المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مرجئة السلوك


عبدالناصر محمود
11-07-2013, 08:25 AM
مرجئة السلوك
ـــــــــــــــــ

3 / 1 / 1435 هــ
7 / 11 / 2013 مــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(أحمد يحيى الشيخ)
ــــــــــــــــــــــــــــ



الإيمان قول وعمل لا شك في ذلك، قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، ولا يستقيم القول بدون عمل، كما أنه لا ينفع العمل بلا قول.

والعجب من بعض المنتسبين لأهل السنة، الذين يدينون بمعتقدهم في الجملة، ثم لا يظهر أثر هذا الاعتقاد على جوارحهم، بل ظهر منهم خلافُه، في الوقت الذي يستعلن الواحد منهم بنصرة معتقد أهل السنة والمنافحة عنه!

فترى أفعالًا تخالف الأقوال، ولن تعدم تأويلًا لكل فعل قبيح!! أو نهي صريح

حتى أصبح حالهم مكذبًا لما يعلنونه من اعتقاد، وسلوكهم مكذبًا لما يدعونه من التزام!

ومن مظاهر ذلك:

1- الفحش وبذاءة اللسان بالسب واللعن والطعن في الأعراض والخوض في النيات، بحجة نصرة الدين، وفضح المنافقين!

وكأن الدين لن ينصر إلى بالطعن واللعن والفحش والبذاءة!

مع أن النبي، صلى الله عليه وسلم، نهى عن ذلك بعينه، فقال صلى الله عليه وسلم: (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء) رواه الترمذي، وصححه الألباني.

بل بعض من يزعم نصرة الدين يستحل ذلك بحجة أن مخالِفَه "المسلم" لا حرمة له، فيستحل سبه بأقذع أنواع السباب وأفحشه مما يستحي ذو المروءة من نقله فضلًا عن التقول به!

وقد نهى النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الفحش حتى مع الكفار، فما كان محرمًا تحريمًا قطعيًا بين المسلمين بعضهم بعضًا، فهو محرم بين المسلمين والكفار إلا أن يرد دليل تخصيص.

فعن عائشة، رضي الله عنها، أن اليهودَ أتَوُا النبيَّ، صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السامُ عليك، قال: (وعليكم). فقالتْ عائشَةُ: السامُ عليكم، ولعَنَكمُ اللهُ وغضِبَ عليكم، فقال رسولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: (مَهلًا يا عائشَةُ، عليكِ بالرِّفقِ، وإياكِ والعُنفَ، أو الفُحشَ).قالتْ: أولم تسمَعْ ما قالوا؟ قال: (أو لم تسمعي ما قلتُ، ردَدْتُ عليهم، فيُستَجابُ لي فيهم، ولا يُستَجابُ لهم فيَّ). متفق عليه

وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الفحشَ والتفحش ليسا من الإسلام في شيء، وإن أحسن الناس إسلامًا أحسنهم خلقًا) رواه أحمد، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (2653)فالعجب من بعض الجهلة ممن يستحل السب والطعن، بل الضرب واللطم بحجة أن مخالِفَه "المسلم" يستحق ذلك!

فأي التزام هذا؟!

2- ومن مظاهر ذلك: عدمُ صون العين والأذن عن المحرمات، فتجد بعض المنتسبين للالتزام يتابع جديد الأفلام والأغاني، بل ويفتخر بذلك، بل ويزداد فخره إذا كانت أفلامًا أجنبية، وقد كان الرجل إذا دخل باب الالتزام خلع كل رواسب الجاهلية على عتبته!

والآن أصبح أمرًا عاديًا أن تجد ملتحيًا يقتبس من عبارات الأفلام وكلمات الأغاني ما يريد أن يعبر عنه، ومن صور الممثلين والمغنين ما يريد التفكه والتنكيت به!

فإذا كان هذا حال ما يظهر، فماذا بحال ما يخفى؟!

وتناسى هذا المُدَّعي أن ما يفعله هو ما عبر عنه النبي، صلى الله عليه وسلم، بزنى الجوارح، فالعين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها السمع.

وإطلاق هاتين الحاستين بالذات من أعظم أسباب الفتنة وفساد القلب، وكم كانتا سببًا لانتكاس بعد التزام، فنعوذ بالله من الحَوَر بعد الكَوَر.

3- ومن مظاهر ذلك وأعجبه: أكلُ أموال الناس بالباطل وإن حصل اتفاق واشتراط، بحجة أن (الأخ) لم يكن يستحق هذا قبل اشتراطه، أو أنه ما دام ينتمي إلى (الإخوة) فلابد أن يكون له نصيبٌ من العمل التطوعي!

وقد حذر الله المؤمنين من أكل أموال الناس بالباطل، وسمى أموال إخوانهم أموالَهم، كي يحرصوا عليها كحرصهم على أموالهم، فقال: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ).

وجعل الله أكل أموال الناس بالباطل صدًا عن سبيله فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ)

وجعل الله ذلك صدًا عن سبيله لأنه كان من الأحبار والرهبان الذين يقتدي أصحابهم بهم في أمر دينهم، ومثل هذا ما يكون في المسلمين من بعض القائمين على بعض الأعمال الخيرية أو المتصدرين لبعض الأعمال الدعوية!

وقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (من أخذَ أموالَ النَّاسِ يريدُ أداءَها أدَّى اللهُ عنه ، ومن أخذ يريدُ إتلافَها أتلفَهُ اللهُ) رواه البخاري

وقال صلى الله عليه وسلم: (من اقتطع حقَّ امرئٍ مسلمٍ بيمينِه، فقد أوجب اللهُ له النار، وحرم عليه الجنة). فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: (وإن قضيبًا من أراكٍ). رواه مسلم

وآخذ أموال الناس بالباطل فوق أنه ظالم في الدنيا، فربما كان من المفلسين في الآخرة، كما ورد بذلك الحديث الصحيح.

هذه بعض الخصال التي ظهرت هذه الأيام بين طائفة من مدّعي الالتزام، وسُموا (إخوة) لمجرد ظهور لِحًى في وجوههم، فضلًا عن غير ذلك من الخصال المذمومة كالكذب وخلف الوعد ونقض العهد، وغير ذلك!

فكيف الحال إذا كانت في شخص يزعم الالتزام، ولا يستحي منها، بل ويبحث عن مبررات لقبيح أفعاله، وفي الواقع فما هي إلا أمراض ظاهرة تدل على أمراض في القلب، وإن ادعى هذا المريض خلاف ذلك، ففساد الجوارح دليل على فساد القلب.

بل الأعجب أن بعض هؤلاء المرضى يرمون مخالفيهم بالإرجاء في الوقت الذي لم يفكروا فيه أنهم أصحاب إرجاء من نوع جديد (إرجاء السلوك).

وقد كان العلماء في الماضي يتكلمون عن رواسب الالتزام، فأصبحنا نحتاج الآن إلى إعادة تعريف لمعنى الالتزام.

والأولى بمن وقع في هذه الأخطاء أن يراجع نفسه خاصة في الأشهر الحرم التي جعل النبي، صلى الله عليه وسلم، حرمة المسلم كحرمتها وحرمة البلد الحرام، كما قال، صلى الله عليه وسلم، في خطبته يوم النحر في حجة الوداع: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كرحمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) متفق عليه.

--------------------------------------------------------