المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسالة إلى ابنتي الرضيعة .. مريم


ام زهرة
11-06-2013, 09:58 PM
مريم...
قد تكبَرين يا حبيبتي وتفهمين الكلام، ولكن قد لا أكونُ على ظهر الأرض معك، وهذا ما دفَعني لكتابة رسالتي هذه.

أيامٌ قليلةٌ تفصلك عن شهرك الخامس، وكلما أنظُر إليكِ، ودِدْتُ أنكِ تفهمين كلامي؛ لأهمسَ في أذنك هذه الهمسات:
ربك...

حبيبتي، ما صنعتُ مخاريط عينيكِ الجميلتين، ولن أفلح ما حاولت، وما طلبتُ من أمهر مهندسي اليابان أن يصنعوا لك سندان أذنيك وركابهما ومطرقتيهما، وربطهما بمخك في جملة معقدة متينة محكمة، ولن يفلحوا إن فعلوا.

لم أستخدم أي نوعٍ من الوقود لإبقاء قلبك نابضًا، ولم أتدخَّل - بحال - في إرشاد كريّات دمك البيضاء فيما يجب أن تفعل.

لم أُنفِقْ دقيقةً واحدةً في مراقبة ضغط دمِك، وعمل كُلْيَتيكِ، وأداء جهازك الهضمي.

قولي ذلك في كل ذرة من ذرّاتك، واذكُري مما لن تُحصيه من فضل الله عليكِ.

إنه أحسن الخالقين، صاحب الفضل والمنَّة التي لا تنفَد، فأبقِي قلبَك نابضًا بحبه، ولسانك رطبًا بذكره، ولا تفتُرِي لحظةً عن الشعور بفضله وكرمه.

كوني طالبةَ علمٍ أفضلَ من أمك وأبيك، فإنَّا مقصّران كثيرًا، ونرجو من الله أن الوقت الذي قضيناه معكِ ستعوِّضينه أنتِ في طلب العلم، ورفعةِ دِين الرب - تعالى.

كوني للمتقين إمامًا، وللخير نبراسًا، ولِبَناتِ عصركِ قدوةً صالحةً، فيكتب لنا ربُّكِ الأجر والمثوبة؛ لأننا السبب في توفيق الله - تعالى - في وجودك.

أفكِّر أحيانًا عندما أتأمل الدنيا من حولي أنه لو استأذنني أبواي - غفر الله لهما - عن إنجابي، حتمًا سيكون الجواب: لا، وكيف نعم وأنا لا أعلَمُ مصيري في الآخرة، ولا أعلم ما يُختم لي؟

لعل نفسَ التفكير سيراودك أحيانًا، لكن هذا ما أرشدَ إليه ربُّنا، ولا رادَّ لحُكمه، ولعلكِ ممن لا يناقش في أمر الله - تعالى - الذي لا يُسأَلُ عما يفعَلُ ويأمر.

أمك...
قالها المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ثلاثًا قبل أن يقول: ((أبوك))، فضاعفي برَّها عليَّ ثلاثًا، ولا تُساوي بيننا، وعدمُ المساواة هنا هو عينُ العدل.

قد اخترتُها لك يا حبيبتي بتوفيق الرب - تعالى - بعد عناء بحثٍ استمرَّ سنتين ونيِّفًا؛ لأني أعلم أن مِن أولى خطوات التوفيق بولدٍ صالح اختيارَ أمه.

لا تُقارنيني بها أبدًا، فما أعلَمه من عنائها في حملك تسعة أشهرٍ كاملةٍ، وشهادتي لقرب خروجِ رُوحها الطيبة مع جسدك الطيب من أحشائها - أقلُّ بكثيرٍ من الواقع.

إني عندما تبكين في منتصف الليل أتجاهلُك، وعندما تتباكين بدون سبب - فيما أدّعي - فإني أُرشِدُ أمَّك لجعلك في الغرفة وحدك، لكنها تفعَلُ خلاف ذلك، ويتقطع قلبُها عندما ترى دمعةً في عينك.

لا تنسَيْها مِن دعائك وصالح برِّك.

أبوك...
لا أرجو منكِ - إن كنت قد أحسنتُ لكِ - إلا دعاءَك لي؛ فإنه مما ينفعني بنص حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: ((وولدٌ صالِحٌ يدعو له)).


جدك وجدتك وذريتهما...
أبي، ما رآكِ ولا حضَر زفافي - رحمه الله تعالى - وجعَل صلاحَكِ في ميزان حسناته؛ فهو مَن علَّمني الخير الذي لن أبخلَ في إيصاله لك إن وُفِّقت لذلك، وأمي - أطال الله عمرها بطاعته - بعيدةٌ عنكِ في الشام، نصَر الله أولياءها، وشرَّفها، وزادها رفعةً في حمل لواء الحقِّ والدِّين، لكنها لطالما بكَتْ لرؤية صورك، ولطالما دعَتْ لكِ.

أما أم أمِّك وأبوها فشركاءُ أمِّك في العناية بك، ونَهْرِي عندما أقسو عليكِ في مداعبتِك؛ فلا تنسَيْهما كذلك مِن بِرِّك وصالِحِ دعائك.

مجتمعك ووطنك...
حفظك الله يا ابنتي حتى تقرَئي كلامي هذا، وعندها سيُحدِّثك مَن حولك ما فعَل أبناءُ وطنك من تضحياتٍ في سبيل حياةٍ كريمة لجيلك، فلا تبخلِي بالترحُّمِ على مَن قضى نحبَه، والدعاء والمساعدة ما استطعتِ للمبتلى منهم.

كوني لمن حولك معينًا، ولا تنتظري منهم جزاءً ولا شكورًا، سعادتُك في عطائِك لهم لله تعالى، لا في أَخْذِك.

قد تكونين من أندر النوادر فيمن حولك ممن لا يهتم بما يهتم به الكثير من البنات، وأثق بالله أن دعائي ودعاءَ أمك لك بالصلاح سيميِّزُك عن أقرانك، وسيكون له أثرٌ في أن تكوني أمَّةً؛ ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾ [النحل: 120].

اللهَ أسألُ أن يستخدمَكِ لطاعته، وأن يشرِّفَك بالذلِّ له، وعبوديته حق عبادته؛ فإن هذه الدنيا أقصرُ بكثيرٍ مما نتوقع ونخطط أن نعمل فيها، إلا أن يبارك الله لنا في أعمارنا وأعمالنا، ويغفر لنا تقصيرنا وزَلَلَنا.


محمد حكم دالاتي