- التستر والكتمان من أصول معتقداتهم، فهي ليست من باب التقية، إنما هي مشروعة في أصول دينهم.
- لا يتلقى الدرزي عقيدته ولا يبوحون بها إليه، ولا يكون مكلفاً بتعاليمها إلا إذا بلغ سن الأربعين، وهو سن العقل لديهم.
- يؤمنون بالتناسخ بمعنى أن الإنسان إذا مات فإن روحه تتقمص إنساناً آخر يولد بعد موت الأول، فإذا مات الثاني تقمصت روحه إنساناً ثالثاً وهكذا في مراحل متتابعة للفرد الواحد.
انحرافاتهم في التكاليف والأوامر:
- حج بعض كبار مفكريهم المعاصرين إلى الهند متظاهرين بأن عقيدتهم نابعة من حكمة الهند.
- مناطقهم خالية من المساجد ويستعيضون عنها بخلوات يجتمعون فيها ولا يسمحون لأحد بدخولها.
- يحرمون البنات من الميراث.
- لا يعترفون بحرمة الأخت والأخ من الرضاعة.
- لا يصومون في رمضان ولا يحجون إلى بيت الله الحرام، وإنما يحجون إلى خلوة البياضة في بلدة حاصبية في لبنان ولا يزورون مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ولكنهم يزورون الكنيسة المريمية في قرية معلولا بمحافظة دمشق.
- قالوا الصلاة معرفة أسرارهم لا الصلوات الخمس التي تؤدى كل يوم وليلة، والصيام كتمان أسرارهم لا الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، والحج زيارة الشيوخ المقدسين لديهم.
حكم الإسلام في الدروز:
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن الدروز والنصيريين فأجاب بقوله هم:" كفار باتفاق المسلمين، لا يحل أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم، بل ولا يقرون بالجزية، فإنهم مرتدون عن دين الإسلام، ليسوا مسلمين ولا يهود ولا نصارى، لايقرون بوجوب الصلوات الخمس، ولا وجوب صوم رمضان، ولا وجوب الحج، ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الميتة والخمر وغيرهما، وإن اظهروا الشهادتين مع هذه العقائد فهم كفار باتفاق المسلمين".
وقال في موضع آخر:" كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون، بل من شك في كفرهم فهو كافر مثلهم، لا هم بمنزلة أهل الكتاب ولا المشركين، بل هم الكفرة الضالون، فلا يباح أكل طعامهم، وتسبى نساؤهم وتؤخذ أموالهم فإنهم زنادقة مرتدون، لا تقبل توبتهم، بل يقتلون أينما ثقفوا، ويلعنون كما وصفوا، ولا يجوز استخدامهم للحراسة والبوابة والحفاظ، ويجب قتل علمائهم وصلحائهم؛ لئلا يضلوا غيرهم ويحرم النوم معهم في بيوتهم ورفقتهم، والمشي معهم، وتشييع جنائزهم إذا علم موتها، ويحرم على ولاة أمور المسلمين إضاعة ما أمر الله من إقامة الحدود عليهم بأي شيء يراه المقيم لا المقام عليه".
موقف الدروز السوريين من الثورة السورية:
إن الناظر إلى مجريات الأمور على الساحة السورية، يدرك-وبلا شك – أن الكفر ملة واحدة، وإن طوائف البدع والشرك إن اختلفت مشاربها وتعددت وجهاتها، لا تتفق- إن اتفقت– إلا على دحر هذه الملة- ملة الإسلام- وقهر أهلها، والتآمر عليهم.
ظهر هذا الأمر بشكل جلي في أحداث الثورة السورية، حيث صمت الدروز الذين تغنوا ردحا من الزمان بمجد أسلافهم في دحر الفرنسيين وقهر شوكتهم، تلك الأكذوبة التي أثبت التاريخ زيفها، خاصة تلك الأيام، فأين هم الدروز من الثورة والثوار؟ وأين هم من الدفاع عن الأرامل واليتامى والعجائز؟ وأين شوكتهم التي باتت لا توجه إلا إلى صدور السنة العارية؟
لقد أعمل النظام فيهم سلاح الرشوة، وكمم أفواههم بالأموال، وأغدق عليهم النعم، هذا من جانب، ومن جانب آخر كانت الطائفية والخوف من زوال القمع النصيري لأهل السنة هناك دافعا لهذا الصمت، فهم يدركون أن هذا النظام، قد منحهم الكثير من الامتيازات، وفي المقابل سلب السنة كل خصيصة وامتياز لهم، ولذلك باتوا يتوجسون من شبح الديمقراطية، ولم يشذ عن هذا الأمر إلا القلة من الدروز، فكلامنا هذا لا ينفي وجودا لبعض الأصوات الدرزية التي وقفت في وجه النظام، وهي حالات فردية شاذة تؤكد صحة القاعدة السابقة.

ـــــــــــــــ
من مراجع التقرير:
1- مجموع الفتاوى- لشيخ الإسلام ابن تيمية.
2- الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة- إشراف د/ مانع الجهني- نشر دار الندوة.
3- الموسوعة الحرة (ويكيبيديا)- مقال الموحدين دروز.
4- نبذة عن مذهب الدروز- الإسلام سؤال وجواب.
5- مقال "صمت دروز سورية أهو خيانة أم تذاكي " لأشرف المقداد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
12-23-2013, 09:16 AM
الإسماعيلية الأغاخانية .. حينما تكون الشهوات دينا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ

20 / 2 / 1435 هـــ
23 / 12 / 2013 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3609.jpg


لا نعجب عند تعدد فرق الضلال أن تختلف جميعها في كافة الأصول والفروع إلا في شئ واحد وهو رفضها جميعا للمنهج الصافي من القران والسنة الصحيحة ولا تجتمع إلا على الشهوات والأهواء ولا تكاد ترى جامعا يجمعها سوى إطلاقها العنان لكل الشهوات الإنسانية تحت غطاء شرعي.

وأعجب كثيرا من حال الإنسان الذي يبحث دوما ويجذب إلى الدين الذي يطلق له الشهوات ويقنعه بأنه يسير على هدى من الله وهو يمارس كل شهواته المنحرفة , وهذه هي سمات كل الفرق الضالة قديما وحديث وفي كل العصور والأزمان.

والطوائف الشيعية تختلف في عقائدها كثيرا وتجتمع في نفس الفكرة وهي اباحة الشهوات والتحلل من الأخلاقيات والفضائل تحت اسم تدين وهمي كاذب خادع يمارسون من خلاله كل المنكرات الخلقية والشرعية.

والإسماعيلية بجميع طوائفها فرق باطنية انتسبت زورا إلى الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق تظهر التشيع لآل البيت لكن حقيقتها هدم عقائد الإسلام وهي تخالف ثوابت العقائد الإسلامية الصحيحة وغالت غلوا شديدا لدرجة أن الشيعة الإثنى عشرية أنفسهم يكفرونها, وطوائفها كثيرة جدا ومنها الإسماعيلية الاغاخانية محل هذا الموضوع.

وثمة تشابه واضح بين كل الفرق الباطنية أنها نشأت وترعرعت في أحضان أعداء الإسلام الذين قدموا لها كل المساعدات للانتشار والاستمرار بكافة أشكال الدعم.

نشأة الإسماعيلية الأغاخانية

ظهرت هذه الفرقة قديما ولكن بدأ الظهور الثاني والأبرز لها في إيران في الثلث الأول من القرن التاسع عشر الميلادي وهم من الإسماعيلية النزارية وهي القسم الثاني من الإسماعيلية التي انقسمت في بادئ أمرها إلى الإسماعيلية افترقت إلى فرقتين الأولى مستعلوية والثانية نزارية, وللإنجليز دور يعتبر الأهم والأبرز في نشأة هذه الفرقة التي لولاهم ما تمكنت من التواجد حتى اليوم, فحتي لقبهم الاغاخانية ناشئ من لقب منحه الإنجليز لحسن علي شاه فلقب به وصار لقبه الأغاخان الأول الذي رد الجميل لهم بقيادته لثورة تكون ذريعة لتدخلهم في بلاد المسلمين, وانتسب حسن شاه إلى نزار بن المستنصر الفاطمي وأصبح إماما للإسماعيلية النزارية, وظل لقب أغاخان لقبا متوارثا لكبيرهم, فبعدما مات الأغاخان الأول سنة1881م خلفه الأغا علي شاه والذي لقب بالأغاخان الثاني والذي لم يمكث في منصبه سوى أربع سنوات فقط حتى جاء ابنه محمد الحسيني وهو الآغاخان الثالث والذي عمر طويلا في منصبه من 1885م ـ 1957م, والذي أراد أن تطول فترة من يليه فاختار لمنصب الاغاخانية حفيده "كريم" متخطيا أولاده كما هو المتبع, ولم يستطع احد مخالفته حتى بعد موته فأصبح كريم هو الآغاخان الرابع: من 1957م حتى الآن.

أماكن الانتشار

للأغاخانيين أتباع كثيرون في الهند وباكستان يبلغون عدة ملايين وفي مناطق بامير وأم داريا العليا وإيران وأفريقيا "بين المهاجرين الهنود" وسوريا حيث تجمع أتباع الطوائف حول قادتهم في نهاية القرن التاسع عشر.

هناك سمات أساسية لمؤسسي الفرق الباطنية أنهم أصحاب سلطان قوي على أتباعهم سواء بسلطان السيف والبطش أو بسلطان البلاغة والخطابة وسحر البيان, فمؤسس الخاقانية حسن شاه تميز بجرأته على سفك الدماء ونهب الأموال فهدد الأمن وقطع الطرق على القوافل ونهب الأموال وقتل الناس حتى ذاع صيته في الإجرام في كل أنحاء إيران –التي كانت لا تزال سنية- حتى أصبح أسطورة على ألسنة الناس وأعجب عدد من منتفعي السلطة ببطولاته فانضموا إليه إعجابا به وطمعا في المكاسب المادية التي سوف يحصلون عليها, فقام بقيادة ثورة ضد الشاه القاجاري بعد أن وعده الإنجليز بحكم فارس, فهدد بها الأمن لكنه فشل فيها فقبض عليه فسارع الإنجليز إلى التوسط له بالإفراج عنه على أن ينفى من إيران كلها.

فذهب حسن علي شاه إلى أفغانستان فلم يجد بها أرضا خصبة لأفكاره فخرج منها إلى الهند وسكن مدينة بومباي ومنها نشر أفكاره الخبيثة وتجمع الإسماعيليون في الهند حوله، فلما رأي فيهم الطاعة العمياء، كما هي طاعة الإسماعيليين لأئمتهم، قوي عوده، وأخذ ينظم شؤون طائفته.

وكان لخلفه أغاخان الثاني الذي عاش حياة مليئة بالفحش والفجور الأخلاقي الدور الأكبر في العمل على نشر المذهب الإسماعيلي بين طوائف المسلمين في الهند وهو الأمر الذي أدى إلى ضياع المسلمين في شبه القارة الهندية وصار الاغاخان لدى الإنجليز ذا مكانة عالية لدرجة أن بريطانيا كانت تأمر بإطلاق أحد عشر مدفعاً تحية له عند مقدمة للحفلات الرسمية.

ويعتبر الأغاخان الحالي أحد رموز البذخ والترف في العصر الحديث فيعيش الآن في باريس يستمتع بملياراته التي يجمعها من المؤمنين بهذا الضلال وأيضا من الأموال التي سهلتها له الحكومات الأوروبية لدوره ودور فرقته الضالة في تخدير وإفساد عقيدة ملايين المسلمين.

أصول عقيدتهم الباطلة

لعل افسد ما يمكن أن يقال عن فساد عقيدة وأنها ليست من الإسلام في شئ ما يمكن ان يتخذ هؤلاء إلها من دون الله سبحانه, فأول أساس من أسس عقيدتهم أنهم يقولون بألوهية زعيمهم "أغاخان" ويقدسونه ويصفونه بصفات الألوهية ولهذا يدفعون له خمس ما يكسبون وبذلك يكتسب المليارات وينفقها في لهو وعبث وبذخ شديد.

ويسيطر على عقول أتباعه الحمقى بأقوال فارغة لا تمت للإسلام بصلة حيث أنهم لا يلومونه على وجوده في أماكن الفجور ويقولون أن كل ما يفعله فهو لشئ في علم الله, بل أنهم يعتقدون في هذا الهراء الذي يقول أن الخمر حين تدخل في جوفه تتحول إلى ماء زمزم, ولم يكن رأيه في أتباعه إلا أنهم مجموعة من الحمقى ومن المغفلين, فحين سأله احدهم كيف يسمح وهو مثقف لأتباعه أن يألهوه؟ فقهقه طويلاً حتى دمعت عيناه وقال: "إن القوم في الهند يعبدون البقرة، ألست خيرًا من البقرة؟".

ومن دلالات حمقهم أنه زار أنصاره في "سلمية" السورية مع زوجته الأجنبية فتبرعوا له بوزنه ذهباً وراحوا يتبركون بزوجته الأجنبية ويتمسحون بها.

إن وجود هذه الفرق الضالة لا يزيدنا إلا إيمانا بان طريق الحق واحدة لا تعرف اللبس ولا الغموض, إن الصراط الذي يرضى ربنا هو صراطه المستقيم الذي قال فيه "وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" فما أكثر طرق الضلال التي حادت بالناس عن طريق الحق.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
01-01-2014, 09:23 AM
الحركة النورسية ومؤسسها، مالهما وما عليهما *
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ

29 / 2 / 1435 هــ
1 / 1 / 2014 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3623.jpg


في قرية "نورس" القريبة من بحيرة "وان" في مقاطعة "هزان" بإقليم "بتلس" شرقي الأناضول كانت الانطلاقة الأولى للدعوة النورسية، التي أسسها الشيخ سعيد النورسي، بديع الزمان، الذي كان له أعظم الأثر في الوقوف -من خلال جماعته ودعوته- أمام المد العلماني الذي تزعمه العلماني كمال أتاتورك بعد إسقاطه للخلافة العثمانية..

وفي هذا التقرير سنطوف سريعاً حول هذه الدعوة، مبرزين أهم ما يميزها ودورها في المجتمع التركي، والإسلامي بصفة عامة، مع عدم إغفالنا لبعض السلبيات التي شابت هذه الدعوة وشابت أفكار مؤسسها الأول الشيخ سعيد النورسي، رحمه الله وعفا عنه.

تعريف عام بالنورسية:

النورسية جماعة دينية إسلامية، هي أقرب في تكوينها إلى الطرق الصوفية منها إلى الحركات المنظمة، ركز مؤسسها على الدعوة إلى حقائق الإيمان والعمل على تهذيب النفوس مُحْدِثاً تياراً إسلامياً في محاولة منه للوقوف أمام المد العلماني الماسوني الكمالي الذي اجتاح تركيا عقب سقوط الخلافة العثمانية، واستيلاء كمال أتاتورك على دفة الحكم فيها.

يطلق بعضهم على هذه الجماعة اسم المدرسة اليوسفية أي التي يتحمل أصحابها في سبيل عقيدتهم السجن والتعذيب دون أن يتصدوا للطغيان إلا بالحجة والمنطق والصبر والمصابرة، في إشارة إلى ما نال النورسي من سجن ونفي(1).

التعريف بمؤسس النورسية:

- يرجع الفضل في تأسيس الدعوة النورسية إلى الشيخ سعيد النُورسي.

- ولد في قرية نُوْرس شرق الأناضول 1873- 1960.

- يلقب الشيخ ببديع الزمان.

- قبل إتمامه العشرين من عمره ألم بجانب كبير من العلوم الدينية والعقلية وأتقن الرماية والمصارعة وركوب الخيل..

- عرف عنه زهده وتقشفه.

- انتقل إلى استانبول لتأسيس الجامعة الزهراء على غرار الجامع الأزهر، لكن مشروعه لم يتم..

- أرسل الماسونيون له (قرّه صو) اليهودي فقال: لقد كاد هذا الرجل أن يزجني في الإسلام.

- كرّس الشيخ حياته لمقاومة المد العلماني.

- توفي رحمه الله تعالى في 25/رمضان/1379، 23/مارس/1960، ودفن في مدينة أورفة، وبعد 4 أشهر من وفاته نبشت السلطات قبره، ونقل رفاته بالطائرة إلى جهة مجهولة حتى الآن، فرحمه الله رحمة واسعة ورضي عنه(2).

الجذور الفكرية للحركة النورسية:

الحركة السنوسية ليست طريقة صوفيه، لكنها تشبه الطرق الصوفيه في بعض الجوانب، سيما منهج التربية، وهي على العقيدة الماتريدية عقيدة تركيا والخلافة العثمانية، والنورسيون يتبنون المذهب الحنفي (مذهب الخلافة العثمانية).

وقد قامت هذه الحركة على أفكار مؤسسها الأول، بديع الزمان النورسي، فلكتاباته كبير الأثر في حياة أتباع هذه الحركة، حتى إنك لا تكاد تجد ذكراً لآخرين تركوا إضافات مهمة على فكرها.

حيث ألفّ النورسي أكثر من 130 رسالة عالج فيها مختلف القضايا الدينية والروحية والنفسية، منها: قطوف أزاهير النور، والحشر، والآية الكبرى، والإنسان والإيمان، وحقائق الإيمان، والشكر، والملائكة، والتفكير الإيماني، والخطوات الست، وهذا الأخير يتحدث فيه عن مؤامرات الإنجليز ودسائسهم(3).

من أقوال النورسي:

- من أقواله: "أقسم بالله أنني سأكرس نفسي للقرآن باذلاً حياتي مهما كانت مكائد الوزير البريطاني القذرة"، ويقصد به وزير المستعمرات البريطاني غلادستون الذي قال آنذاك: "طالما أن القرآن مع المسلمين فسيبقون في طريقنا ولذلك يجب علينا أن نبعده عن حياتهم".

- ومن أقواله أيضا: "لو أن لي ألف روح لما ترددت أن أجعلها فداء لحقيقة واحدة من حقائق الإسلام.. إنني لا أعترف إلا على ملة الإسلام.. إنني أقول لكم وأنا أقف أمام البرزخ الذي تسمونه السجن إنني في انتظار القطار الذي يمضي بي إلى الآخرة...".

ـ وله كذلك: "كما أنه لا يناسب الشيخ الوقور أن يلبس لباس الراقصين فكذلك لا يناسب استانبول أن تلبس أخلاق أوروبا".

ما يؤخذ على النورسي والحركة النورسية(4).

- تبنت الحركة عقيدة "الماتريدية" التي كانت تُدعم من قبل الدولة العثمانية؛ فلم تحاول التخلص من هذه العقيدة البدعية.

- كان لتخلي هذه الجماعة عن السياسة واتخاذ سعيد النورسي شعار "أعوذ بالله من الشيطان والسياسة"، وذلك منذ عام 1921م، أثر سلبي على أتباعها إذ وقع بعضهم فريسة لأحزاب علمانية.

- عدم مساندة النورسي للشيخ سعيد الكردي الذي وقف بجانب الخلافة، وقام بثورة ضد أتاتورك سنة 1925.

- جعل "رسائل النور" وبقية كتب النورسي أساساً، والدوران حولها، حتى أن الواحد من أفراد هذه الحركة قد يقضي عمره في استنساخ "رسائل النور"، وتوزيعها.

- حوت كتب النورسي مخالفات عقدية، وشطحات صوفيه، فقد تلبس بالتفسير الإشاري واشتهر به.

- أفكار سعيد النورسي هي أفكار واتجاهات النورسية، وهذا لا يخرج عنه أحد من أتباعها، خاصة في الأمور العقدية، وهذا الخلل التنظيمي والعلمي الذي أصاب جماعة النوريين "جعلهم يدورون في فلك القائد المؤسس ويجمدون عند تعاليمه، حتى ولو تجاوزها الزمن في بعض الأحيان، أو شابها ما شابها من الأخطاء.

- الغلو في رسائل النور حيث أوصلها مؤلفها إلى رتبة الوحي.

- الغلو في سعيد النورسي مؤسس الجماعة، وذلك من خلال كتابات النورسي عن

نفسه، كالتبشير بقدومه، وطريقة كتابة رسائله، وإطلاعه على قلوب مريديه.

- الدعوة إلى الاقتصار على القرآن ورسائل النور دون غيرهما.

- التساهل في الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة ، والموضوعة، بل بالأمثال المشهورة على ألسنة الناس على المسائل الشرعية.

- إهمال أقوال الصحابة في فهم النصوص الشرعية.

- تقديم أحكام العقول على دلائل النصوص الشرعية.

- تأويل نصوص الصفات الإلهية وكثير من نصوص المعاد بما يوافق فهمه ورأيه.

- ادعاء النورسي معرفة شيء من العلوم الغيبية عن طريق الجفر أو الكشف.

- إقرار النورسي لمصطلحات غلاة الصوفية في رسائله مثل وحدة الوجود، والحقيقة المحمدية، وغيرها.

- ثناؤه على ملاحدة الصوفية كابن عربي، وجلال الدين الرومي وغيرهما.

- الاضطراب في مسائل الإيمان كمسألة زيادة الإيمان ونقصانه، والفرق بين الإيمان والإسلام وحكم مرتكب الكبيرة.

أماكن الانتشار:

بدأت جماعة النور في المنطقة الكردية شرقي الأناضول، وامتدت إلى أرض روم واسبارطة وما حولها، ثم انتقلت إلى استانبول، ووصلت هذه الدعوة إلى كل الأراضي التركية واكتسحت كل التنظيمات القائمة على أرضها آنذاك، حتى بلغ عدد أعضائها أكثر من مليون شخص، وللجماعة أتباع وأنصار في كل من الباكستان والهند، وكذلك لها نشاط في أمريكا يتمثل في الطلاب الأتراك من أتباع هذه المدرسة(5).

ـــــــــــــ

مراجع التقرير:

(1) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة- إشراف: د. مانع الجهني- دار الندوة: (1/324).

(2) الموسوعة الميسرة: (1/324)؛ مقال: الحركة النورسية في تركيا، للدكتور موسى الإبراهيم؛ الصفات التي أنضجت دعوة النورسي وفكره، للدكتور محمد موسى الشريف: (ص:6).

(3) ينظر: مجلة الراصد (المهدية، النورسية)، العدد السابع عشر، ذو القعدة 1425هـ.

(4) عقائد النورسية "عرض وتقويم"، رسالة ماجستير، لعلي عامر آل ثابت: (ص:69)، (ص:556-557)؛ الموسوعة الميسرة: (1/328).

(5) الموسوعة الميسرة: (1/338).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
05-12-2014, 07:35 AM
الحوثية.. زيدية النشأة، رافضية الطريقة*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ

13 / 7 / 1435 هــ
12 / 5 / 2014 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_6242.jpg

صح عن المعصوم صلى الله عليه وسلم قوله: (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم)، وذكر منهم: (إمام قوم، وهم له كارهون) [الترمذي (360)]، هكذا وضَّح النبي صلى الله عليه وسلم جزاء من يؤم الناس، وهم له كارهون، بسبب نقص في ديانته.

فما بالك أيها القارئ الكريم أن يؤم الناس رجل قائم على طريقة بدعية تخالف أهل السنة والجماعة، وتعادي مذهبهم، وما بالك أيضًا لو علمت أن هذه الإمامة جاءت تحت قوة السلاح، وبعد تنحية إمام القوم بالقوة، فأي دين هذا؟ وأي إمام هذا؟ وأية طريقة يتعبد بها إلى الله تلك؟

ففي مشهد عبثي من مشاهدها المتكررة قامت مجموعة من جماعة الحوثي الشيعية المسلحة باقتحام مسجدٍ بالعاصمة اليمنية صنعاء يوم الجمعة الماضي، ومنعوا خطيب المسجد من إلقاء خطبة الجمعة، وقاموا بتنصيب خطيب جديد من أتباعهم، وبعد الانتهاء من الخطبة دخل الحوثيون مع أبناء المنطقة والحي في شجار حاد، ثم قاموا بتهديد سكان الحي ورواد المسجد باقتحام المسجد مرة أخرى الجمعة القادمة، وفرض خطيبهم بالقوة أيضا.

فقد فوجئ رواد مسجد "الكبسي" الواقع في "حي الزراعة" بمجموعات مسلحة تم استقدامها من خارج الحي، وانتشرت في المسجد, ومنعت المجموعات المسلحة خطيب الجامع من الصعود إلى المنبر لإلقاء الخطبة، وقامت بتقديم شخص جاؤوا به معهم؛ ليكون خطيباً وإماماً.

وليت الأمر وقف عند هذا الحد، بل قال شهود عيان أن الخطيب الجديد المفروض بقوة السلاح من قبل الحوثيين قام بالتهكم على الصحابة- رضي الله عنهم- ما أثار غضب المصلين، وهذا الفعل – فعل التهكم على الصحابة من قبل خطيب الحوثيين- يثير سؤالا محوريًا: هل فعلاً تحول الحوثيون (الزيدية) إلى المذهب (الاثنى عشري) المكفر للصحابة كما يؤكد الكثير من المتابعين للمشهد اليمني والشيعي بوجه عام؟

فسب الصحابة ليس من أدبيات الزيدية، ولا من أصولهم المذهبية، فغاية ما عندهم كما يقول علماء الفرق- فيما يخص الصحابة- أنهم يقدمون عليًا- رضي الله عنه- في الفضل والخلافة على أبي بكر وعمر وعثمان- رضي الله عن الثلاثة- ومع ذلك يرى مذهبهم جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل، كما أنه لم يقل أحد منهم بتكفير أحد من الصحابة.

لكن ما نراه من الحوثية يختلف عما هو مقرر في أصول ما يتمذهبون به، ما يؤيد فكرة تحولهم إلى الاثنى عشرية، بل هذا ما حدا بعدد من فقهاء الزيدية (منهم مؤسسون لحركة الشباب المؤمن) إلى اتهام الحوثيين بالخروج عن المدرسة الزيدية والاقتراب من الاثنى عشرية، وأنهم من الجارودية، حيث اتهمهم محمد بن عبد العظيم الحوثي بأنهم مارقون وملاحدة، وليسوا من الزيدية في شيء، وحكم عليهم بالردة والخروج عن مذهب آل البيت.

إن أفعال الحوثية؛ من قتل وسلب ونهب، واستحلال للدماء والأعراض، وسب للصحابة واستهانة بالمقدسات، ومنها بيوت الله، كل هذا يدل على ما يقيم عليه القوم من انحراف في الطريقة والمذهب والسلوك، وهي أفعال وأقوال وسلوكيات تتشابه إلى حد كبير مع ما يقوم به الشيعة الرافضة في إيران والعراق وسوريا، لهذا نقول: لئن ادعى الحوثيون أنهم زيدون نشأةً وعقيدةً، فهم رافضيون طريقةً وسلوكًا وأخلاقًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
05-22-2014, 07:01 AM
الزيدية ومدى تأثرها المعاصر بالرافضة*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ

23 / 7 / 1435 هــ
22 / 5 / 2014 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ


http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_6263.jpg


قد تكون مخالفة الحق في بداية نشوء فرقة أو مذهب أو رأي ليس كبيرا ولا خطيرا, إلا أن مرور الأيام والأعوام, وتأثر الأتباع ببعض الأفكار من بعض المذاهب أو الآراء غير السوية, يجعل من هذه المخالفة أكبر اتساعا وحجما, وربما تنتقل من الفروع إلى الأصول والجذور, بل ربما تنحرف عن الحق بشكل خطير وعظيم.

ويمكن أن يوصف أتباع الزيدية بهذا الوصف, فقد كانت بداية هذه الفرقة بداية اجتهادية لا تختلف كثيرا عن بعض الفرق والمذاهب التي تختلف مع مذهب أهل السنة والجماعة اختلافا ليس كبيرا, كالاختلاف معهم في بعض المسائل الفقهية, إضافة لقولهم بصحة ولاية المفضول مع وجود الأفضل, وميلهم إلى رأي المعتزلة فيما يتعلق بذات الله، والاختيار في الأعمال, ومرتكب الكبيرة.

فمن هم الزيدية؟ ومن هو مؤسس هذه الفرقة؟ وما هي أبرز الأفكار والآراء الإعتقادية لهذه الفرقة؟ وما مدى تأثير الرافضة فيهم في الوقت الراهن؟

التعريف

الزيدية: إحدى فرق الشيعة التي في الأصل هي الأقرب إلى الاعتدال, ترجع نسبتها إلى مؤسسها زيد بن علي زين العابدين, الذي صاغ نظرية شيعية في السياسة والحكم، وقد جاهد من أجلها وقتل في سبيلها، وكان يرى صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم جميعا، ولم يقل أحد منهم بتكفير أحد من الصحابة, ومن مذهبهم جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل.

ومع كون الزيدية فرقة شيعية إلا أن أتباع زيد بن علي الذين بايعوه في البداية, خذلوه كما خذلوا جده الحسين بن علي رضي الله عنهما في النهاية, فقد حاولوا أخذ رأي واضح منه بتكفير ولعن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فأبى وقال: (إن أشد ما أقول فيمن ذكرتم أنا كنا أحق الناس هذا الأمر، ولكن القوم استأثروا علينا ودفعونا عنه ولم يبلغ ذلك عندنا كفرًا، قد ولوا وعدلوا وعملوا بالكتاب والسنة).

فلم يكتفوا بهذا الرد الشافي بل عادوا يسألونه : (لم تقاتل إذا؟) فأجابهم برأيه الصريح في الاختلاف البين بين الصحابة الأولين، وحليمة بني أمية هشام بن عبد الملك الذي يدعوهم معه لمحاربته, ولكنهم أبوا مناصرته وكأنهم يتعللون بهذه المناقشة للقعود عنه فرفضوه وأصبح يطلق عليهم: (الرافضة ). (1)

أبرز الشخصيات

1- زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي رضي الله عنهما (80ـ122هـ/698ـ740م): مؤسس هذه الفرقة, نشأ في أحضان والده الإمام زين العابدين وأخيه الأكبر محمد الباقر ودرس على يديهما.

ترك منهاج والده وأخيه وابن أخته الذين أقاموا بالمدينة المنورة وجعلوها مقرا لهم للعلم, وتركوا المعترك السياسي بعد الذي حصل مع الحسين رضي الله عنه, فتنقل زيد بن علي في البلاد الشامية والعراقية باحثاً عن العلم أولاً وعن حق أهل البيت في الإمامة ثانيا.

تلقى العلم والرواية عن أخيه الأكبر محمد الباقر الذي يعد أحد الأئمة الاثني عشر عند الشيعة الإمامية, كما اتصل بواصل بن عطاء رأس المعتزلة وتدارس معه العلوم، فتأثر به وبأفكاره التي نقل بعضها إلى الفكر الزيدي، وإن كان هناك من ينكر وقوع هذا التتلمذ، وهناك من يؤكد وقوع الاتصال دون التأثر.

يُنسب إليه كتاب المجموع في الحديث، و كتاب المجموع في الفقه، وهما كتاب واحد اسمه المجموع الكبير، رواهما عنه تلميذه أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي الهاشمي الذي مات في الربع الثالث من القرن الثاني للهجرة.

قاد زيد بن علي الخروج على حكم هشام بن عبد الملك، فقد دفعه أهل الكوفة لهذا الخروج, ثم ما لبثوا أن تخلوا عنه وخذلوه عندما علموا بأنه لا يتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر ولا يلعنهما، بل يترضى عنهما، فاضطر لمقابلة جيش الأمويين وما معه سوى 500 فارس أو أقل, حيث أصيب بسهم في جبهته أدى إلى وفاته عام 122هـ. (2)



2- يحيى بن زيد بن علي (ت 125هجري): خاض المعارك مع والده، لكنه تمكن من الفرار إلى خراسان حيث لاحقته سيوف الأمويين فقتل هناك سنة 125هـ, وقد فُوِّض الأمر بعد ذلك إلى محمد وإبراهيم.

3- محمد بن عبد الله الحسن بن علي (المعروف بالنفس الزكية) خرج بالمدينة على العباسيين فقتله عاملها عيسى بن ماهان, كما خرج من بعده أخوه إبراهيم بالبصرة فكان مقتله فيها بأمر من المنصور.

4- أحمد بن عيسى بن زيد ـ حفيد مؤسس الزيدية ـ: أقام بالعراق، وأخذ عن تلاميذ أبي حنيفة فكان ممن أثرى هذا المذهب وعمل على تطويره.

5- الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم (245ـ298هـ) الذي عقدت له الإمامة باليمن فكان ممن حارب القرامطة فيها، كما تشكلت له فرقة زيدية عرفت باسم الهادوية منتشرة في اليمن والحجاز وما والاها.

6- أبو محمد الحسن بن علي بن الحسن بن زيد بن عمر بن الحسين بن علي رضي الله عنهما والملقب بالناصر الكبير (230 ـ 304هـ): عرف باسم الأطروش، ظهر للزيدية في بلاد الديلم وجيلان, وقد هاجر هذا الإمام إلى هناك داعياً إلى الإسلام على مقتضى المذهب الزيدي فدخل فيه خلق كثير صاروا زيديين ابتداء.

7- محمد بن إبراهيم بن طباطبا: بعث بدعاته إلى الحجاز ومصر واليمن والبصرة, ومن شخصياتهم البارزة كذلك مقاتل بن سليمان، ومحمد بن نصر, و أبو الفضل بن العميد والصاحب بن عباد وبعض أمراء بني بويه.

استطاع الزيدية في اليمن استرداد السلطة من الأتراك إذ قاد الإمام يحيى بن منصور بن حميد الدين ثورة ضد الأتراك عام 1322هـ وأسس دولة زيدية استمرت حتى سبتمبر عام 1962م حيث قامت الثورة اليمنية وانتهى بذلك حكم الزيود ولكن لا زال اليمن معقل الزيود ومركز ثقلهم. (3)

أهم الأفكار

1- ولاية المفضول مع وجود الأفضل: تعتبر هذه الفكرة من أهم أفكار الإمام زيد بن علي, حيث نادى بها وقد أعلنها وهو في طريقه إلى الحرب مع الأمويين دون مواربة كما أورد الشهرستاني: (إن الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها , وقاعدة دينية راعوها من تسكين ثائرة الفتنة ... وكانت المصلحة أن يكون القيام بهذا الشأن ممن عرفوه باللين والتودد والتقدم بالسن والسبق في الإسلام, والقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم) (4)

ومن هنا علق الشيخ محمد أبو زهرة قائلا: "فلا نص هناك ولا وصية, وإلا لنادى بها وأعلنها في نزاعه ضد هشام بن الحكم, وهو الفقيه المحدث لحديث آل البيت" (5)

2- الإمام فاطمي وغير معصوم: فقد اشترط الزيدية أن يكون الإمام فاطمي من سواء من أولاد الحسن أو الحسين, مع توفر العلم والزهد و الشجاعة والمناداة بالإمامة, دون أن تكون الوراثة شرطا, بل مصلحة المسلمين وإقامة عمود الدين.

كما نفى زيد بن علي العصمة عن الأئمة معتبرا أن الخلافة أمر مصلحي, فليس الإمام هو المرجع في الدين, فإذا وقع اختيار المسلمين على الشخص الأصلح للخلافة تم لهم ما أرادوا, وإن استكمل الشروط فكان من أولاد فاطمة أصبح هو الأفضل, ويجوز على كليهما الخطأ. (6), لكن بعض المنتسبين للزيدية قرروا فيما بعد العصمة لأربعة فقط من أهل البيت هم: علي وفاطمة والحسن والحسين ـ رضي الله عنهم جميعا-.

3- الخروج: وهو رأي واتجاه انفرد به زيد بن علي عن الشيعة, وقد جاء في سياق المناظرة التي كانت بينه وبين أخيه محمد الباقر كما نقلها الشهرستاني أن الباقر قال له تعليقًا على هذا الشرط: (على قضية مذهبك فوالدك ليس بإمام فإنه لم يخرج قط ولا تعرض للخروج).

وبوضع الإمام لشرط الخروج لم يكتف برفضه نظرية انتقال الخلافة بالإيصاء أو بالوراثة؛ بل وضع مبدأ جديدًا يحتم على الفاضل من آل فاطمة أن يدعو لنفسه - على الملأ - أي يتقدم لترشيح نفسه للانتخاب بأسلوبنا السياسي المعاصر ليظهر فضائله ومزاياه ومقدرته: (لينظر الناس في مدى المصلحة في توليه، وللموازنة بينه وبين غيره في أيهما أصلح). (7)

4- يجوز لديهم وجود أكثر من إمام واحد في وقت واحد في قطرين مختلفين.

5- يميلون إلى الاعتزال فيما يتعلق بذات الله، والاختيار في الأعمال, ومرتكب الكبيرة و يعتبرونه في منزلة بين المنزلتين كما تقول المعتزلة, كما أنهم يرفضون التصوف رفضاً قاطعاً, ويخالفون الشيعة في زواج المتعة ويستنكرونه, ولا يوجد عندهم مهدي منتظر.

6- يتفقون مع أهل السنة بشكل شبه كامل في العبادات والفرائض ومعظم الفروع الفقهية سوى بعض الاختلافات في:

· قولهم "حي على خير العمل" في الأذان على الطريقة الشيعية.

· صلاة الجنازة لديهم خمس تكبيرات.

· يرسلون أيديهم في الصلاة.

· صلاة العيد تصح فرادى وجماعة.

· يعدون صلاة التروايح جماعة بدعة.

· يرفضون الصلاة خلف الفاجر.

· فروض الوضوء عشرة بدلاً من أربعة عند أهل السنة.

· باب الاجتهاد مفتوح لكل من يريد الاجتهاد، ومن عجز عن ذلك قلد، وتقليد أهل البيت أولى من تقليد غيرهم.

· يقولون بوجوب الخروج على الإمام الظالم الجائر ولا تجب طاعته. (8)

الجذور الفكرية وأماكن الانتشار

المظهر الشيعي باد على المذهب الزيدي رغم مخالفة الإمام زيد لكثير من آراء الرافضة المنحرفة والباطلة, فهم يتمسكون على أي حال بأحقية أهل البيت في الخلافة, وتفضيل الأحاديث الواردة عنهم على غيرها, وتمسكهم بالقول بزكاة الخمس وغيرها , إضافة لتأثرها ببعض أفكار المعتزلة.

انتشرت الزيدية في سواحل بلاد الخزر وبلاد الديلم وطبرستان وجيلان شرقا، وامتدت إلى الحجاز ومصر غربا, وتركزت في أرض اليمن حاليا, وقد قامت دولة للزيدية أسسها الحسن بن زيد سنة 250هـ في أرض الديلم وطبرستان, كما أن الهادي إلى الحق أقام دولة ثانية لها في اليمن في القرن الثالث الهجري.

لم تبق الزيدية على حالها بالطبع, بل أصابها الكثير من التغيير والتبديل والانشقاق, فقد خرجت عن الزيدية ثلاث فرق طعن بعضها في الشيخين، كما مال بعضها عن القول بإمامة المفضول، وهذه الفرق هي:

1ـ الجارودية: أصحاب أبي الجارود زياد بن أبي زياد.

2ـ الصالحية: أصحاب الحسن بن صالح بن حي.

3ـ البترية: أصحاب كثير النوى الأبتر.

تأثر الزيدية المعاصرة بالرافضة:

من الواضح تأثر الزيدية المعاصرة – وخصوصا باليمن – بأفكار وآراء الرافضة الباطلة, وذلك من خلال التغلل الإيراني الرافضي ببعض الأحزاب والجماعات وعلى رأسها جماعة الحوثي, التي كانت تعتنق المذهب الزيدي, فإذا بها تنحرف عن أفكار إمامها زيد بن علي وآرائه الواضحة, وتميل إلى رأي الرافضة وأفكارهم الباطلة المضللة, وما عداءهم الواضح على أهل السنة في اليمن, والذي ظهر جليا من خلال عدوانهم السافر على دماج وغيرها من البلدات والمدن, بدعم إيراني واضح, إلا دليل على انحرافها عن مذهب الزيدية الذي تزعمه وتدعيه .

إن ما يدعيه البعض اليوم من الانتساب للمذهب الزيدي يحتاج إلى دليل وبرهان, وأهم هذه الأدلة والبراهين عدم سب ولعن الصحابة الكرام, وعلى رأسهم أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين, وهو ما أعلنه إمام الزيدية ومؤسسها زيد بن علي بشكل واضح وصريح, ناهيك عن بقية آراءه وأفكاره واجتهاداته, فمن لم يفعل ذلك فلا يمت إلى الزيدية بأية صلة, وإنما هو مدع يحاول بهذه النسبة المكذوبة خداع أهل السنة واختراقهم باسم الزيدية الأكثر اعتدالا بين فرق الشيعة.

ــــــــــــــــ

الفهارس

(1) البداية والنهاية لابن كثير 9/330 ومنهاج السنة لابن تيمية 1/8

(2) الذين بايعوا زيداً بن علي كانوا ـ حسب رواية الفرق بين الفرق ـ خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة، فلما طلبوا من زيد بن علي أن يتبرأ من أبي بكر وعمر ولم يقبل خرجوا عليه وتفرقوا عنه وقالوا بقول الرافضة ـ تكفير أبي بكر وعمر ـ ولم يبق مع زيد من أتباعه إلا مائتا رجل، وفي كتاب ضحى الإسلام لأحمد أمين أن أتباع زيد كانوا أربعين ألفًا، تفرقوا عنه ولم يبق معه إلا ثلث مائة أو أقل .

(3) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة

(4) الملل والنحل للشهرستاني 1/208

(5) الإمام زيد للشيخ محمد أبو زهرة ص70

(6) الملل والنحل للشهرستاني 1/207 والإمام زيد للشيخ محمد أبو زهرة ص191

(7) الملل والنحل للشهرستاني 1/210 والإمام زيد للشيخ محمد أبو زهرة ص192

(8) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
05-27-2014, 07:16 AM
الإلهام عند الصوفية*
ــــــــــــــــــــــــــــــ

28 / 7 / 1435 هــ
27 / 5 / 2014 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ


https://encrypted-tbn2.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcQYN3-A_TUpeJjGU9XF-b-vF4m0EcyQTYrRmebBYreNTJOSko60_A

بينما يعتمد أهل السنة والجماعة على القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة والإجماع كمصدر أساسي لتقلي الأحكام الشرعية, يعتمد بعض الصوفية على تأويل النص القرآني الذي يخرجه عن حقيقته, وعلى الأحاديث الضعيفة وربما الموضوعة, إضافة إلى مصادر أخرى للتلقي ما أنزل الله بها من سلطان, تتمثل بما يسمونه الكشف والإلهام والذوق والوجد وغير ذلك.

وكثيرا ما يتردد في مجالس الصوفية بعض أقوال مشايخهم التي تدل على هذه المصادر في التلقي, كقول بعضهم: "حدثني قلبي عن ربي" في إشارة إلى تلقي مشايخهم الإلهام مباشرة من الله تعالى, وقول الآخر: أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت" في إشارة للكشف عند شيوخهم من الله تعالى أيضا, وهو كلام خطير يحمل في طياته خللا في العقيدة وجرأة على الله والإسلام.

كما أن كثيرا من مشايخ الصوفية من يدعي تلقي الأدعية بواسطة الإلهام, أو يوزع البشارات المتعلقة بأهل السعادة والفوز على الناس بالإلهام, أو يؤلف الكثير من الأسفار اعتمادا على الإلقاء الرباني والنفث في الروع وما شابه ذلك, وفي ذلك يقول ابن عربي: (.. فوالله ما كتبت منه حرفا إلا عن إملاء إلهي وإلقاء رباني, أو نفث روحاني في روع كياني, هذا جملة الأمر مع كوننا لسنا برسل مشرعين ولا أنبياء مكلفين ..) (1)

وفي هذا التقرير سنسلط الضوء على الإلهام كمصدر للتلقي عند الصوفية, ومدى انحرافهم بهذا المصدر عن منهج الحق, وانخراطهم بمتاهات الجهل والوهم, وابتداعهم في الدين ما لم يأمر به الله تعالى, وتسببهم بإضلال الناس بأمثال هذه الشطحات.

تعريف الإلهام

الإلهام لغة: ما يلقى في الروع أو ما يلقيه الله في النفس من الأمور التي تبعث على الفعل أو الترك. (2)

وفي الاصطلاح: إيقاع شيئ في القلب يثلج له الصدر ويطمئن ويسكن من غير استدلال بآية ولا نظر في حجة يخص الله تعالى به بعض أصفيائه. (3)

وقد يسمى بالعلم اللدني, قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ( ... والعلم اللدني: هو العلم الذي يقذفه الله تعالى في القلب إلهاما بلا سبب من العبد ولا استدلال ولهذا سمي لدنيا) (4)

وذهب الإمام الغزالي إلى التسوية بين وحي الأنبياء وإلهام الأولياء من جميع الوجوه باستثناء مشاهدة السبب وهو الملك فقال: (ولم يفارق الوحي الإلهام في شيء من ذلك, بل في مشاهدة الملك الملقي للعلم, فإن العلم إنما يحصل في قلوبنا بواسطة الملائكة) (5)

حجية الإلهام عند الصوفية

توسع الصوفية في الاحتجاج بالإلهام والتأصيل لقبوله؛ وزعموا أنّ الدِّين قسمان: حقيقة وشريعة، والرّسول إنّما بلّغ الشّريعة دون الحقيقة؛ واعتبروا الإلهام طريق العارف للحقيقة كما أنّ الوحي طريق العالم لمعرفة الشّريعة، ثُمَّ ادّعوا أنَّ مقام الحقيقة أسمى من مقام الشّريعة؛ لأنّ علم الشّريعة أصله الوحي، والوحي إنّما كان بوساطة الملك، وحجاب الحرف والصّوت خلافًا للإلهام المجرّد فإنّه يفيض على العارف من العقل الفعّال بلا وسيط ولا حجاب.

كما اعتبر بعض الصوفية الإلهام حجّة في حقّ الملهم، فالملهم له أن يعمل بما يلقى في قلبه من الخواطر والإلهامات حتَّى لو خالف الشّريعة ظاهرا أو باطنا، أو وصل لدرجة الاستغناء بالإلهام عن الشّرع كلّه؛ كما استغنى به الخضر عن الشّريعة الموسوية.

قال أبو المواهب الشاذلي ردا على من أنكر قول القائل "حدثني قلبي عن ربي": (لا إنكار لأن المراد: أخبرني قلبي عن ربي من طريق الإلهام الذي هو وحي الأولياء) (6), والعمل بالإلهام أو بموجب الخطاب الذي يوجد في القلب حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عن بعض الشيوخ ممن يأمر أتباعه بالاستعانة به بعد موته استنادا على وجود الخطاب في قلبه بذلك. (7)

وقد وردت بعض أقوال الصوفية برد الإلهام إذا كان مخالفا للكتاب والسنة, فقال أبو الحسن الشاذلي: (إذا عارض كشفك الكتاب والسنة فتمسك بالكتاب والسنة ودع الكشف, وقل لنفسك: إن الله تعالى قد ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة ولم يضمنها في جانب الكشف ولا الإلهام ولا المشاهدة ..) (8)

وبينما يظهر التناقض في عبارات الصوفية حول معيار الموافقة أو المخالفة الذي بموجبهما نقبل الإلهام أو نرده, بدليل ما سبق من تقديم بعضهم الإلهام على الكتاب والسنة, نجد أن أهل السنة ميزوا بين المقبول والمردود من الإلهام.

فقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية حقيقة الإلهام بقوله: ( وحقيقته أن الله وكل بالإنس ملائكة وشياطين, يلقون في قلوبهم الخير والشر, فالعلم الصادق من الخير, والعقائد الباطلة من الشر, وقد أخبر الله أن الملائكة توحي إلى البشر ما توحيه, وإن كان البشر لا يشعر بأنه من الملك, فهو لا يشعر بالشيطان الموسوس أيضا) (9)

وإذا سلمنا برد الصوفية للإلهام إذا كان فيه مخالفة صريحة للكتاب والسنة, فإن هذا لا ينفي قبولهم الإلهام في ما لم يشهد له النص بإلغاء أو اعتبار كالمسكوت عنه مثلا, وهو ما ينطبق على رسم البدعة, وعليه فللولي أن يشرع – بطريق الإلهام – ما لم يأذن به الله, ما لم يتضمن ذلك نسخا أو معارضة صريحة للكتاب والسنة, وفي كتاب الفتوحات المكية لابن عربي أمثلة لهذا الإلهام.

قال الشعراني: (الولي غايته الإلهام الموافق لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم بعد الفتح, فلا يعمل به مستقلا, لأن نبوة التشريع قد انقطعت بموت محمد صلى الله عليه وسلم, فيصير ملك الإلهام يفهم ذلك الولي شريعة محمد ويطلعه على أسرارها حتى كأنه أخذها من رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا واسطة ..) (10)

ويقول إبراهيم الدسوقي في وجوب التسليم لإلهامات الأولياء: (عليكم بتصديق القوم في كل ما يدعون فقد أفلح المصدقون وخاب المستهزئون, فإن الله تعالى يقذف في سر خواص عباده ما لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل.., فما للعاقب إلا التسليم, وإلا فاتوه وفاتهم, وحرم فوائدهم, وخسر الدارين) (11).

فهذا يدل على أنهم يعتبرون الإلهام حجة, وأن ما ورد عن بعضهم برد الإلهام إذا خالف النص, ما هو إلا رأي مخالف أو ضرب من التمويه لستر حالهم.

درجات الإلهام عند الصوفية

1- الإلهام عن طريق الملك: حيث يلقي بالعلم للشخص الملهم , وبينما جعل الغزالي – في الإحياء - الفرق بين وحي الأنبياء وإلهام الأولياء مشاهدة الملك المفيد للعلم, مما يعني أن الملك يفيد الولي بالعلوم ذاتها التي يفيد بها النبي, غير أن الولي لا يراه.

اعتبر ابن العربي الفرق بينهما في نوع العلم النازل لا في المشاهدة, معتبرا أن الذي ينزل به الملك على الأنبياء غير الذي ينزل به على الأولياء .. حيث يمزل الملك على الولي لإفهامه ما جاء به النبي مما لم يتحقق هذا الولي بالعلم به. (12)

ليأتي الدباغ برأي ثالث في الإلهام يؤكد التناقض في رواياتهم فيقول: (وأما ما ذكروه في الفرق بين النبي والولي من نزول الملك و عدمه فليس بصحيح, لأن المفتوح عليه سواء كان وليا أو نبيا, لا بد أن يشاهد الملائكة بذواتهم على ما هم عليه, ويخاطبهم ويخاطبونه, وكل من قال: إن الولي لا يشاهد الملك ولا يكلمه فذاك دليل على أنه غير مفتوح) (13)

2- الإلهام للعبد من الوجه الخاص الذي بين كل إنسان و ربه: وذلك من خلال ارتفاع الوسائط – كما يقولون – فلا يعلم به أحد ولا ملك الإلهام أيضا, وهذا عندهم أجل وأرفع أنواع الإلهام والإلقاء إذا حصل الحفظ لصاحبه. (14)

قال أبو المواهب الشاذلي: ( ..مقام الولاية الخاصة يعطي الأخذ عن الله بالله من الوجه الخاص ) وقال ابراهيم الدسوقي: ( الله تعالى يقذف في سر خواص عباده ما لا يطلع عليه ملك مقررب ولا نبي مرسل ولا بدجل ولا صديق ولا ولي ..) (15)

وقال الشعراني سائلا شيخه الخواص: (متى يصح للعبد أن يأخذ عن الله بلا واسطة من الوجه الخاص؟ فقال: إذا تحقق أنس القلب بالله تعالى بنسبة خاصة ورابطة خاصة, صح له الأخذ عن الله واستغنى عن المادة, لأن وارده لا يتوقف حينئذ على وجود الخلق ولا عدمهم ) (17)

الإلهام عند شيخ الإسلام ابن تيمية

قسم شيخ الإسلام الإلهام إلى نوعين: محمود ومذموم, قال تعالى: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها} الشمس/ 7, فهو سبحانه يلهم الفجور والتقوى للنفس, والفجور يكون بواسطة الشيطان وهو إلهام وسواس, والتقوى بواسطة الملك وهو إلهام وحي, وقد صار بالعرف لفظ الإلهام إذا أطلق لا يراد به الوسوسة, فالمأمور به إن كان تقوى الله فهو إلهام الوحي, وإن كان الفجور فهو وسوسة الشيطان.

والضابط الذي يفرق بينهما هو الكتاب والسنة, فإن كان مما ألقي في النفس مما دل عليه الكتاب والسنة على أنه تقوى الله فهو من الإلهام المحمود, وإن كان مما دل على أنه فجور فهو من الوسواس المذموم, وهذا الفرق مطرد لا ينتقض. (18)

وقد مثل شيخ الإسلام للإلهام الشرعي المحمود بالواعظ الإيماني في قلب كل مؤمن, والذي ورد في الحديث الصحيح: (ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى كتفي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة و على الأبواب ستور مرخاة و على الصرط داع يدعو يقول : يا أيها الناس اسلكوا الصراط جميعا و لا تعوجوا و داع يدعو على الصراط فإذا أراد أحدكم فتح شيء من تلك الأبواب قال : ويلك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه , فالصراط الإسلام و الستور حدود الله و الأبواب المفتحة محارم الله و الداعي الذي على رأس الصراط كتاب الله و الداعي من فوق الصراط واعظ الله يذكر في قلب كل مسلم) (19).

كما مثل للإلهام المذموم والبدعي بما يدعيه بعض الصوفية أنه لقن القرآن بلا تلقين, أو قول آخرين: أنهم أخذوا علمهم عن الحي الذي لا يموت, وهو كذب لأنه قد يكون إلهام من الشيطان وليس من الرحمن, والفرق بينهما لا يفصله إلى القرآن والسنة, فما وافقهما فهو حق وما خالفهما فهو خطأ, وما يقوله بعض الصوفية: "حدثني قلبي عن ربي" فصحيح أن قلبه حدثه ولكن عمن ؟؟ عن شيطانه أو عن ربه ؟ . (20)

لقد أساء الصوفية استخدام الإلهام وأخرجوه عن نطاقه الشرعي إلى شطحات ومبالغات وصلت إلى قلعة العقيدة وحصن الإيمان, وقد انخدع كثير من عوام المسلمين بدعاوى بعض مشايخ الصوفية في هذا الباب, وما ذاك إلا بسبب الجهل الذي يعتبر أعدى أعداء الإنسان في الإسلام, والذي لا علاج منه إلى بالعلم والتعلم.

ـــــــــــ

الفهارس

(1) الفتوحات المكية 3/456

(2) لسان العرب 12/5

(3) تعريفات الجرجاني ص34

(4) مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين 3/431

(5) إحياء علوم الدين 3/19

(6) طبقات الشعراني 2/68

(7) الفتاوى 17/68

(8) طبقات الشعراني 2/5

(9) الفتاوى17/531

(10) اليواقيت والجواهر 2/71

(11) طبقات الشعراني 1/173

(12) الفتوحات المكية 3/316

(13) الإبريز ص151

(14) اليواقيت والجواهر 2/84

(15) طبقات الشعراني 1/173 و2/68

(16) درر الخواص ص140

(18) الفتاوى 17/529

(19) المستدرك للحاكم برقم 245 وصححه الألباني

(20) الفتاوى 13/74

إضافة لكتاب المصادر العامة للتلقي عند الصوفية عرضا ونقدا : صادق سليم صادق , و كتاب : موقف ابن تيمية من الصوفية , ومقال (دعوى الاستغناء بالإلهام) للدكتور عيسى عبد الله السعدي .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
06-08-2014, 07:28 AM
الشيعة الإمامية بين الإخباريين والأصوليين*
ــــــــــــــــــــــــــــ

10 / 8 / 1435 هــ
8 / 6 / 2014 م
ــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/3720.jpg

رغم أن الباطل واحد لا فرق بين صغيره وكبيره ولا بين قليله وكثيره, إلا أن البحث العلمي يقتضي أن نعلم كل شيء عن الباطل, لتفاديه وعدم الوقوع فيه أولا, ولتحذير المسلمين منه ومن شره ثانيا, وهذا يتطلب بلا شك البيان والتفصيل.

ورغم أن الشيعة الاثني عشرية بجميع مذاهبها وفرقها المختلفة باطلة, إلا أنه لا بد من التمييز بين الأصوليين منهم -وهم غالبية وأكثرية الشيعة الاثني عشرية في الوقت الراهن– وبين الإخباريين الذين يقال أنهم لا وجود لهم في العصر الراهن, إلا أن هذا الكلام لا يمكن الأخذ به بشكل مطلق.

فمن هم الإخباريون؟ ومن هم الأصوليون؟ وما الفرق بينهما؟

التعريف بالإخباريين

ويُسَمَّون أهل الحديث أوالمستبصرون: مدرسة شيعية اثني عشرية تعتمد في استنباط الأحكام الشرعية والمعتقدات الشيعية على الأخبار المنقولة عن المعصومين –الأئمة الإثني عشر حسب زعمهم– أو المنسوبة إليهم دون النظر إلى شيء آخر, فمصادر التشريع عندهم الكتاب والحديث المنقول عن آل البيت فقط, ولا يستدلون بالإجماع لأنه عندهم بدعة أوجدها أهل السنة، وينكرون كذلك صلاحية العقل السليم ليكون حجة أو دليلا.

أفكار الإخباريين

يُنكر الأخباريون أن يكون العقل حجة، كما أنّهم لا يقبلون بحجية القرآن وسَنَدِيَّته إلا معتضدا برواية عن أهل البيت تُفسره وتؤيد الدلالة الشرعية على الحكم، وأن الواجب هو الرجوع إلى الأحاديث الواردة عنهم، كما أنّهم يقولون: إن الإجماع بدعة أوجدها أهل السنة لتنصيب أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، وبهذا يكونون قد أنكروا من مصادر التشريع الإسلامي المتعارف عليها الكتاب والإجماع إضافة إلى العقل وهو القياس.

كما أن الأخباريين يعتقدون أن طريق الاجتهاد المألوف عند الأصوليين مغلق، ويجب العمل طبقا للنصوص المرويّة الموجودة فقط، وعلى الأخص الكتب المعتمدة الأربعة على اعتبار أنّها صحيحة السند بأكملها.

بل إن غلو الإخباريون من الشيعة وصل إلى حد الإكتفاء بأخبار أئمتهم فقط دون القرآن الكريم, حيث قال شيخهم الأنصاري: إن تسمية الإخباريين جاءت من أمرين: كونهم عاملين بالأخبار كلها دون تفريق بين صحيح وضعيف, أو لإنكارهم الأدلة الثلاثة بما فيها القرآن الكريم, وخصوا الدليل بأخبار الأئمة فقط.

أهم كتب الإخباريين

وأما أهم كتب الأحاديث المنقولة عن الأئمة المعصومين –حسب زعمهم– والتي يعتمدون عليها ويأخذون بظاهرها ويعتبرونها كلها صحيحة بل ومتواترة, ولا يمكن التشكيك بأي حديث فيها فهي:

1- الكافي: لمحمد بن يعقوب الكليني المتوفى (328هجرية) وهو أهم مراجعهم وفيه ما يقارب 16199 حديثا, وقد عده صاحب (الوافي): أشرف الكتب الأربعة وأوثقها وأتمها وأجمعها, لاشتماله على الأصول من بينها, وخلوه من الفضول وشينها. الوافي / للفيض الكاشاني 1/5

ويقع الكافي في ثمانية أجزاء تضم الأصول والفروع, والأصول تقع في جزئين, والفروع في خمسة أجزاء, والجزء الأخير وهو (الروضة) فتشمل خطب آل البيت ورسائلهم وآداب الصالحين وطرائف الحكم.

2- كتاب من لا يحضره الفقيه: لابن بابويه القمي المشهور عندهم باسم "الصدوق" (ت 381هـ), وهو كتاب مختص بالفروع ويخلو من الأصول والعقائد كما ذكر صاحب الوافي, ولا يميز هذا الكتاب وكتابا الطوسي عن مؤلفات الشيعة الفقهية الأخرى سوى الأسانيد, والتي تنتهي بمعظمها لأبي عبد الله جعفر الصادق.

3- تهذيب الأحكام: لأبي جعفر الطوسي المعروف بـ "شيخ الطائفة" (ت 460هـ) كتاب فروع فقهية رتبه على أبواب الفقه من الطهارة وحتى الديات, وتبلغ أبوابه 393 بابا, بينما تبلغ أحاديثه (13590 ) حديثا.

4- الاستبصار: للطوسي أيضا اقتصر فيه على ذكر الأحاديث المتعارضة أو ما يعرف (بمختلف الحديث), ويمكن اعتباره كتاب فقه مقارن عند الإمامية, بلغت أحاديثه (5511 ) حديثا.

يقول شيخهم الفيض الكاشاني (ت 1090هـ) "إن مدار الأحكام الشرعية اليوم على هذه الأصول الأربعة وهي المشهود عليها بالصحة من مؤلفيها" الوافي 1/11 والذريعة 2/14

والإخباريون يعتبرون كل كلمة وحرف في الكافي والكتب الأربعة عامة صحيحا ومتواترا, بل هي عند التأمل فوق حد التواتر, حيث يعتبرونها أعظم من القرآن الكريم عند أهل السنة من المسلمين, ولهذا قبلوا رواياتها التي تتعرض لكتاب الله, وجعلوها هي الحاكمة على كتاب الله وذلك هو الضلال العظيم والكفر البواح.

حجج الإخباريين على صحة ما في كتبهم

يحتج الإخباريون على ما يقولون: بأنه ما دام أصحاب الأئمة نقلوا هذه الروايات من الأئمة، فأنها لا تحتاج إلى النظر والبحث والتحقيق والتفتيش، لا عن السند لأنها من صاحب الإمام، ولا عن المتن لأنه من الإمام.

وخير من عرض قرائن تصحيح كل ما في الكتب الأربعة السابقة وأوجز القول فيها الفيض الكاشاني صاحب كتاب (الوافي), وقاعدة هذه القرائن هي: أن كل حديث اعتضد بما يقتضي الاعتماد عليه واقترن بما يوجب الوثوق به والركون إليه فهو حديث صحيح.

ثم عدد هذه الوجوه: كوجود الحديث في كثير من الأصول الأربعمائة المشهورة عند الشيعة, والتي نقلوها عن شيوخهم بطرقهم المتصلة بأصحاب العصمة كما يزعمون, أو بتكرار الحديث في أصل أو أصلين منها فصاعدا بطرق مختلفة وأسانيد عديدة, أو باندراجه –الحديث– بأحد الكتب التي عرضت على أحد المعصومين, أو كأخذ الحديث من أحد الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها.

التعريف بالأصوليين

ويسمون أيضا المجتهدون, وهم الأكثرية والتيار السائد بين الشيعة الاثني عشرية في العصر الحديث، وهم القائلون بالاجتهاد وبأن أدلة الأحكام هي الكتاب والسنة والإجماع دليل العقل, ولا يحكمون بصحة كل ما في الكتب الأربعة الأولى المشار إليها عند الإخبارية.

بداية ظهور الافتراق

وعن بداية افتراق الاثني عشرية إلى إخبارية وأصولية يذكر البحراني أن شيخهم محمد أمين الأستراباذي (توفي 1033هجرية) هو أول من فتح باب الطعن على المجتهدين وتقسيم الفرقة إلى إخباري ومجتهد, من خلال كتابه: "الفوائد المدنيّة في الرد على القائل بالاجتهاد والتقليد في الأحكام الإلهية", وقد رد نور الدين العاملي على ما ألفّه الاسترابادي بكتاب أسماه: "الفوائد المكيّة في مداحض حجج الخيالات المدنية ونقض أدلة الأخبارية".

وهكذا ظل الصراع محتدما بين الإخباريين والأصوليين خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر, وقد جرى بين هاتين الفرقتين ردود ومنازعات وتكفير وتشنيع حتى إن بعضهم كان يفتي بتحريم الصلاة خلف البعض الآخر, ووصل الأمر إلى حد أن بعض شيوخ الإخبارية كان لا يلمس مؤلفات الأصوليين بيده تحاشيا من نجاستها, وإنما يقلبها من وراء ملابسه, كما كفر الأستراباذي –الإخباري– بعض الأصوليين ونسبهم إلى تخريب الدين. لؤلؤة البحرين /117

أسباب الافتراق

ولو عدنا لأسباب وجود فرقة الأصوليين ومذهب الاجتهاد, فسنجد أن الأصوليين من الشيعة اضطروا لتقسيم الحديث وتفنيد أخبار الكتب الأربعة الأولى للتخلص من إلزامات أهل السنة ونقدهم لما جاء في هذه الكتب الأربعة من كفر وضلال, فما إن ينتقد السني كلاما أو حديثا في هذه الكتب, إلا وجد الشيعي الأصولي لذلك مخرجا بالحكم على الحديث بالضعف أو الوضع, وفي التقية متسع كما نعلم.

والحقيقة المعروفة أن الشيعة لم يكن لهم علم بمصطلح الحديث وتقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف إلا في وقت متأخر جدا, حيث كانت بداية تقويم الشيعة للحديث وتقسيمه عندهم في القرن السابع الهجري, وذلك نتيجة ردة فعل لحملة شيخ الإسلام ابن تيمية عليهم في كتابه الفذ (منهاج السنة) حيث شنع على الشيعة قصورهم في معرفة الرجال وقلة خبرتهم في ذلك, كما كشف استدلالات الشيعة من كتب السنة, وأظهر جهلهم وكذبهم من حيث استدلالهم بالحديث الضعيف والموضوع.

ويعترف الشعية أن علم مصطلح الحديث وتقسيمه لصحيح وغيره كان في زمن العلامة, وهو ابن المطهر الحلي الذي رد عليه ابن تيمية, وقد قال في ذلك شيخهم الحر العاملي: ( والفائدة في ذكره (أي السند) دفع تعيير العامة (أهل السنة) الشيعة بأن أحاديثهم غير معنعنة, بل منقولة من أصول قدمائهم ) وسائل الشيعة20/100

وهذا الكلام من العاملي جد خطير, فهو يفيد بأن الإسناد عند الشيعة لا وجود له عند الشيعة أصلا, وأن رواياتهم بلا زمام ولا خطام, وأن الأسانيد في رواياتهم إنما صنعت فيما بعد وركبت على نصوص أخذت من أصول قدمائهم, لمواجهة نقد أهل السنة فحسب, مما يعني صنع الأسانيد بوضع أسماء رجال لا مسمى لهم.

مثال يوضح الفرق بين الإخباريين والأصوليين

بينما اعتبر الإخباريون جميع ما في الكافي صحيحا ومتواترا وحجة, قسم الأصوليون أحاديث الكافي بناء على قواعد الجرح والتعديل على النحو التالي: الصحيح وقد بلغت (5072) حديثا, والحسن وبلغت (144) حديثا, والموثق وبلغت (1128) حديثا, والقوي (302), والضعيف (9485) حديثا, مما يعني أن جل كتاب الكافي هو من الأحاديث الضعيفة برأي الأصوليين, وقد بقي (68) حديثا غير مصنف لا ندري بماذا توصف؟؟

وهنا يأتي الاعتراض الأخطر على الأصوليين من كون الكتب الأربعة الأولى مأخوذة –كما يقولون– من أصول معروضة على الأئمة, وقد كتب الكافي في عصر الغيبة الصغرى, وكان بالإمكان الوصول إلى حكم الإمام على أحاديثه, بل قالوا بأنه عرض فعلا على مهديهم فقال: (إنه كاف لشيعتنا). مقدمة الكافي لحسين علي ص25

كما أن شيخ الشيعة الإمامية جعفر النجفي (1227ه) ورئيس المذهب في زمنه يقول في كتابه (كشف الغطا) عن مؤلفي الكتب الأربعة: (والمحمدون الثلاثة كيف يعول في تحصيل العلم عليهم وبعضهم يكذب رواية بعض.. ورواياتهم بعضها يضاد بعض .. ثم إن كتبهم قد اشتملت على أخبار يقطع بكذبها كأخبار التجسيم والتشبيه وقدم العالم وثبوت المكان والزمان).

وحين يصطدم بمقدمة الكتب الأربعة التي تنص على أنهم لا يذكرون إلا الصحيح يقول (فلا بد من تخصيص ما ذكر في المقدمات أو تأويله على ضرب من المجازات أو الحمل على العدول عما فات.. ) ص40

أهم عناصر الاختلاف بين المذهبين

بينما جعل الشيخ جعفر كاشف الغطا عناصر الخلاف بين المذهبين 80 في كتابه: (الحق المبين في تصويب المجتهدين وتخطئة الإخباريين), نرى شيخهم البحراني يحاول التقليل من مسائل الخلاف بينهما ليجعلها مقتصرة على 8 أو أقل, بينما يجعلها محسن الأمين من بعده 5 فقط, ليتوسط شيخهم عبد الله بن صالح البحراني بين الفريقين ويجعل عناصر الخلاف 40 أو 29, وذلك في كتابه (روضات الجنات).

وفي الختام يمكن القول: أن المذهبان باطلان ويكتنفهما الكثير من التشدد والتعصب للأئمة الاثني عشر, إلا أن الإخباريين أكثر تشددا وتعصبا للكتب الأربعة الأولى, بينما حاول الأصوليون التظاهر بالمرونة والموضوعية, من خلال انتحالهم علم مصطلح الحديث والجرح والتعديل من أهل السنة, بيد أن العلم اصطدم بمصائب رواياتهم وأخبارهم التي لا يمكن أن يقبلها علم أبدا, بينما تركوا الأخذ بالقرآن الكريم والسنة النبوية التي أكرم الله بها المسلمين, فكانوا بذلك أشبه باليهود في قول الله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} الجمعة/5

ــــــــــــــــــــ

أهم مراجع التقرير

· السنة النبوية وعلومها بين أهل السنة والشيعة الامامية / د . عدنان محمد زرزور.

· استدلال الشيعة بالسنة النبوية في ميزان النقد العلمي / د. عبد الرحمن بن محمد سعيد دمشقية.

· أصول مذهب الإمامية الاثني عشرية عرض ونقد / د. ناصر بن عبد الله بن علي القفاري.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــ

Eng.Jordan
06-08-2014, 09:20 AM
http://www.shatharat.net/up_load/rdod/rd2.gif

عبدالناصر محمود
06-10-2014, 09:43 AM
العقائد الوثنية في الديانة النصرانية*
ـــــــــــــــــ

12 / 8 / 1435 هــ
10 / 6 / 2014 م
ـــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3295.jpg


الكتاب: العقائد الوثنية في الديانة النصرانية

تأليف: محمد بن طاهر البيروتي

تحقيق ودراسة: د. محمد عبد الله الشرقاوي

نشر: دار الصحوة، القاهرة

عدد الصفحات: 215صفحة

ــــــــــــــ

مؤلف الكتاب الذي بين أيدينا هو الأستاذ محمد طاهر بن عبد الوهاب بين سليم البيروتي، باحث، متكلم، من أهل بيروت، تعلم في الجامعة الأمريكية بها، وقد كان المؤلف رحمه الله مشاركا في علوم شتى، وترك آثاراً علمية منها: كتاب الفلك والطبيعيات بالاشتراك مع والده. وكتاب الدر النضير. وكتاب العقائد الوثنية في الديانة النصرانية (موضوع القراءة).

ولد المؤلف في بيت علم؛ مما هيأ له تكوينا علميا وثقافيا ممتازا، فجمع بين الثقافة العصرية، واطلع على المعطيات الفكرية للحضارة الغربية في الجامعة الأمريكية وسويسرا، وتعرف بنفسه على مزاعم المنصرين (المبشرين) وعانى من تسلطهم على مؤسسات التعليم والنشر والصحافة، وتابع-عن كثب- جهودهم المكثفة الخطيرة في التلبيس والتشكيك ومحاولة النيل من الإسلام.

وإلى جانب ثقافته العصرية، جمع المؤلف رحمه الله الثقافة الإسلامية الأصلية، وقيض الله له شعورا دينيا عميقا دافعا ومحركا، فانفعل بقضايا أمته الإسلامية والعربية ووضع نفسه وقدراته وملكاته في سبيل الدفاع عنها.

ويعد الكتاب الذي بين أيدينا: (العقائد الوثنية في الديانة النصرانية) أحد أشكال دفاع الكاتب عن الإسلام، وتبصير المخالفين بحقيقة معتقدهم، وما هم عليه من فساد وغيّ وضلال.

ويتخذ كتاب (العقائد الوثنية في الديانة النصرانية) موضوعا أساسيا مركزيا؛ هو إبراز التشابه أو التطابق بين العقائد التي كانت عند الأمم الوثنية السابقة للديانة المسيحية، وما أدخل على المسيحية من عقائد وطقوس وشعائر، أي أن الكتاب يهدف إلى كشف الأصول الوثنية للتحريفات والتلفيقات التي أدخلت في الديانة النصرانية، وشكلت أهم عناصر منظمتها العقائدية والشعائرية.

وعن سبب تأليف الكتاب أشار مؤلفه في مقدمته إلى سببين:

أولهما: كثرة الكتب التي ألفها المبشرون، ومن ينحو نحوهم في اللغة العربية، ضد الدين الإسلامي، ككتاب (الهداية) أربعة مجلدات، وكتاب (الباكورة الشهية)، وكتاب (تنوير الأفهام في مصادر الإسلام)، وكتاب (ميزان الحق) إلى غير ذلك من الكتب المؤلفة لنقض الإسلام باللغة العربية وغير العربية، هذا عدا الرسائل والخطب التي شرعوا في توزيعها بين المسلمين.

والسبب الثاني: هو نصرة الحقيقة، والقيام بواجب الإخوة الإنسانية، لأنه فرض في ديننا دعاء الناس إلى الحق، وواجب علينا أن ندعوهم لمشاركتنا في أحسن شيء عندنا، وهو "ديننا".

وقد جاء هذا الكتاب في ثمانية عشر فصلا كشف فيها المؤلف بالوثائق أو النصوص أن عقيدة التثليث- التي هي أساس الديانة المسيحية المعاصرة ومحورها ومرتكزها- مأخوذة أخذا مباشرا من الوثنيات الشرقية القديمة؛ كما أن عقيدة التثليث قد عرفت طريقها إلى كل الأمم الوثنية شرقية وغربية؛ فوجدت في مصر والهند والصين وبابل، والأمم الغربية القديمة، فقد كان عند أكثر الأمم البائدة الوثنية القديمة تعاليم دينية جاء فيها القول باللاهوت الثالوثي؛ أي: أن الإله ذو ثلاثة أقانيم.

ومن العقائد الخطيرة –التي أدخلت على المسيحية- التي ناقشها المؤلف في كتابه عقيدة (الصلب) فداءً عن الخطيئة الأصلية، أو عقيدة صلب (الإله الابن) أو (الإله الكلمة) لخلاص المؤمنين به من آثامهم وخطيئاتهم!! الأصلية التي ورثوها عن أبيهم. فدلل المؤلف على قدم هذه العقيدة وأنها مأخوذة عن اليهود الوثنيين.

كما تحدث المؤلف عن مسألة الظلمة التي حدثت عند موت أحد المخلصين للعالم بين الوثنيين والنصارى، حيث يقول اليهود أنه لما مات كرشنا مخلصهم على الصليب، حدثت في الكون مصائب جمة وعلامات متنوعة، وأحاطت بالقمر دائرة سوداء، وأظلمت الشمس عن نصف نهار، وأمطرت السماء نارا ورمادا، والأمر نفسه قالت به النصرانية بعد صلب المسيح-بحسب زعم النصارى- حيث جاء في إنجيلهم أنه "من الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض إلى الساعة التاسعة".

وخصص المؤلف الفصل الرابع للمقارنة بين ما جاء في كتب النصارى المقدسة عن تجسد الإله في المسيح، وما جاء في عقائد الوثنيين في هذا الصدد، وجاء ذلك تحت عنوان (ولادة أحد الآلهة الذين قدموا أنفسهم فداء عن الناس "بين الوثنيين والنصارى"). حيث نقل المؤلف ما دلل به على الوثنيين القدماء قالوا بتجسد أحد الآلهة ونزوله وسكنه معهم، وهو القول الذي قالت به النصرانية في المسيح عليه السلام.

ومن الأمور التي ناقشها المؤلف لإثبات التشابه بين عقائد الوثنيين والنصرانية ظهور النجوم عند ولادة أحد الآلهة، حيث جاء في كتب البوذيين المقدسة عندهم أنه قد بشرت السموات بولادة بوذا: نجم ظهر مشرقا في الأفق، والأمر ذاته قال به النصارى، ففي إنجيل متى الإصحاح الثاني العدد الأول والثاني، جاء أنه (لما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية في أيام هيردوس الملك إذا مجوس من الشرق قد جاؤا إلى أورشليم قائلين أين هو المولود ملك اليهود، فإننا رأينا نجمه في المشرق، وأتينا لنسجد له).

ثم انتقل المؤلف إلى بيان مظهر آخر من مظاهر الوثنية التي أدخلت في الأسفار المقدسة عند المسحيين؛ وهي استدلال بعض الناس على (الطفل الإلهي) وإكرامهم إياه بالهدايا؛ ذكر هذا بشأن (كرشنا) و(بوذا) و(مسرا) مخلص العجم، و(سقراط) و(اسكولابيوس) و(ردمولوس).

وذكر كل من (متى) و(لوقا) وهما الإنجيليان الوحيدان اللذان انفردا بذكر طفولة المسيح، وذكر أن المجوس قدموا (للطفل الإلهي) عيسى عليه السلام هدايا ذهبا ولبنا وتمرا، أما (إنجيل المصريين)- وهو إنجيل لم تعترف به الكنيسة- فيذكر أن الذين جاؤوا لرؤيته- بعد ولادته- وقدموا له الهدايا، كانوا رعاة- مثل الذين فعلوا مع أبناء آلهة الوثنيين تماما- ولم يكونوا مجوسا، وحتى مكان ولادة بعض الآلهة الوثنيين الذين زعم أنهم تجسدوا فظهروا بالناسوت قد نسج فيها المسيحيون على منوال الوثنيين.

وعلى هذا المنوال سار عمل المؤلف في كتابه، ولذلك فالكتاب الذي بين أيدينا يعد وثيقة مهمة، لمعرفة الكثير عن أصول النصرانية، حيث أرجع المؤلف الكثير من المعتقدات إلى أصولها الوثنية، ليكشف بذلك الفساد الكبير الذي تنطوي عليه هذه المعتقدات، وبعدها عن المصدر الحقيقي وما جاء به المسيح عليه السلام.

ويزيد من القيمة العلمية لهذا الكتاب كونه أول كتاب في العربية – قديما وحديثا- يفرده مؤلفه لمعالجة هذه القضية، كما جمع المؤلف بياناته من مراجع وثائقية مهمة لباحثين متخصصين ثقات، ومن ثم فقد أتاح للقارئ العربي-ولأول مرة- الاطلاع على هذا العدد الكبير من المراجع العلمية التي تناولت بالتسجيل والتحليل والموازنة العقائد الوثنية للأمم السابقة للمسيحية في الشرق والغرب.

فنسأل الله أن يجزي مؤلف هذا الكتاب خيرا على ما بذل من جهد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
ـــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــ

عبدالناصر محمود
06-17-2014, 07:31 AM
انحراف القبيسيات (التنظيم النسائي الصوفي)*
ــــــــــــــــــــ

19 / 8 / 1435 هــ
17 / 6 / 2014 م
ــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3916.jpg

التعريف بالقبيسيات:

القبيسيات جماعة دينية نسائية تنتشر بشكل خاص في سوريا ولبنان والأردن وفلسطين والكويت ودول الخليج، وتنسب إلى منيرة القبيسي، وهي إمرأة سورية تعيش حالياً في إحدى الحارات القديمة في العاصمة دمشق، وتبلغ من العمر 75 عاماً.

ولهذه الجماعة، التي تقتصر على النساء، عقائد وأفكار وسلوكيات وتصورات خاصة للإسلام، يمارسنها بشيء من السريّة والانعزالية، وليس معروفاً للآن ما هو سبب الحرص على السرية الشديدة ، بحيث أنهن يرفض حضور أي فتاة لحلقاتهم دون موعد مسبق عن طريق واحدة من عضواتهن الفاعلات، وهذا يجعل العديد من التساؤلات ما الذي يخفيه هذا التنظيم السري عن المسلمين؟(1).

التعريف بشيخة تنظيم القبيسيات:

منيرة القبيسي: هي مؤسسة جماعة القبيسيات النسائية الإسلامية في سوريا، وهي داعية، نشأت وتربت بسوريا وبات لها درساً دينياً بإسمها وهو "القبيسيات" واشتهرت بهذا المسمى لدرسها الدعوي بسوريا، ولدت عام 1933م في دمشق، وتربت في كنف الشيخ أحمد كفتارو المفتي العام السابق لسوريا، وفي الستينات من القرن الماضي درست في كلية العلوم الطبيعية بجامعة دمشق ثم درست في كلية الشريعة بنفس الجامعة(2).

تعيش السورية منيرة القبيسي التي تلقب بالآنسة، حالياً في إحدى الحارات القديمة في العاصمة دمشق. وقد تفرقت تلميذاتها في بلاد الشام ودول الخليج، واستطعن تأسيس جماعات أطلق عليها: الطبّاعيات في الأردن نسبة إلى فادية الطباع ، والسّحَريات في لبنان نسبة إلى سحرحلبى، وبنات البيادر في الكويت ووجدت نشاطاتهن رعاية مادية ومعنوية، حيث استطعن إنشاء جمعيات خيرية ومؤسسات تعليمية وتربوية، وحققن انتشارا لافتا بين الأوساط النسائية وخاصة الثريه.

وتختلف تسمية شيخة القبيسيات بين "الشيخة الكبرى" أو "الآنسة الكبرى" أو "الآنسة الأم"، غير أن أكثر التسميات شيوعاً هو "الآنسة".

من أفكار ومعتقدات القبيسيات:

* تعظيم الشيخة: في معتقد "القبيسيات" بأن شيختـهن لا يجوز مناقشتها، وأمرها مطاع!! وطاعتها من طاعة الله، وأن حبها من حب رسول الله صلى الله وسلم، وأن المريدة عبارة عن هيكل خلقه الله للتفاني في حب وخدمة "الآنسة" وكلما تفانت التلميذة في حب الآنسة كلما قربت من الله، حتى تصل إلى درجة الكمال، وإلى معـرفة الله عز وجل.. وعندها تنتقل من مرحلة العوام إلى الخواص، ومن خلال هذه المفاهيم فهن يقمن بتقبيل يدها ويتاسبقن لشرب فضلات كاسها من الماء.(3).

* حكم زيارة الشام: تعد زيارة الشام واجباً أو لنقل حلماً لكل من يتم لها الإذن بذلك من نساء التنظيم اللاتي يدعين أن رحلة الحج والعمرة هي "رحلة كعبة المباني"، ورحلة الشام هي "رحلة كعبة المعاني" هكذا، وفي هذه الرحلة يتم مقابلة "الآنسة الكبيرة"، ويتلقين الإرشاد والتوجية منها، ولذلك تحتال بعض نسـاء التنظيم على ولاة أمورهن للذهاب إلى "كعبة المعاني"(4).

* العزوف عن الزواج: ورغم تأكد وجود الكثير من العازبات بين "الداعيات"، فإن احداً لم يقدم تفسيراً لهذا. وفيما يعزو بعض منتقدي "الجماعة" السبب إلى "انهن لا يردن الانشغال بالزوج عن "الآنسة" وإلى أنهن يفضلن الحياة الأخرى على الحياة الدنيا(5).

* القول بالحلول ووحدة الوجود: من عقائد القبيسيات القول بالحلول وحدة الوجود وتعظيم أئمة الصوفية القائلين بهذا القول كابن عربي والحلاج، ومن كلام الآنسة الكبيرة "منيرة": فقد عرف الحلاج الله حتى ذاب في حبه، وكان يخفيه في ملابسه قال: "مافي الجبة إلا الله".

وكذلك الشيخ محي الدين بن عربي لم يعد يعرف الفرق بينه وبين ذات الله؛ حيث كان يقول:"أنا من أهوى - من أهوى أنا - نحن روحان حللنا جسداً"(6).

* استعمالهن للسحر واستعانتهن بالجن: كما هو حال كثير من أهل البدع من الرافضة والصوفية، وقد ذكر عنهن ذلك بعض من خالطهن واكتوى بنار سحرهن، حيث يستخدمن هذا ***** في جذب قلب المدعوات كما يستخدمنه ضد من يتركهنا (7).

* طعنهم في علماء أهل السنة والجماعة: فيسمونهن في مجالسهن بالوهابية ويمنعون أتباعهن من الاستماع إلى دروسهم ومحاضراتهم، والطعن في علماء أهل السنة ونبزهم بالوهابية مسلك قديم لأهل البدع والقبورية والخرافية(8).

* من عاداتهن كشف أسرار البيوت للمربية، بحجة أن ذلك يساعدها في أن تأخذ يد الفتاة إلى الله، ويعتبرون المربية كالطبيب الذي يجب أن يتم إخباره بالخصوصيات ليساعد في العلاج، ويقولون "يجب أن يستعلي عندك حب الشفاء على الحرج من كشف العورات"(9).

* من أسس الدخول في الجماعة كتابة رسالة توضح فيها الفتاة أسرارها الشخصية الخاصة والذنوب التي ارتكبتها، على طريقة كرسي الاعتراف عند النصارى، ولهن عبارة في ذلك وهي (افتضح واسترح)(10).

فتوى اللجنة الدائمة بشأن القبيسيات:

سؤال المستفتي:

بشأن جماعة من النساء في الكويت يقمن بنشر الدعوة الصوفية على الطريقة النقشبندية، والتي كان يتزعمها أحمد كفتارو مفتي سوريا السابق، وهن يعملن تحت إطار رسمي جمعية نسائية، ولكنهن يمارسن هذه الدعوة في الخفاء ويظهرن ما لا يبطن، وقد حصل أن اطلعنا على كتاباتهن وبعض كتبهن واعتراف بعضهن من كونهن في هذا التنظيم، وذلك يتمثل بالآتي:

يقلن من لا شيخ له فشيخه الشيطان، ومن لم ينفعه أدب المربي، لم ينفعه كتاب ولا سنة، ومن قال لشيخه: لِم، لَم يفلح أبدًا، ويقلن بالوصل، ويقمن بعملية الذكر الصوفي مستحضرات صورة شيختهن الآنسة أثناء الذكر، ويقبلن يد شيختهن والتي يطلقن عليها لقب الآنسة، وهي من سوريا، ويتبركن بشرب ما تبقى في إنائها من الماء، ومن كتبهن التي بها ***** كتاب ( اللؤلؤ والمرجان في تسخير ملوك الجان)، ويقمن بتأسيس المدارس الخاصة بهن لاحتواء الأطفال على طريقتهن، ويعملن في مجال التدريس مما يعطيهن مجالاً لنشر هذه الدعوة في صفوف بنات المدارس الحكومية المتوسطة والثانوية، وقد فارقت بعض من هؤلاء النسوة أزواجهن وطلبن الطلاق عن طريق المحاكم عندما أمرهن هؤلاء الأزواج بالابتعاد عن هذا الطريق الضال.

السؤال:

1- ما هو الحكم الشرعي في عقيدة هؤلاء النسوة مع إصرارهن على هذه الطريق؟

2- هل يجوز الزواج منهن؟

3- ما حكم عقد النكاح القائم بإحداهن الآن؟

4- النصيحة لهن وترهيبهن من هذا الطريق؟

وجزاكم الله عنا كل خير.

مما جاء في إجابة اللجنة الدائمة:

الطرق الصوفية ومنها النقشبندية، كلها طرق مبتدعة مخالفة للكتاب والسنة، بل إن الطرق الصوفية لم تقتصر على كونها بدعة مع ما في البدعة من الضلال، ولكن داخلها كثير من الشرك الأكبر، وذلك بالغلو في مشائخ الطرق والاستغاثة بهم من دون الله، واعتقاد أن لهم تصرفًا في الكون، وقبول أقوالهم من غير نظر فيها، وعرضها على الكتاب والسنة، ومن ذلك ما ورد في السؤال من قولهم: من لا شيخ له فشيخه الشيطان، ومن لم ينفعه أدب المربي لم ينفعه كتاب ولا سنة، ومن قال لشيخه: لِمَ لم يفلح أبدًا، وهذه كلها أقوال باطلة مخالفة للكتاب والسنة؛ لأن الذي يقبل قوله مطلقًا بدون مناقشة ولا معارضة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أما غيره من البشر مهما بلغ من العلم فإنه لا يُقبل قوله إلا إذا وافق الكتاب والسنة، ومن زعم أن أحدًا تجب طاعته بعينه مطلقًا غير رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ارتد عن الإسلام.

فالواجب الحذر من الصوفية ومن يتبعها رجالاً ونساءً، ومن توليهم التدريس والتربية، ودخولهم في الجمعيات النسائية وغيرها؛ لئلا يفسدوا عقائد الناس، والواجب على الرجل منع موليته من الدخول في تلك الجمعيات أو المدارس التي يتولاها الصوفية أو يدرسون فيها حفاظًا على عقائدهن، وحفاظًا على الأسر من التفكك وإفساد الزوجات على أزواجهن، ومن اعتنق مذهب الصوفية فقد فارق مذهب أهل السنة والجماعة، وإذا اعتقد في شيوخ الصوفية أنهم يمنحون البركة، أو ينفعون أو يضرون فيما لا يقدر عليه إلا الله من شفاء الأمراض وجلب الأرزاق ودفع الأضرار، أو أنهم تجب طاعتهم في كل ما يقولون ولو خالفوا الكتاب والسنة - من اعتقد ذلك فقد أشرك بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، لا تجوز موالاته ولا مناكحته.

والمرأة التي تأثرت بالتصوف ولم تصل إلى حد الاعتقاد المذكور لا ينبغي التزوج بها ابتداء، ولا إمساكها ممن تزوجها إلا بعد مناصحتها وتوبتها إلى الله، والذي ننصح به للنسوة المذكورات هو التوبة إلى الله والرجوع إلى الحق، وترك هذا المذهب الباطل، والحذر من دعاة السوء، والتمسك بمذهب أهل السنة والجماعة، وقراءة الكتب النافعة المشتملة على العقيدة الصحيحة، والاستماع للدروس والمحاضرات والبرامج المفيدة التي يقوم بإعدادها العلماء المستقيمون على المنهج الصحيح، كما ننصح لهن بطاعة أزواجهن وأولياء أمورهن في المعروف(11).

ــــــــــــ

الهوامش:

(1) القبيسيات: التنظيم النسائي الصوفي- مجلة الراصد.

(2) الشيخ كفتارو يتحدث عن خفايا عالم "القبيسيات" في سوريا- العربية نت- مايو العربية نت- مايو 2007م.

(3) القبيسيات... تنظيم خطير تجهله النساء؛ فوزية الخليوي؛ موقع صيد الفوائد

(4) المرجع السابق.

(5) القبيسيات: حركة إسلامية نسائية غامضة عضواتها يزدن عن 70 ألفا-العربية نت

(6) القبيسيات... تنظيم خطير تجهله النساء.

(7) القبيسيات: الحقيقة والواقع- المحجة

(8) المرجع السابق- بتصرف يسير

(9) المرجع السابق

(10) المرجع السابق

(11) ملخصا عن فتوى اللجنة الدائمة- رقم الفتوى: 16011
ــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــ

عبدالناصر محمود
06-23-2014, 10:14 AM
الشيخية الاثني عشرية نموذج الغلو الشيعي*
ــــــــــــــــــــــ

25 / 8 / 1435 هــ
23 / 6 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/3723.jpg


إذا كانت صفة غلو الشيعة في أئمتهم ظاهرة بارزة في جميع مذاهبهم وطوائفهم المختلفة, فإن الشيخية تعتبر النموذج الأكثر غلوا والأشد تطرفا في هذا الجانب, حيث يصل الغلو إلى حد جعل الأئمة شركاء لله في ملكه وخلقه وتدبير شؤون عباده –والعياذ بالله-.

ومع محاولة علماء الشيعة التبرؤ من بعض ما في مؤلفات وأقوال الشيخية من شرك وكفر بالله صريح وواضح, إلا أنهم بنفس الوقت يعظمون مبتدع هذا المذهب ويمجدونه, فقد وصفوه: ترجمان الحكماء وغرة الدهر وفيلسوف العصر, ويحاولون تأويل أقواله الكفرية وبدعته الشركية, ولهم في التقية أخيرا مخرجا من الحرج في التصريح باعتقادهم بأقوال ونصوص المذهب الشيخي.

التعريف

الشيخية وقد يقال لها الأحمدية: فرقة شيعية تنتمي للمذهب الإخباري الشيعي الذي ظهر في مطلع القرن الحادي عشر الهجري, والذي يعتمد بشكل خاص على الأخبار المنقولة عن أئمتهم المعصومين –حسب زعمهم– دون النظر إلى أي مصدر آخر, وتنتسب الفرقة لرجل يقال له الشيخ أحمد بن زين الدين الإحسائي البحراني, الذي ابتدع آراء كفرية كان لها تأثير على أتباعه من بعده.

المؤسس وأبرز الشخصيات وأماكن الانتشار

1- أحمد زين الدين الإحسائي: ولد في قرية المطيرف من قرى الإحساء عام 1166هجري وتوفي عام 1241 هجرية, لقبه أتباعه (بالأوحد), هاجر إلى العراق عام 1186 هجرية ونزل النجف وظل ينتقل بينها وبين كربلاء يأخذ العلم الشيعي على يد الشيخ محمد باقر البهبهاني ومهدي بحر العلوم وجعفر كاشف الغطاء وغيرهم.

عاد بعد ذلك إلى الإحساء ليتزوج ثم سافر منها إلى إيران عام 1221هجرية, وهناك حظي بشهرة كبيرة, وهناك طرح أفكاره وآراءه في دروسه وكتبه, ومن أهم هذه الكتب: شرح الزيارة الجامعة الكبيرة, وشرح "العرشية" لصدر الدين الشيرازي, وشرح "المشاعر" للشيرازي أيضاً, والفوائد.

2- السيد كاظم الرشتي: بعد موت الإحسائي التف أتباعه ومقلدوه حول تلميذه المقرب كاظم الرشتي, والذي توفي عام (1259هجرية) وسلموه زمام أمرهم, ولقبوه (بالأرشد) وقد ترك الرشتي مثل شيخه مؤلفات كثيرة منها: مجموعة الرسائل, وشرح الخطبة التطنجية, وشرح القصيدة اللامية, وأصول العقائد.

كان للشيخ الرشتي كثير من التلاميذ أبرزهم ثلاثة شكل كل واحد منهم بعد وفاة الرشتي مذهبا مستقلا بنفسه وهم:

· الكرمانية: وهم أتباع الحاج محمد كريم خان الكرماني ويطلق عليهم أيضا (الكرامخه) كما يطلق عليهم اسم (الركنية) وذلك لاعتقادهم بالركن الرابع, ويعني الاعتقاد بوجود نائب خاص للمهدي المنتظر –حسب زعمهم– في عصر الغيبة الكبرى, ويتواجد الكرمانية في مدينة كرمان بإيران وفي البصرة وغيرها.

· التبريزية: وهم أتباع الشيخ حسن جوهر ويطلقون على أنفسهم الكشفية, وذلك لاعتقادهم أنهم الشيعة الكاملون, وأن الله قد كشف الغطاء عن بصائرهم وأدركوا مقامات أهل البيت ومكانتهم الحقيقية دون سائر الإمامية, ويطلق عليهم اسم (الإحقاقية) نسبة لصاحب كتاب (إحقاق الحق) الميرزا موسى الاسكوئي الذي يعتبر أحد مراجعهم وإليه ترجع أسرة الإحقاقي التي تتزعم شيخية تبريز إلى الوقت الحاضر، ويتواجدون بشكل رئيسي في الكويت حيث مقر زعامتهم ومرجعيتهم, كما لهم أتباع بالإحساء والهفوف وتبريز وجنوب العراق.

· البابية: نسبة إلى علي بن محمد الشيرازي الذي تتلمذ على يد الرشتي وسمى نفسه (الباب) وادعى أنه المهدي المنتظر, مستغلا انتظار أتباع الرشتي يعتقدون ظهور المهدي المنتظر الذي وعدهم شيخهم الرشتي بأن ظهوره بات قريبا, وينكر الشيعة نسبة هذا الرجل إلى الرشتي أو الشيعة, ويدللون على ذلك أنهم شاركوا في القضاء عليه وإعدامه فيما بعد, وهو صاحب البدعة والفرقة الضالة (البابية) ومن بعده تلميذه (البهائية).

أهم الأفكار والعقائد

بما أن الشيخية فرقة منبثقة عن الإمامية الشيعية فإن مجمل تلك العقائد مشتركة, كالإمامة والمهدي المنتظر والغيبة والرجعة والعصمة للأئمة وغير ذلك, إضافة إلى أنهم مذهب إخباري يعتقد بصحة كل ما جاء في الكتب الأربعة الأولى للشيعة (الكافي ومن لا يحضره الفقيه وتهذيب الأحكام والاستبصار), وإضافة لكل ما سبق انفردت الشيخية بالأفكار والمعتقدات التالية:

1- الغلو الشديد بأهل البيت الأئمة والمعصومين الأربعة عشر هم (وهم النبي صلى الله عليه وسلم وفاطمة وأئمتهم الاثني عشر) فقد جعلهم الإحسائي علة تكوين العالم وسبب وجوده, وهم الذين يخلقون ويرزقون ويحيون ويميتون, بدعوى أن الله العزيز قد تكرم عن مباشرة هذه الأمور بنفسه وأوكلها إلى المعصومين, حيث جعلهم أسبابا ووسائط لأفعاله, فهم –كما يعتقد الشيخية- مظاهر لأفعال الله.

وقد جاء في كلام الإحسائي: (إن الله حصر شؤونه في أهل البيت عليهم السلام وحصر حاجات خلقه عندهم) وهم ( أي الأئمة ) العلل الأربع للمخلوقات ) و ( أنهم مسميات أسماء الله ) (1)

2- يؤمنون بفكرة وجود الجسد (الهورقليائي- الأثيري) للإنسان الى جانب الجسد (الصوري- المادي)، وينكرون المعاد الجسماني, وللإحسائي في كتابه (شرح الزيارة الجامعة ) أقوال صريحة في ذلك، وكلها تشير إلى روحانية المعاد، وتنفي أن يكون المعاد هو الجسم المادي المحسوس.(2)

3- يعتقدون أن الجسد ******** هو الذي عرج به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء، وأن هذا الجسد هو الذي يعيش به الإمام المهدي في غيبته منذ منتصف القرن الثالث الهجري، وهو سر بقائه على قيد الحياة كل هذه المدة.(3)

4- يعتقدون بنظرية (الكشف) المشابهة لنظريات بعض الصوفية ،حيث يقول الإحسائي: أن الإنسان إذا صفت نفسه وتخلص من أكدار الدنيا يستطيع أن يتصل بأحد الأئمة من أهل البيت عن طريق الكشف والأحلام, فيوحي له الإمام بالعلم الغزير, وتكشف له الحجب, وادّعى الإحسائي أنه حصل على العلم بهذه الطريقة الكشفية.

5- الاعتقاد بوجود نائب خاص للمهدي المنتظر في عصر الغيبة الكبرى, ومن المعلوم أن النائب كان موجودا في عقائد الشيعة عامة في الغيبة الصغرى لا الكبرى, وقد استند البابية والبهائية في بدعتهم الضالة على فكرة النائب الخاص, ثم وصل إلى ادعاء أنه المهدي المنتظر.

6- التبشير الدائم بقرب ظهور المهدي, وكان الإحسائي يقول للناس في كل قرية يمر بها أن الإمام الغائب على وشك الظهور, وأنهم يجب أن يكونوا على أهبة الاستعداد لنصرته, وكان يقول لهم: إن الإمام الغائب حين يظهر سوف يبدل الكثير من العقائد والتعاليم الإسلامية الموجودة.

7- وقد نقل د. ناصر القفاري عن الألوسي رحمه الله قوله عن الإحسائي وأتباعه: (ترشح كلماتهم بأنهم يعتقدون في أمير المؤمنين علي على نحو ما يعتقده الفلاسفة في العقل الأول, كما نسب إليهم القول بالحلول, وتأليه الأئمة, وإنكار المعاد الجسماني, وأن من أصول الدين الاعتقاد بالرجل الكامل وهو المتمثل في شخصه).

8- يعتقد الشيخية بأن اللوح المحفوظ هو قلب الإمام المحيط بكل السموات وكل الأرضين, كما يعتقدون بالتناسخ حيث كان شيخهم الإحسائي يزعم للناس أن المهدي يحل في أي رجل كان فيكون له صفة الباب، وأن روح المهدي حلت فيه هو فصار هو الباب إلى المهدي.

موقف الإمامية من الشيخية

تضاربت مواقف أئمة وعلماء الشيعة الاثني عشرية حول فرقة الشيخية, فبينما أضفى بعضهم على الإحسائي ألقاب التعظيم والتبجيل ونسبه إلى العلم والمعرفة, اتهمهم البعض الآخر بالخروج عن منهج الاثني عشرية, وخاصة بعد وراثة الرشتي للإحسائي ومزايدته على شيخه الإحسائي بالغلو والتطرف.

فقد ذكر محمد حسين آل كاشف الغطاء ترجمة للإحسائي قال فيها كان في أوائل القرن الثالث عشر وحضر على السيد بحر العلوم وكاشف الغطاء، وله منهما إجازة تدل على مقامه عندهم وعند سائر علماء ذلك العصر، والحق أن العارف الشهير الشيخ أحمد الأحسائي رجل من أكابر علماء الإمامية وعرفائهم.
وكان على غاية الورع والزهد والاجتهاد في العبادة كما سمعناه ممن نثق به ممن عاصره ورآه، نعم له كلمات في مؤلفاته مجملة متشابهة... ثم حاول تأويل ذلك.

بينما نجد جماعة من علماء الإمامية ذهبوا إلى أن الأحسائي كان فاسد العقيدة منحرفا، أوجد طريقة في مذهب الشيعة الاثني عشر، والتي سميت فيما بعد بالشيخية، وقد ردوا عليه بكتب معروفة متداولة منها: كتاب (ظهور الحقيقة على فرقة الشيخية) لمحمد مهدي الكاظمي، وكتاب (رسالة الشيخية والبابية) لمحمد مهدي الخالصي.

و في استفتاء قدم للسيد السيستاني حول الصلاة خلف إمام جماعة شيخي، أجاب: (العبرة في إمام الجماعة بالوثاقة بصحة القراءة والعدالة وفي مثل المفروض إن لم يحرز تقصيره في انتخاب غير الطريق الذي يعينه المجتهد الأعلم حجة فلا مانع من الصلاة خلفه) ولم يخرج الشيخ محمد السند الشيخية من الاثني عشرية, وقلل من مسائل الخلاف بينهما إلى حد جعلها في مسألة الباب إلى المهدي فقط.

بينما سئل فاضل اللنكراني عن حكم عقائد الشيخية شرعا وهل هم يختلفون عن عقائد الطائفة المحقة الإمامية؟؟ وهل يجوز تقليدهم والصلاة خلفهم أو تقبل شهادتهم؟ فأجاب: هم يختلفون عن عقائد الفرقة المحقة، وتقليدهم غير جائز وغير مبرئ للذمة، ولا يجوز الصلاة خلفهم ولا تقبل شهادتهم، وتعد هذه الفرقة فرقة ضالة يجب الاجتناب عنها وتحذير الناس والمؤمنين منه.

وخلاصة القول: أن الشيعة لا يريدون إظهار قبح أفكار ومعتقدات الشيخية المنسوبة لهم, فتجد بعضهم يتنكر ويتبرأ من أقوالهم الكفرية الصريحة والواضحة, والبعض الآخر يحاول استعمال التأويل الباطني في تفسيرها, مما يؤكد ارتباط الشيخية بالاثني عشرية, وأنهما لا يختلفان عن بعضهما إلا في نسبة الغلو والتطرف.

ــــــــــــــــ

الفهارس:

(1) شرح الزيارة الجامعة ، للاحسائي / 289/348/ 438

(2) شرح الزيارة الجامعة ص369-370-457-458

(3) الرسالة القطيفية في شرح جوامع الكلم ، للإحسائي 1/181

(4) كتاب (أصول مذهب الشيعة) ص111

(5) ومن مراجع التقرير أيضا : الشيخية نشأتها وتطورها لمحمد حسن آل الطالقاني , إضافة لبعض المواقع على الانترنت.
ــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
06-24-2014, 02:25 PM
المونية...وخرافة توحيد الأديان*
ــــــــــــــ

26 / 8 / 1435 هــ
24 / 6 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3927.jpg

لم يكن العداء للإسلام عبر التاريخ على نمط وشكل واحد, وإنما تنوعت ألوانه وأشكاله تبعا للزمان والمكان, فبينما كان على شكل الحروب والمعارك العسكرية في البداية وحتى نهاية الحروب الصليبية, أصبح بالمؤامرات والخديعة والمكر حتى إضعاف الرجل المريض والقضاء عليه وإزالة آخر مظهر للوحدة الإسلامية من خلال هدم الخلافة العثمانية.

وإذا كانت مرحلة الحرب العسكرية على بلاد المسلمين شديدة وخطيرة, فإن الحرب الفكرية والثقافية والأخلاقية والعقائدية على الإسلام وثوابته ومبادئه وأحكامه أشد ضراوة وأكثر خطورة, نظرا لكثرة التيارات الفكرية الهدامة التي اجتاحت العالم الإسلامي أثناء هدم الخلافة العثمانية وبعدها, والتي تزداد ضراوة يوما بعد يوم.

وتكمن خطورة هذه الأفكار بأنها لم تعد تعلن صراحة عن أهدافها وحقائقها, بل تضمر ذلك وتخفيه, لتظهر الشعارات الرنانة والأهداف الطنانة - كالإنسانية والعدالة والحرية وحقوق الإنسان - وغير ذلك من القيم الكبيرة الفارغة المضمون, والتي تستميل شباب المسلمين ومثقفيهم, فضلا عن عامة الناس فيهم.

ومن تلك التيارات الفكرية الهدامة, والمعتقدات المخالفة لتعاليم الإسلام وثوابته, والتي تدثرت بدثار الوحدة والإنسانية: حركة سون ميونج مون التوحيدية "المونية" , فما هي المونية؟؟ ومن هو مؤسسها ؟؟ وما هي أبرز أفكارها ؟؟ وما هي حقيقتها وجوهر أهدافها ؟؟

التعريف

المونية: حركة مشبوهة تدعو إلى توحيد الأديان وصهرها في بوتقة واحدة بهدف إلغاء الفوارق الدينية بين الناس لينصهروا جميعا في بوتقة (سون ميونج مون) الكوري الذي ظهر بنبوة جديدة في هذا العصر الحديث.

المؤسس وأبرز الشخصيات

1- القس "سون ميونج مون" : مؤسس هذه الحركة, ولد في كوريا الجنوبية سنة 1920، اعتنق النصرانية وترقى فيها حتى صار قسا، وادعى بعد ذلك أنه نبي وأن الله أرسله لإنقاذ العالمين!!

كما ادعى "مون" أنه لما كان في السادسة عشرة من عمره ظهر له عيسى بن مريم عليه السلام، واجتمع به، وأخبره أن الله اختاره ليكون رسول هذا الزمان، لينشر السلام على هذه الأرض، وأنه سيكون المسيح الثاني، وأن دعوته موجهة لأصحاب الديانات الثلاث اليهودية والنصرانية والإسلام, وأن كل مسلم أو يهودي أو نصراني مأمور بالإيمان به واتباعه، وأن الله جمع له رسولنا محمداً صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين فآمنوا به وبايعوه وأمروا المسلمين بالإيمان به.

وادعى أيضا أنه على اتصال بالمسيح عليه الصلاة والسلام منذ عام 1936م, وأنه منذ بلوغه السادسة والعشرين من عمره بدأ يدرس حياة الأنبياء والقادة الروحيين, مثل موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، ومثل بوذا وكرشنا، ويطلع على تعاليم الأديان السماوية والوضعية كاليهودية والنصرانية والإسلام وكذلك البوذية والهندوسية.

أسس حركته الدينية عام 1954م في كوريا الجنوبية, وانتقل إلى الولايات المتحدة في عام 1973م, وعقد صلات عدة مع كبار الشخصيات هناك, واستطاع أتباعه إخرجه من السجن الفيدرالي بعد عام ونصف بتهمة تهربه من الضرائب, وذلك بعد أن صوروا سجنه على أنه اضطهاد في سبيل المعتقد الديني الذي يحمله.

احتل منصب الرئيس للمجلس العالمي للأديان, وحاول أن يكون قريبا من الأحداث المهمة, إذ كان له ولطائفته دور مهم في الوقوف إلى جانب الرئيس "ريتشارد نيكسون" في فضيحة "ووترجيت", كما أنهم كانوا نشيطين في حماية برنامج الرئيس ريغان وسياسته في أمريكا الوسطى.

توفي "مون" في 3 سبتمبر عام 2012م عن عمر يناهز 92 عاما ودفن في كوريا الجنوبية مسقط رأسه.

2- شانج هوان كواك: شغل منصب مساعد رئيس المجلس العالمي للأديان، وهو أكبر معاوني مون، وقد أعلن في بيانه الذي ألقاه في المؤتمر المنعقد بتركيا سنة 1985م عن نبوة "مون" وأنه يتلقى الوحي من السماء.

3- اليهودي فرانك كوفمان: يقيم في نيويورك ويتبع "مون" ويعمل في مؤسسته، وقد ناشد علماء المسلمين في مؤتمر تركيا أن يتفهموا موقف الأديان الأخرى مثل اليهودية والبوذية والهندوكية.

4- دكتور يوسف كلارك: قس كاثوليكي من مساعدي "مون", وهو عضو مجلس إدارة المجلس العالمي للأديان، كان ممثل المجلس في مؤتمر تركيا.

أهم الأفكار

1- ادعى "مون" النبوة وزعم أن المسيح عليه السلام بشره بأنه "المسيح الثاني" حسب زعمه, وأنه على اتصال بعيسى ابن مريم عليه السلام, وأنه يتلقى الوحي من السماء كما أسلفنا.

2- يزعم "مون" في إعلان تم نشره يوم 4 يوليو 2002 في صحيفة «واشنطن تايمز» التي يملكها: بأن لديه أحاديث مقدسة منقولة عن الرب والأنبياء النبي محمد وعيسى المسيح والنبي موسى (عليهم الصلاة والسلام) يشهدون فيها بأن مون هو «ابن الرب» الحقيقي.

3- يزعم "مون" أن الإله قد رمى بالمسيحية جانبا وأبدلها برسالة جديدة هي رسالة توحيد الأديان الداعي إليها, وهذا ما ينشره ويقوله للنصارى.

4- شعار "المونية" وهدفه المعلن والظاهر هو: السعي من أجل توحيد الأديان على اختلاف أنواعها, بينما الحقيقة غير ذلك تماما.

5- الهدف الرئيسي المعلن لحركة "مون" هو العمل من أجل توحيد العالم تحت راية إله واحد, بحيث تضمحل من هذا العالم كل الحواجز والعوائق الكنسية والسياسية والوطنية والقومية والاجتماعية" وهي دعوة قد ينخدع بها بعض المسلمين معتقدين أنها دعوة لتوحيد الله, وهي غير ذلك حقيقة.

6- يزعمون أن رسالة آدم الأساسية أن يخلق الأسرة الكاملة في الأرض، وهذه المهمة لم تتحقق نتيجة لعمل الشيطان، ويزعمون أن عيسى هو من خلق آدم وفشل في أمر الزواج, لكن فشله ليس كاملا إذ أحيا الجانب الروحي للإنسان، وقد ظل جسد الإنسان مستعبداً للشيطان ولا بد تجديده، وهذا يستلزم آدماً ثالثاً بالاتحاد مع زوجة مثالية يمكن لتحقيق هدف إنجاب الإنسان الكامل.

7- يزعمون أن التاريخ والأحداث متكررة ومقدرة سلفا وفقاً لدراسة رسومات بيانية قاموا بها، ويقولون: إن هناك أمثلة متكررة من البشر قد اختيروا ليصيروا آباء كاملين، لكن الشيطان قد اعترض سبيلهم فلم ينجحوا، وقد وجدت هذه الأسر المثالية على مر التاريخ الإنساني في فترات متقطعة على مدى أربعمائة عام سلفت.

التنظيم الداخلي للحركة

يتبع حركة المونية طريقة خبيثة لضم أعضاء جدد لحركتهم, حيث يدعونه أولا إلى وجبة طعام ثم يدعونه للاشتراك في رحلة نهاية الأسبوع, كما أنهم يمنعون الأفراد الجدد من التحدث بين بعضهم البعض, وعليهم الانتظار حتى اللقاء الآخر في نهاية الأسبوع.

يمضي المدعو عدة أسابيع مع معلمه، وقد يجعلونه بعد ذلك في مسكن واحد مع أعضاء جدد آخرين ليلقنوهم جميعا العقيدة الجديدة, مع التركيز على تقديس وتمجيد شخصية "مون", والتأكيد على ضرورة التنكر لعقيدة أهاليهم ومجتمعاتهم.

وإذا ما اكتشف العضو زيف وكذب هذه الحركة وحاول الفرار منهم, فإن ذلك قد يكون من الصعوبة بمكان لعدة أمور: أولها بسبب الانفصال عن عائلته فلا يستطيع العودة إليها بعد أن ناصبها العداء بسبب معتقده الجديد الذي يخالف معتقدها, كما أن غسيل دماغُه في تلك الفترة وسيطرتهم عليه روحيا من خلال خداعه بالوعود السماوية الكاذبة يلعب دورا في صعوبة اكتشاف زيفهم, ناهيك عن أن أفراد عصابة مون سيتابعونه ويطاردونه حتى يعود إلى حظيرتهم من جديد إن تركهم أو فر منهم.

المؤتمرات التي عقدها "مون"

عقد "مون" عددا من المؤتمرات سعيا وراء تحقيق أهدافه، ومن أبرز هذه المؤتمرات:

* مؤتمر توحيد اليهود في سويسرا.

* مؤتمر اتحاد العالم المسيحي في إيطاليا.

* مؤتمر البوذيين في اليابان.

* مؤتمر الهندوكية في سيريلانكا.

* مؤتمر اتحاد العالم الإسلامي: الذي تم عقده في تركيا قرب اسطنبول , وذلك في الفترة من 19 - 22 سبتمبر 1985م ، وقد تعاونت معهم كلية الإلهيات بجامعة مرمرة بهدف إنجاح المؤتمر.

وقد كان للأفكاره التي بثت في هذا المؤتمر خطرا كبيرا, فقد صور أتباع مون المشاركون في المؤتمر الخلافات بين الأديان على أنها لا تعدو أن تكون شبيهة بتلك الخلافات الفقهية الموجودة بين المذاهب الإسلامية ذاتها، ولا شك أن هذا محض افتراء، إذ إن الخلاف بين الأديان خلاف عقائدي قبل كل شيء، في حين أن الخلاف بين المذاهب الفقهية ليس أكثر من خلاف داخلي اجتهادي في الفروع دون الأصول.

حقيقة المونية وفضائح مؤسسها

كشفت صحيفة البيان الإماراتية الكثير من الحقائق والفضائح عن هذه الحركة ومؤسسها , ونشرت في 15 يناير 2003 تقريرا عن القس "جيونج مون" موضحة أن كنيسة التوحيد التي يترأسها والتي تعرف عموما بـ «مونيز» هي واحدة من أهم مصادر "الفساد والشذوذ في الولايات المتحدة اليوم"، وأنه حظي بالتأييد نتيجة مواقفه المعادية للشيوعية آنذاك.

وقالت الصحيفة: إن طائفة "مون" تقوم عن طريق "منظمات ومؤسسات واجهة بشراء ذمم سياسيين أميركيين وقادة دينيين وقادة بعض الحركات المدنية باستخدام مليارات الدولارات سنويا من الأموال المغسولة في الخارج والتي يأتي جزء مهم منها بالتأكيد من تجارة المخدرات العالمية".

وذكرت الصحيفة أن هذه الأموال هي مقابل "خدمات جنسية يقدمها جيش من الفتيات من كوريا الجنوبية واليابان بعد أن تم غسل أدمغتهن عبر الممارسات الباطنية الجنسية الشاذة لطائفة القس مون".

وأضافت الصحيفة : "تعتبر مجموعة "مون" أحد أهم مصادر تمويل قادة اليمين المسيحي المتطرف, الذين يريدون استفزاز المسلمين عن طريق التعرض لدين الإسلام ونبي المسلمين محمد صلى الله عليه وسلم في سبيل خلق «صراع حضارات», بالإضافة إلى تمويل حملات قادة الجناح الليكودي الفاشي في إسرائيل".

وقالت: إن القس "سون ميونج مون" تم انتقاؤه في منتصف الخمسينيات من قبل عملاء المخابرات الأميركية والكورية الجنوبية اليمينيين المتطرفين الذين رشحوه لأنه كان صاحب سجل طويل من السوابق بجرائم جنسية وأخلاقية أوصلته إلى السجن في كل من كوريا الشمالية والجنوبية.

وحول النظريات «الدينية» للقس مون، ذكرت الصحيفة أنها "شيطانية صرفة"، حيث يعتبر القس مون نفسه في العديد من الكتابات المنشورة «الأب الحقيقي» الذي اختاره الرب لإكمال المهمة التي فشل يسوع المسيح في تنفيذها، لأن المسيح صلب قبل أن يتمكن من الزواج وإنجاب عنصر جديد من البشر الخارقين النقيين من الإثم الأصلي.

وحسب الصحيفة فإن الزيجات الجماعية السيئة الصيت التي تنظمها طائفة مون تعتبر بداية إنتاج هذا العنصر الخارق، حيث يلعب مون وزوجته السيدة مون دور الأبوين الحقيقيين لعقيدة العنصر الخارق التي تأتي مباشرة من كتب نيتشه وهتلر.

الإنتشار وأماكن النفوذ

تنتشر الحركة بشكل كبير في جنوب ووسط أمريكا, إذ لهم علاقات قوية مع كبار السياسيين في تشيلي وأرجواي والأرجنتين وهندوراس وبوليفيا, و لهم مركز وكنيسة اسمها "الكنيسة التوحيدية" في إيرلندا.

سمحت لهم حكومة سيول بإقامة كنيسة لهم خارج العاصمة, كما أن لهم استثمارات في جنوب كوريا.

يتغلغل أعضاء الحركة في الجناح الأيمن للحزب الجمهوري بالولايات المتحدة الأمريكية, كما أنهم يشكلون الجناح الأيمن للدكتاتورية في أمريكا الجنوبية.

يمتلك زعيمهم عدة عقارات في العالم وشركات ومطاعم وأراض ومحلات لبيع المجوهرات وشركة للنشر تسمى (Paragon House) كما أسس جريدة الواشنطن تايمز التي يوزع منها 75 ألف نسخة في اليابان ونيويورك وأرجواي وقبرص ولديه فندق نيويوركر في مانهاتن.

الفتاوى الإسلامية التي صدرت بحق الحركة

حذر مجلس الفتوى الأعلى في فلسطين في بيان أصدره الثلاثاء 14-6-2005م من التعامل مع المدعو ميونج مون الملقب بـ "المسيح الثاني" المزعوم، وأتباعه ممن يسمون أنفسهم بـ "سفراء السلام".

وقال المجلس: إن "ميونج" شأنه شأن من سبق أو سيتبع من أدعياء النبوة الدجالين الذين سرعان ما يذوبون ويبقى الإسلام عظيماً محفوظاً من التغيير والتبديل والتحريف من هذا وأمثاله.

وأفتى المجلس بأن كتاب "الإنجيل الجديد" المزعوم، هو من صنع يد الدجال ميونج وهو باطل وفاسد، ولا يجوز قراءته أو تداوله أو بيعه أو شراؤه أو اقتناؤه، وشدد على أن زيارة هذا "النبي المزعوم" إلى فلسطين تحت مسمى "سفراء السلام" ولقائه شخصيات إسلامية ودينية وسياسية، يأتي من باب الخداع والتضليل.

وأكد المجلس، عدم جواز اللقاءات مع هذه الفئة الضالة وزعيمها أو تقديم أي نوع من أنواع التسهيلات أو أي شكل من أشكال التعاون أو التواصل مع هذه الجماعة وزعيمها.

ـــــــــــــــ

أهم مراجع التقرير

الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة

صحيفة البيان الإماراتية

صحيفة الواشنطن بوست

بعض المواقع الإلكترونية التي تتحدث عن "مون" وحركته "المونية"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــ

عبدالناصر محمود
06-29-2014, 02:31 PM
الأبوس داي : نموذج للمافيا الدينية*
ــــــــــــــــــ

غرة رمضان 1435 هــ
29 / 6 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3925.jpg

لم تكن أكذوبة بولس اليهودي الذي حرف الديانة النصرانية الصحيحة, من خلال ادعائه تلقي الوحي والنداء السماوي بالكف عن اضطهاد طويل وممنهج لأتباع المسيح عيسى بن مريم عليه السلام, هي الدعوى الوحيدة في هذا الإطار, فقد توالت ادعاءات الكثير من القساوسة تلقيهم الوحي والإلهام من الله, تأمرهم بالقيام بأعمال تخالف في حقيقتها وجوهرها أبسط مبادئ الإنسانية فضلا عن مبادئ الديانات السماوية الحقيقية.

وفي هذا الإطار كثر الموكلون من الله للعمل باسمه سبحانه وتعالى, وظهر في العصر الحديث العديد منهم, ممن يشرعون بإعلان الحروب والمعارك التي يُقتل فيها النساء والأطفال والشيوخ بدم بارد باسم التفويض الإلهي, كما فعل بوش الابن حين زعم أنه مفوض من الله لغزو أفغانستان والعراق وتطهير الأرض من الأشرار.

وفي هذا التقرير سأحاول تناول منظمة ادعى صاحبها أن الله أوحى له بإنشائها, ويشير اسم المنظمة إلى هذا التوكيل والتفويض "الأبوس داي" أي "عمل الرب" الذي ادعاء هذا القسيس, فمن هي "الأبوس داي"؟؟ وما هي أبرز أفكارها ومعتقداتها ؟؟ وما مدى انتشارها ونفوذها في العالم؟؟.

التعريف

الأبوس داي: منظمة سرية دينية نصرانية كاثوليكية معاصرة (لا رهبانية)، تسعى إلى سيادة التعاليم الإنجيلية والعودة إلى النصرانية الأولى كما هي موجودة في الإنجيل المتداول, وذلك وفق ضوابط تنظيمية دقيقة محكمة مع الاستفادة الكاملة من معطيات العصر الحديث.

اسمها يجمع بين اسمي جمعية الصليب المقدس، ومنظمة العمل الإلهي معا, تسعى في عملها للسيطرة على النواحي السياسية والاقتصادية والتربوية, وتختلف عن الهيئات الأخرى في عدم ارتداء زيٍّ خاص بها، إضافة للسرية التامة في نذرها ومصادر دخلها, ناهيك عن عدم وجود حياة جماعية مشتركة بشكل إجباري فيها.

بدأت الجمعية في عام 1928م و استمرت لمدة عامين كجمعية ذكورية تمنع عضوية الإناث!!! و في عام 1930 ادعى مؤسس الأبوس داي "خوسماريا" أن الله ألهمه أن الجمعية يمكن أن تضم عضوية النساء أيضا.

وفي 1943 قرر أسقف مدريد الاعتراف بالجمعية كجمعية مسيحية رسمية, ورسم قساوسة من أعضائها, وفي عام 1950 أعطيت "الأبوس داي" الموافقة النهائية من قبل البابا بيوس الثاني عشر.

في عام 1961م حصلت الجمعية على الاعتراف الكامل من الفاتيكان, حيث رسم البابا "جون بول الثاني" أسقفاً من أعضائها (وعليه فلن تستطيع الفاتيكان في يوم من الأيام أن تتنصل من أية ممارسات شاذة لـ "أوبوس داي"), وفي عام 1982و بقرار من البابا يوحنا بولس الثاني، تحولت إلى الحرية الشخصية، مما يعني أن سلطة راعي "أوبوس داي" تعطي الأشخاص في أوبوس داي أينما وجدو، بدل أن يكون محدودا في نطاق الابرشيات الجغرافي.

التأسيس وأبرز الشخصيات

مؤسس هذه المنظمة هو القس "خوسيه ماريا أسكريفا" الذي ولد في بارباسترو بأسبانيا في 9 يناير 1902, وفي سن مبكرة ادعى أنه يشعر أن الله يريد منه شيئا على الرغم من أنه لا يعرف بالضبط ما هو, وفي 2 من أكتوبر عام 1928 زعم خوسيه أن الله أوحى له بتأسيس "الأبوس داي" مضفيا على منظمته هذه هالة من التقديس والتعظيم.

بعد اندلاع الحرب الأهلية عام 1936م غادر خوسيه مدريد ثم عاد إليها عام 1939م, وبعد أن لقي اهتماما من الفاتيكان قرر الانتقال من أسبانيا إلى روما والإقامة هناك بشكل نهائي جاعلا منها المقر الرئيسي للمنظمة, وهناك حصل على الدكتوراه في اللاهوت من جامعة "اللاتران", وكان عضو شرف في الأكاديمية البابوية للاهوت وأسقف الشرف لقداسته.

من روما قام خوسيه برحلات لعدة بلدان لنشر أفكار منظمته, فسافر إلى بريطانيا وايرلندا, كما قام برحلات للبرتغال والمكسيك وأمريكا الجنوبية.

ألف "خوسيه" كتيبا صغيرا عام 1934م سماه "اعتبارات روحية" لكن الكتاب اختفى فجأة ليحل محله كتاب "الطريق" الذي يعد إنجيل المنظمة، وقد ظهرت طبعته الأولى عام 1939م، ويحتوي على 999 حكمة ومقسم إلى أربعين باباً و136 موضوعا, كما ان له كتبا صغيرة حول صلاتهم.

ظل "خوسيه" رئيسا لهذه المنظمة طيلة حياته إلى أن توفي في روما في 26 حزيران عام 1975م.

ألفارو دل بورتيللَو: تولى رئاسة "الأبوس داي" بعد خوسيماريّا، وقد وصف الفترة الجديدة من تاريخ عمل المنظمة بحقبة "الاستمراريّة, و في 1982م منح يوحنا بولس الثاني منظمة "عمل الله" صفتها القانونية النهائية عبر إعلانه حبريّة شخصيّة سيَم ألفارو دل بورتللو حبرا.

المونسنيور خافيير إيتشيفيريّا رودريغيز: خَلَفْ ألفارو دل بورتللو رئاسة الأبوس داي فهو الحبر الحالي لمنظمة "عَمَل الله", و في 6 تشرين الأول 2002، وبحضور 300000 إلى 500000 من الحجّاج, شارك "المونسنيور إيتشيفيريّا" في باحة مار بطرس، بإعلان قداسة خوسيماريا إسكريفا على يد يوحنا بولس الثاني.

أهم الأفكار والمعتقدات

تؤمن المنظمة بكل معتقدات النصرانية من تثليث الأب والابن والروح القدس, كما تؤمن بالصليب والفداء والقرابين والخطيئة وأكل لحم الخنزير, وكل ما يعتقده النصارى بشكل عام.

يؤمنون بالطاعة العمياء للجماعة ويلتزم الأعضاء بذلك, وهي من المعالم الأكثر وضوحاً في أدبيات "أوبوس داي", ومن أقوال زعمائهم في ذلك: (أطع ليس فقط بشفتيك و لكن بقلبك و عقلك معا، فأنت عندما تطيع الجماعة لا تطع إنسانا و لكنك تطع الرب ذاته) من كتاب الأخدود المقدس لديهم.

يعتقدون بطقوس التعذيب الذاتي, حيث يرتدي أتباع المنظمة حزاما من السلك الشائك يدعى "سيليس" حول الفخذ، كما يستخدمون غيره من وسائل التعذيب, ومن أشهر أقوال قديسيهم في ذلك: (مقدس هو الألم، محبوب هو الألم، و مقدم على غيره هو الألم، ممجد هو الألم) من كتاب الطريق الخاص بالجماعة صفحة 208.

تدعو المنظمة إلى العودة إلى النصرانية الكاثوليكية الأولى, من خلال الاستفادة من معطيات العصر الحديث.

تعمل المنظمة لإعلاء النصرانية وفق العقائد الكاثوليكية، عن طريق التربية والسياسة والاقتصاد.

تؤمن بأسلوب التنظيم كعمل متكامل يهدف إلى المواءمة بين النواحي الروحية الدينية وبين الاستفادة من كل ما تقدمه الحضارة الحديثة من أدوات تنظيمية دقيقة ذات أهداف ومناهج وضوابط وموارد مالية.

من أهم أهدافها السيطرة السياسية والاقتصادية في أسبانيا بخاصة وفي مختلف دول العالم بعامة, مما يجعلها أقرب "للمافيا الدينية".

شكلت المنظمة بالفعل إمبراطورية اقتصادية صناعية تماثل أرقى وأحدث صور الإمبراطوريات الصناعية الاقتصادية المتعددة الجنسيات الموجودة في العالم, حيث تتغلغل في جميع الأوساط والطبقات.

الهيكل التنظيمي للمنظمة

يتألف الهيكل التنظيمي للأبوس داي من:

المجلس العام: ويتألف من الرئيس والسكرتير العام والنائب العام وشخصيات من أربع عشرة دولة، وهو الذي يتخذ القرارات الحاسمة باعتباره أعلى سلطة في المنظمة بجميع فروعها في العالم وبأقسامها الثلاثة : القساوسة والمدنيين والفرع النسائي.

القساوسة: وهي أعلى درجة يطمح العضو فيها ويرتقي إليها العضو النظامي، وحتى عندما يتحول العضو النظامي إلى قسيس فإنه لا يتخلى عن عمله المهني ويصبح في هذه الحال طبيباً قسيساً أو محامياً قسيساً.. الخ.

العضو النظامي وهي أعلى درجة في التنظيم.

الناذر نفسه (القربان) ويقوم بنذر نفسه للمنظمة ويكرس حياته لها.

العضو غير النظامي.

المتعاون، علاقته كنصير أو مؤيد.

أقسام المنظمة وكيفية الانضمام إليها

إذا أظهر المرشح رغبة للانضمام للمنظمة فإن عليه أن يخضع (لإرادة الرب)، وإرادة الرب عندهم هي أن يدخل المرء في هذه المنظمة، وبعد ستة أشهر تقريباً من العيش داخل المنظمة وروحانيتها يقبل المرشح بشكل رسمي.

بعد ستة أعوام من الانضمام تقام حفلة (الإخلاص والوفاء) لتأكيد عضوية المتقدم بشكلٍ نهائي حيث يعطي خاتماً عليه قطعة من الحجر الكريم يفرض عليه حمله طوال حياته.

وينقسم أعضاء هذه المنظمة إلى قسمين:

أعضاء رقميين إذا صح التعبير: وهؤلاء يعيشون في مجتمعات خاصة بهم و هي بيوت "أوبوس داي" المنتشرة حول العالم بدون زواج "رهبنة"، إلا أنهم مع ذلك يستطيعون الخروج للعالم الخارجي و ممارسة أعمالهم فيه, وهم في الحقيقة يمثلون قاعدة الهرم التي تتولى الأعمال الشاقة للمنظمة، و معظمهم من البسطاء و أبناء الطبقة المتوسطة.

ومن الأدلة على هذا التقسيم ما جاء في دستور "الأبوس داي" المادة رقم (147): "أعضاء أوبوس داي من الرقميين سوف يواصلون طقوس التعذيب التقية لتطهير انفسهم والحد من نهمها، فيرتدون حزاما شائكا صغيرا فوق أفخاذهم لمدة ساعتين يوميا على الأقل، و ينامون على الارض العارية مرة أسبوعيا على الاقل، على الا يكون ذلك ضارا بحالة مرضية لديهم".

أعضاء لا رقميين: وهم طبقة ذوي النفوذ و المكانة العالية في المجتمع, الذين يمدون المنظمة بالمال والنفوذ، و يسمح لهؤلاء بالزواج و الإنجاب، و يقتصر المطلوب منهم على إرتياد الكنيسة مرة يوميا، إضافة للتبرعات والنفوذ للمنظمة.

البرنامج اليومي الروحي للمنظمة

كعادة المذاهب والأفكار الباطلة فإنها تعتمد على بعض الطقوس الخاصة بها, والتي تدعي أنها ممارسات روحية, ولم تخرج الأبوس داي عن ذلك, فلها برنامج يومي تقول إنه روحي لأتباعها وهو:

عند الاستيقاظ تقبل الأرض, ثم الحمام والحلاقة خلال نصف ساعة على الأكثر.

نصف ساعة للصلاة الفردية، وبعد ذلك قداس جماعي لمدة عشر دقائق.

بعد الغداء زيارة مكان القربان المقدس، وبعد ذلك ثلاث ساعات من الصمت الأصغر.

(العصرونية) وهو وقت مخصص للنشاط الجماعي بسبب وجود بعض المدعوين (المرشحين) حيث تختلق مناقشات في موضوع ديني ما أو حادثة دينية معينة , ثم نصف ساعة للصلاة .

في نهاية اليوم تقرأ الصلوات, ثم يجري فحص عام للنشاطات الروحية أو المالية التي جرت فيه ، ويبدأ بعد ذلك الصمت الأكبر الذي يمنع فيه الكلام خلال كل الوقت الباقي حتى اليوم التالي.

قبل النوم يرسم الأعضاء إشارة الصليب بأيديهم على جسمهم، ويرشون الماء المقدس على الفراش ثم يقومون بصلاة قصيرة وينامون.

الانتشار وأماكن النفوذ

انتشرت "الأبوس داي" بشكل كبير في معظم الدول الأورربية والنصرانية بشكل عام, حتى يكاد لا يوجد في العالم بلد نصراني إلا وللمنظمة وجود فيه، وقد اتسع وجود المنظمة ليشمل أكثر من خمسين دولة في العالم, من خلالها تغلغلها في جميع الجوانب الفكرية والثقافية والسياسية والمالية.

تتمركز قوت "الأبوس داي" في إسبانيا حيث ثقلها الأساسي، إضافة لإيطاليا حيث مركزها الرئيسي والدولي في روما بشارع فيرلا برورو, إضافة للفلبين في شرق آسيا, والمكسيك وفنزويلا في أمريكا اللاتينية، وقد دخلت كولومبيا والبيرو وتشيلي وأخيرا في الأرجنتين وكينيا في إفريقيا بنسب متفاوتة.

يصل عدد أعضاء المنظمة في العالم اليوم إلى حوالي 72000 نسمة من 78 جنسية نصفهم في أسبانيا, وتملك المنظمة أكثر من 700 مدرسة ابتدائية وإعدادية وثانوية ومعهد وبيت للطلبة ومركز ثقافي منتشرة في العالم منها 497 جامعة ومدرسة عليا.

يملكون 52 محطة إذاعة، 12 شركة توزيع وإنتاج سينمائي و 694 مطبوعة دورية و38 وكالة أنباء و13 بنكا وشركات ومصانع وعقارات كثيرة, وقد وصلت المنظمة إلى السيطرة شبه الكاملة على المجلس الأعلى للأبحاث العلمية في أسبانيا.

للمنظمة أعضاء وصلوا إلى الوزارة في كل من أسبانيا وإيطاليا ويشكلون ثقلا مهمَّا في كلا البلدين, كما أن لهم الآن ثلاثون نائبا على الأقل في البرلمان الأسباني ينتمون إلى المنظمة ويتحركون بإيحاءاتها.

إن مثل هذا النفوذ وتلك السيطرة يجعل من هذه المنظمة أشبه "بمافيا دينية كاثولوكية" في العالم, ويخرجها من كونها مصدر روحي أو ديني كما يدعي مؤسسها وأتباعها, وهو ما يؤكد المطامع والأغراض الشخصية وراء إنشاء أمثال هذه المنظمات وانتماء البعض لها.

ـــــــــ

أهم مراجع التقرير

الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة .

دستور "الأبوس داي" وبعض كتيباتها التي تصدر عنها .

موقع الويكيبيديا الموسوعة الحرة .

مدونة : http://eharfoush.blogspot.com/2008/05/blog-post_4552.html

موقع "الأبوس داي" الرسمي : http://www.opusdei.org/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
07-05-2014, 04:15 AM
التكفير عند المعتزلة "مقاربة منهجية"*
ــــــــــــــــــــ

7 / 9 / 1435 هــ
5 / 7 / 2014 م
ـــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/8432.jpg




التكفير عند المعتزلة "مقاربة منهجية"

د . سليمان بن عبد العزيز الربعي

مجلة العلوم الشرعية – 1433 هجري .

ــــــــــــــــــــــــــ

شغلت مسألة التكفير اهتمام العلماء والباحثين قديما وحديثا, وكان من الطبيعي أن تدرس هذه الظاهرة في البيئات التي مثل التكفير أصلا من أصولها الاعتقادية كبيئة الخوارج, أو اتسق مع عوامل ظهورها كبيئة الشيعة الإمامية الاثني عشرية, أما أن تظهر في البيئة الاعتزالية فهو أمر مستغرب بنظر الباحث, نظرا لكون المعتزلة قد نشأت أصلا بسبب الامتناع عن تكفير الفاسق, وأقامت أصولها على أسس عقلية من حرية المكلف في الاختيار والفعل, فكيف يتفق ذلك مع وجود التكفير عند هذه الفرقة نظريا وممارسة!!

وبعد بيان أسباب اختيار البحث و مشكلاته وأهدافه, بين الباحث منهج بحثه بتقسيم دراسته إلى مبحثين وخاتمة, تناول في المبحث الأول الإطار النظري للتكفير عند المعتزلة, بينما تناول في المبحث الثاني المستويات التطبيقية للتكفير عند المعتزلة.

المبحث الأول : الإطار النظري للتكفير عند المعتزلة

بداية تناول الباحث نشأة هذه الفرقة في القرن الثاني الهجري على جهة التقريب, معتبرا أن اللحظة التي وجد فيها مصطلح الاعتزال كان عند تعبير واصل بن عطاء – مؤسس الفرقة – عن رأيه في حكم مرتكب الكبيرة.

كان رأي واصل أصل فيما عرف فيما بعد "بأصل المنزلة بين المنزلتين", وبالقواعد الخمسة التي أضحت أصول هذه الفرقة العامة وهي: التوحيد, والعدل, والوعد والوعيد, والمنزلة بين المنزلتين, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وفي مسألة الكفر والفسق علق المعتزلة الكفر بالكبائر التي عرفوها بأنها: "كل معصية وجب فيها حد وعقوبة نحو القذف والسرقة, أو صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو الإجماع أنه من الكبائر", بينما حقيقة الفسق عندهم موهمة, إذ أرادوا أن يكون لمرتكب الكبيرة منزلة بين منزلتين من ناحية:

· الاسم: فهم يطلقون اسم الفسق على مرتكب الكبيرة كما عند أهل السنة ولا يسمونه كافرا.

· الأثر: تعتقد المعتزلة أن الكبيرة تحبط الأعمال كلها إن لم يتب مرتكبها, لأن الإيمان عندهم لا يتجزأ.

· الحكم: تذهب المعتزلة إلى أن لمرتكب الكبيرة في الآخرة حكم الكافر بالخلود في النار إلا أنه أخف عذابا منه.

وعلى الرغم من عدم وجود إشكال بتعريف "الكفر" عند المعتزلة نظريا, إلا أن تطبيقاته تلازمت بمفاهيمهم الخاصة للأصول الخمسة, بما جعله يقع على كل ما يخالف تلك المفاهيم وما يرتبونه عليها, فإثبات الصفات الإلهية والقول بأن أفعال الله مخلوقة لله, وإمكان العفو عن عصاة الموحدين ونفي خلودهم في النار, كلها من موجبات التكفير عندهم.

ولا بد من ملاحظة أن ظاهرة التكفير عند المعتزلة – مقارنة بغيرهم من الفرق والطوائف الكلامية – قد توسعت لأمرين:

1- عدم معرفتهم بضوابط التكفير, نظرا لكونها ضوابط توقيفية لا مجال فيها للنظر العقلي, وهو ما يخالف منهجهم تماما.

2- إفراطهم في استعمال القياس في هذا الباب.

في المطلب الثاني من هذا المبحث تناول الباحث أسباب ضعف الجانب النظري للتكفير عند المعتزلة, معتبرا أن علاقتهم بالتكفير علاقة ممارسة أكثر منه علاقة تنظير, وذلك لسببين هما:

السبب الأول: موضوعي: حيث إن حديث المعتزلة عن مسببات التكفير وتطبيقات ذلك على المخالفين لأصولهم, يهدم في الحقيقة السبب التاريخي والمنهجي الذي بنوا عليه مذهبهم من الاعتراض على التكفير باتراع أصل المنزلة بين الإيمان والكفر.

السبب الثاني: تاريخي: فالفترة التاريخية التي قعدت فيها عامة أصول المعتزلة على يد القاضي عبد الجبار, قد شهد فيها المذهب انحسارا وتراجعا كبيرين إثر ضربات المتوكل بعد أن ظهر له فساد اعتقادهم واضطهادهم لمخالفيهم, مما جعلهم يحجمون عن مسألة تنظير قضية التكفير إلى الاشتغال بالتطبيقات العملية.

كما أن قلة شواهد التنظير الاعتزالي لمسائل التكفير في تصرفات المكلفين واضح من خلال تناول جمهورهم قضية التكفير في باب الوعد والوعيد بوصفه استحقاقا أخرويا لا علاقة له بأحكام الدنيا, بما مؤداه أن من كانت ذنوبه أكثر من حسناته استحق الكفر وإحباط الأعمال الصالحة والخلود في النار.

وبعد هذه الإشارات في تنظير المعتزلة لقضية التكفير, يرى الباحث أن التكفير المعلل الذي ذهب إليه بعض المعتزلة لا يمكن اعتباره من باب التنظير لقضية التكفير, وإنما يعتبر من باب الأشباه والنظائر, ذاكرا أمثلة على ذلك, كتفير أبي موسى المزدار في مسائل تتعلق بالتوحيد والقدر, وتكفير هشام الفوطي من يقول بأن الجنة والنار مخلوقتان الآن ...الخ

المبحث الثاني: المستويات التطبيقية للتكفير عند المعتزلة

نوه الباحث مبدئيا إلى وجود التكفير المطلق في التراث الاعتزالي وإن على نطاق, وممن قال بالتكفير المطلق من المعتزلة أبو صبيح المزدار, فإنه غالى في التكفير حتى كفر جميع من خالفه, ومنهم أيضا أبو عمران الرقاشي, إذ حرم المكاسب والأخذ من سلطان عصره لأن عامة الدار – المجتمع – دار كفر برأيه.

كما تناول الباحث متعينات التكفير في التراث الاعتزالي في مستويين:

1- التكفير البيني: وهو تكفير المعتزلة مخالفيهم من الفرقة نفسها من خلال:

· تكفير المخالفين في أصل من أصول المذهب: وهي الأصول الخمسة التي سبق ذكرها, فقد كفروا ضرار بن عمرو أحد شيوخهم بحجة أنه يقول بالجبر.

· تكفير بعضهم بعضا في غير الأصول الخمسة: وهنا يفتقد الضابط الدقيق للتكفير, لتنقسم المعتزلة إلى مدرستي: البصرة وبغداد, بل أضحى لكل شيخ مؤيدون يرون أفكاره هي المعتقد الصحيح, ويواجهون مخالفيهم بالتكفير, ونظرا لكثرة تكفير المعتزلة بعضهم بعضا في هذا المجال, اكتفى الباحث بذكر نماذج من تكفير المعتزلة أكابر شيوخهم, من أمثال: أبو هذيل العلاف وابراهيم النظام وأبو علي الجبائي وأبي هاشم الجبائي.

2- التكفير الغيري: وهو تكفير المعتزلة لمخالفيهم من غير المعتزلة, وقد اعتمدت المعتزلة في هذا التكفير على الأصل الخامس من أصولهم وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يعتبرونه واجبا كفائيا.

وقد افتتح المعتزلة نهج التكفير الغيري بالخروج مع يزيد بن الوليد اللقب "بالناقص" على الوليد بن يزيد بن عبد الملك بعد أن كفروه وأطلقوا عليه الشنائع, وما ذاك إلا لأن "الناقص" قد تبنى آراءهم في القدر, وبعد يزيد بن الوليد لم يجد المعتزلة خليفة يتبنى آراءهم فكانوا بين مد وجزر مع خلفاء بني أمية والعباس, حتى ولي المأمون الذي تبنى قولهم "بخلق القرآن", ليكفروا عامة العلماء المخالفين لهم وعلى رأسهم الإمام: أحمد بن حنبل وغيره.

لقد كان الضيق بالرأي الآخر عند المعتزلة يصل بهم إلى حد القتل عند القدرة على ذلك, بل إن لبعض أئمتهم وشيوخهم آراء مطلقة وعامة في إباحة دماء المخالفين لهم في جميع الأحوال, حتى لو كان بطريق الخديعة والغيلة.

في الختام توصل الباحث إلى أبرز نتائج دراسته وأهمها:

1- ما يقال من أن المعتزالة نشأت للاعتراض على تكفير مرتكب الكبيرة, وما يشاع عنها من احترام العقل وتقديسه, جعل من مجرد الحديث عن تكفيرها للغير أمرا مستغربا, وقلل من بحث هذا الموضوع في الدراسات المتخصصة.

2- هناك إشكال بمفهوم الكفر عند المعتزلة, والتباس بمفهوم الفسق طبقا لقاعدة: "المنزلة بين المنزلتين".

3- أدى اعتماد المعتزلة المطلق على العقل في مصدر التلقي إلى شيوع التكفير فيما بينهم.

4- كان للمفاهيم الخاصة للأصول الخمسة عند المعتزلة وتكفير مخالفيها أثر واضح في جعل البيئة الاعتزالية بيئة خصبة للتكفير.

جزى الله الباحث خير الجزاء على هذه الدراسة القيمة, ونفع بها المسلمين, والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
07-06-2014, 05:50 AM
نظرة الشيعة للامام والصوفية للولي. تطابق في الانحراف والزيغ*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

8 / 9 / 1435 هــ
6 / 7 / 2014 م
ــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8435.jpg

بين الشيعة والصوفية نسب وذمة, فكلاهما فرق ضالة خالفت الشرع الإسلامي والمنهج النبوي في التعامل مع العقائد الإسلامية, فكلاهما رفعا من قدر أشخاص معينيين إلى مراتب تساوي الأنبياء بل تفوقهم بعدة مراحل وجعل كل منهما إمامه أو وليه يصل لمرتبة تضاهي الألوهية – حاش لله -, فكان بينهما تطابق غريب في الأفكار ينبغي التنبه له والوقوف عنده.

والمتأمل في النصوص التي ساقوها للتعامل مع الأولياء والأئمة ليجد أنها خارجة تماما عن عقائد الإسلام ولا تتفق مع الإسلام في شئ.

فأضفى الشيعة على الأئمة والصوفية على الأولياء صفات إلهية فأوكلوا إليهم بحسب زعمهم التحكم في حياة الناس وفي أرزاقهم والتحكم أيضا في الحياة الآخرة فالحساب بين أيديهم هم وقرار دخول الجنة والنار فعل لائمتهم أو لأوليائهم, وهذا مما يؤكد على وجود هذه الصلة الوثيقة بين الشيعة والصوفية في العقائد والأفكار بحيث يمكن القول أن الصوفية هي باب اختراق شيعي لأهل السنة وكلاهما يدعى الانتصار لأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وكلاهم ينتهي أئمتهم وأولياؤهم إلى نسل الصحابي الكريم ابن عم رسول الله سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ونستعرض بعض مما يضفيه الشيعة على أئمتهم والصوفية على أوليائهم من الغلو والتجاوز الذي يصل بصاحبه ومن يعتقد هذه الأقوال -كعقيدة دينية- إلى الكفر في دين الله، حيث يعتقد أن لله عز وجل شركاء في الخلق والأمر.

وهذا بعض ما يقوله الشيعة في الأئمة لنرى مدى هذه التجاوزات الخارجة عن دين الإسلام:

الإمام يوحى إليه, فتوجد روايات كثيرة مختلقة علَى أهل البيت يؤكدون فيها أنّ الأئمة يُوحَى إليهم، وأنّ عليًا - رضي الله عنه - ناجاه جبريل - عليه السلام - في فتح خيبر, وأن فاطمة - رضي الله عنها - لما تُوفي رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بعث الله لها ثلاثة ملائكة يُكلمونها ويسلونها، وكان عَلِيٌّ - رضي الله عنه - يكتب ما يقول المَلك!![1].

ويقول الخميني: "إنّ للإمام مقاما محمودًا ودرجة سامية، وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون، وإن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لم يبلغه مَلَكٌ مقرب ولا نبي مُرسَل ... " وقال أيضًا: "إن تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن لا تخص جيلًا خاصًا وإنما هي تعاليم للجميع في كل عصر ومصر إلى يوم القيامة".[2] .

ويقول أيضًا: "فالإمام المهدي الذي أبقاه الله - سبحانه وتعالى - ذخرًا من أجل البشرية، سيعمل علَى نشر العدالة في جميع أنحاء العالم وسينجح فيما أخفق في تحقيقه جميع الأنبياء"[3]. .

ولهذا يعتقدون أن أول ما يُسألُ عنه الميت عند وضعه في قبره هو حبُّ أئمة الشيعة, ففي بحار الأنوار: "أول ما يُسأل عنه العبد: حبنا أهل البيت"[4]، فيسأله ملكان عن اعتقاده في: الأئمة واحدًا بعد واحد فإنَّ لم يُجِبْ عن واحد منهم يضربانه بعمود من نار يمتلئ قبره نارًا إلى يوم القيامة"!!! [5].

ويعتقدون أيضا أن الذي سيُحاسِبُ الناس يوم القيامة هم أئمة الشيعة؛ فقال شيخهم الحر العاملي: "إنَّ من أصول الأئمة - عليهم السلام -: الإيمان بأنَّ حساب جميع الخلق يوم القيامة إلى الأئمة"[6] .

ويعتقدون أيضا أن الذي سيُدخل من يشاء الجنة ومن يشاء إلى النار هو عليٌّ -رضي الله عنه-, فزعم علماء الشيعة أنَّ إمامهم الرضا - رضي الله عنه - قال: "سمعت أبي يُحدِّثُ عن آبائه عن علي - عليه السلام - أنه قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: يا عليُّ، أنت قسيم الجنة والنار يوم القيامة، تقول للنار: هذا لي وهذا لك"[7] .

وفي بحار الأنوار: "إنَّ أمير المؤمنين - عليه السلام - لديَّان الناس يوم القيامة"[8] .وافتروا أنَّ عليًا - رضي الله عنه - قال: "أنا أُدخِل أوليائي الجنة، وأعدائي النار"[9] .

ويقولون بأن الأنبياء والرسل سيكونون جندًا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ولا ندري متى يكون هذا الزعم, فيقولون: "لم يبعث الله نبيًا ولا رسولًا إلا ردّ جميعهم إلى الدنيا حتَّى يقاتلوا بين يدي علي بن أبي طالب أمير المؤمنين".[10] .

وغير ذلك من المعتقدات الباطلة التي ترفع الأئمة فوق مصاف الأنبياء وتجعلهم شركاء لله عز وجل في ملكه, فالأئمة عندهم هم أسماء الله الحسنى, وهم وجه الله هم جنب الله هم يد الله القادرة, ولهم مقام عظيم وخلافة تكوينية تخضع لها جميع ذرات الكون. وهذا المقام لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل, وعندهم يعلمون ما كان وما يكون ولا يخفى عليهم شيء وهذا الفرق بينهم وبين الأنبياء الذين يعلمون ما كان ولا يعلمون ما يكون, ويعلمون متى يموتون ولا يموتون إلا متى يشاءون, ويعلمون الغيب مطلقًا, وأنهم هم المحاسِبون للخلق يوم القيامة. فإلى الخلق إيابهم وحسابهم عليهم وفصل الخطاب عندهم, وبالتالي فيجوز –عندهم- دعاء الأئمة لقضاء الحوائج وكشف الكرب والنوازل.

ويعتبر تسوية الشيعة لإمام من أئمتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم نوعا من تنازلهم فيقول المجلسي" "ولا نعرف جهة لعدم اتصافهم بالنبوة إلا رعاية خاتم الأنبياء, ولا يصل إلى عقولنا فرق بين النبوة والإمامة" [11], لأنهم يسبون النبي صلى الله عليه وسلم ويعتبرون الخميني مثلا أكثر نجاحا منه صلى الله عليه وسلم – حاش لله – في تربيته لأصحابه بالمقارنة بالخميني !!.

أما ولي الصوفية فيتعاملون معه بوصفه بلغ مكانه فوق النبي وأن من صفاته وإمكاناته ما يفوق البشر بكثير بما فيهم الأنبياء، وان وليهم هذا يتصرف في الكون في الحياة والممات وبعد البعث بتصرفات الآلهة التي تعبد، وصرحوا بمثل هذا في كتبهم وللأسف التي حققها وقدمها الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر, فقال النفري "لو كشف عن حقيقة الولي لعُبِد".[12]

ففي تفضيلهم للولي على النبي يصرح أكابرهم في كتبهم فيقولون:

يقول عبد القادر الجيلاني الذي يسمى عند الصوفية بشيخ الطائفة: "معاشر الأنبياء، أو تيتم اللقب، وأوتينا ما لم تؤتوه "[13].

ويقول أبو يزيد البسطامي عن نفسه : "تالله أن لوائي أعظم من لواء محمد صلى الله عليه وسلم، لوائي من نور تحته الجان والجن والإنس، كلهم من النبيين " [14].

ويبين شيخهم الأكبر ابن عربي الموقف بوضوح فيقول: "مقام النبوة في برزخ ** فويق الرسول ودون الولي " [15].

ويعتقد الصوفية أن الولي يتلقى عن الله مباشرة أما كل الرسل فتتلقى عن الله عن طريق الوحي ولذا يعتبرون الأولياء أعلى منزلة فيقول الحكيم الترمذي في جواب عن سؤال: ما الفرق بين النبوة والولاية؟ : "الفرق بين النبوة والولاية أن النبوة كلام ينفصل من الله وحيا، ومعه روح من الله فيقضي الوحي ويختم بالروح ... والولاية لمن ولى الله حديثه على طريق أخرى، فأوصله إليه فله الحديث، وينفصل ذلك الحديث من الله عز وجل، على لسان الحق معه السكينة، تتلقاه السكينة في قلب المحدث، فيقبله ويسكن إليه " [16]

أما في النهاية في يوم القيامة فللأولياء عند الصوفية مكانة لا يبلغها أحد, فيقول الحكيم الترمذي " فلم يزل هذا الولي مذكورا في البدء، أولا في الذكر، وأولا في العلم، ثم هو الأول في المشيئة، ثم هو الأول في اللوح المحفوظ، ثم الأول في الميثاق، ثم الأول في المحشر، ثم الأول في الجوار، ثم الأول في الخطاب، ثم الأول في الوفادة، ثم الأول في الشفاعة، ثم الأول في دخول الدار، ثم الأول في الزيارة، فهو في كل مكان أول الأولياء " [17].

ويقول أيضا في نص لا يمكن فهمه أبدا على أي قاعدة من قواعد عقائد الإسلام فيقول: "وقد يكون في الأولياء من هو أرفع درجة، وذاك عبد قد ولى الله استعماله، فهو في قبضته يتقلب، به ينطق، وبه يسمع، وبه يبصر، وبه يبطش، وبه يعقل، شهره في أرضه، وجعله إمام خلقه وصاحب لواء الأولياء، وأمان أهل الأرض، ومنظر أهل السماء، وريحانة الجنان، وخاصة الله، وموضع نظره، ومعدن سره، وسوطه في أرضه، يؤدب به خلقه، ويحيي القلوب الميتة برؤيته، ويرد الخلق إلى طريقه، وينعش به حقوقه، مفتاح الهدى، وسراج الأرض، وأمين صحيفة الأولياء، وقائدهم، والقائم بالثناء على ربه، بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم! يباهي به الرسول في ذلك الموقف، وينوه الله باسمه في ذلك المقام، ويقر عين رسول الله صلى الله عليه وسلم!، قد أخذ الله بقلبه أيام الدنيا، ونحله حكمته العليا، وأهدى إليه توحيده، ونزه طريقه عن رؤية النفس، وظل الهوى، وأئتمنه على صحيفة الأولياء، وعرفه مقاماتهم، وأطلعه على منازلهم. فهو سيد النجباء، وصالح الحكماء، وشفاء الأدواء، وإمام الأطباء. كلامه قيد القلوب، ورؤيته شفاء النفوس، وإقباله قهر الأهواء، وقربه طهر الأدناس، فهو ربيع يزهر نوره أبدا، وخريف يجنى ثماره دأبا، وكهف يلجأ إليه، ومعدن يؤمل ما لديه، وفصل بين الحق والباطل. وهو الصديق والفاروق والولي والعارف والمحدث. هو واحد الله في أرضه " [18].

ويقول سعد الدين حمويه مستدلا باستدلال عجيب وساقط على ان الولي اقر لله من النبي فيقول: "واو الولاية أقرب إلى الحضرة الإلهية من نون النبوة، فلأجل هذا التقرب تعتبر الولاية أفضل من النبوة، فالحرف الأول من كلمة الولاية هو الواو والواو في وسطها ألف – أي : وهو ألف لفظ الجلالة - والحرف الأول من كلمة النبوة هو النون والنون في وسطها حرف الواو , إذن فالولي هو قلب النبي وروحه, أما روح الولي هو ذات الله ونفسه" [19].

وهكذا نجد هذا الانحراف الواضح والتطابق التام فيه بين مفهوم ومكانة الإمام عند الشيعة وما يناظرها من مكانة الولي عند الصوفية، وهو تطابق في الانحراف والزيغ بعيدان كل البعد عن العقيدة الإسلامية الصحيحة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1] خطاب ألقاه الخميني يوم الأحد 2/ 3/86م بمناسبة عيد المرأة

[2] الحكومة الإسلامية ص112

[3] خطاب ألقاه الخميني بمناسبة الخامس عشر من شعبان عام 1401هـ

[4] بحار الأنوار ج27/ 79، عيون أخبار الرضا لابن بابويه ص222

[5] الاعتقادات للمجلسي ص95

[6] الفصول المهمة في أصول الأئمة للعاملي ص171

[7] عيون أخبار الرضاص239، بحار الأنوار39/ 194

[8] بحار الأنوار 39/ 200

[9] علل الشرائع لابن بابويه ص196

[10] بحار الأنوار53/ 41

[11] بحار الأنوار26/ 28

[12] "غيث المواهب العلية" للنفزي الرندي (1/ 235) بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود.

[13] "الإنسان الكامل" للجيلي (1/ 124)، كذلك "الجواهر والدرر" (ص 286) بهامش الإبريز، "الجواب المستقيم" لابن عربي (ص 247) نقلا عن الجيلي.

[14] "لطائف المنن" لابن عطاء الله السكندري , والأخلاق للشعراني (1/ 125. )

[15] طبقات الشعراني ج1 ص 68 ط دار العلم للجميع.

[16] كتاب "ختم الولاية" الفصل العاشر علامات الأولياء (ص 346 - 347).

[17] "ختم الولاية" للترمذي الحكيم الفصل التاسع (ص 344 - 345).

[18] "نوادر الأصول" للترمذي (ص 157، 158) ط الآستانا.

[19] "جهل مجلس" لعلاء الدين سمناني بتصحيح عبد الرفيع حقيقت (ص 45، 46).
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــ

عبدالناصر محمود
07-19-2014, 04:30 AM
أهم عبادات وطقوس اليهود*
ــــــــــــــــــ

21 / 9 / 1435 هــ
19 / 7 / 2014 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8433.jpg

من المعلوم أن العقيدة في أي دين من الأديان هي أساس العبادة والطاعة, فإذا ما فسدت العقيدة أو انحرفت عن مسارها الصحيح لأي سبب من الأسباب, فإن العبادات والطاعات تكون بلا شك فاسدة وباطلة, فإذا أصاب أصل الإيمان انحراف أو فساد, فلا فائدة من طاعة تقام بخلاف ما أمر الله تعالى.

ولعل هذا ما يمكن أن يقال عن عبادات اليهود وطقوسهم التي ابتدعوها بعد ما حرفوا كتاب الله التوراة الذي أنزله على موسى عليه السلام, فقد بدت عبادات اليهود وطقوسهم التي يتبعونها بعيدة كل البعد عن حقيقة الوحي الذي أنزل على موسى عليه السلام.

وفي هذا التقرير سأحاول تسليط الضوء على أهم عبادات اليهود التي يمارسونها منذ قرون من الزمان, وأهم الطقوس التي ابتدعوها من عند أنفسهم ما أنزل الله بها من سلطان.

الصلاة

تعتبر الصلاة واجبة على اليهودي كبديل عن القربان الذي كان يقدم للرب أيام الهيكل, وعلى اليهودي المداومة على الصلاة إلى أن يعاد تشييد الهيكل حسب زعمهم, جاء في (سفر دانيال) أن دانيال كان يصلي ويركع ويشكر الله تعالى ثلاث مرات كل يوم (1)، وأحياناً مرتين كل يوم (2).

وفي كل صلاة تتلى نفس الدعوات والبركات تقريبا, ثم يعقب ذلك قراءة من الأسفار الخمسة – في أيام معينة من الأسبوع – كما تقرأ بعض البركات والدعوات قبل وبعد الصلاة.

وكانت الصلاة مركبة غالباً من النثر ثم من النظم، وتتلى بالغناء في الابتداء، وبالتدريج صار البعض يستعمل الآلات الموسيقية، كما يتضح من سفر المزامير، وكان يخصص مغنون لهذا القصد (3).

تبدأ الصلاة بغسل اليدين فقط، ثم يوضع شال صغير على الكتفين، وفي الصلوات الجماعية يوضع شال كبير حول العنق، ثم يقرأ القارئ مرتديا ثوباً أسود وقبعة على رأسه؛ لأنه يجب تغطية الرأس عندهم في الصلاة، ويعبرون بذلك عن الاحترام لنصوص التوراة.

يتجه اليهود في صلاتهم إلى بيت المقدس, وكانوا في السابق يركعون ويسجدون في صلاتهم، وبعضهم لا زال يصلي كذلك، إلا أن غالبهم اليوم يصلون جلوساً على الكراسي، كما يفعل النصارى, وهم يحرصون على وضع اليدين على الصدر مع حني الرأس قليلاً، كوقوف الخادم أمام سيده؛ لزيادة الاحترام.

تبدأ صلاة السبت عند اليهود في الثامنة والنصف صباحا في المعابد المحافظة وتستمر ثلاث ساعات، بينما قد تبدأ في الساعة الحادية عشرة في المعابد التقليدية وتستمر لساعة واحدة ونصف الساعة فقط.

تبدأ الصلاة بقارئ يقرأ وهو مرتد ثوباً أسود وقبعة على رأسه، ويلف حول عنقه لفافة بيضاء طوية, ويقف أمام المكتب ويبدأ بالحمد لله المنعم، ثم يقرأ التبريك والدعاء ثماني عشرة مرة: "شكراً لله على نعمه وحفظه "إسرائيل", ثم يتلو ذلك الصلوات ومزامير داود.

لا بد في المعابد المحافظة أن يكون ذلك باللغة العبرية، ولكن المعابد التقليدية المتسامحة قد يقرأ جزئين باللغة العبرية وجزئين باللغة المحلية، وبعد قيام ما يسمى "دولة إسرائيل" في فلسطين وعمله على إحياء اللغة العبرية زاد استعمالها.

و"الإسرائيلي" يبدأ صباحه بما يسمونه "شما" أو "السماع", وهي عبارة محفوظة يتلوها كل يهودي كل صباح، وهي عبارة جاءت في سفر التثنية ونصها: "اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد، فتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك ومن كل قوتك, ولتكن هذه الكلمات التي أوصيك بها اليوم على قلبك, وقصها على أولادك وتكلم بها حين تجلس في بيتك حين تمشي في الطريق، وحين تنام وحين تقوم، واربطها علامة على يدك، ولتكن عصائب بين عينيك، واكتبها على قوائم أبواب بيتك وعلى أبوابك". (4)

ثمة اختلافات في طقوس الصلوات بين فرق اليهود كالسفارديم والإشكنازيم، ولكنها قليلة جدًّا، وتنحصر في الأغاني والملحقات، أما أساس الصلاة والبركات فلا اختلاف فيها.

الصلوات الواجبة على اليهودي ثلاث مرات في كل يوم:

1- صلاة الفجر ويسمونها صلاة ***** (شحاريت)

2- صلاة نصف النهار أو القيلولة (منحة)

3- صلاة المساء ويسمونها صلاة الغروب (عربيت)

الصلاة عند اليهود على نوعين : فردية وجماعية

أما الفردية: فهي صلوات ارتجالية من الأفراد تتلى حسب الاحتياجات، ولا علاقة لها بالطقوس والمواعيد والمواسم.

وأما الجماعية: فهي تؤدى باجتماع جملة أشخاص علناً في أمكنة مخصوصة ومواعيد معلومة حسب طقوس مقررة من رؤساء الدين والكهنة.

قد تقرأ في تلك الصلاة نصوص من التوراة في لفائف محفوظة في أماكن مخصصة لذلك، بعدها تطوى تلك اللفائف، وقد تنتهي الصلاة بهذا، وقد يتلوها خطبة قصيرة ونشيد تقليدي ودعوات، ويختم كل ذلك بالتبريك، وبهذا تنتهي الصلاة ويخلو المعبد, وقد يسبق انفضاض المعبد قداس أو تبريك بتوزيع كأس من الخمر ورغيفين مبركين لكل مصل حسب المعتقد اليهودي.

الصيام

الصيام عند اليهود يبتدئ من قبل غروب الشمس إلى بعد غروب الشمس من اليوم اللاحق، ويمتنعون فيه عن الطعام والشراب والجماع، وبعض الأيام يكون صيامهم فيه من شروق الشمس إلى غروبها، ويمتنعون فيه عن الطعام والشراب فقط.

ولليهود أيام عديدة متفرقة يصومونها لمناسبات عدة، منها:

1- صوم يوم الغفران: وهو أهم صوم عندهم، وهو الصوم الوحيد الذي يعزونه إلى الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى عليه السلام .

2- صوم تموز: وهو صيام يوم واحد، وهو في الثامن عشر من شهر تموز اليهودي، ويعتبرونه حداداً على حوادث مختلفة، أهمها: تحطيم ألواح التوراة، إبطال القربان اليومي صباحاً ومساء، إحراق التوراة في أورشليم على يد القائد (إتسويندوموس)، وكذلك يجعلون هذا الصوم ذكرى بداية مهاجمة تيطس الروماني لأورشليم بقصد إبادة اليهود سنة (70) م.

3- صيام التاسع من آب: وهو ذكرى سقوط أورشليم على يد تيطس، وتخريب الهيكل الثاني زمن أدريانوس.

4- صيام (جداليا) لإحياء ذكرى حاكم فلسطين اليهودي الذي قتل بعد خراب الهيكل الأول, والذي يرى اليهود أن نهايته تمثل نهاية استقلالهم وحكمهم الذاتي.

5- صيام يوم العاشر من "طيبيت" (آخر ديسمبر – يناير) وهو اليوم الذي بدأ فيه بختنصر حصار أورشليم.

6- صوم أعضاء "ناطوري كارتا" يوم عيد الاستقلال "إسرائيل" باعتباره يوم حداد عندهم. هي فئة صغيرة من المتدينين المتطرفين اليهود الأشكناز في القدس, التي تقول بأنها تحمي المدينة المقدسة وتناهض الصهيونية ودولة "إسرائيل".

وهناك الكثير من الأيام التي يصومها اليهودي قررها الحاخامات, بالإضافة لأيام أخرى خاصة يصومها اليهودي عند موت أبيه أو الزوجين في ذكرى زواجهما. (5)

الحج

يحج اليهودي ثلاث مرات في العام: في عيد الفصح وعيد الأسابيع وعيد المظال, ولذلك تسمى هذه الأعياد بأعياد الحج, والحج واجب على كل يهودي حسب معتقدهم, جاء في العهد القديم: " ثلاث مرات في السنة يحضر جميع ذكورك أمام الرب إلهك في المكان الذي يختاره في عيد الفطير (الفصح) وعيد الأسابيع وعيد المظال , ولا يحضروا أمام الرب فارغين" (6)

وامتثالا لهذا النص المحرف في العهد القديم يقدم اليهود قربانا مشويا يشوى حيا, وكان اليهود في بادئ الأمر يحجون إلى مكان غير أورشليم يسمى "شيلوه", ولكن حينما فتح داود عليه السلام "أورشليم" أصبحت هي مكان العبادة اليهودية والمكان الذي يحج إليه اليهودي.

توقف الحج بعد تخريب الهيكل عند اليهود, ولكن مع ذلك استمر بعض اليهود في الحج في الأيام المذكورة خاصة في عيد المظال, وقد بعثت فكرة الحج في العصور الوسطى تحت تأثير القرائين, أما الآن فلا يؤدي فريضة الحج سوى المتشددين من اليهود.

من أهم طقوس اليهود: لفيفة التوراة: أي الأسفار الخمسة التي تسرد تاريخ الشعب اليهودي وتحمل رسالة عالمية تشهد بوحدانية الله وتتعلق بالسلوك الأخلاقي, ويحتفظ بلفيفة التوراة في خزانة المعبد اليهودي دائما فيما عدا أوقات التلاوة أمام المصلين, والذي قد يقام في مبنى عادي أو قاعة فخمة أو حتى في ملجأ ضد الغارات, والغرض الطقسي الرئيسي من المعبد هو خزامة الأسفار التي توضع فيها اللفيفة.

ولفيفة التوراة هذه عبارة عن صفحات كبيرة من الرق حيكت معا, قد يبلغ ارتفاعها "80 سم", وقد اهتم اليهود بزينة وشكل هذه اللفيفة من حيث الوشاح الذي يربطها والقماش الذي يلفها ...الخ

لا يمكن وصف ما سبق من هذه الطقوس التي يسميها اليهود عبادات سوى أنها من ابتداع واختراع اليهود, الذين لم يكتفوا بتحريف ما نزل على موسى عليه السلام من وحي "التوراة", بل كان لهم الدور الأبرز في تحريف ما نزل على نبي الله عيسى عليه السلام "الإنجيل", ناهيك عن دورهم البارز في كل فساد في الأرض, قال تعالى: {.... كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} المائدة/64

ـــــــــــــــــــــــــ

الفهارس

(1) دانيال 6:10

(2) مزمور 55:17

(3) عزرا21:65

(4) سفر التثنية / الإصحاح السادس

(5) موقع الدرر السنية نقلا عن كتاب : دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية .

(6) تثنية /61-61
ــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
07-26-2014, 06:38 AM
الأقطاب في الفكر الصوفي*
ـــــــــــــ

28 / 9 / 1435 هــ
26 / 7 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8464.jpg


لا تنتهي شطحات الصوفية التي يزعمونها دون أي دليل شرعي أو سند وبرهان عقلي, ولا تقتصر ضلالاتهم على الفروع والمسائل الخلافية في الشريعة الإسلامية, بل تمتد لتطال العقيدة والكليات والثبوتيات, مما لا يمكن قبوله في ميزان ومنهج أهل السنة والجماعة.

ولعل من أبرز شطحات الصوفية وأكثرها شيوعا في الفكر الصوفي, ما يسمونه "الأقطاب", وهي لا تعدو في الحقيقة والواقع خرافة من خرافاتهم, وأسطورة من أساطيرهم وشطحاتهم, يستثمرونها لزيادة الطاعة والولاء والتسليم من قبل الأتباع والمريدين, وإيغالا في المغالاة بمكانة ومنزلة شيوخهم.

فما معنى "القطب"؟ ومن هم "الأقطاب"؟ وهل لهم أعوان؟ وما هو موقف أهل السنة والجماعة من هذه الخرافة؟ هذا ما سأحاول الإجابة عنه في هذا التقرير بإذن الله تعالى.

تعريف القطب
---------------------
القطب لغة: ما عليه مدار الشيء, ومنه قطب الرحى وهي الحديدة القائمة التي تدور عليها الرحى. (1)

وفي اصطلاح الصوفية: القطب هو سيد الوجود في كل عصر. (2)

وقد عرف الجرجاني القطب بقوله: هو عبارة عن الواحد الذي هو موضوع نظر الله في كل زمان أعطاه الطلسم الأعظم من لدنه, وهو يسري في الكون وأعيانه الباطنة والظاهرة سريان الروح في الجسد, بيده قسطاس الفيض الأعم, وزنه يتبع علمه وعلمه يتبع علم الحق وعلم الحق يتبع الماهيات الغير المجعولة, فهو يفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل, وهو على قلب اسرافيل من حيث حصته الملكية الحاملة مادة الحياة والإحساس لا من حيث إنسانيته, وحكم جيرائيل فيه كحكم النفس الناطقة في النشأة الإنسانية, وحكم ميكائيل فيه كحكم القوة الجاذبة فيها, وحكم عزرائيل فيه كحكم القوة الدافعة فيها. (3)

ومن خلال التعريف السابق يمكن ملاحظة الغموض وعدم الوضوح في كثير من ألفاظ ومعاني التعريف, وهي طريقة ومنهج الصوفية في كثير من أفكارهم ومصطلحاتهم, فالغموض والطلاسم ركن أساسي من أركان الفكر الصوفي, إلا أن الواضح من التعريفات التي أوردها الصوفية أن القطب يزاحم الله تعالى – تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا – في ملكه وخلقه سبحانه.

وما يؤكد ذلك ما جاء في كتب الصوفية عن صلاحيات القطب وإمكانياته التي تفوق قدرات الأنبياء والمرسلين, فهو للوجود – كما يزعمون - بمنزلة الروح من الجسد, فكما أن الجسد لا قيام له إلا بالروح, فكذلك الوجود كله قائم بالقطب, فإذا زالت روحانية القطب من الوجود انعدم الوجود كله, وهذه القوة للقطب هي من أثر تحمله لسر الاسم الأعظم كما يزعمون.

وعن صفات وعلم القطب يتحدث محي الدين بن عربي فيقول: أن روح محمد صلى الله عليه وسلم هي التي تنقل العلم الإلهي لكل الأنبياء والأولياء, وهي تتجلى بأكمل صورة في القطب, وهو معصوم, وهو الخليفة الحقيقي لله تعالى, ولكل زمان قطب, ويسمى "قطب الوقت" أو "صاحب الزمان", وهو الغوث الذي يوجد بفضل "قطب الأقطاب".

تطابق مفهوم القطب عند الصوفية مع الإمام عند الرافضة
-------------------------
إذا دقق المسلم في معتقدات وأفكار الصوفية الخارجة عن منهج أهل السنة والجماعة, فإنه سيرى توافقا وتطابقا بين هذه الأفكار والفلسفات الأفلاطونية, والعقائد الباطلة عند الشيعة الاثني عشرية والاسماعيلية.

فمن يقارن بين ما يراه الشيعة في "الإمام" بوصفه مظهرا للكلمة الإلهية, ومفهوم القطب عند الصوفية يرى تطابقا واضحا وظاهرا, كما أن من يقارن بين التدرج الرئاسي للدعاة الإسماعيلية والتدرج الرئاسي في التصوف برئاسة القطب, يرى نفس التطابق والتوافق, بل إن بعض علماء الشيعة يصرحون بأن "القطب" و "الإمام" مصطلحان لهما نفس المعنى, بل ينطبقان على نفس الشخص, وقد ينتسب إلى القطب ظهور كرامات على يديه تناسب المقام الذي بلغه. (4)

أنواع القطب
-------------
لمقام القطب عند الصوفية نوعان:

الأول: حادث وحسي وهو الإنسان الكامل كما يطلقون عليه, وهو ما سبق الحديث عنه.

الثاني: القديم أو المعنوي, وهو ما يطلقون عليه اسم "الحقيقة المحمدية", وعن نوعين القطب يتحدث القاشاني فيقول: "وهو - أي القطب – إما قطب بالنسبة إلى ما في عالم الغيب والشهادة من المخلوقات, يستخلف بدلا منه عند موته من أقرب الأبدال منه, أو قطب بالنسبة إلى جميع المخلوقات في عالم الغيب والشهادة, ولا يستخلف بدلا من الأبدال, ولا يقوم مقام أحد من الخلائق, وهو قطب الأقطاب المتعاقبة في عالم الشهادة لا يسبقه قطب, ولا يخلفه آخر, وهو نوع الروح المصطفوي المخاطب بلولاك ما خلقت الكون" (5)

مميزات القطب عند الصوفية
-----------------
ينسب الصوفية للقطب صفات وقدرات لا تليق إلا بالله سبحانه وتعالى, و يختصونه بتصرفات وممارسات لا يختص بها إلا الإله الخالق جل جلاله, ومن أبرز هذه الصفات والقدرات:

1- الخلافة العظمى عن الحق – سبحانه – مطلقا في جميع الوجود جملة وتفصيلا: فحيثما كان الرب إلها كان هو خليفة في تصريف الحكم وتنفيذه .., ولا يصل إلى الخلق شيء كائنا ما كان من الحق إلا بحكم القطب كما يزعم علي ابن العربي برادة مؤلف كتاب جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض سيدي أبي العباس التيجاني. (6)

2- قيامه في الوجود بروحانيته في كل ذرة من ذرات الوجود: فالكون كله أشباح – كما ترى الصوفية – لا حركة لها, وإنما هو الروح القائم فيها جملة وتفصيلا.

3- هو المتصرف في مراتب الأولياء, فلا تكون مرتبة في الوجود للعارفين والأولياء خارجة عن ذوقه, فهو المتصرف في جميعها والممد لأربابها.

4- يعلمه الله علم ما قبل وجود الكون وما وراءه وما لا نهاية له, ويعلمه علم جميع الأسماء القائم بها نظام كل ذرة من جميع الموجودات, ويخصه بأسرار دائرة الإحاطة وجميع فيوضه وما احتوى عليه. (7)

وحسب ما ذكر من صفات وقدرات تزعمها الصوفية "للقطب" فهو شرك بالله صريح وخروج عن منهج التوحيد, فإذا كان الله تعالى لم يعط شيئا من تلك الصفات للأنبياء والمرسلين, فكيف يمكن أن يعطيها لغيرهم من البشر العاديين, وإذا كان القطب بهذه القدرات فماذا أبقى القوم لله تعالى من صفات لا يشاركه فيها أحد من خلقه!!

أعوان الأقطاب
----------
يجعل الصوفية "للقطب" أعوانا, وهم على الشكل التالي:

1- الإمامان: وهما – كما يرى الصوفية – بمنزلة الوزيران له, أحدهما لعالم الملك, والآخر لعالم الملكوت.

2- الأوتاد الأربعة: وقيل هم ثلاثة كلما مات قطب الوقت أقيم مكانه واحد منهم, وعلمهم فيض من قطب الأقطاب, وإن ماتوا فسدت الأرض.

3- الأبدال: وهم حقيقة روحانية تجتمع إليها أرواح أهل ذلك الموطن الذي رحل عنه وليه, وعددهم – كما يزعمون – أربعون, 22 منهم بالشام, و18 في العراق.

4- النجباء: وهم دون الأبدال, ومسكنهم في مصر: وعملهم أن يحملوا عن الخلق أثقالهم وعددهم – كما يزعمون – سبعون.

5- النقباء: وعددهم 300, وقيل 500, وهم الذين يستخرجون خبايا الأرض كما يزعمون. (8)

كيف يصل القطب إلى هذه المرتبة؟
-------------------
يزعمون أن من يصل إلى هذه المرتبة يترقى في كمال المعرفة والمشاهدة والمراقبة حتى يصل إلى التحقيق بالله تعالى في كل مرتبة, وبذلك يكون سيد الكون كما يقولون.

وقد ادعى كثير من الصوفية الوصول إلى درجة القطب, فقد ادعى ابن الفارض أنه القطب القديم وقطب الأقطاب فقال:

فبي دارت الأافلاك فأجاب لقطبها ال محيط والقطب مركز الكون

ولا قطب قبلي عن ثلاث خلفته وقطبية الأوتاد عن بدلية (9)

وزعم ابن عربي كذلك أنه القطب الأعظم بقوله: "‏لا أعرف في عصري هذا أحدًا تحقق بمقام العبودية مثلي وذلك لأنني بلغت في مقام العبودية الغاية بحكم الإرث لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأنا العبد المحض الخالص الذي لا يعرف للربوبية على أحد من العالم طمعًا، وقد منحني الله تعالى هذا المقام هبة منه، ولم أنله بعمل وإنما هو اختصاص إلهي‏"‏ (10) ‏

وعن كيفية تولي القطب منصبه الباطني المعنوي الذي تحدثوا عنه, يقول ابن عربي:

"اعلم أن الحق تعالى لا يولي قط عبدًا مرتبة القطابة إلا وينصب له سرير في حضرة المثال يقعده عليه ينبي صورة ذلك المكان عن صورة المكانة كما ينبي صورة الاستواء على العرش عن صورة إحاطته تعالى علمًا بكل شيء ولله المثل الأعلى , فإذا نصب له ذلك السرير فلا بد أن يخلع عليه جميع الأسماء التي يطلبها العالم وتطلبه ....فإذا قعد عليه وقعد بصورة الخلافة وأمر الله العالم ببيعته على السمع والطاعة في المنشط والمكره دخل في تلك البيعة كل مأمور من أدنى وأعلى إلا العالون المهيمنون في جلال الله عز وجل .....وأول من يبايعه العقل الأول ثم النفس ثم المقدمون من عمار السماوات والأرض من الملائكة المسخرة ثم الأرواح المدبرة للهياكل التي فارقت أجسامها بالموت ثم الجن ثم المولدات ثم سائر ما سبح الله تعالى من مكان ومتمكن ومحل حال فيه إلا العالون من الملائكة كما مر" (11)

موقف الشريعة الإسلامية من فكرة "القطب"

لا يشك مسلم في بطلان وفساد خرافة ما يسميه الصوفية "القطب", فهي لا تعدو أن تكون أسطورة من الأساطير الإغريقية الباطلة, والتي انتقلت إلى الصوفية شأنها في ذلك شأن كثير من الخرافات والأساطير الوثنية الشركية.

ولعل أول ما يشير إلى بطلان هذه الفكرة والعقيدة, تضاربها مع أبسط أركان الإيمان في الإسلام, حيث لا يجوز في الإسلام أن يكون مع الله شريكا لا في الربوبية ولا في الالوهية, وفكرة وعقيدة "القطب" طافحة ومليئة بمظاهر الشرك بالله سبحانه.

وإذا كان بعض الصوفية يستشهدون في كتبهم على هذه الفكرة ببعض الأحاديث المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبا وزورا, والتي تتحدث عن الأبدال والأقطاب, فهي طريقة صوفية ليست جديدة ولا مستحدثة, فلطالما استشهدوا بالأحاديث الموضوعة والباطلة على أفكارهم وعقائدهم الفاسدة, ولكن الله تعالى قد قيض لعلم الحديث النبوي من ينفي عنه كل حديث موضوع أو دخيل.

وقد صرح ابن القيم في غير موضع من مؤلفاته عن أن أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد كلها باطلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. (12)

ــــــــــــــــــــــــ

الفهارس

(1) لسان العرب 1/680 مادة قطب

(2) الجواهر والرماح للتيجانية نقلا من كتاب شبهات التصوف عمر بن عبد العزيز قريشي ص146

(3) التعريفات للجرجاني 1/228

(4) الموسوعة الإسلامية العامة (القطب) الدكتور صفوت حامد مبارك ص1154

(5) كشف الوجوه الغر للقاشاني 2/103

(6) جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض سيدي أبي العباس التيجاني ص81

(7) المرجع السابق 2/79

(8) جامع الأصول للكمشخانلي ص 93

(9) هذه هي الصوفية عبد الرحمن الوكيل ص152

(10) ‏‏اليواقيت والجواهر ص65-66‏

(11) المرجع السابق 2/79-80

(12) نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول 1/127 برقم 210 , والمنار المنيف في الصحيح والضعيف 1/136

ـــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
07-28-2014, 05:58 AM
خواص الصوفية .. درجات ومراتب لا يعرفها أهل الإسلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(يحيي البوليني)
ـــــــــ

غرة شوال 1435 هــ
28 / 7 / 2014 م
ــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8454.jpg


على الرغم من الظهور العلني الصوفي على هيئة غير مرتبة من الناحية الإدارية أو التنظيمية، وظهورهم كجماعات منفصلة على هيئة الدوائر التي تلتف كل منها حول شيخ يسمى بشيخ الطريقة أو ما يلقبونه بالعارف بالله, إلا أنه وعلى الرغم من ذلك فان لهم ما يشبه النظام الصارم في الرتب والدرجات بحيث يترقى احدهم من مرتبة إلى أخرى حتى يصل إلى الدرجات التي لا يرتقي لها إلا أشخاص معدودون على مستوى العالم ممن يتبعون الطريقة، أو ممن يتبعون نفس المدرسة.

الرتب والدرجات الصوفية

باعتبار أن هذا التقسيم ليس له سند من قرآن أو سنة, وليس له أي دليل صحيح ولا حتى ضعيف على وجود مثل هذا التقسيمات في دين الإسلام, من اجل ذلك اختلف كبراء الصوفية كل حسب هواه في تقسيم الناس على درجات شتى.

ولم تظهر هذا البدعة في القرون الثلاثة الأولى، فلم يذكرها السلف من الصحابة والتابعين أو أتباعهم، ولم يعتقدوا بوجودها ولا بأهميتها كما يعتقد ذلك الصوفية, فكان أول ظهورها في كتابات متناثرة في القرن الرابع على يد عدد من علمائهم ومفكريهم.

فكان اجتهاد الصوفية الأول عند أبي بكر محمد بن علي بن جعفر الكتّاني [1]، الذي فصل نقل عنه توصيفا للألقاب والدرجات وبعض أعمالها وأعدادها فقال: "النقباء ثلاث مائة، والنجباء سبعون، والبدلاء أربعون، والأخيار سبعة، والعُمدُ أربعة، والغوث واحد. فمسكن النقباء المغرب، ومسكن النجباء مصر، ومسكن الأبدال الشام، والأخيار سياحون في الأرض، والعُمد في زوايا الأرض، ومسكن الغوث مكة. فإذا عرضت الحاجة من أمر العامة ابتهل فيها النقباء ثم النجباء ثم الأبدال ثم الأخيار ثم العُمدُ، ثمّ أجيبوا، وإلاّ ابتهل الغوث، فَلاَ يُتِمُّ مسألته حتى تُجاب دعوته" [2].

فكان هذا هو الظهور الأول للألقاب: النقباء والنجباء والبدلاء أو الأبدال والقطب والغوث والسياحون والعمد وغيرها من الألقاب المستمرة إلى اليوم.

ويأتي بعده في أواخر القرن الرابع أبو طالب المكي الذي عبّر عنها بقوله: "القطب اليوم الذي هو إمام الأثافي الثلاثة والأوتاد السبعة والأبدال الأربعين والسبعين إلى ثلاث مائة كلهم في ميزانه وإيمان جميعهم كإيمانه، إنما هو بدلٌ من أبي بكر رضي الله تعالى عنه، والأثافي الثلاثة بعده إنما هم أبدال الثلاثة الخلفاء بعده، والسبعة هم أبدال السبعة إلى العشرة، ثم الأبدال الثلاث مائة وثلاثة عشر إنما هم أبدال البدريين من الأنصار والمهاجرين" [3] .

وهنا نلاحظ وجود بعض الاختلافات الطفيفة بينهما فيضع أبو طالب "الأثافي الثلاثة" مكان "العمد الأربعة"، و"الأوتاد" مكان "الأخيار"، والأربعين والسبعين وثلاث مائة جعلهم كلهم "أبدالاً"، ولم يقسمهم إلى "بدلاء" و"نجباء" و"نقباء".

وفي نهاية القرن الخامس يضع الهجويرى بعض التفصيلات فيقول أن: "أهل الحل والعقد وقادة حضرة الحق جلَّ جلاله، فثلاث مائة يُدْعَون الأخيار، وأربعون آخرون يُسَمَّون الأبدال، وسبعة آخرون يقال لهم الأبرار، وأربعة يسمون الأوتاد، وثلاثة آخرون يقال لهم النقباء، وواحد يسمى القطب والغوث. وهؤلاء جميعًا يعرفون أحدهم الآخر، ويحتاجون في الأمور لإذن بعضهم البعض" [4] .

ورغم هذه الاجتهادات الصوفية إلا أن في القرن السابع الهجري يضع محي الدين ابن عربي فيلسوف الصوفية وشيخهم الأكبر الذي يعتبر أول من نظَّر لهذا التقسيم ووضع نظامًا للأولياء ورجال الغيب، ورتبهم وصفهم في مراتب ودرجات ووضع لكل مرتبة نظامها وعلومها وصفاتها ووظائفها حتى وضع العدد الأقصى لشاغليها, وفتح بذلك الباب لمن بعده من الصوفية لكي يدلي كل منهم بدلوه, فزادوا وفصلوا زيادات وتوضيحات ليس لها أي أساس من دين أو شرع وليس فيها إلا ما تمليه عليهم أهواؤهم" [5].

وعليه جعل ابن عربي الطبقات كما حكى إجماعا على ذلك من أهل الطريق كما يقول فجعلهم ستّ طبقات أمهات: أقطاب وأئمة وأوتاد وأبدال ونقباء ونجباء, كما جعلهم لسان الدين ابن الخطيب سبع طبقات [6]. وجعلهم عمر الفوتي سبعاً أيضا مع اختلاف في الأسماء [7], وأوصلهم داود القيصري [8] وحسن العِدْوى الحمزاوي إلى عشر طبقات[9], وهكذا دون دليل شرعي واحد مع أي منهم يستند عليه في هذه المراتب التي لم تأت في كتاب ولا سنة ولا عند سلف الأمة, فكان مستند اختلافهم بل منشأ هذا التصنيف والتقسيم هو الهوى والخرافة لا غير.

معاني هذه المراتب والدرجات الصوفية

ويحسن بنا ان نقف على معاني هذه الطبقات بحسب ما فسرها أعلام الصوفية على الرغم من اختلافهم الكبير في معانيها أيضا، وسنستند في هذه التعريفات على جمع عبد الوهاب الشعراني[10] لأقوال ابن عربي في "الفتوحات المكية"، مع أقوال غيره من ائمة الصوفية للوقوف على تعريف شبه مجمع عليه لهذه الرتب والدرجات, ونعوذ بالله من هذا الضلال, وحاش لله ان يكون ما يقولونه هذا في ملكه أو في دينه.

1- القطب

هو الواحد الذي يكون موضع نظر الله من العالم في كل زمان، ويقال له "الغوث " [11], وهو الذي أعطاه الله الطلسم الأعظم من لدنه، وهو يسري في الكون وأعيانه الباطنة سريان الروح في الجسد، بيده قسطاس الفيض الأعم، فهو يفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل، وهو على قلب إسرافيل من حيث حصته الملكية الحاملة مادة الحياة والإحساس، لا من حيث إنسانيته" [12]

ويقولون أن "اسم القطب في كل زمان عبد الله وعبد الجامع المنعوت بالتخلق والتحقق بمعاني جميع الأسماء الإلهية بحكم الخلافة، وهو مرآة الحق تعالى ومجلى النعوت المقدسة ومحل المظاهر الإلهية وصاحب الوقت وعين الزمان وصاحب علم سر القدر، وله علم دهر الدهور، ومن شأنه أن يكون الغالب عليه الخفاء [13] " .

ويقولون "ولم يخل زمان من الأقطاب، وقد عدَّ ابن عربي خمسة وعشرين قطباً من عهد آدم عليه السلام إلى محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وسمَّاهم" [14] .

فهل يمكن بهذه الصفات أن يكون قطبهم المزعوم بشرا؟ وهل يمكن ان يكون بذلك عبدا من العباد؟ بل أضفيت عليه سمات الألوهية في اخص خصائصها, فهي هم يعبدون الله حقا أم يعبدون القطب؟

ولنا في هذا النص الأخير جلاء الحقيقة فيقول التيجاني "أعلم أن حقيقة القطبانية هي الخلافة العظمى عن الحق مطلقًا في جميع الوجود جملة وتفصيلاً، حيثما كان الربّ إلهاً كان هو خليفة في تصريف الحكم وتنفيذه في كل من عليه ألوهية الله تعالى، ثمّ قيامه بالبرزخية العظمى بين الحق والخلق، فلا يصل إلى الخلق شىء كائناً ما كان من الحق إلاّ بحكم القطب وتوليه ونيابته عن الحق في ذلك وتوصيله كل قسمة إلى محلّها، ثمّ قيامه في الوجود بروحانيته في كل ذرة من ذرات الوجود جملةً وتفصيلا، فترى الكون كلّه أشباحاً لا حركة لها، ْ وإنما هو الروح القائم فيها جملةً وتفصيلا" [15] .

علامات القطب وخصائصه

لتبيان هذا الضلال الذي هم فيه وضع الصوفية علامات يعرف بها عندهم القطب أو يمكن تسميتها بخصائصه ومميزاته, ثم لننظر لها لنعلم عن أي بشر يمكن أن تكون هذه صفاته, وأين رب العزة سبحانه في دينهم؟

فيقولون من خصائصه وإمكانياته وعلومه أنه يُكشَف له عن حقيقة الذات الإلهية، ويحيط علماً بصفات الله تعالى، وأن علم القطب لا حدود له، فلا يخفى عليه شيء من الدنيا والآخرة. ويحيط بمعرفة أحكام الشريعة ولو كان أميّاً، وهو أكمل الخلق وأفضل جماعة المسلمين في كل عصر، ولا حدود لمرتبته فهو محيط بجميع المراتب، ويُبصِر بجميع أجزاء بدنه ما عدا العين، ولا يطيق رؤيته إلاّ الخواص وأنه يدور في الآفاق الأربعة من أركان الدنيا كدوران الفلك في أفق السماء، وهو بجسده حيث شاء من الأرض واشترط بعضهم أن يكون قطب الأقطاب من أهل البيت، وذكروا أنه يستقر بمكة.

وظائف القطب وقدراته في الكون

أما عن وظائفه في الكون فمنها: التصرف في الكون والتأثير في حوادثه والحكم الشامل التام في جميع المملكة الإلهية، ووقاية مريديه من السؤال والحساب في الآخرة، ولا يجري في عالم المخلوقات شىء إلاّ بإذنه حتى ولو كان جريانه في القلوب.

فهل يمكن أن يرقى مخلوق لمثل هذا حتى لو كان نبيا مرسلا أو ملكا مقربا؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.

2- الإمامان

والإمام لقب لرجلين يعتبران كاليدين للقطب أو الغوث أحدهما على يمينه ويعتبر نظره في عالم الملكوت أو مرآة ما يتوجه من المركز القطبي إلى العالم ******** من الإمدادات التي هي مادة الوجود والبقاء؛ الثاني عن يساره ويعتبر نظره في الملك أو مرآة ما يتوجه منه إلى المحسوسات من المادة الحيوانية، والغريب أن فكرة التيامن التي تبرز دوما في كل ما هو إسلامي مقلوبة هنا, فالذي عن يساره يعتبر أعلى مقاما من الآخر ويكون خليفة للقطب إذا مات [16]

3- الأوتاد

والأوتاد عندهم كالجبال, فهم الذين يحفظون الأرض من كل سوء وشر, وهم أربعة دوما في كل وقت لا يزيدون ولا ينقصون بحسب الأركان الأربعة الجغرافية في الكون "شرقا وغربا وشمالا وجنوبا", ويزعمون أن مع كل واحدٍ منهم مقام تلك الجهة، يحفظ الله بهم العالم، لهم روحانية إلهية, ولديهم علوم جمة كثيرة, أحدهم على قلب آدم والثاني على قلب إبراهيم، والآخر على قلب عيسى، والآخر على قلب محمد" [17]

4- الأبدال أو البُدَلاء

ومصطلح الأبدال أو البدلاء يعني أنهم أيضا من الحفظة للكون ولكنهم يختلفون عن الأوتاد الذين يختصون بالجهات الأربعة الجغرافية, فالأبدال يحفظون الأقاليم السبعة في الأرض, فهم "سبعة يحفظ الله بهم الأقاليم السبعة، لكلِّ بدلٍ إقليم، وإليهم تنظر روحانيات السماوات والأرض" [18], ومن هنا جاء التداخل بين الحدود الجغرافية, فمن الصوفية من قال بأن الأوتاد الأربعة من الأبدال, ومنهم من قال بأن السبعة الأبدال خارجون عن الأوتاد بحسب تخاريف الهوى الذي سيطر على عقولهم.

ويقول الصوفية في سبب تسميتهم بالأبدال لأنهم "أعطُوا من القوة أن يتركوا بدلهم حيث يريدون، لأمر يقوم في نفوسهم على علمٍ منهم، فيرتحلون إلى بلد، ويقيمون فيَّ مَكانهم الأول شبحاً آخر شبيهاً بشبحهم الأصلي بدلاً منه، بحيث إن كلّ من رآه لا يشك أنه هو" [19].

5- النجباء

وهم أقل درجة من البدلاء وهم أربعون يحملون أثقال الخلق أي يحملون كل ما تنوء به البشرية عن حمله ويتصفون بكونهم "موفوري الشفقة والرحمة الفطرية، ولا يتصرفون إلاّ في حق الغير، إذ لا مزيد لهم في ترقياتهم إلا من هذا الباب" [20]. واختلف الصوفية في عددهم فزعم المناوي أنهم "ثمانية في كل زمن لا يزيدون ولا ينقصون، عليهم أعلام القبول في أحوالهم، ويغلب عليهم الحال بغير اختيارهم، أهل علم الصفات الثمانية، ومقامهم الكرسي، لا يتعدونه ما داموا نجباء، ولهم القدم في علم تسيير الكواكب كشفاً واطلاعاً، لا من جهة طريقة علماء هذا الشأن" [21].

6- النقباء

وهم أول درجات ترقي الصوفية في علم الحقيقة بعد سلوكه الطريق كما يزعمون وهم أول مراتب الخواص, وهم كما يقول القشيري والمناوي والقاشاني "ثلاث مائة، وهم الذين تحققوا بالاسم الباطن، فأشرفوا على بواطن الناس، فاستخرجوا خفايا الضمائر، لانكشاف الستائر لهم عن وجوه السرائر. وهم ثلاثة أقسام: نفوس علوية، وهي الحقائق الأمرية، ونفوس سفلية، وهي الخلقية، ونفوس وسطية، وهي الحقائق الإنسانية، وللحق تعالى في كل نفس منها أمانة منطوية على أسرار إلهية وكونية" [22].

مستندهم الشرعي وبيان تهافته

لم يرد أي مصطلح سابق في الشرع من الكتاب والسنة إلا لفظ الأبدال أو البدلاء, فلم يرد هذا اللفظ في شيء من الأحاديث في الكتب الستة إلاّ في حديث واحد عند أبي داود (4286)، وهو حديث ضعيف لا تقوم به حجة, أما عن ورود نفس اللفظ خارج الكتب الستة فورد في أحاديث متفرقة أكثرها مضطرب أو معل وقد أفرد لها السخاوى في جزء سماه "نظم اللآل في الكلام على الأبدال" وبيَّن فيه عللها, فمنها ما هو موضوع ومنها ما هو شديد الضعف ومنكر, وضعَّفها القاضي أبو بكر ابن العربي في "سراج المريدين"، وحكم عليها ابن الجوزي بالوضع وذكرها في "الموضوعات", وقال ابن القيم: "أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد كلها باطلةٌ على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –". وأقرب ما فيها: "لا تسبوا أهل الشام، فإنّ فيهم البدلاء، كلَّما مات رجلٌ منهم أبدلَ الله مكانَه رجلاً آخر". ذكره أحمد، ولا يصحُّ أيضًا، فإنّه منقطع [23].

فهذا كل اعتمادهم الفقهي والشرعي في المسألة, فبنوا خيالاتهم وخرافاتهم على لفظ الأبدال الوارد في حديث منقطع ضعيف لا تقوم به حجة على أي شئ، حتى لو افترضت صحته فلا دليل فيه على قيامهم بحفظ الأرض ولا التدخل في ملك الله ولا قضاء حوائج العباد ولا أي شئ من هذا التخبط العقدي والهذيان الفكري.

أما تسمية النقباء وهي أول درجات الخواص لديهم ربما يستندون فيها من قوله تعالى "وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً" ومن اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم لاثني عشر نقيبا من الأنصار في بيعة العقبة وهذه ليس لها دلالة على قيام النقباء بشئ من شئون العباد أيضا سوى حثهم على الخير ونصحهم إذا انحرفوا عن الصواب, وهذا مختلف جدا عن فعل النقباء عند الصوفية.

الشيعة مصدر الفكرة الخبيثة

لاحظ كثير من الباحثين وجود تطابق بين التدرج الرئاسي للقائمين على الدعوة الإسماعيلية والتدرج الرئاسي في التصوف برئاسة القطب، وقرروا أنه مستمد من الإسماعيلية, وأكد ذلك بعض علماء الشيعة حيث قالوا: "أن القطب والإمام مصطلحان معناهما واحد، وينطبقان على شخص واحدٍ" [24]

وذكر ذلك أحمد أمين حيث قال "أن الصوفية اتصلت بالتشيع اتصالاً وثيقًا، وأخذت فيما أخذت عنه فكرة المهدي، وصاغتها صياغة جديدة وسمَّته "قطبًا"، وكوَّنت مملكة من الأرواح على نمط مملكة الأشباح، وعلى رأس هذه المملكة الروحية القطب، وهو نظير الإمام أو المهدي في التشيع" [25].

وقال ابن خلدون في مقدمته: "كان سلفُهم (أي الصوفية) مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة، الدائنين أيضًا بالحلول وإلهية الأئمة مذهبًا لم يُعرَف لأولهم، فأشرِبَ كلُّ واحدٍ من الفريقين مذهب الآخر، واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم، وظهر في كلام المتصوفة القولُ بالقطب، ومعناه رأس العارفين يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله، ثمّ يورث مقامه لآخر من أهل العرفان" [26].

وسبقهم كثير من علماء الإسلام في نقد هذا الطرح الشائن لخطورتها على العقيدة كابن الصلاح والعز بن عبد السلام وكان لشيخ الإسلام ابن تيمية مناقشة واسعة لهم فبيَّن أن هذه الدعاوى كلها باطلة، فهي نفس ما يدعيه النصارى في "المسيح" والرافضة في "المنتظر" والنصيرية في "الباب" والفلاسفة في "العقل الفعال" وذكر نصوصًا من الكتاب والسنة تدل على أنها من الشرك في الربوبية، ولا يجوز نسبة الأمور المذكورة إلى الأنبياء والرسل، فكيف تصح لهذا "الغوث" المزعوم الذي لا وجود له إلاّ في أذهان الصوفية؟ وذلك في رسالة هامة وفتوى شهيرة لشيخ الإسلام للرد على هذه الدعاوى الباطلة, وسميت بـ "فتوى الأقطاب والأبدال".[27]

وبعد هذا الجمع والعرض المختصر لهذه الأفكار الباطلة والعقائد الضالة, فهل يمكن القول بان هذه العقيدة تمثل عقيدة المسلمين؟!!

ـــــــــــــــــــــــــــ

[1] (أحد مشايخ الصوفية - ت 322)

[2] رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" (3/75- 76) بإسناده إليه. وفيه علي بن عبد الله بن جهضم، متهم بالكذب، كما في (الميزان) (3/143) و (اللسان) (4/238) . ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (1/300) من طريق الخطيب، وكذا نقلت عنه المصادر المتأخرة، مثل "المقاصد الحسنة" ص 10 و"الخبر الدال" (2/255) وغيرهما.

[3] "قوت القلوب" (2/78) .

[4] "كشف المحجوب " (الترجمة العربية) ص 447، 448.

[5] التفصيل في "الفتوحات المكية" (2/40)

[6] "روضة التعريف بالحب الشريف" (ص 432)

[7] "الرماح" (1/21)

[8] "شرح مقدمة التائية الكبرى" (ق 104 ب) .

[9] "النفحات الشاذلية" (2/99)

[10] في كتابه "اليواقيت والجواهر" (2/79- 83)

[11] "الفتوحات المكية" (3/244) . وانظر "اصطلاحات الصوفية" لعبد الرزاق القاشاني ص 141 (ط. كلكتا 1854 م) .

[12] "التعريفات" للشريف الجرجاني ص 185- 186 (ط. فلوجل)

[13] "اليواقيت والجواهر" (2/79) .

[14] "الفتوحات المكية" (2/362) .

[15] "جواهر المعاني (لعلي حرازم برادة (2/89- 90) .

[16] ذكر ذلك بتفاصيله في "الفتوحات المكية" (3/244) و"التعريفات " ص 36، و"التوقيف على مهمات التعاريف " ص 60 وغيرها.

[17] "الفتوحات المكية" (2/400، 401) ، و"التعريفات" ص41، و"التوقيف" ص 66؛ و"كشاف اصطلاحات الفنون" ص 1453، 1454.

[18] "الفتوحات المكية" (2/376) و"حلية الأبدال" ص 11.

[19] الفتوحات المكية (2/400) ، و"التعريفات" ص 44، و"التوقيف" ص 36؛ "مشتهى الخارف الجاني" ص 510، وغيرها.

[20] "الفتوحات المكية" (3/244) ، و"التعريفات" ص 259، و"اصطلاحات الشيخ محي الدين ابن عربي" ص 286.

[21] " التوقيف على مهمات التعاريف" للمناوي " ص 322.

[22] "التعريفات" ص 266، "اصطلاحات الصوفية" للقاشاني ص 96، "التوقيف" ص 329.

[23] "المنار المنيف" (ص 136)

[24] انظر"الفلسفة الشيعية" للآملي ص 223؛ و"الإسلام الشيعي" لمحمد حسين طباطبائي (الترجمة الإنجليزية) ص 114.

[25] "ضحى الإسلام" (3/245) .

[26] "مقدمة ابن خلدون" ص 473

[27] ويرجع لهذه الرسالة لكتاب : جامع المسائل لابن تيمية تحقيق : محمد عزير شمس إشراف : بكر بن عبد الله أبو زيد، الناشر : دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع​
-----------------------------

عبدالناصر محمود
08-08-2014, 06:39 AM
موقف الفرق الإسلامية من علي بن أبي طالب*
ـــــــــــــــــــــــــ

12 / 10 / 1435 هــ
8 / 8 / 2014 م
ـــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3935.jpg


لم يقع الاختلاف بل والاحتراب والانقسام حول شخصية في التاريخ الإسلامي، كالاختلاف الذي حدث حول شخصية سيدنا علي رضي الله عنه، فهو عند أهل السنة صحابي كريم جليل، كان من طلائع من آمنوا بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وتحملوا في سبيل ذلك الأعاجيب، وهو عند الإثنى عشرية أفضل الصحابة ثم إن له من الصفات ما لا يجوز في حق غيره من الصحابة، حتى ذهبت أقوالهم وكتبهم إلى القول بعصمته، بل وعصمة من تلاه من نسله، كما تزعم الإثنا عشرية، بل ذهبت الشيعة الغرابية إلى أبعد من هذا فادعت أن جبريل الأمين أخطأ في الوحي، وبدلا من أن يأتى به إلى علي رضي الله عنه، أخطأ وأتى به إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ومن الفرق من ذهبت إلى تأليه سيدنا علي مثل السبئية أتباع عبد الله ابن سبأ اليهودي مشعل الفتنة، وذهبت الإباضية إلى أقصى اليسار فادعت أن علي بن أبي طالب إمام مخلوع، خلع نفسه بنفسه يوم التحكيم، فلا يستحق أن يطلق عليه لقب إمام..

وفي هذا التقرير سنُعرج سريعاً على سيرة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مع إعطاء صورة عامة عن نظرة أتباع الفرق الإسلامية على اختلاف فرقهم له ولذريته، والموقف الصحيح من كل هذا..

علي بن أبي طالب في عيون أهل السنة:
____________________
----------------------
علي بن أبي طالب، هو أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته فاطمة رضي الله عنها، ووالد سبطيه الحسن والحسين.

وهو أول من أسلم من الصبيان، كما أن أبا بكر هو أول من أسلم من الرجال، وهو من العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن الستة أصحاب الشورى، وقد لازم رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ صغره ومنذ أسلم، وهو رابع الخلفاء الراشدين باتفاق المسلمين من الصحابة والتابعين إلى يوم الدين.

لا يُحبُّه إلاَّ مؤمن، ولا يبغضه إلاَّ منافق؛‏ أخرج الترمذي عن البراء بن عازب رضي الله عنه: أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال لعليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه: (أنت منِّي وأنا منك)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

وعن أمِّ سلمة رضي الله عنها قالت: أشهد أنِّي سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: (مَن أحبَّ عليًّا، فقد أحبَّني، ومَن أحبني فقد أحبَّ الله، ومَن أبغض عليًّا فقد أبغضني، ومَن أبغضني، فقد أبغض الله عزَّ وجلَّ)، ‏قال علي رضي الله عنه: "واللهِ إنَّه مما ‏عهد ‏إليَّ رسول الله ‏صلَّى الله عليه وسلَّم ‏أنَّه ‏لا يُبغضني إلاَّ منافقٌ، ولا يحبني إلاَّ مؤمن"؛ أخرجه أحمد.

فهذا هو الرأي الصحيح والمعتقد الواجب في سيدنا علي رضي الله عنه، وهو معتقد أهل السنة والجماعة، والواجب على كل مسلم، فهو صحابي جليل له من المكانة ما لبقية الصحابة، وهو في الرتبة والفضل رابع ثلاثة، أولهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان رضي الله عن الجميع.

* معتقد المنحرفين في سيدنا علي رضي الله عنه:
ــــــــــــــــــــــــــ

يقابل نظرة أهل السنة والجماعة إلى علي رضي الله عنه، نظرة أخرى بها الكثير من الانحرافات والأباطيل، فأول هذه الانحرافات ظهرت مع ظهور عبد الله بن سبأ اليهودي مُسعر نار الفتنة بين الصحابة، وصاحب أول خروج عقدي صريح عن صحيح الاعتقاد في عصر الإسلام الأول.

- ابن سبأ يؤله سيدنا علي رضي الله عنه:
-------------------------

وهو أمر مشهور وأشهر من تناقله هم الشيعة، فكتبهم تذخر بذكر هذه القصة (قصة دعوة تأليه ابن سبأ لعلي رضي الله عنه)، قال ابن عساكر في تاريخه: روى الصادق –وهو أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق ولد سنة 83هـ في المدينة المنورة وتوفي فيها سنة 148هـ - وهو الإمام السادس المعصوم عند الشيعة، روى عن آبائه الطاهرين، عن جابر قال: لما بويع علي رضي الله عنه خطب الناس فقام إليه عبد الله بن سبأ فقال له أنت دابة الأرض، فقال له: اتق الله، فقال له: أنت الملك، فقال: اتق الله، فقال له: أنت خلقت الخلق وبسطت الرزق، فأمر بقتله فاجتمعت الرافضة فقالت: دعه وانفِه إلى ساباط المدائن فإنك إن قتلته بالمدينة –يعني الكوفة– خرج أصحابه علينا وشيعته، فنفاه إلى ساباط المدائن فثم القرامطة والرافضة، أي كانت بعد ذلك وبجهود ابن سبأ مركزاً يتجمعون فيه، قال: أي جابر– ثم قامت إليه طائفة وهم السبئية وكانوا أحد عشر رجلاً قال: ارجعوا فإني علي بن أبي طالب أبي مشهور وأمي مشهورة، وأنا ابن عم محمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لا نرجع دع داعيك، فأحرقهم في النار وقبورهم في صحراء أحد عشر مشهورة، فقال: من بقي ممن لم يكشف رأسه منهم علنا أنه إله، واحتجوا بقول ابن عباس: لا يعذب بالنار إلا خالقها.[تاريخ ابن عساكر]

وإضافة إلى مسألة التأليه، ادعى ابن سبا النبوة لعلي رضي الله عنه، وادعى له كذلك العصمة، ومن افتراءاته زعمه أن عليا لم يمت وأنه باق، وأنه يعلم الغيب ويحيي الموتى ويعلم آجال العباد وما يقع منهم إلى غير ذلك من الكفريات.

- النصيرية وحلول الرب في علي رضي الله عنه:
--------------------------------

العقيدة الأساسية عند النصيرية تتمثل في تأليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فيزعمون أنه إله أو حلّت فيه الألوهية، فعلي في نظرهم (إله في الباطن)، (إمام في الظاهر)، لم يلد ولم يولد، ولم يمت ولا يأكل ولا يشرب، اتخذ محمداً (ناطقا) لذا فهو متصل به ليلاً منفصل عنه نهاراً.[إسلام بلا مذاهب: مصطفي الشكعة: (ص:335)].

يقول الشهرستاني: "إنما نشأت شبهاتهم في الحلول والتناسخ، من مذاهب اليهود والنصاري، فاليهود شبهوا الخالق بالخلق، والنصارى شبهت الخلق بالخالق، فسرَت هذه الشبهات في أذهان الغلاة، حتى حكمت بأحكام الإلهية في بعض الائمة. [الملل والنحل للشهرستاني على هامش الفصل لابن حزم: (2/10)].

- الغُرابية تثبت النبوة لعلي رضي الله عنه:
---------------------------

تقول فرقة الغرابية وهي إحدى فرق الشيعة بأن محمداً صلى الله عليه وسلم كان أشبه بعليّ رضي الله عنه من الغراب بالغراب، وأنّ الله بعث جبرئيل بالوحي إلى عليّ رضي الله عنه، فغلط جبرئيل، وأنزل الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم، ويلعنون صاحب الريش (جبريل عليه السلام).[نور البراهين أو أنيس الوحيد فى شرح التوحيد: (2/310)] للجزائري].

- موقف غلاة الإباضية من علي والصحابة رضي الله عن الجميع:
------------------------------------

يتضح موقف غلاة الإباضية من علي رضي الله عنه والصحابة الكرام من خلال ما جاء في كتاب (كشف الغمة) تحت عنوان فصل من كتاب (الكفاية) قوله: فإن قال ما تقولون في علي بن أبي طالب، قلنا له: إن علياً مع المسلمين في منزلة البراءة، وذكر أسباباً- كلها كذب- توجب البراءة منه في زعم مؤلف هذا الكتاب، منها حربه لأهل النهروان وهو تحامل يشهد بخارجيته المذمومة.

وقد ذكر لوريمر عن موقف المطاوعة –جماعة متشددة في الدين- كما يذكر قوله: ويعتقد المطوعون أن الخليفة علياً لم يكن مسلماً على الإطلاق؛ بل كان كافراً [دليل الخليج- لوريمر- (6/3406)].

فالإباضية يرون خطأ سيدنا علي رضي الله عنه في قبوله للتحكيم، والغلاة منهم يرون أنه رضي حكم البشر وترك حكم الله الذي يدعو إلى قتال الفئة الباغية.

- الإثنا عشرية، جامعة السوءات:
------------------

لقد جمعت الإثنا عشرية جل الانحرافات التي قالت بها الفرق الأخرى، في علي رضي الله عنه وفي غيره، يقول الدكتور ناصر القفاري: "من الملاحظ أن طائفة الاثني عشرية قد استوعبت جل الآراء والعقائد التي قالت بها الفرق الشيعية الأخرى، وأنها كانت بمثابة النهر الذي انسكبت فيها كل الجداول والروافد الشيعية المختلفة"[أصول مذهب الشيعة الاثنى عشرية د.ناصر القفاري بتصرف يسير]

فقالت- تلميحا لا تصريحا- بألوهيته، بنسبة صفات الرب له، وأنه أفضل من كل الصحابة، بل أفضل من الأنبياء والمرسلين، بل أفضل من نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، وادعت له العصمة، وعلم الغيب، بل وردت عند الاثنى عشرية أحاديث تصرح بأن دخول العباد الجنة والنار مرهون بقرار أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فورد في أكثر من مصدر قول علي رضي الله عنه: (أنا قسيم النّار إذا كان يوم القيامة قلت: هذا لك وهذا لي)[فرائد السمطين: (1/326)]، وهو كذب صريح على علي رضي الله عنه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
08-14-2014, 07:38 AM
الألوهية في المعتقد اليهودي*
ــــــــــــــــ


18 / 10 / 1435 هــ
14 / 8 / 2014 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8408.jpg



تتربع عقيدة توحيد الألوهية والربوبية سلم أولويات وأبجديات المسلم, فأول ما يطالب به المسلم - في مذهب أهل السنة والجماعة - تنقية اعتقاده من أي شبهة قد تعترض صحة إيمانه بالله تعالى, ومن أي لوثة فكرية قد تحرف فطرته السليمة وعقيدته الصحيحة بالله سبحانه.

وفي مقابل هذه الأولوية والاهتمام الشديد بعقيدة توحيد الألوهية عند المسلمين من أهل السنة, نجد التهاون والاستهتار اليهودي بهذه المسألة المصيرية, وبينما لا تتوقف كتابات وتوضيحات علماء أهل السنة لتنقية هذه العقيدة, والرد على الشبهات التي قد تعترض المسلم خصوصا في العصر الحديث الذي تجتاحه التيارات الفكرية الإلحادية, نجد الانحراف اليهودي العقائدي التاريخي يزداد, والتشويه المتعمد لأقدس وأعظم قضية في الوجود يتعاظم عند اليهود.

فما هي عقيدة اليهود في الألوهية؟؟ وما هي أبرز ضلالاتهم وأباطيلهم في هذه العقيدة الجوهرية؟؟ هذا ما سأحاول بيانه في هذا التقرير إن شاء الله.

تعريف التوحيد وتقسيماته عند أهل السنة

لا بد بداية من تعريف التوحيد وبيان أقسامه قبل الحديث عن عقيدة اليهود في الألوهية, وذلك حتى يتبين الحق من الباطل والصحيح من السقيم.

التوحيد: لغة: مصدر وحد يوحد توحيدا, أي جعله واحدا, وأصل التوحيد من وحد, ووحيد أي منفرد, وفلان واحد دهره أي: لا نظير له. (1)

واصطلاحا: إفراد الله بالعبادة وهو الشهادة بأن الله واحد, والاعتقاد به سبحانه منفردا بذاته وصفاته لا نظير له ولا شبيه. (2)

وقد قسم علماء أهل السنة والجماعة التوحيد إلى:

1- توحيد الربوبية والملك: وهو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه, وأنه المحيي المميت النافع الضار, المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار, الذي له الأمر كله وبيده الخير, وهو إفراد الله بالخلق والملك والتدبير.

2- توحيد الألوهية: وهو إفراد الله سبحانه بالعبادة بأن لا يتخذ الإنسان مع الله أحدا يعبده ويتقرب إليه كما يعبد الله ويتقرب إليه, وهو يتضمن إخلاص العبادة لله وحده, والإيمان بأنه المستحق لها, وأن عبادة ما سواه باطلة, وهذا هو معنى لا إله إلا الله. (3)

وتوحيد الألوهية هو المنجي من الشرك دون توحيد الربوبية بمفرده, فقد كان عباد الأصنام مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء ومليكه, ولكنهم لما لم يأتوا بتوحيد الألوهية, وهو عبادته سبحانه وحده لا شريك له, لم ينفعهم توحيد الربوبية.

3- وهناك ما يسمى توحيد الأسماء والصفات: وهو إفراد الله تعالى بما سمى به نفسه, ووصف به ذاته العلية في كتابه الكريم أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم, وذلك بإثبات ما أثبته من غير تحريف ولا تعطيل, ومن غير تكييف ولا تمثيل. (4)

الألوهية في المعتقد اليهودي

من يقرأ عن الإله في التصور اليهودي يجد العجب العجاب, فهم يجعلون لله شريكا وندا وولدا, بل يجعلون من أنفسهم ومن جنس اليهود عامة أبناء الله وأحباؤه, فالإله خاص بهم, ناهيك عن وصفهم الله سبحانه وتعالى بصفات لا تليق بالأسوياء من البشر فضلا عن رب العالمين.

ومن المفيد منذ البداية أن نؤكد أن النزعة المادية عند اليهود في الألوهية كانت ملازمة لهم طوال تاريخهم مع أنبيائهم, ورغم جهود موسى عليه السلام المضنية معهم في تخليصهم من هذه النزعة, إلا أنها كانت متأصلة فيهم, ولم يستطيعوا في فترة من فترات تاريخهم أن يستقروا على عبادة الله وحده كما ينبغي, وكانت نفوسهم تنزع إلى الوثنية في تصورهم عن الإله. (5)

ويبين الدكتور "فتحي الزغبي" العوامل التي أدت إلى تأثر اليهود بالوثنية فيذكر ثلاثة عوامل رئيسية هي:

1- ما تعرض له اليهود في فترات السبي والاضطهاد والاختلاط بالأمم الوثنية على مدى تاريخهم القديم.

2- فقدهم التوراة المنزلة على سيدنا موسى عليه السلام وتحريفهم لها وانتفاء قدسية العهد القديم.

3- الاستعداد النفسي للانحراف, لأن اليهود لو لم يكن لديهم الاستعداد النفسي لتقبل الوثنية لكان من الممكن التغلب على الاضطهاد والسبي. (6)

وقد سجل القرآن الكريم الكثير من المواقف والأمثلة التي تظهر الانحراف اليهودي في قضية الألوهية, والنزعة المادية المسيطرة عليهم, والتي وصلت إلى أعظم وأخطر قضية عقائدية إيمانية, ألا وهي عقيدة الألوهية, ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك:

1- طلبهم من موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلها كعباد الأوثان, وهي قمة الجهل والتمسك بالمادية والوثنية التي رسخت في نفوسهم, قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} الأعراف/138

2- اتخاذهم العجل وعبادتهم له من دون الله: وهي إشارة إلى استمرار تأثرهم بعبادة الأوثان, قال تعالى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} الأعراف/148, وقال تعالى: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ * أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} طه/88 – 89

3- تعليقهم تصديقهم لموسى عليه السلام برؤيتهم الله جهرة: وهي نظرة مادية مفرطة في التجسيم والتشبيه لله تعالى بالبشر, قال تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} البقرة/55 وقال تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ...} النساء/153

4- اتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله: وهي تجسيد للنزعة المادية في المعتقد اليهودي في الإله, قال تعالى : {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} التوبة/31 .

5- جعلهم لله ولدا وقولهم: العزير ابن الله: قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} التوبة/30

6- وصفهم الله تعالى بما لا يليق: فقد وصفوا الله تعالى بأنه يأكل ويشرب, ويعمل ويتعب ويستريح, وينسى ويندم ويتردد وتنطلي عليه الحيل, وأنه سبحانه متردد .....الخ, وهي صفات وردت في توراتهم المحرف وتلمودهم المبتدع المخترع.

7- ادعاؤهم أن الله مخلوق: أتى رهط من اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا محمد هذا الله خلق الخلق فمن خلقه ؟! قال : فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتقع لونه , ثم ساورهم غضبا لربه , فجاءه جبريل فسكنه فقال : اخفض عليك جناحك يا محمد , وجاءه من الله بجواب ما سألوه عنه : {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } الإخلاص 1-4 (7)

وقد تحدث الإمام السيوطي رحمه الله عن انحراف اليهود في توحيد الله تعالى, وبين أنهم أشركوا به سبحانه, وهم على علم أنه إله واحد لا شريك له, فقال في كتابه الدر المنثور عند قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} البقرة/22 قال: الخطاب هنا موجه إلى اليهود, {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} أي عدلاء, {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل لا ند له. (8)

8- ادعاؤهم أنهم أبناء الله وأحباؤه: وهذا من الشرك وتحريف وحدانية الله تعالى, قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} المائدة/18

وقد ورد في أسباب نزول الآية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضاء وبحري بن عمرو بن وشاس بن عدي فكلموه, فكلمهم صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله تعالى وحذرهم نقمته, فقالوا: ما تخوفنا يا محمد, نحن والله أبناء الله وأحباؤه!! كقول النصارى فنزلت الآية. (9)

الألوهية في التوراة والتلمود

يظهر من خلال التوراة أن فكرة الألوهية لدى اليهود بعيدة كل البعد عن الحقيقة, فقد قدموا الله تعالى بصورة مجسمة, ووصفوه بكثير من صفات النقص والضعف والكذب والغفلة والجهل – تعلا الله عما يقولون علوا كبيرا - . (10)

فقد ورد في سفر التكوين ظهور الله لنبي الله إبراهيم عليه السلام, هو واثنين من الملائكة, وأنهم غسلوا أرجلهم واتكئوا تحت شجرة ليستريحوا, وأنهم أكلوا خبزا وشربوا لبنا ... تعالى الله عن ذلك. (11)

كما ورد في سفر التكوين كذبهم وافتراءهم على الله تعالى بأنه تعب بعد الخلق فاستراح في اليوم السابع من جميع أعماله, "وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل, وبارك الله اليوم السابع وقدسه لأنه فيه استراح ..." (12)

أما في التلمود فيعتقد اليهود أن اليهودي جزء من الله – تعالى الله عن ذلك – كما أن الابن جزء من أبيه, وأنه لو لم يخلق الله اليهود لانعدمت البركة من الارض, ولما خلقت الأمطار والشمس, ولما أمكن باقي المخلوقات أن تعيش, ولذلك ورد في التلمود "إذا ضرب أمي – غير اليهودي – إسرائيليا فالأمي يستحق الموت". (13)

لقد أوغل اليهود في الشرك بالله وتحريف عقيدة الألوهية, وإذا فسدت العقيدة فسد كل شيء في الدين بعدها, فإذا كان أصل الإيمان ومرتكزه فاسد وباطل ومحرف عند اليهود, فمن باب أولى أن تفسد عباداتهم ومعاملاتهم وأخلاقهم.

ــــــــــــــــــــــــــ

الفهارس

(1) مختار الصحاح 1/296 وتيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد 1/26

(2) فتاوى مهمة لعموم الأمة لعبد العزيز بن باز ومحمد بن صالح العثيمين ص8

(3) التعليقات الأثرية على العقيدة الطحاوية عبد العزيز بن باز ص 6

(4) مدارج الساكلين لابن القيم 1/24

(5) اليهودية للدكتور أحمد شلبي ص172

(6) اليهودية وتأثرها بالأديان القديمة 413

(7) تفسير الطبري 14/28 والسيرة النبوية لابن هشام 3/110 وأورده الألباني بلفظ آخر في الصحيح الجامع وحسنه برقم 8128

(8) الدر المنثور 1/89

(9) تفسير الطبري 6/164

(10) الله جل جلاله والأنبياء في التوراة والعهد القديم محمد علي البار11-38

(11) سفر التكوين 18/1-8

(12) سفر التكوين 2/1-2

(13) التلمود سنهدرين ص2- 58

ومن مراجع التقرير : اليهودية بين الوحي الإلهي والانحراف البشري للدكتور : فرج الله عبد الباري , وعقائد اليهود من خلال الحوار مع النبي صلى الله عليه وسلم / عدنان أحمد العبد البرديني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــ

عبدالناصر محمود
08-17-2014, 07:46 AM
بين الولي والنبي عند الصوفية .. أباطيل وضلالات*
ـــــــــــــــــــــــــــ

21 / 10 / 1435 هــ
17 / 8 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8413.jpg



بين الولي والنبي عند الصوفية .. أباطيل وضلالات

لم يكن يتخيل مسلم أن يجد قوما ممن ينتسبون للإسلام يقارن بين النبي صلى الله عليه وسلم وأحد من الأمة, ولم يفعلها في دين الله إلا أصحاب الفرق الضالة والطوائف المنحرفة, ففعلها الشيعة حينما قارنوه بالأئمة وفعلها الصوفية حينما قارنوه بالأولياء.

فالمقارنة من حيث الأصل لا تجوز فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يقارن به أحد من أمته, فيروي ابن إسحاق في سيرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى عليهما السلام، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا في بهم لنا أتاني رجلان عليهما ثياب بيض، معهما طست من ذهب مملوء ثلجا، فأضجعاني، فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقاه، فأخرجا منه علقة سوداء فألقياها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج، حتى إذا أنقياه رداه كما كان، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته. فوزنني بعشرة، فوزنتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته. فوزنني بمائة، فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزنني بألف، فوزنتهم، فقال: دعه عنك فلو وزنته بأمته لوزنهم" [1].

فهل يمكن أن يتصور أحد قول الصوفي أبي يزيد البسطامي فيما يذكره عنه الدباغ فيقول (خضنا بحرا وقف الأنبياء بساحله ) [2]؟ وهل يمكن أن يكون هذا القول من الأقوال الملتبسة التي تحتاج لتبيين؟, فمن هؤلاء الذين خاضوا البحار التي وقف الأنبياء بسواحلها, ومن أفضل في كون الله من الأنبياء؟

تدرج الصوفية في التعامل في الفروق بين الأنبياء والأولياء عن طريق ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: الولاية خصوصية في الإسلام تلي النبوة.

وفي هذا صرح كثير من علمائهم بان أعطوا للأولياء خصوصية في معرفة الأسرار وإنهم يستمدون هذه الأسرار من النبي صلى الله عليه وسلم, فقال ظهير الدين القادري (الولاية ظل النبوة، والنبوة ظل الإلهية, فالأنبياء عليهم السلام مصادر الحق، والأولياء مظاهر الصدق والأولياء خصوا بإشارات نبوية، واطلاعات حقيقة، وأرواح نورية، وأسرار قدسية، وأنفاس روحانية، ومشاهدات أزلية [3], وبمثله قال الكمشخانوي في كتابه (جامع أصول الأولياء) [4].

فالولي عندهم في هذه الحالة يساوي النبي في أمور، منها: العلم من غير طريق العلم الكسبي، والفعل بمجرد الهمة، فيما لم تجر به العادة أن يفعل إلا بالجوارح والجسوم، مما لا قدرة عليه لعالم الجسوم وهي المعجزات للنبي والكرامات للولي ويفعل بالهمة في عالم الخيال وفي الحس، فإنه يسمع ويرى، ما لا يرى ولا يسمع وهو بين الناس.

المرحلة الثانية: الولاية تساوي النبوة.

فيقول ابن عجيبة مصرحا بالتساوي (ما قيل في النبي يقال في الوليّ) [5], وكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حكى عن الله عز وجل أنه قال: (أولئك كلامهم كلام الأنبياء) [6].

ويصنف الصوفية مقامات الأولياء إلى أربعة طبقات أو مقامات , ويشرح ذلك الكمشخانوي [7] بقوله: "الأولياء لهم أربعة مقامات: الأول مقام خلافة النبوة، والثاني مقام خلافة الرسالة، والثالث مقام خلافة أولي العزم، والرابع خلافة مقام أولي الاصطفاء.

فمقام خلافة النبوة للعلماء. ومقام خلافة الرسالة للأبدال. ومقام خلافة أولي العزم للأوتاد. ومقام خلافة الاصطفاء للأقطاب. فمن الأولياء من يقوم في عالم مقام الأنبياء، ومنهم من يقوم في عالم مقام الرسل، ومنهم من يقوم في عالم مقام أولي العزم، ومنهم من يقوم في عالم مقام أولي الاصطفاء" [8].

وهنا يظهر التمهيد للمرحلة الثالثة التي يقولون فيها بان الأولياء أفضل من الرسل والأنبياء وبالتالي فان ولي الصوفية أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم – حاش لله – وهذا ما يصرحون به في كتبهم المنقولة عنهم.

فيقول عبد القادر الجيلاني أو الجيلي – حتى لا يلتبس الاسم على احد - والذي يسمى عند الصوفية بشيخ الطائفة: (معاشر الأنبياء، أو تيتم اللقب، وأوتينا ما لم تؤتوه) [9].

وقال البسطامي وهو أحد أكبر أعلام الصوفية وأقطابها: (تالله أن لوائي أعظم من لواء محمد صلى الله عليه وسلم، لوائي من نور تحته الجان والجن والإنس، كلهم من النبيين) [10] .

وهو ما صرح به ابن عربي حين قال : (مقام النبوة في برزخ ** فويق الرسول ودون الولي) [11].

ويبررون ذلك بأن الولاية هي "الفلك الأقصى، من سبح فيه اطلع، ومن اطلع علم، ومن علم تحول في صورة ما علم. فذلك الولي المجهول الذي لا يعرف، والنكرة التي لا تتعرف، لا يتقيد بصورة، ولا تعرف له سريرة، يلبس لكل حالة لبوسها، أما نعيمها وإما بؤسها" [12].

ويضيف ابن عربي موضحا لذلك الخبث من الأفكار الضالة فيقول: (فإذا رأيت النبي يتكلم بكلام خارج عن التشريع فمن حيث هو وليّ عارف, ولهذا مقامه من حيث هو عارف أتمّ وأكمل من حيث هو رسول أو ذو تشريع وشرع) [13]

وبهذا فإن الولي يعلم علمين: علم الشريعة, وعلم الحقيقة, أي الظاهر والباطن, والتنزيل والتأويل, بينما الرسول من حيث هو رسول ليس له علم إلا بالظاهر والتنزيل والشريعة!!

ويقول ابن عربي أيضا في الفصّ العزيري من فصول الحكم أن النبي والرسول يستمدّ بالعلم والمعرفة من الملك الذي يبلغه الوحي الإلهي بواسطته, ولا يمكنه الأخذ من الله مباشرة, أما الوليّ فيستمد المعرفة من حيث يأخذها الملك الذي يؤدي بدوره إلى الأنبياء والرسل, ثم يلبس ابن عربي في مواضع أخرى فيقول بأنه لا يفضل الولي على النبي بعد هذه التصريحات كلها التي جعل فيها "خاتم الأولياء هو منبع العلوم ومصدر الفيض لجميع الأنبياء والرسل وأنهم لا يستمدون إلا منه ولا يستقون إلا من مشكاة خاتم الأولياء, فإن الرسالة والنبوة - أعني نبوة التشريع ورسالته - تنقطعان, والولاية لا تنقطع أبداً, ويقول أيضا أن "شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية في الاتصاف بها من كون الله تعالى تسمى (بالولي الحميد), فخاتم الرسل من حيث ولايته, نسبته مع الخاتم للولاية نسبة الأنبياء والرسل معه, فإنه الولي الرسول النبي. وخاتم الأولياء الولي الوارث الآخذ عن ألأصل المشاهد للمراتب) [14] .

وقد استقى ابن عربي فكرة "خاتم الأولياء " وتفضيله على النبي صلى الله عليه وسلم, وأن النبي أخذ العلم والمعرفة من الملك والوليّ قد أخذهما بدون واسطة من الحكيم الترمذي [15], الذي قال في جواب على سؤال: ما الفرق بين النبوة والولاية؟, فقال: (الفرق بين النبوة والولاية: أن النبوة كلام ينفصل من الله وحيا, ومعه روح من الله فيقضي الوحي ويختم بالروح, والولاية لمن ولى الله حديثه على طريق أخرى, فأوصله إليه فله الحديث, وينفصل ذلك الحديث من الله عز وجل, على لسان الحق معه السكينة, تتلقاه السكينة في قلب المحدّث, فيقبله ويسكن إليه) [16]

ثم يذكر الترمذي خاتم الأولياء فيقول: (لما قبض الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم صيّر في أمته أربعين صديقا بهم تقوم الأرض, وهم آل بيته, فكلما مات واحد منهم خلفه من يقوم مقامه, حتى إذا انقرض عددهم وأتى وقت زوال الدنيا ابتعت الله وليا اصطفاه واجتباه, وقرّبه وأدناه, وأعطاه ما أعطى الأولياء, وخصّه بخاتم الولاية, فيكون حجة الله يوم القيامة على سائر الأولياء فيوجد عنده بذلك الختم صدق الولاية على سبيل ما وجد عند محمد صلى الله عليه وسلم من صدق النبوة فلم ينله العدو, ولا وجدت النفس إليه سبيلا إلى الأخذ بحظها من الولاية.

فإذا برز الأولياء يوم القيامة واقتضوا صدق الولاية والعبودية وجد الوفاء عند هذا الذي ختم الولاية تماما, فكان حجة الله عليهم وعلى سائر الموحدين من بعدهم, وكان شفيعهم يوم القيامة, فهو سيدهم, ساد الأولياء, كما ساد الأنبياء, فينصب له مقام الشفاعة, ويثني على الله تعالى ثناء ويحمده بمحامد يقرّ الأولياء بفضله عليهم في العلم بالله تعالى.

فلم يزل هذا الولي مذكورا في البدء, أولا في الذكر, وأولا في العلم, ثم هو الأول في المشيئة, ثم هو الأول في اللوح المحفوظ, ثم الأول في الميثاق, ثم الأول في المحشر, ثم الأول في الجوار, ثم الأول في الخطاب, ثم الأول في الوفادة, ثم الأول في الشفاعة, ثم الأول في دخول الدار, ثم الأول في الزيارة, فهو في كل مكان أول الأولياء) [17].

وقد سئل: أين مقامه؟ فقال: (في أعلى منازل الأولياء, في ملك الفردانية, وقد انفرد في وحدانيته, ومناجاته كفاحا في مجالس الملك, وهداياه من خزائن السعي.

قال: وما خزائن السعي؟

قال: إنما هي ثلاث خزائن: المنن للأولياء, وخزائن السعي لهذا الإمام القائد, وخزائن القرب للأنبياء عليهم السلام, فهذا (خاتم الأولياء) مقامه من خزائن المنن, ومتناوله من خزائن القرب, فهو في السعي أبدا, فمرتبته هنا, ومتناوله من خزائن الأنبياء عليهم السلام, قد انكشفت له الغطاء عن مقام الأنبياء ومراتبهم وتحفهم) [18] .

ويقول أيضا: (وقد يكون في الأولياء من هو أرفع درجة , وذاك عبد قد ولى الله استعماله , فهو في قبضته يتقلب , به ينطق , وبه يسمع , وبه يبصر , وبه يبطش , وبه يعقل , شهره في أرضه , وجعله إمام خلقه وصاحب لواء الأولياء , وأمان أهل الأرض , ومنظر أهل السماء , وريحانة الجنان , وخاصة الله , وموضع نظره , ومعدن سره , وسوطه في أرضه , يؤدب به خلقه , ويحيي القلوب الميتة برؤيته , ويرد الخلق إلى طريقه , وينعش به حقوقه , مفتاح الهدى , وسراج الأرض , وأمين صحيفة الأولياء , وقائدهم , والقائم بالثناء على ربه , بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم! , يباهي به الرسول في ذلك الموقف , وينوه الله باسمه في ذلك المقام , ويقر عين رسول الله صلى الله عليه وسلم! , قد أخذ الله بقلبه أيام الدنيا , ونحله حكمته العليا , وأهدى إليه توحيده , ونزه طريقه عن رؤية النفس , وظل الهوى , وأئتمنه على صحيفة الأولياء , وعرّفه مقاماتهم , وأطلعه على منازلهم. فهو سيد النجباء , وصالح الحكماء , وشفاء الأدواء , وإمام الأطباء. كلامه قيد القلوب , ورؤيته شفاء النفوس , وإقباله قهر الأهواء , وقربه طهر الأدناس , فهو ربيع يزهر نوره أبداً , وخريف يجنى ثماره دأبا , وكهف يلجأ إليه , ومعدن يؤمل ما لديه , وفصل بين الحق والباطل. وهو الصديق والفاروق والولي والعارف والمحدّث. هو واحد الله في أرضه) [19].

فهل هذه الصفات تنطبق على بشر أيا كان اسمه أو صفته, فهي لا يمكن أن تكون حتى في الرسل فكيف بمن هم دونهم؟ , وهي لا تصح إلا لذات الله سبحانه.

ويقول متصوف آخر وهو النسفي عزيز الدين بن محمد [20]: (إن طائفة من الصوفية ذهبت إلى تفضيل الولاية على النبوة , وقالوا: أن النبوة باطنها الولاية , وأما الولاية فباطنها عالم الإله) [21] .

ويقول عزيز الدين بن محمد في كتابه كشف الحقائق: (المعرفة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول معرفة طبيعة كل شيء, وهذه رتبة الحكماء, والثاني معرفة خاصية كل شيء, وهذه رتبة الأنبياء, والثالث معرفة حقيقة كل شيء, وهذه رتبة الأولياء, وأعلم أن أهل الوحدة فضّلوا النبي على الحكيم, والوليّ على النبيّ, فإن كل نبي حكيم, وكل وليّ نبيّ, وليس كل نبي وليّ) [22]

رد ابن تيمية على لفظة ومصطلح ومدلول "خاتم الأولياء"

ردّ شيخ الإسلام ابن تيمية في رسائله بشدّة عليه, وعلى من نهج منهجه وسلك مسلكه, في رسائله وكتبه, ونسب كلامه إلى الكفر الذي تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا, وقال في فتاواه: (وكذا لفظ (خاتم الأولياء) لفظ باطل لا أصل له, وأول من ذكره محمد بن علي الحكيم الترمذي, وقد انتحله طائفة كل منهم يدعي أنه خاتم الأولياء: كابن حمويه وابن عربي وبعض الشيوخ الضالين بدمشق وغيرها, وكل منهم يدعي أنه أفضل من النبي عليه السلام من بعض الوجوه, إلى غير ذلك من الكفر والبهتان, وكل ذلك طمعاً في رياسة خاتم الأولياء لما فاتتهم رياسة خاتم الأنبياء, وقد غلطوا, فإن خاتم الأنبياء إنما كان أفضلهم للأدلة الدالة على ذلك, وليس كذلك خاتم الأولياء. فإن أفضل أولياء هذه الأمة السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار, وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر رضي الله عنه, ثم عمر رضي الله عنه وثم عثمان رضي الله عنه, ثم علي رضي الله عنه, وخير قرونها القرن الذي بعث فيه النبي صلى الله عليه وسلم, ثم الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم, وخاتم الأولياء في الحقيقة آخر مؤمن تقي يكون في الناس, وليس ذلك بخير الأولياء, ولا أفضلهم بل خيرهم وأفضلهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه تعالى عنه, ثم عمر: اللذان ما طلعت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل منهما) [23] .

وفي الختام فهذه هي عقيدة المتصوفة أنهم يفضلون الأولياء على أنبياء الله ورسله, فصرح بها بعضهم وكتمها الآخرون عملا بالتقية التي أخذوها من الشيعة.

فإن الوليّ عندهم فوق الرسول والنبي, ودون الله قليلا, وأحيانا يحذفون هذا الفرق البسيط أيضا بينه وبين الله, ويجعلونه ذات الله وعينه, سواء اتحد به, أو ذلك اتحد به, وعلى ذلك قالوا: (لو كشف عن حقيقة الوليّ لعبد) [24] .

فنعوذ بالله من هذا الكفر الواضح البين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] قال ابن كثير- رحمه الله- في البداية والنهاية: إسناد جيد قوي. نقله عنه الألباني- رحمه الله- في سلسلة الأحاديث الصحيحة، وصححه

[2]الإبريز للدباغ ص276

[3] ((الفتح المبين فيما يتعلق بترياق المحبين)) لأبي الظفر ظهير الدين القادري (ص 52) ط المطبعة الخيرية مصر الطبعة الأولى 1306 هـ.

[4] ص 70- ط المطبعة الوهيبية طرابلس الشام 1398 هـ.

[5] الفتوحات الإلهية لابن عجيبة الحسني ص 264 ط عالم الفكر القاهرة 1983 م.

[6] المصدر نفسه ص 116

[7] هو أحمد ضياء الدين بن مصطفى بن عبد الرحمن الكمشخانوي، من سلالة أناضولية ، ولد سنة 1228هـ/1813م في مدينة كمشخانة. هذه المدينة التي تقع في شمال شرقي تركيا

[8] ((جامع الأصول في الأولياء)) للكمشخاوي (ص 5) ط المطبعة الوهيبية طرابلس 1398 هـ.

[9] ((الإنسان الكامل)) للجيلي (1/ 124)، كذلك ((الجواهر والدرر)) (ص 286) بهامش الإبريز، ((الجواب المستقيم)) لابن عربي (ص 247) نقلا عن الجيلي.

[10] ((لطائف المنن)) لابن عطاء الله السكندري , والأخلاق للشعراني (1/ 125. )

[11] طبقات الشعراني ج1 ص 68 ط دار العلم للجميع.

[12] كتاب ((التجليات)) (ص 20) من رسائل ابن عربي ط الهند.

[13] من فصوص الحكم لابن عربي فصّ حكمة قدرية في كلمة عزيرية ص 135 .

[14] فصوص الحكم لابن عربي فصّ حكمة نفثية في كلمة شيشية ص 62 , 63 , 64.

[15] وهو غير الإمام الترمذي صاحب السنن

[16] كتاب ختم الولاية الفصل العاشر علامات الأولياء ص 346 , 347.

[17] ختم الولاية للترمذي الحكيم الفصل التاسع ص 344 , 345

[18] المصدر نفسه ص 367

[19] نوادر الأصول للترمذي ص 157 , 158 ط الآستانا.

[20] عبد العزيز بن محمد النسفي عزيز الدين صوفي. من تصانيفه: آداب السلوك، زبدة الحقائق، المقصد الأقصى، منازل السائرين.توفي سنة 686هـ، - 1287 م.

[21] (زبدة الحقائق) - النسفي عزيز الدين بن محمد

[22] كشف الحقائق لعزيز الدين النسفي بتصحيح وتعليق دكتور أحمد مهدوي طبعة فارسية ص 102ط طهران

[23] انظر مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية ج 4 ص 57 ط دار الكتب العلمية بيروت لبنان وكذلك ج 11 ص 444.

[24] غيث المواهب العلية للنفزي الرندي ج1 ص 235 بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
08-21-2014, 07:45 AM
الملائكة في المعتقد الشيعي*
ــــــــــــــ

25 / 10 / 1435 هــ
21 / 8 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3783.jpg


يبدو أن مسألة الإمامة طغت على جميع معتقدات الشيعة وأفكارهم, حيث لا يخلو باب من أبواب العقيدة إلا وموضوع الإمامة يتخلله ويتصدره, فبعد أن جعلوا منزلة الأئمة فوق منزلة الرسول والنبي, وبعد أن غالو في مكانتهم حتى نسبوا لهم بعض صفات وأسماء الله الحسنى, ها هم يقحمون الأئمة في أركان الإيمان أيضا.

وإذا كانت أركان الإيمان عند أهل السنة والجماعة هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر, فإن تفاصيل هذه الأركان عند الشيعة مختلفة تماما عما هي عند أهل السنة, وسنخصص الحديث في هذا التقرير بإذن الله عن عقيدة الشيعة في الملائكة.

وبينما يؤمن أهل السنة والجماعة بوجود ملائكة خلقها الله تعالى من نور, لا يأكلون ولا يشربون ولا يتصفون بذكورة أو أنوثة, لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون, قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} التحريم/6.

كما يعتقد أهل السنة أن للملائكة أعمالا شريفة يقومون بها, كالنزول بالوحي على الأنبياء والمرسلين, وهو ما اختص الله به جبريل عليه السلام, وكتابة أعمال الإنسان من حسنات وسيئات, وقبض الأرواح الذي اختص به ملك الموت, وغير ذلك من المهام الكثيرة التي أمرهم الله تعالى بالقيام بها, والمثبتة بنصوص واضحة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله الصحيحة.

قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} الشعراء/193, وقال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ق/18, وقال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} السجدة/11.

أمام هذا الاعتقاد بالملائكة الواضح والبسيط وغير المعقد نجد الشيعة يخالفون هذه الآيات والأحاديث, ويعتقدون بأمور تتعلق بالملائكة ما أنزل الله بها من سلطان, وليس لها أي دليل من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم, اللهم إلا أخبارا وروايات نقلوها عن أئمتهم والأئمة منها براء.

ويمكن اختصار أهم عقائد وأفكار الشيعة في الملائكة يما يلي:

1- يعتقدون أن الملائكة خلقوا من نور الأئمة وليس من نور فحسب, وقد جاء في بعض أخبارهم: (خلق الله من نور وجه علي بن أبي طالب سبعين ألف ملك يستغفرون له ولمحبيه إلى يوم القيامة) بحار الأنوار للمجلسي 23/320, وأحيانا يقولون: (خلق الله تعالى الملائكة من نور علي) المعالم الزلفى ص249.

وهو مخالف تماما للحديث الصحيح عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (خُلِقَتِ الْمَلاَئِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ)صحيح مسلم برقم 7687.

2- يعتقدون أن الملائكة خلقوا لخدمة أئمتهم وخدمة محبيهم, فجاء في بحار الأنوار: (إن الملائكة لخدامنا وخدام محبينا) 26 /335, وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله قال: (إن الملائكة لتنزل علينا في رحالنا, وتتقلب في فرشنا, وتحضر موائدنا, وتأتينا من كل نبات في زمانه رطب ويابس, وتقلب أجنحتها على صبياننا, وتمنع الدواب أن تصل إلينا, وتأتينا في وقت كل صلاة لتصليها معنا, وما من يوم يأتي علينا ولا ليل إلا وأخبار أهل الأرض عندنا وما يحدث فيها, وما من ملك يموت في الأرض ويقوم غيره إلا وتأتينا بخبره وكيف كانت سيرته في الدنيا) بحار الأنوار 26/356

وهذا بلا شك انحراف كبير عن منهج العقيدة الإسلامية الصحيحة, وهو ناجم عن انحرافات عقدية سابقة تتمثل باضفاء الشيعة على أئمتهم بعض صفات الربوبية والألوهية والعياذ بالله, وما يترتب عليها من علم الغيب والتصرف بشؤون الكون والخلق وغير ذلك, فلا غرابة بعد كل تلك الانحرافات العقدية أن تكون الملائكة خدما للأئمة عندهم.

3- تطاولوا على جبريل عليه السلام, وزعموا -في حديث طويل جاء في آخره– (أن جبريل دعا ربه ليكون خادما للأئمة فقالوا: فجبريل خادمنا) بحار الأنوار 26/344.

وقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (فتسمية جبريل رسول الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم خادما عبارة من لا يعرف قدر الملائكة وقدر إرسال الله لهم إلى الأنبياء ..) منهاج السنة 2/158, وكيف يطلق هذا اللقب الوضيع على من وصفه الله تعالى في كتابه العزيز بقوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين} التكوير19-21.

4- يزعمون أن بعض ملائكة الرحمن لا وظيفة لهم إلا البكاء على قبر الحسين والتردد لزيارته, وقد جاء في كتبهم عن ذلك: (وكل الله بقر الحسين أربعة آلأاف ملك شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة) وسائل الشيعة10/318 وفروع الكافي1/325, بل غالوا في ذلك إلى القول بأن زيارة قبر الحسين هي أمنية أهل السماء, وقد جاء في بعض كتبهم: (وليس شيء في السموات إلا وهم يسألون الله أن يؤذن لهم في زيارة الحسين ففوج ينزل وفوج يعرج) التهذيب للطوسي 2/16 وعلل الشرائع ص13.

5- الملائكة في روايات الشيعة مكلفون بمسألة الولاية, والمخالف منهم في أمر الولاية يعاقب –في زعمهم– حتى إن أحد الملائكة عوقب بكسر جناحه لرفضه ولاية أمير المؤمنين علي رضي الله عنه, ولم يبرأ إلا حينما تمسح وتمرغ بمهد الحسين. بصائر الدرجات ص20 وبحار الأنوار 26/341

ولا يخفى على كل مسلم أن هذه الكلام مخالف لأبجديات العقيدة الإسلامية الصحيحة, فالملائكة مخلوقون لعبادة الله وطاعته وتنفيذ أمره, وهم تبعا لذلك غير مكلفين كالبشر, فلا ثواب يترتب على أفعالهم ولا عقاب.

6- يزعم الشيعة أن حياة الملائكة موقوفة على الأئمة والصلاة عليهم, لأنه حسب قولهم: (ليس لهم طعام ولا شراب إلا الصلاة على علي بن أبي طالب ومحبيه, والاستغفار لشيعته المذنبين, كما أن الملائكة لا يعرفون تسبيحا ولا تقديسا من قبل تسبيح الأئمة وتسبيح شيعتهم) بحار الأنوار 26/349.

7- يزعمون أن الملائكة تراعي أمر الشيعة على وجه الخصوص, فإذا خلا الشيعي بصاحبه اعتزلهم الحفظة فلم يكتبوا عليهم شيئا, وقد جاء في كتبهم عن ذلك: (أن الشيعي إذا التقى بالشيعي يتساءلان قالت الحفظة: اعتزلوا بنا, فإن لهم سرا وقد ستره الله عليهما) وسائل الشيعة 8/563.

وهذا مخالف لصريح نص قول الله تعالى في القرآن الكريم: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} الزخرف/80, وقوله تعالى: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ق/17-18.

8- قام الشيعة بتأويل أسماء وألقاب الملائكة التي جاءت في القرآن الكريم بالأئمة, أو جعلوا وظائف الملائكة لأئمتهم, وقد عقد المجلسي بابا يظهر هذا الأمر وهو: ( باب أنهم –أي الأئمة– عليهم السلام الصافون والمسبحون وصاحب المقام الملعوم وحملة عرش الرحمن وأنهم السفرة الكرام البررة) بحار الأنوار 24/87, وهو ما يعني أنهم يقتربون من إنكار الملائكة من خلال إنكار وظائفهم وخصائصه وما شرفهم الله تعالى به.

يبدو مما أوردناه في هذا التقرير عن اعتقاد الشيعة بالملائكة أنه غريب وعجيب, بل هو في غاية الفظاعة والشناعة لمن كانت فطرته سليمه وإيمانه ومعتقده صحيح, أما من تلوثت عقيدته بمصائب وكوارث أعظم وأدهى مما ذكرناه, كما هو الشأن عند الشيعة الإمامية, فقد يستسهل الإيمان بمثل هذه العقائد الباطلة والزائفة.

وما يزال المخفي من أمثال هذه الطوام أكثر من المعروف منها عند هذه الفئة الضالة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
09-08-2014, 07:53 AM
أثر الأديان والفلسفات على التصوف*
ــــــــــــــــــ

13 / 11 / 1435 هــ
8 / 9 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3955.jpg



إذا كان إعلان العداء للإسلام فكرا وعقيدة, وممارسة الاضطهاد والتنكيل بحق أتباعه وأهله شعار المرحلة الحالية, نظرا لضعف المسلمين في مقابل قوة عدوهم, فإن الإسلام لم يسلم من كيد وخبث هؤلاء الأعداء حتى في مرحلة قوة المسلمين وبأسهم, من خلال بث التفرقة والعصبية في صفوفهم, وادعاء اعتناق الإسلام لبث الأفكار الضالة والعقائد الفاسدة بينهم, والتي تجد قبولا لدى بعض الجهال وأصحاب المطامع والأهواء.

ولعل من أخطر الأفكار الضالة التي تسللت إلى العقيدة الإسلامية هي الصوفية, التي استقت نظرياتها وتعاليمها وطقوسها من بعض الأديان القديمة كاليهودية والنصرانية والديانات الهندية, ومن بعض الفلسفات الأجنبية كالفلسفة اليونانية, ناهيك عن تأثرها بالمجوسية والفارسية.

و رغم الجدل القائم بين الباحثين حول أسس ومؤثرات نشأة التصوف الإسلامي, بين من يذهب إلى كونه مؤسس في الأصل على نصوص الوحي منذ نشأته , إلى أن شابته الشوائب التي حرفت عن مساره الصحيح, ومن قائل بأنه اسم للزهد المتطور الذي خالطته الثقافات الخارجية فولدت نوعا جديدا من التصوف, إلى ثالث يقول بأنه لا ارتباط للتصوف بتعاليم الإسلام أصلا, بل هو فكر يستمد أصوله من غير الإسلام أساسا, إلا أنه يكاد يجمع الباحثين على تأثر التصوف بالديانات القديمة والفلسفات الأجنبية.

وفي هذا التقرير سنحاول التركيز على النصرانية والديانات الهندية والفلسفة اليونانية كأهم وأبرز المصادر التي أثرت في وجود نظريات وتعاليم وطقوس الصوفية.

1- النصرانية: يظهر تأثر الصوفية ببعض عقائد وأفكار النصرانية من خلال:

· ألفاظ نصرانية استخدمها بعض قدامى رموز الصوفية كلفظي "الناسوت" و"اللاهوت" المأثور استعمالهما عن الحلاج, ومن المعلوم أن القول بحلول اللاهوت – الخصائص الإلهية - في الناسوت – الطبيعة البشرية – ادعته النصارى في عيسى بن مريم عليه السلام. (1)

· ما يوجد في مراجع التصوف الأصلية من قصص لبعض الصوفية من قصدهم الرهبان والاختلاف إليهم لتلقي المعرفة, إضافة لتعظيم رهبانية النصارى من خلال الاعتزال بالصوامع وقمم الجبال مما استقته الصوفية منهم. (2)

· مظاهر الشبه القوية بين حياة الزهد الصوفية وتعاليمهم ومجاهاتهم فيها, وما يقابله من الأحوال والأقوال المنسوبة للمسيح عليه السلام وأحوال الرهبان والقسيسين عند النصارى.

ومن أمثلة ذلك ما جاء في العهد الجديد: (فحسن للرجل أن لا يمس امرأة), وجاء ما يشابهه في قول أبي لسيمان الداراني: ( ثلاثة من طلبهن فقد ركن إلى الدنيا : من طلب معاشا أو تزوج امرأة أو كتب الحديث) (3).

2- الديانات الهندية: لعل من أوائل من كشف الصلة بين التصوف والديانات الهندية أبو الريحان البيروني, كما برهن على استمداد التصوف أصوله الفكرية من الديانات الهندية كبار المستشرقين المعنيين بالتصوف كما نقله أبو العلا عفيفي في مقدمته لكتاب "نيكولسون".

ويدلل الدكتور علي زيعور على بعض نقاط الالتقاء والشبه بين الأفكار الهندية والتصوف الإسلامي في كتابه "الفلسفات الهندية" ومن أبرزها:

· المريد الصوفي شديد الشبه بما يسميه الهنود مرحلة التلميذ ثم البادئ المتميز "انتيفاشين" ثم "ادهيكارين" .

· الصوفي الفاني عن ذاته هو نفسه "غورو" الذي فقد الشعور بالدنيا والحس و"البهكشوا" تعبيرا عن حالة الوجد عند الصوفية.

· المسشبحة مأخوذة من الهند, وكذلك الخرقة والركوة والعصا أدوات لها نفس الدلالة عند الجانبين.

· "النرفانا" والفناء في الله مفهومان يتحققان بنفس الطرائق ولهما نفس الغاية مع بعض الفروقات, كما أن المراقبة والتأمل وضرب الإنسان نفسه "تاباس" هي طرائق ومكابدات متماثلة.

· مبدأ "أهمسا" الهندي – اللاعنف – انتقل إلى التصوف فوجدنا البسطامي يعود مسافات طويلة ليرجع نملة - دخلت زاده تحت شجرة – إلى مكانها الأصلي.

· التناسخ والحلول ووحدة الوجود تشبه ألوانا هندية, وكذلك الأساطير عن قوة الصوفي الخارقة نجد لها جذور هندية.

· الأقوال المكثفة وأساليب التعبير الصوفية بجمل قصيرة ومثقلة تجد في الهند نظيرها.

· بعض أشكال ***** والشعوذة وما يسى بالطب ********, وكتابة التعاويذ وما إلى ذلك من الطقوس الهندية تأصلت في الذات العربية عن طريق بعض المتصوفينب شكل خاص. (4)

3- الفكر اليوناني: اعتبر كثير من الباحثين أن الكلام في الإلهيات الذي نشأ في التصوف مأخوذ من الغنوصية والأفلاطونية المحدثة.

أما التأثر بالغنوصية (5) فقد دخلت فكرة الثنائية الغنوصية بين الله والمادة في عقائد الصوفية كما يؤكد الدكتور علي سامي النشار في كتابه "نشأة الفكر الفلسلفي في الإسلام", فأصبح محمد صلى الله عليه وسلم هو أول الصادرات عن الله تعالى, ومنه صدرت المخلوقات , وهذه العقيدة تعرف عند الصوفية بالإنسان الكامل أو الحقيقة المحمدية, كما ذكر الدكتور النشار بعض الشخصيات الغنوصية الصوفية: كالحلاج والسهروردي وابن عربي. (6)

وأما عن تأثر الصوفية بالأفلاطونية المحدثة (7) فيقول الدكتور قاسم غني: إن طريق الحصول على التمتع الأبدي عند الأفلاطونية المحدثة هو بتطهير النفس السفلية, عن طريق التجرد من الشهوات الجسمانية والميول الحسية وممارسة الفضائل الأربعة: العفة والعدل والشجاعة والحكمة, والتي يسميها المتصوفة بعد إجراء بعض الحذف والإضافة عليها "حكمة الإشراق".

ويمثل الدكتور قاسم على هذا التشابه أن الصوفي الزاهد الذي يغض الطرف عن الدنيا وما فيها بحكم أنها فانية, ويتعلق خاطره بما هو خالد, يشعر بلذة الرضا في فلسفة أفلوطين, كما أن فكرة وحدة الوجود في الفلسفة الأفلوطونية جذب أنظار الصوفية الذين يرون أن على السالك أن يطير بجناح العشق إلى الله, وأن يحرر نفسه من قيد وجوده الذي ليس إلا مظهرا فحسب, وأن ينمحي ويفنى في ذات الله أي في الموجود الحقيقي.

كما أن تأثر الصوفية بكتاب "اتولوجيا أرسطو طاليس" بدأ منذ القرن الخامس الهجري كما يرى عبد الرحمن بدوي , وبالأخص بنظرية الفيض كما نجده عند السهروردي وابن عربي. (8)

وإذا كانت مصادر الصوفية تعتمد على كل هذه الديانات المحرفة أو المخترعة, وعلى فلسفات بعيدة كل البعد عن نظرة الإسلام للكون والإنسان والحياة, فإنها بلا شك غير صالحة لأن تنسب إلى الدين الإسلامي من قريب أو من بعيد, بل الأقرب أن تنسب إلى تلك الديانات والفلسفات والأفكار الباطلة.

ــــــــــ

الفهارس

(1) مدخل للتصوف الإسلامي أبو الوفا الغنيمي 34

(2) إحياء علوم الدين للغزالي 1/226

(3) غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية 1/208

(4) الفلسفات الهندية 90 – 91 وكذلك : التصوف المنشأ والمصدر/ إحسان ظهير

(5) الغنوصية : كلمة يونانية تعني المعرفة بالحدس التجريبي الحاصل باتحاد العارف بالمعروف .

(6) نشأة الفكر الفلسلفي في الإسلام 1/186

(7) الأفلاطونية المحدثة : مذهب قام على أصول أفلاطونية تمثل عناصر من جميع المذاهب فلسفية ودينية , يونانية وشرقية .

(8) تاريخ التصوف في الإسلام / قاسم غني 142 .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
09-14-2014, 08:19 AM
التربية الذليلة في الصوفية وأثرها في إضعاف الأجيال المسلمة*
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

19 / 11 / 1435 هــ
14 / 9 / 2014 م
ــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8569.jpg


جسدت التربية النبوية للصحابة النموذج الأسمى والمثالي في ايجابيات التربية الإسلامية، التي يجب وان يحتذيها المربون ويتخذوها قدوة ونبراسا لهم امتثالا للأمر الإلهي "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً", ولهذا فكل تربية تخرج عن المنهج النبوي تربية ناقصة بعيدة عن الهدي النبوي ومنحرفة عن المنهج الإسلامي، حتى وإن ادعى أصحابها أنهم يربون أتباعهم تربية إسلامية.

وأخرجت التربية النبوية زعماء وقادة حملوا المنهج الإسلامي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وخاضوا الفيافي والقفار مجاهدين, ووقفوا على شواطئ المحيطات والأنهار داعين لله سبحانه ناشرين للحق في كل ربوع الأرض, وصار كل منهم علما في ميدانه وسخروا كل مواهبهم التي لم تنطفئ في خدمة دين الله.

وبالنظر للتربية الصوفية التي يربيها الشيخ للمريد نجد ان الصوفية قدر ارتكبت جريمة في حق الأمة لا تعدلها جريمة، إذ قتلت الأجيال الإسلامية وصنعت منهم نماذج مشوهة منحرفة ضالة مضلة تدعو لليأس والقنوت وتترك السعي في الدنيا وتنشر الخمول والكسل والتواكل والبطالة، وتدع بل وتحارب أحيانا الجهاد في سبيل الله وتحرفه عن مضمونه, وتجعل من الرقص والغناء وسائل للتقرب من الله, وتبتعد عن المساجد وتركن إلى الزوايا والتكايا والخلوات وتترك ميادين الحق والجهاد.

وما ذلك كله إلا نتاج التربية السلبية المذلة التي كان يربيها الشيخ لمريديه، فتقتل كل مواهبهم ويصيرون خدما خاصين به أقصى آمالهم أن يقربهم الشيخ منه، وهم على أتم الاستعداد لفعل أي شئ في سبيل مرضاة شيخهم، دون النظر إلى أي اعتبار شرعي أو فقهي دون أن يصدر منهم أي رد فعل على ما يأمرهم أو على ما ينهاهم، فيكون كل منهم مسخا من المسوخ أو شبه إنسان، يؤدي للشيخ خدماته ويبذل له من نفسه ومن خلقه فتسحق شخصياتهم ويصبح أقربهم من شيخه أكثرهم تذللا بين يديه, ولم يكن هذا ما ربى عليه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه.

ملامح التربية الصوفية:

1- لا وصول لله بغير شيخ

زعم الصوفية من أجل تكبيل المسلمين بهم وإرغامهم على السير خلف ركاب الشيوخ أن نيل الولاية في دين الله سبحانه لا يكون إلا عن طريق شيخ مرشد، وأنه لا سبيل للإنسان لسلوك الطريق إلى الله إلا عبر الشيخ الذي يعتبر مفتاح باب الولوج على الله وبغيره لا يمكن الولوج, وفي هذا ابتداع في دين الله سبحانه فما أمر النبي صلى الله عليهم وسلم المسلمين من بعده أن يكون لكل منهم شيخ ليدله على الله؛ ليلزمه المسلم ويكون له خادما مطيعا ملتزما بأوامره ونواهيه كما زعم هؤلاء الصوفية.

فغالى الصوفية جدا في هذا المفهوم حيث قالوا: "من لا شيخ له فشيخه الشيطان"[1], وربما لا يلتزم المسلم بشيخ فيحفظ القرآن على يد قراء أو يتعلم العلم على يد فقهاء ويتعبد لله سبحانه, فقرر الصوفية أنه متجرئ على طريق الولاية وأنه لن يفلح ولن يصل إلى الله فقالوا: "لو كان الرجل يوحي إليه ولم يكن له شيخ لا يجيء بشيء[2], وكأن الصوفية قد احتكروا القرب من الله فلن يكون باب إليه سبحانه الا عن طريقهم".

وهذا الدجل غريب وبعيد بل ومخالف لدين الله سبحانه, وما هو إلا باب لاستعباد للعباد واسترقاق لهم بسلبهم لإرادتهم ولممتلكاتهم واتخاذهم عبيدا وخدما بمحض إرادتهم, ولذلك منعا للتضارب بين الشيوخ على الأتباع ابتدعوا في دين الله أيضا أفكارا مثل ما صاغه الشعراني من تحريم لتنقل المريد بين الشيوخ, فقال: "كما أن الله لا يغفر أن يشرك به فكذلك الأشياخ لا يسامحون المريد في شركته معهم غيرهم, وكما أنه لم يكن للعالم إلهان, فكذلك لا يكون للمريد شيخان[3], فأين دليل مثل هذه الافتراءات العظيمة في دين الله سبحانه؟ أم يشرع هؤلاء الشيوخ في دين الله ما لم يأذن به؟ "أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ".

2- الخضوع والاستسلام التام في أمور الدين والدنيا

بعد الدخول في حبائل الشيخ لا يستطيع المسلم الذي يسمى بالمريد إلا أن يلتزم بالقوانين الصارمة التي يسنها الشيوخ العارفون، والتي يدعمونها بنصوص ليس لها حظ من كتاب أو سنة صحيحة, فليس له أن يسأل شيخه عن شئ فعله لم فعله, أو عن شيء لم يفعله لِم لَم يفعله, بل عليه الخضوع التام والموافقة المطلقة والسير في الركاب وليس عليه سوى التسبيح بحمد شيخه في كل أمر قول أو فعل أو ترك دون أن يفهم السبب أو يحصل على المبرر الشرعي لذلك, فكما يقول النفري: "من قال لأستاذه: لِمَ لا يفلح"[4], فالفلاح عند الصوفية مرتبط بالقبول والإذعان والتسليم, أما السؤال – حتى لو كان سؤال الجاهل للتعلم - فهو الخسران المبين عندهم.

ولم يقتصر القهر الفكري وسحق الشخصية عند الصوفية عند فتح الفم بالسؤال والاستيضاح، بل وصل الأمر لمطالبتهم بعد تحرك النفس للسؤال أي أن يكون خاملا لا يفكر إطلاقا في قول الشيخ وفعله, ولو فكر مرة ربما يحرم من صحبة الشيخ ووجبت عليه التوبة من ذلك وقلما تقبل منه أيضا, فيقول القشيري في رسالته: "من صحب شيخا من الشيوخ ثم اعترض عليه بقلبه فقد نقض عهد الصحبة ووجبت عليه التوبة، ثم إن الشيوخ قالوا: حقوق الأستاذين لا توبة منها".[5], ولماذا لا يقول القشيري ذلك وهي كلمة شيخهم الأكبر وكبريتهم الأحمر ابن عربي: "من شرط المريد أن لا يكون بقلبه اعتراض على شيخه"[6], وهو الذي قعد القواعد لهذا الهدم الصوفي لدين الإسلام؟.

ويبرر كثير من الكتاب الصوفيين في كتبهم هذا السلوك من المريد مع الشيخ بأن "الشيخ في أهله كالنبي في أمته"[7], وجهلوا أو تجاهلوا أن الصحابة كثيرا ما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أفعاله وأقواله ومواقفه مثل موقف الحباب بن المنذر في موقع المسلمين في غزوة بدر, وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأيهم في كثير من الأمور بالإضافة إلى أسئلتهم له عن ما يقوله في الصلاة في سكوته بين التكبير والقراءة وغير ذلك, فهل ما يدعونه هذا له دليل من كتاب أو سنة؟

وعلى المريد الطاعة المطلقة في كل قول أو توجيه من الشيخ وذلك في شئون دينه أو دنياه وخاصة في بداية سلوكه بما يضمن لهم استدامة خنوعه حتى لحظة موته, فيقول القشيري: "وأن لا يخالف شيخه في كل ما يشير عليه لأن الخلاف للمريد في ابتداء حاله دليل على جميع عمره" [8]

3- عدم الاعتراض مطلقا

لا يعرف المسلمون من الدين إلا أن كل مسلم يجب أن يضبط أفعاله ويزنها بميزان الشريعة, فما كان حكمه الوجوب كان تركه وزرا, وما كان حكمه التحريم وجب الانتهاء والابتعاد عنه, لكن في الصوفية يجب أن يعلم المريد أن لشيخه أحكامه الخاصة, فالحلال والحرام من علوم الشريعة لأهل الظاهر أما من وصل لمرتبة شيخه فلا يتقيد بعلوم الشريعة، بل ينتقل إلى الحقيقة بالمروق من الإسلام ومن شرائعه تماما، فعلى المريد أن لا يعترض على شيخه فيما يفعله ولو كان فعلا محرما في الإسلام, فلا يقول لشيخه: لِمَ فَعلت كذا، لن من قال لشيخه: لِمَ ؟ لم يفلح أبداً كما رباهم الصوفية إذ قالوا (ومن آداب المريد مع شيخه عدم الاعتراض عليه في كل ما يفعله ولو كان ظاهره حراما، وأن يكون بين يدي شيخه كالميت بين يدي مغسله ".[9]

فأنشد أحدهم في هذا المعنى قائلا:

وكن عنده كالميت عند مغسل ** يقلبه ما شاء وهو مطاوع

ولا تعترض فيما جهلت من أمره ** عليه فإن الاعتراض تنازع

وسلم له فيما تراه ولو يكن *** على غير مشروع فثم مخادع [10]

وعليه فلا يجوز الإنكار على شيوخ التصوف من مريدهم أبدا، حتى لو كان مع المنكر دليل شرعي صحيح من كتاب أو سنة صحيحة, فيقول أحمد بن مبارك السلجماسي فيما يرويه عن شيخه عبد العزيز الدباغ: "واعلم وفقك الله أن الولي المفتوح عليه يعرف الحق والصواب ولا يتقيد بمذهب من المذاهب, ولو تعطلت المذاهب بأسرها لقدر على إحياء الشريعة, وكيف لا وهو الذي لا يغيب عنه النبي صلى الله عليه وسلم طرفة عين!!, ولا يخرج عن مشاهدة الحق جل جلاله في أحكامه التكليفية وغيرها, وإذا كان كذلك فهو حجة على غيره وليس غيره حجة عليه لأنه أقرب إلى الحق من غير المفتوح عليه وحينئذ فكيف يسوغ الإنكار على من هذه صفته؟" [11]

ويؤكد السلجماسي ذلك في شرح القصيدة الرائية في آداب المريد فيقول:

"فذو العقل لا يرضى سواه وإن نأى ** عن الحق نأي الليل عن واضح الفجر

فمن له عقل سليم وطبع مستقيم – في الصوفية قطعا- لا يرضي سوى شيخه ويدور معه حيثما دار ولو بَعُد الشيخ في ظاهر الأمر عن الحق بعداً بيناً كبعد الليل من الفجر ويقول إن للشيخ في ذلك وجهاً مستقيماً عسى أن يطلعني عليه"[12]

وعليه أيضا أن يلغي المريد حواسه وينكر ما بلغه منها فما يراه من زنا شيخه بامرأة أجنبية فانه ليس بزنا، وما يراه من الخمر يشربه شيخه فانه ليس بخمر، أو ربما يختبرهم الشيخ بأنه أرسل صورته تفعل المنكرات اختبارا لمريديه!!! فهل بعد هذا السفه من سفه؟ وهل بعد هذا التلاعب بالدين من تلاعب؟

فيذكر السلجماسي أن شيخه عبد العزيز حكى له عن مريد كان يرى شيخه على الزنا، ويصلي وهو جنب من زنا والماء بجواره، ثم يشرب الخمر ولم يحرك ذلك شيئاً في هذا المريد الصادق, فقا: "وسمعته (رضي الله عنه) يقول: كان لبعض العارفين بالله عز وجل مريد صادق وكان هو وارث سره فأشهده الله تعالى من شيخه أموراً كثيرة منكرة ومع ذلك لم يتحرك له وساوس!! " [13]

ولهذا كان من السهل التلاعب بهذه العقول بعد أن سحقوا فيها الشخصية المسلمة الحقيقية, فلا عجب أن يستخفوا بهم فيقولون كما في الإبريز "قال محيي الدين العربي ومن شروط المريد أن يعتقد في شيخه أنه على شريعة من ربه ونبيه منه ولا يزن أحواله بمسيرته أنه فقد تصدر من الشيخ صورة مذمومة في الظاهر وهي محمودة في الباطن، والحقيقة يجب التسليم وكم من رجل تناول كأس خمر بيده ورفعه إلى فيه وقلبه الله في فيه عسلاً، والناظر يراه شرب خمراً وهو ما شرب إلا عسلاً ومثل هذا كثير، وقد رأينا من يجسد روحانيته على صورة ويقيمها في فعل من الأفعال ويراها الحاضرون على ذلك الفعل فيه، ولو رأيناه فلا يفعل كذا وهو عن ذلك الفعل بمعزل وهذه كانت أحوال أبي عبد الله المصلي المعروف بقضيب البان وقد رأينا هذا مراراً في أشخاص" [14] .

الحكايات الصوفية المدعمة لإرهاب ولمسخ عقول الأتباع

وكعادة الصوفية يسوقون أي فكرة من أفكارهم الغريبة بقصص الكثير منها مكذوب ومحبوك ومصطنع, فيقول الشعراني: (كان أبو سهل الصعلوكي رحمه الله يقول: كان لبعض الأشياخ مجلس يفسر فيه القرآن العظيم فأبدله بمجلس قوال, فقال مريد بقلبه: كيف يبدل مجلس القرآن بمجلس قوال [15]؟ فناداه الشيخ: يا فلان, من قال لشيخه: لم, لم يفلح, فقال المريد: التوبة.

وزار أبو تراب النخشبي وشقيق البلخي أبا يزيد البسطامي, فلما قدّم خادمه السفرة قلا له: كل معنا يا فتى, فقال: لا, إني صائم, فقال له أبو تراب: كل, ولك أجر صوم شهر, فقال: لا, فقال له شقيق: كل, ولك أجر صوم سنة, فقال: لا, فقال أبو يزيد: دعوا من سقط من عين رعاية الله عز وجل, فسرق ذلك الشاب بعد سنة, فقطعت يده عقوبة له على سوء أدبه مع الأشياخ.

ثم نقل عن الشيخ برهان الدين أنه قال: من لم ير خطأ الشيخ أحسن من صوابه لم ينتفع به )[16] .

وهنا شيخ صوفي يعلم ويطلع على ما في الصدور – حاش لله سبحانه - فيطلب منه المريد التوبة, وشيخ آخر يوزع ثواب الأعمال, فمرة يقول لك افطر ولك اجر صيام شهر ومرة يقول له افطر ولك اجر سنة وكأنهم آلهة يوزعون الحسنات والسيئات دون دليل من كتاب أو سنة.

4- خدمة الشيخ طريق الولاية

ربى الصوفية مريديهم على هذه الفكرة الأساسية أن طريق الولاية مسدود وليس ثمة فرصة للولوج إلا على يد الشيخ الموصل المرشد, وحددوا السبيل الوحيد لها عن طريق استرضاء الشيخ بأداء كافة ما يطلب من خدمات لقضاء حوائجه, فيوضح لنا ابن عجيبة ذلك يؤكد بأن هؤلاء الأعلام في الصوفية ما وصلوا لما وصلوا عليه إلا بخدمة شيوخهم فيقول: "الشيخ الغزالي والشيخ عبد الله الوازني وغيرهما من الأولياء ما نالوا مرتبة الولاية وكمال الصلاح إلا بخدمة مشايخهم".[17]

ويحكي الشعراني عن ثمرة خدمة المريد لشيخه – حتى لو كانت في رعاية حيوانات الشيخ في الاصطبلات أو قضاء حوائج بيت الشيخ - فيقول: "وعلى المريد إذا أقامه الشيخ في خدمة سفرا وحضرا دون أن يحضر مجالس الذكر أن لا يتكدر، فإن الشيخ إنما يستعمله فيما يراه خيرا له من سائر الوجوه، ومتى تكدر أو رأى أن اشتغاله بغير ذلك أفضل فقد نقض عهد شيخه!! فإن الشيخ أمين عليه من جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته!! ومطالب أن يفعل معهم ما يرقيهم وينهاهم عما يؤخرهم في المقامات, وقد بلغنا أن سيدي إبراهيم المواهبي لما جاء إلى سيدي الشيخ أبي المواهب يطلب الطريق إلى مقدمة الأدب مع الله تعالى أمره أن يجلس في الاصطبل يخدم البغلة ويقضي حوائج البيت!! وقال له: احذر أن تحضر مع الفقراء - يعني الصوفية - قراءة حزب أو علم!! فأجابه إلى ذلك فمكث سنين!! حتى دنت وفاة الشيخ فتطاول أكابر أصحابه للإذن لهم في الخلافة بعده, فقال: ائتوني بإبراهيم، فأتوه به ففرش له سجادة وقال له: تكلم على إخوانك في الطريق، فأبدى لهم العجائب والغرائب نظماً ونثراً حتى انبهرت عقول الحاضرين، فكان سيدي إبراهيم الخليفة بعد الشيخ ولم يظهر من أولئك شيء من أحوال الطريق، فعلم أن معرفة الأمور التي يقع بها الفتح راجعة إلى الشيخ لا إلى المريد!!! [18]

ولم تكن هذه الأفكار أفكارا قديمة بالية وجدت في الكتب القديمة والعصور الماضية فحسب, بل لا زالت تلك التربية بكل سلبياتها وخطورتها قائمة لليوم في المجتمعات الصوفية فلم يتراجع عنها المنتسبون للصوفية حتى وإن بلغوا أعلى الدرجات العلمية أو كانوا على رأس الجامعات الإسلامية, فهذا شيخ الأزهر الأسبق الشيخ عبد الحليم محمود يقول في كتابه "سيدي أحمد الدردير" ناقلا على لسانه: "فالآداب التي تطلب من المريد في حق شيخه أوجبها تعظيمه وتوقيره ظاهرا وباطنا, وعدم الاعتراض عليه في أيّ شيء فعله, ولو كان ظاهره أنه الحرام, ويؤول ما أنبهم عليه, وتقديمه على غيره, وعدم الالتجاء لغيره من الصالحين, فلا يزور وليا من أهل العصر, ولا صالحا إلا بإذنه, ولا يحضر مجلس غيره إلا بإذنه, ولا يسمع من سواه حتى يتمّ سقيه من ماء سرّ شيخه) [19].

ويقول أيضا: "ومن آداب المريد للشيخ: أن لا يكثر الكلام بحضرته ولو باسطه, ولا يجلس على سجادته, ولا يسبح بسبحته, ولا يجلس في المكان المعدّ له, ولا يلح عليه في أمر, ولا يسافر, ولا يتزوج, ولا يفعل فعلا من الأمور المهمة إلا بإذنه, ولا يمسك يده للسلام مثلا ويده مشغولة بشيء كقلم أو أكل أو شرب, بل سلم بلسانه, وينتظر بعد ذلك ما يأمر به, وأن لا يمشي أمامه ولا يساويه في مشي إلا بليل مظلم ليكون مشيه أمامه صونا له من مصادفة ضرر وأن يرى كل بركة حصلت له من بركات الدنيا والآخرة فببركته وأن يصبر على جفوته وإعراضه عنه, ولا يقول: لم فعل بفلان كذا ولم يفعل بي كذا, وإلا لم يكن مسلما له قياده: إذ من أعظم الشروط تسليم قياده له ظاهرا وباطنا وأن يجعل كلامه على ظاهره فيمتثله إلا القرينة صارفة عن إرادة الظاهر, فإذا قال له: اقرأ كذا, أو صلّ كذا, أو صم كذا وجب عليه المبادرة, وكذا إذا قال له وهو صائم: أفطر وجب عليه الفطر, أو قال: لا تصلّ كذا إلى غير ذلك وأن لا يدخل عليه في خلوة إلا بإذنه, وأن لا يرفع الستارة التي فيها الشيخ إلا بإذنه وإلا هلك كما وقع لكثير" [20].

فإذا كان هذا ما ينقله أعلم أهل الصوفية في زمنه – يرحمه الله - فكيف بما يقوله البعيدون عن العلم أو الجهال من المتصوفة.

والحديث يطول عن علاقة المريد بالشيخ وما فيها من تذلل واستكانة وخضوع في مقابله عند الشيخ تجبر وتكبر وسحق لشخصية المريد وجعله أشبه بالآلة الصماء التي لا تعي ولا تدرك ولا تحس ولا تفعل إلا كما تؤمر, وليس لها الحق في السؤال أو الاعتراض أو مجرد التفكير في الصواب والخطأ, فمعيار الصواب والخطأ الوحيد هو الشيخ فقط.

وحينها تذوب شخصية المسلم وتتهاوى وتصبح شخصية غير قادرة على فعل شئ إلا بتوجيه الشيخ وغير قادرة على اتخاذ قرار في حياتها ولا تستطيع الإعانة على معروف ولا الأمر به ولا تستطيع النهي عن أي منكر.

فهل هذه هي الأمة المجاهدة التي قال الله عز وجل في مدحها: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ"

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الفجر المنير 68 قلادة الجواهر 177.

[2] لطائف المنن 334-335.

[3] الفتوحات الإلهية 87 , سلاسل القوم للصيادي 3ط السعادة- مصر.

[4] انظر غيث المواهب العلية للنفزي الرندي ج 1 ص 197 .

[5] الرسالة القشيرية ج2 ص 736

[6] التدبيرات الإلهية لابن عربي ص 226

[7] كشف المحجوب للهجويري ص 252 , الفتوحات الإلهية لابن عجيبة الحسني ص 173 .

[8] (الرسالة القشيرية ص182)

[9] تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب للشيخ محمد أمين الكردي النقشبندي 479و 529

[10] "تنوير القلوب "(ص548).

[11] (الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز ص192. أحمد بن مبارك السلجماسي المغربي

[12] (الإبريز ص203).

[13] الإبريز 202

[14] (الإبريز ص202).

[15] أي مجلس الشعر والإنشاد والغناء والرقص الصوفي المسماة بمجالس السماع

[16] الأنوار القدسية للشعراني ج1 ص 175 , 176 .

[17] معراج التشوف إلى حقائق التصوف 13.

[18] -الأنوار القدسية ص 127-

[19] كتاب "سيدي أحمد الدردير" للدكتور عبد الحليم محمود ص 119 . 120 , 121 .

[20] كتاب سيدي أحمد الدردير للدكتور عبد الحليم محمود ص 119 ط دار الكتب الحديثة القاهرة .

---------------------------------------------
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
09-16-2014, 07:37 AM
أباطيل الشيعة الإمامية في الكتب السماوية*
ــــــــــــــــــــ

21 / 11 / 1435 هــ
16 / 9 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3812.jpg

إذا كانت دراسة الفرق والمذاهب الباطلة ضرورة إسلامية ودعوية ملحة في هذا العصر, نظرا لكثرة التيارات الفكرية الضالة والمنحرفة الوافدة على عالمنا العربي والإسلامي, فإن دراسة أباطيل الشيعة وضلالاتها أشد ضرورة وأكثر إلحاحا في هذا الوقت, نظرا للحملة الشرسة التي تقودها هذه الفئة على الإسلام تشويها وتحريفا, وعلى المسلمين قتلا وتنكيلا.

وفي هذا التقرير سيكون التركيز على موضوع الإيمان بالكتب السماوية, والتي يؤمن أهل السنة والجماعة بها إجمالا كما ورد في قول الله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ..} البقرة/213, كما يؤمنون بالكتب التي سميت و ذكرت في القرآن الكريم بالاسم, كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن, إضافة إلى ما في صحف إبراهيم وموسى.

وبينما تم تحريف التوراة والإنجيل على يد اليهود بنص القرآن الكريم: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} النساء/46, بقي القرآن الكريم محفوظا من التبديل والتحريف, ومحفوظا بحفظ الله تعالى له: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر/9.

وفي مقابل إيمان أهل السنة والجماعة هذا في الكتب السماوية, ابتدع الشيعة في هذا الركن الإيماني أمورا عظيمة ما أنزل الله بها من سلطان, ودسوا فيه من المنكرات والخرافات ما لا يحتمله عقل.

ولعل من أبرز أباطيل الشيعة وضلالاتهم في هذا الأمر ما يلي:

1- يدعي الشيعة أن الله تعالى أنزل على أئمتهم كتبا من السماء تماما كما أنزل على أنبيائه ورسله, وتورد كتب الشيعة نصوصا وأخبارا يزعمون أنها مأخوذة من تلك الكتب, وعلى أساس هذه الروايات والأخبار تبني الشيعة عقائدها.

وهذه الدعوى تقترب بشكل كبير من مزاعم المتنبئين منذ عصر النبوة وحتى الآن, ولعل جذور هذه المقالة تعود إلى عصر علي رضي الله عنه, حيث ورد في صحيح البخاري عن أبي جحفة قال: (قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة, قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر) 1/204

قال ابن حجر: وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت أشياء من الوحي خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بها ولم يطلع غيرهم عليها. فتح الباري شرح البخاري 1/204

ويبدو أن السبئية هم من تولى كبر هذه المقولة, كما جاء في رسالة (الإرجاء) للحسن بن محمد بن الحنفية, وقد كانت بداية السبئيين في هذا المقام بإشاعة مقالة: "هدينا لوحي ضل عنه الناس وزعموا أن نبي الله كتم تسعة أعشار القرآن", كما ذكر الجوزجاني في أحوال الرجال: "أن عبد الله بن سبأ زعم أن القرآن الكريم جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي" ص38, وقد نفى علي رضي الله تعالى عنه كل ذلك جملة وتفصيلا.

ولقد تفرع عن ادعاء الشيعة نزول كتب من السماء على أئمتهم كما نزل على الأنبياء والمرسلين, ظهور أباطيل غريبة وعجيبة في كتبهم ومراجعهم, ومن أهم هذه الأباطيل:

· ادعاء نزول مصحف على فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته, ويسمونه (مصحف فاطمة), ويزعمون أنه ثلاثة أضعاف القرآن الكريم, وقد جاء في روايات الكافي: ( ..إن الله لما قبض نبيه صلى الله عليه وسلم دخل على فاطمة من الحزن ما لا يعلمه إلا الله, فأرسل الله إليها ملكا يسلي غمها ويحدثها, فشكت ذلك لعلي فقال: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي, فأعلمته بذلك, فجعل يكتب كل ما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفا... أما إنه ليس فيه شيء من الحلال والحرام, ولكن فيه علم ما يكون) 1/240

يقول الدكتور ناصر القفاري تعليقا عى هذه الرواية: ( ...وما أدري كيف يكون تعزيتها بإخبارها بما يكون وفيه –على ما تنقله الشيعة– قتل أبنائها وأحفادها وملاحقة المحن لأهل البيت..!!!, ثم كيف تعطى فاطمة علم ما يكون (الغيب) ورسول الله يقول كما أمره الله: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} الأعراف/188, فهل هي أفضل عند الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!!!) أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية ص589.

وكعادة الباطل في تناقضة وتضاربه وعدم تناسقه, فقد اضطربت روايات الشيعة حول (مصحف فاطمة), بين رواية تقول بأنه نزل بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم, وبين رواية أخرى تدعي أنه في حياته صلى الله عليه وسلم وبإملائه هو وكتابة علي, وثالثة تزعم أن المصحف ما فيه شيء من كتاب الله وإنما هو شيء ألقي عليها. بحار الأنوار 26/42-48.

ولو كان مصحف فاطمة يخبرهم بالغيب كما يزعمون لما حصل للأئمة ما حصل مما تصوره كتب الشيعة من محن, ولما غاب منتظرهم المزعوم واختفى خوفا من القتل, ولما كان للتقية عندهم أدنى حاجة, وإذا كان علمهم بالغيب لا يقدم ولا يؤخر شيئا, فعلمهم بهذا الغيب يزيدهم حزنا وبؤسا فحسب.

· يزعمون أن هناك كتابا أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتيه الموت, وقد جاء في بحار الأنوار عن أبي عبد الله الصادق قال: (إن الله أنزل على نبيه كتابا قبل أن يأتيه الموت فقال: يا محمد هذا الكتاب وصيتك إلى النجيب من أهل بيتك, فقال ومن النجيب من أهل بيتي يا جبرائيل؟ فقال: علي بن أبي طالب....) 26/192, وهذا النص يسقط دعوى الشيعة بالنص على إمامة علي, حيث يظهر في الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم من هو النجيب من أهل بيته.

· يزعمون أن هناك ما يسمى عندهم (لوح فاطمة) وهو غير مصحف فاطمة السابق, حيث يدعون أنه نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم وأهداه لفاطمة, وقد نقلوا عن هذا اللوح بعض النصوص التي تؤيد عقائدهم.

ويبدو أن لهذا اللوح سرية, فقد جاء في رواية الوافي عن الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد الله قال: قال أبي لجابر: أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وما أخبرتك به أمي أنه في ذلك اللوح مكتوب؟ فقال جابر: أشهد بالله أني دخلت على أمك فاطمة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهنيتها بولادة الحسين, فرأيت في يديها لوحا أخضر ظننت أنه من زمرد, ورأيت فيه كتابا أبيض شبه لون الشمس, فقلت لها: بأبي أنت وأمي ما هذا اللوح؟ فقالت: هذا لوح أهداه الله إلى رسوله فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابني واسم الأوصياء من ولدي وأعطانيه أبي ليبشرني بذلك..... ) الكافي للكليني 1/527

· يزعمون نزول اثني عشر صحيفة من السماء تتضمن صفات الأئمة, وقد جاء ذلك في رواية طويلة لابن بابويه القمي: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله أنزل علي اثني عشر خاتما واثني عشر صحيفة, اسم كل إمام على خاتمه وصفته في صحيفته) ص263 .

وهي فرية منقوضة بنص القرآن الكريم, فلم يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم صحيفة مكتوبة من السماء إلا المشركون وأهل الكتاب, قال تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} النساء/153

يقول الدكتور القفاري: ثم ما هي الحاجة لكل هذه الكتب والاألواح والصحف, والله تعالى قد أنزل القرآن الكريم: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} النحل/89, وأين هذه الألواح والمصاحف اليوم, ولماذا لا تظهر على العلن وتبقى عند الغائب المنتظر؟؟!! أصول مذهب الشيعة ص605

2- ادعاء الشيعة أن جميع الكتب السماوية عند الأئمة, وأن الأئمة يقرأونها على اختلاف لغاتها, وقد عنون صاحب (الكافي) بابا بهذا الموضوع ضمنه روايات (باب أن الأئمة عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها) 1/227, وتقول إحدى هذه الروايات: "إن عندنا علم التوراة والإنجيل والزبور وبيان ما في الألواح" أصول الكافي 5/354

ويتجاوز الشيعة حدود الشكل النظري لوجود الكتب السماوية عند الأئمة إلى الجانب العملي, فيزعمون أنهم يقرأون التوراة والإنجيل, ويجيبون على أسئلة الناس, بل تعدى الأمر إلى مجال الحكم والقضاء, فوضع صاحب الكافي بابا بعنوان: (باب في الأئمة أنهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآلأ داود ولا يسألون البينة عليهم السلام) 1/393, بل هناك في رواياتهم أن عليا رضي الله عنه يقول: (لو تمكنت من الأمر لحكمت لكل طائفة بكتابها) بحار الأنوار 26/180.

وهو كلام مردود بصريح قول الله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} آل عمران/85, فكيف يحكم علي رضي الله بغير الإسلام وهو ناسخ لكل الرسالات؟؟!!

كما أن الشيعة يزعمون أن الكتب السماوية السابقة والموجودة عند الشيعة لم تصل إليها يد التحريف والتبديل, رغم أن جميع الدراسات التي قامت حول الكتب السابقة للقرآن تؤكد تعرضها للتحريف, ولو أن الكتب الأصلية غير المحرفة عند أئمة الشيعة –كما يزعمون– لوجب إظهارها لرد اليهود والنصارى عن ضلالهم إلى الحق الذي يزعمون أنه لدى أئمتهم.

إنها أباطيل لا تعد ولا تحصى, وضلالات لا تنتهي عند هذه الفئة الضالة, ولا بد من بيانها وإظهار عوارها وكشف فضيحة افترائها على الله والإسلام, ليزداد أهل السنة يقينا بالحق الذي يؤمنون به, وليتنبه المخدوع بدعوى حب الشيعة لآل البيت المزعوم, الذي يخفي خلفه كوارث ومصائب تدل على أنهم أكثر الناس عداوة لآل البيت والإسلام.
ــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــ

عبدالناصر محمود
10-05-2014, 10:33 AM
الاتجاه الباطني في تشكله الجديد !
ــــــــــــــــ

(سلطان بن عبدالرحمن العميري)
ـــــــــــــــــــ

11 / 12 / 1435 هــ
5 / 10 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_2318.jpg

http://www.olamaa-yemen.net/upload/userfiles/images/2011/10.2011/%D8%B9%D9%82%D8%A7%D8%A6%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%A 8%D8%A7%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9%202.jpg


شهدت الساحة العربية في القرن الثالث الهجري حادثة فكرية خارجة عن نسق الفكر الإسلامي، وهي ظهور الاتجاه الباطني، الذي تقوم فكرته على أن النصوص الشرعية لها معانٍ باطنية خفية مختلفة عن المعاني المتبادرة من ظاهرها.



وقد انطوى تحت هذا الاتجاه طوائف كثيرة، كانت سبباً في تعدُّد الأسماء والألقاب التي أُطلقت عليه، ومن تلك الطوائف: الإسماعيلية والقرامطة والنصيرية والدروز والتعليمية والسبعية والخرمية[1].



ومع اختلاف تلك الطوائف في ألقابها ومسمياتها إلا أنها اشتركت في فكرة عامة؛ وهي أن النصوص الشرعية لها نوعان من المعاني: معانٍ باطنة ومعانٍ ظاهرة، وأنه لا بد لكل ظاهر من باطن، وأن المقصود في الحقيقة لصاحب الرسالة هو المعنى الباطني للنصوص، وأن هذا المعنى بمنزلة اللب والظاهر بمنزلة القشور، وأن المكلفين ليسوا ملزمين بما يدل عليه ظاهر النصوص؛ وإنما يجب عليهم البحث عن المعنى الباطني ويلزم الأخذ به ولو كان مخالفاً للظاهر القطعي.



ولا يشترط في المعنى الباطني وجود علاقة بينه وبين ما يفيده ظاهر النص، وهو – في عقيدتهم – يمكن أن تتعدَّد مظاهره، ويصل إلى أعدد كبيرة جداً؛ فقد ذكر الديلمي واقعة تدل على أن المعاني الباطنة لا تكاد تنحصر في عدٍّ؛ وذلك أن بعض أئمة الباطنية روى أن للكلمة سبعة وجوه، فقال قائل: سبعة وجوه؟، كأنه استقلَّها، فقال: سبعون وجهاً، فقال القائل: سبعون وجهاً؟ فقال: سبعمائة وجه[2].



فالنصوص الشرعية ليست إلا قوالب تنزَل عليها المعاني الباطنة، وهي بمنزلة الأجساد الميتة التي تحل فيها الأرواح والمعاني، والجسد إذا لم تحل فيه الروح يبقى ميتاً لا فائدة منه، وكذلك هي النصوص الشرعية إذا لم تحدَّد المعاني الباطنية لها[3].



ويقول إخوان الصفا في تأكيد المعنى الباطني للنصوص: «اعلم أن للكتب الإلهية تنزيلات ظاهرة، وهي الألفاظ المقروءة والمسموعة، ولها تأويلات خفية باطنة، وهي المعاني المعقولة»[4].


وقد تناول الاتجاه الباطني القديم القرآن وجعل ألفاظه قوالب لما يراه من المعاني الباطنية، وعبث بمعانيه وقفز على نصوصه البينة الظاهرة، وأنشأ معاني بعيدة كل البعد عن سياقه ودلالاته، ومخالفة لما هو معروف من لغة العرب، ومناقضة لما فهمه الصحابة وأئمة التفسير، وحدد لمعانيه الكبرى في التوحيد والعقائد والأخبار والعبادات والشعائر معاني مختلفة كلَّ الاختلاف عن مقتضيات النصوص الشرعية البينة[5].



ولم يكتف الباطنية بذلك العبث بالنصوص الشرعية، بل شنوا حملة شعواء على علماء المسلمين من الفقهاء والمفسرين ووصفوهم بكل ذميمة؛ بحجة أنهم تعاملوا مع القرآن تعاملاً سطحياً، ولم يلتفتوا للمعاني الحقة الكامنة في داخل ألفاظ نصوصه.



ونتيجة لهذه النظرية التأويلية أبطل الاتجاه الباطني الإلزام بشرائع الإسلام الكبرى، واكتفى بمعرفة المعاني الباطنية من ورائها (في زعمه)، وأكد على أن من عرف المعنى الباطني من العبادات سقط عنه التكليف بها ولم يَعُد محاسَباً عليها[6].



وبناءً عليه أوَّل الباطنيون جميع المفروضات والمسنونات، وجعلوها رموزاً وإشارات إلى معاني أخرى تتوافق مع أصولهم الفلسفية والعقائدية.


فقد أضحى الوضوء رمزاً يراد به تجديد العهد بإمام الزمان، وغدت الصلاة رمزاً للاتصال بإمام الزمان والدعاء إليه، والزكاة رمزاً لبثِّ العلوم والأسرار لمن يتزكى بها ويستحقها، وأصبح المقصود من الصوم كتمان العلم عن أهل الظاهر الذين لا يفهمونه، والحج طلب العلم الذي تُشَد إليه رحائل العقل[7].



ولم يكتفوا بذلك؛ وإنما ستباحوا مع ذلك المحرمات الظاهرة في الشريعة كالزنى وشرب الخمر وغيرها، بحجة أنها غير ملزمة لمن أدرك المعنى الحقيقي للتكاليف الشرعية[8].
ولم يقتصر العبث الباطني على ذلك؛ وإنما تعدَّاه إلى الأصول العقائدية الكبرى في الإسلام والأخبار القطعية الواردة في نصوص الشريعة وأوَّلها عن ظاهرها إلى ما ادَّعاه من معاني باطنة.


فعقيدتهم في الإله مختلفة عما هو في نصوص الشريعة؛ فإنهم جردوا الإلهة - سبحانه - من كل صفة واعتمدوا على النفي المحض الذي لا يقوم إلا على سلب كل المعاني الوجودية، وفي الوقت نفسه أطلقوا عليه أوصافاً لم تَرِد في النصوص الشرعية كوصف العقل الأول والمبدع، ولم يكن الله - تعالى - في زعمهم معبوداً لأنه مستحق للعبادة؛ وإنما لأنه محل لوله العقول الأولى به[9].



وأما الوحي فهو في تصورهم عبارة عما تتلقاه نفس النبي مما يفيض عليها من فيوض العقل المبدع، وهو يختلف باختلاف قوة عقل ونفس النبي واستعداداته وكمالاته، ونتيجة ذلك توصلوا إلى أن البنوة ليست اختياراً إلهيا وإنما هي صفة مكتسبة[10].



وبناءً على ذلك فالقرآن ليس لفظه كلام الله، وإنما هو كلام النبي الذي عبر به عما تتلقاه نفسه من الفيوض الإلهية، وكذلك أنكروا معجزات الأنبياء والرسل وعدُّوها من جملة الشعبذة والخرافة[11].


وتجاوز تأويلهم الباطني ووصل إلى عقيدة اليوم الآخر، فأوَّلوا جميع المكونات التي يقوم عليها كالموت والقبر والبعث والنشور والحساب والجزاء والجنة والنار، وجعلوها رموزاً لمعانٍ باطنية لا تمتُّ إلى حقيقتها الظاهرة بصلة، وهزؤوا بالمسلمين الذي يعتقدون صحة تلك الحقائق ويؤمنون بكونها أموراً واقعية حقيقية[12].



وهكذا ينتهي الاتجاه الباطني إلى اطِّراح جميع مظاهر الدين وإباحة محرماته وتغيير معالمه وإذابة حدوده الفاصلة بينه وبين الأديان الأخرى، وأصبح رأيهم يستوعب كل المذاهب والآراء ؛ لأنه لم يعد هناك معنى واحد للنص الشرعي يمكن إلزام الناس به، وإنما لكل نص تأويل ولكل تأويل سبعين تأويل إلى ما لا نهاية.



ولم يقتصر الباطنية على ممارسة عبثهم المجرد، وإنما حاولوا القيام بشرعنة مذهبهم وسعوا إلى الاستدلال عليه بنصوص من الشريعة ومن آثار آل البيت، ومما اعتمدوا عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما نزلت عليَّ آية إلا ولها ظهر وبطن»[13].



وقد اجتهد علماء الإسلام كثيراً في الرد على الاتجاه الباطني، وألَّفوا كتباً كثيرة في نقضه، وقد أحاطت دراساتهم الاتجاه الباطني من جميع جهاته: من جهة حقيقته ومآلاته، ومن جهة جذوره التاريخية والفلسفية وكيفية انتقاله إلى الساحة الإسلامية، ومن جهة نشأته وتطوراته وعلاقته بالمذاهب المناقضة للإسلام، وناقشوا أصوله الفلسفية وأبطلوها بالأدلة العقلية والشرعية، وكشفوا عن أساليبه في التلبيس على الناس وفي ترويج مقالاتهم ومذهبهم.



وأجمع علماء المسلمين على كفر الاتجاه الباطني والحكم عليه بأنه مناقض لحقيقة الإسلام والحكم عليه بالكفر والضلال والزندقة، وأكدوا على أنه الهدف منه هدم الإسلام، ولكن لما عجز أتباعه عن التصريح بذلك لجؤوا إلى الأساليب الباطنية الملتوية[14].


ونتيجة لجهود علماء المسلمين المتكررة في الوقوف ضد الاتجاه الباطني بقي منزوياً وظل منبوذاً في الفكر الإسلامي وشاذاً في أفكاره وتصوراته، ولم يلقَ قبولاً ولا انتشاراً لدى المسلمين.


التشكل الجديد للاتجاه الباطني:
أخذت الفكرة الباطنية تظهر من جديد في الساحة الإسلامية، ولكنها هذه المرة تتبدى في ثوب مختلف وتشكُّل مغاير وأضحت تتسمى بأسماء جديدة: كاسم التنوير والتجديد والحداثة والتأويل.


وتتحدد معالم الباطنية الجديدة بشكل ظاهر في المدرسة الحداثية العربية؛ فقد تبنَّت هذه المدرسة حقيقة النظرية الباطنية وامتثلت روحها بكل وضوح؛ فقد جعلت الرؤية الباطنية أصلاً من أصولها ومنطلقاً من منطلقاتها المعرفية، ورتبت عليها النتائج نفسها التي ترتبت على الباطنية القديمة، فلا يكاد القارئ يجد فرقاً بين التشكُّلين في حقيقة التأويل الباطني.



والمستقرئ للمنتَج الحداثي لا تنقصه المؤشرات ولا الدلائل الدالة على الارتباط الوثيق بين المدرستين، وعلى التداخل المنهجي بينهما، وحتى لا يكون الكلام مجرد دعوى خالٍ مما يدل على صدقه، دعونا نستعرض النظرية الحداثية في منهجية فهم النص الشرعي وفي منهجية فهمها للأصول العقائدية الكبرى في الشريعة الإسلامية.



أما منهجيـة فهـم النص الشرعي، فإن الخطـاب الحـداثي لا يختلف فيها عن النظرة الباطنية القديمة؛ فقد توصل إلى أن النص الشرعي لا يقول الحقيقة وأنه ليس له ثوابت ولا معانٍ جوهرية ثابتة؛ وإنما هو نص منفتح على ما لا يحصى من المعاني، وقابل لما لا عد له من الاحتمالات التأويلية.



فالنص الديني عند محمد أركون «نص مفتوح على جميع المعاني، ولا يمكن لأي تفسير أو تأويل أن يغلقه أو يستنفذه بشكل نهائي»[15]، والقرآن عنده «عبارة عن مجموعة من الدلالات والمعاني الاحتمالية المقترحة على كل البشر»[16]، وينتهي حسن حنفي إلى أن النص الشرعي يختلف معناه وتأويله بحسب اختلاف العصور «لأن النص قالب بلا مضمون»[17]. يمتلئ بحسب الظروف المحيطة به.



ويحاول طيب تيزيني أن يقنع المسلمين بأن القرآن «ليس إلا علامات لا تحيل بالضرورة إلى شيء، وإنما تدل - غالباً - على الصورة التي يتلقَّاها الوعي عن الشيء»[18].


وأما نصر حامد أبو زيد فإنه حاول بكل ما أوتيه من قوة أن يفرغ النص الشرعي من كل معنى ثابت ومن كل دلالة ثابتة؛ ليتوصل إلى أنه مجرد قالب مفرغ من المحتوى، وينتهي إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه لا يستطيع أن يصل إلى تحديد معنى النص الشرعي، حيث يقول: «إن فهم النبي صلى الله عليه وسلم للنص يمثل أُولَى مراحل حركة النص في تفاعله بالعقل البشري، ولا التفات لمزاعم الخطاب الديني بمطابقة فهم الرسول للدلالة الذاتية على فرض وجود مثل هذه الدلالة»[19].



ويعبر علي حرب عن حقيقة النظرة الباطنية الجديدة بأوضح عبارة وأظهر دلالة تكشف عن حجم التطابق بين الباطنيتين فيقول: «ذو اللب لا يقف عند الظاهر المنطوق به، بل يقلب الغائر والمضمور والمستتر؛ أي: يطلب معنى المعنى، ومعنى المعنى ليس سوى الظاهر والسطح والشكل الدال، وقد حجب نفسه وتحوَّل إلى عمق لا مرئي أو محتوى أو باطن»[20]، «ومهمة القارئ الناقد أن لا يُؤخَذ بما يقوله النص، مهمته أن يتحرر من سلطة النص لكي يقرأ ما لا يقوله»[21]، ويقول: «القرآن نص لا يمكن لأي تفسير أو مذهب أن يستنفذه أو يغلقه، فلكلٍّ تصوره وفهمه، ومن ثَمَّ لكلٍّ مذهبه وإسلامه»[22].



ونتيجة للباطنية الجديدة فإنه لم يعد الأمر المهم في قراءة النص الديني البحث عن مراد الله ومقصوده من كلامه؛ وإنما بات الأمر المهم هو البحث عما ينقدح في ذهن القارئ للنص من معانٍ ولو كانت مخالفة لما كان من فهم الصحابة، ومن ثمَّ انتهت الباطنية الجديدة إلى أن إعجاز القرآن ليس راجعاً إلى عُلُو بيانه وسُمُوِّ فصاحته وإحكامه وتركيبه ودلالته؛ وإنما إلى أنه أقوى نص ينفتح على معانٍ لا حصر لها ويتقبل احتمالات لا عدَّ لها، ويتسع لكل المتناقضات، وكلها في الوقت نفسه تمثل حقيقته ومقصده[23]!



وحين انتهى الخطاب الحداثي إلى هذه النتيجة أخذ يوجه الذم الشديد إلى العلماء والمفسرين والفقهاء لأجل أنهم لم يصلوا إلى النظرية نفسها التي توصَّل إليها وبات يصفهم بالسطحية والجهل والغباء[24]، تماماً كما فعلت الباطنية القديمة.


وبناءً على هذه النظرة الباطنية أفرغ الخطاب الحداثي العقائد الإسلامية والعبادات العملية من محتواها وغدت أموراً رمزية يتغير معناها والمراد منها بحسب تغيُّر الزمان والمكان، فالعقائد الإسلامية لا تَعْدُ أن تكون تجارب إنسانية يقوم بها المجتمع المسلم ثم لا يلبث أن يتخلى عنها أو يقوم بتغيرها إذا تغيرت الظروف أو اقتضت الحاجة إلى ذلك.


فإذا كانت الباطنية القديمة تجعل الإيمان بالإله مجرد تصوُّر ذهني لا حقيقة له في الواقع، فكذلك هو الخطاب الحداثي، بل إنه تجاوزها إغراقاً في الباطنية؛ فالإيمان بالله لم يعد في تصوُّرهم إيماناً وتصديقاً بذات مقدسة متصفة بالكمال والجلال؛ وإنما هو تصور يقيمه الإنسان عن شيء يراه مقدساً ويمكن أن يتغير بتغيُّر الظروف، وأضحى الإله عند حسن حنفي «مفهوم بلا ما صدق»[25]؛ أي: أن الإله ليس له حقيقة في الخارج؛ وإنما هو معنى في الذهن فقط، وانسجاماً مع ذلك فإن حنفي يجعل اسم الله عبارة عن الرغبات التي يريدها الإنسان «فالله عند الجائع هو الرغيف، وعند المستعبَد هو الحرية، وعند المظلوم هو العدل...»[26].



ولا يفتأ محمد أركون يكرر - كلما سنحت له الفرصة - أن مفهوم الإله مفهوم متغيِّر يتطور بحسب الظروف، وينكر على المُسَلَّمة التقليدية لدى المسلم التي تفترض وجود إله متعال ثابت لا يتغير[27]؛ ولهذا يدعو محمد أركون المسلمين إلى تغيير مفهوم الإله، وتحديد معنىً آخرَ يتناسب مع عصرنا؛ «لأن تصوُّر العصور الوسطى مرعب ومخيف ويشل طاقات الإنسان عن الحركة أو يمنع فتح طاقاته وتحقيق ذاته على وجه الأرض»[28].



وإذا كان الوحي عند الباطنية القديمة ليس ذا مصدر إلهي وإنما يرجع إلى قوة استجابة عقل النبي للفيوض المتدفقة على ذهنه وقوة تعبيره عنها وصفاء خياله، فإن العقل الحداثي لا يختلف عند ذلك التصور، بل يزيد عليه في الإغراق الباطني؛ فالوحي في تصوُّر الباطنية الحداثية ليس هو إعلام من الله - تعالى - لنبيه بواسطة جبريل، وليس هو شيئاً متعالياً عن الواقع؛ وإنما هو عبارة عما يشعر به النبي من سُمُوِّ وما يصوره له خياله المتدفق والمتداخل مع الحالة الاجتماعية والنفسية التي يعيشها.



ويكشف حسن حنفي عن تصوره عن حقيقة الوحي فيقول: «الوحي بناء إنساني ووصف لوضع الإنسان في العالم»[29]، ويتفق محمد أركون مع هذه النظرة فيقول:«الوحي ليس كلاماً معيارياً نازلاً من السماء لإجبار البشر على تكرار طقوس الطاعة»[30].



والوحي الـذي يحصـل للنبي – في تصور الباطنية الجديدة – لا يختلف في حقيقته عما يحصل للكاهن والشاعر البليغ؛ فالأنبياء في حقيقة الأمر يشتركون مع الكهان والفنانين أصحاب الحس المرهف والشعراء الكبار في القدرة على استخدام فاعلية المخيلة في اليقظة والمنام[31].



وقد كان لهذه النظرة الباطنية انعكاسات كثيرة، من أبرزها: أن القرآن لم يعد هو كلام الله المنزل على نبيه، وإنما هو كلام الرسول الذي عبر به عن الشعور النفسي الذي هجم على عقله فحرك خياله الفسيح ليخرج لنا ما نسميه «القرآن المقدس»، وهو ببناءً على ذلك لا يختلف عن كلام البشر في مصدره. ومن انعكاسه أيضاً: أن الوحي لم ينقطع بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ وإنما هو حالة لا تزال مستمرة ما بقي النشاط الإنساني مستمراً ؛ لأن الإنسان يحتاج إلى أن يتجاوب مع واقعه الخارجي؛ فهو لا يستغني عن حالة الوحي التي مرت بالأنبياء[32].



وإذا كانت عقيدة اليوم الآخر والبعث والحساب والجزاء والجنة والنار عبارة عن رموز لا حقيقة لها عند الباطنية القديمة، فهي كذلك عند العقل الحداثي، عبارة عن رموز لمعانٍ أخرى، وهي كما يقول حسن حنفي تمثُّلات فنية وصياغات أدبية، «فأمور المعاد لا تشير إلى وقائع مادية وحوادث فعلية وعوالم موجودة بالفعل في مكان ما يعيشها الإنسان في زمان ما، بل هي بواعث سلوكية ودوافع للفعل»[33].



فالشريعة الإسلامية حين تذكر في نصوصها المقدسة الجنة والنار لا تقصد منها أمراً حقيقياً في تصور الباطنية الحداثية؛ وإنما قصدت مراعاة العقلية العربية البسيطة المبنية على تقبُّل الأسطورة، وفي تأكيد هذا المعنى يقول عبد المجيد الشرفي: «الرسالة القرآنية موجهة إلى أناس بأعيانهم في القرن السابع، وتتضمن ظواهر تتناسب مع ثقافة ذلك العصر، مثل: الجنة وإبليس والشياطين والملائكة والطوفان وعمر نوح، وهي ظواهر بعيدة اليوم عن التصورات الحديثة»[34]، ولا ينفك الخطاب الحداثي يكرر دوما بأن القرآن مليء بالأساطير التي كانت شائعة في الجاهلية، وأنه استخدمها من أجل نشر دعوته ورسالته[35].



وأما حسن حنفي فهو يتعامل باحترافية باطنية مع عقيدة الجنة والنار، «فالجنة والنار هما النعيم والعذاب في هذه الدنيا وليس في عالم آخر... الجنة ما يصيب الإنسان من خير الدنيا، والنار ما يصيب الإنسان من شر فيها»[36].



ويرى محمد أركون أن الإيمان بأخبار الجنة من الأمور التي توجب السخرية، فيقول: «أليس من الواجب علينا أن نتخلص من السخرية التي تتحدث عن جنة الله المملوءة بالحور العين وأنهار الخمر والعسل المرتبطة بالخيال الشعري لدى البدو»[37].



وإذا تتبع القارئ المنتج الحداثي فسيجد أمثلة عديدة نالها التأويل الباطني، ولم تسلم من سطوته، ومن أشهرها وأكبرها: العبادات الخمس التي تمثل أركان الإسلام، فقد تغيرت عن صورتها وشكلها وعددها وأنظمتها في النظرية الباطنية الجديدة[38].


وإذا كانت الباطنية استوعبت كلَّ المذاهب والاتجاهات، فكذلك الباطنية الحداثية؛ ولهذا أخذ يصرخ أتباعها بأنه لا يوجد إسلام واحد، له أصول مشتركة وعقائد محددة يُلزم الناس بها ولا توجد عبادات ظاهرة تجب على عموم المسلمين، فليس هناك إسلام صحيح موافق للحق وإسلام باطل، وإنما لكلٍّ إسلامه وتصوره، وكل التصورات صحيحة ولو كانت منتاقضه مع نفسها[39].


وإذا كانت الباطنية القديمة حاولت أن تشرِّع لأفكارها بالاستدلال ببعض النصوص الشرعية والتراثية، فكذلك الحال في الباطنية الحداثية؛ فإن عدداً من روادها سعوا جاهدين في محاولة التعلُّق ببعض النصوص الشرعية والتراثية لتأسيس الشرعية لنظريتهم وموقفهم[40].


كل الشواهد السابقة تؤكد للقارئ على أننا أمام موجة جديدة من الباطنية، وأننا نشهد حالة انتعاش للمعول الباطني التي استخدم في تقويض معالم الشريعة الإسلامية سابقاً، وأننا في الحقيقة نستمع إلى صدى عالٍ ومتكرر لمواقف شهدها التاريخ الإسلامي من قبل.



والمستقرئ لنتائج الباطنية الجديدة يدرك بوضوح أننا أمام تحريف جديد للإسلام؛ فقد تغيرت معالم الإسلام الأساسية وتبدلت ملامحه الأصلية وانقلبت سماته الذاتية وصفاته الخاصة، وأصبح في المنتج الحداثي صورة أخرى مختلفة عما يعرفه المسلمون من دينهم؛ فالإسلام الذي يريد أن تصل إليه الباطنية الحداثية إسلام محرَّف ومبدَّل ومشوَّه، وليس هو الإسلام الحقيقي الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمسلمون من بعدهم.


ونتيجة لما بين الباطنيتين من ارتباط منهجي وثيق حرص العقل الحداثي على أن يتبنى الباطنية القديمة ويثني على أتباعها ويقوم بإبرازهم وإخراجهم للوجود مرة أخرى، كما فعل نصر حامد أبو زيد وعلي حرب مع ابن عربي، وكما فعل محمد أركون مع أبي حيان التوحيدي، وكما فعل حسن حنفي مع السهروردي[41] فإنهم صوروا هؤلاء وغيرهم من الباطنية على أنهم الممثلون للعقلانية والفكر المستنير والتجديد والتطور في التاريخ الإسلامي.


ولا بد من التأكيد في ختام هذه المقارنة المنهجية على أن الحكم بالتطابق بين الباطنية القديمة وبين الباطنية الحداثية المعاصرة ليس معناه الحكم بالاتفاق بينهما في كل مفاصل الفكر ولا في كل فقرات النظرية نفسها، فإنه مع ما بينهما من اتفاق إلا أنهما تختلفان في عدة جهات:

الأولى: من جهة الفكرة المركزية؛ فالباطنية القديمة كانت ترتكز على فكرة الإمام المعصوم في تحديد المرجعية التي تحدد المعاني الباطنية، والباطنية الحداثية ترتكز على فكرة «التاريخية» التي تعني أن كل فكرة مرتهنة بزمانها وواقعها الخاص، فهذه الفكرة تمثل المرجعية التي يُعتمَد عليها في تحديد المعنى الباطني الجديد للحقيقة الشرعية.


الثانية: من جهة المنفذ التبريري، فالباطنية القديمة حاولت النفوذ إلى الفكر الإسلامي من خلال استغلال الانتساب إلى آل البيت النبوي، والتظاهر بحبهم والانتصار لهم، والباطنية الحداثية تحاول النفوذ إلى الفكر الإسلامي من خلال استغلال الانتساب إلى العلم والتطور والتقدم والحضارة والخروج من الأزمة العربية.


الثالثة: من جهة الدعم والتمويل، فالباطنية القديمة كانت تعاني من الانفراد والانعزال عن المجتمع وقُوبِلت بإنكار صارم من العلماء وكثير من الحكام وعموم المسلمين؛ فهي لم تلق دعماً ولا تمويلاً يساعدها على الانتشار، وهذا بخلاف الباطنية الحداثية، فإنها تحظى بدعم سخي من بعض الحكومات العربية والغربية، وتُعقد لها المؤتمرات والندوات في كثير من الجامعات والمعاهد، ويُبرز دعاتها في الفضائيات على أنهم هم رواد للفكر الإسلامي ومجدِّدوه.


الرابعة: من جهة الوضع الثقافي والسياسي للعالم الإسلامي، فالباطنية القديمة خرجت في زمان كان العالم الإسلامي يعيش في عز مجده وفي عنفوان فتوته وقوته، سواء في المجال العلمي والمعرفي أو في المجال السياسي، وإما الباطنية الحداثية، فقد خرجت في زمان يعاني فيه العالم الإسلامي من الضعف الفكري والسياسي ومن التشتت وسطوة العدو وطغيان الاستبداد وتغييب الشعوب، وفي مثل هذه الحالات يعم الجهل بالدين وبحقائقه ومعالمه، ويتسبب ذلك عادة في تفتح الأبواب لنفوذ المناهج المخالفة لحقائق الدين ولأصوله.

________________________________________
[1] انظر: فضائح الباطنية، الغزالي (ص11 - 17)، وبيان مذهب الباطنية وبطلانه، الديلمي(ص21 - 22).
[2] انظر: بيان مذهب الباطنية وبطلانه، الديلمي (ص39).
[3] انظر في أهمية المعنى الباطني لدى الباطنية ومنزلته: العقائد الباطنية، صابر طعيمة (ص11 - 16).
[4] رسائل إخوان الصفا (4/138).
[5] انظر: أمثلة كثيرة على التفسيرات الباطنية للقرآن: أساس التأويل، القاضي النعمان ابن حوية (ص184، 188)،و العقائد الباطنية، صابر طعيمة (ص59 - 65).
[6] انظر: الجيل الثالث، مصطفى غالب – الباحث الباطني – (ص141).
[7] انظر: تأويل الدعائم، ابن حيون الإسماعيلي (1/177، 179 ) و (3/58، 59)، وبيان مذهب الباطنية وبطلانه، الديلمي (ص28)، وفضائح الباطنية، الغزالي (ص46 - 53).
[8] انظر: العقائد الباطنية، صابر طعيمة (ص17 - 19).
[9] انظر: راحة العقل، الكرماني (ص195 - 196).
[10] انظر: إثبات النبوات، السجستاني (ص111).
[11] انظر: فضائح الباطنية، الغزالي (ص40 - 43).
[12] انظر: فضائح الباطنية، الغزالي (ص44 - 46).
[13] انظر في الاستدلال بهذا الحديث: أعلام النبوة، الرازي (ص19).
[14] انظر: فضائح الباطنية، الغزالي (ص36، 156)، ومجموع الفتاوى، ابن تيمية (9/134) و (11/581).
[15] تاريخية الفكر الإسلامي، أركون (ص145).
[16] تاريخية الفكر الإسلامي، أركون (ص139).
[17] اليسار الإسلامي، حسن حنفي (ص2/395).
[18] النص القرآني، طيب تيزيني (ص375).
[19] نقد الخطاب الديني، نصر حامد (93).
[20] نقد النص، علي حرب (24).
[21] نقد النص، علي حرب (22)، وانظر: نقد الحقيقة، علي حرب (49).
[22] نقد الحقيقة، علي حرب (83).
[23] انظر: نقد الحقيقة، علي حرب (19، 34)، ونقد النص، علي حرب (87).
[24] انظر: من الاجتهاد إلى نقد الفكر الإسلامي، محمد أركون (ص38، 39، 97)، والإسلام بين الرسالة والتاريخ، الشرفي (ص11 ،29)، ومفهوم النص، نصر حامد أبو زيد (ص301).
[25] من العقيدة إلى الثورة، حنفي ( 1/58).
[26] التراث والتجديد، حنفي (ص113).
[27] انظر: الفكر الإسلامي قراءة علمية (ص102).
[28] قضايا في نقد الدين، أركون (ص281).
[29] من العقيدة إلى الثورة، حنفي (5/87).
[30] من فيصل التفرقة إلى فصل المقال، أركون (ص96)، وانظر: القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني (ص19 - 22).
[31] انظر: مفهوم النص، نصر حامد أبو زيد (ص56)، وتاريخية الفكر الإسلامي، محمد أركون (ص38).
[32] انظر: نقد الخطاب الديني، نصر حامد أبو زيد (ص189).
[33] من العقيدة إلى الثورة، حنفي (4/531).
[34] الإسلام بين الرسالة والتاريخ، الشرفي (ص45).
[35] انظر أمثلة على ذلك: العلمانيون والقرآن الكريم، أحمد الطعان (ص815).
[36] من العقيدة إلى الثورة، حنفي (4/533).
[37] قراءات في القرآن، محمد أركون (ص12) نقلاً عن (العلمانيون والقرآن)، الطعان (ص346)، وانظر: العنف والمقدس والجنس في الميثولوجيا الإسلامية تكري الربيعو (ص128).
[38] انظر: الإسلام بين الرسالة والتاريخ، عبدالمجيد الشرفي (ص59 - 72)، والعلمانيون والقرآن الكريم، أحمد الطعان (ص833).
[39] انظر: الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، محمد أركون (ص189)، والإسلام بين الرسالة والتاريخ، الشرفي (ص14)، والممنوع والممتنع، علي حرب (ص 108، 180)، ونقد الحقيقة، علي حرب (ص83).
[40] انظر: حصاد الزمن (الإشكالات) حسن حنفي (ص65)، ومفهوم النص، نصر حامد أبو زيد (ص43).
[41] انظر في نقل كلامهم: العلمانيون والقرآن الكريم، أحمد الطعان (ص736 - 737).

-----------------------------------------------

عبدالناصر محمود
10-09-2014, 07:26 AM
الكاكائية: اجتماع الأوهام والأباطيل*
ــــــــــــــــــ

15 / 12 / 1435 هــ
9 / 10 / 2014 م
ـــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8516.jpg

إذا كان الحق لا يتعدد لأنه واحد, فإن الباطل على العكس من ذلك تماما, فإنه يتعدد وتظهر منه صورا وأشكالا مختلفة, تجتمع كلها في كونها على غير جادة الصواب والحق, وتختلف في درجة غلوها وبعدها عن الحق, وإذا كانت أهم علامات الحق أنه واضح وضوح الشمس في رابعة النهار, فإن من أبرز مميزات الباطل الغموض والسرية والكتمان وعدم الوضوح.

وإذا كان الإسلام الصحيح على منهج أهل السنة والجماعة هو الحق الذي لا يتعدد, فإن كثيرا من المذاهب والأفكار والملل والنحل تبتعد عن هذا الحق, ولعل الغلو بكافة أشكاله وألوانه يعتبر القاسم المشترك لمعظم الفرق والمذاهب الباطلة, ومنها "الكاكائية" التي سأحاول تسليط الضوء عليها في هذا التقرير بإذن الله تعالى.

يقول المحامي عباس العزاوي في كتابه "الكاكائية في التأريخ": "هذه النحلة مشهورة الاسم مجهولة الرسوم والتقاليد, بل هي عدوة الرسوم غير معروفة التعاليم أو المعالم".

تعريف الكاكائية وسبب التسمية
----------------------

الكاكائية: كلمة كردية مأخوذة من "كاكه" بمعنى الأخ الأكبر, وهي طائفة تدعي الانتساب للإسلام, فهم يعلنون أنهم مسلمون, إلا أن الحقيقة أنهم طائفة من غلاة الصوفية, فهم يغالون في محبة علي بن أبي طالب رضي الله عنه, وقد وصل عند البعض إلى التأليه, كما تأثروا بالأديان المحيطة بهم, ناهيك عن وجود صلة بين "الكاكائية" المعاصرة وبين تنظيم الفتوة البغدادي والمعروفة بـ (الأخية)، التي شجعها الخليفة العباسي الناصر لدين الله (ت 622 هـ), والذي جعل من نفسه الفتى أو الأخ الأول.

وعن سبب التسمية تذهب معظم الروايات إلى أن فخر العاشقين سلطان اسحاق البرزنجي المولود سنة 671 للهجرة, والذي يعتبر من مؤسس الطريقة البرزنجية الصوفية, أراد أن يبني مسجدا "تكية" وضعت لسقفه الأعمدة, وقد قصرت عن جدران البناء فقال لأخيه: أيها الأخ "كاكه" مدها, فطال الخشب كرامة له, وصاروا يدعون "بالكاكائية".

التأسيس وأبرز الشخصيات
----------------

الكاكائية في الأصل طريقة صوفية ظهرت الى الوجود على شكلها الحالى في القرن السابع الهجري على يد فخر العاشقين سلطان اسحاق البرزنجي المولود سنة 671 للهجرة.

وسلطان اسحاق هو مؤسس ومجدد هذه الطريقة الصوفية والتي ظهرت بوادرها في القرن الثاني للهجرة على يد عمرو بن لهب الملقب بـ (بهلول), ولا يعرف لهم عدد حاليا، لكن الكرملي قدر عددهم عام 1928 بحوالي عشرين ألف نسمة. لهم في كركوك 60 بيتاً، وعلى نهر الزاب 480 بيتاً، وفي خانقين نحو 560 بيتا, ولعل من أبرز شخصيات هذه الطائفة:
-------------------------------

1- السلطان إسحق : ولد عام 675 هجرية في قرية " برزنجة" التابعة لقضاء حلبجة في محافظة السليمانية, والده هو عيسى بابا علي الهمداني، وأمه "خاتون دايراك رمزبار", بعد وفاة والده نشبت خلافات بينه وبين أخوته، فأنتقل إلى قرية شيخان، في منطقة هورمان، وتوفي عام 798 هجرية، كان له العديد من المريدين من الصين والهند و بخارى وأقاليم إيران، حيث حققت طريقته نجاحا كبيرا في عهده، وإنتشارا واسعا.

استعان إسحق في نشر طريقته الصوفية بعناصر مهمة من الأفكار ********ة والدينية القائمة قبل الإسلام في إيران, مثل الزردشتية والمزدكية والفكر اليهودي والمسيحي، وكذلك التيارات التي ظهرت بعد الاسلام، وخصوصا في غرب إيران, كما كانت لإسحق إتصالات بالنصيرية.

2- الإمام أحمد بن ميره بك : وهو حفيد ابراهيم ابن محمد ابن السلطان اسحق, ولد في كركوك في القرن الثامن الهجري, كان والده قد ترك شهرزور وقصد هذه المدينة للتبشير بالكاكائية, وقد التف الكثيرون من أكراد كركوك حوله, واشتهر بين العامة من الناس بالامام أحمد، أما الكاكائية فيسمونه بـ (الخان احمد) وقد توفى في نهاية القرن الثامن للهجرة ودفن في محلة المصلى بكركوك, وهناك اعتقاد سائد بين الناس - وخصوصا كاكائية كركوك - بأن الامام يشفي المرضى، لذا فان الناس يقصدون ضريحه للشفاء من الأمراض, واليوم المفضل لزيارة الإمام هو يوم الاربعاء حسب زعمهم.

3- كمال طاهر عزيز: رئيس عشيرة الكاكائية الحالي في العراق, وتعتبر مدينة كركوك مركزا مهما لتجمع الكاكائيين خصوصا بسبب وجود مرقد الامام أحمد فيها, ومن مشاهيرهم: الكاتب و الصحفي فلك الدين الكاكائي رئيس تحرير جريدة التاخي التي تصدر في بغداد باللغة العربية، و الباحث في المسائل التراثية هردويل كاكائي و غيرهم.

الجذور الفكرية والعقائدية
--------------

أصل مذهبهم محل خلاف واسع، فهناك من يعتبرهم بقايا جماعة الفتوة وتنظيمها، التي شجعها الخليفةُ الناصر لدين الله (ت 622هـ) بعد أن جعل من نفسه الفتى الأول، ثم تقلّد رئاستها خلفاؤه, وكلمة الكردية "كاكا/الأخ" كانت وراء القول في صلة الكاكائية بالفتوة، المعروفة بالأخيّة أحيانا.

وهناك من يعتقد أنها قبيلة كردية مسلمة تأثرت بالأديان الأخرى، ودخل إليها مزيج من الأفكار والعقائد المستمدة من التصوف والتشيع الغالي والمسيحية والفارسية، وهي ليست دينا أو مذهبا خاصا ولكنها خليط من الأديان والمذاهب.

يقول شمس الدين سامي في قاموس الأعلام في مادة "أخية "كاكائية": ظهرت هذه الطائفة في آواخر الدولة السلجوقية في الأناضول, كانوا في الأصل من طرق الصوفية, ولهم رئيس من أنفسهم يدعوا للإخاء البشري, يحض على التعاون بينهم وبين سائر البشر.....".

ولعل الآراء المتباينة التي ذهبت في تفسير الكاكائية، مردها ما عزاه بعضهم إلى"أنهم يخفون رأيهم الديني على كل إنسان"، إضافة إلى تداخل الديانات في مذهبهم, فالغموض وعدم الوضوح والسرية والتكتم على العقائد والأفكار, عادة ما يثير كثيرا من علامات الاستفهام على أمثال هذه العقائد.

أهم العقائد والأفكار
---------------

1- تعتبر عقيدة الإيمان بالله تعالى عندهم من أعوص العقائد وأكثرها غموضا, فالألوهية عندهم لا يمكن إدراك كنها, ولا تصح معرفتها بوجه, أو لا يتيسر الاطلاع عليها أو الوقوف على معرفتها, وذلك لأن الله – حسب معتقدهم – لا يصح وصفه أو نعته, وهو ما يعتبر نفيا لوجوده - سبحانه وتعالى عما يقولون علوا عظيما - بل إنهم يقولون بأنه ليس من الصواب تسميته سبحانه أو الاتصال به من طريق ما إلا في حالة واحدة, بأن يظهر في الأشخاص رأفة منه بهم ورحمة كما يزعمون, وفي ذلك ما يخالف العقيدة الإسلامية الصحيحة بشكل واضح وفاضح.

2- الحلول والاتحاد ووحدة الوجود: وهي عقيدة ظاهرة وواضحة في شعرهم, ولم يخرج عنها سائر شعرائهم, فيعتقدون أن الكون هو الله أو أصله الله – عياذا بالله -, والكل يرجع إليه ويعود إلى حقيقته, وهم بذلك يقولون مقولة الصوفية وعلى رأسهم "الحلاج" الذي يعتبر من أكثر من يؤخذ عنه الاتحاد والحلول ووحدة الوجود.

3- التناسخ: وهذه من عقائدهم الأصلية وهي ملازمة للحلول, فإذا لم يتم التناسخ فلا يكون الحلول أبدا, وفي هذا لا يفترقون عن "مذهب الاتحاية" من المتصوفة الغلاة, كما لا يفترقون عن النصيرية التي تقول بتنقل الأرواح العادية من بدن إلى آخر, حتى تطهر وتكون صالحة مجردة عما ارتكبته من أعمال أو أصابها من مصيبة أو اقترفت من جريرة.

4- الكاكائيون لا يتلون القرآن الكريم لأنه في نظرهم غير معتبر لأن عثمان رضي الله عنه هو من جمعه, ويقولون أن القرآن الكريم من عند محمد صلى الله عليه وسلم, ولا يستدلون بآية منه إلا لتأكيد عقيدتهم.

5- يفضلون عليا رضي الله عنه وبعض رجالهم وأئمتهم – ومنهم داود – على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عقيدتهم أن داود – أحد أئمتهم ورجالهم وليس نبي الله - يرجح على محمد صلى الله عليه وسلم.

6- مفهوم اليوم الآخر بالنسبة إليهم هو "يوم ظهور الله في شخص وحلوله فيه", وهو اعتقاد غلاة الصوفية كما نعلم, كما أنهم لا يلقنون موتاهم الشهادتين ولا يعتبرونها, وفي ذلك ما يخالف أركان الإسلام وأسس الإيمان كما هو ظاهر.

7- لهم مزارات وقبور يعظمونها ومراقد مشهورة يزورونها ويطلبون منها الشفاء وغير ذلك مما لا يجوز طلبه إلا من الله تعالى, ومن أهم مزاراتهم: مرقد سلطان "إسحق" يزورونه سنويا وليس لهم يوم معين لزيارته وغالبا ما يأتونه في فصل الربيع.

كما يزورون قبر سيد ابراهيم في بغداد, ويعتبر من أعاظم رجالهم, فهو – عندهم – من أهل الظهور, ويدخل في سلسلة نسب السادة أمرائهم, ويزعمون انه ظهر بطريق التناسخ ست مرات, وأنهم ينتظرون ظهوره للمرة السابعة, ويعتبرونه المهدي المنتظر في آخر الزمان.

ولهم مزارات ومراقد أخرى كثيرة يزورونها ويقدسونها: كمرق "دكان داود" وزين العابدين, والحاج السيد أحمد ويراني سلطان, والإمام أحمد وغيره.

أهم نشاطاتهم المعاصرة:
------------------

من المعلوم أن كثافة نشاط الأقليات في العراق بدأ بشكل واضح بعد احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق عام 2003م, ولعل من أهم نشاطات الكاكائيين المعاصرة استقبال "جلال طالباني" - رئيس العراق السابق - في بلدة قلاجولان في التاسع عشر من آب/ أغسطس 2004 وفداً مؤلفاً من (60) شخصية اجتماعية للطائفة الكاكائية, في مناطق الموصل وكركوك والسليمانية وخانقين ومناطق أخرى من كردستان, حيث طالب الوفد الكاكائي الاتحاد الوطني الكردستاني وحكومة إقليم كردستان زيادة الاهتمام بأبناء الطائفة وبمناطقهم, ووعدهم طالباني بتلبية احتياجاتهم ومطالبهم وتنفيذ عدد من المشاريع الخدمية والاعمارية في مناطقهم , ناهيك عن حديثهم المتكرر عن ضرورة تمثيل القوميات العراقية في البرلمان المنتخب.

من أشهر كتبهم
------------

1- كــلام الخــزانــة أو "ســرانجــام" المدون في القرنين السابع والثامن الهجري ويتكون من ستة أجزاء, ويعتبر في رأيهم وحيا منزلا، ويرون فيه تعاليم كاملة، ونهجا قويما، ومرشدا لهم في الحياة، يستندون إليه في حل كل مسائلهم الدينية والدنيوية, وهذا الكتاب لم يُطبع قط في أي مكان, نظرا لطبيعة السرية والكتمان المعتمد على عقائدهم وأفكارهم.

2- من كتبهم المشتركة أيضا "خطبة البيان" المنسوب لـ علي بن أبي طالب رضي الله عنه, وهو منه براء, وله شرح بالتركية في مجلّد (كشف الظنون)

3- من كتبهم أيضاً "جاوَدانْ عُرفي" وهو كتاب الطريقة الحروفية الصوفية، وكتاب "حياة" و "التوحيد" لـ سلمان أفندي الكاتبي، تُضاف إلى هذه الكتب دواوينَ شعرية، تُتلى كأدعية وابتهالات.

حكم الإسلام فيهم
-------------

لا شك أن مجمل العقائد التي تؤمن بها هذه الطائفة أو القبيلة أو الفرقة عقائد لا تمت إلى الإسلام بصلة, فما دام الأساسي الأول والأهم في الإسلام - ألا وهو الإيمان بألوهية وربوبية الله تعالى وحده – غير صحيح ولا مكتمل, فلا شك أن كل ما سواه سيكون كذلك, فما بني على باطل فهو باطل.

كما أن افتراءاتهم على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم, وعلى كتابه القرآن الكريم, تعتبر دليلا واضحا ودامغا على ابتعادهم عن منهج الإسلام الصحيح المنصوص عليه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وبالتالي فإن هذه الفئة والفرقة تعتبر فرقة ضالة ومنحرفة عن تعاليم الإسلام وضوابطه وأركانه, وإن زعم أصحابها أنهم ينتسبون إلى الإسلام او ينتمون إليه بالاسم دون الحقيقة والجوهر, وقد أفتى بذلك مركز الفتوى في موقع "إسلام ويب" برقم 71917.

ــــــــــــــــــــــــ

أهم مراجع التقرير

1- الكاكائية والتأريخ / المحامي عباس العزاوي

2- مفصل جغرافية العراق / طه الهاشمي

3- دائرة المعارف الإسلامية

4- الأديان والمذاهب بالعراق / رشيد الخيون

5- بعض المواقع على شبكة الانترنت
--------------------------------------
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
10-16-2014, 09:03 AM
تكفير الشيعة لمخالفيهم؛ أهل السنة أنموذجاً
ـــــــــــــــــــــ

(رمضان الغنام)
ــــــــ

22 / 12 / 1435 هــ
16 / 10 / 2014 م
ـــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8680.jpg

*ـ من المسائل العظيمة التي ابتليت بها الأمة الإسلامية منذ أزمنة بعيدة، وكان لها أثرها السيئ على الفرد المسلم والأمة الإسلامية بصفة عامة مسألة التكفير، واستسهال بعض الطوائف وبعض الأفراد الولوغ فيه، بإطلاق ألفاظ التكفير على أهل التوحيد، بل وتطبيق لوازم هذا الإطلاق- من وجهة نظر هذا المُكفر- من استحلال الدم والمال بل والعرض في كثير من الأحيان.

والشيعة من أكثر الفرق ولوغاً في هذا الأمر، ولهذا فهم يكفرون كل من خالفهم من المسلمين، كما توسعوا في المكفرات، وأدخلوا فيها كثيراً من بدعهم وأباطيلهم المرتبطة بمذهبهم أصولاً ما أنزل الله بها من سلطان.

وقبل البدء في الحديث عن مسألة التكفير بين أهل السنة والشيعة الإمامية يحسن بنا التأكيد على أمر هام، وهو أن التكفير حكم شرعي، لا كما يشنع المشنعون على كل من يذكر كفر كافر.

لكن هذا لا يعني الاستسهال في التكفير، فأهل السنة- رغم تشددهم في مسألة تكفير الغير- يؤكدون على وجوب اعتقاد كفر كل من لم يؤمن بالله إلهاً ورباً، وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ونبياً، وبالقرآن الكريم وحياً وتنزيلاً.

يقول القاضي عياض في كتاب الشفاء عند ذكره لما هو كفر بالإجماع: "ولهذا نكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو توقف منهم أو شك أو صحح مذهبهم، وإن أظهر الإسلام واعتقده، واعتقد إبطال كل مذهب سواه فهو كافر بإظهار ما أظهر من خلاف ذلك"(1).

وليس معنى الحذر من تكفير الغير التغاضي عن كفره إن كان متحققاً، لكن ذلك من وظيفة العلماء المدققين، لا أهل الأهواء والبدع والتعصب، فالجرأة على تكفير الغير هلاك وفساد وتعدي؛ لأن الكفر حكم شرعي مرده إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

فالتكفير حكم شرعي لا يجوز إنكاره إن ثبت في حق الغير، وإنما الخطأ والخلل يكمن في التعدي فيه والاستسهال، كما نرى عند أهل البدع وعلى رأسهم الشيعة الاثنا الإمامية.

أما أهل السنة فهم أبعد الناس عن التكفير وأشدهم في الاحتياط فيه، يقول الشوكاني رحمه الله تعالى: "اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُقدم عليه، إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة أن (من قال لِأَخِيهِ يا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بها أَحَدُهُمَا)"(2).

ثم قال: "ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير"(3).

والأدلة على تشدد أهل السنة في مسألة التكفير وخوفهم من الاستسهال فيه كثيرة، وقد سبق لي أن ذكرتُ نتفاً منها في مقال لي تحت عنوان (جريمة الاستسهال في التكفير) فعليه فلا يلزم هنا تكرار ما ذكرته في هذه المسألة، محيلاً القارئ الكريم على هذا المقال.

أما الشيعة فكتبهم تعج بالحديث عن تكفير الغير، سيما أهل السنة والجماعة، فبالرغم من ادعائهم- ليل نهار- أن مذهب أهل السنة مذهب تكفيري إلا أن الناظر في مقولاتهم وكتاباتهم وأفعالهم يقطع بما لا مجال فيه للشك بأن التشيع ما قام إلا على التكفير، ولولا تكفيرهم المسلمين لما كان لتشيعهم معنى، ولا لمذهبهم أثر، ولا لعمائمهم مريدين وأتباع.

فالفكر الشيعي فكر يغذي أتباعه على الاستعلاء على المسلمين وتكفيرهم بل وسلبهم أموالهم والتعدي على حرماتهم وعوراتهم، متذرعين بعقيدة الاصطفاء التي اشتركوا فيها مع اليهود، فاليهود ادعوا أنهم شعب الله المختار، وأن ما دونهم من الأمم عبيد لهم وخدم لمشروعهم. والشيعة رؤوا في جماعتهم جماعة مختارة مصطفاة دون غيرهم من البشر.

ولهذا فهم يكفرون كل من لم ينص على إمامة علي- رضي الله عنه- من المسلمين، والنص على الإمامة ليس كما يبدو من ظاهر الكلام، أنه الشهادة بخلافته- رضي الله عنه- وإمامته في الدين، وصحبته للنبي صلى الله عليه وسلم، بل الأمر- عند الشيعة- أكبر من ذلك.

فمن لوازم هذا التنصيص وتلك الشهادة التبرؤ ممن اعتدى واغتصب الخلافة- بحسب معتقدهم- وعليه فالشيعي الحق معصوم الدم هو من يتبرأ من الخلفاء الثلاثة: (أبو بكر وعمر وعثمان) رضي الله عن الجميع. وإلا فلماذا يكفر الشيعة أهل السنة رغم اعترافهم بإمامة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.

فعن الباقر يروي الشيعة قوله: (إن الله عز وجل نصب علياً عليه السلام علماً بينه وبين خلقه، فمن عرفه كان مؤمناً، ومن أنكره كان كافراً، ومن جهله كان ضالا، ومن نصب معه شريكا كان مشركاً، ومن جاء بولايته دخل الجنة)(4).

ومن الروايات التي تجعل من معرفة الإمام شرطاً من شروط صحة الإيمان قولهم على لسان أئمتهم: "نحن الذين فرض الله طاعتنا، لا يسع الناس إلا معرفتنا، ولا يعذر الناس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمناً، ومن أنكرنا كان كافراً، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالاً، حتى يرجع إلى الهدى الذي افترض الله عليه من طاعتنا الواجبة، فإن يمت على ضلالته يفعل الله به ما يشاء"(5).

وقد كان لأهل السنة– ويسمونهم الشيعة بالنواصب- نصيب الأسد في هذه الهجمة التكفيرية من قبل الشيعة، ولشيخهم البحراني جمع جيد لمقالات أئمتهم المكفرة لأهل السنة، يقول في الحدائق الناضرة: "تمام تحقيق القول في هذا الفصل يتوقف على رسم مسائل: (الأولى) المشهور بين متأخري الأصحاب هو الحكم بإسلام المخالفين وطهارتهم، وخصوا الكفر والنجاسة بالناصب كما أشرنا إليه في صدر الفصل وهو عندهم من أظهر عداوة أهل البيت (عليهم السلام)، والمشهور في كلام أصحابنا المتقدمين هو الحكم بكفرهم ونصبهم ونجاستهم، وهو المؤيد بالروايات الإمامية.

قال الشيخ ابن نوبخت (قدس سره)، وهو من متقدمي أصحابنا في كتابه فص الياقوت: دافعوا النص كفرة عند جمهور أصحابنا، ومن أصحابنا من يفسقهم..الخ.

وقال العلامة في شرحه أما دافعوا النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) بالإمامة فقد ذهب أكثر أصحابنا إلى تكفيرهم؛ لأن النص معلوم بالتواتر من دين محمد (صلى الله عليه وآله)، فيكون ضرورياً أي معلوماً من دينه ضرورة، فجاحده يكون كافراً كمن يجحد وجوب الصلاة وصوم شهر رمضان، واختار ذلك في المنتهى، فقال في كتاب الزكاة في بيان اشتراط وصف المستحق بالإيمان ما صورته: لأن الإمامة من أركان الدين وأصوله، وقد علم ثبوتها من النبي (صلى الله عليه وآله) ضرورة، والجاحد لها لا يكون مصدقاً للرسول في جميع ما جاء به فيكون كافرا. انتهى.

وقال المفيد في المقنعة: ولا يجوز لأحد من أهل الإيمان أن يُغسل مخالفاً للحق في الولاية ولا يصلي عليه. ونحوه قال ابن البراج.

وقال الشيخ في التهذيب بعد نقل عبارة المقنعة: الوجه فيه أن المخالف لأهل الحق كافر فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار إلا ما خرج بالدليل"(6).

وعبارات أئمة الشيعة في تكفير النواصب- أهل السنة- كثيرة جداً، ولا يمنع تعميتهم بذكر لفظ النواصب أن مقصود تكفيرهم يلزم أهل السنة، وأوضح دليل على ذلك تكفيرهم المباشر والصريح لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي مقدمتهم الصديق والفاروق وذو النورين رضي الله عنهم أجمعين.

ويؤكد ذلك قول صاحب كتاب: "المحاسن النفيسة في أجوبة المسائل الخراسانية": "بل أخبارهم عليهم السلام تنادي بأن الناصب هو ما يقال له عندهم سنيًّا... ولا كلام في أن المراد بالناصبة فيه هم أهل التسنن..."(7).

وقال في موضع آخر: "على أنك قد عرفت سابقاً أنه ليس الناصبي إلا عبارة عن التقديم على علي عليه السلام غيره"(8).

ويقول الشيعي علي آل محسن: "وأما النواصب من علماء أهل السنة فكثيرون أيضا، منهم ابن تيمية، وابن كثير الدمشقي، وابن الجوزي، وشمس الدين الذهبي، وابن حزم الأندلسي... وغيرهم"(9).

وفي ختام هذا المقال يحسن بنا الوقوف على مجمل كلام أهل السنة في مسألة تكفير الشيعة، وقد لخص هذا الموقف الدكتور غالب عواجي في كتابه الماتع فرق معاصرة، يقول: "الشيعة ليسوا جميعاً على مبدأ واحد في غير دعوى التشيع، فمنهم الغلاة الخارجون عن الملة بدون شك، ومنهم من يصدق عليهم أنهم مبتدعون متفاوتون في ابتداعهم، فبعضهم أقرب من البعض الآخر..."(10).

ثم يقول: "اتضح أن الشيعة عندهم مبادئ ثابتة في كتبهم المعتمدة، قررها رجالاتهم المعتبرون قدوة في مذاهبهم، من قال– ولو ببعض من تلك المبادئ- فلا شك في خروجه عن الملة الإسلامية، ومنها:

أ- قولهم بتحريف القرآن وأنه وقع فيه الزيادة.

ب- غلوهم في أئمتهم وتفضيلهم على سائر الأنبياء.

ج- غلوهم في بُغض الصحابة ممن شهد الله لهم بالفوز والنجاة، كأبي بكر وعمر وعثمان وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وحفصة وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، وردهم شهادة أم المؤمنين رضي الله عنها، وبقاؤهم على عداوتها وإفكهم عليها، واعتبارها عدوة وليست بأم.

د- قولهم بالبداء على الله تعالى، وقد تنزه الله عن ذلك.

ومواقف أخرى يصل خلافهم فيها إلى سلب العقيدة الإسلامية من جذورها في كل قلب تشبع بها.

وأما من لم يقل بتلك المبادئ، وكان له اعتقادات أخرى لا تخرجه عن الدين، فإنه تقام عليه الحجة ثم يحكم عليه بعد ذلك حسب قبوله الحق أو ردّه له(11).

فشتان بين حكم يحكمه الهوى كحكم الشيعة الإمامية على أهل السنة بالكفر والمروق لمجرد تقديمهم لأبي بكر وعمر علي علي رضي الله عن الجميع، وبين حكم أهل السنة المنضبط المبني على أصول إسلامية واعتقادية صحيحة لا هوى فيها ولا حظ نفس..

فاللهم أهدِ الشيعة، وردهم إلى دينك، وانصر أهل التوحيد العاملين بالقرآن والسنة، المدافعين عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، الموقرين لزوجاته وأمهات المؤمنين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) كتاب الشفا: (2/238).

(2) متفق عليه، البخاري (5753)، ومسلم (60)، ولفظه في البخاري: (أَيُّمَا رَجُلٍ قال لِأَخِيهِ يا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بها أَحَدُهُمَا).

(3) السيل الجرار: (4/578).

(4) الكافي للكليني: (1/438).

(5) الكافي للكليني: (1/187).

(6) الحدائق الناضرة- المحقق البحراني: (5/176).

(7) المحاسن النفيسة في أجوبة المسائل الخراسانية- البحراني: (ص:147).

(8) المرجع السابق: (ص:157).

(9) كشف الحقائق: (ص:249).

(10) فرق معاصرة- غالب عواجي: (1/264).

(11) المرجع السابق، نفس الصفحة، بتصرف.

---------------------------------------------

عبدالناصر محمود
10-24-2014, 07:41 AM
شبهات المعتزلة في الشفاعة والرد عليها*
ــــــــــــــــــــــ

30 / 12 / 1435 هــ
24 / 10 / 2014 م
ــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3998.jpg

تنبع أهمية مسألة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم بمرتكبي الكبائر من أمته مع وجود الإيمان من كونها مسألة عقدية تواترت الأدلة من القرآن والسنة على ثبوتها عند أهل السنة كما يؤكد ابن القيم وغيره من العلماء, بينما أنكر ذلك المعتزلة بناء على شبهات اعتبروها أدلة.

وينطلق موقف المعتزلة في إنكار شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للعصاة من أمته من كون أهل الكبائر لا يخرجون من النار بعد دخلوها, ويقصرون الشفاعة على التائبين من أمته صلى اله عليه وسلم دون الفساق, ويكون ذلك برفع درجاتهم في الجنة فحسب.

يقول القاضي عبد الجبار الهمذاني- أحد كبار مشايخ المعتزلة - في بيان رأي المعتزلة في الشفاعة: لا خلاف بين الأمة في أنَّ شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ثابتة للأمة، وإنما الخلاف في أنها تثبت لمن؟ ثم قال: فعندنا أن الشفاعة للتائبين من المؤمنين. (1)

ولعل ما حمل المعتزلة على إنكار الشفاعة للعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أمرين اثنين هما:

1- اعتقادهم بمسألة الوعيد, وخلاصتها أن آيات الوعيد تتناول الفساق من المسلمين كما تتناول الكفرة, وأن المؤمن إذا خرج من الدنيا بكبيرة من الكبائر دون أن يتوب منها فإنه يستحق الخلود في النار، لكن عقابه يكون أخف من عقاب الكافر. (2)

2- استدلالهم ببعض الأدلة النقلية من القرآن الكريم حسب فهمهم الخاطئ, إضافة للأدلة العقلية, مما يمكن اعتبارها شبهات أيضا وليست أدلة.

وفي هذا التقرير سنعرض لشبهات المعتزلة في مسألة الوعيد مع مناقشتها والرد عليها, إضافة لشبهاتهم التي اعتبروها أدلة من القرآن أو العقل تؤيد مذهبهم والرد ومناقشتها والرد عليها باختصار.

أولا: بعض شبهات مسألة الوعيد والرد عليها: يستدل المعتزلة على مسألة الوعيد التي يعتقدون بها ببعض نصوص من القرآن الكريم أولوها بما يناسب معتقداتهم الخاطئة, ومن أبرز هذه الأدلة:

· قوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة/81.

يقول القاضي عبد الجبار في بيان وجه الدلالة بالأية: دلت الآية على أن من غلبت كبائره على طاعته – لأن هذا هو المعقول من الإحاطة في باب الخطايا؛ إذ ما سواه من الإحاطة التي تستعمل في الأجسام مستحيل فيها– هو من أهل النار مخلد فيه. (3)

بينما الحقيقة أن الآية نزلت في اليهود بدلالة الآية التي سبقتها وهي قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} البقرة/80, فالآية إخبار عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم، من أنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودة كما ذكر ابن كثير في تفسيره, كما أن القرطبي أكد أن كلمة "سيئة" تعني في الآية: الشرك كما نقله ابن جريج عن عطاء.

والمعنى أن من ارتكب المعاصي والكبائر حتى جَرَّته إلى الكفر واستولت عليه ذنوبه مِن جميع جوانبه، وهذا لا يكون إلا فيمن كفر بالله, فالكفار هم الذين يدخلون نار جهنم ويلازمونها ملازمة دائمةً لا تنقطع.

· قوله تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} الزخرف/74-75.

استدل أئمة المعتزلة بهذه الآية على أن المجرم اسم يتناول الكافر والفاسق جميعا، فيجب أن يكونا مرادين بالآية معنيين بالنار؛ لأنه تعالى لو أراد أحدهما دون الآخر لبينه، فلما لم يبينه دلَّ على أنه أرادهما جميعا, فالآية تدل على أن الوعيد بالخلود لأنه لم يخص مجرما من مجرم، وبين أنهم خالدون في النار، والخلود هو الدوام الذي لا انقطاع له. (4)

والمعنى الحقيقي لكلمة "المجرمين" في الآية الكريمة: هم الكافرون, وعلى هذا جميع علماء التفسير من أهل السنة والجماعة, كالطبري وابن كثير والقرطبي وغيرهم, واستدلوا على ذلك بما قبل هذه الآية التي تحدثت عن أن كل من آمن بآيات الله داخلون في عباد الله الذين لا خوف عليهم كما ذكرت الآية, والفاسق آمن بالله وأسلم, فوجب أن يكون خارجاً عن هذا الوعيد, كما أن الرجل المسلم لا يكره الإسلام ولا القرآن التي هي صفات المجرمين بقوله تعالى: {لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} الزخرف/78.

· قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} النساء/93

استدل المعتزلة بهذه الآية على أن قتل المؤمن على وجه التعمد يستحق به الخلود في النار, ولا يمكن حمل الكلام في الآية على الكافر لأنه "من" لفظ عام, ولأن الله جعل ذلك الجزاء لهذا الفعل المخصوص. (5)

وقد رد أهل السنة على هذه الشبهة بأن الخلود في الآية لمستحيل القتل، وهو كافر إجماعا, وفي هذا يقول الطبري عند تفسير هذه الآية: (قوله متعمداً) أي مستحلاً قتله, ويقول القرطبي حاكيا ما روي عن ابن عباس في معنى قوله تعالى(متعمداً) أنه قال: متعمداً أي مستحلاً لقتله ، وهو ما يؤدي إلى الكفر إجماعاً والكافر مخلد. (6).

ثانيا: أدلة المعتزلة في نفي الشفاعة: استدل المعتزلة على نفي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للعصاة من المسلمين بأدلة من القرآن الكريم مما يمكن اعتبارها شبهات وليست أدلة, إضافة لبعض الاستدلالات العقلية المشهور اعتمادهم عليها في مذهبهم.

أما شبهاتهم من القرآن الكريم فأهمها:

· قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} البقرة/48

يقول المعتزلة على لسان كبير أئمتهم القاضي عبد الجبار: الآية تدل على أن من استحق العقاب لا يشفع النبي صلى الله عليه وسلم له، ولا ينصره؛ لأن الآية وردت في صفة اليوم ولا تخصيص فيها، فلا يمكن صرفها إلى الكفار دون أهل الثواب، وهي واردة فيمن يستحق العذاب في ذلك اليوم، لأن هذا الخطاب لا يليق إلا بهم، فليس لأحد أن يطعن على ما قلناه بأن يمنع الشفاعة للمؤمنين أيضا. (7)

وقد رد أهل السنة والجماعة على هذه االشبهة بأن الشفاعة المنفية في الآية هي الشفاعة للكافرين، ويدل على ذلك إجماع المفسرين على أن المراد بالنفس في الآية الكريمة هي: النفس الكافرة، أي النفس التي مات صاحبها على الكفر.

كما أن عدة أحاديث تثبت عكس ما ذهب إليه المعتزلة ومنها: قول رسول صلى الله عليه وسلم: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) المستدرك للحاكم برقم 228 وصححه الألباني.

وإذا ثبتت الشفاعة لأهل الكبائر؛ فلا بد من أن تكون الشفاعة المنفية في الآية إنما هي الشفاعة للكفار جمعا بين الآية والأحاديث. (8)

· قوله الله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} غافر/ 18

وقد استدل شيخ المعتزلة القاضي عبد الجبار بهذه الآية على أن الظالم لا يشفع له النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الشفاعة لا تكون إلا للمؤمنين لتحصل لهم مزية في التفضل وزيادة في الدرجات مع ما يحصل له صلى الله عليه وسلم من التعظيم والإكرام. (9)

ورد أهل السنة على الشبهة بأن المراد بالظالمين في الآية هم الكافرون، لأن الظلم إذا أطلق انصرف إلى الكفر، إذ أنَّ الكفر أعظم الظلم، بدليل قول الله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) لقمان/13, فعلى ذلك فالشفاعة المنفية عن الكفار، وصاحب الكبيرة ليس بكافر, قال ابن كثير : "ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم، ولا شفيع يشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير" (10).

· قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} سورة الأنبياء:28.

استدل المعتزلة بهذه الآية على أن الشفاعة لا تكون إلا لمن كانت طرائقه مرضية، وأن الكافر والفاسق ليسا من أهلها, كما ذكر شيخهم القاضي عبد الجبار. (11)

وقد رد أهل السنة على هذه الشبهة بأن معنى الآية هو: ولا يشفعون إلا لمن رضي الله تعالى أن يشفعوا له وأذن فيه, ومن ارتضاه الله تعالى للشفاعة هم الموحدون, يقول ابن عباس والضحاك: (إلا لمن ارتضى) أي: لمن قال لا إله إلا الله. ومما يدل على أن الآية في الموحدين قوله تعالى: {لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً} مريم/ 87, يقول المفسرين: إلا من قال لا إله إلا الله . (12)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية جوابا على من أنكر الشفاعة لأهل الكبائر بناء على الآيات السالفة: وَجَوَابُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ هَذَا يُرَادُ بِهِ شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا لَا تَنْفَعُ الْمُشْرِكِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي نَعْتِهِمْ : {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} المدثر42-47 , فَهَؤُلَاءِ نُفِيَ عَنْهُمْ نَفْعُ شَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا, وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُرَادُ بِذَلِكَ نَفْيُ الشَّفَاعَةِ الَّتِي يُثْبِتُهَا أَهْلُ الشِّرْكِ وَمَنْ شَابَهَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ. (13)

وأما شبهات المعتزلة العقلية التي استدلوا بها على نفي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لعصاة المسلمين من أهل الكبائر فأهمها:

· قول القاضي عبد الجبار شرح الأصول الخمسة عند المعتزلة: لقد دلت الدلائل على أن العقوبة تستحق على طريق الدوام، فكيف يخرج الفاسق من النار بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والحال ما تقدم؟!

وقد رد أهل السنة على هذه الشبهة العقلية بأن الأدلة الدالة على دوام العقوبة عامة، وأدلة إثبات الشفاعة لأهل الكبائر خاصة، والخاص مقدم على العام، فوجب القطع بأن النصوص الدالة على الشفاعة مقدمة على العمومات الدالة على دوام العقوبة.

· تقول المعتزلة: أليس أن الأمة اتفقت على قولهم: "اللهم اجعلنا من أهل الشفاعة" فلو كان الأمر على ما ذكرتموه لكان يجب أن يكون هذا الدعاء دعاء لأن يجعلهم الله تعالى من الفساق، وذلك خلف. (14)

ويرد القرطبي من أهل السنة على هذه الشبهة بقوله: إنما يطلب كل مسلم شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويرغب إلى الله في أن تناله لاعتقاده أنه غير سالم من الذنوب، ولا قائم بكل ما افترض الله عليه، بل كل واحد معترف على نفسه بالنقص، فهو لذلك يخاف العقاب ويرجو النجاة. (15)

كما أن العقل يجيز شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في عصاة الموحدين ولا يمنعها, وفي ذلك يقول أبو سعيد النيسابوري: إن قبول الشفاعة للعصاة ليس مما يحيله العقل، فإن من عصى مالكه وخالقه لا يستقبح في العقل أن تتشفع إليه بعض المختصين به، حتى يعفوا عنه، وإذا كان جائزا في العقل، فالسنة المستفيضة قد وردت به موجب الإيمان به فإن حملوه على الشفاعة - يقصد المعتزلة - لرفع الدرجات لم يصح، لأن في الخبر عن رسول الله أنه قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي). (16)

قد لا تكون هذه جميع شبهات المعتزلة النقلية والعقلية في مسألة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للعصاة من أمته, إلا أن التقرير أتى بمعظمها وأهمها باختصار, ولمن أراد الاستزادة فعليه بقراءة بحث قيم أعده الدكتور صالح الرقب بعنوان (موقف المعتزلة من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم عرض ونقد) فإن فيه تفصيل المسألة بشكل جيد.

إن الحقيقة التي يمكن استخلاصها في هذا الموضوع العقدي, أن الشفاعة ثابتة بالأدلة النقلية والعقلية, وأن نفي المعتزلة للشفاعة لا يستند إلى أدلة معتبرة, بل هي مجرد شبهات رد عليها أهل العلم الثقات من أهل السنة والجماعة, فجزاهم الله عن الأمة كل خير.

ـــــــــــ

الفهارس

(1) شرح الأصول الخمسة 690

(2) الملل والنحل للشهرستاني 1/45

(3) متشابه القرآن 1/97

(4) شرح الأصول الخمسة 660

(5) متشابه القرآن1/201، 202، وانظر شرح الأصول الخمسة ص659

(6) مختصر تفسير الطبري 1/119 تفسير القرطبي 5/334

(7) متشابه القرآن 1/90،91

(8) تفسير الطبري 2/33، القرطبي1/347

(9) متشابه القرآن 2/600

(10) التفسير العظيم 7/137

(11) متشابه القرآن 2/499

(12) التفسير الكبير:الرازي 22/160

(13) مجموع الفتاوى 1/149

(14) شرح الأصول الخمسة ص 692

(15) تفسير القرطبي 1/ 380،381 .

(16) الغنية في أصول الدين:أبو سعيد النيسابوري 1/172
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــ

عبدالناصر محمود
11-03-2014, 08:12 AM
لبرلة التصوف أم تصوف الليبرالية؟!!*
ـــــــــــــــــــــ

10 / 1 / 1436 هــ
3 / 11 / 2014 م
ــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8775.jpg


الليبرالية منتح متطور من منتجات العلمانية التي فشلت في اختراق الوجود العربي والإسلامي، فعلى الرغم من قدم الدعوات إلى تبني العلمانية ونشرها إلا أنها لم تجن من الثمرات ما كان يرجى لها ويتوقع. فلقد كان للعلمانية أثرها البالغ على جميع الأديان والبلدان في الشرق والغرب، لكن ما أن اصطدمت بالإسلام إلا وبان ضعفها ووهنها، لهذا عمل صناع الفلسفات المادية في الغرب على تطوير هذا المنتج ليتناسب مع الحالة الشرقية والغربية على السواء.

فكانت الليبرالية التي تدعي الدعوة إلى الحرية، كما أنها تزعم (تقية) أنها لا تحارب الأديان، بل تناصرها وتدعو الناس إليها..!! هكذا يزعم الليبراليون العرب، وكأنهم يخاطبون أجساماً بغير عقول، أو أنهم يتحدثون عن شيء آخر غير الليبرالية التي نعرفها ونعرف خباياها، تلك الليبرالية التي عادت كل شيء حتى الإنسان ذاته، فلوثت فطرته، وأضاعت هويته لصالح من يملك المادية، ومن له القوة والنفوذ.

والليبرالية مصطلح أجنبي معرب مأخوذ من (Liberalism) في الإنجليزية، و(Liberalisme) في الفرنسية، وهي تعني "التحررية"، ويعود اشتقاقها إلى (Liberaty) في الإنجليزية أو (Liberate) في الفرنسية، ومعناها الحرية. وهي مذهب فكري يركز على الحرية الفردية، ويرى وجوب احترام استقلال الأفراد، ويعتقد أن الوظيفة الأساسية للدولة هي حماية حريات المواطنين مثل حرية التفكير، والتعبير، والملكية الخاصة، والحرية الشخصية وغيرها. ولهذا يسعى هذا المذهب إلى وضع القيود على السلطة، وتقليل دورها، وإبعاد الحكومة عن السوق، وتوسيع الحريات المدنية. ويقوم هذا المذهب على أساس علماني يعظم الإنسان، ويرى أنه مستقل بذاته في إدراك احتياجاته. [حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها- د. عبد الرحيم السلمي: (173-174)].

فبحسب التعريف الأكاديمي (عند صناع هذه الفلسفة والأتباع والدارسين لها بل والمستوردين لها) تقوم هذه الفلسفة على قواعد علمانية صِرفة، فهي نموذج مُطور من العلمانية الكلاسيكية، حمل مساوئ العلمانية من حيث فصل الدين عن كل مناحي الحياة، إضافة إلى مفخرة الليبرالية المدعاة؛ وهي الدعوة إلى الحرية الفردية، وهي دعوة ملحدة تنادي في غاياتها بأن يكون كل إنسان إله نفسه.

فالعجب كل العجب أن يأتي- بعد كل هذا- من يزعم التدين والدعوة إلى الإسلام فيدعي أن الليبرالية هي أساس التقدم والتحضر، وأنه لا رقي بغير اتباع النهج الليبرالي، حيث دافع الشريف طه الشريف، شيخ الطريقة الرفاعية الصوفية، عن التيار الليبرالي، باعتباره يمثل النموذج الأصلح لتقدم ونهضة الأمة كما يرى.

وقال الشريف لـصحيفة "المصريون"، إن الليبرالية هيّ أساس التقدم والرقي، وأن كل العصور عرفت الليبرالية، حتى في أزهي العصور الإسلامية، مؤكدًا أن "الليبراليين يسعون إلى نهضة الدولة". في المقابل، رأى الشريف أن التيار الإسلامي الذي حّكم مصر لمدة عام، هي الفترة التي قضاها الرئيس المعزول محمد مرسي في الحكم، أهان الدولة وجعل الجميع ينفر من التيار الإسلامي إلى باقي التيارات الأخرى.

فالعجب كل العجب أن يصدر مثل هذا الكلام الذي يعرف القاصي والداني كذبه، من شيخ صوفي يتزعم طريقه لها أتباع ومريدون، وفي المقابل يهاجم التيار الإسلامي الذي ينتمي إليه، ولو اسماً. لكن الحقيقة تقول أن ثمة انفصالاً تاماً بين الصوفية المصرية وباقي التيارات الإسلامية في مصر بل وفي العالم كله، وأن ثمة تحالفاً قوياً بين القوى الصوفية- بما فيها الطريقة الرفاعية- وباقي التيارات العلمانية والليبرالية والاشتراكية، وهو تعاون يهدف في الأساس إلى كسر شوكة الإسلاميين.

لقد استطاعت الليبرالية- ومن قبل العلمانية- امتطاء العقل الصوفي، والتحكم فيه لصالح المخططات الرامية إلى محو الهوية الإسلامية، فبات كثير من رجالات التصوف- بعلم أو بجهل- بمثابة خنجر مسموم يُطعن به العاملون في مجال الدعوة إلى الإسلام والذب عن ثوابته ومحكماته، بل يطعن به كل مسلم يبتغي الحفاظ على دينه.

والسؤال الآن: هل ما نشاهده لبرلة للتصوف أو تصوف لليبرالية؟ مَنْ مِنْ الجانبين فرط في ثوابته؟ هل تحول الصوفيون إلى ليبراليين، أم أن منظري الليبرالية صاروا مشائخ طرق ودراويش حلقات؟!!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــ

عبدالناصر محمود
11-11-2014, 08:44 AM
عقيدة الشيعة بالأنبياء والرسل*
ــــــــــــــ

18 / 1 / 1436 هــ
11 / 11 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3828.jpg

إذا كان اليهود هم أكثر من انتهك حرمة الأنبياء والرسل, من خلال تكذيبهم لأنبيائهم وتطاولهم على رسلهم الذي وصل إلى حد القتل كما ذكر القرآن الكريم, قال تعالى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} المائدة/70, وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} البقرة/87, فإن الشيعة لم يكونوا أقل جراءة من اليهود على حرمة الأنبياء, ولا أدنى درجة منهم في انتهاك مكانتهم ومنزلتهم.

وعقيدة الشيعة في الأنبياء والرسل تختلف اختلافا جذريا عن عقيدة أهل السنة والجماعة, فبينما يؤمن أهل السنة بجميع الأنبياء والمرسلين ولا يفرقون بين أحد منهم, ويحفظون لهم مكانتهم ومنزلتهم التي خصهم الله بها, فالعصمة لهم وحدهم دون سواهم من البشر مهما علا شأنه أو سمت مكانته, والوحي المنزل من الله إليهم لا يتعداهم إلى غيرهم مهما كان صالحا أو تقيا, والمعجزات اختصهم الله بها ليصدقهم أقوامهم ولا يمكن أن تجري على يد غيرهم.

نرى الشيعة يخالفون كل ذلك, فيدعون أن أئمتهم يوحى إليهم كالأنبياء, وينسبون العصمة للأئمة كالرسل, وقد ابتدعوا لأئمتهم معجزات ما أنزل الله بها من سلطان, بل إن بعضهم بالغ في الضلالة حين زعموا أن الأنبياء عليهم السلام هم أتباع علي رضي الله عنه, وأن منهم من عوقب لرفضه ولاية علي –والعياذ بالله-, وقد جاء في أخبارهم: (أن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال: إن الله عرض ولايتي على أهل السماوات وأهل الأرض, أقر بها من أقر وأنكرها من أنكر, أنكرها يونس فحبسه الله في بطن الحوت حتى أقر بها) (1)

وفي هذا التقرير سيكون التركيز بإذن الله تعالى على أبرز نقطتين في عقيدة الشيعة بالأنبياء والرسل, ألا وهما: تفضيل الشيعة أئمتهم على الأنبياء والرسل, والزعم بأن أئمتهم أتوا بالمعجزات –كالأنبياء- لإقامة الحجة على الناس.

1- أما تفضيل الشيعة لأئمتهم على الأنبياء والمرسلين.

فلا بد أولا من بيان أنهم كانوا منقسمين بشأن هذه المسألة إلى عدة فرق:

· ففرقة تقول بأن الأنبياء أفضل من الأئمة, غير أن بعض هؤلاء جوزوا أن يكون الأئمة أفضل من الملائكة.

· وفرقة يزعمون أن الأئمة أفضل من الأنبياء والملائكة.

· وفرقة بفضلون الأنبياء والملائكة على الأئمة. (2)

· وأضاف صاحب أوائل المقالات مذهبا رابعا وهو: أفضلية الأئمة على سائر الأنبياء ما عدا أولي العزم منهم, إلا أنه لم يبح بذكر المذهب الذي يعتمده من هذه المذاهب, زاعما توقفه للنظر في ذلك. (3)

ويظهر أن كل هذه المذاهب قد تلاشت بسعي شيوخ الدولة الصفوية, وقد استقر المذهب على الغلو في الأئمة, حتى أن الخميني يعتقد بذلك ويجاهر بها, وقد قررها في كتابه (الحكومة الإسلامية).

بل إن المجلسي ذهب في الغلو بعيدا فقال: (إن أولي العزم إنما صاروا أولي العزم بحبهم صلوات الله عليهم –أي الأئمة-) ولا يستثني في ذلك أحدا من المرسلين, حتى محمد صلى الله عليه وسلم. (4)

ولم يكتف المجلسي بذلك, بل أورد نصوصا تعقد مقارنة بين رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنه, وتنتهي أن لعلي فضل التميز على رسول الله بزعمهم, حيث شاركه علي في خصائصه –كما يزعمون– وانفرد بفضائل لم يشاركه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. (5)

ولم يكن المجلسي وحده من وصل إلى هذه الدرجة من الغلو, بل إن الكافي وغيره أيضا ذكروا نصوصا كثيرة تقول بأن لعلي والأئمة من الفضل ووجوب الطاعة كرسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم ما تلبث تلك الكتب أن تنتقل بالقارئ إلى أن الأئمة أفضل من رسول الله –والعياذ بالله- بل تذهب الروايات إلى القول بأن عليا والأئمة انفردوا بخصائص لا يشاركهم فيها أحد من الخلق, وهي في الحقيقة بعض صفات الله تعالى. (6)

ويبدو أن ما نبه عليه عبد القادر البغدادي في كتابه أصول الدين, والقاضي عياض في الشفاء, وشيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة, من أن تفضيل الشيعة لأئمتهم على الأنبياء والمرسلين هو مذهب غلاة الشيعة, قد أصبح اليوم أصلا من أصول الشيعة الاثني عشرية, بعد أن تلاشت تلك المذاهب ولم يبق إلا الغلو والتطرف.

فقد قرر صاحب الوسائل أن تفضيل الأئمة الاثني عشر على الأنبياء من أصول مذهب الشيعة التي نسبها للأئمة, ذاكرا أن الروايات عندهم في ذلك أكثر من أن تحصى. (7)

وعقد المجلسي بابا بعنوان: (باب تفضيلهم عليهم السلام على الأنبياء وعلى جميع الخلق...) وذكر في هذا الباب 88 حديثا من أحاديثهم المنسوبة للاثني عشر, كما قرر شيخهم ابن بابويه في اعتقاداته هذا المبدأ فقال: (يجب أن يعتقد –أي الشيعي– أن الله عزوجل لم يخلق خلقا أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم والأئمة, وأنهم أحب الخلق إلى الله وأكرمهم وأولهم إقرارا به لما أخذ الله ميثاق النبيين في الذر.....) وقد عقب المجلسي على هذا النص بعد أن نقله بقوله: (اعلم أن ما ذكره –رحمه الله- من فضل نبينا وأئمتنا صلوات الله عليهم على جميع المخلوقات, وكون أئمتنا أفضل من سائر الأنبياء هو الذي لا يرتاب فيه من تتبع أخبارهم عليهم السلام على وجه الإذعان واليقين, والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى) (8).

ولم يكتف الشيعة بتفضيل أئمتهم على الأنبياء والمرسلين, بل زادوا على ذلك بزعمهم أن الأنبياء ما استحقوا ما هم فيه من فضل إلا بسبب الولاية – حسب زعمهم, وقد صرح بهذه الفرية إمامهم المجلسي بقوله: (ما استوجب آدم أن يخلقه الله بيده وينفخ فيه من روحه إلا بولاية علي عليه السلام, وما كلم الله موسى تكليما إلا بولاية علي عليه السلام, ولا أقام الله عيسى بن مريم آية للعالمين إلا بالخضوع لعلي عليه السلام, ثم قال : أجمل الأمر : ما استأهل خلق من الله النظر إليه إلا بالعبودية لنا ) (9).

2- بأن أئمتهم أتوا بالمعجزات –كالأنبياء- لإقامة الحجة على الناس.

بينما يعتقد أهل السنة أن المعجزات لا يمكن أن يأتي بها أحد إلا الأنبياء والمرسلون, يدعي الشيعة أن علامة الإمام صدور المعجزة منه, حيث يعتقد الشيعة أن الإمامة استمرار للنبوة, فكما أن الله تعالى يختار من يشاء من عبادة للنبوة والرسالة ويؤيده بالمعجزات.. فكذلك يختار للإمامة. (10)

وقد يظن البعض أن الأمر لا يعدو اختلاف في الاصطلاح بين ما يسميه أهل السنة والجماعة كرامة للأولياء من خلقه, وبين ما ينسبه الشيعة لأئمتهم من معجزات, إلا أن من يقرأ في كتب الشيعة ومراجعهم, يتبين له أنهم يعتقدون أنها معجزات لإثبات الإمامة وإقامة الحجة على الخلق –كما يزعمون– لأنهم يعتبرون الأئمة هم الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض كالأنبياء تماما. (11)

كما أن شيخ الشيعة القزويني عرف المعجزة التي تحصل للأئمة بنفس تعريف المعجزة التي تحصل للأنبياء والمرسلين فقال: المعجزة للأئمة ما كان خارقا للعادة أو صارفا للقدرة عند التحدي مع عدم المعارضة, والمطابقة للدعوى. (12)

ومن نصوصهم التي تظهر غلوهم في أئمتهم, وادعائهم ظهور المعجزات على أيديهم, والتي تصل في بعض الأحيان إلى تجاوز حدود المعجزات إلى الاقتراب من صفات الله تعالى, قول الكليني على لسان علي رضي الله عنه: (لقد أعطيت خصالا ما سبقني إليها أحد قبلي, علمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب, فلم يفتني ما سبقني ولم يعزب عني ما غاب عني... ) (13)

وقد عنون المجلسي في كتابه بحار الأنوار بابا: ( إنهم –أي الأئمة– يقدرون على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وجميع معجزات الأنبياء) وأورد فيه جملة من أحاديثهم.

ولقد صنف الشيعة في معجزات أئمتهم المصنفات والكتب الكثير ومنها: "عيون المعجزات" لشيخهم حسين بن عبد الوهاب (من القرن الخامس الهجري) وكتاب "ينابيع المعاجز وأصول الدلائل" لشيخهم هاشم البحراني, وكذلك كتاب " مدينة المعاجز" للبحراني أيضا, وقد ورد في هذه الكتب غريب الحكايات وأساطير الروايات عن معجزات أئمتهم, والتي هي أقرب إلى الخيال أو ***** منها للحقيقة والواقع.

ومن أعجب أساطير رواياتهم عن معجزات أئمتهم حتى بعد مماتهم: ما ينسبونه للغائب المنتظر من معجزات وخوارق ينقلها جملة من شيوخهم الذين يزعمون الصلة به, كادعاء ابن المطهر الحلي أن الغائب المنتظر نسخ له كتابا كاملا استعاره لليلة واحدة –والنسخ كان كتابة في زمنه– بتلك الليلة. (14)

ومن أشنع الافتراءات التي ينسبونها لأئمتهم ويسمونها معجزات: حصول الخوارق عند قبور أئمتهم, فقد أورد المجلسي بابا سماه: (ما ظهر عند الضريح المقدس من المعجزات والكرامات), ويذكر عن كل إمام معجزاته المزعومة, والتي تتحدث عن شفاء أضرحة الأئمة للأمراض المستعصية كعودة نظر الأعمى بمجرد مجاورته للضريح. (15)

وفي الختام لا أظن أن القارئ بحاجة لسرد آراء علماء أهل السنة والجماعة في حكم من يدعي أمثال هذه الأقوال الكفرية, ومع ذلك فلا بأس بذكر قول الإمام محمد بن عبد الوهاب: (أن من اعتقد في غير الأنبياء كونه أفضل منهم أو مساويا لهم فقد كفر, وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء) (16)

ـــــــــــــــ

الفهارس

(1) بحار الأنوار للمجلسي 26/282 .

(2) مقالات الإسلاميين للأشعري 1/120

(3) أوائل المقالات ص42 .

(4) بحار الأنوار ص615

(5) بحار الأنوار 39/89

(6) أصول الكافي1/197

(7) الفصول المهمة في أصول الأئمة/151

(8) بحار الأنوار 26/267 و 26/297 و اعتقادات ابن بابويه ص106

(9) بحار الأنوار26/294

(10) أصل الشيعة وأصولها ص58

(11) أصول الكافي1/192 .

(12) قلائد الخرائد ص72

(13) أصول الكافي 1/196

(14) بحار الأنوار 51/361 .

(15) بحار الأنوار 42/311 – 317

(16) رسالة في الرد على الرافضة ص29

ومن أهم مراجع التقرير : أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية للدكتور ناصر بن علي القفاري , ومجمل عقائد الشيعة في ميزان أهل السنة للشيخ ممدوح الحربي .ومع الاثني عشرية في الأصول والفروع للأستاذ الدكتور علي أحمد السالوس .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــ

عبدالناصر محمود
12-01-2014, 09:16 AM
عصمة أولياء الصوفية وأئمة الشيعة جذور وروافد*
ـــــــــــــــــــــــــ

9 / 2 / 1436 هــ
1 / 12 / 2014 م
ــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3876.jpg


يشترك كثير من المتصوفة مع الشيعة في كثير من العقائد الضالة الفاسدة في كثير من الأصول والعقائد والفروع والجزئيات والتفاصيل، منها تفضيل بعض الأولياء على الأنبياء ووجوب معرفة إمام الزمان وعدم خلو الأرض من الحجة، وكالعصمة لعدد من الأولياء تماما كما يعتقد الشيعة بعصمة أئمتهم.

وهنا نجد أن الصوفية قد أخذوا مسألة عصمة الولي من الشيعة، ولكنهم أخفوها فترة من الزمن فسموها(الحفظ)، وكان أول من اشتهر أنه صرح بها هو القشيري فقال: "واعلم أن من أجل الكرامات التي تكون للأولياء دوام التوفيق للطاعات والعصمة من المعاصي والمخالفات، ويجوز أن يكون من جملة كرامات ولي الله أن يعلم أنه ولي".[1]

ومن موافقاتهم الغريبة للشيعة والمتصوفة أن الغالبية العظمى -إن لم يكن كل زعماء الطرق الصوفية- يرجعون نسبهم إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فالشيخ عبد القادر الجيلاني يرجع نسبه إلى آل البيت، وكذلك الشيخ أحمد الرفاعي والبدوي، وأبو الحسن الشاذلي، والبكتاشي، والسنوسي، والمهدي، وكل زعماء الطرق حتى في البلاد الأعجمية مثل محمد نور بخش، وخواجه اسحق وباليم سلطان[2]، بل ويتعاملون بنفس كيفية الإمامة الاثني عشرية في توارث زعامة الطريقة وهي وراثة الأبناء للآباء، فإذا كانت المشيخة للطريقة كما يعلنون دوما هي بمحصول المجاهدة والسلوك فهل يصير حتما ولازما أن يكون ولد الشيخ شيخا بعده؟

ومما يدل على العلاقة القوية بين الفكرتين فكرا وتاريخا: يقول أحد ائمة الصوفية الشعراني عن واحد ممن يسميه بالولي: "الشيخ حسن العراقي صاحب الضريح فوق الكوم بقرب بركة الرطلي بمصر، ذكر لي رضي الله عنه أنه اجتمع بالمهدي إمام آخر الزمان عليه السلام بدمشق وأقام سبعة أيام ورده، كل ليلة خمسمائة ركعة وصيام الدهر" [3].

ويقول الصوفية في تعريف أعلى وأرقى مقام عندهم من الأولياء والذي يسمى عندهم بالقطب فيقولون في شروطه أن أول صفة فيه العصمة، ففي جواب لعبد الوهاب الشعراني ذكره ردا على سؤال جاءه من أحدهم في مراتب الولاية "ما علامة القطب فإن جماعة في عصرنا ادعوا القطبية وليس معنا علم برد دعواهم؟، ‏(‏فالجواب‏)‏ قد ذكر الشيخ أبو الحسن الشاذلي أن للقطب خمس عشرة علامة‏:‏أن يمد بمدد العصمة والرحمة والخلافة والنيابة، ومدد حملة العرش العظيم ويكشف له عن حقيقة الذات وإحاطة الصفات، ويكرم بكرامة الحلم والفضل بين الموجودين وانفصال الأول عن الأول وما انفصل عنه إلى منتهاه، وما ثبت فيه حكم ما قبل وما بعد وحكم من لا قبل له ولا بعد، وعلم الإحاطة بكل علم ومعلوم ما بدا من السر الأول إلى منتهاه ثم يعود إليه‏.‏‏.‏‏"‏ فهل هذه صفات ولي أن نبي أم أرقى من النبي والعياذ بالله؟

ومن منطلق الإيمان بالعصمة عند الصوفية ألا يُنكر على الولي أبدا في فعل منكر فعله ولا في واجب تركه حتى لو كان مع المنكر الدليل الصريح الصحيح.

قال الشيخ أبو العباس أحمد بن المبارك اللمطي في كتابه المسمى بالإبريز ما نصه: "واعلم وفقك الله تعالى أن الولي المفتوح عليه يعرف الحق والصواب، ولا يتقيد بمذهب من المذاهب، ولو تعطلت المذاهب بأسرها لقدر على إحياء الشريعة، وكيف لا وهو الذي لا يغيب عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - طرفة عين، ولا يخرج عن مشاهدة الحق جل جلاله لحظة، وحينئذ فهو العارف بمراده - صلى الله عليه وسلم - وبمراد الحق جل جلاله في أحكامه التكليفية وغيرها، وإذا كان كذلك فهو حجة على غيره، وليس غيره حجة عليه، لأنه أقرب إلى الحق من غير المفتوح عليه، فكيف يسوغ الإنكار على من هذه صفته، ويقال خالف مذهب فلان في كذا، إذا سمعت هذا فمن أراد أن ينكر على الولي المفتوح عليه لا يخلو إما أن يكون جاهلا بالشريعة كما هو الواقع غالبا من أهل الإنكار، وهذا لا يليق به كإنكار، إذ الأعمى لا ينكر على البصير أبدا، فاشتعال هذا بزوال جهله أولى به وإما أن يكون عالما بمذهب من مذاهبها جاهلا بغيره، وهذا لا يصلح منه كإنكار، إلا إن كان يعتقد أن الحق مقصور على مذهبه ولا يتجاوزه إلى غيره، وهذا الاعتقاد لم يصر إليه أحد، إلى أن قال وإما أن يكون عالما بالمذاهب الربعة، وهذا لا يتأنى منه كإنكار أيضا، إلا إذا كان يعتقد نفي الحق عن غيرها من مذاهب العلماء كمذهب الثوري والأوزاعي وعطاء ابن جريح وغيرهم من التابعين وأتباعهم، إلى مذاهب الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وهذا الإعتقاد فاسد، فاشتغاله بدوابه أولى من اشتغاله بالإنكار على أولياء الله تعالى المفتوح عليهم، وإذا وصلت إلى هنا علمت أنه لا يسوغ الإنكار على الحقيقة إلا ممن أحاط بالشريعة ولا يحيط بها إلا النبي - صلى الله عليه وسلم -، والكمل من ورثته الأغواث في كل زمان رضي الله عنهم، أما غيرهم فسكوتهم خير لهم لو كانوا يعلمون" [4]

موقف أهل السنة من قضية العصمة
------------------------

فهو موقف لا تلون فيها ولا لبس، فليس لأحد من الأولياء عصمة من الذنب ومن مقارفة الخطأ، ويجوز الانكار على الجميع لمن يملك الدليل الشرعي الصحيح ويؤخذ من كلامهم ويرد، فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والأولياء وإن كان فيهم محدثون كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنه قد كان في الأمم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر. فهذا الحديث يدل على أن أول المحدثين في هذه الأمة عمر، وأبو بكر أفضل منه إذ هو الصديق، فالمحدث وإن كان يلهم ويحدث من جهة الله تعالى فعليه أن يعرض ذلك على الكتاب والسنة فإنه ليس بمعصوم كما قال أبو الحسن الشاذلي: قد ضمنت لنا العصمة فيما جاء به الكتاب والسنة، ولم تضمن لنا العصمة في الكشوف والإلهام. ولهذا كان عمر بن الخطاب وقافا عند كتاب الله، وكان أبو بكر الصديق يبين له أشياء تخالف ما يقع له كما بين له يوم الحديبية ويوم موت النبي صلى الله عليه وسلم ويوم قتال ما نعي الزكاة وغير ذلك، وكان عمر يشاور الصحابة فتارة يرجع إليهم وتارة يرجعون إليه.. وكان يأخذ بعض السنة عمن هو دونه في قضايا متعددة، وكان يقول القول فيقال له: أصبت، فيقول: والله ما يدري عمر أصاب الحق أم أخطأه، فإذا كان هذا إمام المحدثين، فكل ذي قلب يحدثه قلبه عن ربه إلى يوم القيامة هو دون عمر، فليس فيهم معصوم، بل الخطأ يجوز عليهم كلهم، وإن كان طائفة تدعي أن الولي محفوظ، وهو نظير ما يثبت للأنبياء من العصمة، والحكيم الترمذي قد أشار إلى هذا، فهذا باطل مخالف للسنة والإجماع، ولهذا اتفق المسلمون على أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم" [5]

ـــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الصلة بين التصوف والتشيع: د. مصطفى الشيبي ص386.

[2] المصدر السابق ص 446.

[3] الأنوار القدسية في الآداب، هامش الطبقات: (1/5).

[4] الذهب الإبريز كلام (سيدي )عبد العزيز لبن مبارك اللمطي ص 383.

[5] مجموع فتاوى ابن تيمية 1/148

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــ

عبدالناصر محمود
12-02-2014, 09:41 AM
الإلهام في الورد الصوفي
ــــــــــــ

(رمضان الغنام)
ــــــــ

10 / 2 / 1436 هــ
2 / 12 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/4115.jpg


لم يترك الإسلام مجالًا لمتقولٍ أو محرفٍ أو مشككٍ، فقد جاء القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، بتصور كامل للحياة ومقومات الوصول بسلام لما بعد الحياة، والإسلام مع حرصه على إشباع رغبات الإنسان الجسدية، لم يهمل الجانب النفسي فيها، بل قدمه وخصَّه، فحضَّ على أمور، وأرشد إلى صنائع؛ لتطمئنة نفس المسلم، والذهاب بهمومها بمجرد الإتيان بتلك الصنائع وتعويد النفس عليها، ومن هذه الصنائع والعلاجات: الذكر؛ فالذكر سلاح ناجع للنفوس المؤمنة، فبه تذهب هموم النفس وكربها، وبه يتجدد إيمان النفوس وتزداد قربًا من ربها، وبه يُسمع العبد شكواه إلى مولاه وطلبه الذي يرجوه منه.

فالذكر حديثٌ نفسي شديد الخصوصية، بين العبد وربه، يلهج فيه العبد بما يريده من ربه، أو يثني عليه لجميل فضله ومنَّه وكرمه، وللأذكار عند الصوفية مكانة خاصة لا تنكر، حتى إن للقوم مجالس ذكر وأوراد وأحزاب ودعوات؛ لا تكاد تتوفر لغيرهم، فللذكر في حياة الصوفي مكانة خاصة، وطريقة خاصة، وهيئة خاصة، بل ودعوات وأوراد خاصة، ولكل طريقة من طرق المتصوفة أذكارها وأحزابها التي تميزها عن غيرها.

لكن الذي يعيب هذه الأوراد ويشين أصحابها احتواء كثير منها على كثير من الضلالات والبدع والأباطيل، ففيها إلحاد بأسماء الله، واختراع لطرائق بدعية في الذكر ما أنزل الله بها من سلطان، وفيها غموض وألفاظ لا يفهمها خواص الصوفية فضلاً عن عوامهم، وفيها من الغلو ما يشهد على فسادها، وتغبش مصدرها، وفساد منطلقاته.

فأكثر ما نعيبه على الصوفيه في مسألة الذكر والدعاء؛ استحداثهم لأوراد وأحزاب وأذكار لا سلف لهم فيها، ولا سند لها من نص قرآني كريم، أو قول نبوي شريف، فلكل طريقة أذكارها وأورادها الخاصة بها، فإن بحثت عن مصدر هذه الدعوات، لا تجد لها مصدرًا إلا شيخ طريقتهم أو أحد أوليائها وورثتها ممن يتلقونها بالإلهام أو الكشف أو الوحي؛ بحسب ما يدعون.

يقول صاحب كتاب ذكر ودعاء- وهو صوفي جلد- مبينًا طبيعة صُناع أوراد الصوفية: "واضعو هذه الأحزاب والأوراد إما أن يكونوا من مؤسسي الطرق الصوفية الرئيسية، أو من مؤسسي فروع هذه الطرق، ولكل عارف منهم أسلوب خاص به في الصلاة على إمام الهداة عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، هي مفتاح أنوار روح ذلك العارف، وسبيل كماله، وباب فتوحه الموصل إلى خزائن العلوم الاصطفائية، التي لا يطلع عليها سوى صفوة الله تعالى من خلقه"(1).

ويقول في موضع آخر موضحًا مصادر مشائخ الصوفية في تلقي هذه الأحزاب: "الأحزاب التي أقرها أساتذة الطرق الصوفية على ثلاثة أنواع: قسم خاص بما ورد في الحديث الشريف، وقسم سجل فيه العارف ما ألهمه الله عز وجل بعبارات واضحة، وقسم سجل فيه العارف ما أفيض عليه من الأنوار بعبارات ممتزجة بحروف لا يدري معانيها إلا من كان في مرتبته ومقامه، ومثال ذلك: الحروف الواردة في أوراد القطب الجيلاني والإمام الشاذلي والقطب الدسوقي.(2).

فأما ما ورد في الحديث الشريف من الأذكار والأوراد مما هو متداول في حضرات الصوفية ومجالس ذكرهم فدائر أغلبه ما بين الضعيف والموضوع، فعلى هذا الحال غالب أذكار الصوفية، فالقوم لا يبالون كثيرًا بمسألة الصحة والضعف، لأن الأمر عندهم محكوم بالذوق في المقام الأول، فما استحسنوه هو الصحيح المعمول به، وما لم يستحسنوه هو الضعيف المزهود فيه.

أما الطامة الكبرى والبلية التي ما بعدها بلية فهي اعتمادهم على مسألة الإلهام في تلقي هذه الأوراد، والإلهام عند الصوفية، هو "نور يقذفه الله في قلب المؤمن؛ فيصبح علمًا وعالمًا ومعلومًا جميعًا"، وهي بحسب تعبير الشعراني "موارد من الرب على خاطر العبد"(3).

ولابن عربي نص صريح يعبر فيه عن هذه الحالة، نقله عنه الشعراني، يقول فيه: "جميع ما كتبته وأكتبه فى هذا الكتاب، إنما هو من إملاءٍ إلهىٍّ أو إلقاءٍ ربانىٍّ أو نفث روحانى فى كيانى، بحكم الإرث للأنبياء والتبعية لهم، لا بحكم الاستقلال"(4).

فانظر إلى التخليط، والعبث الديني والفكري الذي يؤصل له ابن عربي، فهو يدعي أن كل ما كتب من كلام رباني المصدر، ثم هو في ذات الوقت يدعي عدم الاستقلال والتبعية للأنبياء، فأي تبعية لرجل يدعي العصمة لكلامه؟ وهل لأحد أن يدعي هذا الادعاء إلا أن يكون نبيًا مرسلًا أو ملكًا كريمًا.

وادعاءات الصوفية علو المقام لأنفسهم ولمشائخ طرقهم أمر شائع، وليس بمستغرب، فللقوم أقوال تنص صراحة على علو مقامهم على مقام الأنبياء!! ومن كان هذا حاله هل يستحيل عليه الوحي المباشر فضلًا عن الإلهام؟ فعند الصوفية هاجس التقديس لمشايخهم؛ تقديس يرفع الشيخ أو الولي- بحسب عرفهم- إلى درجة النبي، بل قد يعلو مقام الولي عندهم على مقام النبوة، فيخصون هذا الشيخ أو ذاك بأمور لم يأت بها رسول أو نبي.

فقد نقلوا عن البسطامي أنه قال: "تالله إن لوائي أعظم من لواء محمد صلى الله عليه وسلم، لوائي من نور تحته الجان والجن والإنس، كلهم من النبيين"(5).

وورد عن الجيلي قوله: "معاشر الأنبياء، أوتيتم اللقب، وأوتينا ما لم تؤتوه"(6).

فالإلهام عمدة في مسألة الأذكار والأوراد عند الصوفية، ولهذا تعددت أورادهم، بحيث صار لكل طريقة وردها الخاص بها، يردده المريد بذات الطريقة التي تلقاها عن شيخه، وبنفس العدد المروي عنه، كأن كلام الشيخ نص قرآني أو أثر شريف، وليت اتباعهم لما صح من ذكر كاتباعهم لما ابتدعه مشائخهم من أوراد.

خلاصة القول: إن الذكر عبادة جليلة، بل هو رأس العبادات، لكن الصوفيه ابتدعوا في الأمر وزادوا من عند أنفسهم أمورًا لا يصح العمل بها؛ لمفارقتها الاتباع، وعوزها للدليل، فتحديد ذكر معين بطريقة معينة وعدد معين، مهمة نبوية، لا يجرؤ عليها إلا من أوتي وحيًا من الله عز وجل.

فقد روي أن قومًا كانوا يجلسون حلقًا في المسجد، ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول سبحوا مائة، فيسبحون مائة، فأتي ابن مسعود رضي الله عنه حقلة من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحوا باب ضلالة؟! قالوا والله: يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا: (إن قوما يقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية)، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم! ثم تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة[راوي الخبر]: فرأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج"(7).

وقد علق الألباني في سلسلته الصحيحه على هذه القصة بقوله: "إن فيها عبرة لأصحاب الطرق وحلقات الذكر على خلاف السنة، فإن هؤلاء إذا أنكر عليهم منكر ما هم فيه اتهموه بإنكار الذكر من أصله! وهذا كفر لا يقع فيه مسلم في الدنيا، وإنما المنكر ما ألصق به من الهيئات والتجمعات التي لم تكن مشروعة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فما الذي أنكره ابن مسعود رضي الله عنه على أصحاب تلك الحلقات؟ ليس هو إلا هذا التجمع في يوم معين، والذكر بعدد لم يرد، وإنما يحصره الشيخ صاحب الحلقة، ويأمرهم به من عند نفسه، وكأنه مشرع عن الله تعالى! (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)(8).

ولابن تيمية كلام موجز ردًا على سائل سأله عمن أحدث شيئًا من الأذكار غير ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصح عنه،فأجاب رحمه الله بقوله: "لا ريب إن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف والإتباع... وليس لأحد أن يسن للناس نوعا من الأذكار والأدعية غير المسنون، ويجعلها عبادة راتبة، يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس، بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به، بخلاف ما يدعو به المرء أحيانا من غير أن يجعله للناس سنة، فهذا إذا لم يعلم أنه يتضمن معنى محرمًا، لم يجز الجزم بتحريمه، لكن قد يكون فيه ذلك والإنسان لا يشعر به، وهذا كما أن الإنسان عند الضرورة يدعو بأدعية تفتح عليه ذلك الوقت فهذا وأمثاله قريب. وأما اتخاذ ورد غير شرعى، واستنان ذكر غير شرعى، فهذا مما ينهى عنه، ومع هذا ففى الأدعية الشرعية والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة، ونهاية المقاصد العلية، ولا يعدل عنها إلى غيرها من الأذكار المحدثة المبتدعة، إلا جاهل، أو مفرط، أو متعد"(9).

فما ذكره ابن تيمية من محاذير في فتواه السابقة تتطابق مع ما يأتي به المتصوفة في أورادهم وأحزابهم، فمن أين أتى مشائخ الصوفية بكل هذه الأوراد؟ ومن سن لهم تكرارها بعدد معين وبطريقة معينه؟ فإن كانت حجتهم الإلهام- وهي كذلك- فليس لأحد حق ادعاء الإلهام من الله إلا من حصل مقام النبوة؛ ومقام النبوة انتهى بموت النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه فكل من ادعى الوحي من الله أو الإلهام الذي يبيح له حق التشريع كاذب ومبدع لا محالة، وكل من اتبدع أحدًا هذا حاله سائر في ضلاله، ولن يفيده مع ابتداعه كثرة صيام أو صلاة أو ذكر، فنسأل الله الهداية والرشاد وحسن الاتباع والنجاة من الابتداع في الدين؛ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــ

الهوامش:

(1) ذكر ودعاء جمع عبد الله أحمد زينة: (ص:38).

(2) المرجع السابق: (ص:39).

(3) معجم ألفاظ الصوفية- د. حسن الشرقاوي- ص:53، نقلا عن: الإمام الشعراني- اليواقيت والجواهر- (الكبريت الأحمر هامش الكتاب) ص:3.

(4) المرجع السابق.

(5) الأخلاق للشعراني: (1/125).

(6) الإنسان الكامل للجيلي: (1/124).

(7) أخرجه الدارمي (1/68-69)، وهو في السلسة الصحيحة للشيخ الألباني رحمه الله: (2005).

(8) السلسة الصحيحة: حديث رقم (2005).

(9) مجموع الفتاوى لابن تيمية: (22/510-511).

----------------------------

عبدالناصر محمود
12-09-2014, 08:54 AM
الوعد والوعيد بين الوعيدية والمرجئة وأهل السنة*
ــــــــــــــــــــــــ

17 / 2 / 1436 هــ
9 / 12 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3980.jpg


كان لأهل السنة الموقف الوسط كما هم دوما في التعامل مع الوعد والوعيد الإلهي بين الفرق التي تدعي الانتساب إلى الإسلام، فهناك من اعتمد نصوص أحدهما دون الآخر في مخالفة صريحة للأوامر الإلهية الكريمة.

وكان للوعيدية وهي الفرق التي غلب جانب الوعيد والتي عرفها الشهرستاني: "هم القائلون بتكفير صاحب الكبيرة وتخليده في النار".(1) ويدخل فيها عدد من الفرق هي: المعتزلة، والخوارج، وما يندرج تحتهما من الفرق؛ كان لها موقف من الوعد والوعيد، وهو الموقف المقابل تماما للمرجئة وهم الجماعة الذين كانوا يؤخرون العمل عن النية والعقد، والذين كانوا يقولون لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر الطاعة؛ وكان أهل السنة هم الوسط بينهما.

موقف الوعيدية من نصوص الوعد والوعيد
-----------------------------

أعمل الوعيدية نصوص الوعيد وأهملوا نصوص الوعد، فجعلوا ما توعد الله به سبحانه وتعالى المخالفين لأمره وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- نافذا لا محالة، سواء كان ذلك في حصول العذاب، أو الحرمان من الثواب، أو الخلود في النار، أو الخروج من الدين.

قول الوعيدية الخلود في النار
-------------------

قال الوعيدية بخلود صاحب الذنب في النار، على خلاف بينهم، فمنهم من خص الخلود بصاحب الكبيرة، ومنهم من جعله عاماً لصاحب الذنب.

وقد احتجوا بعدد من النصوص منها قول الله عز وجل: "أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ"(2)

وقوله تعالى: "مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ" "وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ"(3)

وقوله تعالى:"وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"(4)

واستدلوا أيضاً بعدد من الأحاديث على خلود صاحب الذنب في النار. ومن هذه النصوص على سبيل المثال: حديث وعيد شارب الخمر، وقاتل الهرة، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا فدخلت فيها النار قال فقال والله أعلم لا أنت أطعمتها ولا سقيتها حين حبستها ولا أنت أرسلتها فأكلت من خشاش الأرض" (5).

ومن قتل نفسه بسم أو حديد أو تردي من جبل فإنه يفعل ذلك به في جهنم خالدا، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا"(6).

موقف الوعيدية من زوال اسم الإيمان
-------------------------

ذكر بعض الوعيدية أن الكبيرة تزيل اسم الإيمان فبعضهم قال إلى شرك وبعضهم قال إلى كفر نعمة وبعضهم قال إلى نفاق وبعضهم قال إلى فسق، قالوا فإذا كان ليس مؤمنا فلا يدخل الجنة لأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنين(7)، وذهب البعض إلى سلب اسم الإيمان عن أصحاب المعاصي.

ومنهم من قال بأن كل ذنب صغير أو كبير فهو مخرج عن الإيمان والإسلام فإن مات عليه فهو غير مسلم وغير المسلم مخلد في النار، وهذه مقالات الخوارج والمعتزلة، إلا أن ابن بكر أخت عبد الواحد بن زيد قال في طلحة والزبير رضي الله عنهما أنهما كافران، وهما من أهل الجنة لأنهما من أهل بدر وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أن الله تعالى قال لأهل بدر اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم قال فأهل بدران كفروا فمغفور لهم لأنهم بخلاف غيرهم".(8)

وذهب البعض منهم إلى تعليق الكفر بأعمال مخصوصة، فالخلفية زعموا أن من ترك الجهاد من ذكر أو أنثى فقد كفر.(9)

والناووسية قالوا إن عليا أفضل الأمة فمن فضل غيره عليه فقد كفر.(10)

والبيهسية قالت: إن من واقع ذنبا لم نشهد عليه بالكفر حتى يرفع إلى الوالي ويحد ولا نسميه قبل الرفع إلى الوالي مؤمنا ولا كافرا، وقال بعض البيهسية فإذا كفر الإمام كفرت الرعية.

وحجرت الوعيدية على ربنا سبحانه بعقولها الفاسدة فأوجبوا عليه –حاش لله - أن يعذب العصاة ولا بد، وقالوا إن العفو عنهم وترك تعذيبهم إخلال بحكمته وطعن في خبره، وهذا غلو في التقييد.(11)

واحتجت الوعيدية بأن عدم إنفاذ الوعيد خلف، وقالوا هذا لا يليق من الله سبحانه وتعالى فقال قائلهم وهو أبو عمرو بن العلاء الذي يقال له عمرو بن عبيد القدري: "قد ورد من الله تعالى الوعد والوعيد والله تعالى يصدق وعده ووعيده"

موقف الوعيدية من عذاب القبر
--------------------

قال بعض المعتزلة: "أن الله سبحانه يعذب الموتى في قبورهم ويحدث فيهم الآلام وهم لا يشعرون فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام وأحسوا بها، قالوا وسبيل المعذبين من الموتى كسبيل السكران والمغشى عليه لو ضربوا لم يجدوا الآلام فإذا عاد عليهم العقل أحسوا بألم الضرب"، وأنكر جماعة منهم عذاب القبر رأسا مثل ضرار بن عمرو ويحيى بن كامل وهو قول المريسى(12).

موقف الوعيدية من التوبة
----------------

من أقوال المعتزلة في التوبة: "أن من كان على معاصي خمسة من زنا وسرقة وترك صلاة وتضييع زكاة وغير ذلك ثم تاب عن بعضها دون بعض فإن توبته تلك لا تقبل" (13)، وقد نص السمناني على أن هذا قول الباقلاني وهو قول أبي هاشم الجبائي ثم قال السمناني(14) هذا قول خارق للإجماع جمله وخلاف لدين الأمة، ونلاحظ أن هذا نص هو قول السمناني في شيخه أن قول شيخه مخالف لدين الأمة.

أقوال المرجئة في الوعد والوعيد
-------------------

على الجانب الآخر من الوعيدية الذين غلبوا نصوص الوعيد، جاءت طائفة أخرى غلبوا نصوص الوعد وأهملوا نصوص الوعيد، فتساهلوا بالإيمان وأهملوا الطاعات وتجرؤوا على المحرمات وساووا بين المطيع والعاصي بل بين المؤمن والكافر، وتقلبت هذه الطائفة من المرجئة بين أحوال شتى، فزعم بعضهم أن الوعد إذا انفرد والوعيد إذا انفرد فعليهم أن يثبتوا (15) بكل واحد منهما منفردا ويعلموا أنه عام علما لا شك فيه، فإذا جاء الوعد مع الوعيد عندهم في قوم فعليهم أن يعلموا أن أحدهما مستثنى من الآخر إما أن يكون الوعد مستثنى من الوعيد وإما أن يكون الوعيد مستثنى من الوعد.

وعلى السامع لذلك أن يقف فلا يدرى لعل الخبر في أهل التوحيد كلهم أو في بعضهم، غير انه يعلم انه لا يجتمع الوعد والوعيد في رجل واحد لان ذلك يتناقض.

وقالت فرقة منهم: "انه ليس في أهل الصلاة وعيد إنما الوعيد في المشركين قالوا وقول الله عز وجل: "وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً"(16)وما أشبه ذلك من آى الوعيد في المستحلين دون المحرمين، قالوا فإما الوعد من الله فهو واجب للمؤمنين والله جل وعز لا يخلف وعده، والعفو أولى بالله والوعد لهم قول الله: "وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ" (17) وقوله: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّه" (18) الآية وما اشبه ذلك من آى القرآن.

وزعموا انه: "كما لا ينفع مع الشرك عمل كذلك لا يضر مع الإيمان عمل ولا يدخل النار احد من أهل القبلة" وقال بعضهم: "انه قال من اخبر الله انه يثيبه أثابه ومن اخبر انه يعاقبه من أهل القبلة لم يعاقبه ولم يعذبه، وذلك يدل على كرمه، بينما قالت فرقة أخرى منهم: "أن القرآن على الخصوص إلا ما اجمعوا على عمومه وكذلك الأمر والنهى"!!.

وعلى هذا فالمرجئة يخرجون العمل كأصل من مسمى الإيمان كما يصفون الفاسق بكمال الإيمان ويزعمون تأمين المجرم من العذاب.

فيقولون: "أن كل مسلم ولو بلغ على معصية فهو من أهل الجنة لا يرى نارا وإنما النار للكفار ولا أحد يدخل النار ثم يخرج عنها، بل من دخل النار فهو مخلد فيها أبدا ومن كان من أهل الجنة فهو لا يدخل النار (19).

ويسقطون الوعيد عن كل مسلم ويحتجون بقول الله تعالى: "لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى" (20)، فقالوا: هذه الآية مثبتة أن كل من توعده الله عز وجل على قتل أو زنا أو ربا أو غير ذلك فإنما هم الكفار خاصة لا غيرهم، واحتجوا بقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "من قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه دخل الجنة وإن سرق وإن شرب الخمر علي رغم أنفه أبي ذر" وقول الله عز وجل: "إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ"(21).

وقالوا: ومن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد أحسن فهو محسن فرحمة الله قريب منه ومن رحمة الله فلا يعذب، وقالوا كما أن الكفر محبط لكل حسنة فإن الإيمان يكفر كل سيئة والرحمة والعفو أولى بالله عز وجل، قال أبو محمد هذا كل ما احتجوا به ما نعلم لهم حجة غير هذا أصلا أو يدخل فيما ذكرنا ولا يخرج عنه.(22)

موقف أهل السنة والجماعة من نصوص الوعد والوعيد

أما أهل السنة والجماعة فرؤيتهم ومنهجهم وسط في باب الوعد والوعيد، بين الوعيدية الذين يقولون بتخليد عصاة المسلمين في النار وبين المرجئة الذين يجحدون بعض الوعيد وما فضل الله به الأبرار على الفجار.(23)

الوعد والوعيد عند أهل السنة من النصوص لبيان مقادير الأعمال كما قال تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: "لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ" (24) وان كان -صلى الله عليه وسلم- معصوما من الشرك(25).

ويؤمنون بأن الوعيد قد يتخلف لفوات شرط أو وجود مانع والموانع متعددة... وهذا لا يخرج العموم عن مقتضاه وعمومه ولا يحجر على الرب تعالى حجر الوعيدية والقدرية وللرد على الطائفتين موضع غير هذا الموضع(26).

ومن فوائد الوعد أن المؤمن يصبر على أمور من العبادات التي يحصل فيها بعض المشاق كالحج والجهاد، فإن قاصر النظر ضعيف العقل لا يجاوز نظره الأمر المكروه الظاهر إلى ما وراءه من كل محبوب وهذه حال أكثر الخلق إلا من صحت بصيرته (27).

ونؤمن إن العذاب يندفع بأسباب عشرة هي:

1- التوبة: لقوله تعالى "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم".وقوله عز وجل "وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات".

2- الاستغفار: لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أذنب عبد ذنبا فقال أي رب أذنبت ذنبا فاغفر لي فقال علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ثم أذنب ذنبا آخر فقال أي رب أذنبت ذنبا آخر فاغفره لي فقال ربه علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء قال ذلك فى الثالثة أو الرابعة"وفي صحيح مسلم عنه أنه قال لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم.

3- الحسنات الماحية، لقوله تعالى: "أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات". وحديثه صلى الله عليه وسلم "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر".

4- دعاء المؤمنين للمؤمن مثل صلاتهم على جنازته، لحديث عائشة وأنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون إلا شفعوا فيه" وعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله يقول:" ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه".

5- ما يُعمل للميت من أعمال البر كالصدقة ونحوها وكذلك العتق والحج، فقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" وثبت مثل ذلك في الصحيح من صوم النذر وغيره.

6- شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وغيره في أهل الذنوب يوم القيامة، كما قد تواترت عنه أحاديث الشفاعة مثل قوله في الحديث الصحيح "شفاعتى لأهل الكبائر من أمتي"، وقوله صلي الله عليه وسلم "خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة".

7- المصائب التي يكفر الله بها الخطايا في الدنيا كما في الصحيحين عنه أنه قال "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذي حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه"

8- ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة فإن هذا مما يكفر به الخطايا.

9- أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها.

10- رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد.

ـــــــــــــ

مراجع للاستزادة

1- الوعد والوعيد عند الفرق دراسة نقدية في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة - أ.د. سليمان بن قاسم العيد جامعة الملك سعود كلية التربية – قسم الثقافة الإسلامية

2- مواقف الفرق من نصوص الوعد والوعيد - الشيخ الدكتور سفر بن عبدالرحمن الحوالي

ـــــــــ

(1) الملل والنحل:1/114.

(2) سورة يونس، الآية 62

(3) سورة النمل، الآيات 89،90

(4) سورة يونس، الآية 27

(5) رواه البخاري، الجامع الصحيح، حديث رقم

(6) رواه مسلم، حديث رقم 109.

(7) الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/39.

(8) الفصل في الملل 4/37.

(9) تلبيس إبليس 1/29

(10) تلبيس إبليس 1/32

(11) الصواعق المرسلة 2/691.

(12) الروح 1/58.

(13) ( الفصل في الملل - ابن حزم ) الكتاب: الفصل في الملل والأهواء والنحل المؤلف: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري أبو محمد الناشر: مكتبة الخانجي – القاهرة (4/164)

(14) الفصل في الملل 4/165

(15) مقالات الإسلاميين 1/146

(16) سورة النساء، الآية 93.

(17) سورة الحديد، الآية19.

(18) سورة الزمر، الآية 53.

(19) الفصل في الملل 4/38.

(20) سورة الليل، الآيتان15،16.

(21) سورة الأعراف، الآية56.

(22) الفصل في الملل 4/39

(23) الجواب الصحيح 1/74

(24) سورة الزمر، الآية65.

(25) شرح العقيدة الطحاوية 1/174.

(26) الصواعق المرسلة:2 ص:691.

(27) اجتماع الجيوش الإسلامية 1/25 .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
12-29-2014, 09:01 AM
الطبل ودوران النعوش .. من خدع التصوف*
ـــــــــــــــــــــ

7 / 3 / 1436 هــ
29 / 12 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8965.jpg

منذ أيام قليلة حدثت قصة عجيبة بقرية من قرى مصر، وقد شاهد كاتب هذه السطور جزءًا منها، حيث توفي في هذه القرية رجل يبدو مما سمعته عنه أنه من أرباب الطرق الصوفية، وقد حدثت في جنازته أشياء غريبة، وهي كما حكاها لي أحد الحاضرين أشياء مأساوية، وقد رأيت جزءًا من هذه المأساة في عدة مقاطع فيديو للجنازة، قام أحد الحاضرين بتصويرها، وتتلخص القصة في النقاط الآتية:

- أن نعش الرجل تسمر في الأرض، ولم يتحرك وقت الجنازة، رغم مكابدة حاملي النعش لتحريكه.

- كما يقول محدثي: إنهم قرؤوا عليه القرآن فلم يتحرك أيضا!! وظل يدور في مكانه دون أن يلمسه أحد.

- أصيب الحاضرون بالذعر والخوف مما شاهدوه.

- في النهاية اضطروا للاستعانة بالطبل والموسيقي!! حتى يتحرك نعش الميت، وهو أمر مألوف في جنازات المتصوفة، بل إن بعضهم يوصي بذلك قبل وفاته، وللمتصوفة فتاوى تحلل هذا الأمر.

- رأيت بعيني هذا الأمر، ورأيت الناس وهي تصفق وتضحك.

- انقلبت الجنازة إلى مشهد هزلي.

- وبفضل الطبل والتصفيق- كما يتوهم الحاضرون- تحرك النعش!!

- وفي النهاية حكي لي من حضر أن الناس أخذوا في التكالب على النعش يتمسحون به، ويطلبون من الميت المدد والعون!!

- انتهت الخدعة..

ما مضى يُجمِل لنا قصص غالب من يطلق عليهم أولياء- وتُصنع لها القباب والمقامات- في مصر المحروسة!! والأمر لا يخرج عن كونه خدعة وسحر من عمل الشياطين.

أما عن مسألة الطبل البلدي وخلافه، فهي من البدع المنكرة التي لا تجوز في مثل هذا المقام المهيب ولا غيره؛ لحرمة هذه الآلات من جهة، والتي تأنف الفطرة السليمة والعادات الاجتماعية الاستماع لها في مثل هذا المقام من جهة أخرى، كذلك عدم استحباب رفع الصوت في الجنازة، ولو بالذكر وقراءة القرآن.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: "لا يستحب رفع الصوت مع الجنازة لا بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك، هذا مذهب الأئمة الأربعة، وهو المأثور عن السلف من الصحابة والتابعين، ولا أعلم فيه مخالفاً"(1)، فما بالنا بالطبل والموسيقي والتصفيق.

أما عن مسألة تسمر النعش ثم دورانه، فيقول الشيخ ابن باز رحمه الله في حالة تشبه هذه الحالة:

- إن صح هذا الخبر فالظاهر- والله أعلم- أن هذا من عمل الشياطين الجن للتلبيس على الناس, أو إيهام أن هذا الرجل ولي من أولياء الله حتى يعبده الجهال من دون الله، وحتى يعكفوا على قبره، ويبنوا عليه المسجد ونحو ذلك, هذا هو الذي يظهر من حال هذا النعش الذي يدور وحده..

- الصحابة في النعوش ما دارت بأنفسها، ولا سارت بأنفسها، هذا كله من عمل الشياطين التي توهم به أن هذا شخص من أولياء الله؛ حتى يعبد مع الله، وحتى يعتقد فيه ما لا ينبغي إلا لله-سبحانه وتعالى-, والأموات مهما كانوا ومهما بلغوا من الفضل سواءً كانوا رسلاً, أو أنبياء, أو علماء, أو أولياء أو غير ذلك يجب أن يدعى لهم ويترحم عليهم يتبعون في الخير.

- حق أولياء الله يترحم عليهم يدعى لهم بالمغفرة والرحمة, يسلك طريقهم الطيب الموافق لشرع الله, لكن لا يعبدوا مع الله، لا يطلب منهم المدد والغوث, ولا يقال يا سيدي فلان انصرني, أو اشف مريضي, أو المدد هذا كله شرك بالله- سبحانه وتعالى- ولا يطاف بقبورهم, فهذا أيضاً شرك إذا طاف بالقبر, يدعو صاحب القبر, أو يتقرب إلى صاحب القبر، فهذا شرك بالله-عز وجل-, وإن طاف يتعبد به الله، فهو بدعة منكرة ووسيلة للشرك، نسأل الله العافية..(2).



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ

(1) مجموع الفتاوى، لابن تيمية: (24/293-294).

(2) الموقع الرسمي الشيخ ابن باز- رحمه الله-، تحت عنوان: " تفسير لحادثة دوران نعش بالميت في بلد من البلدان".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــ

عبدالناصر محمود
01-02-2015, 08:53 AM
الطريقة العزمية شيعية أم على حافة التشيع؟*
ـــــــــــــــــــــ

11 / 3 / 1436 هـ
2 / 1 / 2015 م
ـــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8976.jpg

أشار الكاتب الإسلامي الدكتور محمد عمارة في إحدى ندواته إلى ما أسماه "بالفحش الفكري" الذي تنتهجه الطريقة العزمية الصوفية تجاه أئمة ومشايخ أهل السنة فقال: "إن هذه الطريقة- يقصد الطريقة العزمية- قد احترفت في الكثير من منابر إعلامها وثقافتها- مع الأسف الشديد- قذف السلفيين، وخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب بأبشع الاتهامات.. بما في ذلك التكفير والإخراج من ملة الإسلام"([1]).

فالطرق الصوفية لا سيما الطريقة العزمية تناصب أهل السنة العداء، وعلى رأسهم السلفيين، وكتاباتهم تشهد على ذلك، ومواقفهم خلال الأعوام الماضية تؤكد شدة الارتباط بين صوفية مصر سيما الطريقة العزمية وعمائم الشيعة في إيران، كما تؤكد ما هم عليه من وحدة في المنهج والوسائل والأهداف.

والنشاط الصوفي/الشيعي للطريقة العزمية لم يتوقف يوماً من الأيام، بل يزداد ضراوة يوماً بعد يوم، وتزداد حدته، بل الأسوأ من ذلك كله تحول عدد كبير من أتباع هذه الطريقة إلى التشيع.

فعلى صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك قال الباحث في الشأن الشيعي "وليد إسماعيل"، واصفاً الطريقة العزمية الصوفية: "من أشد الطرق الصوفية خبثاً وأقربها للتشيع ونشره، هي الطريقة العزمية، وهى متهمة لدينا بنشر التشيع بين الأوساط الصوفية في الصعيد، والتي يترأسها علاء ماضي أبو العزائم، فيجب الحذر والتنبيه".

ثم أتبع "إسماعيل" تلك التدوينة بتدوينة أخرى نقل فيها تحذيراً من سيدة، تحذر فيه من أنشطة شيخ الطريقة العزمية، حيث قالت: "لدية دار كتب شيعية اسمها الفاطمية، تنشر كتيبات شيعية مجاناً عندنا في مجلس الأمة السيدة زينب، ما الحل في منع انتشار مذهبهم الفاسد، حيث تحول جميع رواد مسجد أبو العزايم، وأيضاً رواد المستوصف الملحق به من الصوفية إلى التشيع هم وذويهم".

فالطريقة العزمية في مصر الآن هي الوجه الخفي لشيعة إيران، من خلالها تدير إيران المشهد الصوفي في مصر بما يخدم مصالحها، ويهيئ التربة لغرس نبتة مذهبهم الفاسد، ولا يخفى على باحث ومتابع للشأن الشيعي ما لمصر من قيمة ومكانة دينية لدى الشيعة، فهي منبر مهديهم المنتظر بحسب مروياتهم.

حيث ترتبط مكانة مصر بأهم معتقد ديني يدين به الشيعة الاثنى عشرية، وهو معتقد "خروج المهدي" فبتهيئة مصر وعودة النَفَسِ الشيعي إليها مرة أخرى، يتهيأ مهديهم المنتظر للخروج من سردابه القابع فيه منذ ما يزيد عن ألف عام.

يقول المرجع الشيعي المعاصر على الكوراني: "سيكون لمصر في دولة المهدي العالمية مركز علمي وإعلامي متميز في العالم.. يسير المهدي عليه السلام وأصحابه إلى مصر، لا لكي يفتحها أو يثبت أمر حكمه لها، بل لتستقبله هو وأصحابه- أرواحنا فداهم- ولكي يصعد منبره الذي يكون اتخذه فيها كما وعد جده أمير المؤمنين- عليهما السلام- وليوجه خطابه من هناك إلى العالم"([2]).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــ

([1]) ثورة الاتصالات يمكنها أن تسيء إلى الإسلام ويمكنها أن تفيده- جريدة الرياض.

([2]) عصر الظهور لعلي الكوراني: (ص:154)- مكتب الإعلام الإسلام- قم- 1408هـ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
01-08-2015, 09:07 AM
خلود المؤمن العاصي في النار بين الإباضية وأهل السنة*
ـــــــــــــــــــــــــــ

17 / 3 / 1436 هــ
8 / 1 / 2015 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3979.jpg

قضية خطيرة شغلت بها المعتزلة المسلمين طويلا وتبناها الإباضية أيضا منذ زمن طويل، ولا تزال تتردد في عصرنا الحاضر هذه القضية كلما اندثر وتلاشى الحديث عنها.

ولا تزال هناك أقلام وأفواه تنقل هذه العقائد للأمة الإسلامية وتدسها في كلماتها في وسائل الإعلام المختلفة ولا ينتبه لخطورة أفكارهم وعقائدهم على الأمة، ولقد وقفت على 63 حلقة تليفزيونية مصورة داخل مصر وخارجها تقدم هذه الأفكار العقائدية والدينية المنحرفة لأحدهم ممن يدعى "عدنان الرفاعي" الذين يُنعت ويُقدم باسم "المفكر الإسلامي"، وقدمه لمصر وللعالم الإسلامي الإعلامي علاء بسيوني منذ أكثر من ثلاثة أعوام كاملة، فهل يترك مثل هؤلاء للعبث بعقيدة الأمة؟.

وتُرك هذا الرجل في إحدى حلقاته مع مذيع لا يملك مناقشته علميا فتركت له الساحة خالية ليعبث في العقيدة الإسلامية وليتحدث عن قضية الخروج من النار للموحد العاصي التي هي رأي الإباضية.

استدل الإباضية على قولهم أن من دخل النار لا يخرج منها بأدلة ادعوا -بحسب زعمهم- أنها أدلة ثابتة من الكتاب والسنة، وسنقسم استدلالاتهم كما يسوقونها إلى الاستدلالات من الكتاب ومن السنة ومن العقل، ثم سنأتي بردود أهل السنة على استدلالاتهم مجملة أو مفصلة بحسب السعة في هذا الموضع، ثم نحيل كل باحث ومهتم بالتزود حول المسالة إلى بعض المراجع التي يمكنه الاستزادة منها في هذا الموضوع.

استدلالات الإباضية لخلود المؤمن العاصي في النار

أولا: بعض استدلالاتهم من القرآن الكريم

1- قال تعالى: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [1]

2- وقال تعالى: (ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) [2]

3- قوله تعالى : (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة 275]

4- قوله تعالى : (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين) [النساء 14]

5- قول الله تعالى: (وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّم خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) [الجن 23]

6- قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيما) [النساء 93]

ثانيا: بعض استدلالاتهم من السنة النبوية الشريفة

1- روى البخاري ومسلم وغيرهما من طريق أبن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقوم مؤذن بينهم يا أهل النار لا موت ويا أهل الجنة لا موت كل هو خالد فيما هو فيه) وروى مثله البخاري من طريق أبي هريرة رضي الله عنه والطبراني والحاكم - وصححه من طريق معاذ رضي الله عنه، ودلالته على صحة عقيدة القائلين بخلود أهل الكبائر في النار لا غبار عليها، فإنه يفيد أن ذلك يعقب دخول الطائفتين في الدارين.

2- أخرج الطبراني وأبو نعيم وابن مردويه عن أبن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو قيل لأهل النار أنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا لفرحوا بها، ولو قيل لأهل الجنة أنكم ماكثون فيها عدد كل حصاة لحزنوا ولكن جعل لهم الأبد).

3- روى أحمد والبزار والحاكم والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر) وفي رواية : (ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة، مدمن الخمر، والعاق لوالديه والديوث، وهو الذي يقر السوء في أهله).

4- روى الشيخان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من شرب الخمر في الدنيا يحرمها في الآخرة) وهو كناية عن حرمانه من دخول الجنة، لأن أهل الجنة لهم فيها ما تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم فلا يحرمون من شيء.

5- أخرج البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من استرعاه الله رعية ثم لم يحطها بنصحه إلا حرم الله عليه الجنة).

6- روى الإمام الربيع في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك رضي الله عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار) فقال رجل : وإن كان قليلاً يسيراً يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (وإن كان قضيباً من أراك)، ورواه الإمام مالك في موطئه، ومسلم في صحيحه، والنسائي في سننه من حديث أبي أمامة رضي الله عنه.

ويقول أئمتهم في ذلك في متونهم كما يقول علامتهم نور الدين السالمي في منظومته "غاية المراد في نظم الاعتقاد":

"وأنه من أطاع الله يدخله *** جناته أبدا لا يبتغي نقلا"

"ومن عصاه ففي النيران مسكنه *** ولم يجد مفزعًا عنها فينتقلا"

ويقول في منظومته "أنوار العقول" في خلود أهل الجنة والنار:

"ومن عصى ولم يتب يخلدُ *** في النار دائما بهذا نشهدُ"

"وكافر بنعمة من فرقا *** ما بين ذي شرك ومن قد فسقا"

"أعني لدى الخلود والفرق نشا *** لدى منازل العذاب وفشا"

"كذاك من قال بأنه يجي *** وقت على النار بلا تأجج"

"وهكذا من قال كل يدخل *** فيها سعيد وشقي يبطل"

"ومن يقل دار الخلود فانية *** أو أهلها ففاسق علانية"

"هذا إذا ما كان بالتأويل *** والشرك في الرد على التنزيل"

عقيدة أهل السنة في خلود العصاة في النار

استدل العلماء بآيات وأحاديث عديدة جدا على قولهم بخروج العصاة من أهل الإيمان من النار بعدما ردوا على معظم هذه الأدلة التي ساقوها بآيات كثيرة جدا منها الآية الكريمة "إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا" [3] وكذلك بأحاديث الشفاعة الكثيرة التي تبين أن الله تعالى يخرج من النار من يشاء من العصاة المسلمين، وسنعرض لبعض أدلة علماء أهل السنة من القران والأحاديث الشريفة.

1- قال الله عز وجل (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضيا * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) [مريم 71-72]

2- قال جل شأنه (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، ذلك هو الفضل الكبير، جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير) [4]، فقد قال العلماء أن في هذه الآية حرف يستحق أن يكتب بماء العين لا بماء الذهب ألا وهو الواو في قوله تعالى "يدخلونها"، فهذا وعد من الكريم سبحانه الذي لا يخلف وعده بدخول كل هذه الأمة الجنة، بأصنافها الثلاث: الظالمون والمقتصدون والسابقون، الكل وعده الله بدخول جنته، وقدم الظالم كما قال العلماء حتى لا يقنط وأخر السابق حتى لا يغتر. والوعد لكل المسلمين بجنات عدن مع البدء بالظالم وهو الذي خلط الطاعات بالمعاصي، يؤكد بقوة على أن هذه الآية من أرجى آيات القرآن الحكيم حيث لم يبقى قسم من المسلمين خارج عن هذا الوعد فهو شامل لكل من دخل في زمرة المسلمين، فحق لهذه الآية أن تكون من أرجى آيات القرآن الحكيم، ولا ريب أن الظالم هو الذي أذنب وأتى بالمعاصي سواء كانت كبيرة أو صغيرة، وهذه من أقوى الآيات في الرد على القائلين بخلود أهل المعاصي في النار.

3- قال سبحانه (ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيم) [5]

4- ويقول جلت قدرته في "هود" عن أهل النار : (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) [6]

والآيات كثيرة ونورد بعضا من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم

1- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ... حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ النَّارِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ أَمَرَ الْمَلائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِعَلَامَةِ آثَارِ السُّجُودِ وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ ابْنِ آدَمَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيُخْرِجُونَهُمْ قَدْ امْتُحِشُوا فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ " [7]

2- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلا يَحْيَوْنَ وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمْ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ثُمَّ قِيلَ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ "[8]

3- حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير" وفي رواية: "من إيمان" مكان "من خير" [9]

4- أحاديث شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر الذين دخلوا النار أن يخرجوا منها فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله، من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً" [10]
يوضح ذلك حديث الشفاعة المشهور وفيه… فيقول: "أي عيسى عليه السلام: ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حداً، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه، فإذا رأيت ربي -وذكر مثله- ثم أشفع، فيحد لي حداً، فأدخلهم الجنة، ثم أعود الثالثة، ثم أعود الرابعة، فأقول: ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود" قال البخاري: إلا من حبسه القرآن يعني قول الله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا " [11]

5- حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا -أو الحياة .." [12]
قال النووي : "الحيا هنا مقصور وهو المطر سمي حياً لأنه تحيا به الأرض ولذلك هذا الماء يحيا به هؤلاء المحترقون وتحدث فيهم النضارة كما يحدث ذلك المطر في الأرض،– " فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية " [13]

وعلى هذا فعقيدة أهل السنة لا تحتمل اللبس ولا المواربة في عدم خلود أهل المعصية في النار، فيلخصها الصابوني في "عقيدة السلف وأصحاب الحديث " فيقول " الخلود في النار خلودان: خلود مؤمد له أمد ونهاية، وهو خلود العصاة، وخلود مؤبد لا نهاية له، وهو خلود الكفار. نسأل الله السلامة والعافية.ولهذا قال المؤلف: ويعلمون حقاً يقيناً أن مذنبي الموحدين لا يخلدون في النار ولا يتركون فيها أبداً، فأما الكفار فإنهم يخلدون فيها ولا يخرجون منها أبداً، والدليل: قول الله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ " [14].وقوله سبحانه: "كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ" [15] هؤلاء هم الكفار نعوذ بالله، لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا " [16]، ثم قال المؤلف : ولا يترك الله فيها من عصاة أهل الإيمان أحداً، فعصاة أهل الإيمان لا بد أن يخرجوا من النار ولو طال مكثهم خلافاً للخوارج والمعتزلة الذين يقولون بخلود العصاة في النار، وهذا من أبطل الباطل وهو من اعتقاد أهل البدع، فهم يقولون: إن العصاة يخلدون في النار مثل الكفرة، وهذا من أبطل الباطل.[17] .

ــــــــ

[1] 2 البقرة 80- 81 .

[2] آل عمران24.

[3] النساء:48

[4] فاطر:32-33

[5] الأنعام:128

[6] هود:107

[7] رواه البخاري 6574 ومسلم 172

[8] 1رواه مسلم 185

[9] رواه البخاري 44، ومسلم 193.

[10] رواه مسلم 199.

[11] رواه البخاري4476، و6565، ومسلم193. من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه

[12] في شرحه لـ"صحيح مسلم" 3/37:

[13] رواه البخاري22، ومسلم184.

[14] المائدة:37

[15] البقرة:167

[16] النبأ:23

[17] عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني شرح للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
01-15-2015, 09:16 AM
طاعة الشيخ عند الصوفية*
ـــــــــــــ

24 / 3 / 1436 هــ
15 / 1 / 2015 م
ـــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_4127.jpg

من الصعب على كل من لا يعلم حقيقة الصوفية أن يتصور بعد قراءة هذه الكلمات أننا نتحدث عن فكر يدين أتباعه بالإسلام، ويدعون أنهم منتسبين إليه والى شريعته ومنتمين إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إذ يجد أن ما يقوله هؤلاء يتعارض بالكلية مع ابسط ما يعلمون عن الإسلام وشرائعه وأحكامه، فكيف لهؤلاء أن يكونوا قادة للمسلمين في أي زمان أو مكان؟؟

والعجيب أن هذا الكهنوت لم يكن في الإسلام يوما، بل ارتبط أكثر ما ارتبط بالنصارى، حيث يوجبون أن يجلس كل منتسب للنصرانية على كرسي الاعتراف أمام كاهنه ليخرج كل مخبوء في نفسه لكي يحصل على الغفران من الكاهن، ولم يعرف الإسلام يوما شخصية وسيطة بين العبد وبين ربه، ولم تعط هذه المكانة للأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام من الأصل حتى يدعي نوالها من هم دونهم.

ومن الطوام التي أتى بها الصوفية في أمر الشيخ ما يلي:

1- وجوب وجود الشيخ في حياة كل صوفي.
------------------------------

مصطلح الشيخ وطريقة التعامل معه احد الركائز الأساسية في الصوفية، فلا يعتبرون الصوفي إذا لم يكن شيخ بل عد بعضهم الرجل الذي ليس له شيخ أنه من الضُلَّال.

ومن أقوالهم في ضرورة ووجوب وجود شيخ في حياة كل منهم ما قاله أبو عبد الرحمن السلمي يقول: "من لم يتأدب بشيخ فهو بطال، ومن لم يلحقه نظر شيخ وشفقته لايجيء منه شيء"[1] ، وقول القشيري: "من لم يكن له أستاذ لم يفلح أبدا"[2] ، بينما يزيد أبو يزيد ويشتط فيقول: "من لم يكن له أستاذ فإمامه الشيطان" [3].

وقال الغزالي في الإحياء: "يحتاج المريد إلى شيخ وأستاذ يقتدي به لا محالة، ليهديه إلى سواء السبيل، فإن سبيل الدين غامض! وسبل الشيطان كثيرة ظاهرة، فمن لم يكن له شيخ يهديه، قاده الشيطان إلى طرقه لا محالة، فمن سلك سبل البوادي المهلكة بغير خفير، فقد خاطر بنفسه وأهلكها، ويكون المستقل بنفسه كالشجرة التي تنبت بنفسها، فإنها تجف على القرب وإن بقيت مدة وأورقت لم تثمر، فمعتصم المريد شيخه، فليتمسك به" [4] .

قال الطيبي: "فقد أجمع أهل الطريق على وجوب اتخاذ الإنسان شيخًا له، يرشده إلى زوال تلك الصفات التي تمنعه من دخول حضرة الله بقلبه! ليصح حضوره وخشوعه في سائر العبادات، فيجب على كل من غلبت عليه الأمراض أن يطلب شيخًا يخرجه من كل ورطة، وإن لم يجده في بلده أو إقليمه، وجب السفر إليه" [5] .

قال عبد القادر عيسى: "الطريق العملي الموصل لتزكية النفوس، والتحلي بالكمالات الخلقية، هو صحبة الوارث المحمدي، والمرشد الصادق الذي تزداد بصحبته إيمانًا، وتقوى وأخلاقًا، وتشفى بملازمته وحضور مجالسه من أمراضك القلبية، وعيوبك النفسية، وتتأثر شخصيتك بشخصيته" [6].

وهذا المفهوم لا يعرفه الإسلام، فلا واسطة بين العبد وربه، والواسطة الوحيدة التي كانت موجودة كانت في أمين الوحي جبريل عليه السلام الذي كان ينقل الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم، وانقطع هذا الاتصال بتمام الرسالة وبموت النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يحتاج العبد إلى واسطة بينه وبين ربه سبحانه.

2- منزلة الشيخ الواجبة في نفوس أتباعه
-------------------------

كما اشتط الصوفية في قضية وجوب وجود الشيخ في حياة المسلم اشتطوا أيضا في المكانة الوجبة له، فقال ذو النون المصري جملة شديدة إذا اعتقدها المسلم على الوجه الذي قيلت به لربما خرج بالكلية من دين الإسلام، فقال : "طاعة مريد شيخه، فوق طاعته ربه" [7].

الشيخ في نظرهم هو الواسطة بين الله والمريدين، وهو أمين الإلهام كما أن جبريل أمين الوحي، يقول السهروردي: "كلام الشيخ بالحق من الحق، فالشيخ للمريدين أمين الإلهام، كما أن جبريل أمين الوحي" [8].

3- التبرير الصوفي لهذه المكانة للشيخ
---------------------------

ذكر الدكتور "لطف الله خوجة" تبريرهم العجيب لهذه المكانة الشديدة التي يجب أن يبلغها الشيخ في عين مريديه فيقول : "إن في هذا التبجيل الكبير للشيخ سرا قد لا يعرفه الكثير،أشار إليه الجيلي، حين ذكر أن الإنسان الكامل، وهو محمد صلى الله عليه وسلم يظهر في صورة لأولياء، في كل زمان ومكان، وعلى ذلك فإن المريد يتعامل في حقيقة الأمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الإنسان الكامل، الذي هو، في نظرهم، من نور الله ومحل نظر الله تعالى،ومنه خلق العالم، وهو أول موجود،فلذا كان من الواجب أن يوقره وينزل طاعته منزلة طاعة الله"[9]

ومن أعجب ما يمكن أن يقرأه مسلم من كلمات تحمل فكرة ضالة مضلة لاشك وأنها ليس بينها وبين الإسلام صلة وهي فكرة الإنسان الكامل التي يشرحها الجيلي بقوله: "وسر هذا الأمر تمكنه صلى الله عليه وسلم من التصور بكل صورة، فالأديب إذا رآه في الصور المحمدية التي كان عليها في حياته فإنه يسميه باسمه، وإذا رآه في صورة ما من الصور وعلم أنه محمد، فلا يسميه إلا باسم تلك الصورة،ثم لا يوقع الاسم إلا على الحقيقة المحمدية، ألا تراه صلى الله عليه وسلم لما ظهر في صورة الشبلي رضي الله عنه، قال الشبلي لتلميذه: أشهد أني رسول الله، وكان التلميذ صاحب كشف فعرفه، فقال: أشهد أنك رسول الله… فإذا كشف لك عن الحقيقة المحمدية أنها متجلية في صورة من صورة الآدميين، فيلزمك إيقاع اسم تلك الصورة على الحقيقة المحمدية، ويجب عليك أن تتأدب مع صاحب تلك الصورة تأدبك مع محمد صلى الله عليه وسلم، لما أعطاك الكشف شأن محمد صلى الله عليه وسلم متصورة بتلك الصورة، فلا يجوز لك بعد شهود محمد صلى الله عليه وسلم فيها أن تعاملها بما كنت تعاملها به من قبل، وقد جرت سنته صلى الله عليه وسلم أنه لا يزال يتصور في كل زمان بصورة أكملهم، ليعلي شأنهم ويقيم ميلانهم، فهم خلفاؤه في الظاهر وهو في الباطن حقيقتهم" [10].

4- حق الشيخ على المريد
--------------

فكما اشترطوا في الأقسام السابقة التنظيرية للفكرة اشترطوا أيضا في تنفيذها حيث اشترطوا للشيخ على المريد حقوقا لم يعطها الإسلام للأنبياء ولا لبشر على بشر مهما كان، فقال القشيري: " ومن شرطه – أي المريد الحق في نظرهم - أن لا يكون له بقلبه اعتراض على شيخه، ثم يجب حفظ سره حتى زره إلا عن شيخه، ولو كتم نفسا من أنفاسه عن شيخه فقد خانه في حق صحبته، ولو وقعت له مخالفة فيما أشار عليه شيخه، فيجب أن يقر بذلك بين يديه في الوقت، ثم يستسلم لما يحكم به عليه شيخه عقوبة له على جنايته ومخالفته، إما بسفر يكلفه أو أمر يراه" [11]. ويقول السهروردي: "وهكذا أدب المريد مع الشيخ أن يكون مسلوب الاختيار لا يتصرف في نفسه وماله إلا بمراجعة الشيخ وأمره". ومن لم يفعل ذلك فإنه عند الصوفية لم يراع حرمة الشيخ التي تحدث عنها القشيري.

ويقول عبد الوهاب الشعراني "أدب المريد مع شيخه، يلازمه، ويصبر عليه، ويحبه، ويسلم له حاله، ولا يعترض عليه، ولا يتزوج إلا بإذنه، ولا يكتمه شيئا، ويريه فقره إليه، ولا يقول له: لا. يرضى بكل اختياره، ويتعاهد عياله، ولا يمد رجله تجاه شيخه" [12]، وبالتالي فتسحق إرادة المريد بين يدي شيخه تماما حتى يكون كالميت بين يدي مغسله، فلزموه بارتداء لبس معين، وبمشية معينة، وبشيخ معين، وبطريقة معينة لا يمكنه تخطيها ولو بقلبه.

فهل هذا من الإسلام؟ فقد قال العلامة ابن باديس رحمه الله : "الأوضاع الطرقية بدعة لم يعرفها السلف، ومبناها كلها على الغلو في الشيخ والتحيز لأتباع الشيخ وخدمة دار الشيخ وأولاد الشيخ، إلى ما هناك من استغلال وإذلال وإعانة لأهل الإذلال والاستغلال، وتجميد للعقول وإماتة للهمم وقتل للشعور وغير ذلك من الشرور".

الشيخ والعهد
--------

دخول المريد مع شيخ من شيوخهم يلزمه إقرار من الطرفين وتعاقد يسمى بالبيعة أو اخذ العهد، وللمريد الذي يعطي العهد لشيخه له شعار وهو لبس الخرقة وإعطاء العهد أو "الميثاق" من المريد للشيخ على طاعة الله فلا تكفي للمسلم شهادة التوحيد بل يوجبون معاهدة الشيخ على الطاعة.

شروط الشيخ:
-----------

والصوفية يشترطون شروطًا في الشيخ من أهمها ما يلي:

أ- أن يكون عالمًا بالفرائض العينية: كالعقائد والعبادات والمعاملات، ونحوها.

ب- أن يكون عارفًا بالله، - والعارف بالله مصطلح صوفي غامض بيّنه المناوي بتعريف أشد غموضا من المصطلح ذاته: (العارف من أشهده الرب نفسه! فظهرت عليه الأحوال) [13].

وعلى عادة الصوفية في الغموض واستعمال الأساليب الرمزية الإشارية في بيان الحقائق الصوفية، يقول محمد فاضل أبو ماضي: (والعارف هو المقبل بفكره وقواه النفسية على قدس الجبروت، مستديمًا لشروق نور الحق لسره بعد تركه للملك، وإشراقه على الملكوت ومواجهة نفسه للعزة) [14].

ج- أن يكون خبيرًا بطرائق تزكية النفوس ووسائل تربيتها: فلابد أن يكون قد زكَّى نفسه على يد مرب ومرشد، فخبر مراتب النفس وأمراضها ووساوسها، وعرف أساليب الشيطان ومداخله، وآفات كل مرحلة من مراحل السير، وطرائق معالجة كل ذلك بما يلائم حالة كل شخص وأوضاعه [15].

د- أن يكون مأذونًا بالإرشاد من شيخه: فلابد أن يكون المرشد قد أُجيز من قِبَل شيخه بهذه التربية وهذا السير، فمن لم يشهد الاختصاصيون بعلم يدعيه لا يحق أن يتصدر فيه" [16].

الأدب مع الشيخ:

من الموضوعات الهامة التي افرد لها الصوفية الكثير من كتاباتهم موضوع الأدب مع الشيخ، لنكتشف أنهم يفرضون على المريد أن يعامل شيخه بتعامل يفوق التعامل البشري وليتجاوز كل عرف وكل منهج إسلامي قويم، فيقول ابن عربي في الفتوحات المكية في (باب في معرفة مقام احترام الشيوخ): (إن حرمة الحق في حرمة الشيخ، وعقوقه في عقوقه! هم حجّاب الحق، الحافظون أحوال القلوب على المريدين، فمن صحب شيخًا ممن يُقتدى به ولم يحترمه، فعقوبته فقدان وجود الحق في قلبه! والغفلة عن الله، وسوء الأدب عليه يدخل في كلامه ويزاحمه في رتبته، فإن وجود الحق إنما يكون للأدباء، والباب دون غير الأدباء مغلق، ولا حرمان أعظم على المريد من عدم احترام الشيوخ).

ومن الخطورة الشديدة على دين المسلم إذا كان منتميا للصوفية أن يرى أن عليه أن يعطي هذه الحقوق لبشري مثله حتى لو كان شيخه الذي يعلمه، فهذه مرتبة لا يجب أن ينالها بشري من العيد أبدا، فيوجبون للشيخ على المريد آدابا مرعية يجب عليه مراعاتها وقسموها إلى آداب ظاهرة وباطنه.

أولًا: الآداب الباطنة:

ذكر بعضها ابن عجيبة في شرحه للحكم العطائية:

1- اعتقاد كماله، وأنه أهل للشيخوخة والتربية؛ لجمعه بين شريعة وحقيقة، وبين جذب وسلوك.

2- تعظيمه وحفظ حرمته غائبًا وحاضرًا، وتربية محبته في قلبه، وهو دليل صدقه، وعلى قدر التصديق يكون التحقيق، فمن لا صدق له لا سير له، ولو بقي مع الشيخ ألف سنة.

3- انعزاله عن عقله ورياسته وعلمه وعمله إلا ما يرد عليه من قِبَل شيخه، فكل من أتى شيخه في هذه الطريقة، فلابد أن يغتسل من علمه وعمله قبل أن يصل إلى شيخه، لينال الشراب الصافي من بحر مدده الوافي.

4- عدم الانتقال عنه إلى غيره، وهذا عندهم من أقبح كل قبيح، وأشنع كل شنيع، وهو سبب تسويس بذرة الإرادة، فتفسد شجرة الإرادة لفساد أصلها [17].

5- عدم الاعتراض على شيخه في طريقة تربية مريديه؛ لأنه مجتهد في هذا الباب عن علم واختصاص وخبرة، كما لا ينبغي أن يفتح المريد على نفسه باب النقد لكل تصرف من تصرفات شيخه، فهذا من شأنه أن يضعف ثقته به، ويحجب عنه خيرًا كثيرًا، ويقطع الصلة القلبية والمدد الروحي بينه وبين شيخه، قال العلامة ابن حجر الهيثمي: (ومن فتح باب الاعتراض على المشايخ، والنظر في أحوالهم وأفعالهم، والبحث عنها، فإن ذلك علامة حرمانه وسوء عاقبته، وإنه لا ينتج قط، ومن ثم قالوا: من قال لشيخه: لِمَ؟ لم يفلح أبدًا، وقال محمد بن حامد الترمذي: من لم ترضه أوامر المشايخ وتأديبهم، فإنه لا يتأدب بكتاب ولا سنة، وقال أبو العباس المرسي: تتبعنا أحوال القوم، فما رأينا أحدًا أَنكر عليهم ومات بخير) [18].

6- أن يبالغ في حب شيخه: قال الشعراني: (عمدة الأدب مع الشيخ هو المحبة له، فمن لم يبالغ في محبة شيخه؛ بحيث يؤثره على جميع شهواته لا يفلح في الطريق؛ لأن محبة الشيخ إنما هي مرتبة إدمان يترقى المريد منها إلى مرتبة الحق عز وجل، ومن لم يحب الواسطة بينه وبين ربه التي من جملتها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو منافق، والمنافق في الدرك الأسفل من النار.

وأجمعوا على أن من شرط المحب لشيخه أن يصم أذنه عن سماع كلام أحد في الطريق غير شيخه، فلا يقبل عذل عاذل حتى لو قام أهل مصر كلهم في صعيد واحد، لم يقدروا على أن ينفروه من شيخه، ولو غاب عنه الطعام والشراب أيامًا لاستغنى عنه بالنظر إلى شيخه في باله! وسمعت سيدي عليا المرصفي يقول: المريد يترقى في محبة شيخه إلى حد يتلذذ بكلام شيخه له كما يتلذذ بالجماع! فمن لم يعمل إلى هذه الحالة فما أعطى الشيخ حقه من المحبة!) [19] .

7- ألا يشرك مع شيخه أحدًا في المحبة، قال الشعراني: (ومن شأنه ألا يشرك مع شيخه أحدًا في المحبة، وكان سيدي علي بن وفا يقول كثيرًا: إياكم أن تشركوا في المحبة مع شيخكم أحدًا من المشايخ، فإن الرجال أمثال الجبال وهم على الأخلاق الإلهية المشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلم: (تخلقوا بأخلاق الله)، فكما أن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به، فكذلك محبة الأشياخ لا تسامح أن يشرك بها! وكما أن الجبال لا يزحزحها عن مكانها إلا الشرك بالله تعالى ما دام العالم باقيًا، فكذلك الولي لا يزيل همته عن حفظ مريده! من الآفات إلا شرك موضع خالص المحبة من قلبه!) [20].

8- عدم الاعتراض على الشيخ، فقد قال أبو علي الدقاق: (من دخل في صحبة شيخ ثم اعترض عليه بعد ذلك، فقد نقض عقد الصحبة، ووجب عليه تجديد العهد، على أن الأشياخ قد قالوا: إن عقوق الأستاذ قد يترتب عليه استحكام المقت، فلا يكاد يصح من ذلك العاق توبة! وكان أبو جعفر الخلدي يقول: من لم يحفظ الأدب مع المشايخ سلَّط الله عليه الكلاب التي تؤذيه).

9- الحرص على عدم تغيير قلب الشيخ، قال أحمد الأبيوردي: (إياكم والعمل على تغيير قلب شيخكم عليكم، فإن من غيَّر قلب شيخه عليه لحقته العقوبة، ولو بعد موت الشيخ! وزار أبو تراب النخشبي وشقيق البلخي أبا يزيد البسطامي، فلما قدم خادمه السفرة قالا له: كُلْ معنا يا فتى، فقال: لا، إني صائم، فقال له أبو تراب: كُلْ، ولك أجر صوم شهر! فقال: لا، فقال له شقيق: كُلْ ولك أجر صوم سنة! فقال: لا، فقال أبو يزيد: دعوا من سقط من عين رعاية الله عز وجل، فسرَق ذلك الشاب بعد سنة فقُطعت يده عقوبة له على سوء أدبه مع الأشياخ! وسمعت شيخنا برهان الدين بن أبي شريف يقول: من لم ير خطأ شيخه أحسن من صوابه هو لم ينتفع به!).

10- التقرب إليه بخدمته، قال علي بن وفا: (من تقرب إلى أستاذه بالخدم تقرب الحق تعالى إلى قلبه بأنواع الكرم، وكان يقول: من آثر أستاذه على نفسه كشف الله له عن حضرة قدسه، ومن نزَّه حضرة أستاذه عن النقائض منحه الله بالخصائص، ومن احتجب عنه طرفة عين فلا يلومن إلا نفسه إذا أوبق بوائق البين، ولا يصل المريد إلى هذا المقام إلا إن جعل مراد شيخه مراده!).

11- ألا يدخل عقله في كلام الشيخ، قال الشعراني: ومن شأنه [أي المريد] أن لا يقيم ميزان عقله على كلام شيخه، حتى لو قال له: لا تحضر مجلس فلان العالم أو الواعظ، فلا ينبغي له حضوره! وذلك لأن شيخه أمين عليه في كل شيء يرقيه أو يوقفه أو يؤخره، وغير شيخه لم يلتزم ذلك معه فربما علمه ما يضره! ويورثه الإعجاب بنفسه مثلًا فيهلكه!.

وللشيخ أن يخرج المريد من ورد إلى ورد آخر، فإذا نهاه عن ورد بادر إلى امتثال أمره وليس له الاعتراض عليه بباطنه، ويقول: إن الورد خير، فكيف ينهاني عن فعله؟ فربما رأى الشيخ في ذلك الورد ضررًا على المريد! بدخول علة قادحة في الإخلاص مثلًا "[21] .

ويمنعون المريد من لزوم شيخ آخر أو الاستفادة منه، فقد سأل الشعراني شيخه الخواص: (هل أصحب أحدًا من مشايخ العصر لآخذ عنه الأدب؟ فقال: لا تفعل ذلك في حياتي أبدًا) [22] ، وفيما يلزم مريد الرفاعي أن يتحلى به: (أن لا يلتجئ إلى غير شيخه، حتى ولو كان ذلك الشيخ من الصالحين)[23] .

ثانيًا الآداب الظاهرة:

من أهم وأوجب آداب المريد مع شيخه الصوفي الطاعة الكاملة ويقدمانها على طاعة العبد لأبيه وأمه ،فقال الشيخ داود الكبير: (خدمة أستاذك مقدمة على خدمة أبيك؛ لأن أباك كدرك وأستاذك صفَّاك، وأستاذك علَّاك، وأباك مزجك بالماء والطين، وأستاذك رقاك إلى أعلى عليين) [24] .

وبعد هذه الطاعة يلزمون المريد بهذه الآداب الظاهرة وهي:

1- السكينة والوقار في الجلوس بين يديه: فلا يضحك، ولا يرفع صوته عليه، ولا يتكلم في مجلس الشيخ ولو كلمة واحدة حتى يستدعيه للكلام، أو يفهم عنه بقرائن الأحوال كحال المذاكرة بخفض الصوت ورفق ولين، ولا يأكل معه ولا بين يديه ولا ينام معه أو قريبًا معه، وكل ذلك كما يقول عبد القادر عيسى: (لأن ذلك من عدم المبالاة بالشيخ وعدم الاحترام له، ومن صحب المشايخ بغير أدب واحترام حرم مددهم! وثمرات ألحاظهم وبركاتهم!) [25] .

2- المبادرة إلى خدمة الشيخ بقدر الإمكان بنفسه أو بماله أو بقوله، قال ابن عجيبة: (فخدمة الرجال سبب الوصال لمولى الموالي) [26] .

ونقل الشعراني عن الشيخ علي وفا أنه قال: (من تقرب إلى أستاذه بالخدم تقرب الحق تعالى إلى قلبه بأنواع الكرم!) [27].

وقد تصل الخدمة بالمريد إلى أن ينظف مرحاض الشيخ! فعليه أن لا يعترض على ذلك؛ لأن الخدمة سبب للترقي والوصول، قال الشعراني: "فيجب عليه أن لا يعترض على شيخه بقلبه إذا استعمله في نزح السراب مثلًا، أو قال له: اعمل سراباتي - والسراب هو المرحاض - وقد كان الشيخ خليل المالكي صاحب المختصر بسبب نزحه سراب بيت الشيخ عبد الله المنوفي، فسمع الشيخ يطلب القنواتية، فأتى بالفأس والزنبيل من الليل وصار ينزح إلى الظهر، فما رجع الشيخ عبد الله من الدرس حتى نزح السراب كله، فدعا له الشيخ فصار علماء المالكية كلهم يرجعون إلى قوله وترجيحه إلى وقتنا هذا" [28] .

ولنا أبلغ الدروس من هذه القصة لنعلم مكانة المريد في نظر الشيخ وفعل الشيوخ بمريديهم ويظنون أنهم يحسنون صنعا، فحكى الشعراني وقال: بلغنا أن سيدي إبراهيم المواهبي لما جاء إلى سيدي الشيخ أبي المواهب يطلب الطريق إلى مقدمة الأدب مع الله تعالى أمره أن يجلس في الاصطبل يخدم البغلة ويقضي حوائج البيت! وقال له: احذر أن تحضر مع الفقراء - يعني الصوفية - قراءة حزب أو علم! فأجابه إلى ذلك فمكث سنين! حتى دنت وفاة الشيخ فتطاول أكابر أصحابه للإذن لهم في الخلافة بعده - انظر إلى الزهد في الدنيا والرغبة في الخمول وعدم الصدارة والرئاسة كما يزعم الصوفية عن التصوف! - فقال: ائتوني بإبراهيم، فأتوه به ففرش له سجادة، وقال له: تكلم على إخوانك في الطريق، فأبدى لهم العجائب والغرائب نظمًا ونثرًا حتى انبهرت عقول الحاضرين، فكان سيدي إبراهيم الخليفة بعد الشيخ ولم يظهر من أولئك شيء من أحوال الطريق، فعلم أن معرفة الأمور التي يقع بها الفتح راجعة إلى الشيخ لا إلى المريد! " [29].

فهل يمكن بعد هذا أن يقول احد أن هذه علاقة بين عبد وعبد مثله أم أنها تصل إلى مرحلة من التقديس ما يمكن أن يقال أنها علاقة عبد بربه ومعبوده؟

إن الأمر يحتاج من كل من ينتسبون للصوفية أن يراجعوا دينهم في علاقتهم مع من يقومون بتوجيههم فلا ينزلونهم منزلة تفوق منزلة البشر تحت أي مسمى من المسميات وان يعودوا للمنهج الإسلامي الصحيح، فلم يفعل ذلك احد من سلف هذه الأمة من جيل الصحابة والأجيال التي تلته[30] .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ

[1] جوامع آداب الصوفية (تسعة كتب في أصول التصوف والزهد) ، محمد بن الحسين السلمي ، تحقيق: سليمان إبراهيم آتش، الناشر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان - ص160

[2] الرسالة للقشيري 2/735.

[3] تذكرة الأولياء، (1/171).

[4] إحياء علوم الدين، الغزالي، (3/56).

[5] حقائق عن التصوف، ص(95). للشيخ عبد القادر عيسى ، كتبه في الدفاع عن التصوف ودفع الشبهات عنه

[6] المصدر السابق، ص(54).

[7] تذكرة الأولياء 1/171، نقلا عن كتاب: في التصوف الإسلامي ص78.

[8] عوارف المعارف للسهروردي 5/265، ملحق بإحياء علوم الدين للغزالي.

[9] مقال : لماذا يفرض الصوفية طاعة الشيخ؟!! / للشيخ لطف الله خوجه

[10] الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل تأليف : عبد الكريم الجيلي تحقيق: أبو عبد الرحمن صلاح بن محمد عويضة 2/74- 75

[11] الرسالة للقشيري 2/ 36-37

[12] كتابه"الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية"

[13] التوقيت على مهمات التعريف، ص(496).

[14] مذكرة المرشدين والمسترشدين، ص(35).

[15] حقائق عن التصوف، ص(79).

[16] المصدر نفسه

[17] إيقاظ الهمم في شرح الحكم، ابن عجيبة، ص(771).

[18] حقائق عن التصوف، ص(59).

[19] الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، الشعراني، ص(114-155).

[20] المصدر نفسه

[21] هذا والإحالات السابقة كلها من الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، الشعراني

[22] درر الغواص، ص(53).

[23] قلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي وأتباعه الأكابر، ص(278).

[24] الطبقات الكبرى، الشعراني، (1/169).

[25] حقائق عن التصوف، ص(99).

[26] شرح الحكم، ص(175).

[27] الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، ص(150).

[28] المصدر نفسه

[29] المصدر نفسه

[30] من مراجع التقرير بحث للأستاذ عبد العزيز مصطفى الشامي نشر على موقع الصوفية
ــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
01-22-2015, 09:26 AM
موقف الشيعة من القرآن الكريم*
ــــــــــــــــ

2 / 4 / 1436 هــ
22 / 1 / 2015 م
ــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_4100.jpg


القرآن هو كتاب الله عز وجل:
----------------------

القرآن هو كتاب الله المنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وهو المدون بين دفتي المصحف، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس، ونصوص القرآن قطعية، ولقد نقل القرآن إلينا بطريق التواتر كتابة ومشافهة، والتواتر يفيد الجزم والقطع بصحة المنقول، ومن ثم كانت نصوص القرآن قطعية الورود.

فمن المقطوع به أنها وردت إلينا عن الرسول كما أنزلت عليه من ربه؛ لأنها نقلت إلينا عن الرسول بطريق التواتر كتابة ومشافهةً، والنقل بطريق التواتر يفيد القطع واليقين، فقد كتب القرآن عن الرسول جماعة من كتاب الوحي، وحفظه جمع من الصحابة لا يمكن أن يتواطئوا على الكذب، ونقله عن هذه الجموع جموع أخرى، فلم يختلفوا في حرف أو لفظ على تعدد البلاد وتباعد الأقطار واختلاف الأجناس(1).

ولم يختلف في عصر من العصور عما في غيره، بل هو كتاب واحد، بلفظ واحد، يجتمع أهل الأرض جميعا على قراءه، دون اختلاف بينهم: لا في سورة، أو آية، أو كلمة، أو حركة.

حكم منكر القرآن:

فمن أنكر- ولو- آية من القرآن الكريم بعد علمه بثبوتها في المصحف، أو إخبار الثقات له بكونها من القرآن الكريم، فإنه يعتبر كافراً، لأن الله تعالى أمرنا بالإيمان بالكتاب كله، فمن أنكر شيئاً منه فهو غير مؤمن به، وقد نقل الإجماع على كفر من أنكر آية من القرآن جماعة من أهل العلم منهم: عياض وابن قدامة(2).

الشيعة بين تحريف اللفظ وتحريف المعنى:
---------------------------------

الناظر إلى موقف الشيعة من القرآن الكريم، يجده موقفا غاية في التخبط، وهذا التخبط عادة متأصلة فيهم، وفيما يخص الموقف من كتاب الله ذهب فريق منهم- وهو الأقل سوءا وعددا- إلى إثبات النص القرآني، وإنكار تحريفه، مع تحريف معانيه ودلالاته، أما الفريق الآخر، وهو الغالب عندهم، فذهب إلى القول بتحريف القرآن الكريم، وادعى أن لدى الشيعة قرآنا آخر غير القرآن الذي بين أيدي المسلمين(3).

يقول الشيخ محمد مال الله في هذه المسألة: "ذهب أكثر علماء الشيعة أمثال الكليني صاحب الكافي والروضة والقمي صاحب التفسير والشيخ المفيد والطبرسي صاحب الاحتجاج والكاشاني ونعمة الله الجزائري والأردبيلي والمجلسي وغيرهم من علماء الشيعة الاثنى عشرية إلى القول بتحريف القرآن وأنه اسقط من القرآن كلمات بل آيات حتى أن أحد علمائهم المتأخرين وهو النوري صنف كتابا سماه (فصل الخطاب في إثبات تحريف رب الأرباب)"(4).

من شبهات الشيعة حول القرآن والرد عليها(5):
-----------------------

الشبهة الأولى: زعموا أن التواتر لم يتوفر للقرآن الكريم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بدليل حديث قتادة عن البخاري، قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه، من جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال أربعة، كلهم من الأنصار(6).

الرد: أن ما روي في هذا المر من أحاديث غير مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم، أو أن المراد أنه لم يجمعه على جميع الوجوه والأحرف التي نزل بها إلا أولئك، لأن الذين حفظوا القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا أكثر من ذلك بكثير، ودليل ذلك حديث بئر معونة، حيث قتل سبعون من القراء. كما أن دواعي الحفظ لدى الصحابة، وتمام الاستعداد عندهم يحيل القول بقلة الحفظ منهم.

الشبهة الثانية: زعم الرافضة أن بعض القرآن لم يتفق له التواتر، ومثلوا لذلك بقول زيد بن ثابت: "حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصارى، لم أجدها مع أحد غيره: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ...)(7) حتى خاتمة براءة(8).

ومثله أيضا بقوله: فقد آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول الله يقرأ بها، فالتمسناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ)(9) فألحقناها في سورتها في المصحف.(10).

الرد: أولا: على آية سورة براءة: ويرد على ذلك بأن زيد بن ثابت كان يعرف هذه الآية قبل هذه الحادثة، بدليل رواية أخرى يقول فيها: "فقدت آية كنت أسمع رسول الله يقرأها: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ...)، الآية فالتمسناها، فوجدناها مع خزيمة بن ثابت؛ فأثبتناها في سورتها(11).

وهذه الآية قد شهد كل من عمر وعثمان وأبي بن كعب أنهم سمعوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما قول زيد: "لم أجدها مع أحد غيره"، فقد قال الحافظ في الفتح: "أي مكتوبة، تقدم أنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة.."(12).

ثانيا: الرد على آية سورة الأحزاب: كلام زيد :"فقد آية كنت أسمعها" يدل على معرفته إياها، ثم إن هذه الآية شهد بسماعها من الرسول صلى الله عليه وسلم خزيمة الأنصاري، وشهادته تعدل شهادة رجلين بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.، ثم إن هذه الحادثة وقعت في عهد عثمان، أثناء نسخ المصحف، ولا يتصور أن تكون هذه الآية مفقودة منذ عهد نزول القرآن، مرورا بالجمع الأول على عهد أبي بكر، ولا تعرف إلا في عهد عثمان، مع حفظ الله لكتابه ودينه.

الشبهة الثالثة: زعم الشيعة أن القرآن تعرض لتحريف شديد من قبل الصحابة أثناء عملية الجمع، وأن عثمان رضي الله عنه قد أسقط منه خمسمائة حرف، حتى قام أحد مشاهير الشيعة، وهو الحاج ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي بتأليف كتاب في ذلك، سماه: "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب".

الرد: يرد على ذلك بالقول بأن هذا الزعم مخالف لإجماع المسلمين، ثم إن علي بن أبي طالب داخل في هذا الإجماع، كما أنه زعم مخالف لحفظ الله (تعالى) للقرآن.

من تحريفات الشيعة لكتاب الله عز وجل:
-----------------------

من أمثلة ذلك ما ذكره الكليني في كتابه الكافين حيث جاء بمئات الآيات التي زعم أن الله أنزلها هكذا، ومن ذلك:

1- عن أبي بصير عن أبي عبد الله في قول الله عز وجل: (ومن يطع الله ورسوله في ولاية عليّ وولاية الأئمة من بعده فقد فاز فوزاً عظيماً) هكذا أنزلت(13).

2- عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله في قوله: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل كلمات في محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمة عليهم السلام من ذريتهم فنسي)، هكذا والله أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم(14).

فلعنة الله على الكاذبين المروجين لهذه الأباطيل.

ــــــــــــ

الهوامش:

(1) التشريع الجنائي في الإسلام، عبد القادر عودة (1/178).

(2) الشبكة الإسلامية، حكم من أنكر آية من القرآن الكريم.

(3) سطو الشيعة على مصادر التلقي وأصول الاستدلال- رمضان الغنام- مركز التأصيل.

(4) الشيعة وتحريف القرآن- للشيخ محمد مال الله: (ص:63)- دار الوعي الإسلامي- بيروت.

(5) ملخصا عن كتاب منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد، لعثمان حسن (1/65)، وما بعدها.

(7) رواه البخاري: (3599).

(8) سورة التوبة: (128).

(9) رواه البخاري: (4701).

(10) سورة الأحزاب: (23).

(11) رواه البخاري: (3823).

(12) رواه البخاري: (4702).

(13) فتح الباري (9/15).

(14) الكافي: (2/372).

(15) الكافي: (2/379).

-------------------------

عبدالناصر محمود
03-02-2015, 08:33 AM
هل البوذية دين أم فلسفة ؟*
ــــــــــــــ

11 / 5 / 1436 هــ
2 / 3 / 2015 م
ــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_11148.jpg



كثيرة هي التعاليم والأفكار التي تحولت بعد موت أصحابها إلى غير حقيقتها، بسبب ما أصابها من تحريف وزيادة وأساطير على يد فئة من أتباع تلك التعاليم والأفكار، ولعل النموذج الصارخ لما نتحدث عنه "البوذية"، التي بدأها "بوذا" كفكرة ورياضة للتخفيف عن آلام الناس وأحزانهم، فإذا بها تتحول على يد أتباعه من بعده إلى ديانة لها طقوس وأساطير.

ومن هنا تأتي أهمية السؤال الذي هو عنوان هذا التقرير: هل البوذية دين أم فلسفة، أم هي في الحقيقة لا هذا ولا ذاك، بل هي رياضة عملية روحية لا أكثر ولا أقل ؟! سؤال اختلفت الإجابة عليه حسب الزمان والأشخاص، وهو ما سأحاول بيانه في هذا التقرير بإذن الله تعالى.

بداية لا بد من القول بأن الإجابة على هذا السؤال يتطلب التفريق بين معنى "الدين" ومعنى "الفلسفة".

تعريف الدين ومفهومه
--------------

الدين في اللغة: مشتق من الفعل (دان)، وهو تارة يتعدى بنفسه، وتارة باللام، وتارة بالباء، ويختلف المعنى باختلاف ما يتعدى به، فإذا تعدى بنفسه يكون (دانه) بمعنى ملكه، وساسه، وقهره وحاسبه، وجازاه، وإذا تعدى باللام يكون (دان له) بمعنى خضع له، وأطاعه، وإذا تعدى بالباء يكون (دان به) بمعنى اتخذه ديناً ومذهباً واعتاده، وتخلق به، واعتقده. (1)

وهذه المعاني اللغوية للدين موجودة في (الدين) في المعنى الاصطلاحي لأن الدين يقهر أتباعه ويسوسهم وفق تعاليمه وشرائعه، كما يتضمن خضوع العابد للمعبود وذلته له، والعابد يفعل ذلك بدوافع نفسية، ويلتزم به بدون إكراه أو إجبار.

الدين في الاصطلاح: اختلف في تعريف الدين اصطلاحاً اختلافاً واسعاً حيث عرفه كل إنسان حسب مشربه، وما يرى أنه من أهم مميزات الدين، فمنهم من عرفه بأنه "الشرع الإلهي المتلقَّى عن طريق الوحي" وهذا تعريف أكثر المسلمين.

ويلاحظ على هذا التعريف قَصر الدين على الدين السماوي فقط، مع أن الصحيح أن كل ما يتخذه الناس ويتعبدون له يصح أن يسمى دينا، سواء كان صحيحا، أو باطلا، بدليل قوله عز وجل: { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } آل عمران/ 85، وقوله عزّ وجلّ: { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } الكافرون/6، فسمَّى الله ما عليه مشركو العرب من الوثنية ديناً.

أما غير المسلمين فبعضهم يخصصه بالناحية الأخلاقية كقول الفيلسوف "كانت" " بأن الدين هو المشتمل على الاعتراف بواجباتنا كأوامر إلهية"، وبعضهم حاول عرف الدين بفصله عن لزوم وجود الإله، كما زعم"دوركهايم" الذي عرف الدين بأنه: "نسق موحَّد من المعتقدات والممارسات التي تتصل بشيء مقدَّس، يتسم بسمات تجعله مهماً في حد ذاته ومكتفياً بذاته، فالدين نسق يدور حول مطلق ما، بغض النظر عن طبيعة هذا المطلق"....إلى غير ذلك من التعريفات التي نظرت إلى الدين من زاوية، وتركت أوجها وزوايا عدة. (2)

وأرجح التعريفات أن يقال: الدين هو اعتقاد قداسة ذات، ومجموعة السلوك الذي يدل على الخضوع لتلك الذات ذلًّا وحبًّا، رغبة ورهبة. (3)

وبينما اعتبر البعض أن الدين والملة بمعنى واحد، جعل الجرجاني الدين والملة متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار، فإن الشريعة من حيث إنها تطاع تسمى دينا ومن حيث أنها تجمع تسمى ملة ومن حيث أنها يرجع إليها تسمى مذهبا وقيل الفرق بين الدين والملة والمذهب أن الدين منسوب إلى الله تعالى والملة منسوبة إلى الرسول والمذهب منسوب إلى المجتهد.(4)

وبما أن الله تعالى قد ختم الأديان بالإسلام، فإنه بذلك يعتبر هو الدين الحق عند الإطلاق لجميع البشر، قال تعالى: { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } آل عمران/19، وقال تعالى: { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } آل عمران / 85

تعريف ومفهوم الفلسفة
----------------

كلمة مشتقة من اللفظ اليوناني "فيلوسوفيا "بمعنى محبة الحكمة أو طلب المعرفة أو البحث عن الحقيقة، وعلى الرغم من هذا المعنى الأصلي، فإنه يبقى من الصعب جدا تحديد مدلول الفلسفة بدقة، لكنها بشكل عام تشير إلى نشاط إنساني قديم جدا يتعلق بممارسة نظرية أو عملية عرفت بشكل أو آخر في مختلف المجتمعات والثقافات البشرية منذ أقدم العصور.

ولعل من أهم مظاهر الفلسفة ميلها للتساؤل والتدقيق في كل شيء، والبحث عن ماهيته ومظاهره وقانينه، ومن هنا فإن مادة الفلسفة الأساسية متشعبة ترتبط بكل أصناف العلوم وربما في جميع جوانب الحياة، حتى إن البعض وصف الفلسفة بأنه: "التفكير في التفكير"، أو أنها محاولة الإجابة عن الأسئلة الأساسية التي يطرحها الوجود والكون.

ولعل أول ما يعنينا من الفوارق الكثيرة بين الدين والفلسفة: أن الدين يشمل الاعتقاد بوجود إله – سواء كان حقا وهو الله سبحانه وتعالى، أم باطلا وهي المعبودات الأخرى الوثنية منها أو البشرية – بينما لا تشتمل الفلسفة على هذا المعنى على الإطلاق، فهي مجرد عملية تفكير بشرية في ماهية الأمور والأشياء لا أكثر ولا أقل.

هل البوذية دين أم فلسفة ؟
----------------

يمكننا بعد تعريف كل من الدين والفلسفة أن نجيب على هذا التساؤل بالقول: هناك عدة آراء في هذا الإطار هي:

الرأي الأول: البوذية فلسفة وليست دين
----------------------

ويستند هذا الرأي على أنه: ما دام المقصود بالدين الإيمان بقوة علوية محيطة بنا، ومتصرفة في أقدارنا، وقبول طائفة من المعتقدات على أنها حقائق كشفت لنا، فإن بوذا بمقتضى هذا لم يكن صاحب دين، فقد رأيناه لا يتكلم عن الإله، بل ربما سخر ممن تكلموا عنه.

والحقيقة أن بوذا لم يكن نبيا كذلك ولم يتلق وحيا أو شيئا من هذا القبيل، وبالتالي فهو ليس بصاحب دين، وإنما هو باحث وفيلسوف إذا صح التعبير، فكر الرجل فيما حوله من الأشياء والأحياء، ورأى ما ينزل بهم من متاعب، وقد وصل به تفكيره إلى نتائج بعضها من أقوال من سبقوه.

ويمكن الاستشهاد ببعض أقوال الباحثين الهنود لدعم هذا الرأي، ومن بينهم "أبو المكارم آزاد" الذي كان وزيرا للمعارف بالهند حيث يقول: "يبدو لي أن وضع بوذا في صفوف الفلاسفة أسهل من وضعه في صفوف الأنبياء، وذلك لأنه لم يتعرض في مباحثه لوجود الله تعالى، بل حاول حل مسألة الحياة، وانتهى منها دون أن يتعرض لمسألة وجود الإله،....إنه قد قطع كل علاقة له مع الحياة الدينية في الهند التي كانت تدين بآلهة لا تعد ولا تحصى، إنه بدأ بحثه وفرغ منه دون أن أن يلجأ إلى الاعتقاد بالله تعالى، وإن الأساس الذي بنى عليه بحثه أساس فلسفي فقال:

"إن هدف الجهد الإنساني يجب أن يكون الوصول إلى حل مسألة الحياة، وذلك مستطاع دون الاستعانة بوجود ما فوق العقل – على حد وصفه – " (5)

والحقيقة أن الكثير من الباحثين يعتبر أن البوذية في عهد بوذا لم تكن دينا على الإطلاق، نظرا للنصوص الكثيرة التي تؤكد عدم اهتمام بوذا بقضية الألوهية، وهي القضية الجوهرية في الحقيقة في أي دين حقا كان أو باطلا، وأن البوذية لم تسمى دينا أو تتحول إلى دين إلا بعد وفاة "بوذا"، وقيام أتباعه بتقديس بوذا ورفعه إلى درجة الألوهية – عياذا بالله -.

الرأي الثاني: البوذية تعتبر دينا
----------------------

وهو رأي يعتمد على ما قام به أتباع بوذا من بعده، حيث أسرع أتباعه بعد وفاته إلى تحويل تعاليمه إلى مذهب ديني، ولما وجدوا أن ترك المكان الذي تحتله قضية "الألوهية" في الأديان فارغا، عمدوا إلى بوذا نفسه، فحملوه ووضعوه فرق عرش الإله الفارغ في تعاليم "البوذية".

نعم...لقد رفع البوذيون "بوذا" بعد وفاته إلى درجة الآلهة، وفسروا عدم تناوله لقضية الألوهية أو التحدث فيها، لكونه هو الإله حسب زعمهم، وعلى هذا الأساس من التبجيل والتعظيم الذي وصل إلى حد التأليه، قبل أتباع "بوذا" كلماته على أنها حقائق لا يتطرق إليها الشك، وهم بهذا حولوا الفلسفة التي جاء بها "بوذا " إلى مستوى الدين.

لقد نسج أتباع "بوذا" حول شخصيته الأساطير بعد موته، حيث زعموا أنه قد تشرف بالنزول إلى الأرض، وأنه تجسد فيه "فشنو" لهداية البشرية وإنقاذها من آلامها وأحزانها، وأنه موجود دائما في هذا الكون، إما على هذه الأرض أو في السماء، ثم أسبغوا عليه صفات الإله الموجود الأزلي الدائم الأبدي، لتصبح البوذية دينا بعد أن كانت مجرد تعاليم وفلسفة حياة.

ويرى بعض المفكرين الغربيين في البوذية دينا، لأنها ترسم الطريق للتخلص من الذنوب، ولأن بها جانبا روحيا كما يزعمون، ولأن معتنقيها يمتازون بحماسة قوية لا تتوفر إلا مع الأديان.(6)

الرأي الثالث: البوذية ليست دينا ولا فلسفة
-------------------------

وينطلق هذا الرأي من اعتبار أن "بوذا" ركز جميع جهوده كلها لحل مشكلات الناس وآلامهم الحياتية، وهو بذلك يسير على خط الإصلاح الاجتماعي من وجهة النظر العصرية، وبالتالي فهو مصلح اجتماعي سخر حباته كلها لتخفيف آلام الناس وحل مشكلاتهم ومعاناتهم.

بينما يرى البعض الآخر أن البوذية ليست دينا ولا فلسفة، بل هي في الحقيقة رياضة وعمل، فقد اعتمد "بوذا" منذ أول وعظه على العمل لتحقيق مبادئه، ولعل مبادئه المختزلة في ثمان نقاط تشير إلى ذلك.(7)

ويمكن الاستشهاد على هذا الرأي بقول العلامة الهندي "رادها كرشنن": "إن بوذا لم يكن نبيا لأنه لم يقرر عقائد، ولم يكن فيلسوفا لأنه لم يؤسس مذاهب فلسفية، وإنما أسس دعوته بناء على تجربته الروحية التي لا يمكن بيانها بالألفاظ، فدعوته حكاية عن هذه التجربة، وعن الطريق المؤدي إليها، وبوذا يقول: "إن الحق لا يعرف بالنظريات، بل يعرف بالسير المتواصل في طريقه".

ويقول أيضا: "إن عملي ملكي، وعملي ميراثي، وعملي هو الرحم الذي يحملني، وعملي هو الجنس الذي أنتمي إليه، وعملي هو الملجئ الذي ألتجئ إليه".

ومن هنا فإن أساس النظام الذي وضعه بوذا العمل لا العقيدة، فقد كان يحاول خلق عادة لا إقرار عقيدة، وعلى هذا الأساس فليس في تعاليمه إلا القليل الذي يصح أن يوصف بالعقيدة، كما أنه لم يأمر بعبادات، بل كان كل إلحاحه على التدريب الأخلاقي".(8)

بعد هذا التطواف بآراء المفكرين والباحثين حول:هل البوذية دينا أم فلسفة أم رياضة وعمل وإصلاحا اجتماعيا ؟؟ يمكن القول: إن البوذية ليست بالتأكيد دينا، وإنما هي في الحقيقة فلسفة حياة إن صح التعبير، تعتمد بشكل كبير على بعض التدريبات التي تسمى "أخلاقية"، ومن هنا اعتبرها البعض "رياضة روحية أخلاقية".

ولعل هذا ما جعل موسوعة الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة تعرف البوذية بانها: فلسفة وضعية انتحلت الصبغة الدينية، وقد ظهرت في الهند بعد الديانة البرهمية الهندوسية في القرن الخامس قبل الميلاد...تتجه إلى العناية بالإنسان، كما أنّ فيها دعوة إلى التصوف والخشونة ونبذ الترف والمناداة بالمحبة والتسامح وفعل الخير...وبعد موت مؤسسها تحولت إلى معتقدات باطلة، ذات طابع وثني، حيث غالى أتباعها في مؤسسها حتى ألَّهوه.(9)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــ

(1) لسان العرب لابن منظور 13/164 مادة دين

(2) موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية عبد الوهاب المسيري 8/233

(3) الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة د.ناصر العقل و د.ناصر القفاري ص10

(4) التعريفات للجرجاني 1/141

(5) أديان الهند الكبرى د.أحمد شلبي ص166

(6) أديان الهند الكبرى ص166

(7) الهند القديمة د.محمد اسماعيل الندوي ص147

(8) أبحاث لمجموعة من المفكرين الهنود عن "بوذا" نشرت في عدة أعداد من "ثقافة الهند"

(9) الموسوعة الميسرة للأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة 2/27
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
03-10-2015, 08:26 AM
الحلولُ الصوفيُّ: اتحادٌ، ووحدةُ وجودٍ
ـــــــــــــــــــ

(رمضان الغنام)
ــــــــــ


19 / 5 / 1436 هــ
10 / 3 / 2015 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_6224.jpg

الحلول هو الزعم بأن الإله قد يحل في جسم عدد من عباده، أو بعبارة أخرى أن اللاهوت يحل في الناسوت(1).

و(الحلولية فرقة من المتصوفة المبطلة، زعموا أن الحق اصطفى أجساما حل فيها بمعاني الربوبية، وأزال عنها معاني البشرية، فمنهم من قال بالأنوار، ومنهم من قال بالنظر إلى الشواهد المستحسنات نظرًا بجهل، ومنهم من قال: حال في المستحسنات، وغير المستحسنات، ومنهم من قال: حال في المستحسنات فقط، ومنهم من قال: على الدوام، ومنهم من قال: وقتا دون وقت، والأجسام التي اصطفاها الله تعالى أجسام أوليائه وأصفيائه، اصطفاها بطاعته وخدمته، وزيَّنها بهدايته، وبيَّن فضلها على خلقه... ومن معتنقي هذه أتباع "أبي حلمان الدمشقي" المعروفون باسم الحلمانية، والفرقة الفارسية أتباع "أبي فارس الدينوري)(2).

أما الاتحاد فيقصد به امتزاج شيئين أو أكثر في متصل الأجزاء، ومنه اتحاد النفس بالبدن(3)، أو تصيير ذاتين واحدة(4)، والاتحاد الصوفي، أعلى مقامات النفس، ويصبح الواصل معه وكأنه والبارئ شيء واحد، فيخترق الحجب، ويرى ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وبه قال الجنيد، وتفرعت عنه شطحات صوفية غالية(5).

ولا يكاد الناظر يرى فرقًا كبيرًا بين كل من الحلول والاتحاد، ومن الباحثين من يقلل من أهمية التفريق بينهما(6)، إذ أن كل منهما يحوي فسادًا وانحرافًا عقديًا يطعن في صميم العقيدة الإسلامية، ثم أنهما يتفقان في فكرة التمازج بين العبد وربه.

ومن الباحثين من لا يفرق بين الحلول والاتحاد، فحلول الله بخلقه عندهم يعني اتحاد الله بخلقه، ومنهم من يفرق بين كل من الحلول والاتحاد، ثم هم بعد ذلك مختلفون في تحديد معنى كل منهما، فيرى الدكتور محمد يوسف موسى– رحمه الله- "أن أصحاب عقيدة الاتحاد يتفقون مع من قال بالحلول في الاعتراف بوجود خالق ومخلوق مختلفين، إلا أن بينهما فرقًا، وهو أن الحلوليين يرون تنازل الله تعالى (تعالى الله عن ذلك)، فيحل في بعض المصطفين من عباده، على حين يرى الاتحاديون أن هؤلاء المصطفون يرتفعون بنفوسهم، ويسمون بأرواحهم إلى حضرة الذات العلية، حتى تفنى فيه أو تتحد به ممتزجة"(7).

ويرى آخر أن الحلول هو نزول الذات الإلهية في الذات البشرية، ودخولها فيه، فيكون المخلوق ظرفًا للخالق بزعمهم، أما الاتحاد فهو اختلاط وامتزاج الخالق بالمخلوق، فيكونا بعد الاتحاد ذاتًا واحدةً(8).

أما وحدة الوجود- وهي عقيدة كبرى من عقائد الصوفية- فتعني– بأوجز عبارة-: أن الله تعالى والعالم شيء واحد!(9)، فـ"هو مذهب يقول: إن الله والعالم حقيقة واحدة، وقد تغلب في هذه الوحدة فكرة الإلوهية، ويرد كل شيء إلى الله، فهو الموجود الحق ولا موجود سواه، وكل ما عداه أعراض ومظاهر لوجوده أو مجرد تجليات وفيوضات مستمدة منه"(10).

وذلك لا يعني أن الصوفية وغيرهم من معتقدي الوحدة ينكرون الأشياء المحسوسة، ويجحدون الكائنات المشهودة، كالبحار والجبال، والأشجار، ونحو ذلك، و"إنما مقصودهم إنكار كونها خلقًا، لاعتقادهم أن الكائنات– كلها– هي الله تعالى"(11)، تعالى الله عما يقولون.

ومذهب الوحدة هذا "مذهب قديم أخذت به البراهماتية والرواقية والأفلاطونية المحدثة والصوفية، ومع اختلاف كل فلسفة في إلباس الثوب الذي يرى لهذه الفكرة إلا أنه يجمع بينها قاسم مشترك– كما يقول أبو الفيض المنوفي– وهو أنها وحدة لا يتميز فيها ما هو إلهي مما هو طبيعي، أو أن الله والأشياء شيء واحد، أو أنه يحل فيها، أو يتوحد معها"(12).

فيجمع بين هذه الثلاثية (الحلول، والاتحاد، ووحدة الوجود) علاقة يشترك فيها الخالق والمخلوق، تشكل عقيدة كفرية مفادها أن الخالق والمخلوق شيء واحد.

وقد اعترض أحد الباحثين على نسبة الحلول للصوفية ونفى عنهم هذا المعتقد، قال: "لقد نسب القول بالحلول والاتحاد إلى بعض الصوفية، والواقع أني لا أعرف طريقة من طرق التصوف، ولا داعية من دعاته يؤمن حقيقة– بالحلول، أو الاتحاد– لأن هاتين العقيدتين تخالفان أصلا مهما عند الصوفية وهو (الوحدة)، فإن الحلول يستلزم حالًا ومحلًا، والاتحاد يستلزم شيئين يحصل اتحادهما، وهذه اثنينية، وهي منتفية عندهم، فإذا كان الوجود واحدا فلا حلول ولا اتحاد"(13).

ثم وضح سبب الاعتراض بقوله: "وليس هذا لصحة في طريق الصوفية، ولا لاستقامة في عقيدتهم، وإنما لأن الصوفية يعتقدون ما هو أسوأ من الحلول والاتحاد، وهو وحدة الوجود"(14)، وقد دعَّم الباحث كلامه بنقولات عن أئمة المتصوفة ينكرون فيها القول بالحلول والاتحاد بل ويكفرون من يقول به.

وقد أصاب فيما ذهب إليه، فإن عقيدة الوحدة هي العقيدة المسيطرة على المعتقد الصوفي، ومنها تتفرع الكثير من المعتقدات الباطلة، وهذه العقيدة تتعارض مع فكرة الحلول والاتحاد، بل وتهدمها، لأن الحلول يقتضي موجودين أو أكثر بحيث يحل أحدهما في الآخر أو يتحد به، أما وحدة الوجود فإنها ترى أن الله تعالى والعالم شيء واحد، فلا موجود إلا الله.

فالصوفية قد يطلقون الاتحاد أو الحلول وهم يقصدون بذلك الوحدة، فالحلول عندهم "هو نزول الوجود الإلهي الحق في الموجودات الموهومة، فليس هناك حلول حقيقي، بل الحال هو المحل، أما الحلول المقتضي للاثنينية فهو...أبعد ما يكون عن عقيدة المتصوفة"(15).

فهذا المعتقد يؤسس لمبدأ كفري وإلحادي، وهو أنه لا فرق بين الخالق والمخلوق– عياذا بالله– فالمخلوق يرى نفسه خالقًا، ويرى الخالق مخلوقًا، وهي فكرة الحلول والإتحاد، فلما كان الأصل عندهم واحد، قالوا بالحلول والإتحاد كنتيجة لإتحاد الأصل في زعمهم.

يقول ابن عربي في فصوص الحكم:

فأنت عبد وأنت رب ** لمن له فيه أنت عــبد

وأنت رب وأنت عبد ** لمن له في الخطاب عهد(16)

وجاء في كتاب أخبار الحلاج، عن إبراهيم الحلواني- وهو أقرب خدام الحلاج- أنه سمع الحلاج يومًا يدعو بعد أن أدى الصلاة بالدعاء التالي: "يا إله الآلهة، ويا رب الأرباب، ويا من لا تأخذه سنة ولا نوم، رد إلي نفسي لئلا يفتتن بي عبادك، يا هو أنا، وأنا هو، لا فرق بين آنيتي وهويتك إلا الحدث والقدم، ثم رفع رأسه، ونظر إلي وضحك في وجهي ضحكات، ثم قال: يا أبا إسحاق، أما ترى أن ربي ضرب قدمه في حدثي، حتى استهلكت حدثي في قدمه، فلم يبق لي صفة إلا صفة القدم، ونطقي في تلك الصفة والخلق كلهم أحداث ينطقون عن حدث، ثم إذا نطقت عن القدم ينكرون علي، ويشهدون بكفري، ويسعون إلى قتلي، وهم بذلك معذورون، وبكل ما يفعلون بي مأجورون"(17).

وذكر أن "ابن عربي دخل على مريد له في الخلوة، وقد جاءه الغائط فقال: ما أبصر غيره أبول عليه [يقصد الله تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا]، فقال له شيخه: فالذي يخرج من بطنك من أين هو؟ قال: فرجت عنى. ومر شيخان منهم التلمسانى.. والشيرازي على كلب أجرب ميت، فقال الشيرازي للتلمساني: هذا أيضا من ذاته؟ فقال التلمسانى: هل ثم شيء خارج عنها؟"(18).

وقد كان القول بالحلول- عند الحلولية من الشيعة- هو الخطوة الأولى لمسألة أشد وأخطر، وهى القول بوحدة الوجود، يقول الدكتور ناصر القفاري: "وهذه المقالة التي عرضت لبعض شواهدها عندهم- يقصد الشيعة- والتي تزعم حلول جزء إلهي بالأئمة، قد تطورت عند بعض شيوخهم واتسع نطاقها إلى القول (بوحدة الوجود) وعدوا ذلك أعلى مقامات التوحيد، فهو الغاية في التوحيد عند شيخهم النراقي(19)، كما أن شيخهم الكاشاني – صاحب الوافي أحد أصولهم الأربعة المتأخرة– كان يقول بعقيدة وحدة الوجود، وله رسالة في ذلك، جرى فيها مجرى ابن عربي، وعبر عنه ببعض العارفين"(20).

وهذا التدرج لم يكن موجودًا عند أصحاب الحضرات من المتصوفة لأنهم – كما مر– لا يقولون بالحلول بمعناه الاصطلاحي المعروف، وإن قالوه فهم يقصدون به عقيدة الوحدة، التي مفادها: أن الله هو الموجود الحق ولا موجود سواه، وما عداه ما هي إلا مظاهر وأعراض لوجوده أو مجرد تجليات وفيوضات مستمدة منه، فما الشمس والقمر والليل والنهار والبحار والأشجار وغيرها من الموجودات، إلا الله، تعالى الله عن هذا علوا كبيرا.

يقول ابن عربي الصوفي(21) في فتوحاته: "فلما أراد– الله- وجود العالم وبدأه على حد ما علمه بعلمه بنفسه انفعل عن تلك الإرادة المقدسة بضرب تجل من تجليات التنزيه إلى الحقيقة الكلية، انفعل عنها حقيقة تسمى الهباء، هي بمنزلة طرح البناء الجص (22) ليفتح فيها ما شاء من الأشكال والصور، وهذا هو أول موجود في العالم... ثم إنه سبحانه تجلى بنوره إلى ذلك الهباء... فلم يكن أقرب إليه قبولاً في ذلك الهباء إلا حقيقة محمد-صلى الله عليه وسلم-، المسماة بالعقل، فكان سيد العالم بأسره، وأول ظاهر في الوجود، فكان وجوده من ذلك النور الإلهي، ومن الهباء، ومن الحقيقة الكلية"(23).

نلخص من هذا السرد والتحليل إلى أن هناك تداخلًا بين عقائد المتصوفة فيما يخص عقائد الحلول، والاتحاد، ووحدة الوجود، أقلها غلوًا- وهو ضلال وفحش- القول بالحلول، وأوسطها غلوًا وفحشًا وضلالًا القول بالاتحاد، وغاية الضلال بل هو إلحاد وكفر ما بعده كفر؛ القول بوحدة الوجود، فالثلاثة أوجه لأصل واحد يؤصل لفكرة التمازج بين الخالق والمخلوق، فالحلولية قائلون بعقائد الاتحاد والوحدة، والاتحاد حلول في الأصل، ثم مآل قولهم وحدة الوجود التي هي وحدة الخالق والمخلوق- تعالى ربنا عما يقول المبطلون-، فالثلاثة أصولهم واحدة مع تفاوت في التعاطي مع هذا الأصل الكفري.

ـــــــــــ

الهوامش:

(1) المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية: (ص:76).

(2) معجم مصطلحات الصوفية لعبد المنعم الحفني: (ص:82)؛ ومعجم الصوفية لممدوح الزوبي: (ص:141)؛ وموسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي لرفيق العجم: (ص:305).

(3) المعجم الفلسفي: (ص:2).

(4) معجم مصطلحات الصوفية- د: عبد المنعم الحفني: (ص:9).

(5) المعجم الفلسفي: (ص:2).

(6) انظر مثلا: كلام الدكتور صابر طعيمة عن عقيدة الاتحاد عند الصوفية، في كتابه الصوفية معتقدا ومسلكا: (ص:254).

(7) الصوفية معتقدا ومسلكا للدكتور صابر طعيمة: (ص:254).

(8) ينظر: عقيدة الصوفية وحدة الوجود الخفية- أحمد عبد العزيز القصير: (ص:45).

(9) عقيدة الصوفية وحدة الوجود الخفية– أحمد عبد العزيز القصير:(ص:28).

(10) المعجم الفلسفي: (ص:212).

(11) عقيدة الصوفية وحدة الوجود الخفية- أحمد عبد العزيز القصير: (ص:30).

(12) الصوفية معتقدا ومسلكا– د. صابر طعيمه: (ص:210).

(13) المرجع السابق: (ص:46).

(14) المرجع السابق: (ص:49).

(15) عقيدة الصوفية وحدة الوجود الخفية- أحمد عبد العزيز القصير: (ص: 53).

(16) مصرع التصوف (تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي)- برهان الدين البقاعي- (ص: 74).

(17) أخبار الحلاج– لعلي بن أنجب الساعي: (ص:69)– تحقيق: موفق فوزي الجبر– دار الطليعة الجديدة– سوريا– ط2-1997م؛ مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية وأثرها السيئ على الأمة الإسلامية– إدريس محمود: (1/326).

(18) مجموع الفتاوى لابن تيمية: (2/342).

(19) هو مهدي بن أبي ذر الكاشاني النراقي، المتوفي سنة: (1209هـ). انظر: الذريعة إلى تصانيف الشيعة للطهراني: (5/58).

(20) أصول مذهب الشيعة الاثنى عشرية عرض ونقد لناصر القفاري: (ص:520).

(21) هو شيخ الصوفية محيي الدين أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن أحمد الطائي الحاتمي المرسي ابن العربي نزيل دمشق، قال عنه الذهبي في السير: كان ذكيا كثير العلم، كتب الإنشاء لبعض الأمراء بالمغرب، ثم تزهد وتفرد وتعبد وتوحد وسافر وتجرد وأتهم وأنجد وعمل الخلوات، وعلق شيئا كثيرا في تصوف أهل الوحدة، ومن أردإ تواليفه كتاب الفصوص، فإن كان لا كفر فيه فما في الدنيا كفر، نسأل الله العفو والنجاة فواغوثاه بالله، وقد عظمه جماعة، وتكلفوا لما صدر منه ببعيد الاحتمالات، وقد حكى العلامة ابن دقيق العيد– شيخنا- أنه سمع الشيخ عز الدين ابن عبد السلام يقول عن ابن العربي: شيخ سوء، كذاب، يقول بقدم العالم، ولا يحرم فرجا- سير أعلام للذهبي: (23/48-49).

(22) الجص: بفتح الجيم وكسرها، ما يبنى به، وهو معرب. ينظر: مختار الصحاح للرازي، مادة: (جصص): (ص:44).

(23) الفتوحات المكية في معرفة الأسرار الملكية- محيي الدين بن عربي:(1/169).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
03-12-2015, 08:42 AM
خوارق العادة بين أهل السنة والماتريدية*
ــــــــــــــــــــ

21 / 5 / 1436 هــ
12 / 3 / 2015 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/4018.jpg

تكمن أهمية موضوع خوارق العادة بكونها مسألة عقدية، ولا بد فيها من بيان الفرق بين ما يقع على يد الأنبياء أو الأولياء أو *****ة والكهان، حيث يؤمن أهل السنة والجماعة بخرق الله تعالى لما اعتاده الناس من السنن الكونية، فإن وقعت على يد نبي سميت عند أهل السنة برهانا وبينة كما ورد في القرآن والسنة، ويسميها البعض "معجزة" وإن لم يرد هذا اللفظ في القرآن أو السنة.

وأما إذا وقعت خوارق العادة على يد ولي من أولياء الله فتسمى عند أهل السنة والجماعة آية أو برهانا أيضا، لأنها تحصل لهم بسبب اتباعهم الأنبياء، وتحصل لحكمة أو مصلحة تعود إلى الولي أو إلى غيره، ويسميها البعض "كرامة" ولا مشاحة في المصطلحات ما لم يترتب عليه محاذير.

وأما ما يقع على يد ساحر أو كاهن من خوارق العادة فيطلق عليه أهل السنة خوارق شيطانية.

وفي هذا التقرير سأحاول تسليط الضوء على أبرز النقاط التي خالف فيها جمهور الماتريدية مذهب أهل السنة والجماعة في موضوع خوارق العادة، كحصرهم طرق إثبات النبوة في المعجزة، إضافة لبعض الملاحظات على تعريفهم للمعجزة، ناهيك عن جعلهم خوارق العادة من جنس واحد، فكل ماجاز أن يكون لنبي جاز أن يكون لولي، لا فارق بينهما إلا التحدي، بينما يفرق أهل السنة بين براهين الأنبياء والأولياء سواء في الجنس أو المقدار.

طرق إثبات النبوة عند الماتريدية
-------------------

ذهب أبو منصور الماتريدي إمام المذهب إلى أن النبوة تثبت بطريقين هما:

الأول: النظر في صفات الأنبياء الخَلقية والخُلقية قبل الرسالة وبعدها، الثاني: تأييد الله تعالى لهم بالمعجزات والآيات والبراهين الدالة على صدقهم، وهو ما يتوافق مع مذهب أهل السنة والجماعة.

يقول أبو منصور الماتريدي: "ثم الأصل عندنا في إعلام الرسل وجهان: أحدهما: ظهور أحوالهم على جهة يدفع العقول عنهم الريبة، وتأبى فيهم توهم الظنة، بما صحبوهم في الصغر والكبر، فوجدوهم طاهرين أصفياء أتقياء، بين أظهر قوم ما احتمل التسوية بينهم على ذلك، ولا تربيتهم تبلغ ذلك، على ظهور أحوالهم لهم، وكونهم بينهم في القرار والانتشار، فيعلم بإحاطة أن ذلك حفظ من يعلم أنه يقيمهم مقاماً شريفاً، ويجعلهم أمناء على الغيوب والأسرار، وهذا مما يميل إلى قبوله الطبيعة ويستحسن جميع أمورهم العقل، فيكون الراد عليه يرد بعد المعرفة رد تعنت له، إما لإلف وعادة على خلاف ذلك، أو لشرف ونباهة في العاجل، أو لمطامع ومنال، وإلا فما من قلب إلا ويميل إلى من دون هذا رتبته ومحله، ولا قوة إلا بالله.

والثاني: مجيء الآيات الخارجة عن طبائع أهل البصر في ذلك النوع، الممتنعة عن أن يطمع في مثلها، أو يبلغ بكنهها التعلم، مع ما لو احتمل أن يبلغ أحد ذلك بالتعلم والإجتهاد، فإن الرسل بما نشأوا لا في ذلك، وربوا لا به، يظهر أنهم استفادوه بالله، أكرمهم بذلك، لما يجعلهم أمناء على وحيه. (1)

أما جمهور الماتريدية فاكتفوا بالطريق الثاني، وعدوه هو الدليل الوحيد على صدق النبي، بحجة أن المعجزة وحدها هي التي تفيد العلم اليقيني بثبوت نبوة النبي، وهو مذهب مخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة.

قال أبو اليسر البزدوي: لا يتصور ثبوت الرسالة بلا دليل، فيكون الثبوت بالدلائل، وليست تلك الدلائل إلا المعجزات، فثبتت رسالة كل رسول بمعجزات ظهرت على يديه، فكانت معجزات موسى عليه السلام العصا، واليد البيضاء وغيرهما من المعجزات، ومعجزات عيسى عليه السلام إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك، ومعجزات محمد عليه السلام القرآن، فإن العرب بأجمعهم مع فصاحتهم عجزوا عن الإتيان بمثله. (2)

وقال أبو المعين النسفي: إذا جاء واحد وادعى الرسالة في زمان جواز ورود الرسل... لا يجب قبول قوله بدون إقامة الدليل... لما أن تعين هذا المدعي للرسالة ليس في حيز الواجبات، لانعدام دلالة العقل على تعينه، فبقي في حيز الممكنات، وربما يكون كاذباً في دعواه، فكان القول بوجوب قبول قوله، قولاً بوجوب قبول قول من يكون قبول قوله كفراً، وهذا خُلْف من القول، وإذا لم يجب قبول قوله بدون الدليل، يطالب بالدليل وهو المعجزة. (3)

ومما سبق يتبين أن جمهور الماتريدية جعلوا المعجزة هي الطريق الوحيد لمعرفة الرسل، وإثبات النبوة، مخالفين بذلك إمامهم "أبو منصور الماتريدي" وأهل السنة والجماعة، وحجتهم في ذلك أمور منها:

1- أن أقوام الرسل طلبوا من رسلهم دلائل صدقهم، فدعى الأنبياء ربهم أن يعطيهم من الأدلة ما صدقهم به أقوامهم، فكانت المعجزات، فصارت هي دليل صدقهم من الله، والله لا يؤيد الكاذب.

2- أن المعجزة كما يقولون هي التي يميز بها بين الكاذب مدعي الرسالة، وبين الصادق.

قال التفتازاني:" لولا التأييد بالمعجزة، لما وجب قبول قوله، ولما بان الصادق في دعوى الرسالة عن الكاذب". (4)

3- أن المعجزة هي الموجبة لعلم اليقين، وتجعل العقل يزداد تأملاً.

4- أن النبوة موهبة ورحمة من الله، والدليل على صدق هذه الموهبة هي المعجزة.

وقد ناقش أهل السنة والجماعة هذا الرأي وردوه بما يلي:

1- معلوم أن مدعي الرسالة، إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم، وإما أن يكون من أنقص الخلق وأرذلهم فكيف يشتبه أفضل الخلق وأكملهم، بأنقص الخلق وأرذلهم.

2- صدق النبي يعرف بما يقترن به من القرائن، ولا يختص بالمعجزة، ولهذا استدلت خديجة رضي الله عنها، على صدق النبي صلى الله عليه وسلم بمكارم أخلاقه، ومحاسن شيمه.

وكذلك قصة هرقل، وسؤاله عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله، وقد كاد أن يعلن إيمانه لولا صدود قومه له.

3- صدق النبي لا يتوقف على المعجزة، فكم من نبي لم يظهر على يديه معجزة، مثل لوط ونوح عليهما السلام وغيرهما، وإنما حصلت المعجزة بإهلاك قومهما من غير أن يمهلوا حتى يروا ليصدقوا، بل كان هلاكهم بها.

المعجزة عند الماتريدية

التعريف: المعجزة عند الماتريدية هي: أمر خارق للعادة، يظهر على يد النبي في دار التكليف، مقرونا بالتحدي، مع عدم المعارضة بالمثل.

قال التفتازاني: (وأيدهم) أي الأنبياء، (بالمعجزات الناقضات للعادات) جمع معجزة، وهي أمر يظهر بخلاف العادة، على يدي مدعي النبوة، عند تحدي المنكرين، على وجه يعجز المنكرين عن الإتيان بمثله، وذلك لأنه لولا التأييد بالمعجزة، لما وجب قبول قوله، ولما بان الصادق في دعوى الرسالة عن الكاذب، وعند ظهور المعجزة يحصل الجزم بصدقه بطريق جرى العادة. (5)

واشترط الماتريدية للمعجزة من خلال التعريف سبعة شروط هي: أن يكون الأمر الخارق فعل الله تعالى وأن يكون خارقاً للعادة، إضافة لتعذر معارضته و مقرونا بالتحدي وموافقا للدعوى، وأن لا يكون من ادعاه وأظهره مكذباً له، وأن لا تكون المعجزة متقدمة على الدعوى بل مقارنة لها، أو متأخرة عنها، بزمن يسير يعتاد مثلها. (6)

ومما سبق من تعريف وشروط للمعجزة، يتبين أنها عند جمهور الماتريدية ليست عندهم نفس الإعجاز، بل صفة المعجزة أمر خارج عنها، فهو إضافي، وليس أمرا في ذاتها، فالمعجزة ليست إلا أن الله صرف الناس عنها، وتحداهم بها النبي ولم يعارضوها، وهذا هو الإعجاز عندهم، بدليل أنهم قالوا: كل ماجاز أن يكون لنبي جاز أن يكون لولي.

مناقشة أهل السنة لرأي الماتريدية
--------------------

أبدى أهل السنة والجماعة بعض الملاحظات على تعريف الماتريدية للمعجزة، واعتبروه مضطربا وغير منضبط لعدة أوجه منها:

1- أن ماذكر من أوصاف علق بها الحكم، كخرق العادة، ولفظ المعجزة، لم يرد في القرآن ولا السنة، بل الوارد هو تسميتها بالآيات والبراهين والبينات، وهي مختصة بالأنبياء ولا تحتاج لمزيد أوصاف.

2- منشأ الخطأ عند الماتريدية، اعتقادهم أن دلائل الأنبياء، وكرامات الأولياء، وخوارق *****ة والكهان، كلها من جنس واحد، ولهذا أنكرت المعتزلة كرامات الأولياء، وخوارق *****ة والكهان، حتى لا تلتبس بدلائل الأنبياء، بينما بين شيخ الإسلام ابن تيمية أن جنس الأنبياء متميزون عن غيرهم بالآيات، والدلائل الدالة على صدقهم، التي يعلم العقلاء أنها لم توجد لغيرهم، فيعلمون أنها ليست لغيرهم لا عادةً ولا خرق عادة.

3- أن ما يظهر من خوارق العادة على يد الأنبياء، ليس من شرطه التحدي، أو عدم الإتيان بمثله، بل آيات الأنبياء دليل نبوتهم، وقد تخلوا من شرط التحدي، وعدم المعارضة، فتكثير الطعام والشراب مرات، ونبع الماء بين يدي أصابع النبي صلى الله عليه وسلم غير مرة، كل هذا من دلائل النبوة، ولم يكن يظهرها النبي للاستدلال بها، ولا يتحدى بمثلها، بل لحاجة المسلمين إليها.

4- اشتراط أن تكون المعجزة مقارنة لدعوى النبوة، أو متأخرة عنها بزمن يسير، يخالف ما كان عليه الأنبياء، فإبراهيم عليه السلام ألقي في النار، وكان ذلك بعد نبوته، ودعوته لقومه بزمن طويل.

5- يلزم من قولهم بالمقارنة، أن ما ظهر على يد النبي محمد صلى الله عله وسلم في كل وقت من الأوقات، ليس دليلاً على نبوته؛ لأنه لم يكن كلما ظهر شيء من ذلك احتج به، وتحدى الناس بالإتيان بمثله، بل لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم التحدي إلا في القرآن خاصة بعد أن قال المشركون أنه "افتراه"، ولم ينقل التحدي عن غيره من الأنبياء، كموسى وعيسى وصالح عليهم السلام.

6- تقييد المعجزة بحياة النبي وزمن التكليف ليس بصحيح، فقد تكون المعجزة قبل ولادة النبي، وقد تكون بعد وفاته كأشراط الساعة التي أخبر بوقوعها النبي صلى الله عليه وسلم. (7)

كرمات الأولياء عند الماتريدية

أثبت الماتريدية كرامات الأولياء وأنها حق خلافاً للمعتزلة، مستدلين على ثبوتها بالكتاب والسنة، وقد عرفوا الكرامة بأنها: ظهور أمر خارق للعادة من قبله، غير مقارن لدعوى النبوة كما قال أبو المعين النسفي، والولي عندهم هو: العارف بالله تعالى، وصفاته بحسب ما يمكن، المواظب على الطاعات، المجتنب عن المعاصي، المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات.

فمن لم يكن بهذه الصفات، وظهر على يده خوارق للعادة، فوافق مراده وغرضه، فإنه يكون استدراجا، وإن ظهر الخارق من قبل عوام المسلمين، تخليصاً لهم عن المحن والمكاره، فهذا يكون معونة. (8)

وقد حاول الماتريدية التفريق بين المعجزة والكرامة، خاصة أنها تندرج تحت مسمى خوارق العادة، ومن أهم الفروقات التي ذكروها:

1- أن المعجزة مقترنة بدعوى النبوة والتحدي، وأما الكرامة فخالية من الدعوى، ولو ادعى النبوة لسقط من رتبة الولاية، وصار فاسقا أو كافرا من ساعته، وهذا هو الفرق الرئيس بين المعجزة والكرامة عند الماتريدية، ولذا قال ملا علي قاري: كل ما جاز أن يكون معجزة لنبي، جاز أن يكون كرامة لولي لا فارق بينهما إلا التحدي. (9)

2- أن المعجزة لابد فيها من علم النبي بكونه نبيا، وأما الولي فلايلزم علمه بكونه وليا.

3- أن المعجزة يقصد النبي إظهارها، والتحدي بها، والحكم قطعا بموجبها، وأما الولي فيجتهد في كتمانها، ويخشى أن تكون استدراجاً، ويخاف من الاغترار بها إذا اشتهرت.

4- أن الكرامة تكون مقارنة للعمل الصالح، والاعتقاد الصحيح، وتبعث على الجد والاجتهاد في العبادة، والاحتراز عن السيئات. (10)

وقد أبدى أهل السنة والجماعة خطأ الماتريدية في بعض الأمور التي حاولوا أن يفرقوا بها بين المعجزة و الكرامة، ومن ذلك:

1- أنهم جعلوا ما كان من معجزات للأنبياء كرامات للأولياء، ولا فرق بينهما إلا دعوى النبوة والتحدي بالمثل، ومما لاشك فيه أن معجزات الأنبياء التي دلت على نبوتهم، هي أعلى مما يشتركون فيه هم وأتباعهم. (11)

فانشقاق القمر، والإتيان بالقرآن، وانقلاب العصا حية، وخروج الدابة من الصخرة، لم يكن مثله للأولياء، فالآيات الكبرى مختصة بالأنبياء والرسل، وأما الآيات الصغرى فقد تكون للصالحين؛ مثل تكثير الطعام، فقد وجد لغير واحد من الصالحين، لكن لم يوجد كما وجد للنبي صلى الله عليه وسلم أنه أطعم الجيش من شيء يسير.

فالأنبياء مختصون إما بجنس الآيات، فلا يكون لمثلهم كالإتيان بالقرآن، وانشقاق القمر، وإما بقدرها وكيفيتها، كنار الخليل عليه السلام، فإن أبا مسلم الخولاني وغيره صارت لهم النار بردا وسلاما، لكن لم تكن مثل نار إبراهيم عليه السلام في عظمها كما وصفوها.

2- قولهم أن المعجزة يظهرها النبي والكرامة يخفيها الولي، ليس على إطلاقه، فالكرامة تكون لنصرة الدين وإقامة السنة، ولذلك كان الولي يتحدى بكرامته في بعض الأحيان ولا يكتمها، مثل قصة خالد بن الوليد في شربه للسم أمام الأعداء ولم يضره.

3- تفريقهم بالاقتران بالتحدي ليس على إطلاقه أيضا، فإن بعض المعجزات كما سبق لم تكن مقرونة به، وبعض الكرامات التي وقعت للصحابة ومن بعدهم، كانت للتحدي كشرب خالد بن الوليد للسم كما مضى. (12)

إن الالتزام بالألفاظ المحدثة التي لم ترد في القرآن والسنة، كلفظ الخارق للعادة، ولفظ المعجزة والكرامة، وإهمال الألفاظ الشرعية التي جاء بها الوحي، هو الذي يوقع البعض في إشكالات وتناقضات، لمحاولة التوفيق بينها، مما يؤكد أن الالتزام بألفاظ الكتاب والسنة هو المنهج الأمثل لسلامة العقيدة، وهو ما عليه أهل السنة والجماعة.

ـــــــ

الفهارس

(1) كتاب التوحيد، تحقيق د. فتح الله خليف ص188-189 و 202-210

(2) أصول الدين ص 97،98، نقلاً من كتاب الماتريدية دراسة وتقويما . أحمد بن عوض الحربي ص 380

(3) التمهيد لقواعد التوحيد، تحقيق ودراسة: حبيب الله حسن أحمد ص222

(4) شرح العقائد النسفية ص 136

(5) شرح العقائد النسفية ص136

(6) انظر حاشية شرح العقائد النسفية ص145

(7) النبوات، شيخ الإسلام ابن تيمية 160-178

(8) شرح العقائد النسفية 144

(9) منح الروض الأزهر في شرح الفقه الأكبر ص237

(10) شرح العقائد النسفية ص144

(11) النبوات ص169

(12) النبوات ص 196، 244
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
04-11-2015, 08:21 AM
أصول الفرق وأقسامها
ــــــــــــ

(بكر البعداني)
ــــــــ


22 / 6 / 1436 هــ
11 / 4 / 2015 م
ـــــــــــ

http://www.booksstream.com/bimgs/xbooksstream.Com_AM10.jpg.pagespeed.ic.QTpRiXoViO. jpg



أصول الفرق وأقسامها
--------------

الحمد لله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا، أما بعد:
فإن التفرق والفُرقة أمر مذموم شرعًا، غير محمود العاقبة عقلاً، وليس حتى بالمستساغ عرفًا؛ ولذلك فإن الافتراق والفرق وأصولها من الأمور التي عني بها علماؤنا؛ تحذيرًا لهذه الأمة، بل لقد صنفت فيها المصنفات الكثيرة والمستقلة، التي باتت تعرف في مكتبات الإسلام بـ: كتب الفرق، أو الملل والنحل، ونحو ذلك؛ ولذلك فإن هذه الأبواب ألحقها الكثير من العلماء بكتب العقائد.

وأصل الكلام فيها مبني على جملة من النصوص الشرعية، نذكر هنا حديثًا واحدًا منها - وهو كالأصل لها، ألا وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((افترقت اليهود على إحدى - أو اثنتين - وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى - أو اثنتين - وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة))[1].

ومن هنا شرع العلماء في عدِّ هذه الفرق كلما نشأت أو انقسمت، من مُقلٍّ في هذا الباب ومستكثر، وبعيدًا عن الخوض في هل هذا الصنيع مُسلَّم أم لا؟ وهل يُوافقون عليه أم لا؟ وهل ثمت مؤاخذات عليه وتعقبات؟ بعيدًا عن هذا؛ لأننا لا نريد الحديث عليه هنا، أقول: لقد كنت وقفت على كلام لأبي الفرج ابن الجوزي - رحمه الله وغفر الله لنا وله - في الكلام على هذه الفرق وسردها قديمًا، في كتابه تلبيس إبليس[2]، ونقله عنه القرطبي في تفسيره[3]؛ فأحببت أن أنقله هنا في هذه المقالة للفائدة والمعرفة، ليس إلا.

قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله: "فإن قيل: هل هذه الفرق معروفة؟
فالجواب: أنا نعرف الافتراق، وأصول الفرق، وأن كل طائفة من الفرق قد انقسمت إلى فرق، وإن لم نُحِطْ بأسماء تلك الفرق ومذاهبها، وقد ظهر لنا من أصول الفرق: الحرورية، والقدرية، والجهمية، والمرجئة، والرافضة، والجبرية.

وقال بعض أهل العلم: أصل الفرق الضالة: هذه الفرق الست، وقد انقسمت كل فرقة منها على اثنتي عشرة فرقة، فصارت اثنتين وسبعين فرقة.

انقسمت الحرورية اثنتي عشرة فرقة:
فأولهم: الأزرقية، قالوا: لا نعلم أحدًا مؤمنًا، وكفَّروا أهل القبلة، إلا من دان بقولهم.

والإباضية قالوا: مَن أخذ بقولنا فهو مؤمن، ومن أعرض عنه فهو منافق.

والثعلبية قالوا: إن الله - عز وجل - لم يقضِ، ولم يقدر.

والخازمية قالوا: لا ندري ما الإيمان؟ والخلق كلهم معذورون.

والخلفية: زعموا أن من ترك الجهاد من ذكر أو أنثى، كفر.

والكوزية قالوا: ليس لأحد أن يَمسَّ أحدًا؛ لأنه لا يعرف الطاهر من النجس، ولا أن يُؤاكله؛ حتى يتوب ويغتسل.

والكنزية قالوا: لا يسعُ أحدًا أن يعطي ماله أحدًا؛ لأنه ربما لم يكن مستحقًّا، بل يكنزه في الأرض حتى يظهر أهل الحق.

والشمراخية قالوا: لا بأس بمسِّ النساء الأجانب؛ لأنهن رياحين.

والأخنسية قالوا: لا يلحق الميت بعد موته خير ولا شر.

والحكمية قالوا: من حاكَم إلى مخلوق فهو كافر.

والمعتزلة [4] قالوا: اشتبه علينا أمر علي ومعاوية - رضي الله عنهما؛ فنحن نتبرأ من الفريقين.

والميمونية قالوا: لا إمام إلا برضا أهل محبتنا.

وانقسمت القدرية اثنتي عشرة فرقة:
الأحمرية: وهي التي زعمت أن في شرط العدل من الله: أن يُملِّك عباده أمورهم، ويحول بينهم وبين معاصيهم.

والثنوية: وهي التي زعمت أن الخير من الله، والشر من الشيطان.

والمعتزلة[5]: وهم الذين قالوا: بخَلْقِ القرآن، وجحدوا الرُّؤية.

والكيسانية وهم الذين قالوا: لا ندري هذه الأفعال من الله أو من العباد؟ ولا نعلم أيثاب الناس بعد أو يعاقبون؟

والشيطانية قالوا: إن الله - تعالى - لم يخلق الشيطان.

والشريكية قالوا: إن السيئات كلها مقدرة إلا الكفر.

والوهمية قالوا: ليس لأفعال الخلق وكلامهم ذات، ولا للحسنة والسيئة ذات.

والزبرية قالوا: كل كتاب نزل من عند الله فالعمل به حق، ناسخًا كان أو منسوخًا.

والمسعدية زعموا أن مَن عصى ثم تاب لم تقبل توبته.

والناكثية: زعموا أن مَن نكث بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا إثم عليه.

والقاسطية: تبعوا إبراهيم بن النظام في قوله: من زعم أن الله شيء فهو كافر.

وانقسمت الجهمية اثنتي عشرة فرقة:
المعطلة: زعموا أن كل ما يقع عليه وهم الإنسان فهو مخلوق، وأن مَن ادَّعى أن الله يرى فهو كافر.

والمريسية قالوا: أكثر صفات الله -تعالى- مخلوقة.

والملتزقة: جعلوا الباري - سبحانه - في كل مكان.

والواردية قالوا: لا يدخل النار من عرف ربَّه، ومن دخلها لم يخرج منها أبدًا.

والزنادقة قالوا: ليس لأحد أن يثبت لنفسه ربًّا؛ لأن الإثبات لا يكون إلا بعد إدراك الحواس، وما لا يدرك لا يثبت.

والحرقية: زعموا أن الكافر تحرقه النار مرة واحدة، ثم يبقى محترقًا أبدًا لا يجد حرَّ النار.

والمخلوقية: زعموا أن القرآن مخلوق.

والفانية: زعموا أن الجنة والنار يفنيان، ومنهم من قال: لم يخلقا.

والعبدية: جحدوا الرسل، وقالوا: إنما هم حكماء.

والواقفية قالوا: لا نقول: إن القرآن مخلوق، ولا غير مخلوق.

والقبرية: ينكرون عذاب القبر، والشفاعة.

واللفظية قالوا: لفظنا بالقرآن مخلوق.

وانقسمت المرجئة اثنتي عشرة فرقة[6]:
التاركية قالوا: ليس لله عز وجل على خلقه فريضة سوى الإيمان به؛ فمن آمن به، فليفعل ما شاء.

والسائبية: قالوا: إن الله تعالى سيب خلقه؛ ليفعلوا ما شاؤوا.

والراجئة قالوا: لا يسمى الطائع طائعًا، ولا العاصي عاصيًا؛ لأنا لا ندري ما له عند الله تعالى. والسالبية قالوا: الطاعة ليست من الإيمان.

والبهيشية قالوا: الإيمان علم، ومن لا يعلم الحق من الباطل، والحلال من الحرام - فهو كافر.

والعملية قالوا: الإيمان عمل.

والمنقوصية قالوا: الإيمان لا يزيد ولا ينقص.

والمستثنية قالوا: الاستثناء من الإيمان.

والمشبهة قالوا: بصَرٌ كبصَرٍ، ويدٌ كيَدٍ.

والحشوية قالوا: حكم الأحاديث كلها واحد، فعندهم أن تارك النفل كتارك الفرض.

والظاهرية[7]: الذين نفوا القياس.

والبدعية: أول من ابتدع هذه الأحداث في هذه الأمة.

وانقسمت الرافضة اثنتي عشرة فرقة:
العلوية قالوا: إن الرسالة كانت إلى علي رضي الله عنه، وإن جبريل عليه السلام أخطأ.

والأمرية قالوا: إن عليًّا شريك محمد في أمره.

والشيعة قالوا: إن عليًّا - رضي الله عنه - وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووليه من بعده، وإن الأمة كفرت بمبايعة غيره.

والإسحاقية قالوا: إن النبوة متصلة إلى يوم القيامة، وكل من يعلم علم أهل البيت، فهو نبي. والناووسية قالوا: علي رضي الله عنه أفضل الأمة؛ فمن فضل غيره عليه، فقد كفر.

والإمامية قالوا: لا يمكن أن تكون الدنيا بغير إمام من ولد الحسين، وإن الإمام يعلمه جبريل عليه السلام، فإذا مات بدل غيره مكانه.

والزيدية قالوا: ولد الحسين رضي الله عنه كلهم أئمة في الصلوات؛ فمتى وجد منهم أحد، لم تجز الصلاة خلف غيرهم، برهم وفاجرهم.

والعباسية: زعموا أن العباس كان أولى بالخلافة من غيره.

والتناسخية: قالوا: الأرواح تتناسخ، فمن كان محسنًا خرجت روحه فدخلت في خلق يسعد بعيشه.

والرجعية: زعموا أن عليًّا وأصحابه يرجعون إلى الدنيا، وينتقمون من أعدائهم.

واللاعنة: يلعنون عثمان، وطلحة، والزبير، ومعاوية، وأبا موسى، وعائشة رضي الله عنهم وغيرهم.

والمتربصة: تشبهوا بزي النسَّاك، ونصبوا في كل عصر رجلاً ينسبون إليه الأمر، يزعمون أنه مهدي هذه الأمة، فإذا مات نصبوا آخر.

ثم انقسمت الجبرية اثنتي عشرة فرقة، فمنهم:
المضطرية قالوا: لا فعل للآدمي، بل الله يفعل الكل.

والأفعالية قالوا: لنا أفعال، ولكن لا استطاعة لنا فيها، وإنما نحن كالبهائم نقاد بالحبل.

والمفروغية قالوا: كل الأشياء قد خلقت، والآن لا يخلق شيء.

والنجارية: زعمت أن الله تعالى يعذب الناس على فعله، لا على فعلهم.

والمنانية قالوا: عليك بما يخطر بقلبك، فافعل ما توسمت منه الخير.

والكسبية قالوا: لا يكتسب العبد ثوابًا ولا عقابًا.

والسابقية قالوا: من شاء فليعمل، ومن شاء لا يعمل؛ فإن السعيد لا تضره ذنوبه، والشقي لا ينفعه بره.

والحبية قالوا: من شرب كأس محبة الله تعالى، سقطت عنه عبادة الأركان.

والخوفية قالوا: مَن أحبَّ الله تعالى لم يسعه أن يخافه؛ لأن الحبيب لا يخاف حبيبه.

والفكرية قالوا: من ازداد علمًا، أسقط عنه بقدر ذلك من العبادة.

والخشبية قالوا: الدنيا بين العباد سواء، لا تفاضل بينهم فيما ورَّثهم أبوهم آدم.

والمنية قالوا: منا الفعل، ولنا الاستطاعة"؛ انتهى كلامه - رحمه الله.
---------------------------------------------
[1] أخرجه أبو داود رقم: (4598) واللفظ له، والترمذي (3/367)، وابن ماجه (2/479)، وابن حبان في صحيحه رقم: (1834)، والآجري في الشريعة (ص:25)، والحاكم (1/128)، وأحمد (2/332)، وانظر: السلسلة الصحيحة (1/365) رقم: (203) فإن له شواهد تقويه.
[2] انظر مقالاً لي بعنوان: من محاسن كلام ابن الجوزي ودرره في تلبيس إبليس، وقد نشر على شبكة الألوكة.
[3] تفسير القرطبي (4/160-164).
[4] سوف يكررها، فيما يأتي في أقسام فرق القدرية.
[5] كررها فيما سبق في فرق الحرورية.
[6] وكذا الأشعري في مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (ص:213-234) أوصلها إلى اثنتي عشرة فرقة.
[7] لا أدري كيف أدخلهم في هذه الفرق بهذا؟!

________________________________________

عبدالناصر محمود
04-14-2015, 08:18 AM
السلبية والقعود في الفكر الصوفي*
ــــــــــــــــ

25 / 6 / 1436 هــ
14 / 4 / 2015 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_4112.jpg

لم يعرف الإسلام يوما ولم يطلب من المسلم أن يكون منزويا قاعدا سلبيا لا يحرك ساكنا إزاء الأحداث التي تواجهه في الحياة، ولم يكن أبدا مفهوم العمل للآخرة مضادا ولا مصادما للعمل الجاد والمثمر في أعمال الدنيا.

فالمسلم يرى الأمل ويزرعه دائما في أنفس من حوله ويقاوم دوما الفشل والإحباط في نفسه فضلا عن تصديره لغيره، ففي الحديث الشريف عنه "من قال هلك الناس فهو أهلكهم". [1]( فهو أهلكهم أي أشدهم هلاكاً).

والمسلم يتحلى دوما بحالة في نفسه تجعله مهمومًا بأمر نفسه وما يصلحها وبأمر دينه وقضاياه، ويرى دوما أنه مسئول عن هذا الهم أمام رب العالمين ويستشعر مسئوليته تجاه الآخرين ولا يألو جهدًا في أن يعمل لبلوغ هدفه وغايته، وذلك في كل أمر من أمور الدنيا من مولده وحتى وفاته تحقيقا لأمره صلى الله عليه وسلم "إذَا قَامَتْ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا" [2]

وينمي الإسلام شخصية المسلم فتجعلها تحمل معاني التجاوب والتفاعل والعطاء وتجعله دوما شخصا إيجابيا حيا متحركا متفاعلا مع كل وسط يحيا فيه، وفي المقابل يرفض الإسلام منه أن يكون متقوقعا منزويا، بليدا منغلقا خاملا كسولا، فالشخصية السلبية تدور حول نفسها فقط، اهتماماتها شخصية أنانية لا تبتعد عن الشهوات لا تمد يدها للآخرين ولا تسعى للترقي ولا لمعالي الأمور.

وهذا ما حرصت الصوفية كل الحرص على إيجاده، إيجاد مسلم خارج عن دائرة الوجود، ليس له علاقة بالحياة إلا ما يخصه فقط لا يسعى لعمل ولا تغيير ايجابي نافع.

وربما يفهم هذا منهم إذا كانت فلسفة ذاتية تخرج من مجموعة من المنسحبين من الحياة، وربما يتبعهم أناس يحبون أن يتبعوهم في هذه الآراء العجيبة الهادمة، فما أكثر الدعوات والنعرات في العالم وما أعجبها، ولكن أن يربط هذا الفهم بالإسلام وان يدعي هؤلاء إن هذا هو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الخطأ بعينه والذي يجب وان يبين للناس كذب وتدليس هؤلاء على الإسلام وعلى مفاهيمه الصحيحة.

ولعل اخطر ما يمكن أن يقال في هذا الموضوع هو بدايته حيث ينطلقون في هذا الكذب والافتراء على الإسلام من تقعيد وتأصيل فكرتهم الباطلة بتفسيرات ليس لها صحة لآيات من كتاب الله ولأحاديث من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن كلماتهم وافتراءاتهم:

- فمن تفسيراتهم الغريبة والشاذة ما نقله السهروردي ما روي عن داود بن صالح أنه قال: قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي هل تدري في أي شيء نزلت الآية: {اصبروا وصبروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون}. قلت: لا، قال: يا ابن أخي لم يكن في زمن رسول الله غزو يربط فيه الخيل ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة فالرباط لجهاد النفس والمقيم في الرباط مرابط مجاهد نفسه". [3]

- تفسيرهم لقوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}[4] أن معناه مجاهدة النفس والهوى وذلك هو حق الجهاد، وهو الجهاد الأكبر على ما روي في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حين رجع من بعض غزواته: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" [5].

ويقول شيخ الإسلام "ابن تيمية" تعليقا على استشهادهم بهذا الحديث: أما الحديث الذي يرويه بعضهم أنه قال في غزوة تبوك رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر فلا أصل له ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، بل الواضح جداً من القرآن والمتواتر من السنة أن جهاد الكفار من أعظم القربات إلى الله تعالى، وأن الصحابة والتابعين في العصور الزاهرة التي شهد لها الرسول الكريم بالخيرية كانوا يتهافتون على القتال في سبيل الله ليحصلوا على إحدى الحسنيين إما الموت فالجنة، وإما النصر فالعزة والرفعة" [6].

صرف الناس عن الجهاد في سبيل الله، فينقل السهروردي في كتابه فيقول عجبا "قيل إن بعض الصالحين كتب إلى أخ له يستدعيه إلى الغزو فكتب إليه يا أخي كل الثغور مجتمعة لي في بيت واحد والباب علي مردود فكتب إليه أخوه لو كان الناس كلهم لزموا ما لزمته لاختلت أمور المسلمين وغلب الكفار فلا بد من الغزو والجهاد فكتب إليه يا أخي لو لزم الناس ما أنا عليه وقالوا في زواياهم وعلى سجادتهم الله أكبر لانهدم سور القسطنطينية" [7]

وهذا بعيد تماما عما جاء به الإسلام وعن فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي خرج وعمل وجاهد في سبيل الله بلسانه ويده ولم يكتف كما يدعي هؤلاء بهذه الأذكار ويدعي أنها هي التي ستأتي وحدها وبهذا القعود بالنصر ولا حاجة للأمة في الجهاد.
وهكذا كان فعل زعماء الصوفية في كل وقت، فكانوا لا يلتفون للعمل والجهاد وانشغلوا فقط بما هم عليه وتركوا الأمة تصارع وحدها أزماتها ومشكلاتها وعظائم أمورها.

فأبو حامد الغزالي كتب في "إحياء علوم الدين" كل شئ عن التصوف وقرر أن طريقتهم من أنجح الطرق وأصلحها للوصول إلى ولاية الله ومرضاته وتكلم بإسهاب شديد عن طقوس المتصوفة المبتدعة ومع ذلك فإنه لم يتطرق ولو بسطر واحد للكلام على المصيبة التي أصيبت بها الأمة الإسلامية ألا وهو سقوط بيت المقدس في يد الصليبية فيقول الشيخ عبد الرحمن الوكيل رحمة الله عليه: (سقط بيت المقدس في يد الصليبيين عام (542 هـ) والغزالي الزعيم الصوفي الكبير على قيد الحياة فلم يحرك منه هذا الحادث الجلل شعوراً واحد ولم يجر قلمه بشيء ما عنه في كتبه لقد عاش الغزالي بعد ذلك (13) عاماً إذ مات سنة (505هـ) فما ذرف دمعه واحدة ولا استنهض همة مسلم ليذود عن الكعبة الأولى"[8]

وهذا ما قاله الدكتور زكي مبارك حيث قال بعد أن تحدث قليلاً عن الحروب الصليبية: "أتدري لماذا ذكرت لك هذه الكلمة عن الحروب الصليبية لتعرف أنه ما كان "بطرس الناسك" يقضي ليله ونهاره في إعداد الخطب، وتحبير الرسائل، يحث أهل أوروبا فيها على احتلال أقطار المسلمين، كان الغزالي حجة الإسلام غارقاً في خلوته منكباً على أوردة المبتدعة لا يعرف ما يجب عليه من الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله تعالى" [9].

أما الدكتور عمر فروخ فقد التمس العذر في سكوته عما جرى في القدس قائلاً: "كان الصوفية يعتقدون بأن الحروب الصليبية كانت عقاباً للمسلمين على ما سلف لهم من الذنوب والمعاصي، ولعل الغزالي قد شارك سائر الصوفية في هذا الاعتقاد" [10]

ولم يختلف حال ابن عربي وابن الفارض وهما الزعيمان الكبيران للصوفية عن حال الغزالي" فقد عاشا في عهد الحروب الصليبية فلم يسمع أحد عن واحد منهما أنه شارك في قتال أو دعا إلى قتال أو سجلا في شعرهما أو نثرهما آهة حسرة على الفواجع التي نزلت بالمسلمين، لقد كانا يقرران للناس أن الله هو عين كل شيء فليدع المسلمون الصليبيين فما هم إلا الذات الإلهية متجسدة في تلك الصور هذا حال أكبر زعماء التصوف وموقفهم من أعداء الله فهل كافحوا غاصباً أو طاغياً" [11]

"ولهذا لم يكن غريبا أبدا أن يجتمع زعماء الصوفية حين أقدم الفرنج على احتلال المنصورة لا لإعداد العدة وإعلان كلمة الجهاد ولكن لقراءة رسالة القشيري والمناقشة في كرامات الأولياء" [12]، وهذا ما فعلوه أيضا إبان غزو نابليون بونابرت لمصر عندما هرع الشيوخ إلى كتاب البخاري يلتمسون منه العون والمدد أمام مدافع الفرنسيين اقتحم الفرنسيون الأزهر بخيولهم عليهم جميعا.

ولقد علم المستعمر في كل وقت أن هذه البقايا من هذا الفكر الغريب على الإسلام هم أمله الوحيد في إبقاء المسلم مخدرا بعيدا عن واقعه وقضايا أمته، فدعموه بكل ما يمكنهم دعمه، فهذا القائم بالأعمال الأمريكي في السودان يرتدي زي أولاد الشيخ الكباشي ويقوم بعدة زيارات لعدد من الطرق الصوفية رافقه خلال أكثرها مسئولون سودانيون بارزون، وكذلك كان فرانسيس ريتشاردوني السفير الأسبق للولايات المتحدة بالقاهرة يواظب على حضور مولد الصوفي السيد أحمد البدوي بمدينة طنطا في وسط الدلتا بشمال مصر لمدة تسع سنوات متتالية، وغيرهم في كل بلد لعلمهم اليقيني أن بقاء هؤلاء هدم للشخصية للمسلمة وتحريف لها ودافعا لها على استمرار الخنوع والخضوع والسلبية والانعزال.

ـــــــــــــــــ

[1] (رواه مسلم عن أبي هريرة).

[2] صححه الألباني

[3] عوارف المعارف "2/55 الملحق بالإحياء ( ص82).لشهاب الدين عمر السهروردي

[4] [الحج: 78]

[5] أورَدَه أبو حامدٍ الغزالي في "الإحياء" 3/7، وقال الحافظ العراقي: أورَدَه البيهقي في "الزهد" من حديث جابرٍ وقال: هذا إسنادٌ فيه ضعف.وهو موضوع كما قرَّر شيخُ الإسلام

[6] انظر: "مجموع الفتاوى" 11/198.

[7] -( عوارف المعارف ص82) .

[8] كتاب هذه هي الصوفية للشيخ عبدالرحمن الوكيل

[9] الأخلاق عند الغزالي، ص 25.

[10] أبو حامد الغزالي والتصوف، للشيخ عبد الرحمن دمشقية، ص 352.

[11] هذه هي الصوفية للشيخ عبدالرحمن الوكيل ص 170".

[12] طبقات الشعراني (1/11)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــ

عبدالناصر محمود
05-12-2015, 07:12 AM
الوجد عند الصوفية*
ــــــــــــ

23 / 7 / 1436 هــ
12 / 5 / 2015 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_6312.jpg


من رحمة الله تعالى بعباده أن أرسل إليهم الرسل والأنبياء ليبينوا لهم ما أحله لهم مما حرمه, ومن رحمته تعالى بالناس أيضا أن أكمل وأتم رسالة خاتم رسله محمد صلى الله عليه وسلم, ليكون الإسلام حجة على العالمين, قال تعالى: {...الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ...} المائدة/3

فلا يجوز لأحد – بعد اكتمال الدين وتمامه – أن يبتدع شيئا ليس في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم, ثم ينسبه إلى الإسلام كذبا وبهتانا, كما لا يجوز لأحد أن يزيد على هذا الدين شيئا أو ينقص منه تحت أي دعوى, وكل من يفعل ذلك فهو مبتدع لا بد من رده عن بدعته وضلاله.

ولعل من أكثر من ابتدع في هذا الدين هم المتصوفة, فشطحاتهم لا تمت إلى الإسلام بصلة, و معظم مصطلحاتهم ليس لها سند أو دليل من كتاب الله أو سنة رسوله, ومن هذه المصطلحات والشطحات "الوجد", الذي سنلقي عليه بعض الضوء في هذا التقرير.

التعريف

اختلفت عبارات الصوفية في تعريف الوجد, فمنهم من لم يجعل له حدا معينا, منزها الوجد عن أن تحيط بحقيقته عبارة فقال عمرو بن عثمان المكي: لا يقع على كيفية الوجد عبارة, لأنها سر الله تعالى عند المؤمنين الموقنين. (1)

ومنهم من عرفه بأنه: لهيب ينشأ في الأسرار ويسنح عن الشوق, فتضطرب الجوارح طربا أو حزنا عند ذلك الوارد كما ذكر أبو الحسين النوري (2), بينما عرفه أبو سعيد بن الأعرابي بأنه: رفع الحجاب, ومشاهدة الرقيب, وحضور الفهم, وملاحظة الغيب, ومحادثة السر, وإيناس المفقود, وهو فناؤك من حيث أنت. (3)

وقال الكلاباذي: الوجد هو ما صادف القلب من فزع, أو غم, أو رؤية معنى من أحوال الآخرة, أو كشف حالة بين العبد والله عزوجل. (4) ليأتي الغزالي بتعريف شبه جامع للوجد بقوله: إنه عبارة عن حالة يثمرها السماع, وهو وارد حق جديد عقيب السماع, يجده المستمع من نفسه. (5)

ويعزى اختلاف الصوفية في تعريف الوجد – وغيره من المصطلحات – إلى أن كلا منهم قد عبر عنه بحسب حاله ومشهده الخاص به, ولذلك نجد بينهم مثل هذا الاختلاف.

الفرق بين الوجد و الكشف

1- أما الفرق بين الوجد والكشف فالوجد الصوفي مرتبط بالسماع كما سبق, وهو استماع الأشعار الملحنة بالأنغام والأوتار والدفوف وغير ذلك, فالسماع من أقوى بواعث الوجد, أما الكشف الصوفي فعلى الرغم من كون السماع لا يبعد أن يكون سببا له ما لم يكن مكشوفا من قبل كما قال الغزالي, إلا أنه على كل حال غير مرتبط بالأنغام والأوتار كما هو الحال في الوجد, فالسماع بالنسبة للوجد عامل أساسي وسبب أصلي, أما بالنسبة للكشف فهو ثانوي وقد يعد ضمن قائمة الكشف الكثيرة.

2- ومن الفروق أيضا أن المشاهدة في الوجد لا تكون إلا عن فناء ناجم من تأثير النغم, أما المشاهدة حال الكشف فتكون بفناء وبغير فناء, عن طريق الإسراءات والمعاريج الصوفية, وعن طريق الكشف الحسي بارتفاع الحجب الحسية وغير ذلك.

3- وبالإضافة لما سبق فالمشاهدة حال الوجد لا يطيق المرء البقاء تحت أعبائها, ولا الثبات عندها, فقد يؤدي ذلك إلى هلاك النفس وتلفها, وليس الأمر كذلك في المشاهدة حال الكشف.

4- أحوال الكشف تكون في حالة اليقظة أو النوم أو بينهما, أما الوجد فيحصل في حال اليقظة بفناء أو بغير فناء.

الفرق بين الوجد والذوق

1- الوجد الصوفي سببه – كما سبق – السماع, بينما الذوق سببه التجلي الإلهي على القلوب, والوجد لا تجلي فيه.

2- الوجد فيه فناء في بعض أحواله, بينما الذوق لم يذكروا فيه فناء.

3- الوجد فيه مشاهدة إلا أنها لا تدوم لأن فيها مهلكة العبد, بينما المشاهدة في الذوق مدعاة لطلب المزيد.

أنواع الوجد ودرجاته

1- التواجد: استدعاء الوجد كما قال القشيري, واستجلابه بالذكر والتفكر كما قال السهروردي, وظهور ما يجد في باطنه على ظاهره كما ذكر الكلاباذي. (6)

فالتواجد أمر سابق على الوجد, وهو محاولة اصطناع الوجد, إما عن طريق الذكر أو التفكر, وسماه الغزالي بالوجد المتكلف, وجعله قسيما للوجد الهاجم. (7)

وأحيانا ما تطلق كتب التصوف لفظ التواجد على غير معناه الاصطلاحي السابق, بل قد يطلقونه على الأثر الذي يحدثه السماع, من الحركة والاضطراب والرقص والغشي والصعق وتمزيق الثياب ونحو ذلك. (8)

2- الوجد: وهو وسط بين التواجد والوجود, قال القشيري: "فالتواجد بداية والوجود نهاية, والوجد واسطة بين البداية والنهاية". (9)

وقد قسم الصوفية الوجد إلى وجد متعلق بالأحوال, وهو لكل سائر إلى الله كل بحسب حاله مع الله, ووجد متعلق بالمكاشفات والمشاهدات, والأخير له ارتباط بالفناء الصوفي, وقد خصه الغزالي بالصديقين الذين جاوزا الأحوال والمقامات وبلغوا مقام الفناء. (10)

وهل يُملك الوجد أم لا؟ اختلف الصوفية, فاختار ابن عربي عدم القدرة على ملك الوجد فقال: "وعندنا أن الوجد لا يملك" (11), وذهب الغزالي إلى إمكانية تملكه, مفرقا بين الوارد إن كان قويا أم ضعيفا, وصاحب الوجد حسب قدرته على ضبط جوارحه من عدمه, ويفهم من كلامه أن الوجد الذي يملك أتم وأكمل وصاحبه كذلك. (12)

3- الوجود: هو آخر مراتب ودرجات الوجد, قال القشيري: " ... وأما الوجود فهو بعد الارتقاء عن الوجد, ولا يكون وجود الحق إلا بعد خمود البشرية, لأنه لا يكون للبشرية بقاء عند ظهور سلطان الحقيقة". (13)

ومن خلال أقوال الصوفية في الوجود يمكن استخلاص الفرق بينه وبين الوجد بأمور هي:

· كل وجود وجد ولا عكس فالوجود أخص من الوجد.

· الوجود معناه مشاهدة الحق "الله" في أثناء الوجد, أما الوجد فقد يحصل فيه ذلك أو لا.

· الوجود يكون عند الفناء عن الفناء, والوجد يكون عند الفناء.

· الوجود يدوم بدوام الشهود, والوجد لا يطيق صاحبه البقاء تحت سطوات المشاهدة, فتكون له كالبرق الخاطف.

وسائل الوجد وطرق استدعائه

الطريقة الأبرز لاستدعاء الوجد السماع: وهو من أقوى مثيرات الوجد وبواعثه, ولذلك قيل: الوجد عبارة عما يوجد عند السماع . (14), ويتنوع هذا السماع, فقد يحدث الوجد من سماع كلام منثور – ليس بقرآن أو حديث – غير منظوم, وقد يحدث الوجد من سماع القرآن, وقد يحدث من سماع الأشعار المطربة الملحنة, إلا أن المقصود بالسماع الصوفي عند الإطلاق هو السماع المقيد بالنغم. (15)

وتقوم فلسفة السماع عند الصوفية على أساس أثر الأصوات والألحان والأنغام العميق على الروح والقلب والبدان, قال الغزالي: ومعرفة السبب في تأثر الأرواح بالأصوات من دقائق علوم المكاشفات. (16)

ونجد عند الصوفية تعليلات فلسفية لسر الحركة والاضطراب عند السماع , فنقل الكلاباذي عن أبي القاسم البغدادي – في تعليل ذلك الاضطراب – أن حظ الروح وقوته: هو النغم, فإذا ظفر الروح بقوته أشرف على مقامه, وأعرض عن تدبير الجسم, فظهر – عند ذلك – من المستمع الاضطراب والحركة. (17)

والناس أقسام في السماع فهناك:

· السمع بالطبع: وهذا نوع يشترك فيه الخواص مع العوام, لأن كل ذي روح طيب يستطيب الصوت الطيب كما يقولون. (18), ويرى الغزالي هذا النوع – مع كونه مباحا – أخس وأدنى درجات السماع, لأنه لا حظ له من سامعه إلا مجرد استلذاذ النغم من غير فهم المعاني, وهو أمر تشترك فيه البهائم, وأما من يفهم المعاني وينزله لغرض رديء دنيء كالساب الثائر الشهوة فهي درجة أدنى من سابقتها .

· السماع بالحال: ومعناه أن ينزل المريد ما يسمعه من الكلام على أحوال نفسه في معاملته مع الله تعالى, فإذا سمع ذكر عتاب أو وصل أو هجر أو تأسف على فائت ... أنزله على حسب حاله مع الله, واعتبر الغزالي هذا النوع من وسائل تصحيح سلوك المريدين أثناء سيرهم إلى الله تعالى. (19)

· سماع الفقراء المجردين: الذين قطعوا العلائق ولم تتلوث قلوبهم بمحبة الدنيا, والاشتغال بالجمع والمنع, فهم يسمعون بطيبة قلوبهم ويليق بهم السماع, وهم أقرب الناس إلى السلامة وأسلمهم من الفتنة.

· السماع بالحق: وهو سماع من جاوزوا الأحوال والمقامات, فكان سماعهم بالله ولله ومن الله, فهؤلاء هم الذين وصلوا إلى الحقائق, وعبروا الأحوال, وفنوا عن الأقوال والأفعال ......وهذه هي حالة الفناء التي يفنى فيها السامع عما سوى الله تعالى. (20).

أدلة الصوفية على الوجد والرد عليها

استدل الصوفية على التواجد بحديث: (ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا ) رواه ابن ماجه برقم 1337 وضعف إسناده الأرناؤوط, كما استدلوا بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قصة أسرى بدر: (لما دخل على رسول الله صلى اله عليه وسلم – وأبي بكر رضي الله عنه – فوجدهما يبكيان فقال: "يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك ؟ فإن وجدت بكاء بكيت , وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما) صحيح مسلم بشرح النووي 12/86

قال السراج الطوسي: "فالتواجد من الوجد بمنزلة التباكي من البكاء .." (21)

وليس في الحديثين ما يدل على مشروعية التواجد الذي يفعله الصوفية عند حضور السماع, ناهيك عن كون الوجد الصوفي بدعة منكرة محرمة, والوسيلة إليها – وهي التواجد – حكمها حكمه.

ومن أدلتهم أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرئ عنده قول الله تعالى: {إن لدينا أنكالا وجحيما} المزمل/12 فصعق. البيهقي في الجامع لشعب الإيمان برقم 889 وغيره, وهو حديث ضعيف لا يستدل به.

واستدلوا على جواز الرقص والتواجد أثناء السماع بلعب الحبشة في المسجد, وعائشة رضي الله عنها تنظر إليها, ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسترها بردائه. صحيح البخاري برقم 454, وهو استدلال باطل بسبب القياس الباطل, فما يفعله أهل السماع المحدث يختلف تماما عن لعب الحبشة الوارد في الحديث, وقد رد أبو العباس القرطبي رحمه الله على هذا الاستدلال الباطل بقوله: "هذا الحديث لا يتناول محل النزاع, فإن ذلك لم يكن من الحبشة رقصا على غناء ... وإنما كان لعبا بالسلاح, وتأهبا للكفاح ... فأين أفعال المخانيث والمجان, من أفعال الأبطال والشجعان" (22)

واستدلوا على جواز إنشاد الشعر بالدف – كما يفعله أهل السماع – بما ورد أن جارتين كانتا تضربان بالدف وتغنيان وعائشة رضي الله عنها معهن, وكان ذلك بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر من ذلك شيئا. البخاري برقم 949, وهو استدلال لا يصح من وجوه أهمها:

· أن الجويريتين صغيرتان دون البلوغ غير مكلفتين, وتغنيان بشعر العرب بما فيه من الشجاعة ومكارم الأخلاق, في بيت السيدة عائشة رضي الله عنها.

· قد سماه أبو بكر مزمار الشيطان ولم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم, فكيف يجعل قربة وطاعة لله تتنزل به الأحوال الإيمانية.

· هذا الأمر مرخص للنساء والصبيان في وقت خاص, فلا يجعل الخاص عاما.

· القياس على فعل الجاريتين بما تفعله الصوفية في حلقات السماع قياس فاسد.

وهناك الكثير من الأدلة التي أوردها الصوفية لم نأت على ذكرها, لكونها أحاديث باطلة أو موضوعة, ولا داعي لذكر مثل هذه الأدلة فضلا عن الرد عليها أو مناقشتها.

حقيقة وحكم الوجد عند أهل السنة

السماع الشرعي عند أهل السنة: هو سماع القرآن الكريم, قال ابن تيمية: "الله سبحانه شرع للأمة ما أغناهم به عما لم يشرعه ..., وهو سماع القرآن, الذي شرعه لهم في الصلاة التي هي عماد الدين, وفي غير الصلاة مجتمعين و منفردين" (23)

والوجد الشرعي عند أهل السنة: هو الوجد الناجم عن سماع القرآن الكريم, وقد أفاض شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان أقسام الناس في الوجد الشرعي عند سماع القرآن الكريم, وذكر أنهم على ثلاثة أحوال:

1- حال النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام: والوجد الحاصل لهم من سماع القرآن إما: وجل القلوب كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} الأنفال/2, وإما اقشعرار الجلواد المذكور في قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} الزمر/23, أو البكاء ودموع العيون المذكور في قوله تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} مريم/58

2- الظالم لنفسه: وهو القاسي القلب لا يلين لسماع القرآن والذكر, فهؤلاء فيهم شبه من اليهود, قال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} الحديد/16

3- حال المؤمن التقي: الذي ضعف عن حمل ما يرد على قلبه, فهذا الذي يصعق صعق موت أو صعق غشي, وذلك يكون لقوة الوارد وضعف القلب عن حمله, ومثل هذا قد يحدث في غير سماع القرآن من الأمور الدنيوية, فإن كانت أسبابها مشروعة وصاحبها صادقا, عاجزا عن دفعها, كان محمودا. (24)

وإذا كان هذا هو الوجد الشرعي, فإن كل وجد يخالفه هو نقص, هذا ما لو كان الوجد النافص – الذي هو الصعق بالموت أو الغشي ونحو ذلك – سببه السماع الشرعي الذي أمرنا بالاستماع إليه, فكيف إذا انضم إلى الصعق والاضطراب الأسباب المحرمة, كسماع الآلات والأشعار الفاجرة الماجنة, كما هو شأن أهل السماع البدعي.

وأما حكم الوجد

فهو عند أهل السنة محكوم عليه وليس حاكما, فلا اعتداد بالوجد إن خالف الكتاب أو السنة, كما أن الوجد لا يحتكم إليه ولا يعول عليه لعدم الدليل على ذلك, فقد أمرنا الله عند التنازع بالرجوع إلى الكتاب والسنة, قال تعالى: {....فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} النساء/59

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "... فمن عارض كتاب الله تعالى وجادل فيه بما يسميه: معقولات وبراهين, أو ما يسميه: مكاشفات ومواجيد وأذواق, من غير أن يأتي بما يقوله بكتاب منزل, فقد جادل في آيات الله بغير سلطان" (25)

ــــــــــــــــــــ

الفهارس

(1) طبقات الصوفية 202

(2) التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي ص134

(3) اللمع في التصوف عبد الله بن علي الطوسي 302

(4) التعرف 302

(5) إحياء علوم الدين 2/268

(6) الرسالة القشيرية 34 و التعرف134 وعوارف المعارف 5/253

(7) إحياء علوم الدين 2/270

(8) اللمع 290 وإحياء علوم الدين 2/265

(9) الرسالة القشيرية 34

(10) إحياء علوم الدين 2/266

(11) الفتوحات المكية 2/537

(12) إحياء علوم الدين 2/277

(13) الرسالة القسشيرية 34

(14) إحياء علوم الدين 2/267

(15) إحياء علوم الدين 2/258- 267 و اللمع 282 والفتوحات المكية 2/367

(16) إحياء علوم الدين 2/256

(17) التعرف 191

(18) اللمع 278

(19) إحياء علوم الدين 2/263

(20) إحياء علوم الدين 2/266 واللمع 279

(21) اللمع 303

(22) كشاف القناع 145

(23) الاستقامة 1/302

(24) مجموع الفتاوى 11/ 8-13

(25) الاستقامة 1/22
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــ

عبدالناصر محمود
05-25-2015, 06:34 AM
حد الإيمان عند فرق المرجئة
ــــــــــــــ

(رمضان الغنام)
ـــــــ

7 / 8 / 1436 هــ
25 / 5 / 2015 م
ـــــــــــ


http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/4012.jpg

عن المعنى اللغوي للإرجاء قال الشهرستاني: «الإرجاء على معنيين: أحدهما: بمعنى التأخير، كما في قوله تعالى: (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ)([1]) أي أمهله وأخره، والثاني: إعطاء الرجاء، أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح؛ لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والعقد، وأما بالمعنى الثاني فظاهر، فإنهم كانوا يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة» ([2]).

ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن الصحيح هو أن اسم المرجئة مأخوذ من الإرجاء، لكنه يشارك الرجاء في الاشتقاق الأكبر([3]).

والمراد بالإرجاء في الاصطلاح العقدي هو: القول بإخراج أعمال الجوارح من الإيمان، وعدم الزيادة فيه أو النقصان. والمرجئة بعد ذلك مختلفة فيما تبقى غير الأعمال، فمنهم من يقول: الإيمان المعرفة بالله، ومنهم من يقول: التصديق فقط، ومنهم من يقول: النطق باللسان فقط، ومنهم من يقول: أعمال القلب جميعها، ومنهم من يقول: الإيمان اعتقاد القلب ونطق اللسان فقط.

وخلال هذا المقال سأسعى إلى تفصيل القول في هذه الاعتقادات، ببيان حد الإيمان عند كل فرقة من الفرق التي تلبست بهذا المعتقد الباطل.

1-الإيمان : المعرفة بالله فقط .

وهو قول الجهمية أتباع الجهم بن صفوان والجعد بن درهم، ومن شايعهم.

قال وكيع بن الجراح- رحمه الله-: «أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل، والمرجئة يقولون: الإيمان قول، والجهمية يقولون: الإيمان المعرفة»([4]).

وعن حمدان بن علي الوراق، قال سألت أحمد- وذُكر عنده المرجئة- فقلت له: إنهم يقولون: إذا عرف الرجل ربه بقلبه فهو مؤمن، فقال: المرجئة لا تقول هذا بل الجهمية تقول بهذا([5]).

و قالت به أيضا الصالحية أتباع صالح بن عمر الصالحي، فالجهمية والصالحية، كلاهما يقول: أن الإيمان هو معرفة الله، والكفر الجهل به([6]).

2- الإيمان: التصديق فقط:

وهو قول الأشاعرة، والماتريدية، فهو القول الأول لأبي الحسن الأشعري، ووافقه عليه جمهور الأشاعرة، كالباقلاني، والجويني وغيرهما، وهو أن الإيمان مجرد تصديق القلب ومعرفته، ويختلف تعبير الأشاعرة هنا، فتارة يقولون المعرفة كقول جهم، وتارة يقولون التصديق([7]).

أما القول الثاني لأبي الحسن الأشعري: أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، ذكره في المقالات، ضمن مقالة أصحاب الحديث وأهل السنة، وقال: أنه بكل ما قالوه يقول([8]).

وقال به أيضا النجارية، قال النجار في الإيمان: «إنه عبارة عن التصديق، ومن ارتكب كبيرة ومات عليها من غير توبة عوقب على ذلك، ويجب أن يخرج من النار، فليس من العدل التسوية بينه وبين الكفار في الخلود»([9]).

3- الإيمان: النطق باللسان فقط.

وهو قول الكرَّامية، أتباع ابن كرام السجستاني، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض الرد عليهم: «قولهم في الإيمان قول منكر، لم يسبقهم إليه أحد، حيث جعلوا الإيمان قول اللسان، وإن كان مع عدم تصديق القلب، فيجعلون المنافق مؤمناً، لكنه يخلد في النار، فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم»([10]).

4- الإيمان: أعمال القلب جميعها.

وهو قول اليونسية، والشمرية، والغيلانية، وهم الذين لا يشترطون في الإيمان سوى أعمال القلوب من محبة وخوف ورجاء وترك الاستكبار عليه..الخ.

قال الشهرستاني في كلامه عن اليونسية: أصحاب يونس بن عون النميري، زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله، والخضوع له، وترك الاستكبار عليه، والمحبة بالقلب، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن، وما سوى ذلك من الطاعة فليس من الإيمان([11]).

5- الإيمان: اعتقاد القلب ونطق اللسان فقط.

وهم مرجئة الفقهاء الحنفية، أتباع الإمام أبي حنيفة– رحمه الله- وهم أقرب مذاهب المرجئة إلى أهل السنة.

يقول الدكتور غالب عواجي: «على أن في نسبة الإرجاء إلى أبى حنيفة من الخلاف الكثير بين العلماء ما لا يخفى، هل كان أبو حنيفة من المرجئة كما وصفه كتاب المقالات والفرق، أم كان ضد الإرجاء كما يصفه المدافعون عنه؛ لأن الإرجاء يتميز بالتساهل في الأعمال وتأخيرها من منزلة الإيمان، وأبو حنيفة رحمة الله تعالى بلغ حداً كبيراً في الاهتمام بالفروع، مما يدل على أنه يهتم بالعمل، وهذا عكس الإرجاء، فكيف يوصف بالإرجاء حسب هذا الدفاع عنه!! وأما ما جاء في الكتاب المنسوب إليه الفقه الأكبر، من عبارات تدل دلالة واضحة على إرجائه- فقد شكك هؤلاء المدافعون عنه في صحة نسبة هذا الكتاب إليه، بل كذبوا نسبته إليه...»

ثم قال الدكتور عواجي: «والواقع أن النقول بإرجاء أبي حنيفة كثيرة، وعلماء الفرق أغلبهم يقر نسبة الإرجاء إليه بالمعنى الذي قدمنا ذكره([12]). وهذا هو الثابت، ولا يقال: إن أبا حنيفة كان من غلاة المرجئة كالجهمية مثلاً، وذلك لموافقته أهل السنة والاعتقاد السليم في جوانب كثيرة في باب الإيمان وإن خالفهم فيما ذكر»([13]).

6- الإيمان: الإقرار بالأئمة وحبهم:

وهو قول الرافضة، الشيعة الإثنى عشر، قال الأشعري: «جمهور الرافضة يزعمون أن الإيمان هو الإقرار بالله، وبرسوله، وبالإمام، وبجميع ما جاء من عندهم، فأما المعرفة بذلك فضرورة عندهم، فإذا أقر وعرف، فهو مؤمن مسلم، وإذا أقر ولم يعرف فهو مسلم، وليس بمؤمن»([14]).

وبهذا أدخلوا الإيمان بالأئمة الإثنى عشر في مسمى الإيمان، وعليه فمن لم يعرف الأئمة ويؤمن بالله فليس بمؤمن. وقد أقر كبار علمائهم بأن معرفة الأئمة كافية، لإدخال الرجل في الإيمان وإخراجه من دائرة الكفر.

يقول الدكتور ناصر القفاري: «ولهذا عقد صاحب الكافي بابًا بعنوان: "باب أن الإيمان لا يضر معه سيئة، والكفر لا ينفع معه حسنة"، وذكر فيه ستة أحاديث منها قول أبي عبد الله: (الإيمان لا يضر معه عمل، وكذلك الكفر لا ينفع معه عمل)، والإيمان حسب مصطلحهم هو حب الأئمة أو معرفتهم»([15]).

هذا هو المعنى المقصود من كلمة إرجاء عند مختلف الفرق الإسلامية، وهذا ما أقره الشهرستاني وغيره من علماء الفرق والمذاهب.

وللإرجاء معان أخري أشار إليها العلماء، وهي:

- قالوا إن الإرجاء أطلق على كل من أخر علي رضي الله عنه من الدرجة الأولى إلى الدرجة الرابعة في مسألة التفضيل بينه وبين الخلفاء الراشدين: أبو بكر، وعمر، وعثمان([16]).

وهذا ما رمى به الشيعة خصومهم، ممن يقدمون العمرين على عليّ- رضي الله علي الجميع-.

وهم «يعنون بالمرجئة أهل السنة، ولهذا تجد شيخهم المجلسي يشرح حديثهم الذي يقول: (اللهم العن المرجئة فهم أعداؤنا في الدنيا والآخرة)، ويرجح أن المراد بالإرجاء في هذا النص تأخير عليّ عن الدرجة الأولى إلى الدرجة الرابعة»([17]).

- كما أطلق الإرجاء على كل من توقف في الحكم على الصحابة في الفتنه (علي، وعثمان، وطلحة والزبير)– رضي الله عنهم-، ولم يحكم عليهم وترك أمرهم لله.

وكان أول من أحدث هذا الحسن بن محمد بن الحنفية، فقد تكلم الناس في علي وعثمان وطلحة والزبير، فأكثروا والحسن ساكت ثم تكلم فقال: قد سمعت مقالتكم، ولم أر شيئا أمثل من أن يرجأ علي وعثمان وطلحة والزبير، فلا يتولوا، ولا يتبرأ منهم، فبلغ أباه محمد بن الحنفية ما قال فضربه بعصا فشجه وقال: لا تولي أباك عليا([18]).

ولكن الحسن رجع عما قاله، وندم عليه، فعن عطاء بن السائب عن زاذان وميسرة أنهما دخلا على الحسن بن محمد بن علي فلاماه على الكتاب الذي وضع في الإرجاء فقال لزاذان يا أبا عمر لوددت أني كنت مت ولم أكتبه([19]).

ولقد كان إرجاء الحسن هو النواة الأولى والبذرة التي خرج منها هذا المذهب الفاسد، الذي تطور وتحور فيما بعد. وقيل أن أول من قال بالإرجاء ذر بن عبد الله المذحجي، ثم تابعه غيلان الدمشقي، والجعد بن درهم. وقيل أنه الحسن كما ذكرنا آنفا- رغم أنه لم يعتقد بخروج الأعمال من الإيمان كما هو حال الباقين– وقيل أن أول من وضع الإرجاء هو أبو سلت السمان([20]).

وبهذا يتضح موقف المرجئة على اختلاف فرقها من مسألة الإيمان وحده عند كل فرقة من فرقها، مما ترتب عليه كثير من الانحرافات العقدية والسلوكية.

ــــــــــــ

([1]) سورة الأعراف، الآية: (١١١)، سورة الشعراء، الآية: (٣٦).

([2]) الملل والنحل للشهرستاني: (1/139)- تحقيق: محمد سيد كيلاني- دار المعرفة- بيروت- 1404هـ.

([3]) آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية، عرض ونقد- د. عبد الله السند: (ص:83).

([4]) الشريعة للآجري: (2/684)– تحقيق الدكتور: عبد الله الدميجي– دار الوطن– الرياض– د.ت.

([5]) السنة للخلال: (3/571)- تحقيق: د.عطية الزهراني- دار الراية- الرياض-ط1-1410هـ- 1989م.

([6]) الملل والنحل للشهرستاني: (1/44)؛ ومقالات الإسلاميين للأشعري: (1/132-133)- تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية– بيروت– 1411هـ،1990م.

([7]) موقف ابن تيمية من الأشاعرة - للدكتور عبد الرحمن بن صالح اللحود: (3/1351)– مكتبة الرشد الرياض– ط1- 1415هـ،1995م.

([8]) موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن اللحود: (3/1350).

([9]) الملل والنحل للشهرستاني: (1/87).

([10]) الفتاوى لابن تيمية: (3/103).

([11]) الملل والنحل للشهرستاني: (1/139).

([12]) وهو أن الإيمان عندهم: قول باللسان وتصديق بالقلب، وأن العاصي تحت المشيئة، وأنه لا يخرج من الإيمان، وخالفوا أهل السنة في عدم إدخال العمل في الإيمان، وفي أن الإيمان يزيد وينقص.

([13]) فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام، وبيان موقف الإسلام منها–د. غالب بن علي عواجي: (2/930)-دار لينه للنشر والتوزيع– دمنهور– مصر– ط3 - 1418م ،1997م.

([14]) مقالات الإسلاميين للأشعري: (1/127).

([15]) أصول مذهب الشعية الإمامية الإثني عشرية عرض ونقد- د: ناصر القفاري :( 2/575).

([16]) الملل والنحل للشهرستاني: (1/138).

([17]) أصول مذهب الشعية الإمامية الإثني عشرية عرض ونقد – للدكتورناصر بن عبد الله بن علي القفاري: (2/745).

([18]) تهذيب الكمال للمزي: (6/321-322).

([19]) المرجع السابق: (6/322).

([20]) ينظر: الموسوعة الميسر في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة لمانع الجهني وآخرين: (2/1144).
------------------------------

عبدالناصر محمود
05-31-2015, 06:30 AM
موقف المعتزلة من الحياة البرزخية*
ـــــــــــــــــ

13 / 8 / 1436 هــ
31 / 5 / 2015 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8495.jpg

تعتبر الحياة البرزخية من الأمور العقائدية الغيبية, حيث تعتبر جزءا من الإيمان باليوم الآخر الذي هو ركن من أركان الإيمان, ومن المعلوم عند أهل السنة والجماعة أنه لا مجال لإعمال العقل في المسائل الغيبية, وإنما الاعتماد في الإيمان بهذا الأمر - وغيره من الغيبيات - على النص والخبر الصادق.

وأمام هذا الموقف الواضح لأهل السنة والجماعة من مسألة الإيمان بالحياة البرزخية, وما جاء بخصوصها من نصوص صحيحة, يتساءل المسلم عن موقف المعتزلة من هذه المسألة؟؟ وهم الذين يقدمون العقل على النص في كثير من المسائل, ويجعلون من العقل أصلا مقدما في فهم وتقرير أمور ومسائل العقيدة الإسلامية.

التعريف بالمعتزلة
----------

فرقة إسلامية نشأت في أواخر العصر الأموي وازدهرت في العصر العباسي، وقد اعتمدت على العقل المجرد في فهم العقيدة الإسلامية لتأثرها ببعض الفلسفات المستوردة, مما أدى إلى انحرافها عن عقيدة أهل السنة والجماعة.

وقد أطلق عليها أسماء مختلفة منها: المعتزلة والقدرية والعدلية وأهل العدل والتوحيد والمقتصدة والوعيدية.

نشأة المعتزلة
---------

الحقيقة أن نشأة الاعتزال كان ثمرة تطور تاريخي لمبادئ فكرية وعقدية وليدة النظر العقلي المجرد في النصوص الدينية, وقد نتج ذلك عن التأثر بالفلسفة اليونانية والهندية والعقائد اليهودية والنصرانية, فقبل بروز المعتزلة كفرقة فكرية على يد واصل بن عطاء، كان هناك جدل ديني فكري بدأ بمقولات جدلية كانت هي الأسس الأولى للفكر المعتزلي, ومن أهم هذه المقولات:

مقولة معبد الجهني بأن الإنسان حر مختار بشكل مطلق وهو الذي يخلق أفعاله بنفسه, ومقولة خلق القرآن التي قال بها الجهم بن صفوان, بالإضافة لمقولة نفي الصفات التي قال بها الجعد بن درهم.

برزت المعتزلة كفرقة فكرية على يد واصل بن عطاء الغزال (80 ـ 131هـ) الذي كان تلميذا للحسن البصري، ثم اعتزل حلقة الحسن بعد قوله بأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين (أي ليس مؤمناً ولا كافراً), وأنه مخلد في النار إذا لم يتب قبل الموت.

أبرز أفكار المعتزلة
--------------

1- القول بأن الإنسان مختار بشكل مطلق في كل ما يفعل، فهو يخلق أفعاله بنفسه، ولذلك كان التكليف.

2- القول بأن مرتكب الكبيرة ليس مؤمناً ولا كافراً ولكنه فاسق فهو "بمنزلة بين المنزلتين", هذه حاله في الدنيا, أما في الآخرة فهو لا يدخل الجنة لأنه لم يعمل بعمل أهل الجنة, بل هو خالد مخلد في النار، ولا مانع عندهم من تسميته مسلماً باعتباره يظهر الإسلام وينطق بالشهادتين ولكنه لا يسمى مؤمنا.

3- القول بالأصول الخمسة وهي: التوحيد والعدل والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

موقف المعتزلة من الحياة البرزخية
-------------------

اشتهر بين الفرق أن المعتزلة ينكرون عذاب القبر ونعيمه على الإطلاق, وهذا ما نقله كثير من العلماء منهم الإمام أبو الحسن الأشعري حيث يقول: "واختلفوا في عذاب القبر فمنهم من نفاه وهم المعتزلة والخوارج" (1), وكذلك الآمدي الذي قال: "وقد اتفق سلف الأمة قبل ظهور الخلاف وأكثرهم بعد ظهوره على إثبات إحياء الموتى في قبورهم, ومسألة الملكين لهم, وتسمية أحدهما منكرا والآخر نكيرا, وعلى إثبات عذاب القبر للمجرمين والكافرين .... إلى أن قال: وذهب ضرار بن عمرو وبشر المريسي وأكثر المتأخرين من المعتزلة إلى إنكار ذلك كله" (2)

إلا أن ابن حزم ذهب مذهبا يخالف الأشعري والآمدي, حيث يرى أن المعتزلة تثبت عذاب القبر إلا "ضرار بن عمرو" أحد شيوخ المعتزلة فيقول: "ذهب ضرار بن عمرو والغطفاني أحد شيوخ المعتزلة إلى إنكار عذاب القبر, وذهب أهل السنة وبشر بن المعتمر والجبائي وسائر المعتزلة إلى القول به" (3)

كما أن ابن حجر يرى أن أكثر المعتزلة على إثبات الحياة البرزخية, وفي ذلك يقول: "خلافا لمن نفاه مطلقا – أي عذاب القبر ونعيمه – من الخوارج وبعض المعتزلة كضرار بن عمرو و بشر المريسي ومن وافقهما, وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة وجميع أهل السنة وغيرهم, وأكثروا من الاحتجاج به" (4)

وقد عقد القاضي عبد الجبار المعتزلي فصلا كاملا في كتابه "شرح الأصول الخمسة" يؤكد فيه ذلك فيقول: "فصل في عذاب القبر: وجملة ذلك أنه لا خلاف فيه بين الأمة إلا شيء يحكى عن ضرار بن عمرو – وكان من أصحاب المعتزلة ثم التحق بالمجبرة – ولهذا ترى ابن الراوندي يشنع علينا ويقول: إن المعتزلة ينكرون عذاب القبر ولا يقرون به" (5)

كما أورد القاضي في كتابه "فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة" ما يرد على نسبة نفي الإيمان بعذاب القبر ونعيمه مطلقا للمعتزلة, معتبرا أنها دعوى للتشنيع عليهم فحسب, فيقول: "فصل: في تشنيعهم علينا بذكر عذاب القبر وغيره مما قد أطقت عليه الأمة وظهرت فيه الآثار, قيل له: إن هذا الأمر إنما أنكره أولا ضرار بن عمرو, ولما كان من أصحاب واصل, فظنوا أن ذلك مما أنكرته المعتزلة, وليس الأمر كذلك, بل المعتزلة رجلان: رجل يجوز ذلك كما وردت به الأخبار, والثاني يقطع على ذلك, وأكثر أصحابنا يقطعون على ذلك لظهور الأخبار" (6)

ثبوت عذاب القبر عند المعتزلة
-----------------

ذكر القاضي عبد الجبار الأدلة على ثبوت عذاب القبر من القرآن الكريم فقال: "وأما ثبوته فالذي يدل عليه قوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا} نوح/25, فالفاء للتعقيب, وإدخال النار لا وجه له إلا التعذيب, ويدل عليه أيضا قول الله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} غافر/46, ووجه دلالته على عذاب القبر ظاهر, غير أنه يختص بآل فرعون ولا يعم جميع الكافرين.

ويرد على تخصيص المعتزلة للآية على آل فرعون وعدم شمولها جميع الكفار أمور أهمها:

1- احتجاج أهل العلم بهذه الآية على عذاب القبر, حتى إن ابن كثير قال: "هذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور" (7)

2- حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي, إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة, وإن كان من أهل النار فمن أهل النار, وقالوا هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة. وهذا في معنى الآية . صحيح البخاري برقم 1313 .

3- فهم الصحابة و التابعون عدم الخصوصية في الآية, ولذلك جعلوها مستندا لهم في إثبات عذاب القبر. (8)

ومن الأدلة العامة التي أثبت بها القاضي عبد الجبار عذاب القبر قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} غافر/11, ولا تكون الإماتة والإحياء مرتين إلا وفي إحدى المرتين إما التعذيب في القبر أو التبشير. (9)

كما ذكر القاضي أدلة للمعتزلة على ثبوت عذاب القبر في السنة النبوية فقال: "ومما يدل على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر بقبرين فقال: (إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا) صحيح البخاري برقم 218

وقد أثبت الزمخشري أيضا عذاب القبر ونعيمه, مستدلا على ذلك بنصوص كثيرة من القرآن الكريم في كتابه "الكشاف".

كيفية عذاب القبر عند المعتزلة
------------------

تحدث القاضي عبد الجبار عن كيفية عذاب القبر, وأثبت بالعقل ثبوت الحياة لهم, وأن الإحياء في القبر ضروري حتى يصح التعذيب - حسب رأي المعتزلة - فقال: "وأما الكلام في كيفية ثبوته – أي عذاب القبر – فاعلم أن الله تعالى إذا أراد تعذيبهم فإنه لا بد من أن يحييهم لأن تعذيب الجماد محال لا يتصور"

ثم مما أثبته بالعقل أيضا ثبوت العقل لهم حتى لا يعتقد المعذب أنه مظلوم فقال: "كما لا بد من الإحياء ليصح التعذيب, فلا بد أن يخلق الله فيهم العقل ليحسن التعذيب, وإلا اعتقد المعاقب المعذب انه مظالوم, ولهذا المعنى قلنا: إن آهل النار لا بد من أن يكونوا عقلاء. هذا هو الذي نعلمه من جهة العقل" (10)

ولا شك أن إثبات القاضي عبد الجبار هذه الأمور الغيبية بالعقل يخالف مذهب أهل السنة والجماعة, التي لا ترى للعقل مكان في الغيبيات, وأن النص هو المعتبر والمعتمد فقط في مسائل الغيبيات.

كما تناول القاضي مسألة من يقوم بالتعذيب في القبر وكيفيته, ولم ينكر قيام الملكان بذلك "منكر ونكير" مشيرا إلى هذه الأمور مما لا يمكن للعقل أن يهتدي إليها, وأن طريقه الوحيد هو السمع.

كما جوز القاضي أن يكون المعذب هو الله جل جلاله أو أن يكون غيره, لأن الدلائل دلت على العذاب فلا بد من معذب, وما دام السمع قد ورد بأن الله يكل هذا الأمر لملكين يسمى أحدهما "منكر" والآخر "نكير" فالمآل إليه.

كما أشار القاضي بأن تسمية الملكين "منكر ونكير" لا يستلزم وصفهما بما لا يليق, بل هذا جاء على سنن العرب في تسميتهم لأبنائهم وأعزتهم بصخر وكلب ونحو ذلك, من غير أن يفيد مدحا ولا ذما. (11)

وقت عذاب القبر عند المعتزلة
----------------

ذكر القاضي عبد الجبار أنه لا طريق لتعيين وقته لأنه أمر غيبي يتوقف على النقل, ثم ناقض قوله الأول و بين أنه جائز أن يكون بين النفختين دون دليل, وهو ما أكده بقوله: "وأما الوقت الذي يثبت فيه التعذيب - وتعيين ذلك فيما لا طريق إليه بالعقل - فمن الجائز أن يكون بين النفختين على ما جاء في قول الله تعالى: {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} المؤمنون /100-101, والبرزخ في اللغة إنما هو الأمر الهائل العظيم ولا معنى له إلا العذاب" (12)

فائدة عذاب القبر عند المعتزلة
---------------

ذكر القاضي عبد الجبار فائدة عذاب القبر وإثباته بأن فيه مصلحة للمكلف من حيث أنه إذا علم بأن ثم عذاب في القبر ثم بعده عذاب في جهنم - والعياذ بالله – إن هو أقدم على ارتكاب السيئات وأخل بفعل الواجبات, وقد قال في ذلك: "وأما فائدة عذاب القبر وكونه مصلحة للمكلفين, فإنهم متى علموا أنهم إن أقدموا على المقبحات وأخلوا بالواجبات عذبوا في القبور ثم بعد ذلك في النار, كان ذلك صارفا لهم عن القبائح داعيا إلى الواجبات" (13)

ثم وضح أن في عذاب القبر لطفا للمعذب وللملك الموكل به, وما كان هذا شأنه فلا بد أن يفعله الله تعالى - بناء على أصلهم الفاسد بوجوب اللطف على الله تعالى - فقال: "وما هذا سبيله وكان في مقدور الله تعالى فلا بد أن يفعله , وكما يكون العلم باستحقاق ذلك داعيا ولطفا للمعذب , فإن تعذيبه يكون لطفا للملك الموكل إليه ذلك , فهذه فائدته" (14)

ومسألة إيجاب اللطف الإلهي على الله مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة أيضا, فعلى الرغم من إثبات أهل السنة اللطف من الله تعالى لمن شاء من خلقه, لكنهم لا يعتبرونه واجبا كما ترى المعتزلة, بل هو تفضل من الله تعالى, وهو ما يسمى بالتوفيق إلى فعل الخير واجتناب الشر.

وختاما يمكن القول: إن المعتزلة عموما لا ينكرون عذاب القبر ونعيمه بل يقرونه ويثبتونه, ولكنهم يخالفون أهل السنة في بعض تفصيلات هذا الإيمان ومستنده كما هو مبين فيما سبق, وأن ما أشيع عنهم من نفي عذاب القبر مطلقا لا يصح نسبته إليهم, وما ذاك إلا إحقاقا للحق وتبيانا للحقيقة, وقد ثبت في كتبهم الإقرار بعذاب القبر ونعيمه, قال الصنعاني: "الذي في كتب المعتزلة الإقرار بثبوت عذاب القبر وسؤال الملكين .... " (15)

ـــــــــــــــــ

الفهارس

(1) مقالات الإسلاميين 430

(2) أبكار الأفكار 4/332

(3) الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/117

(4) فتح الباري 3/298

(5) شرح الأصول الخمسة 730

(6) فصل الاعتزال وطبقات المعتزلة" للقاضي عبد الجبار ص201

(7) تفسير ابن كثير 7/146

(8) الدر المنثور للسيوطي 5/659

(9) شرح الأصول الخمسة 730

(10) المرجع السابق 731-732

(11) المرجع السابق 734-735

(12) المرجع السابق 732

(13) المرجع السابق732-733

(14) ترى المعتزلة أن الله خلق الإنسان وكلفه , ومنحه القدرة التامة على العمل , ولكن هذا لا يعني أن الله تركه دون معونة وتوفيق , بل أوضح المعتزلة العلاقة بين عناية الله وقدرة الإنسان بما أسموه "اللطف الإلهي" , ومعناه حسب ما قاله القاضي عبد الجبار "اعلم أن اللطف هو كل ما يختار عنده المرء الواجب ويتجنب القبيح , أو ما يكون عنده أقرب إما إلى الاختيار أو إلى ترك القبيح" شرح الأصول الخمسة 519

(15) شرح المقاصد 5/113

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
11-21-2015, 08:58 AM
الماتريدية ومراحلها، وبعض عقائدها وأفكارها، وبعض ما وافقوا وخالفوا فيه أهل السنة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(عبد العزيز الناصر)
ـــــــــــ


9 / 2 / 1437 هــ
21 / 11 / 2015 م
ـــــــــــ



من الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة .
- الندوة العالمية للشباب الإسلامي
- إشراف وتخطيط ومراجعة: د. مانع بن حماد الجهني

الماتريدية
---------

1 - التعريف:
----------

الماتريدية: فرقة كلامية (بدعية)، تُنسب إلى أبي منصور الماتريدي، قامت على استخدام البراهين والدلائل العقلية والكلامية في محاججة خصومها، من المعتزلة والجهمية وغيرهم، لإثبات حقائق الدين والعقيدة الإسلامية

2- التأسيس وأبرز الشخصيات:
مرت الماتريدية كفرقة كلامية بعدة مراحل، ولم تُعرف بهذا الاسم إلا بعد وفاة مؤسسها، كما لم تعرف الأشعرية وتنتشر إلا بعد وفاة أبي الحسن الأشعري، ولذلك فإنه يمكن إجمالها في أربع مراحل رئيسية كالتالي:
· مرحلة التأسيس: [333هـ] والتي اتسمت بشدة المناظرات مع المعتزلة، وصاحب هذه المرحلة:
ـ أبو منصور الماتريدي: [ 333هـ]: هو محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي، نسبة إلى (ماتريد) وهي محلة قرب سمرقند فيما وراء النهر، ولد بها ولا يعرف على وجه اليقين تاريخ مولده، بل لم يذكر من ترجم له كثيراً عن حياته، أو كيف نشأ وتعلم، أو بمن تأثر. ولم يذكروا من شيوخه إلا العدد القليل مثل: نصير بن يحيى البلخي، وقيل نصر وتلقى عنه علوم الفقه الحنفي وعلوم الكلام .
ـ أطلق عليه الماتريدية، ومن وافقهم عدة ألقاب تدل على قدره وعلو منزلته عندهم مثل: "إمام المهدى"، "إمام المتكلمين".
قال عبد الله المرائي في كتاب الفتح المبين في طبقات الأصوليين: "كان أبو منصور قوي الحجة، فحما في الخصومة، دافع عن عقائد المسلمين، ورد شبهات الملحدين.." (1 / 193، 194).
وقال عنه الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه رجال الفكر والدعوة "جهبذ من جهابذة الفكر الإنساني، امتاز بالذكاء والنبوغ وحذق الفنون العلمية المختلفة"(ص 139) بل كان يرجِّحه على أبي الحسن الأشعري في كتاب تاريخ الدعوة والعزيمة ( 1/114ـ115).
ـ عاصر أبا الحسن الأشعري، وعاش الملحمة بين أهل الحديث وأهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، فكانت له جولاته ضد المعتزلة وغيرهم، ولكن بمنهاج غير منهاج الأشعري، وإن التقيا في كثير من النتائج غير أن المصادر التاريخية لا تثبت لهما لقاء أو مراسلات بينهما، أو إطلاع على كتب بعضها.
ـ توفي عام 333هـ ودفن بسمرقند، وله مؤلفات كثيرة: في أصول الفقه والتفسير.
ومن أشهرها:
تأويلات أهل السنة أو تأويلات القرآن وفيه تناول نصوص القرآن الكريم، ولا سيما آيات الصفات، فأوَّلها تأويلات جهمية.
ومن أشهر كتبه في علم الكلام: "كتاب التوحيد" وفيه قرر نظرياته الكلامية، وبيَّن معتقده في أهم المسائل الاعتقادية، ويقصد بالتوحيد: توحيد الخالقية والربوبية، وشيء من توحيد الأسماء والصفات، ولكن على طريقة الجهمية بتعطيل كثير من الصفات بحجة التنزيه، ونفي التشبيه؛ مخالفاً طريقة السلف الصالح. كما ينسب إليه شرح كتاب الفقه الأكبر للإمام أبي حنيفة، وله في الردود على المعتزلة رد الأصول الخمسة وأيضاً في الرد على الروافض، رد كتاب الإمامة لبعض الروافض، وفي الرد على القرامطة الرد على فروع القرامطة.

· مرحلة التكوين: [ 333 - 500 هـ ]: وهي مرحلة تلامذة الماتريدي ومن تأثر به من بعده، وفيه أصبحت فرقة كلامية ظهرت أولاً في سمرقند، وعملت على نشر أفكار شيخهم وإمامهم، ودافعوا عنها، وصنفوا التصانيف متبعين مذهب الإمام أبي حنيفة في الفروع (الأحكام)، فراجت العقيدة الماتريدية في تلك البلاد أكثر من غيرها.
ومن أشهر أصحاب هذه المرحلة:
أبو القاسم إسحاق بن محمد بن إسماعيل الحكيم السمرقندي (342هـ)، عرف بأبي القاسم الحكيم؛ لكثرة حكمه ومواعظه، وأبو محمد عبد الكريم بن موسى بن عيسى البزدوي (390هـ).

· ثم تلى ذلك مرحلة أخرى تُعتبر امتداداً للمرحلة السابقة.

ومن أهم وأبرز شخصياتها:
----------------

ـ أبو اليسر البزدوي [421 - 493هـ]: هو محمد بن محمد بن الحسين ابن عبد الكريم، والبزدوي نسبة إلى بزدوة ويقال بزدة، ولقب بالقاضي الصدر، وهو شيخ الحنفية بعد أخيه الكبير علي البزودي، ولد عام (421هـ).
ـ تلقى العلم على يد أبيه، الذي أخذه عن جده عبد الكريم تلميذ أبي منصور الماتريدي، قرأ كتب الفلاسفة أمثال الكندي، وغيره، وكذلك كتب المعتزلة أمثال الجبائي، والكعبي، والنّظام، وغيرهم، وقال فيها: "لا يجوز إمساك تلك الكتب والنظر فيها؛ لكي لا تحدث الشكوك، وتوهن الاعتقاد"، ولا يرى نسبة الممسك إلى البدعة.
كما اطلع على كتب الأشعري، وتعمق فيها، وقال بجواز النظر فيها بعد معرفة أوجه الخطأ فيها، كما اطلع على كتابي التأويلات، والتوحيد للماتريدي فوجد في كتاب التوحيد قليل انغلاق وتطويل، وفي ترتيبه نوع تعسير، فعمد إلى إعادة ترتيبه وتبسيطه مع ذكر بعض الإضافات عليه في كتاب أصول الدين.
ـ أخذ عن الشيخ أبو اليسر البزدوي جمٌّ غفير من التلاميذ؛ ومن أشهرهم:
ولده القاضي أبو المعاني أحمد، ونجم الدين عمر بن محمد النسفي صاحب العقائد النسفية، وغيرهما.
ـ توفي في بخارى في التاسع من رجب سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة.

· مرحلة التأليف والتأصيل للعقيدة الماتريدية: [ 500-700 ]: وامتازت بكثرة التأليف وجمع الأدلة للعقيدة الماتريدية؛ ولذا فهي أكبر الأدوار السابقة في تأسيس العقيدة، ومن أهم أعيان هذه المرحلة:
ـ أبو المعين النسفي [438 - 508هـ]: وهو ميمون بن محمد بن معتمد النسفي المكحولي، والنسفي نسبة إلى نسف وهي مدينة كبيرة بين جيحون وسمرقند، والمكحولي نسبة إلى جده الأكبر، ولكن نسبته إلى بلده غلبت نسبته إلى جده، وله ألقاب عدة أشهرها: سيف الحق والدين.
ـ ويعد من أشهر علماء الماتريدية، إلا أن من ترجم له لم يذكر أحداً من شيوخه، أو كيفية تلقيه العلم.
يقول الدكتور فتح الله خليف: "ويعتبر الإمام ! أبو المعين النسفي من أكبر من قام بنصرة مذهب الماتريدي، وهو بين الماتريدية كالباقلاني والغزالي بين الأشاعرة، ومن أهم كتبه "تبصرة الأدلة" ، ويعد من أهم المراجع في معرفة عقيدة الماتريدية بعد كتاب "التوحيد" للماتريدي، بل هو أوسع مرجع في عقيدة الماتريدية على الإطلاق، وقد اختصره في كتابه التمهيد، وله أيضاً كتاب بحر الكلام، وهو من الكتب المختصرة التي تناول فيها أهم القضايا الكلامية".
ـ توفي في الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة ثمانٍ وخمسمائة، وله سبعون سنة.

ـ نجم الدين عمر النسفي [462 -537هـ]: هو أبو حفص نجم الدين عمر بن محمد ابن أحمد بن إسماعيل … بن لقمان الحنفي النسفي السمرقندي، وله ألقاب عدة أشهرها: نجم الدين، ولد في نسف سنة إحدى أو اثنتين وستين وأربعمائة.

ـ كان من المكثرين من الشيوخ، فقد بلغ عدد شيوخه خمسمائة رجلاً ومن أشهرهم: أبو اليسر البزدوي، وعبد الله بن علي بن عيسى النسفي. وأخذ عنه خلقٌ كثير، وله مؤلفات بلغت المائة، منها: مجمع العلوم، التيسير في تفسير القرآن، النجاح في شرح كتاب أخبار الصحاح في شرح البخاري وكتاب العقائد المشهورة بالعقائد النسفية، والذي يعد من أهم المتون في العقيدة الماتريدية وهو عبارة عن مختصر لتبصرة الأدلة لأبي المعين النسفي قال فيه السمعاني في ترجمة له: "كان إماماً فاضلاً متقناً، صنَّف في كل نوع من التفسير والحديث.. فلما وافيت سمرقند استعرت عدة كتب من تصانيفه، فرأيت فيها أوهاماً كثيرة خارجة عن الحد، فعرفت أنه كان ممن أحب الحديث، ولم يرزق فهمه".
ـ توفي بسمرقند ليلة الخميس ثاني عشر من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين وخمسمائة.

· مرحلة التوسع والانتشار: [700 - 1300هـ]: وتعد من أهم مراحل الماتريدية حيث بلغت أوجَ توسعها وانتشارها في هذه المرحلة؛ وما ذلك إلا لمناصرة سلاطين الدولة العثمانية، فكان سلطان الماتريدية يتسع حسب اتساع سلطان الدولة العثمانية، فانتشرت في: شرق الأرض، وغربها، وبلاد العرب، والعجم، والهند، والترك، وفارس، والروم.
وبرز فيها أمثال: الكمال بن الهمام صاحب المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة، والذي ما زال يدرَّس في بعض الجامعات الإسلامية. وفي هذا الدور كثرت فيها تأليف الكتب الكلامية من: المتون، والشروح، والشروح على الشروح، والحواشي على الشروح.
وهناك مدراس مازالت تتبنى الدعوة للماتريدية في شبه القارة الهندية وتتمثل في:
ـ مدرسة ديوبند والندوية [1283هـ ـ …] وفيها كثر الاهتمام بالتأليف في علم الحديث وشروحه، فالديوبندية أئمة في العلوم النقلية والعقلية؛ إلا أنهم متصوفة محضة، وعند كثير منهم بدعٌ قبورية، كما يشهد عليهم كتابهم المهنَّد على المفنَّد لـ الشيخ خليل أحمد السهارنفوري أحد أئمتهم، وهو من أهم كتب الديوبندية في العقيدة، ولا تختلف عنها المدرسة الندوية في كونها ماتريدية العقيدة.

ـ مدرسة البريلوي [1272هـ ـ…] نسبة إلى زعيمهم أحمد رضا خان الأفغاني الحنفي الماتريدي الصوفي الملقب بعبد المصطفي [1340هـ] وفي هذا الدور يظهر الإشراك الصريح، والدعوة إلى عبادة القبور، وشدة العداوة للديوبندية، وتكفيرهم فضلاً عن تكفير أهل السنة.

ـ مدرسة الكوثري [ 1296هـ ـ …] وتنسب إلى الشيخ محمد زاهد الكوثري الجركسي الحنفي الماتريدي (1371هـ) ويظهر فيها شدة الطعن في أئمة الإسلام ولعنهم، وجعلهم مجسمة ومشبهة، وجعل كتب السلف ككتب: التوحيد، الإبانة، الشريعة، والصفات، والعلو، وغيرها من كتب أئمة السنة، كتب وثنيةٍ وتجسيمٍ وتشبيهٍ، كما يظهر فيها أيضاً شدة الدعوة إلى البدع الشركية وللتصوف من تعظيم القبور والمقبورين تحت ستار التوسل.
انظر تعليقات الكوثري على كتاب الأسماء والصفات للبيهقي، وكتاب مقالات الكوثري.

3 - أهم الأفكار والمعتقدات:
----------------

· من حيث مصدر التلقي: قسّم الماتريدية أصول الدين حسب التلقي إلى:
ـ الإلهيات [العقليات]: وهي ما يستقل العقل بإثباتها والنقل تابع له، وتشمل أبواب التوحيد والصفات.
ـ الشرعيات [السمعيات]: وهي الأمور التي يجزم العقل بإمكانها ثبوتاً ونفياً، ولا طريق للعقل إليها مثل: النبوات، و عذاب القبر، وأمور الآخرة، علماُ بأن بعضهم جعل النبوات من قبيل العقليات.

ولا يخفي ما في هذا من مخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة، حيث إن القرآن والسنة وإجماع الصحابة هم مصادر التلقي عندهم، فضلاُ عن مخالفتهم في بدعة تقسيم أصول الدين إلى: عقليات وسمعيات، والتي قامت على فكرة باطلة أصّلها الفلاسفة من: أن نصوص الدين متعارضة مع العقل، فعملوا على التوسط بين العقل والنقل، مما اضطرهم إلى إقحام العقل في غير مجالات بحثه؛ فخرجوا بأحكام باطلة تصطدم مع الشرع ألجأتهم إلى التأويل والتفويض، بينما لا منافاة عند أهل السنة والجماعة بين العقل والسليم الصريح والنقل الصحيح.

· بناءً على التقسيم السابق فإن موقفهم من الأدلة النقلية في مسائل الإلهيات [العقليات] كالتالي:
ـ إن كان من نصوص القرآن الكريم والسنة المتواترة مما هو قطعي الثبوت قطعي الدلالة عندهم، أي مقبولاً عقلاُ، خالياً من التعارض مع عقولهم؛ فإنهم يحتجون به في تقرير العقيدة. وأما إن كان قطعي الثبوت ظني الدلالة عندهم أي: مخالفاً لعقولهم، فإنه لا يفيد اليقين، ولذلك تُؤوَّل الأدلة النقلية بما يوافق الأدلة العقلية، أو تفويض معانيها إلى الله عز وجل. وهم في ذلك مضطربون، فليست عندهم قاعدة مستقيمة في التأويل والتفويض؛ فمنهم من رجّح التأويل على التفويض، ومنهم من رجّح التفويض، ومنهم من أجاز الأمرين، وبعضهم رأى أن التأويل لأهل النظر والاستدلال، والتفويض أليق للعوام.
والملاحظ أن القول بالتأويل لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحاب القرون المفضلة، وإنما هي بدعة دخلت على الجهمية والمعتزلة من اليهود والنصارى، وإلى التأويل يرجع جميع ما أُحدث في الإسلام من بدع فرَّقت شمل الأمة، وهو أشرُّ من التعطيل؛ حيث يستلزم التشبيه، والتعطيل، واتهاماً للرسول صلى الله عليه وسلم بالجهل، أو كتمان بيان ما أنزل الله.
وأما القول بالتفويض فهو من أشر أقوال أهل البدع لمناقضته ومعارضته نصوص التدبر للقرآن، واستلزام تجهيل الأنبياء والمرسلين برب العالمين.
ـ وإن كان من أحاديث الآحاد فإنها عندهم تفيد الظن، ولا تفيد العلم اليقيني، ولا يعمل بها في الأحكام الشرعية مطلقاً، بل وفق قواعدهم وأصولهم التي قرروها، وأما في العقائد فإنه لا يحتج بها، ولا تثبت بها عقيدة، وإن اشتملت على جميع الشروط المذكورة في أصول الفقه، وإن وردت مخالفة للعقل ولا تحتمل التأويل رُدَّت بافتراء ناقله أو سهوه أو غلطة، وإن كانت ظاهرة فظاهرها غير مراد، وهذا موقف الماتريدية قديماً وحديثاً؛ حتى أن الكوثري ومن وافقه من الديوبندية طعنوا في كتب السنة بما فيها الصحيحين، وفي عقيدة أئمة السنة بما فيها الصحيحين، وفي عقيدة أئمة السنة مثل: حماد بن سلمة راوي أحاديث الصفات، والإمام الدارمي عثمان بن سعيد صاحب السنن. وهذا قول مبتدع محدث ابتدعته القدرية والمعتزلة، لأن الأحاديث حجة عليهم وهو مخالف لفعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يبعث الرسل إلى الملوك والرؤساء فُرادَى يدعونهم إلى الإسلام. وكذلك فإن تقسيم ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى متواتر وآحاد لم يكن معروفاً في عصر الصحابة والتابعين.
ـ كما رتبوا على ذلك وجوب معرفة الله تعالى بالعقل قبل ورود السمع، واعتبروه أول واجب على المكلف، ولا يعذر بتركه ذلك، بل يعاقب عليه ولو قبل بعثة الأنبياء والرسل. وبهذا وافقوا قول المعتزلة: وهو قول ظاهر البطلان، تعارضه الأدلة من الكتاب والسنة التي تبين أن معرفة الله تعالى يوجبها العقل، ويذم من يتركها، لكن العقاب على الترك لا يكون إلا بعد ورود الشرع، يقول الله تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) [سورة الإسراء الآية 15] وأن أول واجب على المكلف، وبه يكون مسلماً: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والبراءة من كل دين يخالف دين الإسلام على الإجمال، ولهذا لما أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن لم يأمره بغير ذلك. وكذلك الأنبياء لم يدعوا أقوامهم إلا بقول :
(اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) [سورة الأعراف الآية 59].
ـ وقالوا أيضاً بالتحسين والتقبيح العقليين ( * )، حيث يدرك العقل حسن الأشياء وقبحها، إلا أنهم اختلفوا في حكم الله تعالى بمجرد إدراك العقل للحسن والقبح.
فمنهم من قال: إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة ولو لم يبعث إليهم رسول ؛ كما سبق، ومنهم من قال بعكس ذلك.
ـ وذهبت كذلك الماتريدية كغيرها من الفرق الكلامية إلى أن المجاز واقع في اللغة والقرآن والحديث ؛ ويقصدون بالمجاز بأنه اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، وهو قسيم الحقيقة عندهم. ولذلك اعتمدوا عليه في تأويل النصوص دفعاً ـ في ظنهم ـ لشبه التجسيم والتشبيه . وهو بهذا المعنى : قول مبتدع، محدث، لا أصل له في اللغة ولا في الشرع. ولم يتكلم فيه أئمة اللغة: كالخليل بن أحمد، وسيبويه فضلاً عن أئمة الفقهاء والأصوليين المتقدمين.
ـ مفهوم التوحيد عند الماتريدية هو: إثبات أن الله تعالى واحد في ذاته، لا قسيم له، ولا جزء له، واحد في صفاته، لا شبيه له، واحد في أفعاله، لا يشاركه أحد في إيجاد المصنوعات، ولذلك بذلوا غاية جهدهم في إثبات هذا النوع من التوحيد باعتبار أن الإله عندهم هو: القادر على الاختراع. مستخدمين في ذلك الأدلة والمقاييس العقلية والفلسفية التي أحدثها المعتزلة والجهمية ، مثل دليل حدوث الجواهر والأعراض، وهي أدلة طعن فيها السلف والأئمة وأتباعهم وأساطين الكلام والفلسفة وبينوا أن الطرق التي دل عليها القرآن أصح. بيّن ذلك أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر، وابن رشد الحفيد في مناهج الأدلة. وشيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل.

وأيضاً خالفوا أهل السنة والجماعة : بتسويتهم بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، فالإله عند أهل السنة: المألوه المعبود الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له. وما أرسلت الرسل إلا لتقرير ذلك الأمر، ودعوة البشرية إلى توحيد الله تعالى في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته.

ـ أثبتوا لله تعالى أسماءه الحسنى، وقالوا: لا يسمَّى الله تعالى إلا بما سمى به نفسه، وجاء به الشرع. وفي ذلك وافقوا أهل السنة والجماعة في القول بالتوقيف في أسمائه تعالى إلا أنهم خالفوهم فيما أدخلوه في أسمائه تعالى: كالصانع، القديم،الذات … حيث لم يفرقوا بين باب الإخبار عن الله تعالى وباب التسمية.

ـ وقالوا بإثبات ثماني صفاتٍ لله تعالى فقط، على خلاف بينهم وهي: الحياة، القدرة، العلم، الإرادة، السمع، البصر، الكلام، التكوين. وعلى أن جميع الأفعال المتعدية ترجع إلى التكوين، أما ما عدا ذلك من الصفات التي دل عليها الكتاب والسنة [ الصفات الخبرية ] من صفات ذاتية، أو صفات فعلية، فإنها لا تدخل في نطاق العقل ، ولذلك قالوا بنفيها جميعاً. أما أهل السنة والجماعة فهم كما يعتقدون في الأسماء يعتقدون في الصفات وأنها جميعاً توقيفية، ويؤمنون بها " بإثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، مع تفويض الكيفية وإثبات المعنى اللائق بالله ـ تعالى ـ لقوله تعالى: ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ).

ـ قولهم بأن القرآن الكريم ليس بكلام الله تعالى على الحقيقة، وإنما هو كلام الله تعالى النفسي، لا يسمع، وإنما يسمع ما هو عبارة عنه، ولذلك فإن الكتب بما فيها القرآن مخلوقة ؛ وهو قول مبتدع محدث لم يدل عليه الكتاب ولا السنة، ولم يرد عن سلف الأمة. وأول من ابتدعه ابن كلاب. فالله تعالى يتكلم إذا شاء متى شاء بما شاء، ولا يزال يتكلم كما كلم موسى، ويكلم عباده يوم القيامة، والقرآن كلام الله تعالى على الحقيقة، غير مخلوق. وكذلك التوراة والإنجيل والزبور. وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة من سلف الأمة الصالح ومن تبعهم بإحسان.

ـ تقول الماتريدية في الإيمان أنه التصديق بالقلب فقط، وأضاف بعضهم الإقرار باللسان، ومنعوا زيادته ونقصانه، وقالوا بتحريم الاستثناء فيه، وأن الإسلام والإيمان مترادفان، لا فرق بينهما، فوافقوا المرجئة في ذلك، وخالفوا أهل السنة والجماعة ، حيث إن الإيمان عندهم: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، و عمل بالأركان. يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. ويجوز الاستثناء فيه [ والمقصود عدم تزكية النفس ] والإيمان والإسلام متلازمان، إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.

· وافقت الماتريدية أهل السنة والجماعة في الإيمان بالسمعيات مثل: أحوال البرزخ، وأمور الآخرة من: الحشر، والنشر، والميزان، والصراط، والشفاعة، والجنة، والنار ؛ لأنهم جعلوا مصدر التلقي فيها السمع، لأنها من الأمور الممكنة التي أخبر بها الصادق صلى الله عليه وسلم، وأيدتها نصوص الكتاب والسنة.
ـ وبالتالي فإنهم أثبتوا رؤية الله تعالى في الآخرة ؛ ولكن مع نفي الجهة والمقابلة. وهذا قول متناقض حيث أثبتوا ما لا يمكن رؤيته، ولا يخفي مخالفته لما عليه أهل السنة والجماعة.
· كما وافقت الماتريدية أهل السنة والجماعة في القول في الصحابة على ترتيب خلافتهم، وأن ما وقع بينهم كان خطأ عن اجتهاد منهم ؛ ولذا يجب الكف عن الطعن فيهم، لأن الطعن فيهم إما كفر، أو بدعة ، أو فسق. كما يرون أن الخلافة في قريش، وتجوز الصلاة خلف كل برٍ وفاجرٍ، ولا يجوز الخروج على الإمام الجائر.
· وأيضاً وافقوا أهل السنة والجماعة في القول: بالقدر، والقدرة، والاستطاعة، على أن كل ما يقع في الكون بمشيئة الله تعالى وإرادته، وأن أفعال العباد من خير وشر من خلق الله تعالى وأن للعباد أفعالاً اختيارية، يثأبون عليها، ويعاقبون عليها، وأن العبد مختار في الأفعال التكليفية غير مجبور على فعلها.

- قالت الماتريدية بعدم جواز التكليف بما لا يُطاق موافقة المعتزلة في ذلك، والذي عليه أهل السنة والجماعة هو: التفصيل، وعدم إطلاق القول بالجواز أو بالمنع.

------------------------

عبدالناصر محمود
12-12-2015, 08:47 AM
المرجئة تعريفهم و كلام السلف فيهم
ـــــــــــــــــ

(محمد السحابي)
ــــــــ

غرة ربيع الأول 1437 هــ
12 / 12 / 2015 م
ــــــــــــ

المرجئة تعريفهم و كلام السلف فيهم
---------------------

تعريف المرجئة
----------


المرجئة لغة: من الإرجاء: وهو التأخير والإمهال (1) ، قال تعالى: قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الشعراء: 36]. أي أمهله، ومن الرجاء، ضد اليأس وهو الأمل (2) . قال تعالى: يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [البقرة: 218].

المرجئة اصطلاحاً:

وفي الاصطلاح كانت المرجئة في آخر القرن الأول تطلق على فئتين، كما قال الإمام ابن عيينة:
1- قوم أرجأوا أمر علي وعثمان فقد مضى أولئك.
2- فأما المرجئة اليوم فهم يقولون: الإيمان قول بلا عمل (3) .

واستقر المعنى الاصطلاحي للمرجئة عند السلف على المعنى الثاني "إرجاء الفقهاء"، وهو القول بأن: الإيمان هو التصديق أو التصديق والقول، أو الإيمان قول بلا عمل، "أي إخراج الأعمال من مسمى الإيمان"، وعليه فإن: من قال الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأنه لا يجوز الاستثناء في الإيمان من قال بهذه الأمور أو بعضها فهو مرجئ (4) .
ثم أطلق الإرجاء على أصناف أخرى كالجهمية القائلين بأن الإيمان هو المعرفة فقط، والكرامية القائلين بأن الإيمان هو قول اللسان فقط

************************
المرجئة

انحراف عقائد الفرق عن عقائد السلف



المرجئة:
-----

رأينا كيف بدأ الاختلاف بين المسلمين وما نجم عنه من ظهور آراء ونظريات الفرق مثل الخوارج والشيعة، وقد دخل هذا المعترك أيضًا فريق ثالث هم المرجئة.

وكلمة (مرجئة) مشتقة من (أرجأ) بمعنى آخر أمهل، فهم يرجئون أمر هؤلاء المختلفين إلى يوم القيامة، وبعضهم يشتق اسمهم من (أرجأ) بمعنى بعث الرجاء في نفوس العصاة، فهم يؤملون كل مسلم عاص بأن يتوب ويرجع إلى الله[1].

ثم بدأت هذه الفرقة تتناول المسائل الثلاث التي بحثها قبلهم الخوارج والشيعة. وقد تبين لنا أن الخوارج تعد كل كبيرة كفرًا، كما ذهب الشيعة إلى اعتبار الإمامة ركنًا أساسيًا في الإسلام، وجاء المرجئة فأعلنوا أن الإيمان هو المعرفة بالله سبحانه وتعالى ورسله عليهم السلام، فمن عرف أن لا إله إلا الله محمد رسول الله فهو مؤمن، أي أنهم لم يشترطوا العمل مع الإيمان، فكان ذلك ردا على الخوارج- الذين اشترطوا الإتيان بالفرائض والكف عن الكبائر، وكان هذا الرأي أيضًا بمثابة الرد على الشيعة الذين يعتقدون أن الإيمان بالإمام والطاعة له جزء من الإيمان.

وقد عرض ابن تيمية لمذهب المرجئة وأرجع أصول الخطأ عندهم إلى عاملين.
الأول:
ظنهم أن الإيمان في مرتبة واحدة، فقالوا: إيمان الملائكة والأنبياء وأفسق الناس سواء.. بينما الإيمان الذي أوجبه الله يتباين تباينًا عظيمًا، فيجب على الملائكة من الإيمان ما لا يجب على البشر، أو يجب على الأنبياء ما لا يجب على غيرهم، وليس المراد هنا أنه يجب عليهم من العمل فحسب، بل ومن التصديق والإقرار أيضًا.

الثاني:
لم يفطن المرجئة إلى تفاضل الناس في الإتيان بالأعمال، فليس إيمان من أدى الواجبات كإيمان من أخل ببعضها وليس إيمان السارق والزاني والشارب للخمر كإتيان غيرهم[2].

(4) القدرية (نفاة القدر):
يقول ابن تيمية (ثم في آخر عصر الصحابة حدثت القدرية وتكلم فيهم من بقى من الصحابة كابن عمر وابن عباس ووائلة بن الأسقع وغيرهم[3].

وهم يقولون: الأمر مستقبل وأن الله لم يقدر الكتاب والأعمال. ويقال أن أول من ابتدعه بالعراق رجل من أهل البصرة من أبناء المجوس، وتلقاه عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد[4].

وسيأتي الشرح والتحليل لعقيدة الإيمان بالقدر، وتمهيدًا لذلك فإننا نضع هنا أمام القارئ نبذة مختصرة عنها.

فإن مذهب أهل السنة والجماعة في الإيمان بالقدر يقتضي- كما ينص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - أن الله تعالى خالق كل شيء وربه ومليكه لا رب غيره ولا خالق سواه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

وما يصيب العبد من النعم فالله أنعم عليه، وما يصيبه من الشر فبذنوبه ومعاصيه، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ [الشورى: 30] وقال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ [النساء: 79] أي ما أصابك من خصب ونصر فالله أنعم به عليك، وما أصابك من حزن وذل وشر فبذنوبك وخطاياك. وكل الأشياء كائنة بمشيئة الله وقدرته وخلقه، فلابد أن يؤمن العبد بقضاء الله وقدره، وأن يوقن العبد بشرع الله وأمره.

والقدر السابق لا يحول بين العبد وبين العمل وفقًا لشرع الله تعالى وأوامره الدينية، فقد ورد في الصحيحين عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: ((كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ببقيع الغرقد في جنازة فقال: ما منكم أحد إلا قد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة فقالوا: يا رسول الله: فلا نتكل على الكتاب وندع العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لا خلق له، أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ [الليل: 5 - 10].

ويتضح من ذلك أن ارتباط الأفعال بالنتائج في السلوك الإنساني كارتباط الأسباب بالمسببات في العالم الطبيعي بحكم العقل والتجربة، فإن الزرع ينبت ببذر البذور والسقاية بالماء، والشبع يتحقق بالأكل، والري بالشرب والموت يكون بالقتل.. الخ.

لذلك حث الرسول - صلى الله عليه وسلم - على العمل وحض عليه وكان الأسوة الحسنة في عمل كل ما يحبه الله تعالى ويرضاه وأمرنا بذلك، ففي الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن، فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، كان لو تفتح عمل الشيطان".

فأمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بشيئين: أن نحرص على ما ينفعنا وهو امتثال الأمر وهو العبادة وهو طاعة الله ورسوله وأن نستعين بالله وهو يتضمن الإيمان بالقدر فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

أما من ظن أنه يطيع الله بلا معونته - كما يزعم القدرية - قد جحد قدرة الله التامة ومشيئته النافذة، وخلقه لكل شيء. ومن ظن في الطرف الآخر المقابل أنه إذا أعن على ما يريد كان محمودًا سواء وافق الأمر الشرعي الديني أو خالفه فقد جحد دين الله وكذب بكتبه ورسله ووعده ووعيده واستحق من غضبه وعقابه أعظم ما يستحق الأول.

إذن لابد من الإيمان بالقدر مع الإذعان للأمر والنهي الشرعيين وإذا أحسن العبد حمد الله تعالى وإذا أساء استغفر الله تعالى، وعلم أن ذلك بقضاء الله وقدره فهو من المؤمنين، فإن آدم - عليه السلام - لما أذنب تاب فاجتباه ربه وهداه، وإبليس أصر واحتج فلعنه الله وأقصاه فمن تاب كان آدميًا ومن أصر واحتج بالقدر كان إبليسيًا فالسعداء يتبعون آباءهم، والأشقياء يتبعون عدوهم إبليس[5].

هذه هي الفرق الأربعة التي ظهرت في عصر الصحابة، فقد حدثت الخوارج والشيعة في فتنة مقتل عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وظهرت المرجئة والقدرية في أواخر العصر، يقول عبدالله بن المبارك (أصول البدع أربعة الخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة)[6].

[1] أحمد أمين: فجر الاسلام ص 2.

[2] ابن تيمية: الفرقان بين الحق والباطل ص 29.

[3] ابن تيمية: النبوات ص 142.

[4] شرح عقيدة الاسفراييني ج1 ص 251.

[5] ابن تيمية: النبوات ص 142- 143.

[6] مجموع فتاوى ابن تيمية ج2 ص 63-73 باختصار.


*******************************
دراسة المرجئة

أولاً: تمهيد:

المرجئة من أوائل الفرق التي تنسب إلى الإسلام في الظهور، وقد احتلت مكاناً واسعاً في أذهان الناس وفي اهتمام العلماء بأخبارهم وبيان معتقداتهم بين مدافع عنهم ومحاج لهم، وبين معجب بأدلتهم وبين داحض لها، ومن هنا نجد أن المقصود بالإرجاء بالذات لم يتفق علماء الفرق والمقالات على تعيينه دون اختلاف.
الفصل الأول

أذكر التعريف بالإرجاء لغة واصطلاحاً

وبيان أقوال العلماء في ذلك

الإرجاء في اللغة:يطلق على عدة معاني منها: الأمل والخوف والتأخير وإعطاء الرجاء.

تعريف الإرجاء في الاصطلاح:

اختلفت كلمة العلماء في المفهوم الحقيقي للإرجاء، مفاد ذلك نوجزه فيما يلي:
1- أن الأرجاء في الاصطلاح مأخوذ من معناه اللغوي؛ أي بمعنى التأخير والإمهال – وهو إرجاء العمل عن درجة الإيمان، وجعله في منزلة ثانية بالنسبة للإيمان لا أنه جزء منه كما أنه قد يطلق على أولئك الذين كانوا يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة.
2- وذهب آخرون إلى أن الأرجاء يراد به تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة.
3-وبعضهم ربط الإرجاء بما جرى في شأن علي رضي الله عنه من تأخيره في المفاضلة بين الصحابة إلى الدرجة الرابعة ، أو إرجاء أمره هو وعثمان إلى الله ولا يشهدون عليهما بإيمان ولا كفر
الفصل الثاني

ماهوالأساس الذي قام عليه مذهب المرجئة

الأساس الذي قام عليه مذهب الإرجاء هو الخلاف في حقيقة الإيمان ومم يتألف، وتحديد معناه، وما يتبع ذلك من أبحاث. وهل الإيمان فعل القلب فقط أو هو فعل القلب واللسان معاً؟ فرق المرجئة على أن الإيمان هو مجرد ما في القلب ولا يضر مع ذلك أن يظهر من عمله ما ظهر. وذهبت الكرامية إلى أن الإيمان هو القول باللسان، ولا يضر مع ذلك أن يبطن أي معتقد حتى وإن كان الكفر. وذهب أبو حنيفة رحمة الله إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان، لا يغنى إحداهما عن الآخر؛
الفصل الثالث

بيان كيف نشأ الإرجاء وكيف تطور إلى مذهب
الإرجاء في بدء الأمر كان يراد به في بعض اطلاقاته أولئك الذين أحبو السلامة والبعد عن الخلافات وترك المنازعات في الأمور السياسية والدينية. إلا أنه من الملاحظ أنه بعد قتل عثمان رضي الله عنه وبعد ظهور الخوارج والشيعة أخذ الإرجاء يتطور تدريجياً.فظهر الخلاف في حكم مرتكب الكبيرة ومنزلة العمل من الإيمان، ثم ظهر جماعة دفعوا بالإرجاء إلى الحد المذموم والغلو، فبدأ الإرجاء يتكون على صفة مذهب، فقرر هؤلاء أن مرتكب الكبيرة كامل الأيمان وأنه لا تضر مع الإيمان معصية، ولاتنفع مع الكفر طاعة، وأن الإيمان في القلب.
وأهل هذه المرحلة ممقوتون ومذهبهم يفضي إلى درجة الإباحية والتكاسل والتعويل على عفو الله وحده دون العمل لذلك. ولقد احتدم النزاع بين أهل السنة والخوارج والمعتزلة من جانب، وبين المرجئة من جانب آخر في دخول الأعمال في مسمى الإيمان، فزعمت أن كل طائفة تنسب نفسها إلى الإسلام، وتصدق به تعد من المؤمنين الخلّص بغض النظر عن عملها بعد ذلك، بالخوارج والشيعة والمعتزلة وسائر الطوائف في نظر المرجئة هم من أهل الإيمان الكامل.
الفصل الرابع

بيان أول من قال بالإرجاء وبيان أهم زعماء المرجئة

يذكر العلماء أن الحسن بن محمد بن الحنفية هو أول من ذكر الإرجاء في المدينة بخصوص علىّ وعثمان وطلحة والزبير، ولكنه ندم بعد ذلك على هذا الكلام وتمنى أنه مات قبل أن يقوله، فصار كلامه بعد ذلك طريقاً لنشأة القول بالإرجاء،
ولم يلتفت الذين تبنوا القول بالإرجاء إلى ندم الحسن بعد ذلك، فإن كتابه عن الإرجاء انتشر بين الناس وصادف هوى في نفوس كثيرة فاعتنقوه. ولكن ينبغى معرفة أن إرجاء الحسن إنما هو في الحكم بالصواب أو الخطأ على من ذكرهم، ولم يتعلق إرجاؤه بالإيمان أم عدمه كما هو حال مذهب المرجئة أخيراً. وقيل: إن أول من قال بالإرجاء على طريقة الغلو فيه هو رجل يسمى ذر بن عبد الله الهمداني وهو تابعي، وهناك أقوال أخرى في أول من دعا إلى الإرجاء فقيل: إن أول من أحدثه رجل بالعراق اسمه قيس بن عمرو الماضري.
وقيل: إن أول من أحدثه حماد بن أبي سليمان وهو شيخ أبي حنيفة وتلميذ إبراهيم النخعى، وقيل: إن أول من قال به رجل اسمه سالم الأفطس،
ومن كبار المرجئة ومشاهيرهم: الجهم بن صفوان، وأبو الحسين الصالحى، ويونس السمري، وأبو ثوبان، والحسين بن محمد النجار، وغيلان، ومحمد بن شبيب، وأبو معاذ التومني، وبشر المريسي، ومحمد بن كرام، ومقاتل ابن سليمان المشبه لله عز وجل بخلقه ومثله الجواربي وهما من غلاة المشبهة.
الفصل الخامس

بيان أصول المرجئة

تكاد فرق المرجئة تتفق في أصولها على مسائل هامة هي:
تعريف الإيمان بأنه التصديق بالقول أو المعرفة أو الإقرار.
وأن العمل ليس داخلاً في حقيقة الإيمان، ولا هو جزء منه، مع أنهم لا يغفلون منزلة العمل من الإيمان تماماً إلا عند الجهم ومن تبعه في غلوه.
وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأن التصديق بالشيء والجزم به لا يدخله زيادة ولا نقصان.
وأن أصحاب المعاصي مؤمنون كاملوا الإيمان بكمال تصديقهم وأنهم حتماً لا يدخلون النار في الآخرة.
ولهم اعتقادات أخرى: كالقول بأن الإنسان يخلق فعله، وأن الله لا يرى في الآخرة، وقد تأثروا في هذه الآراء بالمعتزلة، وكذا رأيهم في أن الإمامة ليست واجبة، فإن كان ولا بد فمن أي جنس كان ولو كان غير قرشي،
وفيما يلي تفصيل واضح لأقسام اتجاهات الناس في حقيقة الإيمان كما رتبها الدكتور/ سفر الحوالي:
أن الإيمان يكون بالقلب واللسان والجوارح:

1- أهل السنة 2- الخوارج 3- المعتزلة
أنه بالقلب واللسان فقط:

مرجئة الفقهاء الحنفية.
ابن كلاب، وكان على عقيدة المرجئة الفقهاء، وقد انقرض مذهبه.
أنه باللسان والجوارح فقط:

الغسانية.
فرقة مجهولة لم يصرح العلماء بتسميتها، ولعلها الغسانية.
أنه بالقلب فقط:

1- الجهمية 2- المريسية 3- الصالحية4- الأشعرية 5- الماتريدية.
5-أنه باللسان فقط:

الكرّامية: وقد انقرضوا.
الفصل السادس

ماهي أقسام المرجئة

انقسمت المرجئة في اعتقاداتها إلى أقسام وفرق كثيرة وفرق يطول ذكرها، ويمكن الإشارة هنا إلى رؤوس تلك الفرق،
مرجئة السنة: وهم الأحناف: أبو حنيفة وشيخه حماد بن أبى سليمان ومن أتبعهما من مرجئة الكوفة وغيرهم.
مرجئة الجبرية: وهم الجهمية أتباع جهم بن صفوان.
مرجئة القدرية: الذين تزعمهم غيلان الدمشقي، وهم الغيلانية.
مرجئة خالصة: وهم فرق اختلف العلماء في عدهم لها.
مرجئة الكرامية: أصحاب محمد بن كرام.
مرجئة الخوارج: الشبيبية وبعض فرق الصفرية.
الفصل السابع

ماهي أدلة المرجئة لمذهبهم والرد عليها
فمن القرآن الكريم: استدلوا بقول الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}

أما من السنة النبوية: فقد استدلوا بما يلي: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار".قال ابن مسعود: "وقلت أنا من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة"().
وقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه أنه قال: "يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة"(.

ومن الشبهات التي تعلق بها المرجئة أيضاً على أن العمل ليس من الإيمان قولهم:
إن الكفر ضد الإيمان فحيثما ثبت الكفر نفي الإيمان، والعكس.
ومنها ما جاء في نصوص كثيرة فيها عطف العمل على الإيمان.
ومن أدلة الأحناف على أن الإيمان قول واعتقاد فقط
إن الإيمان في اللغة المقصود به التصديق فقط، والعمل بالجوارح لا يسمى تصديقاً فليس من الإيمان.
لو كانت الأعمال من الإيمان والتوحيد لو جب الحكم بعدم الإيمان لمن ضيع شيئاً من الأعمال،
الرد على أدلة المرجئة: إن هذه النصوص تفيد أن من لم يقع في الشرك مع التوبة والقيام بأمر الله والانتهاء عن نهيه-أن الله يغفر له الذنوب التي هي دون الشرك، فإذا مات على بعض الذنوب يرجى له المغفرة ابتداء، أو يعاقبه الله بذنبه ثم يدخله الجنةوأما احتجاجهم بقولهم: إن الكفر ضد الإيمان فحينما ثبت الكفر انتفى الإيمان والعكس.
فإنه يقال لهم: إطلاق القول بأن كل كفر هو ضد الإيمان ويخرج من الملة مطلقاً ليس صحيحاً على إطلاقه هكذا إلا عند الخوارج في حكمهم على أصحاب المعاصي بالكفر المخرج من الملة، فإن الإيمان درجات، وهو اسم مشترك يقع على معان كثيرة، منها ما يكون الكفر ضداً له ومنها ما يكون الفسق ضداً له لا الكفر، كترك بعض الأعمال المفروضة مع الاعتراف بوجوبها. وأما ما استدلوا به من ورود نصوص كثيرة فيها عطف العمل على الإيمان، وأن المعطوف والمعطوف عليه بينهما مغايرة وفرق وإلا لما عطف عليه، فالواقع أن النصوص كما يتضح منها، أحياناً يرد فيها ذكر الإيمان في حالة العطف بمعنى الدين وذلك في حال إطلاق الإيمان وحده، فإنه يدخل فيه الأعمال، فإذا أطلق لفظ الإيمان فقط تبادر إلى الذهن أن المقصود بذلك الإيمان القلبي وعمل الجوارح والنطق باللسان ولا يفهم منه التصديق فقط أو الإقرار فقط إلا عند المرجئة، حيث تكلفوا دعوى وقوع ذلك. وأما في حال ذكر الإيمان والعمل معاً فلا مغايرة بينهما في الحكم الذي ذكر لهم، بل يكون ذلك من جنس عطف الخاص على العام مثل قوله تعالى: ] حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى[ . فإن الصلاة الوسطى من ضمن بقية الصلوات وإنما أفردت بالذكر الخاص بعد الذكر العام لمزيد العناية والاهتمام بها وأما ما استدل به الأحناف من أن الإيمان في اللغة المقصود به التصديق، والعمل لا يسمى تصديقاً فيقال لهم: إنه لم يسم التصديق بالقلب دون التصديق باللسان والعمل إيماناً في اللغة، ولم يعرف عن العرب أنهم يحكمون للشخص بالتصديق والإيمان بشيء صدقه بقلبه ثم أعلن التكذيب به بلسانه، كذلك لم يعرف في اللغة أن التصديق باللسان فقط دون التصديق بالقلب يعتبر إيماناً. ويرد على من ذهب مذهب الإمام أبى حنيفة في إخراج العمل عن الإيمان، واستدل باللغة على أن الإيمان هو التصديق – يرد عليهم بما ذهبوا إليه هم أيضاً من عدم جواز إطلاق الإيمان على الشخص إلا إذا صدق بالله عز وجل وبرسوله، وبكل ما جاء به القرآن والبعث والجنة والنار والصلاة والزكاة، وغير ذلك ومعلوم أن هذا الإيمان قد اشتمل على أعمال، فكيف يحق لهم بعد ذلك عدم اعتبار الأعمال من الإيمان، وهم يشترطون لثبوت إيمان الشخص ما ذكر.
نعم إن أصل الإيمان في اللغة هو التصديق بالقلب واللسان معاً بأي شيء كان إلا أن الله عز وجل وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أوقع لفظة الإيمان على العقد بالقلب لأشياء محدودة مخصوصة معروفة لا على العقد لكل شيء.
وأوقعها أيضاً سبحانه على الإقرار باللسان بتلك الأشياء خاصة لا بما سواها.
وأوقعها أيضاً على أعمال الجوارح لكل ما هو طاعة له تعالى فقط. والله عز وجل هو خالق اللغة وأهلها، فلا يجوز لأحد مخالفة الله عز وجل فيما أنزله وحكم به والتعلل باللغة في دفع الحق.
الفصل الثامن

بين مذهب أهل السنة في تعريف الإيمان

مذهبهم في الإيمان أنه قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي".
الفصل التاسع

بيان منزلة مذهب المرجئة عند السلف

مذهب المرجئة المتأخرين منهم مذهب رديء وخطير، يهون المعصية، ويدعو إلي الكسل والخمول، ولذا تجد السلف يحذرون منه كثيراً ويذمونه لما اشتمل عليه من فساد وإخمال لشعلة الإيمان في القلوب، وتمييع لمنزلة العمل في النفوس. وهذا المذهب ومذهب القدرية من المذاهب الرديئة.
ويذكر بعض العلماء روايات في ذمهم والتنفير من معتقداتهم، ومن تلك الروايات.
1-"صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب؛ المرجئة والقدرية.
2-"صنفان من هذه الأمة لا تنالها شفاعتي؛ المرجئة والقدرية.
3-"ألا وإن الله لعن القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبياً.
وهذه الروايات ظاهرة في ذم المرجئة والقدرية لو كانت صحيحة بالرغم من تعدد طرقها، وبالرغم من كثرة احتجاج العلماء بها على القدرية والمرجئة.
وهناك من ضعفها لضعف أسانيدها، وإن ذكرها فمن باب تنوع الردود علي ذم القدرية والمرجئة، ويتلخص من كلام العلماء أنها دائرة بين الصحة والضعف والحسن.
ومهما كان فإن علماء السلف قد أدوا ما عليهم من النصح بوقوفهم في وجه هذه الطائفة، وتبيين ضلالها والخطر الذي يكمن في دعوتهم، ونصحوا للمسلمين بالابتعاد عن أقوالهم.


*************************
مجمل أقوال أئمة السلف في ذم الإرجاء وأهله

* * *

قال الذهبي رحمه الله: (غلاة المعتزلة، وغلاة الشيعة، وغلاة الحنابلة، وغلاة الأشاعرة، وغلاة المرجئة، وغلاة الجهمية، وغلاة الكرامية قد ماجت بهم الدنيا وكثروا، وفيهم أذكياء وعباد وعلماء، نسأل الله العفو والمغفرة لأهل التوحيد، ونبرأ إلى الله من الهوى و البدع، ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الإتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، إنما العبرة بكثرة المحاسن) [سير أعلام النبلاء].
* * *


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فالمتأمل في كتابات المعاصرين من الإسلاميين يحسب أن فرق الضلالة التي حذر منها المصطفى صلى الله عليه وسلم قد اختفت من الساحة ولم يبقى منها إلا فرقة الخوارج، فهذه الفرقة تمثل الشغل الشاغل للجماعات الإسلامية على اختلاف مشاربها، وكأن الأرض عندهم قد طُهّرت من الكفر والردة والزندقة العلمانية ولم يبق فيها إلا ضلال الخوارج! وكأن خوارج اليوم ألوف مألفة وجنود مجندة تستعد للانقضاض على الخلافة الراشدة التي ينعم تحت ظلها أهل الإسلام!

الخوارج في زماننا، لمن عرفهم، شرذمة متفرقة محدودة التأثير بالمقارنة مع بقية الفرق الضالة، يرون أن الأصل في الناس اليوم هو الكفر ويتوقفون أو يكفرون من يُظهر الإسلام ولا يَظهر عليه ناقض من نواقضه، مع فضاضة وغلظة في الطبع وكبر يذكر بسلفهم من أهل النهروان، فكم عدد هؤلاء على الساحة الإسلامية اليوم وكم نسبة ضحاياهم مقابل ضحايا العلمانين وأنصار الصليبيين الذين لا يكادون يذكرون بسوء؟

أمّا تهمة الخارجية، فهي تهمة قديمة تلاحق أهل السنة و التوحيد في كل زمان ومكان و لم يسلم منها الإمام أحمد ولا ابن تيمية و لا ابن عبد الوهاب ولا كل من سار على منهجهم واتبع طريقتهم واقتدى بإبراهيم عليه السلام ومن معه في البراءة من الشرك والمشركين. وأهل الباطل من كفرة مرتدين ورهبان ضالين يجدون في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخوارج مطية لصد الناس عن كل دعوة إصلاحية بتهمة الحرورية، جاهلين أو متجاهلين أن سبب تعدد ذكرهم في الأحاديث الصحيحة ليس لأن خطرهم بهذه الدرجة التي يصورها المبطلون، إنما هو لأنها أول فرقة ظهرت في من ينتسب للإسلام، فسن بها صلى الله عليه وسلم سنة التعامل مع غيرها من فرق الضلالة. وقد زامنها وجاء من بعدها من الفرق ما يفوق ضلالها أضعافا مضاعفة بل ويخرجها من الملة بالكلية، ورغم ذلك لم يأت فيها أي حديث صحيح. فهذه السبئية قد زامنت ظهور الخوارج و فرخت الرفض والباطنية اللذان يجران على المسلمين إلى اليوم أشد الويلات بسبب دولهم التي رعت هذا الإلحاد على امتداد العصور المتأخرة. وقل مثل ذلك عن بدعة القدر التي أدركها صغار الصحابة وكفروا مبتدعيها، وبدعة التجهم التي صارت تعصف بالأمة في الإيمان والتوحيد ولم يسلم منها إلا من رحم الله، بلوغا إلى بدعة التصوف التي أفرزت بدع الطرقية و شركيات القبورية. فهل الخوارج أضل من هؤلاء؟

وفي المقابل نجد أن الإرجاء الذي هو موضوعنا هنا، قد صار المذهب الرسميّ لعامة المسلمين وخاصتهم - إلا من رحم الله - و صار صك غفران لكل زنديق وملحد وفتح الباب واسعا أمام الدعوات العلمانية لتتحلل من الشريعة وتنشر الفجور والإباحية، ورغم ذلك لا ترى في التحذير منه إلا بعض الكتب والمقالات، يعد أصحابها على أصابع اليد الواحدة. والأعجب من هذا أن القلة الباقية التي كتبت في هذا الباب لم تكتب فيه إلا من باب تحصيل الشهادات و الترف العلمي أو الفتوى النظرية، وأعمال هذه الطائفة و واقعها يخالف ما قررته من فساد هذا المذهب و زيغ منتحليه، بل إن الكثير من هذه الأعمال ترقيع للمرتدين و تقرير للإرجاء في أقبح صوره: الإرجاء الغالي الذي كفّر السلف القائلين به.

وقد رأيت مستعينا بالله جمع ما يمكن جمعه من أقوال أئمة السلف المتقدمين في التحذير من هذا المذهب الباطل وبيان خطره على الأمة، خاصة أن الكثير من دعاته اليوم لا يستحي من نسبة أقواله للسلف بل و لخيارهم من الصحابة رضوان الله عليهم، فكان بذلك تلبيسهم أشد وضررهم أعظم.

وسأذكر قبل ذلك - بعون الله سبحانه - نبذة مختصرة عن أبرز أصول الإرجاء القديمة والمعاصرة في مسمى الإيمان والكفر، حتى تتضح صورة هذا المذهب الخبيث أمام القارئ ويتوقاه أضعاف ما يتوقى مذهب الخوارج لأن خطره كما بين السلف أشد، لما فيه من تمييع للدين يتماشى مع طبيعة البشر في التساهل والتنصل من التكاليف الشرعية.

فنقول وبالله التوفيق:

الإرجاء لغة هو التأخير و قد سمي المرجئة مرجئة لتأخيرهم العمل وإخراجه من مسمى الإيمان، وهذا غير المذهب المنسوب إلى الحسن بن محمد بن الحنفية في إرجاء أمر عثمان وعلي رضي الله عنهما وعدم الشهادة لهما بالجنة، كما جاءت الأحاديث في ذلك.

وأول من ظهر من فرق الإرجاء في الإيمان مرجئة فقهاء الكوفة من الأحناف القائلين بأن الإيمان هو الاعتقاد والقول وأن العمل ليس من الإيمان، وقد ألزم السلف الصالح مرجئة الفقهاء بإخراج الأعمال من المكفرات كما أخرجوها من الإيمان. فلجأوا إلى القول بأن الأعمال المكفرة دليل على كفر القلب، لعدم قدرتهم على إنكار ما أجمعت الأمة على كفر فاعله، فهم يتفقون مع السلف في التكفير بالمكفرات، بل هم أكثر من توسع فيها في أبواب الردة من كتب الفقه دفعا لتهمة الإرجاء. لكنهم يجعلون الأعمال المكفرة دليلا على الكفر ولا يجعلونها كفرا مجردا كما دلت نصوص الكتاب والسنة وكما أجمع علماء الأمة، فالخلاف معهم خلافُ تصورٍ لعلة الحكم وليس خلافا في الحكم نفسه، وهذه مسألة هامة يجب مراعاتها حتى لا ننسب لمرجئة الفقهاء من هم منه براء.

وقد أعقبهم وزاد عليهم في الضلالة مرجئة الجهمية القائلين بأن الإيمان هو المعرفة وأن الكفر هو التكذيب والجحود، ولهم قول يوافق مرجئة الفقهاء في التكفير بالمكفرات و اعتبارها دليلا على الكفر، إلا أن المشهور من مذهبهم عدم التكفير بالمكفرات والشركيات وإلحاقها بالمعاصي التي دون الكفر، كالزنا والسرقة والشرب. وهؤلاء يسمون أيضا غلاة المرجئة وقد كفرهم السلف كنافع و وكيع وأبي عبيد واحمد بن حنبل والحميدي وابن القيم و غيرهم، رحمهم الله جميعا.

ومن فرقهم أيضا مرجئة المتكلمين من أشاعرة وماتريدية، وهم يقولون بقول الجهمية في تعريف الإيمان بالتصديق وبقول مرجئة الفقهاء في جعل المكفرات دليلا على كفر الباطن وانتفاء التصديق.

أما المرجئة المعاصرون، أدعياء السلفية، فهم من شر طوائف البدع المنتسبة إلى الإسلام وخطرهم أشد من خطر غيرهم لأنهم ينسبون بدعتهم إلى السلف الصالح ويزعمون إتباع الأثر والحديث ويشتغلون بنشر تصانيف السلف النافعة فيدسون فيها سمهم الزعاف، ويصدون عن مذهب السلف بأقوال السلف أنفسهم في التحذير من أهل البدع من أمثالهم، فتلبس حالهم على الكثير من الناس، والله المستعان. يقولون بقول السلف في تسمية الإيمان و يشرحونه بتعريف مرجئة الفقهاء، ويتخبطون في مسألة الكفر على أقوال: فمنهم من لا يرى الكفر بالقول و العمل إطلاقا، وينكر التكفير بالمكفرات المجمع على التكفير بها، ومنهم من يرى أنها دليل على الكفر، ومنهم من ينتقي من المكفرات، فيرى أن بعضها مخرج من الملة والبعض الآخر غير مخرج، مجاراة لهوى الطواغيت المشرعين مع الله سبحانه! فالتشريع واستحلال المحرمات القطعية والتحاكم إلى طواغيت الشرق والغرب والمظاهرة الصريحة للكفار في قتال المسلمين عندهم كفر دون كفر، وهم في المقابل يتشددون في شركيات العوام، وبعضهم لا يعذرهم بعذر إطلاقا بل ويعتبرهم كفارا أصليين! وقد أضافوا إلى هذا شناعات أخرى مثل تكفير الدعاة بمحض التوحيد و الجهاد واستحلال دمائهم وتحريض الطواغيت عليهم وتأثيم نواياهم والحكم على خواتيمهم عند الله سبحانه، رغم أنهم لا يعتدّون بالحكم على الظواهر في تكفير المرتدين، و يحرمون دماء المشركين من غير ذمة ولا عهد صحيح! وأحمق من رأيت منهم دعيّ علم زنيم يعتبر جملة من أعيان مشايخ التوحيد المعاصرين طواغيتا لأنهم يحكمون بغير ما أنزل الله - على حد زعمه - ، ويقصد بذلك الخلافات العلمية، بينما يرى أن تشريع و تحكيم القوانين الوضعية الطاغوتية كفر دون كفر! فأيّ ضلال فوق هذا الضلال؟

وقد أحدث هؤلاء الجهمية ضوابطا وشروطا للتكفير لا يقوم عليها دليل ولم يسبقهم إليها عالم معتبر، كاشتراط قصد الكفر لتكفير من جاء بالكفر مختارا، و الامتناع من تكفير الأعيان والاقتصار على تجريم الفعل والتكفير العام دون الفاعل أو تعليق حكم التكفير على شيخ أو شيخين دون غيرهم من علماء الأمة، فعطلوا بذلك حكم الردة وتوابعه من أحكام فقهية وولاء وبراء وهجرة وجهاد، وفتحوا الأبواب للزنادقة للتحكم في رقاب المسلمين، فكانت بذلك الفتنة والفساد الكبير الذي توعد الله به من ترك معاداة أهل الكفر ومناصرة أهل الإسلام.

وبقية الفرق الإسلامية لا تخرج عن هذا الواقع في فهم الإيمان مع ما اختصت به من ضلالات أخرى قد تبلغ أحيانا الكفر الصراح، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أما عوام المسلمين اليوم فهم في الغالب لا يعرفون ولا يثبتون للإسلام ناقضا! ويكتفون بمجرد الشهادة في إثبات حقيقة الإيمان، جهمية خلّص لا ينكرون الصلاة على من مات يسب الله ورسوله، وبعضهم لا يرى حتى كفر اليهود والنصارى تبعا لمشايخ الضلال الذين رفعهم الطاغوت لخدمته وسخر لهم وسائل إعلامه، فضربوا في البلاد وضيعوا دين أهلها، فالله نسأل أن يريح الأمة من هذه الشرور وأن يمكن لأهل التوحيد من نشر عقيدة السلف خالصة من شوائب الإرجاء والتجهم التي أفسد بها هؤلاء البلاد والعباد.

وإليك في الختام؛ أخي الموحد مجمل أقوال السلف الصالح في ذم الإرجاء وأهله، مع التنبيه أن أكثرها كما هو ظاهر مقصود به مرجئة فقهاء الكوفة، وهم أهون فرق المرجئة ضلالا، وكان فيهم – عفا الله عنهم - فقهاء وعبّاد وزهّاد ومجاهدين في سبيل الله، فلا تلتفت إلى ما يتناقله المعاصرون - دون فهم - عن شيخ الإسلام ابن تيمية في اعتبار الخلاف بين السلف ومرجئة الفقهاء "خلافا لفظيا" فكلامه رحمه الله ليس على إطلاقه، فهو في إثبات الوعيد لأهل الكبائر، و الخلاف بينهم وبين السلف حقيقي من أكثر من وجه، وحسبك من ذلك إثباتهم إسلام من مات مصرا على ترك الفرائض - كما يروج مرجئة العصر - ورد الأحاديث الثابتة في وصف الأعمال بالإيمان، و ما كان السلف ليغلظوا عليهم بمثل هذه الشدة في خلاف لفظي كالخلاف في التفريق بين مسمى الإيمان ومسمى الإسلام.

فكيف بمن كان حاله كحال من ذكرت عن المعاصرين! نسأل الله السلامة والعافية.

سعيد بن جبير رحمه الله (ت 95):

عن عطاء بن السائب قال: ذكر سعيد بن جبير المرجئة فضرب لهم مثلا قال: (مثلهم مثل الصائبين، إنهم أتوا اليهود فقالوا: ما دينكم؟ قالوا: اليهودية، قالوا فما كتابكم؟ قالوا: التوراة، قالوا فمن نبيكم قالوا: موسى، قالوا فماذا لمن تبعكم؟ قالوا: الجنة، ثم أتوا النصارى فقالوا: ما دينكم؟ قالوا: النصرانية، قالوا فما كتابكم؟ قالوا: الإنجيل، قالوا فمن نبيكم قالوا: عيسى، ثم قالوا فماذا لمن تبعكم؟ قالوا: الجنة، قالوا فنحن بين دينين) [1].

وعن المغيرة بن عتيبة عن سعيد بن جبير قال: (المرجئة يهود القبلة) [2].

وعن أم عبد الله بن حبيب عن أمه قالت سمعت سعيد بن جبير وذكر المرجئة فقال: (اليهود) [3].

وعن أيوب قال: قال سعيد بن جبير غير سائله ولا ذاكرا ذاك له: (لا تجالس طلقا). يعني أنه كان يرى رأي المرجئة. وفي رواية أخرى قال: قال لي سعيد بن جبير: (ألم أرك مع طلق؟) قلت: بلى، فما باله؟ قال: (لا تجالسه فإنه مرجئ)، قال أيوب: وما شاورته في ذلك ولكن يحق للمسلم إذا رأى من أخيه ما يكرهه أن يأمره وينهاه[4].

وطلق هو طلق بن حبيب كان يرى الإرجاء.

قال عنه أيوب: ما أدركت بالبصرة أعبد منه ولا أبر بوالديه منه.

وعن العلاء بن رافع أن ذرا - أبا عمر - أتى سعيدا بن جبير يوما في حاجة فقال: (لا، حتى تخبرني على أي دين أنت اليوم أو رأي أنت اليوم، فإنك لا تزال تلتمس دينا قد أضللته، ألا تستحي من رأي أنت اليوم أكبر منه؟) [5].

وعن أبي الحجاف قال: قال سعيد بن جبير لذر: (يا ذر ما لي أراك كل يوم تجدد دينا؟) [6].

وعن أبي المختار الطائي قال: شكى ذر سعيد بن جبير إلى أبي البختري فقال: مررت فسلمت عليه فلم يرد، فقال أبو البختري لسعيد بن جبير فقال سعيد: (إن هذا يجدد كل يوم دينا، والله لا أكلمه أبدا) [7].

وعن حبيب ابن أبي ثابت قال: كنت عند سعيد بن جبير في مسجد فتذاكرنا ذرا في حديثنا فنال منه، فقلت: يا أبا عبد الله إنه لواد لك بحسن الثناء إذا ذكرك، فقال: (ألا تراه ضالا كل يوم يطلب دينه؟) [8].

إبراهيم النخعي رحمه الله (ت 96):

عن سعيد بن صالح قال: قال إبراهيم: (لفتنة المرجئة أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة) [9].

وعن حكيم بن جبير قال: قال ابراهيم: (المرجئة أخوف عندي على أهل الإسلام من عدتهم من الأزارقة) [10].

والأزارقة فرقة من فرق الخوارج، نسبة لنافع بن الأزرق.

وعن مسلم الملائي عن ابراهيم قال: (الخوارج أعذر عندي من المرجئة) [11].

وعن مؤمل قال سمعت سفيان يقول: قال إبراهيم: (تركت المرجئة الدين أرق من ثوب سابري) [12].

والثوب السابري نوع من الثياب رقيق.

وعن أبي يحيى النخعي عن أبيه عن إبراهيم قال: (ما أعلم أحمق في رأيهم من هذه المرجئة، لأنهم يقولون مؤمن ضال ومؤمن فاسق) [13].

وعن الحسن بن عبيد الله قال: سمعت إبراهيم يقول لذر: (ويحك يا ذر ما هذا الدين الذي جئت به؟) فقال ذر: ما هو إلا رأي رأيته. قال ثم سمعت ذرا يقول: إنه لدين الله عز وجل الذي بعث به نوحا عليه السلام! [14].

وذر، هو الهمداني وكان مرجئا مع زهد وتعبد. قاتل الحجاج مع ابن الأشعث.

وعنه أيضا قال: (مر ابراهيم التيمي بإبراهيم النخعي فسلم عليه فلم يرد عليه) [15].

وعن ميمون بن أبى حمزة قال: قال لي إبراهيم النخعي: (لا تدعوا هذا الملعون يدخل علي بعد ما تكلم في الإرجاء) – يعني حمادا – [16].

وحماد هو حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة وكان رأسا في الإرجاء.

وعن أبي حمزة التمار قال قلت لإبراهيم: ما ترى في رأي المرجئة فقال: (أوّه، لفقوا قولا فأنا أخافهم على الأمة، والشر منهم كثير فإياك وإياهم) [17].

ووقال منصور عن ابراهيم: (كفى به عمى الذي يعمى عليه أمر الحجاج) قال وذكر الحجاج فقال: (ألا لعنة الله على الظالمين) [18].

قلت: فكيف بمن يعمى عليه أمر الطواغيت المشرعين الذين يتولون اليهود والنصارى؟

مجاهد بن جبر رحمه الله (ت 104):

عن الوليد بن زياد قال: قال مجاهد: (يبدؤون فيكم مرجئة ثم يكونون قدرية ثم يصيرون مجوسا) [19].

قلت: ما أبعد نظره رحمه الله، فقد قال أحدهم في كتاب واحد أن العبد مؤمن وإن اجترح كل المعاصي! و دعى لترك الجهاد حتى يخرج المهدي! ثم قال عن قول المجوس "دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله"، أنها "كلمة حكيمة"!

نافع مولى ابن عمر رحمه الله (ت 117):

عن معقل بن عبيد الله العبسي قال: قلت لنافع: إنهم يقولون نحن نقر بالصلاة فريضة ولا نصلي وإن الخمر حرام ونحن نشربها وأن نكاح الأمهات حرام ونحن نفعل، قال فنتر يده من يدي ثم قال من فعل هذا فهو كافر[20].

ميمون بن مهران رحمه الله (ت 117):

عن أبي المليح قال: سئل ميمون عن كلام المرجئة فقال: (أنا أكبر من ذلك) [21].

محمد بن علي بن الحسين رحمه الله (ت 118):

عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين: (ما ليل بنهار أشبه من المرجئة باليهود) [22].

قتادة بن دعامة رحمه الله (ت 118):

عن الأوزاعي قال: كان يحيى وقتادة يقولان: (ليس من الأهواء شيء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء) [23].

محمد بن مسلم الزهري رحمه الله (ت 124):

عن الأوزاعي عن الزهري قال: (ما ابتُدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من هذه) [24] - يعني الإرجاء -

أبو إسحاق السبيعي رحمه الله (ت 127):

قال معمر بن راشد: كنا نأتي أبا إسحاق فيقول: من أين جئتم؟ فنقول: من عند حماد، فيقول: (ماذا قال لكم أخو المرجئة؟) فكنا إذا دخلنا على حماد قال من أين جئتم؟ قلنا: من عند أبي إسحاق، قال: إلزموا الشيخ فإنه يوشك أن يطفى، قال معمر: فمات حماد قبله[25].

يحيى بن أبي كثير رحمه الله (ت129):

عن الأوزاعي قال: كان يحيى وقتادة يقولان: (ليس من الأهواء شيء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء) [26].

أيوب السختياني رحمه الله (ت 131):

عن سلام بن أبي مطيع قال: كنت مع أيوب السختياني في المسجد الحرام فرآه أبو حنيفة فأقبل نحوه، فلما رآه أيوب قال لأصحابه: (قوموا بنا لا يعدنا بجربه، قوموا بنا لا يعدنا بجربه) [27].

وقد أنكر عامة السلف على أبي حنيفة قوله بقول شيخه حماد بن أبي سليمان في الإيمان، ويذكر أنه رجع عن هذا القول، وهو حري بذلك رحمه الله.

وعن سلام بن أبي مطيع قال: قال أيوب: (أنا أكبر من المرجئة) [28].

منصور بن المعتمر رحمه الله (ت 133):

عن جعفر الأحمر قال: قال منصور بن المعتمر في شيء: (لا أقول كما قالت المرجئة الضالة المبتدعة) [29].

عن مفضل بن مهلهل عن منصور بن المعتمر قال: (هم أعداء الله، المرجئة والرافضة) [30].

مغيرة بن مقسم الضبي رحمه الله (ت 133):

عن الأسود بن عامر قال: سمعت أبا بكر بن عياش ذكر أبا حنيفة وأصحابه الذين يخاصمون - أي في الإيمان - فقال: كان مغيرة يقول: (والله الذي لا إله إلا هو لأنا أخوف على الدين منهم من الفساق) [31].

وقال جرير: كان المغيرة يقول: (حدثنا حماد قبل أن يصير مرجئا وربما قال قبل أن يفسد) [32].

سليمان الأعمش رحمه الله (ت 148):

عن الأسود بن عامر قال: سمعت أبا بكر بن عياش ذكر أبا حنيفة وأصحابه الذين يخاصمون فقال: حلف الأعمش قال: (والله الذي لا إله إلا هو ما أعرف من هو شر منهم) [33].

قال جرير: ذكر الإرجاء عند الأعمش فقال: (ما ترجو من رأي أنا أكبر منه) [34].

محمد بن عجلان رحمه الله (ت 148):

قال الحميدي: حدثنا يحيى بن سليم أن سعيد بن سالم قال لابن عجلان: أرأيت إن أنا لم أرفع الأذى عن الطريق، أكون ناقص الإيمان؟ فقال: (هذا مرجئ، من يعرف هذا؟) قال: فلما قمنا عاتبته، فرد علي القول، فقلت: هل لك أن تقف فتقول يا أهل الطواف إن طوافكم ليس من الإيمان، وأقول أنا بل من الإيمان، وننظر ما يصنعون؟ قال: تريد أن تشهّرني؟ قلت: فما تريد إلى قول إذا أظهرته شهّرك؟[35].

عكرمة بن عمار رحمه الله (ت 159):

عن أبي عاصم قال: جاء عكرمة بن عمار إلى ابن أبي رواد فدق عليه الباب وقال: (أين هذا الضال؟)، يعني بالإرجاء[36].

سفيان الثوري رحمه الله (ت 161):

عن عبد الله بن نمير قال سمعت سفيان وذكر المرجئة فقال: (رأي محدث أدركنا الناس على غيره). وفي رواية الخلال قال: سمعت سفيان يقول: (دين محدث دين الأرجاء) [37].

وعن محمد بن يوسف قال: دخلت على سفيان الثوري في حجره المصحف وهو يقلب الورق فقال: (ما أحد أبعد منه من المرجئة) [38].

وعن أبي نعيم الفضل بن دكين قال: كنا مع سفيان جلوسا في المسجد الحرام، فأقبل أبو حنيفة يريده فلما رآه سفيان قال: (قوموا بنا لا يعدنا هذا بجربه)، فقمنا وقام سفيان. وكنا مرة أخرى جلوسا مع سفيان في المسجد الحرام فجاءه أبو حنيفة فجلس ولم نشعر به، فلما رآه سفيان استدار فجعل ظهره إليه[39].

وعن وكيع قال: لما تكلم أبو حنيفة في الإرجاء وخاصم فيه قال سفيان الثوري: (ينبغي أن ينفى من الكوفة أو يخرج منها) [40].

عن إبراهيم بن المغيرة قال: سألت سفيان الثوري، أصلي خلف من يقول الإيمان قول بلا عمل؟ قال: (لا، ولا كرامة) [41].

عن ابي نعيم قال: (مرت بنا جنازة مسعر بن كدام منذ خمسين سنة ليس فيها سفيان ولا شريك) [42].

ومسعر بن كدام هو ابو سلمة الكوفي ثقة ثبت فاضل نسب إلى الإرجاء.

شريك بن عبد الله القاضي رحمه الله (ت 177):

قال حجاج سمعت شريكا وذكر المرجئة فقال: (هم أخبث قوم، وحسبك بالرافضة خبثا ولكن المرجئة يكذبون على الله) [43].

وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: بلغني أن شعبة قال لشريك: كيف لا تجيز شهادة المرجئة؟ قال: (وكيف أجيز شهادة قوم يزعمون أن الصلاة ليست من الإيمان؟) [44].

عن ابي نعيم قال: (مرت بنا جنازة مسعر بن كدام منذ خمسين سنة ليس فيها سفيان ولا شريك) [45].

مالك بن أنس رحمه الله (ت 179):

حدث الحميدي عن معن بن عيسى أن رجلا بالمدينة يقال له أبو الجورية يرى الإرجاء فقال مالك بن أنس: (لا تناكحوه) [46].

شهاب بن خراش الشيباني رحمه الله (ت 179):

قال هشام - بن عمار -: لقيت شهابا وأنا شاب في سنة أربع وسبيعن فقال لي: (إن لم تكن قدريا ولا مرجئا حدثتك، وإلا لم أحدثك)، فقلت: ما فيّ من هذين شيء[47].

عبد الله بن المبارك رحمه الله (ت 181):

عن علي بن الحسن بن شقيق قال قال رجل لعبد الله بن المبارك يا معشر المرجئة، فقال عبد الله: (رميتني بهوى من الأهواء) [48].

عن إسحاق بن راهوية قال: سمعت معاذ بن خالد بن شقيق يقول لعبد الله بن المبارك: أيهم أسرع خروجا الدجال أو الدابة؟ فقال عبدالله: (استقضاء فلان الجهمي على بخارى أشد على المسلمين من خروج الدابة أو الدجال) [49].

وفلان هو عبد الله بن أبي حنيفة وكان مرجئا.

الفضيل بن عياض رحمه الله (ت 187):

قال محمد بن علي بن الحسن، سمعت الفضيل يقول: (أهل الإرجاء يقولون: الإيمان قول بلا عمل. وتقول الجهمية: الإيمان المعرفة بلا قول ولا عمل ويقول أهل السنة: الإيمان المعرفة والقول والعمل) [50].

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: وجدت في كتاب أبي رحمه الله قال: أخبرت أن الفضيل بن عياض قال: (قول أهل البدع: الإيمان الإقرار بلا عمل والإيمان واحد وإنما يتفاضل الناس بالأعمال ولا يتفاضلون بالإيمان. ومن قال ذلك فقد خالف الأثر ورد على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" وتفسير من يقول أن الإيمان لا يتفاضل يقول أن إن فرائض الله ليس من الإيمان، ومن قال ذلك فقد أعظم الفرية أخاف أن يكون جاحدا للفرائض رادا على الله عز وجل أمره ... فما أسوأ هذا من قول وأقبحه فإنا لله وإنا إليه راجعون) [51].

وكيع بن الجراح رحمه الله (ت 196):

قال: (أحدثوا هؤلاء المرجئة الجهمية، الجهمية كفار والمريسي جهمي، وقد علمتم كيف كفروا: قالوا يكفيك المعرفة وهذا كفر، والمرجئة يقولون الإيمان قول بلا فعل وهذا بدعة) [52].

وقال أيضا: (قالت المرجئة: الإقرار بما جاء من عند الله عز وجل يجزئ من العمل، وقالت الجهمية المعرفة بالقلب بما جاء من عند الله يجزئ من القول والعمل وهذا كفر) [53].

سفيان بن عيينة رحمه الله (ت 199):

سئل رحمه الله عن الإرجاء، فقال: (الإرجاء على وجهين: قوم أرجوا أمر علي وعثمان، فقد مضى أولئك. فأما المرجئة اليوم فهم يقولون الإيمان قول لا عمل. فلا تجالسوهم ولا تؤاكلوهم ولا تشاربوهم، ولا تصلوا معهم ولا تصلوا عليهم) [54].

وعن سويد بن سعيد الهروي قال: سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجاء فقال: (يقولون الإيمان قول، ونحن نقول الإيمان قول وعمل والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرا بقلبه على ترك الفرائض، وسموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم، وليس بسواء لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمدا من غير جهل ولا عذر، كفر. وبيان ذلك في أمر آدم صلوات الله عليه وأمر إبليس وعلماء اليهود، أما آدم فنهاه الله عن أكل الشجرة وحرمها عليه فأكل منها متعمدا ليكون ملكا أو يكون من الخالدين فسمي عاصيا من دون كفر، وأما إبليس لعنه الله فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمدا فسمي كافرا، وأما علماء اليهود فعرفوا نعت النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي رسول كما يعرفون أبناءهم وأقروا باللسان ولم يتبعوا شريعته فسماهم الله عز وجل كفارا، فركوب المحارم مثل ذنب آدم عليه السلام وغيره من الأنبياء، وأما ترك الفرائض جحودا فهو كفر مثل كفر إبليس لعنه الله، وتركها على معرفة من غير جحود فهو كفر مثل كفر علماء اليهود، والله أعلم) [55].

قال التونسي: ومذهب مرجئة العصر في ترك الفرائض لا يخرج عن ما قرره سفيان بن عيينة في مرجئة زمانه مع ما أضافوا عليهم، فأي سلفية هذه؟

يزيد بن هارون رحمه الله (ت 206):

عن محمد بن أسلم قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: (من كان داعية إلى الإرجاء فإن الصلاة خلفه تعاد) [56].

وعن إسحاق بن بهلول قال: قلت ليزيد بن هارون: أصلي خلف الجهمية؟ قال: (لا)، قلت: أصلي خلف المرجئة؟ قال: (إنهم لخبثاء) [57].

جعفر بن عون رحمه الله (ت 207):

قال إسحاق: قال لي ابن عون: (كان حماد بن أبي سليمان من أصحابنا حتى أحدث ما أحدث). قال أحدث الإرجاء[58].

عبد الرزاق بن همام الصنعاني رحمه الله (ت 211):

قال سلمة بن شبيب: كنت عند عبد الرزاق فجاءنا موت عبد المجيد، وذلك في سنة ست ومائتين، فقال: (الحمد لله الذي أراح أمة محمد من عبد المجيد) [59].

عبد المجيد هو عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد.

قال عنه أبو داود: كان عبد المجيد رأسا في الإرجاء.

وقال هارون بن عبد الله الحمال: ما رأيت أخشع لله من وكيع، وكانت عبد المجيد أخشع منه. قال الذهبي رحمه الله: خشوع وكِيع مع إمامته في السنّة جعله مقدّما بخلاف خشوع هذا المرجئ - عفا الله عنه - أعاذنا الله وإياكم من مخالفة السنة.

وقال الحسن بن وهب: قدم عبد العزيز بن أبي روّاد وهو شاب فمكث فينا أربعين أو خمسين سنة , لا يُعرف بشيء من الإرجاء، حتى نشأ ابنُه عبد المجيد , فأدخله في الإرجاء، فكان أشأم مولود ولد في الإسلام على أبيه.

عبد الله بن يزيد المقرئ رحمه الله (ت 213):

قال ابن السرماري: سئل المقرئ، فقيل له: إن رجلا ببخارى يقال له أحمد بن حفص يقول: الإيمان القول، فقال: مرجئ. وكنت قدامه فقلت: وأنا أقول كذلك، فأخذ برأسي ونطحني برأسه نطحة وقال: (أنت مرجئ يا خرساني) [60].

عبد الله بن الزبير الحميدي رحمه الله (ت 219):

قال حنبل: حدثنا الحمدي قال: (وأخبرت أن أناسا يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيء حتى يموت، ويصلي مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا، إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه وكان مقرا بالفرائض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر الصراح وخلاف كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين. قال تعالى {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}).

وقال حنبل سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا فقد كفر بالله ورد عليه أمره وعلى الرسول ما جاء به عن الله[61].

قلت: فانظر عدد من يقول بهذا اليوم ممن ينتسب زورا وبهتانا إلى السلف، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إسحاق بن راهويه رحمه الله (ت 238):

عن حرب بن إسماعيل قال سمعت إسحاق وسأله رجل قال: الرجل يقول أنا مؤمن حقا؟ قال: (هو كافر حقا) [62].

أحمد بن حنبل رحمه الله (ت 248):

روى الخلال عن أبي داوود قال: قلت لأحمد: يُصلى خلف المرجئ؟ قال: (إذا كان داعية فلا تصلي خلفه) [63].

وعن أبي بكر المروذي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (المرجئ إذا كان يخاصم فلا يصلى خلفه) [64].

وعن إسحاق بن منصور أنه قال لأبي عبد الله: المرجئ إذا كان داعيا؟ قال: (إي والله يجفى ويقصى) [65].

وحدث أبو حارث أن أبا عبد الله قال: (إذا كان المرجئ داعية فلا تكلمه) [66].

وفي كتاب السنة ورسالة الإصطرخي عنه قال: (المرجئة: وهم الذين يزعمون أن الإيمان مجرد النطق باللسان وأن الناس لا يتفاضلون في الإيمان، وأن إيمانهم وإيمان الملائكة والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم واحد وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وأن الإيمان ليس فيه استثناء، وأن من أمن بلسانه ولم يعمل فهو مؤمن حقا. هذا كله قول المرجئة وهو أخبث الأقاويل). وقال: (وأما المرجئة فيسمون أهل السنة شكاكا، وكذبت المرجئة بل هم بالشك أولى وبالتكذيب أشبه) [67].

حدث الحسن بن علي بن الحسين الأسكافي أنه سأل أبا عبد الله عن حديث من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن قال أبو عبد الله: من سرته سيئته فأي شيء هو؟ سلهم![68].

حدث حمدان بن علي الوراق حدثهم قال سألت أحمد وذكر عنده المرجئة فقلت له إنهم يقولون إذا عرف الرجل ربه بقلبه فهو مؤمن فقال: (المرجئة لا تقول هذا بل الجهمية تقول بهذا المرجئة تقول حتى يتكلم بلسانه و "إن لم" تعمل جوارحه والجهمية تقول إذا عرف ربه بقلبه وإن لم تعمل جوارحه وهذا كفر إبليس قد عرف ربه فقال {رب بما أغويتني}، قلت فالمرجئة لو كانوا يجتهدون وهذا قولهم؟ قال: البلاء) [69].

حدث أبو الحارث قال: قال أبو عبد الله: (كان شبابة يدعو إلى الإرجاء وكتبنا عنه قبل أن نعلم أنه كان يقول هذه المقالة كان يقول الإيمان قول وعمل فإذا قال فقد عمل بلسانه، قول رديء).

وفي رواية الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله وقيل له شبابة أي شيء يقول فيه؟ فقال شبابة كان يدعو إلى الإرجاء، قال: وقد حكى عن شبابة قول أخبث من هذه الأقاويل ما سمعت أحدا عن مثله قال: قال شبابة إذا قال فقد عمل. قال الإيمان قول وعمل كما يقولون فإذا قال فقد عمل بجارحته أي بلسانه حين تكلم ثم قال أبو عبدالله: هذا قول خبيث ما سمعت أحدا يقول به ولا بلغني[70].

حدث إسحاق قال: قال أبو عبدالله قال شعبة قلت لحماد بن أبي سليمان هذا الأعمش وزبيد ومنصور حدثونا عن شقيق عن عبدالله عن النبي سباب المسلم فسوق فأيهم نتهم أنتهم الأعمش أنتهم منصور؟ (قال لا، أتهم أبا وائل) قال إسحاق قلت لأبي عبدالله وأيش إتهم من أبي وائل؟ قال: (إتّهمَ رأيه الخبيث)، يعني حمادا بن أبي سليمان[71].

محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله (ت 256):

عن الحسين بن محمد بن وضاح ومكي بن خلف بن عفان قالا: سمعنا محمد بن إسماعيل يقول: (كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة ولم أكتب إلا عن من قال الإيمان قول وعمل، ولم أكتب عمن قال الإيمان قول) [72].

جماعة من السلف: أبو البختري وميسرة وأبو صالح والضحاك وبكير الطائي رحمهم الله جميعا:

عن سلمة بن كهيل قال: (اجتمع في الجماجم، أبو البختري وميسرة وأبو صالح والضحاك المشرقي وبكير الطائي فأجمعوا على أن الإرجاء بدعة، والبراءة بدعة والشهادة بدعة) [73].

جماعة من السلف: عطاء بن أبي رباح وميمون بن مهران والزهري ونافع والحكم بن عتييبة وعبد الكريم بن مالك الجزري رحمهم الله جميعا:

عن معقل بن عبيد الله العبسي قال: قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء فعرضه فنفر منه أصحابنا نفارا شديدا وكان أشدهم ميمون بن مهران وعبد الكريم بن مالك فأما عبد الكريم فأنه عاهد الله عز وجل أن لا يأويه وإياه سقف بيت إلا المسجد، فحججت فدخلت على عطاء بن أبي رباح في نفر من أصحابي فإذا هو يقرأ سورة يوسف، قال فسمعته يقرأ هذا الحرف {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} مخففة، قال: قلت إن لنا إليك حاجة فاخلوا لنا ففعل، فأخبرته أن قوما قبلنا قد أحدثوا وتكلموا، وقالوا أن الصلاة و الزكاة ليستا من الدين، فقال: أوليس يقول الله عز وجل {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة} فالصلاة والزكاة من الدين، قال فقلت له: إنهم يقولون ليس في الإيمان زيادة، قال أوليس قد قال الله عز وجل في ما أنزل {فزادتهم إيمانا} فما هذا الإيمان الذي زادهم؟ قال، قلت: فإنهم قد انتحلوك وبلغني أن ذرا دخل عليك في نفر من أصحاب له فعرض عليك قولهم فقبلته وقلت هذا الأمر. فقال لا والله الذي لا إله إلا هو ما كان هذا - مرتين أو ثلاث - .

قال ثم قدمت المدينة فجلست إلى نافع فقلت له يا أبا عبد الله إن لي إليك حاجة، قال أسر أم علانية؟ قلت لا بل سر، فقال رب سر لا خير فيه، فقلت له ليس من ذاك، فلما صلينا العصر قام وأخذ بيدي وخرج من الخوخة ولم ينتظر القاص، فقال: ما حاجتك؟ قلت أخلني من هذا، فقال تنح يا عمرو، فذكرت له بدو قولهم فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أمرت أن أضربهم بالسيف حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"، قال قلت: إنهم يقولون نحن نقر بالصلاة فريضة ولا نصلي وإن الخمر حرام ونحن نشربها وأن نكاح الأمهات حرام ونحن نفعل، قال فنتر يده من يدي ثم قال من فعل هذا فهو كافر.

قال معقل ثم لقيت الزهري فأخبرته بقولهم فقال: سبحان الله، أو قد أخذ الناس في هذه الخصومات؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حيت يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهم مؤمن ولا يشرب الخمر شاربها حين يشربها وهو مؤمن".

قال معقل ثم لقيت الحكم بن عتيبة فقلت: إن ميمونا وعبد الكريم بلغهما أنه قد دخل عليك ناس من المرجئة فعرضوا عليك قولهم فقبلته، قال فقبل علي ذلك ميمون وعبد الكريم؟ قلت: لا، قال: دخل علي منهم اثنا عشر رجلا وأنا مريض فقالوا: يا أبا محمد بلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل بأمة سوداء أو حبشية فقال يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة، أفترى هذه مؤمنة؟ قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أتشهدين أن لا إله إلا الله؟" قالت نعم، قال:" وتشهدين أني رسول الله" قالت: نعم، قال:"وتشهدين أن الجنة حق وأن النار حق" قالت: نعم، قال:" أتشهدين أن الله يبعث بعد الموت؟" قالت: نعم قال:" فأعتقها فإنها مؤمنة". قال فخرجوا وهم ينتحلوني.

قال معقل: ثم جلست إلى ميمون بن مهران فقيل له يا أبا أيوب لو قرأت لنا سورة ففسرتها؟ قال: فقرأ {إذا الشمس كورت} حتى إذا بلغ {مطاع ثم أمين} قال: (ذاك جبريل صلوات الله عليه، والخيبة لمن يقول أن إيمانه كإيمان جبريل) [74].

جماعة من السلف حفظ عنهم يعقوب بن سفيان رحمه الله (ت 277):

قال رحمه الله: الإيمان عند أهل السنة: الإخلاص لله بالقلوب والألسنة والجوارح وهو قول وعمل يزيد وينقص، على ذلك وجدنا كل من أدركنا من عصرنا بمكة والمدينة والشام والكوفة.

منهم: أبو بكر الحميدي وعبد الله بن يزيد المقري في نظائرهم بمكة. وإسماعيل بن أبي أويس وعبد الملك بن عبد العزيز الماجشون ومطرف بن عبد اليساري في نظائرهم بالمدينة. ومحمد بن عبد الله الأنصاري والضحاك بن مخلد وسليمان بن حرب وأبو الوليد الطنافسي وأبو النعمان وعبد الله بن مسملة في نظائرهم بالبصرة. وعبيد الله بن موسى وأبو نعيم وأحمد بن عبد الله بن يونس في نظائرهم كثير بالكوفة. وعمر بن عون بن أويس وعاصم بن علي بن عاصم في نظائرهم بواسط. وعبد الله بن صالح كاتب الليث وسعيد بن أبي مريم والنضر بن عبد الجبار ويحيى بن عبد الله بن بكير وأحمد بن صالح وأصبغ بن الفرج في نظائرهم بمصر. وابن أبي إياس في نظائرهم بعسقلان. وعبد الأعلى بن مسهر وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن وعبد الرحمن بن إبراهيم في نظائرهم بالشام. وأبو اليمان الحكم بن نافع وحيوة بن شريح في نظائرهم بحمص. ومكي بن إبراهيم وإسحاق بن راهويه وصدقة بن الفضل في نظائرهم بخرسان،

كلهم يقولون (الإيمان القول والعمل ويطعنون على المرجئة وينكرون قولهم) [75].

وفي هذا القدر إن شاء الله كفاية من كلام الأئمة الذين لا يستوحش بذكرهم، في ذم هذا المذهب و ذم من قال به، مع ما كان عليه الكثيرون منهم من علم وفضل و ديانة، فأين مرجئة اليوم من مرجئة الأمس بصدقهم وخشوعهم وورعهم ونصرتهم للدين وجهادهم في سبيل الله ومفارقتهم للظلمة، وكيف لو أدرك السلف ما نحن عليه اليوم؟

فحري بمن قرأ هذه الورقات أن يكون حذرا على دينه منهم وأن يجتنب هذه البدعة وأهلها حق الاجتناب، حتى لا تصيبه عدواهم، ولا يغتر بما هم عليه من علم أو عبادة ماداموا على هذه الحال من السكوت عن الطواغيت أو مناصرتهم والذب عنهم، فإنه يَخشى على نفسه أن يضل كما ضلوا، والمرء على دين خليله، فكم من مؤلف في الإرجاء والتحذير منه صار يرى أن الدخول في البرلمانات الشركية لا شيء فيه! وأن مناصرة الصليبيين في حروبهم علينا معصية دون الكفر! تبعا لشيوخه وأقرانه، وكم منهم قد عادى إخوانه ووضع يده في يد المشرعين من دون الله ليرقع باطلهم وهم لا يرقبون فيه إلا ولا ذمة ويتربصون به الدوائر.

فلا تغتر بأسمائهم و ألقابهم وكثرة مريديهم، فليسوا هم بأكثر علم وعبادة من سلفهم في الضلالة، والأولى هجر دعاتهم واجتناب الصلاة وراءهم بل و ترك كلامهم و سلامهم حتى يتوبوا، تأسيا بمن سلف.

واعرف - وفقني الله وإياك - أهل السنة الحق وناصرهم وانصرهم وكثر سوادهم وادفع عنهم ماداموا على ما كان عليه سلفنا الصالح عسى الله أن يكتبنا معهم، واسأل الله الثبات وحسن الخاتمة فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء و قد كان أكثر دعائه صلى الله عليه وسلم: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك).

وما أحسن ما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في هذا، حيث قال: (فالله الله يا إخواني، تمسكوا بأصل دينكم، أوله وآخره وأُسه ورأسه شهادة أن لا إله إلا الله، واعرفوا معناه وأحبوها وأحبوا أهلها واجعلوهم إخوانكم ولو كانوا بعيدين، واكفروا بالطواغيت وعادوهم وابغضوهم وأبغضوا من أحبهم أو جادل عنهم أو لم يكفرهم أو قال ما علي منهم أو قال ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله وافترى، فقد كلفه الله تعالى بهم وافترض عليه الكفر بهم والبراءة منهم ولو كانوا إخوانهم وأولادهم، فالله الله يا إخواني تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم وأنتم لا تشركون به شيئاً . اللّهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين).

نسأل الله جل وعلى أن يرنا الحق حقا ويرزقنا أتباعه و أن يرنا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه وأن يتوفنا على سنة نبيه غير مبدلين، وللأهواء مجانبين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


[كتبه إيمانا واحتسابا راجي عفو ربه؛ أبو عبد الله التونسي | 3 / 8 / 1425 هـ]


---------------------------------
[1] رواه عبد الله بن أحمد 1/312 - 324 الآجري 3/680 واللالكائي5/ 1063 وابن بطة 1/377.
[2] رواه عبد الله بن أحمد1/341 واللالكائي5/ 1061 وابن بطة 1/377
[3] رواه عبد الله بن أحمد 1 / 323 وابن بطة 1/377
[4] رواه أبو عبيد 34 وعبد الله بن أحمد 1/314 الآجري 3/681 واللالكائي5/1062 وابن بطة 1/378
[5] رواه عبد الله بن أحمد 1/326 وابن بطة 1/378
[6] رواه عبد الله بن أحمد 1/328 واللالكائي5/1062 وابن بطة 1/379
[7] رواه عبد الله بن أحمد 1/328 واللالكائي 5/1062 وابن بطة 1/379
[8] رواه عبد الله بن أحمد 1/333
[9] رواه عبد الله بن أحمد1/313 والخلال3/562 و الآجري 3/678 واللالكائي5/1061 وابن بطة 1/378
[10] رواه عبد الله بن أحمد 1/313 و الآجري 2/678 وابن سعد 6/274 وابن بطة 2/376
[11] رواه عبد الله بن أحمد1/337
[12] رواه عبد الله بن أحمد1/313 وابن سعد 6/274 واللالكائي5/1061
[13] رواه عبد الله بن أحمد1/341
[14] رواه عبد الله بن أحمد1/335
[15] رواه عبد الله بن أحمد 1/327 وابن بطة 1/379 واللالكائي5/1061
[16] رواه عبد الله بن أحمد 1/365
[17] رواه الآجري 3/678 وابن بطة 1/379
[18] رواه عبد الله بن أحمد 1/327
[19] رواه اللالكائي 5/1060
[20] رواه عبد الله بن أحمد 1/382 و اللالكائي 5/1024 وابن بطة 1/340 ويأتي بتمامه
[21] رواه عبد الله بن أحمد 1/318 والخلال واللالكائي 5/1073 وابن بطة 1/378
[22] رواه اللالكائي5/1064
[23] رواه عبد الله بن أحمد1/318 - 345 والآجري 3/682 و اللالكائي5/ 1064 وابن بطة 1/376
[24] رواه أبو عبيد34 والآجري 3/676 وابن بطة 1/376
[25] أورده الذهبي في السير 5/233
[26] رواه عبد الله بن أحمد1/318 - 345 والآجري 3/682 و اللالكائي5/1064 وابن بطة 1/376 وقد تقدم
[27] رواه عبد الله بن أحمد1/189
[28] رواه اللالكائي 5/1075
[29] رواه عبد الله بن أحمد1/312 والآجري 3/682 و اللالكائي 5/1064 وابن بطة 1/376
[30] رواه اللالكائي 5/1064
[31] رواه عبد الله بن أحمد 1/190
[32] رواه اللالكائي 5/1075
[33] رواه عبد الله بن أحمد 1/190
[34] رواه اللالكائي 5/1075
[35] أورده الذهبي في السير 8/320
[36] رواه اللالكائي 5/1064
[37] رواه عبد الله بن احمد1/311 والخلال 3/563 والآجري 3/681 وابن بطة 1/385 و اللالكائي 5/1075
[38] رواه اللالكائي 5/1067
[39] رواه عبد الله بن أحمد 1/199
[40] رواه عبد الله بن أحمد1/222
[41] رواه اللالكائي 5/1064
[42] رواه اللالكائي 5/1067
[43] رواه عبد الله بن أحمد 1/312 والآجري 3/683 واللالكائي 5/1066 وابن بطة 1/377
[44] رواه عبد الله بن أحمد 1/334 والخلال 3/585
[45] رواه اللالكائي 5/1067 وقد تقدم
[46] رواه اللالكائي 5/1067
[47] أورده الذهبي في السير 8/285
[48] رواه عبد الله بن أحمد1/336
[49] رواه عبد الله بن أحمد1/214
[50] رواه عبد الله بن أحمد 1/347
[51] رواه عبد الله بن أحمد1/374
[52] رواه البخاري في خلق أفعال العباد ص15
[53] رواه عبد الله بن أحمد 1/232 وابن بطة 1/385
[54] رواه الطبري في تهذيب الآثار 2/181
[55] رواه عبد الله بن أحمد 1/348
[56] رواه اللالكائي 5/1067
[57] رواه عبد الله بن أحمد 1/123
[58] رواه الخلال 3/599
[59] ذكره الذهبي في السير 9/436
[60] ورده الذهبي في السير 13/36
[61] رواه اللالكائي 5/957 والخلال 3/587
[62] رواه الخلال 3/569
[63] المسائل والرسائل 2/370
[64] المسائل والرسائل 2/370
[65] المسائل والرسائل 2/371
[66] المسائل والرسائل 2/371
[67] المسائل والرسائل 2/371
[68] رواه الخلال 3/570
[69] رواه الخلال 3/570
[70] رواه الخلال 3/571
[71] رواه الخلال 3/599
[72] رواه اللالكائي 5/959
[73] رواه أبو عبيد34 وعبد الله بن أحمد 1/326 واللالكائي 5/1050 وابن بطة 1/386
[74] رواه عبد الله بن أحمد 1/382 و اللالكائي 5/1024 وابن بطة 1/340
[75] رواه اللالكائي 5/1035
---------------------------

عبدالناصر محمود
03-05-2016, 08:16 AM
البكداشية .. طريقة جمعت الخبثين معا الصوفي والشيعي*
ــــــــــــــــــــــــــــ

25 / 5 / 1437 هــ
5 / 3 / 2016 م
ــــــــــــ

http://www.shia-news.com/files/fa/news/1393/1/24/58678_150.jpg




البكداشية طريقة صوفية نشأت فرقة دينية سرية في القرن الثالث عشر الهجري أسسها محمد بن إبراهيم أتا ويسمى بـ "الحاج الولي بكداش " المتوفي في عام 1336م، وهي شديدة الارتباط بعلويي تركيا لحد أنهما يمكن اعتبارهما فئة واحدة تشكل ثقافة واحدة يطلق عليها الثقافة والأفكار العلوية وتطورت حتى أصبحت خليطا من عدة طرق صوفية مثل القلندرية واليسوية والحيدرية.
وكما هو الحال في جميع الطرق الصوفية وفي الشيعة معا أنهم يعلنون – كذبا وافتراء - أن طريقتهم الوحيدة هي طريقة أهل البيت عليه رضوان الله، فيقول أحمد سري (شيخ مشايخ الطريقة)، الطريقة العلية البكتاشية هي طريقة أهل البيت الطاهر رضوان الله عليهم أجمعين، وقد انحدرت أصولها من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وعن أولاده وأحفاده إلى أن وصلت إلى مشايخنا الكرام، يداً بيد وكابراً عن كابر، وعنهم أخذنا مبادئ هذه الطريقة الجليلة " [1].
مراسم الدخول في الطريقة
الغريب أن هذه الطريقة تشابه النصرانية أيضا، فقبل دخول المريد فيها يلزمه التعميد وهو ما يسمى عندهم بالعهد لدخول الطريقة، وله نظام خاصة فيقرا المريد أبياتا معينة من الشعر في التكية ثم يقول اللهم صل على جمال محمد، وكمال علي والحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ثم يقول:
جئت بباب الحق بالشوق سائلًا.. مقرًا به محمدًا وحيدرًا [2]
وطالب بالسر والفيض منهما .. ومن الزهراء وشبير [3]
وبعد أن يقرأ الشيخ على الطالب آية البيعة في القرآن الكريم يقول الطالب هذه الأبيات:
وبالحب أسلمت الحشا خادمًا لآل العبا[4].. وملاذي هو الحاج بكتاش قطب الأوليا!!
وبعدها يبدأ إذلال المريد بالعمل كخادم في التكية كأن يكون ساقيًا للقهوة أو فلاحًا، أو خادمًا للضيوف أو طباخًا أو غيره [5].
مراتب الطريقة البكتاشية:
وقسم أرباب هذه الطريقة المنتسبين إلى طريقهم على النحو التالي حسب درجاتهم:
1- العاشق: وهو الذي يحب الطريق ويعتنق مبادئها وتسيطر عليه الروح البكتاشية، وله رغبة في الانضمام إلى الطريقة، ويكثر من الحضور إلى التكية ويسمع ما يدور بها. ويرشحه الشيخ ليكون في المنزلة التالي وهي درجة الطالب.
2- الطالب: وهو الذي يعلن رغبته في الانضمام ويرشحه الشيخ لذلك ليتقبل الإقرار، ويعطي العهد. وتقام له حفلة بذلك.
3- المحب: وهو الطالب الذي انتسب إلى هذه الطريقة بعد حفلة الإقرار والبيعة.
4- الدرويش: الذي يتبحر في آداب الطريقة وعلومها ويلم بأركانها ومبادئها. ويهب نفسه للخدمة العامة فيها.
5- البابا: وهي درجة المشيخة ولا يصل إليها الدرويش إلا بعد مدة طويلة حيث يكون قد عرف الرموز الصوفية وأحاط بها..
6- الددة: وهو الخليفة، ولا يمنح هذه المنزلة إلا شيخ المشايخ ويكون هذا رئيسًا لفرع من فروع الطريقة في مصر.
7- الددة بابا: شيخ المشايخ وينتخب من بين الخلفاء وهو المدير العام لشئون الطريقة في العالم وهو الذي يعين البابوات وله حق عزل المشايخ." [6]
المغالاة في تعظيم الشيخ
كعادة الصوفية يغالي البكداشية في شيوخهم، فالشيخ في العادة لا يجلس مع المريدين، ولا يزار إلا أذن بذلك ، ولا يزوره المريد إلا بصحبة الدرويش المختص.
وللشيخ عندهم آداب وقواعد في الدخول عليه، منها أنه على المريد أن يخلع حذاءه ويدخل مطأطئ الرأس ويقف على بعد خطوات منه ويقرأ:
وجهك مشكاة وللهدى منارة ** وجهك لصورة الحق إشارة!!
وجهك الحج والعمرة والزيارة ** وجهك للطائعين قبلة الإمارة
وجهك القرآن الموجز العبارة !!
وبعد ذلك يتقدم المريد فيقبل يد الشيخ ثم يعود بظهره بضع خطوات ولا يجلس حتى يأذن له الشيخ بالجلوس وعند الوقوف أمام الشيخ لا بد من مراعاة ما يلي:
1- أن يضع إبهام القدم اليمنى فوق اليسرى.
2- وضع اليدين على الصدر فوق السرة!! [7]
فلسفة الطريقة
يرى بعض البحاثة أن الطريقة البكتاشية، هي مزيج من عقيدة وحدة الوجود،. وقد وضع الحاج بكتاش كتاباً سماه (مقالات) اتبع فيه فكرة الاثني عشرية والتولي والتبرئة، وهي من مصطلحات الشيعة.
مواطن انتشارها
انتشرت البكتاشية في تركيا واتصلت بفرقة الأنكشارية العسكرية التركية. وقد سار السلطان أورخان التركي (1326 – 1389م) مع فرقة الإنكشارية إلى الحاج بكتاش، وطلب منه أن يباركها فوضع الشيخ يده على رأس أحد جنودها ودعا لهم قائلاً : (فليكن اسمهم إنكشارية)، اللهم اجعل وجوههم بيضاء وسيوفهم فواصل، ورماحهم قاتلة، واجعلهم منتصرين قاهرين لأعدائهم. ومن هنا سمى الإنكشارية أنفسهم بالبكتاشية، وتوثقت العرى بين الطريقة البكتاشية، وأقوى فرقة جيش في تركيا حينها، بل وفي السلطة العثمانية. وكانت التكايا البكتاشية المنتشرة في أرجاء السلطة العثمانية موئلاً للإنكشارية، وكان لكل ثكنة عسكرية إنكشارية مرشد بكتاشي، كما أقيمت تكية بكتاشية قرب كل معسكر للإنكشارية، وبذلك تسلطت البكتاشية على الإنكشارية تسلطاً تاماً إلى أن قضى السلطان محمود الثاني على نفوذ أتباع هذه الطريقة ومشايخها على الإنكشارية والدولة عام 1826م، لكن أتباعها أخذوا بنشرها في صفوف الشعب التركي ومنها انتشرت في دول كثيرة منها ألبانيا ومصر حيث توجد التكية البكداشية منذ زمن.
الأوراد البكتاشية التي تثبت شيعيتها :
الورد البكتاشي يبدأ بذكر لله ثم للرسول ثم لعلي ثم لفاطمة ثم للحسن ثم للحسين ثم لعلي زين العابدين ثم الباقر، وهكذا إلى الإمام الثاني عشر عند الشيعة ثم الإعلان أن الذاكر بهذا الذكر متول للشيعة، بريء من جميع أهل السنة، ثم بعد ذلك ورد خاص في لعن الصديق أبي بكر رضي الله عنه وكل من رضي وتابع له، ثم في النهاية إشهاد الله أن الخلفاء بعد الرسول هم الأئمة الاثنا عشر دون غيرهم.
وهذه بعض نصوص هذه الأوراد البكتاشية.
1- اللهم صل وسلم وزد وبارك على السيد المطهر، والإمام المظفر والشجاع الغضنفر إلى شبير وشبر- قاسم طوبى وسقر [8].
2- اللهم صل وسلم وزد وبارك على السيدة الجليلة الجميلة الكريمة النبيلة المكروبة العليلة ذات الأحزان الطويلة!! في المدة القليلة المعصومة المظلومة، الرضية الحليمة، العفيفة السليمة، المدفونة سرًا، والمغصوبة جهرًا، المجهولة قدرًا، والمخفية قبرًا، سيدة النساء الأنسية، الحوراء البتول العذراء، أم الأئمة النقباء النجباء فاطمة التقية الزهراء عليها السلام
وهذا عين ما يقوله الشيعة في الدس والطعن واتهام الصحابة رضوان الله عليهم بظلم فاطمة رضي الله عنها وغصبها، وادعاء العصمة المطلقة لها.
3- اللهم صل وسلم وزد وبارك على السيد المجتبى والإمام المرتجى سبط المصطفى وابن المرتضى علم الهدى.. الشفيع ابن الشفيع المقتول بالسم النقيع - المدفون بأرض البقيع.. الإمام المؤتمن.. والمسموم الممتحن.. الإمام بالحق أبي محمد الحسن " [9].
4- ولابد للبكتاشي أن يلعن الصحابة وخصوصا الشيخين رضي الله عنهما " "اللهم العن أول ظالم ظلم حق محمد وآل محمد وآخر تابع له على ذلك"[10] وبالطبع هم يعنون بذلك الصديق أبا بكر رضي الله عنه وكل مسلم رضي بولايته إلى يوم القيامة!!
وبهذا يتضح التلازم والتطابق بين التصوف والتشيع في هذه الطريقة، التي تعتبر همزة الوصل بينهما لعبور الفكر الشيعي الباطني إلى ديار الإسلام، فلاشك أن التصوف كان المعبرة الرئيسية التي عبرت بها كل الفلسفات وكل أشكال الإلحاد والزندقة والتخريف إلى العالم الإسلامي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ
[1] الرسالة الأحمدية في تاريخ الطريقة البكتاشية ، تأليف أحمد سري بابا شيخ تكية أبي عبد الله المناوري ص69
[2] وحيدر هو سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه
[3] وشبير المقصود علي بن أبي طالب أيضًا
[4] آل العبا يعنون بهم أهل الكساء وهم علي وفاطمة والحسن والحسين والعباس
[5] يراجع الرسالة الأحمدية في تاريخ الطريقة البكتاشية
[6] الرسالة الأحمدية
[7] الرسالة الأحمدية ص74
[8] شبير: هو لقب يطلقونه على علي لأنه كان قصيرًا دون الربعة. ومعنى أنه قاسم طوبي وسقر أن له الجنة والنار وهو يدخل من يشاء كيف يشاء فالقسمة إليه
[9] الرسالة الأحمدية ص83
[10] الأحمدية ص90



ـــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات والبحوث}
ــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
03-06-2016, 08:05 AM
الأزارقة.. الوجه القاتم للغلو والتكفير*
ـــــــــــــــــــ

26 / 5 / 1437 هــ
6 / 3 / 2016 م
ـــــــــــــ

http://taseel.com/files/6e0bcd04093158da21701b1ea6e0c155.png





إذا كانت آراء وأفكار الخوارج من أكثر الآراء والأفكار انحرافا عن منهج أهل السنة والجماعة, فإنَّ فرقة الأزارقة المنبثقة عن الخوارج هي الوجه الأكثر غلوا والأشد تطرفا في مسألة التكفير التي يحتاط السلف الصالح فيها احتياطا شديدا. ومن هنا فإنَّ إلقاء الضوء على هذه الفرقة الشديدة الانحراف عن منهج أهل السنة والجماعة يكشف الكثير من الحقائق عن أصول الفكر المتطرف الذي ابتليت به أمة الإسلام منذ عهد ظهور الخوارج وحتى يومنا هذا, كما يظهر الآثار الكارثية له على مدى قرون من الزمان، ناهيك عن أن تناول هذا الفكر بالنقد والتحليل يُبصّر المسلمين بحقيقة هذا الفكر, وينبه إلى خطورته وانحرافه عن جادة الحق والصواب.

والأزارقة فرقة من فرق الخوارج، سميت باسم زعيمها نافع بن الأزرق الحنفي. ظهرت بعد أن فارق الخوارج عبدالله بن الزبير بسبب مخالفته لهم الرأي في بعض المسائل، وعلى رأسها الرأي في عثمان -رضي الله عنه. وهي من أشد فرق الخوارج ترفا في التكفير والغلو.

النشأة والتأسيس:
---------

يذكر علماء التاريخ أن بداية ظهور الأزارقة كان في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، وكانت بداية ظهورها بعد أن فارق الخوارج عبدالله بن الزبير الذي قدموا عليه من مكة، وقاتلوا معه الحُصينَ بن نُمير السكوني قائد جيش الشام، فلما مات يزيد بن معاوية، وبعد أن امتحن الخوارج ابن الزبير وتبين لهم خلافه لرأيهم خرجوا عنه سنة 64هـ، فخرجوا من مكة إلى جهتين هما:
البصرة: وممن توجه إليها نافع بن الأزرق، وعبدالله بن الصفار السعدي، وعبدالله بن إباضي، وحنظلة بن بيهس، وبنو الماحوز عبدالله وعبيدالله بن الزبير.

اليمامة: وممن توجه إليها أبو طالوت، وعبدالله بن ثور أبو فديك، وعطية الأسود اليشكري.
فأما أهل البصرة فقد أمروا عليهم نافع بن الأزرق؛ وأقام بالبصرة إلى أن خشي من أهلها، فخرج إلى الأهواز وتبعه أتباعه إلى هناك.

وأما أهل اليمامة فولوا عليهم أبا طالوت ثم خلعوه وولوا عليهم نجدة بن عامر.
وعندما خرج أهل البصرة لقتال الخوارج خرج نافع بن الأزرق منها إلى الأهواز, التي غلبوا عليها وعلى كورها وما وراءها من بلدان فارس وكرمان في أيام عبدالله بن الزبير، وقتلوا عماله بهذه النواحي, واستقر لهم الأمر فيها. وقد استطاع نافع بن الأزرق من استقطاب العديد من الرجال والمؤيدين. وسمي الذين أخذوا برأيه الأزارقة، وكانت غالبيتهم من تميم, وهذا يعود لأنه كان يتمتع بصفات مميزة وشخصية قوية مكنته من قيادة أكثر فرق الخوارج تطرفا[1].

أبرز الشخصيات:
-------------

نافع بن الأزرق: بن قيس الحنفي، البكري الوائلي، الحروري، أبو راشد. رأس الأزارقة وإليه نسبتهم، كان أمير قومه وفقيههم. وهو من أهل البصرة. صحب في أول أمره عبدالله بن عباس -رضي الله عنه، وله أسئلة رواها عنه. قال الذهبي: مجموعة في (جزء) أخرج الطبراني بعضها في مسند ابن عباس -رضي الله عنه- من المعجم الكبير.

كان هو وأصحاب له من أنصار الثورة على عثمان -رضي الله عنه. ووالوا عليا -رضي الله عنه، إلى أن كانت قضية (التحكيم) مع معاوية -رضي الله عنه، فاجتمعوا في "حروراء"، وهي قرية من ضواحي الكوفة، ونادوا بالخروج على علي. وعرفوا لذلك هم ومن تبع رأيهم (بالخوارج). وكان نافع -صاحب الترجمة- يذهب إلى سوق الأهواز، ويعترض الناس بما يحير العقل كما يقول الذهبي.[2]
كان شديد الجرأة في انتقاص بعض أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن عباس وغيرهم -رضي الله عنهم أجمعين. وفي تاريخ الطبري الكثير من هذه الجرأة المنبوذة.[3]

يعد نافع بن الأزرق من مشاهير الخوارج. فقد كان هو وفرقته السبب في تشعب آراء الخوارج على هذا النحو. فهو أول من فتح أبواب الخلاف بين الخوارج بتلك الأحداث التي بينها صاحب كتاب (الأديان) بقوله: "ولم يزالوا على ذلك -أي على الاتفاق- إلى أن مرق عليهم نافع بن الأزرق, فشتت كلمتهم, وفرق جماعتهم, وخالف أمرهم, وحاد عن اعتقادهم... وتتابعت الخوارج وافترقت إلى ستة عشرة فرقة بفرقة أهل الاستقامة"؛ ويقول عن مخالفة نافع لما عرف عند الخوارج من اعتقاد: "إنه أول من خالف اعتقاد أهل الاستقامة، وشق عصا المسلمين وفرق جماعتهم. انتحل الهجرة, وسبى أهل القبلة, وغنم أموالهم, وسبى ذراريهم, وسن تشريك أهل القبلة, وتبرأ من القاعد ولو كان عارفا لأمره تابعا لمذهبه، واستحل استعراض الناس بالسيف، وانتحل المهجرة وحرم مناكحتهم وذبائحهم وموارثتهم، وابتدع اعتقادات فاسدة وآراء حايدة، خالف فيها المسلمين وأهل الاستقامة في الدين"[4].
قُتِلَ نافع في سنة خمس وستين، في شهر جمادى الآخرة، عندما اشتدت المعركة بينه وبين جيش أهل البصرة بقيادة مسلم بن عبيس ابن كريز بن ربيعة -في ناحية الأهواز, الذي جهزه عامل البصرة من قبل عبد الله بن الزبير عبد الله بن الحارث الخزاعي. وبعد قتل نافع في هذه المعركة ولى الخوارج أمرهم قطري بن الفجاءة الذي انشقت عليه الأزارقة فيما بعد.[5]

قطري بن الفجاءة (توفي 78 ه- 697 ه): أبو نعامة، ابن الفجاءة، واسمه جعونة ابن مازن بن يزيد الكناني المازني التميمي. من رؤساء الأزارقة "الخوارج", من أهل "قطر" بقرب "البحرين". كان خطيبا فارسا شاعرا. استفحل أمره في زمن مصعب بن الزبير، لما ولي العراق نيابة عن أخيه عبدالله. وبقي قطري ثلاث عشرة سنة يقاتل ويسلم عليه بالخلافة وإمارة المؤمنين, والحجاج بن يوسف يسير إليه جيشا بعد جيش، وهو يردهم ويظهر عليهم, وكانت كنيته في الحرب أبا نعامة، ونعامة فرسه، وفي السلم أبا محمد.
اختلف المؤرخون في مقتله، فقيل: عثر به فرسه، فاندقت فخذه فمات، وجئ برأسه إلى الحجاج, وقيل: توجه إليه سفيان بن الأبرد الكلبي، فقاتله وقتل في المعركة بالري أو بطبرستان.[6]

أهم آرائهم الاعتقادية:
---------------

تتفق بعض آراء الأزارقة الاعتقادية مع آراء فرق الخوارج بشكل عام, لكونها فرقة من فرق الخوارج على كل حال, كالخروج على جماعة المسلمين وإمامهم, وتكفير بعض الصحابة الكرام، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب، بسبب مسألة التحكيم, وتكفير مرتكب الكبيرة سواء كفر نعمة أو كفر اعتقاد... الخ.
إلا أن الأزارقة تمتاز عن غيرها من فرق الخوارج بأنها الأشد غلوا وتطرفا في آرائها, والأكثر تكفيرا للمسلمين من بين فرق الخوارج, والأسوأ معاملة للمسلمين من حيث انتهاك دماءهم وأموالهم وأعراضهم لأتفه الأسباب والحجج الواهية.

وقد ذكر الشهرستاني في كتابه "الملل والنحل" بعض آرائهم الاعتقادية الشاذة، ومنها:
تكفيرهم لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه, وزعمهم أن الله تعالى أنزل في شأنه: ((ومِن النَّاسِ مَن يُعجِبُكَ قَولُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا ويُشهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلبِهِ وهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ))، البقرة: 204؛ كما أنهم يصوبون فعل عبدالرحمن بن ملجم الذي قتل علي بن أبي طالب غيلة, ويزعمون أن الله أنزل بشأنه: ((ومِن النَّاسِ مَن يَشرِي نَفسَهُ ابتِغَاءَ مَرضَاتِ اللهِ واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبَادِ))، البقرة: 207. وقد نقل الشهرستاني شعرا نسبه لعمران بن حطان -مفتي الخوارج وزاهدها وشاعرها الأكبر- يمتدح فيه ضربة ابن ملجم لعلي رضي الله عنه, مؤكدا أنه على هذه البدعة مضت في الأزارقة.
تكفيرهم عثمان وطلحة والزبير وعائشة وعبدالله بن عباس -رضي الله عنهم، وسائر المسلمين معهم، وتخليدهم في النار جميعا.

تكفيرهم القعدة، وهم الذين قعدوا عن قتال من رأوا وجوب قتاله، وهم أول من أظهر البراءة منهم، وإن كانوا موافقين لهم على دينهم.
أباحوا قتل أطفال المخالفين لهم ونساءهم, زاعمين أن الأطفال هم أيضا مشركون, بل ومخلدون في النار مع آبائهم.

إسقاطهم لحد الرجم عن الزاني المحصن, إذ يزعمون أنه ليس في القرآن ذكر له.
إسقاطهم لحد القذف عمن قذف المحصنين من الرجال مع وجوب الحد على قاذف المحصنات من النساء.
يزعمون أنه يجوز أن يبعث الله تعالى نبيا يعلم أنه يكفر بعد نبوته أو كان كافرا قبل البعثة.
يزعمون أن من ارتكب كبيرة من الكبائر فهو كافر كفر ملة, ويخرج بذلك عن الإسلام جملة, بل ويكون مخلدا في النار مع سائر الكفار. واستدلوا بكفر إبليس وقالوا: ما ارتكب إلا كبيرة, حيث أُمر بالسجود لآدم -عليه السلام- فامتنع, وإلا فهو عارف بوحدانية الله تعالى.[7]

بعض مسائل ابن الأزرق مع ابن عباس:
----------------

لزعيم الأزارقة بعض المحاولات للانتقاص من حبر الأمة عبدالله بن عباس -رضي الله عنه, من خلال بعض الأسئلة التي تشير إلى أنها تهدف إلى التعجيز وإظهار النقص, أكثر من كونها مجرد أسئلة للتعلم ومعرفة الحق, وقد ذكر الطبري بعض تلك المسائل التي تشير إلى مدى الغلو والتطرف الذي وصل إليه الأزارقة في تأويل آيات القرآن الكريم تأويلا فاسدا. ومن تلك المسائل:
ما أورده الطبري عن عكرمة أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس: تزعم أن قوما يخرجون من النار، وقد قال الله عزَّ وجل: ((ومَا هُم بِخَارِجِينَ مِن النَّار))، البقرة: 167, قال ابن عباس: ويحك اقرأ ما فوقها هذه للكفار.[8]

وذكر الطبري عن ابن عيينة عن عمرو قال: أخبرني من سمع ابن عباس يخاصم نافع بن الأزرق، فقال ابن عباس: الورود الدخول, وقال نافع: لا فقرأ ابن عباس: ((إِنَّكُم ومَا تَعبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُم لَهَا وارِدُونَ))، الأنبياء: 98, أورود هو أم لا؟! وقال: ((يَقدُمُ قَومَهُ يَومَ القِيَامَةِ فَأَورَدَهُمُ النَّارَ وبِئسَ الوِردُ المَورُودُ))، هود: 98, أورود هو أم لا؟! أمّا أنا وأنت فسندخلها فانظر هل نخرج منها أم لا, وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك. قال فضحك نافع –استهزأ.[9](9)

والحقيقة أن أمثال هذه المسائل اشتهرت بين أهل العلم، وهي منثورة في تراجم أبواب صحيح البخاري معلقة عن ابن عباس -رضي الله عنه، وهي من جهة الإسناد ليست قوية. وهي كثيرة جدا لا يمكن إيرادها في هذا التقرير؛ ويكفي المثالين السابقين كنموذج عنها.
وقد روى الطبراني عن قصة هذه الأسئلة في (المعجم الكبير)، عن الضحاك بن مزاحم الهلالي قال: خرج نافع بن الأزرق ونجدة بن عويمر في نفر من رؤوس الخوارج حتى قدموا مكة, فإذا هم بعبدالله بن عباس قاعدا قريبا من زمزم..، وإذا ناس قيام يسألونه عن التفسير.. فقال له نافع بن الأزرق: ما أجرأك يا بن عباس على ما تجريه منذ اليوم؟ فقال له ابن عباس: ثكلتك أمك يا نافع وعدمتك ألا أخبرك من هو أجرأ مني؟! قال: من هو يا ابن عباس؟ قال: رجل تكلم بما ليس به علم و رجل كتم علما عنده. قال: صدقت أتيتك لأسألك. قال: هات يا بن الأزرق فسل... [10](10).

وبغض النظر عن اختلاف العلماء في الحكم على الخوارج عامة -ومنهم الأزارقة، بين من كفرهم ومن توقف عن تكفيرهم, فإنَّ الجميع مجمعون على جواز قتالهم بل وجوبه, ناهيك عن إجماعهم على غلوهم وتطرفهم الشديد في الدين, وبدعتهم التي تعتبر من أشد البدع في الإسلام.

-----------------------------------
[1] الملل والنحل، للشهرستاني: ج1/118.
[2] الأعلام، للزركلي: ج7/351.
[3] تاريخ الطبري: ج6/228.
[4] كتاب الأديان (ص97)، نقلا عن كتاب: الخوارج تاريخهم وآراءهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها، غالب العوجي: ص199.
[5] تاريخ الطبري: ج5/613، والكامل لابن الأثير: ج4/195.
[6] الأعلام للزركلي: ج5/200- 201.
[7] الملل والنحل: ج1/118.
[8] تاريخ الطبري: ج6/228.
[9] تاريخ الطبري: ج16/108.
[10] المعجم الكبير، للطبراني: ج10/248، برقم: 10597.

---------------






ــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات والبحوث}
ـــــــــــــ

عبدالناصر محمود
04-09-2016, 07:55 AM
عبدة الشيطان: فصيل الماسونية النورانية
ـــــــــــــــــــــ

(عبد العزيز الناصر)
ـــــــــــ

2 / 7 / 1437 هــ
9 / 4 / 2016 م
ـــــــــــ

http://i2.ytimg.com/vi/X8mHgO7xQLY/0.jpg






﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [ص: 82]، كان ذا إعلانَ العداوة من إبليس، وأقسم بالله جهْدَ يمينه ألاَّ يَسْلَم مِن كيده من بني آدم إلا قليل، وأن يأتيَهم مِن بيْن أيديهم، ومِن خلفهم، ومن تحت أرجلهم، ومن فوقهم تنزل رحمةُ الله، فأنَّى له المجيء؟!

فنزل آدم - عليه السلام - وهبط معه عدوٌّ لا يَكلُّ ولا يَمَلُّ من إغواء ذريته من بعده، جلب عليهم بخيله ورَجِله، وأكثرهم له منقادون، حتى قادها تمشي على خُطواته، إلى عبادة الشياطين وتولِّيه، وذا قديمٌ قِدمَ الشرك، وقدمَ الوثنية نفسها، فمذ حاد الإنسان عن التوحيد، اتَّبع خُطواتِ الشيطان إلى الشِّرْك، واتَّخذ لله أندادًا، ثم مرَّت فترة، حتى أعلن الإنسانُ الشيطانَ إلهًا.

وقد يظن ظان أنَّا نحكي روايات ألف ليلة وليلة، و"يُحكى أنَّ..."، لا والله، ففي زمننا، بل زمن مَن قبلَنا، بل من عصور ما قبل الميلاد لم تنقطعْ عبادة الشياطين، ولا نقصد بعبادته طاعتَه وتوليه، والوقوعَ في المعاصي فقط، بل أعظم من ذلك؛ اتخاذه إلهًا، وتوجيه العبادات له زُلْفَى، والقربى جهارًا، بل وجعله نِدًّا لله، لا في الألوهية وحسب، بل في الربوبية، والزعم بأنَّه مدبِّر الكون، بل كان منهم مَن يشهد أنَّ الشيطان إلهٌ لا شريك له!! نعم، يوجدون في التاريخ، بل هم الآن في عصرنا، بل تسرَّبوا إلى أمتنا بدعاوى الحرية المطلقة، وحرية الاعتقاد، ورأس الدعوة الشيطانيَّة في حاضرنا هي "المنظَّمة الماسونية العالمية"، التي اخترَقَها عَبَدةُ الشيطان من فرسان المعبد، ثم أعاد تنظيمَ نشاطها بشكل دقيق ومُحْكَم النورانيُّون "حملة لواء الشيطان"، وهم أعلى مرتبةٍ في الماسون، إلا أنهم لا يُجاهرون بعبادة الشيطان للعامَّة، ولا تجد ماسونيًّا -إن أعلن عن هُويته - يجاهر بعبادته للشيطان، غير أنَّ أتباعهم في المراتب الدنيا، أنشؤوا جماعاتٍ صارتْ تجاهر بعبادة الشيطان دون رَبْطها بالماسونيَّة؛ لأنَّ للالتحاق بالماسون شروطًا أخرى.

ولسبر غور هذه الدِّيانة، وبيان ماضيها وأصولها من الأهمية، قدرَ ما للدعوة إلى التوحيد من أهمية؛ لأنَّ دعواهم من معاول هدْم التوحيد، ولا يُستهان بأنَّها دعوةٌ شاذَّة، فقد كان لها صدًى في الماضي، وهدَّدتْ كيانَ الدولة الإسلامية، لا يعي فداحةَ أمرهم إلاَّ مَن أحاط بهم خُبرًا.

ولا يزعمنَّ قائل أنهم شرذمة قليلون، كلاَّ، فكم من قلَّة صارتْ كثرة، خاصة وأنَّها آفةٌ تصطاد شبابًا أغرارًا، أحداثَ أسنان، سفهاءَ أحلام، لكنَّهم من الطبقة الثريَّة المُتْرَفة النافذة، ولهم مؤهلات عِلميَّة، فلا يَمرُنَّ زمن، حتى يطلع علينا منهم رأس في الدولة، وحينها سنرى الحقيقة المرة، والمثل حي يرى للناظرين، فلِعَبدة الشياطين في الولايات المتحدة الأمريكيَّة كنائسهم وجمعياتهم، وجماعات ضَغْط على النظام السياسي.

وهذه الدعوة هي موضةُ التسعينيات للمراهقين، ولكنَّهم الآن في العالَم مجتمع له رسالته، فلهم كُتبُهم، ومجلاَّتهم، وفلسفتهم، وموسيقاهم، وطقوس عبادتهم، وألبستهم، ونظامهم، وجمعياتهم ونواديهم، ومحلاَّتهم، وأتباعهم في تزايد، ومنهم أولو الأمر والنهي في الدول الكبرى، وشعاراتهم أصبحت (ماركات) عالمية، ومعابدُهم كالفطريات تستشري في دول عِدَّة!!

وكيما نعيَ فِكرَهم، نستدعي شيئًا من ماضيهم؛ كيما نقارعَهم ونحن على عِلم بمخططاتهم وغاياتهم.

فلهذه الدِّيانة جذورٌ في معظم الحضارات القديمة، بالأخصِّ الوثنية منها، فقد كان عَبَدَة الأوثان يستمتع بهم الجانّ، ويوحي لبني الإنسان، بمطالبِه من القُرْبى والطقوس الوثنية الشِّركيَّة، ومَن مارسوا السِّحر، إنما بُغيتهم التحكُّم في الجان، وخِدمة الشيطان.




تاريخ النِّحْلة الشيطانية
----------

- الحضارة الفرعونية المصرية:
-------------------

تكمن التعاليم *****ية، وعبادة الشيطان فيما يُعرَف بـ"تقاليد القبالاه المصرية القديمة"، التي توارثتها الأجيال المتعاقبة كتعاليم شفوية، وفي الحضارة الفِرْعونيَّة، كان الفراعنة على رأس السُّلطة، يليهم "الملأ" الجيش: يمثِّل القوَّة المادية لفرعون، و*****ة، أو الكهنة: كانوا يمثِّلون الدِّينَ والفِكر، والفلسفة التي يعتمد عليها الفرعون.

والكَهَنة كانوا عِمادَ الحضارة الفِكريَّة والعقدية، وتكوَّنتْ خلالَ هذه الحضارة الطوطمية[1] قاعدةٌ هائلة من الثقافة السِّحرية السوداء، والعقائد الوثنيَّة، والأساطير الخُرافية[2].

وفي خِضمِّ تلك الحضارة كان يقبع تحتَ سلطانها بنو إسرائيل، يسومهم آلُ فرعون سوءَ العذاب، ولأنَّهم ضمنَ النسيج الاجتماعي الحضاري، كان من نِتاج الاحتكاك الثقافي تلقِّي ثقافة الغالب، وامتزاجها مع ما لديهم، وضمها ضِمنَ تراثهم العقدي والفكري، على أنَّها مِن نتاجهم تدريجيًّا؛ لإقامتهم عِدَّة قرون في مصر، فتشكَّلت عندهم كتعاليم كهنوتية فلسفيَّة سحرية، عُرفت في التاريخ اليهودي فيما بعد بـ"ثقافة القبالاه اليهودية"، المستوحاة من "القابالاه المصرية القديمة"، وهذه التعاليم بمثابة فلسفة منهجيَّة للتفكير والتحليل، مَرَّتْ بتطورات عِدَّة، حتى طبَّقوها على شرْح التوراة، فكسبت رداءً دينيًّا، معه وشاح الشرعيَّة التلمودية.

- أساطير إله الشرِّ الفرعونية: وهي مبنية على أسطورة "إيزيس[3]"، و"أوزوريس" الفرعونية، التي كُتبت حوالي عام 4000 ق م[4].

تقول الأسطورة: إنَّ أوزوريس هو ابن إله الأرض الذي ينحدِر من سلالة إله الشمس رع، الإله الخفي، أصبح أوزوريس مَلِكًا على مصر، وعلَّمَ شعبَها كيف يزرع، وكيف يصنع الخبز والنبيذ، وتزوَّج أوزوريس من أخته إيزيس، وتعاونَا معًا لنشْر الحضارة في البلاد، وكان أوزوريس محبوبًا لدى شعبه، وأثَار هذا الحبُّ حِقدَ أخيه "ست"، الذي أخذ يُفكِّر في التخلص من أخيه والاستيلاء على عَرْشه، واستطاع سِت التخلصَ من أوزوريس، وبعدَ طول عناء استطاعتْ إيزيس - الزوجة الوفية - بمعونة بعض الآلهة وبسِحرها إعادةَ أوزوريس إلى الحياة الأبدية، وأصبح أوزوريس إلهًا بعد بعثه، وعاد إلى الأرض، حيث قام بتعليم ابنه حورس، ومساندته ضدَّ عمه ست، واستطاع حورس في النهاية التغلُّبَ على عمِّه، واستعادة عرش أبيه.

أصبح "أوزوريس" رمزًا لإله الخير، بينما أصبح "ست"، أو "سيتان" "SATAN" رمزًا لإله الشرِّ أو الشيطان، وانتشرتْ عبادة كلاَ الإلهين في الحضارة المصريَّة القديمة.

عبادة الشيطان في التراث البابلي:
في الألفية الخامسة ق.م كانتِ الإمبراطورية السومرية في بلاد الرافدين، ولها مُدن رئيسة، كأور عاصمة "بابل"، والتي عُرِفت بعلوم السِّحْر والفَلَك والتنجيم، وفي ذلك الزمن كان هاروت وماروت[5] بمدينة بابل؛ لتعليم الناس السِّحر ابتلاءً من الله - عزَّ وجلَّ - للتمييز بيْن ***** والمعجزة، حتى يَميز الناس الخبيث من الطيِّب، ويعي المؤمنون الفُرقان بيْن معجزة الأنبياء، وسِحر الكهَّان.

وفي القرن العشرين ق.م - عَهْد الكلدانيِّين - استشرى السِّحْرُ في أهل بابل، حتى ضرب المثل في إتقان ***** بحُكماء وكهنة وسحرة بابل، الذين كانوا قومًا يعبدون آلهةَ الكواكب السبعة، ويعتقدون أنَّ حوادث العالَم كلَّها من أفعالها، وعملوا أوثانًا على أسمائها، وجعلوا لكلِّ واحد منها هيكلاً فيه صنمه، يتقرَّبون إليه بضروب من الطاعات والطقوس، من الرُّقَى والعُقَد والنفث، ولكلِّ كوكب اختصاص، فمَن رام شرًّا أو حربًا، أو موتًا أو بوارًا لغيره، تقرَّب لزحل، ومَن أراد البرق والحرق والطاعون، تقرَّب إلى المريخ بما يوافقه من ذَبْح بعض الحيوانات [6].

وقد اتَّخذت تلك الأساطير، وما خالطها من الشعوذات والطلاسم، والممارسات *****ية - عِدَّةَ امتدادات دينيَّة وعِرقيَّة خلال مساراتها التاريخيَّة، في الحضارة الفرعونيَّة والفينيقيَّة والتدمُريَّة.

عبادة الشيطان عند الفرس:
استولى الفُرْسُ على بابل فيما بعدُ، ومِن أقدم ما ذُكِر في تاريخ هذه النِّحلة الشيطانية ما كان في بابل وأشور، حيث تذكر الأساطير البابلية والآشورية أنَّ هناك آلهةً للخير، وآلهة للشَّر، وأنَّهما كانَا في صِراع دائم، والجذور المعروفة لهذه الدِّيانة ترجع إلى أرْض فارس، حيث بدأتْ عبادة شياطين اللَّيْل المفزِعة، فقد كان ثَمَّة قبائل بدوية رحَّالة، تروح وتجيء بيْن شمال فارس، تبحث عن الماء والكَلأ، وعانَتْ من الأعاصير والجَفَافِ حالَ تنقُّلها ذهابًا وإيابًا، وليقينهم أنَّ الله - تعالى - لا يأتي الشرُّ منه، والشرُّ كلُّه من الشيطان؛ توهَّموا أنَّ العقاب لا يصدر إلاَّ من الشيطان، فأمِنوا مكرَ الله، ثم تسارعوا للتقرُّب من الشيطان كيما يكفَّ عنهم شرَّه، ثم تطورتْ بعد أجيال لتعبِّرَ عن مطلق الشر، ثم تطوَّرت - مرةً أخرى - لتعبر عن الشرِّ بالظلمة، والخير بالنور، من خلال العقائد الثنوية التي كانتْ تؤمن بإلهين: الأول إله النور الفاعل لكلِّ ما هو خير، والثاني إله الظُّلْمة الفاعل لكلِّ ما هو شر، وهو الشيطان، ويقتسم - في زعْمهم - الإلهان السيطرةَ على الكون، واختلاف تفسير العَلاقة بين الإلهين وتأثيرهما في الكون، نشأ منه الفرق والطوائف، التي تتميَّز كلُّ واحدة بمفهوم لهذه العلاقة، حتى نشأتْ فِرقٌ تُعظِّم الشيطان أكثرَ، واتخذته الإلهَ في المقام الأول، وسعتْ للتقرب له بطقوس وثنية؛ رهبةً منه، ثم وجدت طوائف من الثنوية، تفرض لإله الشرِّ في بعض الأزمنة سلطانًا أكبرَ من سلطان إله الخير على الأرض، فترى أنَّ النور والخير منفردان بالسموات، وأنَّ الظلمة والشر غالبان على الأرَضِين.

وتقوم سلسلة الديانات الفارسيَّة الثنوية على معتقد أنَّ العالَم مركَّب من أصلين "اثنين" قديمين: أحدهما النور، والآخر الظلمة، ومِن الديانات الثنوية: الزرادشتية والمزدكية، والديصانية والمانوية، والشامانية، وكذلك المجوسية عَبَدة النار بصفتها معدنَ الشيطان وأصله.

والشامانية والمانوية، تُؤمنان بقوَّة إله الشر والظلمة "الشيطان" وتَعْبُدانِه، وما زال لهما بعض الأتباع في أواسط آسيا يُقدِّمون له الأضاحي والقرابين، وكذلك في أوربا.

وهؤلاء هم عَبَدةٌ للشيطان وحْدَه؛ لقوَّته على الكون وتغلُّبه، وهؤلاء يتقرَّبون منه رغبةً.

عبادة الشيطان في التراث النصراني:
حينما انتشرتْ فكرةُ عبادة الشيطان في التراث اليهودي من خلال ثقافة "القبالاه"، عبرتْ إلى النصرانيَّة من خلال بعض الأفكار الغنوصيَّة، التي صاحَبتِ انتشارَ النصرانية في أوربا، والتي ترى في العالَم الجحيم المطلق، وهو عالَم الشر، ولا يمكن أن يخلقَه إلهُ الخير، وكل قصص الخلق مغلوطة، بل النصرانية نفسها لا تنفي غلبةَ الشيطان على العالَم الأرضي، وبها تعظيم لقدرات الشيطان، بالإضافة إلى انتشار المظالِم الاجتماعيَّة زمنَ انتشار النصرانية، وتفسيرها بأنَّها من ثوابت القَدَر؛ ممَّا دَعَا البعض إلى الكفر بالإله السماوي، والإقبال على عبادة الشيطان المتمرِّد، فتكرَّست فكرة عبادة الشياطين؛ اتقاءً لشرها (رهبة)، ومفهوم هذه العبادة يرتكز على وجود عالَمين: عالَم الملكوت، ويسيطر فيه إله الخير، وعالم الكهنوت، ويسيطر فيه إله الشر، وهو الشيطان.

وأوربا الشرقيَّة قومُها مؤمنون بالسِّحْرِ والشياطين حالَ اعتناقهم للنصرانية، فآمنوا بها مع إثبات تغلُّب الشياطين، وحُكمهم العالَم السفلي، ومدافعتهم لإرادة الرَّبّ، كما ظلَّتْ نِحْلة "البيوجوميل" (النِّحْلة الشيطانية) غالبةً على عشائر البلغار والبلقان لعِدَّة قرون.

- وفي القرون الظلامية الأوربية الوُسْطى، ظهرتْ جماعة "فرسان الهيكل" فرسان المعبد الصليبية في أوروبا، اتَّخذتْ من الشيطان إلهًا ومعبودًا، وكان لها اجتماعاتٌ ليلية مُغْلَقة تبتهل فيها للشيطان، وتزعم أنه يزورها بصورةِ امرأة، وتقوم هذه الجماعةُ بسبِّ المسيح وأمِّه وحوارييه، وتدعو أتباعَها إلى تدنيس كلِّ ما هو مقدَّس، وتعتبر جماعة "فرسان الهيكل " طورًا من أطوار الماسونيَّة العالميَّة، وكانوا يتميَّزون بلبس قميص أسود يسمونه "الكميسية".

انتشرتْ هذه الجماعةُ في فرنسا وإنجلترا والنمسا، ثم اكتشفتْها الكنيسة، وقامتْ بحَرْق مجموعة من أتباعها، وقتلتْ زعيمها، وقد قالتْ إحدى أعضاء هذه المجموعة قَبْل حرقها: "إنَّ الله مَلِك السماء، والشيطان مَلِكُ الأرض، وهما نِدَّان متساويان، ويتساجلان النصرَ والهزيمة، ويتفرَّد الشيطان بالنصر في العصر الحاضر".

وفي القرن الرابع عشر انتشَرَ الطاعون في أوروبا، وقتل ثلث سكَّانها، فارتدَّ عدد كبير عن النصرانية، وعبدوا الشيطانَ بدعوى أنَّه اغتصب مملكةَ السماء، ثم ظهرتْ عِدَّة جماعات بين عامي 1432- 1440م، مثل "جمعية الصليب الوردي"، وفي القرن السابع عشر ظهرتْ جمعية تُسمَّى "ياكين"، ثم "الشعلة البافارية"، و"الشعلة الفرنسية"، و"إخوة آسيا".

في 1770 بدأتْ بذور فكرة إقامة مجمع شيطاني على يدِ مجموعة من عَبَدة الشيطان من اليهود، وكانوا مِن كبار المرابين والحاخامات، والمديرين والحُكماء، فأسَّسوا مجمعًا سِريًّا يعمل على تحقيق أغراضهم، وأسموه: "المجمع النوراني" (The Illuminati الإليوميناتي). وكلمة "نوراني" بمعنى "لوسيفر" Lucifer "حامل الضوء"، أو "الكائن الفائق الضياء"، ثم أسَّس الألماني آدم وايز هاوبت مذهبًا مشابهًا باسم "حملة النور الشيطاني" النورانيِّين ضمن المجمع النوراني، وفي عام 1776م[7]، نظَّم وايز هاوبت جماعةَ النورانيِّين لوضع مؤامرة انتشار دعوتهم، وسيطرتهم على مواضع التنفيذ.

في عام 1784 اكتشفتِ الحكومة البافارية وجودَ مخطَّط شيطاني لتدمير جميعِ الحكومات الملكيَّة، والأديان الموجودة.



اندماج النورانية والماسونية
بعد فضيحتهم، انتقل نشاط النورانيِّين إلى العمل خلفَ مسمَّى "العالمية"، ونقل مركز القيادة وكهنة النظام الشيطاني إلى سويسرا، فلَبِثوا هناك حتى نهاية الحرْب العالمية الثانية، حيث انتقلوا إلى نيويورك[8].

ولكي يحافظ وايز هاوبت على برنامجه؛ رأى أن يمتزجَ مع الماسونيِّين، الذين يجدون مطلق الترحيب في الأوساط البروتستانتية؛ وذلك لكون المذهب البروتستانتي صِهْيونيَّ النزعة، يهودي الجذور، فبالتالي هو لا يتعارض كثيرًا مع التطلعات الماسونية اليهودية، وهذا التحوُّل سيجعل النورانيِّين ينشطون في البلدان البروتستانتية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، ثم استراليا وشمال أوربا.

ومن مبادئهم: أنَّ الأرواح لا تنجو إلا إذا انحدرتْ إلى الدَّرْك الأسفل من الخطيئة، والشيطان هو الإله، وأنه مساوٍ تمامًا لأدوناي - وهو اسم يُطلقونه على (الله تعالى) - وتنصُّ العقيدة الشيطانية على أنَّ الشيطان قاد الثورةَ في السماء، وأنَّ إبليس هو الابن الأكبر لأدوناي، وهو شقيق ميخائيل الذي هَزَم المؤامرة الشيطانية في السماء، وأنَّ ميخائيل نزل إلى الأرض بشخصِ "يسوع"؛ لكي يكرِّر على الأرض ما فعله في السماء، لكنَّه فَشِل.

والنورانيون هم أكبر داعم لنشْر هذه الديانة في عصرنا؛ لذا كوَّنوا جمعياتٍ تابعةً للماسونية بشعارات مختلفة؛ كيما تموه على العامَّة والسلطات في دول عِدَّة، كلها تدعو لحرية الأديان، غير أنَّ المراد من تلك الدعاوي نشْرُ التحرُّر من ربقة الأديان، واتِّباع الشيطان.

- جمعية الجمجمة:
مؤسِّس الجمعية " وليام هـ. راسل" "William H. Russell" طالب في (جامعة ييل)، من أسرة ثَرِيةٍ امتلكتْ إمبراطورية تجارة الأفيون في أمريكا، ابتعثَه النورانيُّون سنة 1833 إلى ألمانيا بمِنحة دراسية لمدَّة سَنَة، فتصادق هناك مع رئيس جمعية سِريَّة ماسونية، كان "الموت" شعارًا لها، وحين عاد إلى أمريكا، أسَّس "جمعية إخوة الموت"، وبشكل غير رسمي كانت "جمعية الجمجمة والعظام" شعار الجمعية، عبارة عن عَظْمَتي ساقٍ تعلوهما جُمجمة، وفي الأسفل يوجد الرقم 322، تعبيرًا عن سَنَة تأسيس الجمعية عام 322 ق. م زمن الإغريق؛ ليُعادَ إحياء الجمعية على يد الماسون عام 1832م في ألمانيا، وعام 1882م في أمريكا؛ ليكون الهدف منها إحكامَ السيطرة على العالَم، حيث يُشاع بأنها القَلْب المعتم لحكومة العالم السِّريَّة[9].

- كنيسة الشيطان:
بالرغم من أنَّ معظم الباحثين يذهبون إلى أنَّ آنطوان ليفي هو مؤسِّس فكر عبادة الشيطان في العصر الحديث، إلاَّ أنَّ البعض ينسب هذا الفكرَ الحديث إلى موسيقا "الرُّوك"، والمغني الأمريكي ليتل ريشارد، الذي أدخل سنة 1952م إلى الرقص أنغامًا وحركات تعود إلى العُنف، وبعدَه في عام 1955م، تزعَّم ألفيس بريسلي الحركة الموسيقيَّة، وراح يخاطب غرائزَ الشباب، ويُشجِّعهم على رفْض القِيَم الدينيَّة والأخلاقية، وعلى الحياة نفسها[10].

تَمَّ الاعتراف بشكل رسمي وعلني في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1966م، بأوَّل كنيسة لعبادة الشيطان في سان فرانسيسكو، تحتَ حماية قانون كاليفورنيا لحريَّة الأديان، الذي صدر في العام نفسه.

وحسب تقارير مكتب التحقيقات الفِيدرالي في الولايات المتحدة، فإنَّه يدخل في كل عام في هذه الديانة 50 ألف شخص، كما أكَّد أنَّ هذه الطائفة وراءَ الكثير من جرائم القتْل وخطف الأطفال، وخاصَّة في ولايتي سان فرانسيسكو، ولوس أنجلوس، حيث كانتِ الشرطة تجد بقايا دماء أطفال، وحيوانات مذبوحة بجوارها الشموع والأقنعة السوداء والجماجم[11].

والمجتمع الأمريكي يضمُّ أكثر من 20 طائفة تُقدِّس الشيطان.

بعض الحقائق بالأرقام في أمريكا وغيرها:
♦ 17 مليون مواطن أمريكي هم مجموعُ أتباع الطوائف التي تقدِّس الشيطان، 105 ملايين مواطن أمريكي بين ملاحِدة وعلمانيِّين، 70 مليون مواطن أمريكي لا يؤمنون بالبَعْث.

♦ 47 % من سكَّان أوروبا يعانون هلاوسَ بصريَّة وسمعيَّة (إما بشكل مرَضي، أو نتيجة لتعاطي الكحوليات والمخدِّرات، والأدوية العصبية).

♦ 1282 مكانًا رسميًّا على مستوى العالَم، تُمارَس فيه عبادات تقوم على تقديس الشيطان والأنفس السفلى.

♦ الدستور الأمريكي يُعْطي حريةَ اختراع كلِّ فرد لدِين خاص به[12].

♦ ومؤخرًا بدأتْ هذه الممارسات تزدهر علنًا في دول أوروبية كثيرة، ففي إنجلترا - مثلاً - هناك تسعة ملايين شخص ينتمون إلى كنائس الشيطان - ومثلهم تقريبًا في ألمانيا وإيطاليا، وفي فرنسا هناك مجلَّة وبرنامج خاص لعَبَدة الشيطان، تُقدِّمه عرافة تُدْعى "مدام سولي"، وفي سويسرا وإيطاليا والنمسا يُمارِس آلاف الأشخاص بانتظام ما يُسمَّى بالقُدَّاس الأسود عند اكتمال البدر.

♦ وأشار تقرير صدر في شهر مارس/ آذار سنة 2005 عن البَعْثة الوزارية لمراقبة ومكافحة التجاوزات الطائفيَّة، وتَمَّ تسليمه إلى رئيس الوزراء: أنَّ ظاهرة عبادة الشيطان تكتسب أرضًا جديدةً في فرنسا؛ مما يؤدِّي إلى زيادة عمليات تدنيس المقابِر، وطقوس معادية للمسيحيَّة.

♦ كما تشهد الظاهرة تزايدًا أيضًا في الدول الإسكندنافية وروسيا، وإيطاليا وإسبانيا، وألمانيا واليونان، وجنوب أفريقيا، واعترفتْ بعض الدول بها[13].



عبدة الشيطان في تاريخ المسلمين
--------------

اليزيدية (عبدة الشيطان):
-------------

نشأتْ هذه الطائفة في أوَّل أمْرِها في منطقة "الشيخان"، ومنها انتشرتْ في باقي المناطق.

ففي مواطن اليزيدية كان قبيل "ترهايا"، وهم مِنَ المجوس الذين نزحوا إلى جبال حلوان لَمَّا فَتَح المسلمون بلادَ الفُرْس، وقد دخلوا الإسلام، غير أنَّ عُزْلتَهم عن الناس جعلتْ معتقداتِهم خليطًا بين الوثنيات المجوسيَّة، وتقاليد القوم، مع دراية سطحية بالدِّين الإسلامي، ثم انتشرتْ فيهم الطرق الصوفية[14]، حتى غلبتْ عليهم الطريقة العدوية؛ نسبةً للشيخ عدي بن مسافر[15]، الذي بلغ عندَهم مقامًا لا يحوزه أحدٌ من البشر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وفي زمن الشيخ حسن زادوا أشياء باطلة، نظمًا ونثرًا، وغلوا في الشيخ عدي، وفي يزيد، بأشياءَ مخالفة لِمَا كان عليه الشيخ عدي - قدَّس الله رُوحه - فإنَّ طريقته كانت سليمة، ولم يكن فيها من هذه البِدع"[16].

واليزيدية في الأصْل كانت تُسمَّى بالطائفة العدوية، قال أبو سعيد عبدالكريم بن محمد السمعاني (توفي 562هـ/1166م)؛ أي: بعد خمس سنوات من وفاة الشيخ عدي، في الورقة 600 من كتابه "الأنساب"، الذي طبعَه المستشرق البريطاني ماركليوث عام 1912م: "وجماعة كثيرة لقيتهم بالعراق في جبال حلوان، ونواحيها من اليزيدية، وهم يتزهَّدون في القُرى التي في تلك الجبال، ويأكلون الحال[17]، وقلَّما يخالطون الناس، ويعتقدون الإمامةَ في يزيد بن معاوية، وكونه على الحق"[18].

خَلَف الشيخَ الأعزب بعدَ وفاته ابنُ أخيه أبو البركات بن صخر بن مسافر، ثم خَلَف أبا البركات ابنُه عدي بن أبي البركات، الملقَّب بأبي المفاخر، والمشهور بالكردي، وكان صالحًا مثل أبيه، مُكْرِمًا لأهل الدِّين والعلم، وافرَ العقل، شديدَ التواضع، وكانتِ الطريقة في أيَّامه على غاية من الصفا في جوهرها[19].

ثم خلفهم الشيخ حسن بن عدي بن أبي البركات بن صخر بن مسافر، الملقَّب بتاج العارفين، شمس الدين أبو محمَّد شيخ الأكراد، ولد سنة 591، وتوفي 644، وفي زمانه بدأ الانحراف عن نهْج الطريقة العدوية الأولى، وزاد الغلوّ في الشيخ عدي بن مسافر الأموي، وفي خلفائه، كما كَثُر الضلال في تعاليمه.

رأى الشيخ حسن تكاثرَ المريدين من حوله، فألْقَى هالة من القداسة حولَ نفسه، بأنِ اعتزلهم لسِتِّ سنوات، ثم طلع عليهم بكتاب "الجلوة لأهل الخلوة"، به خليطٌ من الوثنيات القديمة، والمجوسية والزرادشتية، واليهودية والنصرانية والإسلام، وسَوَّر عقائده بسِياج من السِّريَّة، ومنَعَهم من القراءة والكتابة؛ كيما ينقادوا له طواعيةً، ثم حادت الطريقة العدوية إلى اليزيدية الحالية شيئًا فشيئًا، ومِن الذين أثَّروا على الشيخ حسن وغيَّروا أفكاره وعقيدته محي الدين ابن عربي (550 - 638هـ) أثناء تردُّد الشيخ حسن إلى الموصل، حيث كان يُقِيم ابن عربي.

وبالرغم من عدم وجود إحصائيات دقيقةٍ لليزيديِّين لأسباب عِدَّة، فإنَّ التخمينات تجعل أعدادَهم كما يلي: في العراق 40 ألف نسمة، في سوريا 25 ألفًا، في تركيا 50 ألفًا، في أرمينيا 55 ألفًا، في جورجيا 45 - 50 ألفًا، وبذلك فإنَّ عددهم في العالَم يتجاوز 200 ألف يزيدي[20].

عقيدتهم:
يؤمنون بوجود إله أكبرَ خالقٍ لهذا الكون، إلاَّ أنَّه لا يُعْنى بشؤونه، بعدَ أن فوَّضها لمساعدِه، ومنفذ مشيئته "ملَك طاوس"، والذي يرتفع في ذِهْن اليزيدية إلى مرتبة الألوهية، حتى إنَّهم يسبحون به، ويتضرَّعون له، وهو الملاك الأعظم الذي عَصَى الله في بَدْء الخليقة، فعاقبه الله على خطيئته، فظلَّ يبكي سبعة آلاف سَنَة، حتى ملأ سبعَ جرار من دموعه، وألقاها في جهنم، فأطفأ نارها، فأعاده الله إلى مركزه الرفيع في إدارة الكَوْن.

ولَعْن الملاك طاوس، وتسميته بالشيطان، واعتقاد أنَّه خالق الشر، مخالِف لمعتقدات اليزيدية، بل يجب تسبيحُه، إن لم يكن حبًّا فيه، فدفعًا لغضبه.

أما نبي هذه الدِّيانة فهو الشيخ عادي، الذي يَرْوُون عنه أخبارًا ورواياتٍ عديدة، ويرفعونه لدرجة التقديس، والعلاقة بين شخصية الشيخ عادي والشيخ عدي بن مسافر غامضةٌ جدًّا.

ويعتقدون في وجود آلهة موكل إلى كل منها شأن من شؤون الدنيا، ومِن ذلك "بري أفات"، وهو إله الفيضانات والطوفان، و"خاتونا فخران" وهي إلهة الولادة عندَ النساء...إلخ، ويعتقدون بوجود أنصاف آلهة مثل "مم شفان"، وهو إله الغنم، و"العبد الأسود" إله الآبار، و"ميكائيل" إله الشمس... إلخ.

وفيما يتعلَّق بالشيطان الذي ارتبطتْ به الديانة اليزيدية:
فإنهم يُقدِّسونه ويحترمونه، ويَحْلِفون به، ويعتبرونه رمزًا للتوحيد بزعمهم؛ لرفضه السجودَ لآدم - عليه السلام - ويُسمُّون الشيطان "طاوس ملك"؛ أي: "طاوس الملائكة".

ولليزيدية سبعة طواويس، لكلٍّ منها اسمُه الخاص، وقد صنعوا لكلِّ طاوس تمثالاً خاصًّا، وسبب ذلك هو عدم كفاية طاوس واحد لجميع اليزيدية؛ لأنَّهم منتشرون في أقاليمَ متباعدةٍ جدًّا.

ويعتقدون أنَّ أصل الملائكة مِن نور الله سبحانه، وأنهم قد شاركوا الله في خَلْق الكون.

وأما الكتب المقدسة لديهم، فهناك "مصحف رش"، وينسبونه إلى الشيخ عدي بن مسافر، ويتحدَّث عن بداية خَلْق الكون، ومراحل تكوينه، وخَلْق آدم، وامتناع عزازيل (الشيطان) عن السجود لآدم، كما أنَّه يحتوي على بعض الأوامر والنواهي، وذِكْر بعض المحرَّمات.



مظاهر عَبَدة الشيطان المعاصرة
------------------

انتشرتْ مظاهر وطقوس عَبَدة الشيطان في حاضرنا جهارًا نهارًا، ولم يعد للسِّريَّة داعٍ؛ إذ الحُكم لهم في مجتمعاتهم ولمبادئهم، فشعارات "الحرية" بلغتْ مداها، والماسون استنفذوا طاقتَهم في إقناع هذه المجتمعات الإباحيَّة بلزوم الحُريَّة لكل شيء، إي نَعَم، لكلِّ شيء، حتى الاعتقاد بألوهية الشيطان! ومن ثَمَّ سنُّوا لها القوانينَ المشرِّعة لها، الحامية لأتباعها، وقالوا: لكلٍّ شِرْعة هو مولِّيها، وشرعتنا: هوانا إلهنا، لا شريك له، عليه توكَّلْنا، وإليه ننيب.

- فلسفتهم:
الإنسان هو صورةُ الكون المصغَّرة؛ صورة مصغَّرة طِبق الأصل للكون الأكبر الأزلي، ولازم أزليَّة الكَوْن، أزلية الإنسان؛ أي: إنَّه غير قابل للفَناء، وظاهرة موته إنما هي انتقاله مِن حلقة لأخرى، إذ يتناسخ مِن درجةٍ لأختها، فهو أبديٌّ وقديم؛ أي: لا مَبدأ لنشأتِه، ولا مُنْتهى لمستقبله، فالبشر جميعهم آلهة، وعلى الإنسان التخلُّص مِن خوفه مِن الموت، فليس بالنهاية، لكنَّه نقطة الانطلاق إلى حلقة جديدة.

وفكرة "الخطيئة" ليستْ إلا بدعًا من الكلام، اختلَقَها الضعفاء، ثم تحوَّلوا لعبيدٍ لها؛ كيما يسترضُوا شعورَهم بالضعف، وغاية العبادة والصلاة هي في الوصول إلى "النور"، وذاك ببلوغ حالة النَّشْوَة والكمال، أو الصفاء الذِّهني، وللترقِّي إلى هذه الحالة يستخدمون الموسيقا الصاخِبة، والخمورَ والمخدِّرات والعقاقير، وبالطبع الممارسات الجِنسيَّة – الزِّنا - والشاذَّة أيضًا.

وبلوغ حالة النشوة لهم فيه دهاء كبير، فتهييج المشاعِر، وتخدير العقول، ثم غَسْل المعتقدات، وغَرْس المتعفنات عن طريق السماع في حضور جماعي، يتطلَّب حنكةً من رؤوس القوم، ومِن سبل الدِّعاية لهذا الفِكر موسيقا Black ****l، وهي موسيقا صاخِبة تعتمد على الجِيتار الإليكتروني، ومِن أشهر الفِرق التي تتغنَّى بعظمة الشيطان، وتدعو إلى فكره، فرقة Dimmu Borgir، وفرقة slayer، وأشهر مُغنٍّ يدعو إلى هذا الفكر يُدْعى مارلين مانسون، الذي ألَّف كتاب "الطريق الخارج من جهنم"، ويخرج أغانيه بأسلوب فلسفي يُثير غرائزَ الشباب، ويدعوهم للإعجاب بهذا الفِكر.

كما ألَّف أتباعُ هذه الطائفة الكتبَ الكثيرة؛ للدعوة إلى باطلهم، ومنها: "صمت إبليس" تأليف د. لورانس بازدر، و"إبليس تحت الأرض"، و"جاء لتحرير الرهائن"، و"الطقوس الشيطانية"، و"الساحر الشيطاني"، و"مذكرة الشيطان"[21].

يقول علماء النفس: إنَّ موسيقا "الروك" تصنع نوعًا من الغياب الذهني، وعلى وجه التحديد موسيقا "الميتال"، و"الديث ميتال"، فهي المفضَّلة في تجمُّعات العبادة والصلاة لديهم، إذ تصل نسبةُ الضوضاء في هذه الأنواع من الموسيقا إلى 120 ديسبل، مع تعاقب سريع جدًّا بيْن الإضاءة المبهرِة وسطَ ظلام حالك، يصل إلى ما يزيد عن 40 مرة في الثانية، وبهذه الضوضاء العالية جدًّا، والإضاءة المتسارِعة، مع المخدِّرات والخمور، يتمُّ شلُّ مقاومة العقل الإنساني الطبيعي، ويفقد الإنسانُ القدرةَ على التركيز، وبذا يصل إلى حالة النَّشْوة والكمال الذهني، التي تصل به إلى "النور" المزعوم، وما ذاك إلا حالة للشلل الفكري، ناتج عن تخدُّر الدِّماغ، وانهيار التركيز، مع تعاقُب الترميز، فتتوارد صُورٌ ذهنية في حالة لذَّة ذهاب العقل مع الطَّرَب، يحسبها الظمآن – روحيًّا - وحيًا.

وفي ذلك الحال يأتي دَورُ الحضور الجماعي، بإلقاء القادة الرسائلَ الإيحائية في هذا الجوِّ المخدِّر للعقول، تلك الرسائل تهيِّج مشاعرَ المتعبدين المجتمعين معًا بالمئات، بل بالآلاف، وتكون في شكل وصايا؛ كيما يتوهمَ القداسة فيها.

الوصايا التِّسْع لعَبَدة الشيطان:
1- أطلِقِ العِنانَ لأهوائك، وانغمس في اللذَّة.
2- اتبع الشيطان، فهو لن يأمرَك إلاَّ بما يؤكِّد ذاتك، ويجعل وجودَك وجودًا حيويًّا.
3- الشيطان يمثِّل الحكمة والحيوية غير المشوهة، وغير الملوثة، فلا تخدعْ نفسك بأفكار زائفة، سرابية الهدف.
4- أفكار الشيطان محسوسةٌ ملموسة، ومشاهدة، ولها مذاق، وتفعل بالنفس والجِسم فِعلَ الترياق، والعمل بها فيه الشفاءُ لكلِّ أمراض النفس.
5- لا يَنبغي أن تتورَّط في الحُبِّ، فالحبُّ ضعْف، وتخاذل وتهافت.
6- الشيطان يمثِّل الشفقة لمن يستحقونها، بدلاً من مضيعة الحبِّ للآخرين، وجاحدي الجميل.
7- انتزعْ حقوقَك من الآخرين، ومَن يضربك على خدِّك، فاضربْه بجميع يديك على جسمه كلِّه.
8- لا تحبَّ جارَك، وإنما عامله كآحاد الناس العاديِّين.
9- لا تتزوَّج، ولا تُنجب، فتتخلَّص من أن تكون وسيلةً بيولوجية للحياة، وللاستمرار فيها، وتكون لنفْسك فقط[22].
وهذه الوصية الأخيرة هي للمانوية الثنوية الفارسية؛ دعاة هلاك البشر، واستعجال الفَناء.

الإشارات والرموز التي تُميِّز عَبَدة الشيطان:
- الوَشْم: على أشكال الشياطين، على جميع الجِسْم، ومنها النجمة السُّداسية، ورقم 666، وهو رقم الشيطان عندهم، ورسومات مفزِعة ترمز للعُنْف والرعب، كرسم الجمجمة والعظمتين، علامة خطر الموت، ورسْم الحيوانات الخياليَّة المفزعة، والشياطين، ورسوم جِنسيَّة، وكلمات بذيئة.

- قصَّات معينة للشَّعْر: مع الوشْم على الرأس، أو وضْع شعارات الجماعة.

- فصوص وأقراط وسلاسل: ذات أشكال معيَّنة يرتدونها على كامل الجِسْم، حتى الشفاه والرقبة، والأنف، وجمجمة الرأس، والأيدي، والبطن.

أساور وقلادات وخلاخيل: ذات تصميمات معيَّنة تشير إلى أُمور خاصَّة بعبادتهم، بل حتى الأعضاء التناسليَّة لم تَسلَمْ من غرْز الأقراط، ولهم في ذاك معتقد خرْق المألوف، غير أنَّه من الحالات المازوشية، وهي عرض مرضي نفسي، يجعل صاحبَه يتلذَّذ بالألم.

- ومن رموزهم: ثقب الآذان وتوسيعها، وثقب الأنوف، وإلْصاق المسامير والحلقات بمناطق مختلفة مِن الجِسم، بشكل مؤذٍ ومقزِّز، يُنبِئ عن انعدام الذَّوْق والحس، يرمزون بذلك إلى مخالفة كلِّ الأعراف البشرية، والتميُّز بأنهم يتحدَّوْن الألَم، ورفض كل ما له علاقة بالقِيَم، أو الأخلاق، أو الدين.

طقوس عبادتهم:
- التأمل: يكون فرديًّا أو جماعيًّا، في إضاءة خافتة، أو على ضوء الشموع مع البخور؛ وذلك لإضفاء نوْع من الخشوع على المتعبدين.

- القداس الأسود: فيه يُستهزأ ويُتهكَّم على الله تعالى، وعلى المسيح وأمِّه وحوارييه، ويشتمونه فيما يُشبه الترانيم في العبادة الكنسيَّة، ويُكسَر الصليبُ ويُقلب، ويُحْرَق أكبر عدد من الكتب المقدَّسة عندهم، ويُقدِّمون الذبائح البشرية، ويتعاطون الخمورَ والمخدِّرات، والعقاقير المخدرة، ويمارسون كلَّ أنواع الفُحْش الشاذ.

- نبش القبور: والعَبَث بالجُثث، والرقص عليها، وممارسة الجِنس مع الجُثث الحديثة الدفن.

- السُّكْر الشديد: حتى الثُّمالة، مع تعاطي المخدِّرات بكميات كبيرة جدًّا، تجعل أشكالَهم تبدو بصورة غريبة وفظيعة.

- ذبح الحيوانات: يُطلب من الأتباع الجُدد والأطفال تربيةُ حيوانات مثل القطط والكلاب، ثم يَجْبرونهم على قَتْلها بطعنها وإخراج دمائِها وأحشائها، وإجبارهم على شُرْب دمائها، وتلطيخ أيديهم ووجوههم بها.

- الصلاة للشيطان: ممارسة صلاتهم باللَّيْل؛ لاعتقادهم أنَّ الشيطان لا يقبل الترانيمَ مع ظهور أول ضوء.

- إشعال النيران: وَسْطَ حلقة مستديرة في وَسَطِها نجمة خُماسية، والرقص على أنغام موسيقا "الروك" الصاخبة حولها، بعدَ تعاطي المخدرات.

- استحضار الشياطين: في غرفة مظلمة، مرسوم على جُدرانها رموزٌ شيطانية، وفيها مَذْبح مُغطًّى بالأسود، تُوضع على المذبح كأسٌ مليئة بالعِظام البشرية، وخِنجر لذبْح الضحية، ونجمة الشيطان ذات الأجنحة الخمسة المقلوبة، وتكون الضحيةُ إحدى الأعضاء، ويُفضَّل أن تكون ابنة زِنًا.
ويبدؤون طقوسَهم بالرقص، ثم يخلع الجميعُ ملابسَهم، وتتقدم الضحية في وسط الراقصين؛ لتذبحَ ويُشرب دمها.

- شرب الدماء: لاعتقادهم بتناقل الطاقَّة الرُّوحيَّة لحياة صاحب الدم نحوَ الشارب لدمه، وهذا الطقس يشمل دماءَ البشر والحيوانات على السواء، غير أنَّ دماء الأطفال هي المفضَّلة كأعلى القُربان للشيطان، فتجرُّع دمِ البريء الذي لم يقارفِ الخطيئة بعدُ، هو مِن شعائر تعظيم إله الشرِّ والخطيئة.

- أكل لحوم البشر: لاعتقادهم بتناسُخ القُوَى الرُّوحية، وانتقالها من المأكول إلى الآكِل، كأكْل قلوب الضحايا وهم أحياء أمامَ ناظريهم، قطع الرقبة، وسَلْق أجزاء الجِسم في المرجل، فسخ أشلاء المولود الجديد لأكْله، أكْل التعويذة السِّحرية مركبة من خليط من أعضاء الجسم المأكول، وفضلاتُ الجسم تُستعمل بتلطيخ الأطفال بها وهُم عُراة، ويجبرونهم على أكْلها؛ تقرُّبًا للشيطان.

- حجرة التعذيب: تُثبَّت الضحية على طاولة بقيود حديديَّة، ثم يُحلَق رأسها، بعدها يدخل قضيب بطول 85 سم مِن فتحة الشرج إلى المِعَى المستقيم، ثم يأخذ أعضاء الطقس في جرح صدر الضحية، ورسْم النجمة الخماسية الشيطانية المقلوبة، وتَحدَّث أطفال شهود عِيان عن نزْع الأعين، وقطْع الآذان، واستخراج الأدمغة، وخَلْع القلوب، وبَتْر الأيدي والأقدام، ومِن معتقدات عبدة الشيطان أنَّ عذاب الأضحية، كلَّما كان أبطء تحصَّلوا على قوة رُوحيَّة أكثر، وقَبول من الشيطان أكبر.

- سحق العظام: ليتمَّ تحويلها إلى مادة أولية لصناعة أواني يستعملونها في طقوسهم، كالكؤوس والفناجين، والصحون والدُّمَى، وما زاد عن حاجتهم يبيعونه للجماعات الأخرى من عَبَدة الشيطان مثلهم، ويحتفظون أحيانًا بالجماجم؛ ليشربوا فيها الدم.

- الاغتسال بالدماء: يُدعَى الطقس بـ"القمر الدموي"، ويكون في اللَّيالي القمرية الحمراء، حيث يتمُّ ملءُ مغطس بالدِّماء، بشرية أو حيوانية، ويغطس فيها لمدَّة زمنية معينة.

- قتل الحيوانات: للحصول على دمائها، يقوم الأتباعُ بتربية بعض الحيوانات الأليفة، ثم يُجبِرون أطفالهم على قتلها؛ ليتولَّدَ فيهم نزوة التلذُّذ بإيلام الآخرين، وعدم الاشمئزاز أو الخوف من القَتْل، والحيوانات المقتولة تكون من الحقيرة الصغيرة، كالفئران والجُرذان، إلى الضخمة كالأبقار، ولا يرحمون لا القِطط ولا الكلاب.

- طقس القارب: تُمدَّد الضحية على القارِب، وتُنشر عليها الأفاعي كي لا تتحرَّك، وحولها 6 شموع حمراء مضاءة، ويحيط بها 6 من أعضاء الجماعة، وهذا الطقس هو "طقس التطهير" من خطايا معاداة الشيطان.

- ممارسات جِنسيَّة شاذَّة، والأذى الذاتي.



عبدة الشيطان في الوطن العربي
أرجع صفوت وصفي أسبابَ هذه الظاهرة بالوطن العربي إلى أمور سبعة، نوجزها هنا؛ ليظهرَ لنا جانبٌ من أسباب تلك الطاعة العمياء للشيطان[23]:
1- سياسة تجفيف المنابِع، التي ازداد أُوارها بعدَ عملية السلام مع العدو الصِّهْيَوني، حيث انبثق عنها ما يُعرف بعمليات تطبيع العلاقات مع اليهود، والتي استتبعتْ غربلةَ المناهج الدراسيَّة، وإجراءَ كثير من التعديلات، والحذف لصالِح هذا التوجُّه، فضلاً عمَّا هو موجود أساسًا، من تحجيم لمواد التربية الإسلامية[24].

2- دور الإعلام المتواصِل عن طريق وسائله المنوَّعة في إثارة نزوات الشباب من الجِنسَيْن، وإشغالهم بالفِكر الهابط الرديء، والأغاني الماجِنة، والأفلام الخليعة، وترويج الكُتَّاب اليساريِّين للأفكار المنحرِفة في المجتمعات الإسلامية.
وقد اعتبر أنَّ مِن إرهاصات فِكْر عبادة الشيطان في بلادنا، المحاضرة التي ألقاها في بيروت الشيوعي السوري د. صادق جلال العظم سنة 1996 بعنوان "مأساة إبليس"، دعا فيها إلى ردِّ الاعتبار لإبليس، وهي المحاضرة التي ساقتْه إلى المحاكمة التي تراجع أمامَها؛ لينجوَ من العقاب، وهو تراجعٌ كاذِب، وقد ضمنها مِن بعد كتابَه "نقد الفكر الديني".

3- سوء استغلال شبكات الاتصالات الحديثة (الإنترنت)، والتي تحتوي على برامجَ تروِّج لمِثْل هذا الفكر المنحرِف، خاصَّة وأن شبكة الإنترنت، هي الوسيلة الأهم لنَشْر أفكارهم، والتواصُل بيْن الأتباع، ولهم على هذه الشبكة أكثرُ من ثمانية آلاف عنوان.

4- تحجيم التوعية الإسلامية، من برامجَ ومحاضرات وندوات، عن طريق العلماء والدُّعاة، ولا سيَّما في الجامعات والنوادي، والمراكز التربوية، بدعوى أنَّ لِمَن يلقونها أهدافًا غير مرضيٍّ عنها.

5- الحياة المترَفة والمنفلِتة، التي تعيشها أُسَرُ هؤلاء الشباب، بكل ما تعنيه الكلمة من معنًى، من شيوع التبرُّج والسفور، والاختلاط بيْن الجِنسَيْن، وترْك مسؤولية تربية الأبناء للخَدَم، أو للمدارس الداخلية، والتي عادةً ما تكون أجنبيةَ الولاء.

6- المدارس المختلطة بين الجِنسَيْن في كثير من الدول العربية، وخاصَّة الجامعات، ووضع المناهِج المختلطة، ووصول الأمْر إلى تدريب هؤلاء الشباب من الجِنسَيْن، في دورات ومعسكرات مختلطة، لا شكَّ أنها وسيلةٌ لإشاعة الفاحشة بينهم.

7- السياسة الأمنية المتطرِّفة، حيالَ الاتجاهات الإسلامية في بعض الدول العربية، والتي لا تُفرِّق بين صالح وطالح، ولا بيْن معتدلٍ وغالٍ.

8- تسخير وسائل الإعلام والثقافة والفن كافَّة؛ لنشرِ أفكار عَبَدة الشيطان، وجعلها مستساغةً عندَ المسلمين، ومن ذلك نشْرُ وسائل الإعلام الغربية لأفلامٍ تتحدَّث عن مصَّاصي الدماء، وأشخاص ذوي قُدرات سِحريَّة؛ ليغروا الشبابَ بامتلاكها إن وجدت، مثل فيلم الغراب "the crow"، ومسلسل "بافي"، و"إنجل"، و"بلايد" و"إندر" و"ورد" وغيرها، وللأسف تساهم كثيرٌ من الفضائيات العربية في نشْر مثل تلك الأعمال.

عبدة الشيطان في الجزائر:
في تحقيقٍ أجراه الصحفي الجزائري أمين شاوش، اكْتُشِف لأوَّل مرة وجودٌ لعَبَدة الشيطان بالجزائر رسميًّا، بجامعة باب الزوار.

من تقاليدهم: اللِّباسُ الأسود للرجال، والشفَّاف للفتيات، ممارسة الجِنس في الظلام، مع إشعال شمعتين في زاويتين متقابلتين، الرَّقْص على الموسيقا الصاخبة "البلاك ميتال"، التي يؤمنون بأنَّها توصلهم إلى "نور النفس".

ومن أهم معتقداتهم: اعتقادُهم بعدم وجود الله، وأنَّ وجوده خرافة ابتدعها العقلُ البشري، وأنَّ المسؤولية الأخلاقية منتفية، كما أنَّ الشيطان يمثِّل الذكاء، والتحرُّر، والسعي الدائم نحوَ الشهرة والمال والقوة؛ لأنَّه هو الذي أخرج آدمَ مِن الجَنَّة، فهو القوي، وجميعُ أفرادها من الطبقة الغنية الراقية، الشيء الذي ساعدهم على البَذَخ والتَّرَف، والعيش في مجون.."[25].

عبدة الشيطان في تونس:
كشَفَ تقريرٌ إخباري عن وجود طائفة من عَبَدة الشيطان في تونس مكوَّنة من نحو 70 شابًّا، أغلبهم من طلبة الجامعات والمدارس الثانوية.

وأغلب أفراد هذه الطائفة يَقْطُنون العاصمةَ تونس، ويُحيطون نَشاطَهم بسِريَّة تامَّة، يجتمعون بثلاثة فضاءات سِريَّة بالعاصمة، لممارسة (طقوسهم)، المتمثِّلة في الرَّقْص على أنغام موسيقا "الهارد روك" الصاخبة، وذبْح كلاب وقطط سوداء، وشرب دمائها، وممارسة الشذوذ الجِنسي الجماعي.

وأتباع هذه الطائفة يُميِّزون أنفسَهم بوضْع عصابة سوداء عريضة على مِعْصم اليد اليُمنى، وارتداء ملابس وقُبَّعات سوداء، عليها صور لجماجم بشريَّة، وحمْل حقائب وإكسسوارات تحتوي على اللونين المفضَّلَيْن لعَبَدة الشيطان، وهما: الأحمر والأسود، ويستعملون فيما بينهم أسماءً غريبة، وأحدُ الأعضاء غيَّر اسمه من "محمد" إلى "عزرائيل"[26].

عبدة الشيطان في المملكة المغربية[27]:
القِصَّة بدأتِ الأربعاء 14 - 2 - 2007، حينما أبلغ تلاميذُ شاهدوا الحادثة، وهي تبوُّلُ مراهقين يلبسون أزياءَ غريبة، يغلب عليها الطابعُ الأسود، على المصحف الكريم داخلَ المدرسة؛ لينتشرَ الخبرُ بعدها خارجَ أسوار المدرسة وداخلَ المدينة، مما تسبَّب في انهيار أستاذة لم تتحمَّلِ الخبر، إذ شرعتْ في البكاء والصُّراخ.

وعن هذه المجموعة أضافتِ المصادر نفسُها: أنَّ أغلبها فتيات، ويبلغ عددها نحو 13 شخصًا، ويرتدون ألبسةً سوداء، ويعلق بعضهم الصلبان حولَ أعناقهم، ومعظمهم من عائلات ميسورة.

ومن خارج المدرسة، أكَّدت لـ"إسلام أون لاين.نت" مصادرُ مقرَّبة من حِزب العدالة والتنمية - فضَّلتْ عدم الكشف عن نفسها -: أنَّ الظاهرة في تنامٍ مستمرٍّ بمدينة القنيطرة، حيث تنتشر في بعض المناطِق مجموعاتٌ من المراهقين ذات لبس أسود موحَّد، ويعلقون صلبانًا وأقراطًا، ويوشمون أشكالاً غريبة على أجسادهم، وأوضحتِ المصادر نفسُها: أنَّ نشاطاتِ هذه المجموعات يلفُّها الغموض، وشدَّدتْ على أنَّ الأمر خطير، ويستلزم تكاتفَ جهود الأمن، والأُسر، والمربِّين في المدارس؛ لإعادة هؤلاء المراهقين التائهين إلى دِفء المجتمع.

واعتبر د.العلمي هذه الظاهرة: "نوعًا من التمرُّد، والرغبة في إظهار الجديد، التي تأخذ بعقول المراهقين، خاصَّة في ظلِّ وسائل الاتصال المتطوِّرة، التي أصبحتْ تميِّز العصر الحاضر".

ومتفقًا مع ما ذهب إليه د.العلمي، اعتبر الدكتور حسن قرنفل - الخبير الاجتماعي المغربي -: أنَّ انجذاب فئة من المراهقين إلى حلقات "عَبَدة الشيطان" هو "ضريبة العولَمة والتحرُّر، فالسياسة الليبرالية ليستِ اقتصاديةً فقط، بل لها انعكاساتٌ على باقي المستويات الأخلاقيَّة، والسِّياسيَّة والثقافيَّة".

ويرى د.قرنفل في تصريحات صحفية: أنَّه لكي يحافظ المجتمع على توازنه "لا بدَّ من أن تكون الأسرة مواكبةً لعملية الانفتاح، بنوع من المتابعة اليَقِظة لسلوكيات أبنائها وبناتها، لكن الملاحظ في المغرب: أنَّ تراكم الأعباء على الآباء، والتطوُّرات المتلاحقة للتكنولوجيا، تسمح للشباب بالاتصال بثقافاتٍ أخرى دون أيِّ مراقبة، أو توجيه من الآباء"[28].

عبدة الشيطان في مصر:
اشتهروا في مصر في أواخر سَنَة 1996م، وأوائل سنة 1997م، لَمَّا قبضتِ الشرطة على نحو 140 فردًا منهم، من الذُّكور والإناث، كانوا جميعًا من أولاد الطبقة الغنية، تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، وأنهم مِن خرِّيجي المدارس الأجنبية، ولا يعرفون شيئًا عن الإسلام برغم أنَّهم - في الأصل - مسلمون.

وعبادتهم للشيطان – كما ذكر هؤلاء الشباب لأساتذةِ الأزهر الذين ناقشوهم – إنما لأنَّه رمزٌ للقوة والإصرار، ولكلِّ ما هو لذيذ، وينبغي اقتناؤه وحيازته، ولم تكن أخلاقياتُ التوراة والإنجيل والقرآن، إلا لتكريس الضَّعْف، وحماية الضعفاء، وهؤلاء الأولاد يُريدون القوَّة، وأن يُشكِّلوا النظامَ التربوي من جديد، ويعيدوا النظرَ في أهداف التعليم، ويُقيموا العلاقات بين الناس وَفقَ مذهب اللذَّة والمنفعة، ويُقنِّنوا للحرْب التي هدفها الاستعلاء والاستكبار، وسيادة الجِنس الأقوى، والفرْد الأقوى.

وهؤلاء الجماعة ليسوا ناديًا ليليًّا، أو مضحكة يلهو بها الضاحكون، وإنما هم مجتمع رِسالة، هدفُهم تحصيل البديل للدافع الدِّيني المعاصر، بأن تكونَ لهم القوة الشيطانية، والقدرات الشيطانية، والذكاء الشيطاني.

وواضحٌ من أقوال معلِّمي الجماعة الذين ناقشهم علماءُ الأزهر: أنهم يعتبرون عبادةَ الشيطان هي الموضة الجديدة، أو صرعة التسعينيات، مثلَّما كانتِ "الوجودية" صرعة الخمسينيات، و"الهيبيز" صرعة السبعينيات.

ويؤكِّد معلِّمو الجماعة في مصر: أنَّ عبدة الشيطان ليسوا من الخاملين، فهم موهوبون ومبدِعون، وليسوا منحرِفين، ولكنَّهم يمارسون الحياةَ من غير قيود الأخلاقيِّين، وعبدة الشيطان في مصر يستمدُّون أفكارهم كذلك من كتاب "الإنجيل الأسود"، المطبوع في إسرائيل خِصِّيصًا لبلاد الإسلام، وكانتْ أول مجموعة تم القبض عليها من المتردِّدين على منفذ طابا.

يردُّ الدكتور مصطفى الشكعة حركةَ عبدة الشيطان إلى شكلية تدريس الدِّين في المدارس الإسلامية، ويَزيد ذلك دراسةُ طلبة الجامعات لموادَّ تدعو إلى الغُرْبة الدينية؛ ولذلك يتخرَّج الكثيرون وقد تعرَّوْا من كلِّ ثوْب ديني.

ويقول الدكتور عبدالبديع عبدالعزيز: إنَّ قضية مثل عَبَدة الشيطان لا تنشأ في مجتمع جادٍّ تَميَّز بالقيم الدينية، ولكنَّها تظهر في طبقة المترفين، ذوي الخواء الفِكري، والضحالة الدِّينيَّة، فعلى الرغم من الوفْرَة المادية وملذَّاتها الحِسية، نجد الشابَّ متخلفًا رُوحيًّا، يبحث عن أيِّ معبود من دون الله، وقد ثَبَت الآن أنَّ الإيمان فطري، وأنَّ الشباب في حاجة للإيمان، وقد تهيَّأتْ لشبابنا الأفكارُ الشيطانية دون غيرها، فصاروا شيطانيِّين.

يقول الدكتور عادل الأشول: إنَّ هذه الدعوى لم تَجِد صدًى إلا عند الشباب في سِنِّ المراهقة، ومعروف أنَّ مرحلة المراهقة بمثابة ميلاد جديد، وفترة تمرُّد وعصيان، وتكوين هُويَّة، ووسائل الإعلام عليها العبءُ الأكبر في التأثير على أبنائنا في سِنِّ المراهقة.

ويقول الدكتور أحمد زايد: إنَّ عَبَدة الشيطان إحدى صُور الانحراف، أفرزتْها موضةُ الثقافة الاستهلاكية، وكان ظهورها بين أبناء الطبقة المترَفة، الذين هم أكثر انفتاحًا على نمط الثقافة الاستهلاكيَّة.

ويقول الدكتور عطية القُوصي: إنَّ هذه الحركات ظهر مثلُها في العصْر العباسي الأوَّل، ولُوحِظ ارتباطها منذ البداية بالمجوسية والزرادشتية، وتمثَّلت في حركة المقنعة والخرمية، وتبنت أفكار الزندقة، التي راجتْ آنذاك على يدِ الفُرْس، ابتداءً من حُكم الخليفة أبي جعفر المنصور، حتى عصر الخليفة المأمون، وهي حركات هدَّامة، قصد بها الفُرْس هدمَ الدِّين الإسلامي، وتقويضَ المجتمع، ولكنَّها دعتْ إلى أن ينغمسَ الناس في الملذَّات والشهوات بلا ضابط، وإسقاط الفرائض، وعَبَدة الشيطان حركةٌ كغيرها من الحركات الإلحاديَّة في الإسلام، ومثيلتها قديمًا حركة الصابئة، وهم عَبَدة الشيطان في منطقة حرَّان بشمال العراق، ولَمَّا زارهم الخليفة المأمون، وجدَهم قد أطالوا لحاهم وشعورهم وأظافرهم، وكان هؤلاء أوَّلَ إعلان لعَبَدة الشيطان في التاريخ سنه 170 هـ.

وقد نبَّهتْ وسائلُ الإعلام إلى بعض غرائب هذه الجماعة في مصر، ومنها: مسألة نبش القبور السابق ذِكْرُها، فعادة ما يذهبون نهارًا إلى المقابر، خاصَّة مقابر الكومنولث بمصر الجديدة، ويقومون بالنبش، والبحْث عن جُثث الموتى، ويتراقص كبيرُهم فوقَ الجُثَّة التي يعثرون عليها، وغالبًا ما يُفضِّلون الجثث حديثةَ الوفاة، ويذبحون القطط باعتبار نفوسها من الشيطان، كما في الفولكلور المصري، ويشربون من دمائها، ويُلطِّخون أجسادهم ووجوههم بها، ثم يذهبون إلى الصحراء؛ ليعيشوا فيها أيَّامًا لا يضيئون شمعة، وإنما يَحْيَوْن في الظلام، وعلامتهم بينهم رَفْع إصبعين رمز الشيطان، وتلك الإشارة هي السلام فيما بينهم[29].

وقيل في تبرير نبش القبور والمبيت في الجبَّانات: إنه لتقسية قلوبهم، ولمعاينة العَدَم، والشعور به محسوسًا، والتدريب على ممارسة القَتْل دون أن تَطْرِف لهم عَيْن.

وقيل عن تلطيخ اليدين والجِسم بالدم: إنَّه ليكون العضو دمويًّا، عنيفًا لا يخشى الموت، ولا يرهب القَتْل، ويأبى الخضوعَ لأحد، ويزيد إحساسه بالقوَّة.

ومِن علامات الإناث عابدات الشيطان: طلاء الأظافر والشفاه باللَّوْن الأسود، وارتداء الملابس المطبوع عليها نقوشُ الشيطان، والمقابر والموت، والتزيُّن بالحُليِّ الفِضية، ذات الأشكال غير المألوفة، التي تعبِّر عن أفكارهم، مثل الجماجم، ورؤوس الكباش، وتخزين شرائط كاسيت مسجلٍ عليها أغانٍ فيها ازدراء للدِّين.

وأكَّدت التحقيقات: أنَّ أفراد الجماعة يبلغ في مصر "2000" عضو، منهم مذيعات، وأبناء فنانين وموسيقيِّين كبار، وتبيَّن أنَّ هناك محلاَّت متخصِّصة في ملابس عَبَدة الشيطان، وفي موسيقاهم، وأندية خاصَّة، ومطاعم تستقبلهم وتخصُّهم.

ويقول فهمي هويدي: إنَّ من أسباب سقوط الشباب المصري المسلِم: غياب المشروع الوطني الذي يستثير حماسَ الشباب، والفراغ الشديد الذي يُعانون منه، والجدب السياسي، وانعدام النشاط الطُّلاَّبي والتربية في المدارس، وتدهور الثقافة الدِّينيَّة، وتغيير منظومة القِيَم في المجتمع، وصدارة قِيَم الوجاهة، و(الفهلوة) والثراء والكسب السريع، واشتداد حملة التغريب، والإصرار على هَتْك الهُويَّة، واقتلاع الجذور، والانقطاع عن الأصول، وتخبُّط الخطاب الإعلامي، واجتراء البعض على المقدَّس، والتركيز على الأمْن السياسي دون الأمْن الاجتماعي، وتأثيرات الوجه السلبي لثورة الاتصال.

وفي رأي الدكتور عبد الوهاب المسيري: أنَّ إبليس في عبادة الشيطان، ليس كائنًا له قرون وذيل، وإنما هو يتمثَّل في فكرة إنكار الحدود، وإعلان الذات والإرادة، وهي فِكرةٌ محورية في الحداثة الغربية، ظهرتْ في الرؤية الداروينيَّة الاجتماعيَّة، وفلسفة نيتشه، التي تهاجم العطفَ والمحبَّة، والعدلَ والمساواة، باعتبارها أخلاقَ الضعفاء، والعالَم في منظورها ليس سوى خلية صِراع، لا يوجد فيه عدلٌ أو ظلم، وإنما فقط قوَّة وضَعْف، ونصْر وهزيمة، والبقاء ليس للأفضل، وإنما للأصلح مِن منظور مادي؛ أي: للأقوى.

وإذًا، فهناك مطلَق واحد، هو إرادةُ الإنسان البطل القوي المنتصر؛ الإنسان المتألِّه؛ أي: الشيطان بالمعنى الفلسفي، وعبادة الشيطان من أنماط الغنوص، أو العرفان الفلسفي، الذي يُعجِب الذين يُعانون الفراغ الرُّوحي، والفلسفي والنفسي، والعبادة الإبليسية هي عبادةُ الذات، وهي قَبول النسبي، والغَوْص فيه دون بحْث عن ثوابت، وهي ميتافيزيقا كاملة، ولكنَّها متجسِّمة في المادة داخلَ الطبيعة والزمان، فهي عبادةٌ لشيء حقيقي ملموس، وهذا هو جوهَر العبادات الجديدة، التي تجعل الإله ماديًّا يمكن الإمساكُ به، ومِن ثَمَّة فهي وثنية جديدة، كما أنَّ الإيمان هنا لا يُحمِّل الإنسان أية أعباء أخلاقية، فهو لا يضطر لكبح جماح ذاته، وإنما يطلب منه أن يُطلقَ لها العِنان.

ولذلك، فليس غريبًا أن تأخذ هذه العبادة شكلَ ممارسات جِنسيَّة، فهي تعبيرٌ عن تمجيد الذات، وتعظيم اللذَّة، ورفض المعايير الاجتماعيَّة، كما أنَّها تعبيرٌ عن فلسفة القوة والإرادة، وهي القِيَم السائدة حاليًّا.

وذكر المفتي الدكتور نصر فريد: أنَّ عبدة الشيطان مرتدُّون عن الدين؛ ونظرًا لحداثة سِنِّهم يجب استتابتهم، فإن رجعوا عن أفكارهم الفاسدة يمكن العفوُ عنهم، وإن أصرُّوا على الانحراف يُنفَّذ فيهم حُكمُ الشَّرْع.

عبدة الشيطان في لبنان[30]:
وُزِّعت على منطقة الصرفند في قضاء صيدا جنوب لبنان بياناتٌ، ووصلت "العربية.نت" نسخةٌ منها، وحمل البيان شعار: عباد الشياطين، هو عبارة عن (666، وصليب مقلوب).

وأوضح الصحفيُّ اللبناني هيثم زعيتر لـ"العربية.نت": أنَّ البيان تمَّ توزيعه في بلدة الصرفند التي تتبع قضاء صيدا، وتبعد حوالي 15 كم عن مركز القضاء.

وعن ظهور عَبَدة الشيطان في الجنوب، يقول زعيتر: "سابقًا عندما برزتْ قضية عبادة الشيطان في لبنان، لم تلحظْ في الجنوب بشكل فعَّال، وكانت تتوفر أخبار عن وجودهم في الكهوف والمقابر، خصوصًا المقابر المهجورة، فكان يتمُّ التأكُّدُ من هذه الأماكن، فيتبيَّن أنَّ بعض الأشخاص يمضون سهرة، ويتناولون المشروبات، وتم توقيفُ بعض الأشخاص في منطقة صور، وتبيَّن أنَّهم لا علاقة لهم بهذا الموضوع.

وسُجِّلت أكثر من حالة وفاة في السابق بسبب ظاهرة عبادة الشيطان، منها: انتحارُ نجل أحد ضبَّاط الجيش اللبناني، وتبيَّن لاحقًا أنه كان على صِلة بعَبَدَة الشيطان، حيث طلبوا منه تنفيذَ الأمر بالانتحار؛ ليكونَ قربانًا وشفاعةً له، ولكن لم يثبت حتى الآن وجودُ تنظيم لعَبَدة الشياطين، أو أعداد كبيرة منهم.

ومن طقوس هؤلاء: شُرْب الدماء، وممارسة الجِنس، والدعارة، ولكن حتى في المناطِق الإسلامية والنصرانية في الجنوب هناك حالةُ وعي ديني، وحالة فريدة للتعايُش الإسلامي النصراني في الجنوب، وفرصة ظهور هؤلاء ضعيفة.

وظاهرة عَبَدة الشيطان ظهرتْ في لبنان عن طريق بعض المغترِبين، الذين عادوا إلى بلدهم، وجلبوا هذه العاداتِ، وهي حالات غربية، تسعى لبثِّ السموم عبرَ أجيال الشباب، وخاصَّة مع وجود أجيال يمكن أن تَنساقَ حولَ مثل هذه الأمور".

ويؤكِّد تفاقمَ وانتشار ظاهرة عَبَدة الشيطان في لبنان تقاريرُ صحافية نَقَلتْ عن وزير الداخلية اللبناني الأسبق إلياس المر اعترافَه "بوجود جماعات تمارس شعائرَ في القبور، وبتوقيف 50 مشبوهًا، ضمنهم شخص ضُبِطتْ في منزله زجاجةٌ فيها أفعى ميتة، ومجسَّم لمدفن، عليه صورة هذا الشاب، وصور ورموز شيطانية، وجمجمة لبقرة مغروز في قرنيها الدبابيس، وجمجمة بشرية، ورأس شيطان، واغتصاب جُثَّة فتاة في المتن".

ونشرت جماعاتٌ إسلاميَّة لبنانية تقاريرَ، مفادها: أنَّ حالات الانتحار في لبنان كثرُتْ، بين من ينتمي أصحابها إلى أُسر معروفة، ومدارس مشهورة، دون معرفة السبب في ذلك؛ لأنَّ الخيار كان التكتُّم؛ خوفًا من الفضيحة، وتشويه السمعة".

وذكرت "القبس" الكويتية مؤخَّرًا: أن هذه الظاهرة بدأت في لبنان عام 1992، وكان أوَّل المنتحرين (م. ج - 14 سنة)، وقد بعث برسالة إلى صديقه، طالبًا منه دفنَ أشرطة "الروك إند رول"، التي كان مولعًا بها معه، ثم توالتْ بعدها حوادث الانتحار المماثلة، حتى بلغتْ بحسب التقارير الأمنية 11 حالة.

عبدة الشيطان في الأردن[31]:
ظهرتْ مشكلةُ عَبَدةِ الشيطان في الأردن في منتصف التسعينيات، وقد حاولتِ السلطات آنذاك التقليلَ من حجمها، إلى أنْ قبضت على مجموعة منهم في شهر سبتمبر/ أيلول سنة 2002، في إحدى قاعات الاحتفال في منطقة عبدون الراقية في عمَّان، وهم يُمارسون طقوسًا غريبة، ويرتدون ملابسَ فاضحة، ويتقلَّدون بسلاسل من ذَهَب، ويرقصون بطريقةٍ مثيرة، على أنغام موسيقا غربية صاخِبة.

وأعلنتْ دائرةُ المطبوعات والنشْر عن مصادرة نحو ألْف شريط فيديو، ومئات أقراص الكمبيوتر.

وكانت قد شهدتْ بعضُ الجامعات الخاصَّة تجمعاتٍ لهؤلاء الشباب والفتيات، مما سبَّب بعض الصدامات مع الطلاَّب والمدرِّسين، وقد تكرَّر في بعض الجامعات حوادث تلويث المصليات بالقاذورات، وهو ما حَدَث أيضًا في مسجد زيد بن حارثة بمنطقة الجَبَل الأخضر في مدينة عمان.

عبدة الشيطان في البحرين:
نقلتْ وكالة "يو بي آي" عن صحيفة الوطن السعودية في 12/ 4/ 2005: أنَّ السلطاتِ البحرينية على وشكِ القبض على رئيس تجمُّع عَبَدة الشيطان في البحرين، بعدَ حصولها على معلومات عنه، عقبَ اكتشافها حفلاتٍ للشواذِّ في أحدِ فنادق العاصمة "المنامة".

ونقلت الصحيفة عن طالب في المرحلة المتوسِّطة: أنَّه تلقَّى دعوة إلى الحضور من جماعة مجهولة، نظَّمت 3 لقاءات منذ العام الماضي، في حين تجاوز أعداد الحضور 150 شخصًا من عَبَدة الشيطان، غالبيتهم تقلُّ أعمارهم عن 15 عامًا.

وأشار عضو بمجلس الأمة البحريني، إلى أنَّ حفلات الشواذ التي تُقام في العاصمة يحضرها شواذُّ قَدِموا من دول خليجية أخرى[32].

ختام القول:
إنَّ ظاهرة عبدة الشيطان داءٌ لا ينبغي الاستهانةُ به، أو الرَّمْي بالأبحاث الجارية حولَهم في (سلاَّت المهملات)؛ بدعوى أنها شطحات مراهِقة لا غير، فالفتى سيشبُّ ويصير رجلاً، وما ميَّز هؤلاء المراهقين أنَّ جُلَّهم من عِلية القوم، بل بعضهم من أبناء الملأ الحاكم، وخلال سنوات، يكون البعض منهم في مراكز الأمْر والنهي، والحل والعقد، ويجتمع عليهم خلقٌ بين طامح وطامع، فلا ينفع ندمٌ يومَها، وننادي حين لا يُجدي النداء.

فعلى الدُّعاة ليس التحذير من عَبَدة الشيطان، أو أفكارهم فحسب، بل عليهم محاربة خُطواتِهم الدعوية، التي تتفشَّى بين المراهقين، من الموسيقا الصاخبة، وخاصة "البلاك ميتال"، ودعوة المسؤولين لمنعها؛ لأنَّها ليست طنينًا تصدع به الرؤوس، بل هي فلسفة فِكريَّة، مبنية على دراسات نفسيَّة حولَ مدى تأثير الإيقاع الصاخِب على تركيز الدماغ وتخديره للعقل.

وعلى الدُّعاة: التحذير من قصَّات الشَّعْر الغريبة، والوشْم، ووضع الأقراط، وإشارات عَبَدة الشيطان.

وعلى الدعاة: النفير بالمعلِّمين والمؤدِّبين لتعليم الأطفالِ أصولَ العقائد، وتنبيه الأولياء أنَّ فلذات أكبادهم ليسوا بهائمَ، يخرج الأب يكدُّ ليعلفَهم، بل هم كائناتٌ حسَّاسة، لها مشاعرُ تتعاظم خطورتها حالَ المراهقة، فإن لم يجد الابنُ الأب، أو الأخَ الأكبر المرشد له، المستوعِبَ لهمومه فلمَن يشكو؟! بالطبع لأولاد مثله، وأعْمى يسترشد بأعمى، هل سيهديه الطريق؟!، والأمر متفاقِم مع البنات، فالأمُّ في عالَمها، والبنت في تِيه، وإن كان عَرين البيت بلا أسد، فللضِّباع أن تستأسد، وجُلُّ الفتيات مِن عَبَدة الشيطان في الدول العربية، ممَّن لا رقيب عليهنَّ.

ولذا؛ فعلى الجمعيات الدعوية أن تُكثِّف نشاطها، لا بأن تنتظر الطارق الحيران! بل تسعى نحوَهم؛ لأنَّهم لا يَدْرُون على من يطرقون أولاً، وزاد الزخم الإعلامي المضلِّل للقنوات الوطنية والإباحيَّة، والتي تُسمَّى فنية!! فما يتكلَّمون عن أهل الاستقامة والتديُّن، إلا غَمَزُوهم ولمزوهم، ولا يظهرونهم على الشاشة إلاَّ في صورة مغفَّل، لا يدري ما حولَه، أو خبيث طامع، منافق مستغل للغَيْر، وقاموا، فقالوا: لا سياسةَ في الدِّين، ولا دِينَ في السياسة، بل الأجدر بهم أن يُعلنوها صراحةً: لا حياة في الدِّين، ولا دِينَ في الحياة.

فعلى المُتْرَفين أن يعوا أنَّ مصائبَ ذريتهم إنما هي بسبب إهمالهم وتَرَفِهم، وبُعْدهم عن الدِّين، فعليهم تقويم أنفسِهم، وتقويم سفهائهم من ذويهم، أو على الدولة تأديبهم وتأديب أوليائهم؛ لأنَّ الدابة إن أفسدتْ زَرْعَ قوم، فالوِزر على مالكها، فكيف يُطلِق هؤلاء لأولادهم العِنان، ويوصونهم: كُلوا واشربوا، فإنَّ موعدكم الجِنان، ولا يقربنَّكم كائن مَن كان، فأنت ابنُ فلان، وصاحبك ابن علان؟!

كما على المطَّلعين على نشاط هؤلاء تنبيهُ السلطات الأمنية، فسكوته لن يَحميَه مِن شرِّهم، لا هو، ولا بنوه، ولا أقاربه، فإنَّ أولئك لا يرحمون الرُّضَّع، ولا الشيوخ الرُّكَّع.

وعلى السلطات منعُ تداول أقراص عَبَدة الشيطان، من أفلامهم إلى موسيقاهم، إلى أزيائهم، ومتابعة كتبهم وأفكارهم، والحذر مِن تسرُّبِها، فكما أنَّ للدولة مخابراتٍ أمنية، فعليها تحريك المخابرات الفِكريَّة والعقدية، فإنَّ خطر هؤلاء يمسُّ الأمن القومي، إذ لا ولاءَ عندهم لأوطانهم، ولا لبني جلدتهم، وفِكرُهم لو شاع سيهدِّد الأمنَ الاجتماعي والأُسري، فما لهؤلاء القوم لا يَفْقهون حديثًا؟!

والسلامُ على مَن اتَّبع الإسلام، وشريعةَ خيْر الأنام - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعلى آله وصحبه الأطهار الكرام.
--------------------------------------
[1] الطوطمية: مصطلح لعالِم الاجتماع اليهودي دوركايم، ويُراد به: الرموز الدينية المجسَّمة، كالأصنام والصور.
[2] ***** في التوراة والعهد القديم، شفيق مقار، ص: 29.
[3] أشهر ماركة مسحوق تنظيف في الجزائر.
[4] ديانة قدماء المصريين، استيندرف؛ ترجمة: سليم حسن، (ص: 83 - 86).
[5] وقد اختلف فيهما، هل هُمَا مَلَكان أم لا؟ وإن كانَا مَلَكين، هل التعليم من باب النَّهْي، أم الاختبار؟ أما رواية تحول المَلَكين إلى بشرين، وفِتنة امرأة لهما، وتحولها إلى كوكب الزهراء، فقد ضعَّفها غيرُ واحد من أهل الحديث والتفسير، والله أعلم.
[6] وهذا ما نراه في زماننا ممَّن يتقرَّبون (للأولياء) الأسياد، فلكلِّ "ولي سيد" عندهم (حكمة)، و(سر)!!
فهنالك المختص بالزواج، وله طقوسه، وهناك المختص بالإنجاب، وله قُرْبانه، وهنالك كاشف الكُرَب، ومعالج السِّحْر، والشافي من جميع الأمراض، بل هنالك أولياءُ، لكلِّ واحد منهم اختصاص بشفاء مرض معيَّن، باستعمال تراب قبرِه!! ولله في خلقه شؤون.
وقد يظن البعض بأنَّ هذا من فِعْل كبار السِّنِّ الذين خَرِفتْ عقولهم، لا والله؛ بل أعرف من أقاربي خريجَ جامعة، بل دكتورًا، وزوجته معها ليسانس، ولَمَّا لم يُرزقَا بالأولاد في سَنَة زواجهما الأولى توجَّها إلى قبر (ولي)، وتقرَّبا له، واستعملاَ ترابه، وأظنه (الولي) مختصًّا في أمراض النساء!
ولما ناقشتُهما وأعياهما الجدلُ والمراء، قالت زوجته بأنه: "اكتشف علميًّا أن في مكونات تراب الولي موادُّ شافية"، أجَلْ، علميًّا!!
دراسة أربع سنين للعلوم الشرعيَّة راحتْ في (كمشة) تراب، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله.
[7] التاريخ الذي تعنيه الأرقام المحفورة على قاعدة الهرم في ورقة الدولار بالحَرْف الروماني (MOCCLXXVI) تعني 1776، وهو نفسه تاريخ إعلان بدأ المنظَّمة النورانية تنفيذ مخططاتها، وليس تاريخ إعلان وثيقة الاستقلال الأمريكي.
[8] أرشيف ملتقى أهل الحديث، - 3 - ج20، ص: 406.
[9] أرشيف ملتقى أهل الحديث - 3 - ج20، ص 413.
[10] موسوعة الأديان الميسَّرة، ص: 323 - 324.
[11] عبدة الشيطان، الباش، ص: 58.
[12] عبدة الشيطان المعاصرون - التعريف والأفكار، موسوعة الرد على المذاهب الفكرية المعاصرة، (1/29).
[13] وكالة رويترز 23/ 3/ 2005.
[14] يؤكِّد العلامة إحسان إلهي: أنَّ أصل التصوُّف شيعي فارسي، وليس من السُّنة أو العرب، وقولُه يُسنده بعضُ الحقائق التاريخية، من كون أوائل الصوفية من بلاد العراق، وكانوا مجاورين للنصارى، والمتعمِّق في التصوف يلاحظ التقاربَ مع المعتقدات الفارسية الرُّوحانية والهندوسية.
[15] هو الشيخ عدي بن مسافر بن إسماعيل بن موسى بن مرْوان بن الحسن بن مرْوان، الهكاري مسكنًا، (الأُموي نَسبًا)، العبد الصالح المشهور، الذي تنتسب إليه الطائفةُ العدوية، سار ذكْرُه في الآفاق، واتبعه خلق عظيم، وجاوزوا حسنَ اعتقادهم فيه، حتى جعلوه قبلتَهم التي يُصلُّون إليها، وذخيرتهم في الآخرة التي يعولون عليها، توفِّي سنة سبع، وقيل خمس وخمسين وخمسمائة في بلدة الهكارية، ودُفِن بزاويته؛ وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، أحمد بن خلكان (1/ 316).
[16] الفتاوى الكبرى، ابن تيمية (1/338).
[17] الحال: هو الطين والحمأة، واعتاد اليزيديُّون أكْلَ التراب الناعم من تربة قبْر الشيخ عدي تبركًا، ويسمونه "براتًا"، كما يأكل بعض الشيعة الطين المجلوب من تربة الحسين، ويسمونها "تربة الشفاء" للتبرُّك.
[18] نقلاً عن "دراسات في الفرق والمذاهب المعاصرة" عبدالله الأمين (ص: 268 - 269).
- النص يثبت تسميتهم باليزيدية بعدَ فترة من وفاة شيخ الطريقة، ويبيِّن أحد أسباب التسمية.
[19] قلائد الجواهر (ص: 110).
[20] أصول الاعتقاد لدَى اليزيدية؛ مجلة الراصد 1 - 51.
[21] عبادة الشيطان بين الحقيقة والخيال، خالد غسان، الرأي 21/ 7/ 2005.
- عبادة الشيطان والاقتراب من الإثم، صالح الشورة، الغد 24/ 6/ 2005.
[22] إظهار الحق في الأديان والفِرق، محمد مختار المفتي (ص: 177).
- عبدة الشيطان وحركات انحرافيَّة أخرى، حسن الباش (ص: 75).
[23] مجلة الراصد: العدد 1، ص: 51.
[24] الشيطان - خطواته وغايته، وائل بشير، ص: 71.
[25] عَبَدة الشيطان يَعْبُرون الحدود المغربية إلى الجزائر بدَعْم من جمعية فرنسية، أمين شاوش، موقع جريدة النهار الجديد.
[26] عبدة الشيطان يظهرون في تونس، مراد حمادي، مدونات مكتوب.
[27] إسلام أون لاين.نت، عبدة الشيطان يُعَرْبِدون في القنيطرة المغربية: أحمد حموش.
[28] فرق ومذاهب، عبدة الشيطان، مجلة الراصد الإسلامية: العدد الحادي والثلاثون - غُرة محرَّم 1427هـ، (ص: 7 -21).
-أخبار الحوادث المصرية 17/ 5/ 2001.
- إظهار الحق في الأديان والفرق، محمد مختار المفتي (ص: 175 -180).
[29] وذاك برفْع البنصر والسبَّابة، وضم الخِنصر والأوسط مع الإبهام لتشكيل دائرة، وهذا الرمز مشهورٌ بين جماعات "الروك".
[30] صور عَبَدة الشيطان، الظاهرة جديدة، العربية نت.
[31] أتباع عبدة الشيطان ينتقلون من مصر إلى الأردن، أحمد هريدي محمد، مجلة الراصد، العدد 1، ص: 51.
[32] صحيفة الوسط البحرينية 15/ 4/ 2005.



---------------------

عبدالناصر محمود
04-19-2016, 07:15 AM
الأشاعرة والصوفية.. ارتباط قديم غريب!*
ـــــــــــــــــــــ

12 / 7 / 1437 هــ
19 / 4 / 2016 م
ــــــــــ

http://taseel.com/files/3549c567225f0415199f4e60d48d03da-796x427.jpg





من أعجب العلاقات والتلازمات الفكرية على مستوى الفكر الإسلامي أن نجد ارتباطا غريبا بين غالبية أصحاب المذهب الأشعري الذي يعارض النقلَ بالعقلِ بل ويعطي العقلَ مكانةً أكبرَ أمامَ النصِّ أن نجدهم مرتبطين بالأفكار الصوفية التي تحقِّرُ العقلَ والنقل معا وتغيّبهما أمام الخرافاتِ والأوهامِ والمناماتِ, فلا تدري بأي عقل ومنطق يمكن لرجل واحد أن يجمع بين الفكرتين معا؟! ويدافع عنهما دفاع المستميت؟! وكيف أصبح المنهجان المتعارضان يبدوان وكأنهما مذهبا واحدا؟! فيقال عن أحدهم أنه اشعري العقيدة صوفي السلوك, فصار هذا الاندماج قويا جداً، وملفتا للنظر!
كيف يمكن الجمع بين من يجيب على سؤال: أين الله؟ فيقول الصوفي: في كل مكان، وفي كل شيء! بينما سيستنكر الأشعري السؤال أصلا، كما قال بذلك أبو إسحاق الشيرازي صاحب الإشارة إلى مذهب أهل الحق!
ولم يكن التصوف مرحلة انحراف يمر بها أبناء المذهب الأشعري، بل إن التلازم بينهما ظهر منذ عهد بعيد منذ بدايات ظهور المذهب الأشعري في العقيدة الإسلامية، أي منذ أبي الحسن الأشعري -رحمه الله؛ في الفترة التي كان يقول بآرائه التي عاد عنها في المرحلة التي لا يعترف بها الأشاعرة والصوفية معا.
وجمع الفقيه الصوفي عبدالواحد بن عاشر[1]، في مقدمة أرجوزته الشهيرة بين عقيدة الأشاعرة وفقه المالكية وصوفية الجنيد, فقال:
وبعد.. فالعــــــون من الله المجيـد في نظم أبيات للأمي تفيـد
في عَقْدِ الأشعري وفقه مالك وفي طَـــريقَةِ الجُنَيدِ السَّالِـكِ[2].
فلم يكن هذا الدمج والارتباط وهما أو افتراء, بل نشأ عليه الكثيرون من صوفية المشرق والمغرب بأشعرية العقيدة. فيقول الدكتور عبدالرحمن المحمود -في معرض كلامه عن الغزالي، تحت عنوان (تصوف الغزالي وفلسفته): "بقدر اشتهار الغزالي بأشعريته، اشتهر بتصوفه، ولذلك فهو يمثل مرحلة خطيرة من مراحل امتزاج التصوف بالمذهب الأشعري، حتى كاد أن يكون جزءاً منه"[3]. ويقول فضيلته عن علم آخر من أعلام الصوفية، وأسلاف الأشاعرة، وهو الحارث المحاسبي، فيقول -تحت عنوان (التصوف عند المحاسبي): "أما الجانب الأول فقد كان المحاسبي أحد رواده الكبار، الذين كونوا مدرسة كبرى ربطت بين الكلام والتصوف فيما بعد, وهذا من أبرز ما طرأ على المذهب الأشعري من تطور"[4].
وهذا يؤكد مدى التناقض عند الأشاعرة المتصوفة، حيث يجمعون بين علم الكلام الفلسفي والتصوف, فهم يعولون على العقل في كثير من مباحث أصول الدين، حتى أنهم يقدمونه على النصوص، ثم في الوقت نفسه يعولون على الكشوفات والمشاهدات الصوفية عندهم أو عند أشياخهم.
وبداية هذا الارتباط بين الأشاعرة والصوفية تظهر عند شيخ المذهب أبي الحسن الأشعري في المرحلة التي سبقت توبته ورجوعه إلى مذهب السلف؛ وهي المرحلة التي لا يعترف الأشاعرة بسواها، ولا يقتدون به في غيرها؛ فكان فيها أبو الحسن مريدًا من مريدي الصوفية متتلمذًا على الجنيد.
ويؤكد ذلك ما جاء في نونية ابن السبكي صاحب (الطبقات)، وهو أشعري فبدأها:
وأتى أبو الحسن الإمام الأشعري مبينًا للحق أي بيان
ومناضلًا عمَّا عليه أولئك الأ..... سلاف بالتحرير والإتقان
يقفو طرائقهم ويتبع حارثًا أعني محاسب نفسه بوزان[5]
فلقد تلقى حسن منهجه عن الأ.... شياخ أهل الدين والعرفان
فلذاك تلقاه لأهل الله ينـصر قولهم بمهندٍ وسنان
وبعد أن ذكر عددا كبيرا من رموز الصوفية ثم قال:
وكذاك أصحاب الطريقة بعده ضبطوا عقائده بكل عنان
وتتلمذ الشبلي بين يديه وابـن خفيف والثقفي والكتاني
وخلائق كثروا فلا أحصيهم وربوا على الياقوت والمرجان
الكل معتقدون أن إلهنا متوحد فرد قديم داني
حيٌ عليمٌ قادرٌ متكلمٌ عالٍ ولا نعني علو مكان!
ثم استمر السبكي في ذكر ما يدين به الأشاعرة من عقيدة، ليؤكد أنها كانت عقيدة هؤلاء جميعا، وأن الصلة بين التصوف والأشاعرة[6].
المرحلة الثانية من الارتباط كانت على عهد التلميذ الأكبر لأبي الحسن الأشعري، وهو أبو الحسن الباهلي، الذي قام هو وأبو عبدالله بن مجاهد بالجهد الأكبر في نشر المذهب الأشعري. فكان للباهلي أحوال صوفية عجيبة وغريبة، لا تستقيم مع أشعريته التي يقدم فيها العقل. فذكر ابن عساكر في كتاب (تبيين كذب المفتري على الإمام الأشعري)، وذكره ابن السبكي كذلك عن أحوال الباهلي، أنه كان يتحجب عن الرجال، وحتى عن نساء بيته، وتظهر عليه خبالات الصوفية!
يقول عنه تلميذه القاضي أبو بكر الباقلاني: "كنت أنا وأبو إسحاق الإسفرائيني وابن فورك معًا في درس الشيخ الباهلي، وكان يدرس لنا في كل جمعة مرةً واحدةً، وكان منا في حجاب يرخي الستر بيننا وبينه، كي لا نراه، وكان من شدة اشتغاله بالله مثل والهٍ أو مجنون! لم يكن يعرف مبلغ درسنا حتى نذكره ذلك". وقال أبو الفضل محمد بن علي الصعلكي: "كان الباهلي يُسأل عن سبب النقاب، إرساله الحجاب بينه وبين هؤلاء الثلاثة، كاحتجابه عن الكل، فإنه كان يحتجب عن كل واحد؟ فأجاب: إنهم يرون السوقة وهم أهل الغفلة، فيروني بالعين التي يرون أولئك بها"!, قال: "وكانت له أيضًا جارية تخدمه، فكان حالها أيضًا معه كحال غيرها من الحجاب، إرخاء الستر بينه وبينها"[7].
فهذا هو شيخ الأشاعرة الثاني الذي نشر المذهب وفلسفته, فهذا كان حاله مع الناس من وضع النقاب على وجهه، وكيف تبريره له رغم أنه يعلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم، وأصحابه –رضوان الله عليهم، كانوا يرون الكفار ويتعاملون معهم بيعا وشراء وجوارا ودعوة إلى الإسلام, بل كانوا يرون الأصنام بأعينهم؟!
أسس المرحلة الثالثة أبو علي الدقاق, الذي أخذ الأشعرية عن الباهلي، وابن مجاهد، وتتلمذ في صوفيته على يد الصوفي المشهور أبو القاسم القشيري، صاحب المصنفات الصوفية المشهورة؛ وتتلمذ أيضا على يد أبي عبدالرحمن السلمي الذي نقض شيخ الإسلام كتابه (الرسالة) بكتاب (الاستقامة).
وقد دافع الصوفية عن الأشاعرة حينما تعرض الأشاعرة للعن من فوق المنابر أيام حكم السلاجقة، مثلهم مثل سائر المبتدعة[8]. فكتب القشيري الصوفي رسالة (شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من المحنة). وهي رسالة لها قدرها عند الأشاعرة الغابرين والمعاصرين[9]؛ وأصبح أبو نصر ابن الصوفي القشيري زعيما للأشاعرة في عصره، وهو صاحب الفتنة التاريخية المشهورة بفتنة ابن القشيري، بين الأشاعرة وأهل السنة[10].
أما المرحلة الأهم في ارتباط الصوفية بالأشاعرة فكانت على يد أبي حامد الغزالي
فقد أوجد أبو حامد الغزالي -الذي لا يشك في انتمائه الأشعريٌّ والصوفيٌّ- اتجاها جديدا خلط فيه الصوفية بعلم الكلام؛ فجاء خليطا من التجهم والباطنية والتصوف والكلام، وامتلأ كتابه (الإحياء) بكلمات من سبقه من الصوفية؛ مثل المحاسبي، وأبي طالب المكي، والسلمي، والقشيري، وغيرهم؛ وامتلاء تفسير الرازي بشطحات صوفية (الإحياء) مع غلو في الكلام والعقليات, وكما قال الكوثري: إنه "على يد الغزالي انتشر المذهب الأشعري انتشارًا كبيرًا"[11].
وفي (الإحياء) كتب أبو حامد "قواعد العقائد" على المنهج الأشعري، ووقف عند قضية ما يؤوّل وما لا يؤوّل، وحقيقة ظواهر النصوص وبواطنها، والمعيار الفاصل في هذه الأمور الشائكة.
فلا عجب حينئذ أن يختلط الماء بالزيت، وأن يتمازجا كما امتزج المنهج الأشعري بالصوفي, رغم اختلافهما تماما في أسسهما الفكرية؛ ولكن عند كل المخالفين والمبتدعين لا ضير أن تجتمع النقائض والمتضادات، وأن يلتقوا في مكان بعيد عن المنهج الصحيح!
----------------------------------
[1] الفقيه الصوفي عبدالواحد بن عاشر صاحب الأرجوزة في الفقه والعقائد، والتصرف "المرشد المعين"، انتشرت أرجوزته في الشرق والغرب في العالم الإسلامي، وأقبل عليها الناس حفظا وشرحا ودراسة.
[2] مقدمة متن: المرشد المعين على الضروري من علوم الدين، لعبدالـواحد بن عاشـر.
[3] كتاب: موقف ابن تيمية من الأشاعرة، د. عبدالرحمن المحمود: ج2/635.
[4] المصدر نفسه: ج1/456.
[5] ويقصد به الحارث المحاسبي الذي أمر الإمام أحمد بهجره فمات مهجورًا.
[6] طبقات الشافعية: ج3/380- 381.
[7] طبقات الشافعية: ج3/369، وابن عساكر: ص187.
[8] انظر حول هذه القضية: تبيين كذب المفتري: ص332، والتسعينية: ص278، وطبقات الشافعية: ج3/389.
[9] ذكرها صاحب (الطبقات) كاملة: ج3/399، وكذا جامع الرسائل القشيرية.
[10] انظر: المنتظم، لابن الجوزي: 8/305؛ و9/3، 220؛ وتبيين كذب المفتري: ص310.
[11] مقدمة الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، للكوثري : ص11.









ـــــــــــــــــــــــ
*{مركز التأصيل للدراسات والبحوث}
ــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
07-30-2016, 07:01 AM
تنظيم فرسان المعبد.. النشأة والأفكار*
ـــــــــــــــــــ

25 / 10 / 1437 هــ
30 / 7 / 2016 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/files/444ea5fe4861f9a61eb82eef6fe84b51-796x427.jpg






جمعية فُرسان المعبد -أو فرسان المسيح، أو معبد سليمان، أو فرسان الهيكل، وتعرف عند العرب بالداوية- أنشئت سنة 1119م، عَقِبَ انتهاء الحرب الصليبيَّة الأولى، واستيلاء الصليبيِّين على أنطاكية وبيت المقدس، وتعيِين "جودفري دي بويون" ملكًا على بيت المقدِس بتسعة عشر سنة. في حينها قامَ عصبة من تسعة سادة فَرنسيِّين برئاسة "هوك دي بايان"، و"جودفرو دي سنتومار"، وقطعوا العهد على أنفسهم بأن يتركوا الفروسية الدُنيوية، ويقوموا بحراسة الطُّرق، وحماية طريق الحجاج إلى القبر المقدَّس. وكان ملك بيت المقدس حينذاك "بلدوين" الثاني، فقدَّم للجمعية جناحًا من قصرِه الواقع بالقُرب من منطقة "معبد سُليمان" لتقيم فيه، ولهذا سُمِّيت بفرسان المعبد.
وفي سنة 1128م صادَق مجلس المقدس على إنشاء الجمعيَّة، وكذلك صادق عليه البابا، وأصدرت لفُرسان المعبد وثيقة أقسموا فيها بالتزام الفاقَة والعِفَّة والطاعة شعارًا للجمعية.[1]
النمو الاقتصادي لتنظيم فرسان المعبد:
أخذ التنظيم في النمو والازدياد. وقد كان الفرسان قوة الهجوم الأساسية في المعارك الصليبية الكبرى. وبالرغم من أن رؤية التنظيم ومهمته في الأساس عسكرية، إلا أن غالبية أعضاء التنظيم كانوا مدنيين، فعملوا من مراكزهم على دعم التنظيم وقيادة بنيته التحتية الاقتصادية، كما بلغ الثراء من أعضاء التنظيم مبلغًا يتخطى بكثير التبرعات المباشرة المقدمة له، على الرغم من أنهم أقسموا على الحفاظ على فقرهم.
تحكم فرسان الهيكل في شبكة اقتصادية بالغة القوة والاتساع في جميع أنحاء العالم المسيحي. فامتلكوا الأموال الطائلة، والمساحات الشاسعة من الأراضي، في كل من أوروبا والشرق الأوسط. وكذلك امتلكوا المزارع وحقول العنب، وتولوا إدارة غيرها، وشيدوا الكنائس والقلاع والحصون، كما عملوا في الصناعة والاستيراد والتصدير، وامتلكوا أسطولهم البحري الخاص.[2]
القضاء على تنظيم فرسان المعبد:
بعد فتح القدس عفا السُّلطان صلاح الدين عن أهلها، عدا الفرسان الحربيِّين، وخاصة فرسان المعبد، فأمر بذبحِهم كالخراف، ومن نجا فَرَّ لقلعة بعكا، لكنَّ المسلمين أجلوا جميعَ النصارى من أراضيهم فيما بعد، فصار الفُرسان بلا دولة؛ لذا رجعوا لمواطنهم الأصلية، وكان غالبيتُهم من فرنسا.[3]
العودة كتنظيم سياسي واقتصادي:
أعاد فرسان المعبد تنظيمَ صفوفهم بعد أن أخرجوا من كل آسيا، فغدا الفرسان في أوروبا قوة سياسية يُحسَب حسابها، وغَدَوا للملوك أصدقاء ونُصحاء، وأملاكهم العظيمة في سائر بُلدان أوروبا من العقار والمال تَمدهم بسلطان عظيم، فبوسعهم أن يُموِّلوا دولةً بأكملها، بل أن يشتروها بمن عليها.[4]
القضاء على التنظيم مرة أخرى على يد الملك الفرنسي فيليب:
أعلن الملك الفرنسي فيليب والبابا كلمنت الخامس تحريم هذه الطريقة، وإلقاء القبض على أعضائها عام 1307م. ومع أن بعضهم نجح في الفرار إلا أنه تمَّ القبض على معظم أفرادها، وفي أثناء المحاكمات الطويلة التي أعقبت ذلك اعترف هؤلاء بأنهم تركوا الدين المسيحي فعلاً، وأنهم كانوا يهينون السيد المسيح وأمه؛ لذا تم إعدام زعمائهم وعلى رأسهم "الأستاذ الأعظم: جاكوس مولاي" عام 1314م، وسجن الباقون، فانفرط عقد هذه الجمعية في فرنسا.[5]
الماسونية وفرسان المعبد:
من جديد نَجح عدد من فرسان المعبد في الفرار من فرنسا مُلتجئين إلى سكوتلندا وملكها "روبرت بروس" الذي كان الوحيد في أوروبا النصرانية الخارج عن إمرة الفاتيكان. وهناك لملموا شتاتَهم المتبقي من الأتباع خفية، واستمروا سرًّا في نشاطهم. ثم تسلَّلوا إلى منظمة البنَّائين الأحرار "الماسونية"، وكانت من أقوى المحافل المدنيَّة في بريطانيا آنذاك، وسرعان ما سيطروا عليها تمامًا، ثم تغير هذا المحفل إلى "محفل الماسونية العالمية". فلم يختفِ فرسان المعبد، بل استمروا بنشاطهم وعقائدهم تحت سقف "المحفل الماسوني".[6]
التنظيم الداخلي لفرسان المعبد ورتبهم الأساسية:
أُسس تنظيم فرسان الهيكل ليكون تنظيمًا رهبانيًا، وقد امتاز بقوة بنيته التنظيمية، وبخاصة من الناحية القيادية. واختصت البلاد التي تميزت بحضور واسع للتنظيم بقائد عام في كل بلد لأعضاء التنظيم فيه. فيما يدين كل القادة بالولاء إلى القائد الأعلى للتنظيم، والذي يتولى المنصب مدى الحياة.
وتشير التقديرات إلى أن عدد المنتمين للتنظيم في أوج قوته بلغ ما بين 15000 أو 20000 عضوًا، وقرابة العُشر منهم من كان فارسًا عسكريًا بالفعل. وكان هناك ثلاثة رتب في صفوف فرسان الهيكل هم: الفرسان النبيلة، ورقباء غير نبيلة ، والكهنة. وكانت الثلاث رتب يرتدون حلة عليها شعار الصليب الأحمر.[7]
المعتقدات الدينية لفرسان الهيكل:
يقول الدكتور بليل عبدالكريم، واصفا معتقدات فرسان المعبد: "إن سرية مُعتقداتهم كشفها الزَّمن، فبعض ما سُرب عن الماسونية -وهي من صناعتهم- مُطابق بالتمام لما اتُّهموا به، فشعائرهم من البَصق على الصليب وإهانته، وإهانة أُمِه (مريم ابنة عمران)، والزِّنا واللِّواط، قد جاهر بها أتباعُهم في القرن العشرين، وبالمواصفات التي ذكرتها مُذكرة الاتهام الفرنسية، من قولهم: إنَّ الشيطان يأتي في صورة امرأة، وكفرهم بالمسيح ربًّا ونبيًّا، واستهزائهم بالإنجيل، بل الأديان كلها... ومن المعلوم بالتحقيقات التاريخية أنَّ عَبَدة الشيطان فكرهم يُقارب فكر الماسونيِّين في نظرية الخلق والأُلوهية والموقف من الأديان والأخلاق... والماسونية في طَورِها الثاني هي إصدارٌ أخير لمنظمة فرسان الهيكل".[8]
فرسان المعبد وعبادة بافوميت:
عرف عن فرسان المعبد تقديسهم لصنم برأس قط أسود، وقد ارتبط هذا الصنم بأشكال أخرى منها: صنم برأس جمجمة -رأس بوجهين، لشخص ملتح، شخص متعدد الرؤوس، أو الشكل الأشهر وهو جسد آدمي برأس تيس وجناحين وظلفين مشقوقين، وهو يمثل الشيطان، ويمثل الربط بين فكرة الخصوبة الذكرية والسيطرة على عناصر الخليقة بواسطة علوم *****.
وكان هذا الصنم يعرف باسم "بافوميت" Baphomet، وكانت له تماثيل متعددة، إلا أن أشهرها كان موجوداً على واجهة كنيسة "سانت ميري" Merri Saint، في فرنسا، ولا زال موجوداً حتى الآن.
وكان بافوميت بالنسبة إلى فرسان المعبد رمزاً لعدد من المفاهيم، منها النور السماوي لإله وثني يدعى "بان".
وقد بينت الاكتشافات الحديثة صحة تورط فرسان المعبد في عبادة بافوميت، وهي مستندات ترجع إلى القرن الثالث عشر.[9]
علاقة "فرسان المعبد" بـ"أمناء جبل الهيكل":
جدير بالذكر الإشارة إلى أن جماعة فرسان المعبد (الهيكل) تختلف عن حركة أمناء جبل الهيكل، فالأخيرة حركة يهودية أرثوذكسية متطرفة مقرها القدس، هدفها الكبير أن تعيد بناء معبد هيكل سليمان (الهيكل الثالث) في الحرم الشريف بالقدس، وإعادة معهد ممارسة التضحية الطقوسية. وقد تأسست الحركة إثر حرب عام 1967م على يد "غرشون سولومون"، وهو ضابط في قوات الدفاع الإسرائيلية ومحاضر في الدراسات الشرق أوسطية.[10]
------------------------------
[1] المنظمات الشيطانية: فرسان الهيكل، الماسونية، عبدة الشيطان، د. بليل عبد الكريم، شبكة الألوكة.
[2] فرسان الهيكل، ويكيبيديا.
[3] المنظمات الشيطانية، د. بليل عبد الكريم، شبكة الألوكة.
[4] المرجع السابق- بتصرف.
[5] الماسونية وفرسان المعبد، أ. أورخان محمد علي، موقع مجلة المجتمع.
[6] المنظمات الشيطانية، د. بليل عبد الكريم، شبكة الألوكة.
[7] فرسان الهيكل، ويكيبيديا.
[8] المنظمات الشيطانية، د. بليل عبد الكريم، شبكة الألوكة.
[9] أسرار بافوميت.. التجسدات البشرية للشيطان، ياسر منجي.
[10] أمناء جبل الهيكل، ويكيبيديا.


ـــــــــــــــــــــ
*{مركز التأصيل للدراسات والبحوث}
=======================

عبدالناصر محمود
08-06-2016, 07:34 AM
غولن وجماعة الخدمة.. الحراك الصوفي التركي!*
ـــــــــــــــــــــــــ

3 / 11 / 1437 هـ
6 / 8 / 2016 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/files/633937d7c32adb176ef27e7b1888dc7f-796x427.png





أبرزت الأحداث الأخيرة التي شهدتها تركيا عقب انقلاب 15 يوليو الفاشل "جماعة الخدمة" مجددا إلى السطح. حيث أشارت الاعتقالات التي شهدتها تركيا عقيب محاولة الانقلاب إلى مدى تغلغل هذه الجماعة في الدولة التركية ومؤسساتها الحساسة: القضاء، والجيش، والأمن، والمحكمة الدستورية، والإعلام.. وغيرها. على الرغم –طبعا- من كون الجماعة ليست حزبا سياسيا، ولا تنظيما حركيا معلنا. صحيح أن الجماعة سبق لها وأن تحالفت مع حزب العدالة والتنمية بزعامة طيب رجب أردوغان، وهذا بدوره مكنها من تحقيق مكاسب كبيرة وواسعة، لكنها منذ سنوات تقف ضده، وتسعى لإسقاطه مهما كلف الأمر! وقد دخل الفريقان في محطات من الصراع منذ وقت مبكر.
فمن هي هذه الجماعة؟ وكيف حققت هذا الانتشار والتمكن؟ وما هي حقيقتها؟ ولماذا على الرغم من الانتشار الواسع والحضور الكبير لها عبر المؤسسات التعليمية والاقتصادية والإعلامية والثقافية والإغاثية والخدمات الاجتماعية، وعلى الرغم من وجودها في مؤسسات الدولة وفي مفاصل الأجهزة الحكومية، ترفض الانخراط في النشاط الحزبي والسياسي بصفة مباشرة، وتفضل البقاء كمستفيد من الحالة السياسية عبر التحالفات المختلفة؟
الجذور:
تأسست "جماعة الخدمة" على يد الداعية التركي "فتح الله غولن" عام 1970م. وقد تأثر غولن بـ"رسائل النور" التي ألفها بديع الزمان سعيد النورسي، وإن لم يلتق به. وهي رسائل روحانية تدعو إلى الارتباط الوثيق بالله تعالى، وتؤكد على البعد التربوي.
تمتع الشيخ سعيد النورسي (1873م- 1960م)، الكردي الأصل، بالنبوغ وتحصيل العلوم الدينية، وجانبا كبيرا من العلوم الفلسفية والمنطقية، وبالشجاعة والزهد. وكان من بين الذين جاهدوا أثناء دخول الحلفاء لإسطنبول محتلين. وأنشأ عقب عام 1908م "جمعية الاتحاد المحمدي"، وناضل في مواجهة العلمانية الأتاتوركية، فناله السجن والتعذيب والتهجير، حتى مات منفيا.
رغم توجهه الصوفي إلا أن الشيخ النورسي اهتم بالإضافة إلى الدعوة لحقائق الإيمان[1] بالجانب العملي من الإيمان، حيث اهتم ببث روح التدين في الشعب التركي، وإحياء الشعائر الدينية، والعمل على تهذيب النفوس، ومواجهة الإلحاد والعلمانية. كما أنه أعطى الجوانب التربوية أهمية قصوى، فنشأ جيل جديد من الشباب المسلم يتمتع بالعفة والطاهرة.
إزاء ما واجهه الشيخ النورسي من القوى العلمانية المعادية أعلن شعاره "أعوذ بالله من الشيطان والسياسة".. منذ عام 1921م. ونحى بمنهجه للتغيير للطرق السلمية، ونشر الأفكار، ومجاهدة النفس، وإصلاح القلوب، ليكون بعد ذلك مسلكا للسائرين على خطاه.
بعد وفاة الشيخ سعيد النورسي انقسم أتباعه، وتشكلت عدة حركات تنتسب إليه. وتعرف "جماعة الخدمة" نفسها اليوم كامتداد لحركة النورسي، لكن بالإضافة إلى كتب النورسي تمثل كتب غولن المنهج العلمي والفكري والثقافي للجماعة؛ ولا تتجاوزها إلى غيرها.
الهوية.. بين الظهور والباطنية:
بالرغم من الانتشار الواسع الذي بلغته "جماعة الخدمة" داخل تركيا وخارجها، حيث يقدر البعض عدد أعضائها داخل تركيا فقط بـ4- 5 ملايين شخص، فإن الجماعة لا تمثل تنظيما معلنا أو حزبا سياسيا. وهي تقدم نفسها كحركة اجتماعية، تعنى في أنشطتها بالتعليم والتربية والثقافة. وهي تتماهى مع أفكار ومواقف مؤسسها "فتح الله غولن" المولود عام 1941م.
تلقى غولن تعليما دينيا منذ صباه؛ واطلع على العلوم الفلسفية والثقافة والفكر الغربي. وقد أعطى جلَّ اهتمامه للدعوة والوعظ والتأليف، حتى أنه عزف عن الزواج. وهو يتصف ببراعته في الخطابة، وغزارة إنتاجه الفكري؛ فقد ألف أكثر من سبعين كتاباً، ترجمت إلى 39 لغة في مقدمتها العربية والإنجليزية والفرنسية والصينية والألمانية والألبانية. وأغلب كتبه تدور حول التصوف في الإسلام، ومعنى التدين، والتحديات التي تواجه الإسلام اليوم.
يؤخذ على الجماعة -وهي المحسوبة على التيار الديني- ضعف الاهتمام بالقرآن الكريم وعلومه في حلقاتها ودروسها، وتقاعسها عن افتتاح ورعاية دور تحفيظ القرآن الكريم؛ ولعل ذلك ناتج عن تضييق الحكومات العلمانية سابقا، إلا أنها حتى هذا المرحلة من التحول في السياسة التركية تحافظ على هذا الموقف!
وهي تهتم بالدرجة الأولى بالتعليم الحداثي في جميع مؤسساتها التعليمية، مع نشر أفكار ونمط تدين الجماعة عن طريق الكفاءات التعليمية. وهكذا يتم بناء شخصية التلميذ وفقا لأجندة الجماعة، من خلال منظومة تربوية تزرع في التلاميذ بطريقة غير مباشرة قيم ومبادئ المشروع الصوفي لزعيم الجماعة.
وتعنى الجماعة بإنشاء المدارس بمختلف مستوياتها داخل وخارج تركيا، مستهدفة الفئة المتعلمة والمثقفة من الشعب. وهي تدير اليوم عبر العالم أكثر من 1500 مؤسسة بمختلف مراحل التعليم، و15 جامعة لها فروعها وانتشارها في أكثر من 140 دولة في مختلف أنحاء العالم. وجميع هذه المؤسسات لا تطبق برامج أو مناهج دينية.
في عام 1999م أذاع التلفزيون التركي خطابا مرئيا لغولن أمام حشد من جماعته, يتحدث فيه عن تطلعاته لتركيا التي تحكمها الشريعة الإسلامية، وكيفية تحويل هذه التطلعات إلى حقائق. وجاء في خطابه التالي: "من أجل الوصول إلى نقطة ودرجة معينة من الذي نريده لابُدَّ أن تتواصل خدامتنا وأعمالنا بهذا الشكل, بشكل ضروري وملزم. إذا ما حدث خطأ, بدون الوصول إلى القوام والدرجة التي نريد, بدون تجمع الخواص اللازمة, بدون أخذ المسافة المطلوبة, إذا ما تعجلنا في توجهاتنا، فإنَّ الدنيا ستقمعكم، وستتعرضون للأذى. سيعملون على إعادة سيناريو الحادثة التي عاشها المسلمون في الجزائر. وسيكررون الفاجعة التي حصلت للمسلمين في سوريا 1982م. وستعايشون ما يعايشه المسلمون في مصر كل عام من فظائع. في هكذا مرحلة لا بد أن تجدوا ذواتكم بشكل كامل, إلى أن تصلوا إلى الدرجة التي نريد, إلى تلك المرحلة التي تمتلكون فيه القوة التي تعينكم على حمل هذه الدنيا على ظهوركم, إلى حين وصولكم إلى جميع مؤسسات الدستور في الدولة, أي خطوة مستعجلة هي كما البيضة التي لم تستكمل يومها العشرين فتُكسر, كما هو صغير الدجاج الذي يترك حضانته إلى العواصف والبرد, وهذه الأعمال التي نقوم بها هي كذلك"[2].
من هنا يظهر هدف الجماعة ومؤسسها في الوصول إلى التمكين وحيازة الدولة، لتحقيق رؤيته الإسلامية، بعيدا عن الظهور والحضور السياسي بكل تبعاته. ما جعل حضور الجماعة اليوم يشكل كيانا موازيا للدولة، يتلقى قراراته وتوجيهاتها من خارج المؤسسة الرسمية، ويقصر ولاءه على الجماعة.
الكيان الموازي.. أم الولي الفقيه:
مما ساعد غولن وجماعته من عدم الاستهداف الاسئتصالي المباشر خلال العقود الماضية نظرته لضرورة العمل تحت سقف الحكومة، والتنسيق معها، باعتبار أن القيادة السياسية "ولي الأمر" الذي يعرف أكثر ويحرص على مصالح الشعب. وهو لا يرفض الجمهورية بل يرى لها أصلا قرآنيا، ويعرفها بأنها شكل الإدارة الذي يملك فيه الشعب حق الانتخاب والشورى.
وكما أن جماعة الخدمة لا تعتبر نفسها تنظيما أو حزبا سياسيا، فإنَّ غولن لا يقدم نفسه، أو يقدمه أتباعه، على أنه زعيم أو ناشط سياسي. بل يتبنى غولن مفهوماً غير مسيس للدين، فهو يرى أن "الإسلام ليس أيديولوجية سياسية، أو نظام حكم، أو شكلاً للدولة"، وهو يصف جماعته بأنها "فوق السياسة"، كونها بعيدة عن العمل السياسي الحزبي. من ثم فإن نشاط الجماعة لم يمثل تهديدا للسلطة أو معارضا لها.
وعوضا عن ممارسة العمل السياسي والحراك الحزبي اعتمدت الجماعة على التغلغل في مؤسسات الدولة، والتقدم في المناصب الهامة والعليا في مختلف المؤسسات؛ خصوصاً الجيش والاستخبارات والشرطة؛ واكتفت بالتحالف مع الأحزاب السياسية في مقابل الدعم الذي تقدمه هذه الأحزاب لها بعد نجاحها؛ وبغض النظر عن اتجاهات الأحزاب أو أيديولوجيتها. لكنها كانت في غالب الأحيان إلى جانب الأحزاب العلمانية، مثل حزبي الطريق القويم والوطن الأم اليمينيين، وحزب اليسار الديمقراطي بقيادة بولند أجاويد.
وفي سبيل هذا التغلغل يمارس أعضاء الجماعة "التقية السياسية" للوصول إلى وظائف الدولة. وتجيز الجماعة لأعضائها التخلي عن بعض العبادات والشعائر لإخفاء هويتهم، حتى لا يتم استبعادهم من أجهزة الدولة، خاصة الجيش والشرطة؛ وذلك نظرا للعلمانية المتغلبة على الدولة.
وفي الوقت الذي حوربت فيه معظم الحركات الإسلامية بتركيا، وحظرت أنشطتها، كان غولن يجد الاحتفاء والاستضافة في عدد من البرامج التلفزيونية، لنقل تجربته المتميزة في الانفتاح والتسامح وقبول الآخر! واستخدم في ضرب توجه نجم الدين أربكان الذي لم يكن غولن وجماعته في وفاق سياسي معه.
إن ما يميز جماعة الخدمة التنظيم السري، والطاعة المطلقة لزعيمها، واللذين يشكلان معا تهديدا خطيرا لأي سلطة حاكمة. فقدرة غولن على توجيه أتباعه وتحريكهم والإضرار بمخالفيه عبر كيان الدولة بات لا يستهان بها. وهذا ما يفسر رفع أحد قضاة محكمة أمن الدولة بأنقرة قضية ضد الجماعة، عقب الانقلاب العسكري الذي جرى في 28 فبراير 1997م، واستهدف حكومة نجم الدين أربكان -زعيم حزب الرفاه- الائتلافية، واتهامه غولن بالعمل على تشكيل تنظيم سري يعمل على هدم الدولة؛ هذا بالرغم من تأييد غولن لهذه الخطوة الانقلابية!
كما أظهرت أحداث 17 ديسمبر 2013م إلى أي مدى وصلت قدرة الجماعة في اختراق الدولة والانتشار في مفاصلها المختلفة؛ إلى الحد الذي مكنها من تدبير مؤامرة على حزب العدالة والتنمية الحاكم. ولأول مرة اتهمت النيابة العامة غولن –في حينه- بأنه يتزعم "منظمة إجرامية"!
غولن.. الانقلابات والتحالفات:
عاشت تركيا حالة من عدم الاستقرار السياسي في ظل انقلابات عسكرية متتالية شهدتها خلال فترة ما بعد إلغاء الخلافة الإسلامية. وكانت تستهدف قوى الجيش العلماني الأحزاب والجماعات الإسلامية بتحركها السياسي غالبا. لذلك كان يتم استهداف رموزها مع كل انقلاب يتم.
ففي مارس عام 1971م اعتقل غولن لمدة ستة أشهر، على إثر الانقلاب العسكري وتدخل الجيش في الحياة السياسية. وفي عام 1973م تطورت علاقة غولن بحزب السلامة الوطني –التابع لنجم الدين أربكان، على أثر تأييد الجماعة للحزب في الانتخابات, وكان من نتائج ذلك تقديم حزب السلامة الوطني الدعم لنشاطات غولن وجماعته. انهارت هذه العلاقة التي جمعت بين الطرفين عام 1980م، بعد أن صدر عن غولن تسجيل صوتي ينتقد فيه الحزب؛ ما دفع حزب السلامة الوطني لإظهار رد فعل حازم وموقف شديد من الجماعة.
في 12 سبتمبر 1980م شهدت الساحة السياسية التركية انقلابا جديدا، بتدخل الجيش وسيطرته على الحكم؛ ما دفع غولن للهرب خارج بلدته هربا من اعتقاله. وبالرغم من مطاردته أمنيا إلا أنه أعلن وقوفه إلى جانب الجيش، وكتب في مجلة "الرشحة"، الناطقة باسم الجماعة: "نعم ها نحن الآن في ظل ألف حب وأمل فيما نُعِدُّه إشراقة انتصار هذا العصر, حيث الانبعاث الأخير في وجود وبقاء آخر محطاتنا عند النقطة التي اُستهلك عندها جهدنا. مرة أخرى أقف لألقى بالسلام إلى أولئك المحمديين الذي هم في إمدادهم وسندهم لنا كمثل الخضر -عليه السلام"! كما أعلن تأييده السياسي لـ"حزب الوطن الأم"، القومي المصنف على اليمين التركي، بقيادة "تورقوت أوزال"، بعد تصدره المشهد السياسي.
وخلال فترة الثمانينيات، شهدت الجماعة تمدداً وانتشاراً واسعاً, فارتفعت نسبة تداول مجلة "الرشحة", وازداد افتتاح بيوت النور التابعة للجماعة. فقد وجدت فيها القوى الحاكمة بديلاً للإسلام السياسي، فأتاحت لها هامشا من الحرية. إلا أن هذا التقارب لم يدم، فتمت ملاحقته بتهمة تهديد النظام العلماني، ومحاولة إقامة نظام إسلامي.
عام 1997م قاد العسكر مرة أخرى انقلابا على حكومة أربكان[3]. ولم يعارض غولن الانقلاب بل أثنى على قادته، واعتبر موقف الجيش موقفا ديمقراطيا منصفا![4] لكن حبل الود لم يدم طويلا بين غولن والجيش الذي بالغ بالثناء عليه، ما دفعه إلى مغادرة تركيا عام 1999م، باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية، متذرعاً بالعلاج، مستقرا بها منذ ذلك الوقت.
رأى غولن في حزب العدالة والتنمية، بزعامة طيب رجب أردوغان، قوة صاعدة جديدة يمكنه التحالف معها؛ فدعم الحزب في انتخابات عام 2007م، ودخل الطرفان فيما يشبه التحالف غير المعلن. كان هدف غولن من وراء هذا التحالف تعزيز قوته وقوة جماعته داخل تركيا. لكن هذه العلاقة –أيضا- لم تدم. فقد دخل الطرفان في صراع على خلفية قضية الفساد والرشوة التي اعتقل على إثرها 52 شخصا، بينهم أبناء ثلاثة وزراء ورجال أعمال بارزون ومسؤولون بحكومات محلية، ينتمون لحزب العدالة والتنمية أو مقربون من رئيس الحكومة –أردوغان في حينه، في 17 ديسمبر 2013م. في تلك الأحداث اتهم أردوغان غولن بالتآمر مع أطراف داخلية وخارجية للإطاحة بحكومته، وافتعال هذه الفضيحة.
وفي 15 يوليو –الجاري- اتهم أردوغان غولن مجددا بالوقوف وراء الانقلاب العسكري الدامي الذي استهدف إسقاط النظام، وإزاحة حكومة حزب العدالة والتنمية. وعلى إثر ذلك اتخذت حكومته إجراءات تستهدف تطهير أجهزة الجيش والأمن والقضاء والإعلام والتعليم وغيرها من الدوائر الحكومية مما بات يعرف بـ"الكيان الموازي"!
هذه المسيرة من المواقف لجماعة الخدمة توضح إلى أي مدى مارس غولن "البراجماتية" وتقلب في التحالفات، في سبيل تمكين جماعته وحركته من السلطة، والحكم من وراء ستار عبر كيان مواز. وفي حين كان يعلن تأييده للتحرك العسكري للجيش كان يمد يده للأحزاب الأخرى لإيصالها إلى السلطة، لتقوم بدورها بفتح الآفاق لكوادر الجماعة للتغلغل في وظائف الدولة، وبتسهيل حركة أنشطة الجماعة المختلفة.
الخدمة.. والقوة الاقتصادية:
تعتمد جماعة الخدمة على مصادر دعم مالي ضخمة، مستمرة ومتنامية. البعض يعيدها إلى سياسة الجماعة الخاصة في جمع التبرعات والاشتراكات، من بين أعضائها أو عبر محيطها الاجتماعي. إلا أنَّ هذه الموارد لا تكفي في نظر المحللين لحجم نشاطات الجماعة المختلفة.
عدا عن التبرعات والاشتراكات، تعتمد الجماعة في بنيتها العضوية على طبقة قوية من رجال الأعمال، ممن يسندون الجماعة مالياً وماديا، وهي تمتلك وتدير عددا من الأوقاف التابعة لها، وللمشاريع التي تقوم عليها، كما أنها تقود قاطرة استثمارات اقتصادية مختلفة في عدة مجالات، داخليا وخارجيا، ما يدر عليها عشرات الملايين من الدولارات سنويا.
وهي بسياستها الموادعة وغير المتصادمة مع النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحظى بالقبول والدعم والرعاية، طالما وأنها لا تنكر واقعهم، ولا تعارض فسادهم. فتوجهها الصوفي وبعدها ******** يقفان بها عن مقارعة الظلم والطغيان والفساد، والتعاطي في المقابل مع آثاره بالأعمال الإغاثية والخدمات الاجتماعية التي تخفف وطأته على الناس.
ولا يستبعد البعض وجود دعم خارجي عابر للحدود للجماعة خلال مراحلها التاريخية، خاصة وأنها بأفكارها تمثل بديلا مناسبا للجماعات الأصولية وحركات الإسلام السياسي. والغرب حريص في علاقاته بالمنطقة على رعاية ودعم مثل هذه الطوائف، بشكل أو بآخر. فهو بطبيعته يتيح المجال للحركات غير المعادية لسياساته في المنطقة، والمداهنة له فكريا وثقافيا وسياسيا، طالما أنها تأخذ من الإسلام جانبا صوريا أو جزئيا يقف به في حدود الخصوصية وليس التأثير والتغيير والتصدر العالمي.
وفي تقرير مؤسسة راند الأمريكية، الذي يحمل اسم: "إسلام حضاري ديمقراطي"، صنفت المؤسسة المجتمع المسلم إلى أربع فئات: المتشددون، والتقليديون، والمجددون، والعلمانيون. وأوصت أن تتعامل السياسة الأمريكية مع المجددين، وأن تدعمهم للوصول إلى إسلام معتدل مساير للحضارة الغربية. وفي هذا السياق ضرب التقرير عدة أمثلة لأولئك المجددين، وكان فتح الله غولن من بين المجددين الأبرز، حيث قال عنه التقرير: "غولن صيغة لتحديث الإسلام شديدة التأثر بالصوفية، ويركز على التنوع والتسامح واللا عنف".
الأمر ذاته تكرر في تقرير "بناء شبكات مسلمة معتدلة"، لذات المؤسسة. فقد اعتبر الصوفية أحد الحلفاء المرتقبين لأمريكا؛ وضرب لذلك مثلا الشريك الصوفي المرتقب بفتح الله غولن. يقول معدوا التقرير: "يشجع القائد الديني التركي فتح الله غولن الإسلام الصوفي الحديث المعتدل. حيث إنه يعارض تنفيذ الدولة للقانون الإسلامي، مشيرا إلى أن معظم اللوائح الإسلامية تتعلق بالحياة الخاصة للأفراد، ويهتم القليل منها بأمور الحكم، فالدولة -كما يعتقد هو- لا ينبغي أن تطبق أو تنفذ الشريعة الإسلامية لأن الدين مسألة شخصية".
هذه الرؤية الغربية التي تنطلق منها سياسة الولايات المتحدة تشير بوضوح إلى أي مدى يمكن لمثل جماعة الخدمة أن تجد قبولا خارجيا، بل وداعما على سبيل التوظيف والاستخدام. لذا فلا غرابة أن تستضيف الولايات المتحدة الأمريكية غولن في ولاية بنسلفانيا منذ قرابة العقدين؛ معززا بحراسات خاصة وأخرى أمنية. كما ن هذا التحليل يفسر مدى التمدد والانتشار الذي تجده مؤسسات الجماعة في الدول الغربية، التعليمية والإعلامية والاقتصادية؛ دون أي تضييق يذكر.
وهي الاعتبارات ذاتها التي جعلت حكام تركيا من العسكر العلماني -كسليمان ديميريل وبلند أجاويد- يطلقون حرية النشاط للجماعة في تأسيس المدارس والمحاضن التربوية. فالخلفية الصوفية والمناهج العصرية التي يتربى عليها الأتباع ترسخ القابلية لعلمانية الدولة التركية دون تحفظ؛ طالما وأنها ترضى عن الجماعة ومرجعيتها وفكرها كنموذج معبر عن الإسلام!
غولن والعلاقة مع الغرب:
في حقبة تاريخية معينة -شهدت صراعا محموما بين قطبي السياسة العالميين: الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية- مثل العالم الإسلامي حليفا مؤقتا لمواجهة المد الشيوعي الذي بات ينتشر في العالم انتشار النار في الهشيم. ومن ثم تبنى العالم الغربي حركات الجهاد والمقاومة المختلفة التي وقفت ضد تمدد المعسكر الشرقي وتوسعه عالميا.
لم تكن تركيا بحكم موقعها الإستراتيجي بعيدة عن هذا الصراع؛ ولم تخل من اختراق فكري من كافة الاتجاهات التي شهدها القرنان التاسع عشر والعشرين الميلاديين. وكانت جماعة الخدمة إبان انتشارها معادية للشيوعية والإلحاد، فاستخدمت كبقية الاتجاهات الإسلامية من قبل الغرب لقمع اليسار -يقول الباحث التركي محمد كارلي -في جامعة أكسفورد[5].
يضاف إلى ذلك أن رؤية الجماعة للغرب تنبع من اقتناعها بأن الغرب هو الذي يقود العالم اليوم، وهذا يحتم على كل من أراد أن يتواجد على الساحة العالمية التصالح والتنسيق معه لا مصادمته -برأيها. من هنا تقف الجماعة دوما داعمة لملف انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.
ولا تنظر الجماعة للعالم العربي بوصفه المجال الحيوي لتركيا، بل تعتبر أن هذا المجال هو القوقاز وجمهوريات آسيا الوسطى والبلقان. وهذه النظرة بطبيعتها تخدم سياسة عزل تركيا عن محيطها العربي. وفيما كان الزعيم التركي نجم الدين أربكان يدعم الاتحاد مع العالم الإسلامي كان غولن يركز على هوية الإسلام القومي التركي الأناضولي، ويرفض سياسة أربكان!
وسبق لغولن أن أطلق مشروع "حوار الأديان"، على خلفية لقاءاته مع قساوسة نصارى ثم بابا الفاتيكان، ليكون بوتقة تجمع أتباع الشرائع السماوية الثلاثة، ثم لاحقاً أتباع الشرائع الأخرى (الهندوس والسيخ والبوذيين)؛ ترسيخاً لمبدأ قبول وفهم الآخر والتعاون معه.
وتماهيا مع الغرب تتجنب الجماعة عبر تاريخها الطويل انتقاد إسرائيل، حتى في أخطر الأحداث وأبشع المجازر. وفي عام 1990م أبدى زعيم الجماعة تعاطفه مع أطفال إسرائيل نتيجة قصف نظام العراق لإسرائيل بعدة صواريخ سكود. كما انتقدت الجماعة عبر أذرعتها الإعلامية جهود حكومة أردوغان وهاجمت مساعيه الإنسانية لإغاثة غزة؛ واعتبرت -في موقف مغاير للموقف الشعبي والرسمي لتركيا- إرسال أسطول الحرية لكسر حصار غزة مخالفة قانونية!
كما أدان غولن قرار طرد السفير الإسرائيلي من أنقرة، والذي صدر على خلفية اعتداء قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي على سفينة "مافي مرمرة" وقتله تسعة مواطنين أتراك عليها في المياه الإقليمية. ملقيا اللوم في تصريح له لصحيفة "وال ستريت جنرال" الأمريكية على الجانب التركي.
من ثمَّ كتبت الكثير من الدوريات الغربية عن غولن تصوره كزعيم حركة اجتماعية إسلامية قومية غير معاد للغرب، ووجه المستقبل للإسلام الاجتماعي في الشرق الأوسط، وتظهره كقائد روحاني وملهم للمسلمين في العالم، وليس في تركيا فحسب. وتجد جماعته وأنشطتها الباب مفتوحا لها في الدول الغربية ودون تضييق.
هدف الغرب من رعايته غير المباشرة لجماعة الخدمة -وهي المتغلغلة في كافة مفاصل الدولة التركية- تطبيع الحالة التركية مع مشروع إسلامي مرضي ومقبول له، تمهيداً لتصدير هذا النموذج إلى محيط تركيا الإسلامي. لذلك يسعى غولن إلى إنتاج حالة تدين بنزعة تركية، تجمع بين التصوف والحداثة والقومية. وهذا التوجه بدوره يجعل تركيا تابعة لا متبوعة، ويأمن مستقبلها في مواجهة حركات الاسلام السياسي الأصولية –في نظر الغرب.
ومن هنا تأتي "محاولة الجماعة فرض حصار على الاسلام، بحيث يحافظ على نسخته الكولينية التي تعتمد صيغة (مؤمنون بلا حدود)، حيث الإنسان -لاحظ أن أتباعه يتحدثون دائما عن الإسلام من خلال أفكاره فقط وكأنه مصدر فهم الدين- هو من يحدد حدود الإيمان وليس الأديان"[6].
---------------------------------------------------
[1] ينتمي الشيخ بديع الزمان النورسي في آرائه العقدية للماتريدية.
[2] السياسة التركية ودور جماعة غولن، محمد الأخرس، صيد الفوائد:
http://www.saaid.net/arabic/705.htm?print_it=1
وقد تراجع غولن عن هذه الآراء، في لقاء أجرته معه صحيفة "الزمان" –التابعة لجماعته، في ذات السنة.
[3] هو الانقلاب الذي على إثره تم إغلاق حزب الرفاه من قبل المحكمة الدستورية في عام 1998م؛ ومنع نجم الدين أربكان من ممارسة السياسة لمدة خمس سنوات، وحكم على رجب طيب أردوغان -عمدة إسطنبول حينها عن حزب الفضيلة- بالسجن، ومنع من ممارسة السياسة للأبد.
[4] استقبلت صحيفة "زمان" حكومة الانقلاب الذي تم في 28 فبراير، بعنوان "لعله مبارك"، واستبشرت خيراً منذ اليوم الأول!
[5] التركي فتح الله غولين من أكثر الدعاة تأثيراً، مها الريشة، بي بي سي: في 3/8/2008م.
[6] كول: رجل تركيا الغامض، حسين الرواشدة، صحيفة الدستور الأردنية، في: 7/6/2014م.






---------------------------
*{مركز التأصيل للدراسات والبحوث}
ــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
08-14-2016, 07:00 AM
انحطاط البهائية*
ــــــــ

11 / 11 / 1437 هـ
14 / 8 / 2016 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/files/314b7c8a8e25725f8d2b9d432a5d2f54-796x427.jpg







للأخلاق مكانة كبيرة في الإسلام، والنصوص الإسلامية من قرآن وسنة متوفرة في هذا الشأن، ولقد امتدح الله نبيه- صلى الله عليه وسلم- بقوله تعالى: ((وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ))، القلم: 4. وجاء في الحديث الشريف عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إنما بُعِثت لأُتمم صالح الأخلاق)، رواه أحمد؛ وعن أبي الدرداء قال: سمعت النبي-صلى الله عليه وسلم- يقول: (ما من شيء يُوضَع في الميزان أثقل من حُسنِ الخلق، وإن صاحب حُسنِ الخُلُق لَيَبلُغُ به درجة صاحب الصوم والصلاة)، رواه أبو داود والترمذي. لكن هذه المكانة تتأخر بتأخر رتبة النحلة أو الملة أو المذهب، فالأخلاق تبلغ الذروة في الإسلام، في حين نراها تتأخر من حيث الرتبة والمكانة في ما دون الإسلام من مذاهب وملل وضعية. ومن أوضح الأمثلة على ذلك تلك المكانة المتدنية للأخلاق في نحلة مثل البهائية، وهي مكانة تابعة ومرتبطة بأخلاق المؤسس المدعو حسين علي (البهاء).
فالبابية أو (البهائية) حركة نبعت من المذهب الشيعي الشيخي سنة 1260ه‍/1844م، تحت رعاية الاستعمار الروسي واليهودية العالمية والاستعمار الإنجليزي، بهدف إفساد العقيدة الإسلامية وتفكيك وحدة المسلمين وصرفهم عن قضاياهم الأساسية.
تنسب البهائية إلى (البهاء)، لقب يُدعى به مؤسس هذه الحركة، وهو الميرزا حسين علي. وقد ولد في قرية نور من قرى مازندران من إيران، في الثاني من شهر محرم سنة 1233ه الموافق 12 نوفمبر 1817م.[1]
بدأ حسين المازندراني بدعوى أنه "وصي الباب"، ثم زعم أنه "المسيح" قد نزل، ثم ادعى لنفسه النبوة، ثم زاد في تبجحه وادعى إنه إله السموات والأرض، زاعماً أن الحقيقة الإلهية لم تنل كمالها الأعظم إلا بتجسدها فيه. وقد أمدته الصهيونية بلقب بهاء الله الموجود في المزامير، إذ قد ردد فيها (أن السموات تحكي عن بهاء الله)، فزعم -أو زعموا له- أنه هو هذا البهاء، وأنه مظهر الله الأكمل، وأنه موعود كل الأزمنة، ومجيئه الساعة الكبرى وقيامه القيامة، والانتماء إليه هو الجنة ومخالفته هي النار، وقد أخذ ينسخ من البابية ما لا يوافق هواه.
وبدأ يجمع كتباً يعارض بها كتاب الله، ويؤسس فيها نحلته الفاجرة، فألف "الإتقان" و"الإشتراقات" و"مجموعة الألواح والأقدس" المطبوع ببغداد لأول مرة عام 1349هـ، ويقع في 52 صفحة بالقطع المتوسط، وهو أهم كتاب عندهم، وفي نظرهم أقدس من جميع الكتب المقدسة. وقد حشاه بالآراء المضطربة والأقوال المتناقضة، ولم يخرج في جملته عن مثل ضلالات شيخه الباب.[2]
فـ"البابية أو البهائية فكر خليط من فلسفات وأديان متعددة، ليس فيها جديد تحتاجه الأمة الإسلامية لإصلاح شأنها، وجمع شملها، بل وضح أنها تعمل لخدمة الصهيونية والاستعمار، فهي سليلة أفكار ونِحَل ابتليت بها الأمة الإسلامية، حربا على الإسلام وباسم الدين"[3].
أمثلة من انحرافات البهاء الأخلاقية:
- الكذب عند البهائيين: البهاء كاذب حتى النخاع، ومن أمثلة كذبه ما يلمسه الدارس فيما نقل عن سلفه الباب من نص جلي يؤكد به كذب من يظهر هو به قبل مضي ألف سنة ونيف (هي مدة نبوة الباب أو ربوبيته حسب زعمه) ويقضي بقتله وإهدار دمه. فهو يقول في كتابه (البيان): "كل من ادعى أمراً قبل سنين كلمة "المستغاث" -يعني بحساب الجمل- هو مفتر كذاب اقتلوه حيث ثقفتموه".
يقول صاحب المفتاح: "فليت شعري ما معنى وتفسير هذه الجملة عند البهاء وأشياعه، وكيف تسنى له القيام بأمر الدعوة بولاية كانت أو نبوة أو ربوبية أو ألوهية بعد هذا النص الصريح"[4].
- شرعنة الزنا: نصّ البهاء على جزاء الزاني والزانية، بقوله: "قد حكم الله لكل زانٍ وزانيةٍ دية مسلمة إلى بيت العدل، وهي تسعة مثاقيل من الذهب، وإن عادا مرة أخرى عودوا بضعف الجزاء، هذا ما حَكَم به مالك الأسماء في الأولى، وفي الأخرى قدر لهما عذاب مهين".
بهذا يعلم أن الزنا عند البهاء عقوبته ماليه فقط، حتى أنه ليس هناك تعزير على فاعله، ففي الأمر -على هذا الأساس- إباحة للزنا للأغنياء، فمن كان لا يعضله دفع الدية والإتاوة (19 مثقال) فله أن يزني؛ طالما القضية قضية مال فقط![5]
- الجبن والنفاق: يقول الشيخ إحسان إلهي ظهير واصفاً أخلاق البهاء: "وكان جبانا متخاذلا حتى لم يشارك البابيين في حرب علنية ما، اللهم إلا ما كان من المؤامرات وراء الأستار، والتدابير الخفية ضد الحكومة الإيرانية والمسلمين، فإنه كان دوما مع المتآمرين الكائدين المتربصين بالمسلمين الدوائر، وأما جهراً وعلناً فلم يستطع الوقوف أمام قوة وحكومة وجها لوجه، من أول حياته حينما كان تلميذاً للشيرازي، وتابعا له، إلى آخر حياته عند دعواه الاستقلال بالنبوة والرسالة، وثم تربعه على عرش الألوهية والربوبية، ومزاعمه أن الباب الشيرازي لم يكن إلا رسوله هو ومبشرا به قبله لا غير"[6].
- الخداع والمكر: وعن خداعه ومكره يقول الشيخ إحسان إلهي ظهير: "فالجبن كان من لوزامه وشيمته، ولكنه مع ذلك كان خداعاً ومكارا، وهذا شأن المنافق المرائي، فإنه لابد وأن يكون كذلك. ومن دهائه ومكره أنه لم يشترك في واحد من الحروب التي أججت نيرانها من قبل البابيين ضد الحكومة، في وقت خاضها وقادها جميع الزعماء البابيين"[7].
تلك كانت أمثلة قليلة، وهي رؤوس أقلام يستكشف منها القارئ الحالة الأخلاقية التي كان عليها مؤسس تلك النحلة الفاسدة. وفي ذلك إشارة أيضاً لما عليه الأتباع من انحطاط أخلاقي وفساد سلوكي، فضلاً عن الفساد الفكري والعقدي عند تلك النحلة الضالة.
--------------------------------------------
[1] البابية والبهائية، د. عبدالله سمك: ص: 24.
[2] البهائية إحدى مطايا الاستعمار والصهيونية، عبدالقادر شيبة: ص 23.
[3] البهائية الضالة نشأتها وانحرافاتها، راشد بن عبد المعطي: ص 13، من فتوى للشيخ جاد الحق شيخ الأزهر في البهائية.
[4] ينظر: حقيقة البابية والبهائية، محسن عبدالحميد: ص 123.
[5] الزنا والسرقة.. أيهما أكبر في الجرم؟ موقع البهائية في الميزان.
[6] البهائية نقد وتحليل، إحسان إلهي ظهير: ص 20.
[7] المرجع السابق.

ــــــــــــــــــــــــ
*{مركز التأصيل للدراسات والبحوث}
ـــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
09-14-2016, 07:50 AM
الحقيقة المحمدية في الحضرة الشاذلية
ــــــــــــــــــ

(يحيى بركات)
ـــــــ

12 / 12 / 1437 هـ
14 / 9 / 2016 م
ــــــــــــ

http://today.almasryalyoum.com/photo.aspx?ID=96306&ImageWidth=240





تمتلئ أدبيات الصوفية بالمخالفات التي تضاد العقيدة والتصورات الإسلامية. وتتجلى مثل هذه المخالفات في كثير من المناسبات الصوفية، ومنها الحضرة. ففي الحضرة التابعة للطريقة العقادية الشاذلية، الذين ينتمون لأبي الحسن الشاذلي، الكثير من المخالفات الشرعية ومنها القول بعقيدة "الحقيقة المحمدية". و"الحقيقة المحمدية" طامة عقائدية كبرى من طوام الصوفية, لأنها تضفي على النبي -صلى الله عليه وسلم- صفات الألوهية -عياذا بالله. وهي تصف النبي -صلى الله عليه وسلم- بأوصاف ليست له، وهذا ليس تعظيما له بل هو خروج عن حقيقة التوحيد، ومخالفا لوصف الله فيما أمره: ((قُل إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثلُكُم يُوحَى إِلَيَّ..)).

وهي غلو في شأن النبي -صلى الله عليه وسلم؛ فيقولون عنه: "اللهم صلِّ وسلم على مَن جعلته سببا ًلانشقاق أسرارك الجبروتيّة، وانفلاقا ًلأنوارك الرّحمانيّة، فصار نائبا ًعن الحضرة الرّبانية، وخليفة أسرارك الذاتيّة، فهو ياقوتة أحدية ذاتك الصمديّة، وعين مظهر صفاتك الأزليّة، فبك منك صار حجابا ًعنك، وسرا ًمن أسرار غيبك، حُجبت به عن كثير من خلقك، فهو الكنز المطلسم، والبحر الزاخر المطمطم"؛ ثمَّ يدللون على ذلك: "وكيف لا يكون كذلك وقد أخبرتنا بذلك في مُحكَم كتابك، بقولك: ((إنّ الَّذِينَ يُبـَايِعونَكَ إنَّما يُبـَاِيُعونَ اللهَ))، فقد زال عنا بذلك الرّيبُ وحصل الانتباه".[1]
ولا يختلف الشاذلية في هذا عن قول المغالين من الصوفية؛ فقد قال بها الحلاج الذي اتهمته الصوفية بأنه اخرج وصرح بما اخفوه عن الناس[2]، فهو يقول عن النبي -صلى الله عليه وسلم: "ما أخبر إلا عن بصيرته، ولا أمر بسنته إلا عن حق سيرته، حَضَرَ فأحضر، وأبصر فخبّر، كان مشهوراً قبل الحوادث والكوائن والأكوان، ولم يزل، كان مذكوراً قبل القبل وبعد البعد والجواهر والألوان؛ هو الدليل وهو المدلول, بالحق موصول غير مفصول، ولا خارج عن المعقول؛ العلوم كلها قطرة من بحره, الأزمان كلها ساعة من دهره، هو الحق وبه الحقيقة، هو الأول في الوصلة، وهو الآخر في النبوة، والباطن بالحقيقة، والظاهر بالمعرفة.. الحق ما أسلمه إلى خلقه، لأنه هو، وإني هو، وهو هو"[3]!

ويقول محمد بن سليمان الجزولي في كتابه (دلائل الخيرات)، الذي لا يخلو منه بيت فيه مسحة صوفية أو جهل بالدين: "اللهم صلِّ على سيدنا محمد بحرِ أنوارك, إنسانِ عين الوجود، والسبب في كل موجود، عين أعيان خلقك المتقدم من نور ضيائك"[4], ويقول أيضا: "اللهم صلِّ على محمد الذي هو قطب الجلالة"[5].
ويقول عبدالسلام بن بشيش -أو مشيش- في الدعاء المشهور باسم الصلاة المشيشية: "اللهم صلِّ على مَن مِنهُ انشقَّت الأسرار وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق وتنزلت علوم آدم فأعجز الخلائق, وحياضُ الجبروت بفيض أنواره متدفقة، ولا شيء إلا وهو به منوط, اللهم إنه سرك الجامعُ الدال عليك، وحجابُك الأعظم القائم لك بين يديك"[6].

وكذلك ينسب إلى أبي حامد الغزالي، وقيل لعبدالقادر الجيلاني: "اللهم اجعل أفضل صلواتك أبداً.. على أشرف الخلائق الإنسانية، ومجمع الحقائق الإيمانية، وطور التجليات الإحسانية، ومهبط الأسرار الرحمانية, ومالك أزمة المجد الأسنى، شاهد أسرار الأزل، ومشاهد أنوار السوابق الأول، وترجمان لسان القدم, مظهر سر الجود الجزئي والكلي، وإنسان عين الوجود العلوي والسفلي، روح جسد الكونين، وعين حياة الدارين"[7].
ونسب إلى الجيلاني: "خلق العالم بأسره من الحقيقة المحمدية، فالله تعالى خلق روح النبي من نور ذاته، وخلق العالم بأسره من روحه، فهو الظاهر في الخلق باسمه بالمظاهر الإلهية"!

وفي ما تسمى بـ(جوهرة الأسرار) توجد صيغة صلاة لأحمد الرفاعي يقول فيها: "اللهم صلِّ وسلم وبارك على نورك الأسبق, الذي أبرزته رحمة شاملة لوجودك, نقطة مركز الباء الدائرة الأولية، وسر أسرار الألف القطبانية، الذي فتقت به رتق الوجود, فهو سرك القديم الساري، وماء جوهر الجوهرية الجاري، الذي أحييت به الموجودات، من معدن وحيوان ونبات، قلب القلوب، وروح الأرواح، وإعلام الكلمات الطيبات، القلم الأعلى، والعرش المحيط، روح جسد الكونين، وبرزخ البحرين"[8].
وقد يعتذر أحد الصوفية بأن هذه الكلمات ليست إلا من فرط محبته، وتعظيم قدره -صلى الله عليه وسلم، ولا يقصدون بها إخراجه عن طبيعته البشرية، وعن عبوديته لربه؛ وهو تدليس متكرر منهم، إلا أن طامة الطوام ما جاء واضحا في شرح رجل العلم والفتوى الشيخ مصطفى بن محيي الدين نجا[9]، في شرحه على الممزوجة بصلاة ابن بشيش، التي قال فيها وبكل وضوح: "والحاصل أن الله -تبارك وتعالى- جعل الحقيقة المحمدية واسطة الإيجاد لمخلوقاته تفضلاً منه وإحساناً، فالأرواح التي لا تشاهد ذلك ولا تدرك أنه -صلى الله عليه وسلم- روحها وعين حياتها كأنها أموات"[10]. "(الله منه بدئ الأمر) أي: الشأن الكلي الجامع لكل الشئون، وهو النور المحمدي الشريف، وهو أول صادر عنه سبحانه, ويسمى بالقلم الأعلى، وبالدوة البيضاء، وبالعقل الأول، وبروح الأرواح، وبالأب الأكبر، وبإنسان عين الوجود، وبالإنسان الكامل، وغير ذلك من الأسماء المشهورة عند العارفين"[11].

وحقيقة لفظ "الحقيقة المحمدية" هو لفظ بديل لفكرة استوردتها الصوفية من القدماء، من أهل فارس والهند واليونان. وهي فكرة الإنسان الكامل التي راجت عند تلك الأمم. وأطلق الصوفية هذا اللقب على أول موجود -بزعمهم- وجد في الكون؛ فزعموا أن هذا الموجود الأول قد فاض عن الله –تعالى، كما يفيض نور الشمس عن الشمس، لم يخلقه بل صدر عنه، فهو نور من نور، ونوره امتد إلى جميع ذرات الكون، فبه قامت الحياة, وهو الإله الذي صنع وخلق الموجودات, وهو الواسطة بين الخالق والخلق، لما له من شبه بهما فله صفات الإله وله صفات البشر. وهو بهذه المرتبة يعلم الغيب ويدبر أمر العالم، وربما سموه الروح الأعظم أو العقل الأول أو الفعال، وغيرها من التسميات. هذه خلاصة فكرة الإنسان الكامل التي في تلك الثقافات القديمة قبل الإسلام.[12]

وللجيلي توسع في هذه العقيدة نسبت إليه في كتاب (الإنسان الكامل)، إذ يجعل الحقيقة المحمدية متوارثة بين شيوخ الصوفية, فيقول: "اعلم -حفظك الله- أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس، ويظهر في كنائس، فيسمى باعتبار لباس، ولا يسمى به باعتبار لباس آخر، فاسمه الأصلي الذي هو له محمد، وكنيته أبو القاسم، ولقبه شمس الدين، ثم له باعتبار ملابس أخرى أسام، وله في كل زمان اسم يليق بلباسه في ذلك الزمان.. فقد اجتمعت به -صلى الله عليه وسلم- هو في صورة شيخي إسماعيل الجبرتي".[13]
إذن فهذه العقيدة خارجة تماما عن الإسلام, وهي من العقائد التي تنافي عقيدة التوحيد، فالنبي الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- على شرفه وقدره العظيم ليس أول خلق الله. ففي السنة أن أول خلق الله القلم، فعن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ –رضي الله عنه- قال سَمِعتُ رسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: (أَوَّلُ مَا خَلَقَ تَعَالَى القَلَم، فَقَالَ لَهُ: اكتُب! قَالَ: يَا رَبِّ ومَا أَكتُبُ؟ قَالَ: اكتُب مَقَادِيرَ كُلِّ شَيءٍ".[14]

أما النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو بشر، خلق من نطفة ككل بني آدم, وآدم خلق من تراب. فليس النبي مخلوقا من نور كما زعموا. وهو -صلى الله عليه وسلم- لا يعلم الغيب, قال سبحانه: ((قُل لَا أَملِكُ لِنَفسِي نَفعًا ولَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ولَو كُنتُ أَعلَمُ الغَيبَ لَاستَكثَرتُ مِن الخَيرِ ومَا مَسَّنِي السُّوءُ)).
فلِمَ يكرموه بهذه الادعاءات الباطلة التي يأباها -صلى الله عليه وسلم؟! فإنَّ أشرف ما وصفه به ربه هو مقام العبودية.
---------------------------------
[1] الأنوار العمرانية في الأوراد والأحزاب الشاذلية، جمع وتحقيق الشيخ: علي أبو الحسن عمران أحمد عمران.
[2] يروي الصوفية -كما جاء في شرح (حال الأولياء)، لعز الدين المقدسي، مخطوط، (ورقة: 251): أن الخضر عبر على الحلاج وهو مصلوب، فقال له الحلاج: هذا جزاء أولياء الله؟ فقال له الخضر: نحن كتمنا فسلمنا وأنت بحت فمتّ.
[3] أخبار الحلاج، طاسين السراج، ص: 82- وما بعدها.
[4] دلائل الخيرات، للجزولي: ص 100.
[5] دلائل الخيرات: ص 214.
[6] النفحة العلية في أوراد الشاذلية، جمع عبدالقادر زكي، مكتبة المنتهي، القاهرة: ص15- 16.
[7] أفضل الصلوات على سيد السادات، يوسف بن إسماعيل النبهاني، مكتبة ومطبعة الفجر الجديد: ص83.
[8] أفضل الصلوات: ص84، وقلادة الجواهر: ص249.
[9] مصطفى نجا مفتي بيروت في أوائل القرن العشرين من أقطاب الطريقة الشاذلية, كان شافعي المذهب شاذلي الطريقة, صاحب كتاب (مظهر السعود في مولد سيد الوجود)، ومن تلاميذ علي اليشرطي.
[10] كشف الأسرار: ص126.
[11] كشف الأسرار: ص139.
[12] انظر: الإنسان الكامل، عبدالرحمن بدوي، الموسوعة الفلسفية: ج1/136، بنية العقل العربي، الجابري: ص378.
[13] الإنسان الكامل: ج2/73.
[14] أخرجه أحمد في مسنده: ج5/317، والبخاري في التاريخ الكبير: ج6/92، وابن أبي عاصم في السنة: ص107، وابن أبي شيبة في مصنفه: ج7/264، والبزار في البحر الزخار.





------------------------

عبدالناصر محمود
01-28-2017, 09:01 AM
الإباضية والإمامية: نقاط الاتفاق والاختلاف*
ــــــــــــــــــــــ

30 / 4 / 1438 هــ
28 / 1 / 2017 م
ــــــــــــــ

http://taseel.com/files/a7e4e5e577b7728528bb8ae8f62cd3f8-796x427.jpg





الإبَاضِيَّةُ فِرقَةٌ مِن فِرقِ الخَوارِجِ. تَنتَسِبُ إلى عبداللهِ بن إبَاض. وقد عَاصَرَ مُعَاويَةَ، وتُوفِّي في أَواخِرِ أَيامِ عَبدِالملك بن مَروَان. وكان مِن دُعَاتهم، وممَّن له دُورٌ في نُشوئِهم. وكان نشؤُ مَذهَبِهم بالبَصرَةِ في القَرنِ الأَولِ للهِجرَةِ، ثمَّ انتَشَرَ في الجَزِيرَةِ العَربِيَّةِ وشَمالِ أَفرِيقِيا. ولهم آرَاءٌ فِقهيَّةٌ كَثِيرَةٌ تَتفِقُ مع مَذاهِبِ أَهلِ السُّنةِ والجمَاعَةِ الفِقهيَّةِ. ويَتميَّزُون عن أَهلِ السُّنةِ والجمَاعَةِ في مَجمُوعَةٍ مِن العَقائِدِ، وهم في بَعضِها مُوافِقُون للشِّيعَةِ الإمَاميَّةِ بقَدرٍ ما. وبينهم وبَينَ عَقائِدِ الشِّيعَةِ الإمَاميَّةِ الكَثيرُ مِن الفَوارِقِ العَقَديَّةِ والفِقهيَّةِ؛ فهم أَقرَبُ لدَائِرَةِ السُّنةِ في العُمومِ مِنهم للشِّيعَةِ الإمامِيَّةِ.

كان الإبَاضِيَّةُ يُطلِقُون على أَنفُسِهم اسم "أَهلَ الإسلام" و"أَهلَ الحقِّ" وغير ذلك. ولم يستعملوا في تاريخِهم المبكِّرِ هذه النِّسبَةَ، وأوَّلُ ما ظَهَرَ استِعمَالهم لكلِمةِ "الإباضيَّةِ" كان في أواخِرِ القَرنِ الثَّالثِ.
وفي حِينِ تَقِفُ فِرقُ الخَوَارِجِ على النَّقِيضِ مِن طَوائِفِ الشِّيعَةِ إلا أنَّ تَأثُّرَ الفِرقَ والطَّوائِفَ ببَعضِها في العَقائِدِ والتُّصورَات جَعلَ بينها قَدرًا مُشتَركًا مِنها. وأحيانا ما يكون العَامِلُ السِّياسِي سَببًا في تَقارُبِها وتَحالُفِها.

عقيدتهم في الأسماء والصفات:
--------------

وقَعَ الإبَاضيَّةُ في تَعطِيلِ الأَسمَاءِ والصِّفَاتِ أو تَأويلِها، وانقسموا في ذلك إلى فريقين: فَرِيقٌ نفى الصِّفَاتَ نَفيًّا تَامًّا خَوفًا مِن التَّشبيه –بزعمِهم؛ وفَرِيقٌ أرجَعَ الصِّفاتَ إلى الذَّاتِ، فقالوا إنَّها عَينُ ذَاتِ الله، فإنَّهم وإن لم يُنفُوها جَعلُوا مَؤدَّى القَولِ النَّفيَّ.
فَوافَقَ الإبَاضِيَّةُ المعتَزِلَةَ والشِّيعَةَ الإمَاميَّةَ وغيرَهم مِن أَهلِ فِرقِ الكلامِ في بَابِ الصِّفاتِ. وزَعَموا أنَّ الله يَستَحيلُ أن يكون مُختصًّا بجِهةٍ ما؛ بل هو في كُلِّ مكانٍ، ومِن ثمَّ أَوَّلوا صِفَةَ الاستواءِ. وهم يُنكِرون رُؤيةَ اللهِ تعالى يوم القيامة؛ لأنَّ العَقلَ بزعمِهم- يحيلُ ذلك ويَستَبعِده.

وبين إبَاضِيَّةِ المشرِقِ وإبَاضِيَّةِ المغرِبِ اختلافٌ. فإبَاضيَّةُ المشرِقِ تَعتَقِدُ أنَّ صفَاتَ اللهِ تعالى حَادِثَةٌ، وإبَاضِيَّةُ المغرِبِ تَعتَقِدُ أنَّها قَدِيمةٌ.
عقيدتهم في القرآن الكريم:
يُوافِقُ بعضُ الإبَاضيَّةِ المعتَزِلَةَ والشِّيعَةَ الإماميَّةَ في اعتقادِ أنَّ القرآنَ الكريمَ ليس كَلامَ اللهِ، وأنَّه مخلُوقٌ.

عقيدتهم في اليوم الآخر:
------------

يُؤَوِّل الإبَاضيَّةُ بَعضَ مَسائِلِ الآخِرةِ تَأويلاً مجَازيًّا، كالميزانِ والصِّراطِ وغيرِها، ويَنفُون الشَّفاعَةَ لأَهلِ الكبَائِر.

عقيدتهم في الصحابة:
-----------

يَعتَقِدُ الشِّيعَةُ كُفرَ أَبي بَكرٍ –رضي الله عنه، وعُمَرٍ –رضي الله عنه، وعُثمَان –رضي الله عنه؛ ويَتَّهِمُون الصَّحابَةَ –رضي الله عنهم- بالارتِدادِ عَقِبَ وَفَاةِ الرَّسُولِ، لأنَّهم لم يُؤمِنُوا بوِلايَةِ عَليّ بن أَبي طَالِب –رضي الله عنه. وهم يَرفَعُون عليًّا ويَعتَقِدُون عِصمَتَه، ويَصبِغُون عليه صِفَاتًا وأَحوَالا لا تكون إلا لله، ورُبَّما أَلَّهَهُ بَعضُ غُلاتِهم. وهذا خِلافُ الخَوارِجِ، فإنَّهم يُثنُون على أَبي بَكرٍ وعُمَرَ، ويرون كُفَرَ عليٍّ –رضي الله عنه، والحَكَمَين؛ واختَلَفُوا في كُفرِهم.. فمِنهم مَن قال: هُو كُفرُ شِركٍ وهُم الأَزارِقَةُ، ومِنهم مَن قال: هُو كُفرُ نِعمَةٍ لا كُفرَ شِركٍ وهُم الإبَاضِيَّةُ. وهم يتَرضَّون على قَاتِلِه، لأنَّهم يَعذُرُونه في قِتلِه إيَّاه. ويَتبرَّؤ الخوَارِجُ مِن عليٍّ ومُعاوِيةَ –رضي الله عنهما- ومَن تَولَّاهم، ويُعدُونهم أَعدَاءَ.

عقيدتهم في الأمة:
----------

يُصنِّفُ الإبَاضِيَّةُ النَّاسَ إلى ثَلاثَةِ أَصنَافٍ: مُؤمِنون: وهم الأَوفِياءُ بإيمَانِهم، ومُشرِكُون: وهم الظَّاهِرون بشِركِهم وكُفرِهم، وومُسلِمون: أقرُّوا بالإسلام ولم يَلتَزِموا به، فلهم أَحكامُ المسلمين في الدُّنيَا لإقرَارِهم بالتَّوحِيدِ، ومِن ثمَّ تَجُوزُ مُناكَحَتُهم ومُوارَثتُهم، ولهم أحكامُ المشركين في الآخِرةِ لعَدمِ وفَائِهم بإيمَانِهم ولمخَالَفَتِهم لوَازِمِ الإسلامِ.

ويَعتَقِدُ الإبَاضيَّةُ أنَّ مخَالِفِيهم مِن أَهلِ القِبلَةِ كُفَّارٌ غَيرُ مُشركِين؛ وأنَّ دَارَهم دَارَ تَوحِيدٍ إلاّ مُعسكَرَ السُّلطَانِ، فإنَّه دَارُ بَغيٍّ.
أما الشِّيعَةُ الإمَاميَّةُ فيُكفِّرون مَن خَالَفَهم، ولا يَحكُمُون له بإسلامٍ، ويَستَحلِّون دَمَه وعِرضَه ومَالَه. ولا يَرون لهم وِلايَةً، ولا يَرون لهم طَاعَةً، وإن أَخَذُوا بالتُّقيَةِ في مُعَامَلَتهم.

عقيدتهم في مرتكب الكبيرة:
---------------

يَتِّفِقُ الإبَاضِيَّةُ مع عَقِيدَةِ السَّلفِ في حَقِيقَةِ الإيمَانِ، وأنَّه قُولٌ باللِّسَانِ واعتِقَادٌ بالجِنَانِ وعَمَلٌ بالأَركَانِ، وأنَّه يَزِيدُ بالطَّاعَةِ ويَنقُصُ بالمعصِيَةِ؛ وخَالفَ بَعضُهم فقال: إنَّه يَزِيدُ ولا يَنقَصُ. غَيرَ أنَّ مُرتَكِبَ الكَبِيرةِ -عندهم- كَافِرٌ كُفرَ نِعمَةٍ أو كُفرَ نِفَاقٍ لا كُفرَ مِلَّةٍ، وأنَّ مُخلَّدٌ في النَّارِ؛ وهذا خِلافًا لعَقِيدَةِ الشِّيعَةِ الإمَاميَّةِ؛ فالإمَاميَّةُ لا تَرَى بكُفرِ مُرتَكِبِ الكَبِيرَةِ مِنهم، بل يكفيه حُبُّه لعَليٍّ والأَئِمَّةِ وآل البَيتِ!!

عقيدتهم في الإمامة:
----------

يُنسَبُ للإبَاضِيَّةِ القَولُ بأنَّه قد يُستَغنَى عن نَصِبِ الإِمامِ، إذا عَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ الحَقَّ الذي عليه للآخَر. وهذا القُولُ أَكثرُ ما اشتُهِرَ عن المحكِّمَةِ والنَّجدَات. ومِنهم مِن يَقولُ أنَّ مَذهَبَهم القَولُ بُوجُوبِ نَصبِ إمَامٍ للنَّاسِ، وأنَّ دَليلَهم الكِتَابَ والسُّنةَ والإجمَاعَ والقِياسَ؛ فهم بذلك يُوافِقُون عَقِيدَةَ السَّلفِ.

ويَشتَرِطُ الإبَاضِيَّةُ للإمِامِ شُرُوطًا دَقيقَةً وقَاسِيةً، لا تَتَوفَّرُ إلا في النَّادِرِ مِن الرِّجالِ. ومع ذلك فهم يُجوِّزون إمَامَةَ المفضُولِ مع وُجُودِ الفَاضِلِ إذا تمَّت للمَفضُولِ، خلافًا لسَائِرِ الخَوارِجِ. ويَرُون الخُروجَ على أَئِمَّةِ الظُّلمِ والفُجُورِ بالسَّيفِ، خِلافًا للشِّيعَةِ الإمَاميَّةِ.
وبِنَاءً على عَقائِدِهم في مَن يُخَالِفَهم –كما سبق- فإنَّه لا صِحَّةَ لوِلايَةَ مَن خَالَفَهم عليهم.
عقيدتهم في التقية:
يَرى الإبَاضِيَّةُ جَوَازَ التُّقيَةَ، خِلافًا لأَكثَرِ الخَوارِجِ. وهم بذلك يُوافِقُون الشِّيعَةِ في هذا الأَمرِ. وهي قَضيَّةٌ تَقرُبُ مِن أن مَذهَبَ الإبَاضيَّةِ أوَّلُ أَمرِهم القُعودَ، لذلك سَمُّوا بالقَعَدَةِ، أي تأولا لقوله تعالى: ((لاَّ يَستَوِي القَاعِدُونَ مِن الـمُؤمِنِينَ غَيرُ أُولِي الضَّرَرِ والـمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ))، النساء: 95.
وقد ذَهَبَت الأَزَارِقَةُ -وعلى رأسها نافع بن الأزرق- إلى اعتبارِ القَعَدَةِ مِن "أهل البراءة"، ويقصدون به الخوارج أمثالهم، كفارا -كمخالفيهم من بقية الناس؛ خِلافًا لمن قَعَدوا عن ضَررٍ وعُذرٍ.
وذَهَبَت النَّجَدَاتُ –وهم مِن الخوارجِ أيضا- إلى أنَّ القُعودَ بين المخَالِفِين تحتَ سِتارِ التُّقيَةِ أَمرٌ لا غُبَارَ عليه، حتى ولو بَلَغَت التُّقيَةُ قَتلَ مَن هم على رَأيهم، تَنفِيذًا لأَوامِرِ مخُالِفِيهم المقِيمِين معهم!

عقيدتهم في مصادر التلقي:
--------------

أَصلُ مُعتَقدَات الإبَاضيَّةِ تأثَّرُهم بالمعتَزِلَةِ، واعتِمَادُهم على القُرآنِ، ومُسنَدِ الرَّبيعِ بن حَبيبٍ، وعلى الرَّأيِ والإجمَاعِ، ووقُوفُهم عند بَعضِ النُّصوصِ الدِّينِيةِ مَوقِفًا حَرفيًّا، وتَفسِيرُهم نُصوصَ الكِتَابِ والسُّنَّةِ تَفسِيرًا ظاهريًّا.

ختاما..
--------

هذه بعضُ مُعتَقَدَاتِ الإبَاضيَّةِ التي يمكِنُ أن تُبيِّنَ وَجه القُربِ مع الإمَاميَّةِ الشِّيعَةِ، في حين أنَّهم يختَلِفون معهم في كثيرٍ مِن عَقائِدِهم وآرائِهم الفِقهيةِ. ما يجعل مِن المهمِ والضَّرُوري تَنبِيهُ الإبَاضِيَّةِ –اليوم- وهم يَتقَارَبُون مع الشِّيعَةِ لتنبيههم للفرق الكبير بين مُعتَقدَاتهم، وأنَّهم أَقرَبُ مِنهم للإسلامِ. وهذا لا يعني الإقرَارَ بمخَالفَاتِهم وأقوَالِهم في الصَّحَابةِ الكِرامِ وفي خَلقِ القُرآنِ مما لا يمكن قَبُولُه؛ ولكن مِن قَبيلِ العَمَلِ بالقَدرِ المشترَكِ ضِدَّ الخطر الأكبر على الجميع.




ـــــــــــــــــــــــــ
*{ مركزالتأصيل للدراسات والبحوث }