المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اللفظ والمعنى في التفكير النقدي والبلاغي عند العرب


Eng.Jordan
11-07-2013, 03:42 PM
الدكتور الأخضر جمعي
اللفظ والمعنى

في التفكير النقدي والبلاغي عند العرب


- دراســــــة -









من منشورات اتحاد الكتاب العرب

دمشق - 2001





ش الإهــداء




إلــى والدتي
وإلـــى روح أخي السعيد
اللذين لولا تضحياتهما وصبرهما،
بعد توفيق الله، ما كان لهذه المحاولة أن تظهر.



cc














بسم الله الرحمن الرحيم






مقدمة



لم يكن من اهتمامنا مواجهة إشكال اللفظ والمعنى في النقد العربي القديم من منظور تصنيفي يبتغي تنزيل النقاد طوائف: لفظيين ومعنويين ومسوّين بين قطبي الدلالة؛ لأننا نحسب أن هذه المباشرة قاصرة، إذ بالإضافة إلى أنها تفترض سلفاً هذا السلّم التصنيفي مما يجعل التحليل مشدوداً مبدئياً إلى هذه الفكرة، فإنها لا تحدد غالباً مقاصدها من المشكلة، ولا تضبط حقل التناول بصرامة. من هنا تكون مباشرة التصنيف تجاوزاً لكثير من الخصوصيات التي قد تدعو مراعاتها إلى إغفال كثير من شائع الآراء.
كما أنه لا يعنينا تعقب دلالة اللفظ والمعنى ومقاييسهما في التراث؛ ذلك أنه إذا كان من معاني "اللفظ" ما يلفظ به من الكلمات أو يتكلم به، ومن دلالات "المعنى"، القصد، وما يدل عليه اللفظ، فإن عنايتنا مرتبطة بعلائق اللفظ والمعنى ودرجات وعي أعلام التراث بمستويات هذه العلائق. هذه المستويات التي انتهى بنا رصدها إلى إدراجها ضمن منظورين في معاينة هذا التعلّق: منظور يستخدم فكرة "الائتلاف" في رصد شبكة الصلات بين الدوال والمدلولات مع ما تعنيه كلمة "الائتلاف" من الوصل والجمع والتوافق. ومنظور يعي فكرة عن البنية، باعتبار أن خلاصة تفاعل وحدات الكلام في نسيج السياق يؤول إلى بنية أو "هيئة"([1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn1))، دون أن يمتنع تداخل المفهومين في المجرى الواحد. علماً بأن الرصد تعقب في كثير من المفاصل العلائق التي تنتظم قطبي الدلالة إلى غاية ائتلاف وحدات القول أو تفاعلهما في بنية عامة. وكان يمكن أن ننحت عنواناً معاصراً لموضوع البحث ما دمنا بصدد معاينة وعي النقاد العرب القدماء بمشكلات النص والبنية، إلا أننا فضلنا توظيف ما اعتمده النقاد أنفسهم من اصطلاح، إذ فضلاً عن أن ذلك يوفي بالمستلزمات التاريخية فإنه ينجينا في الآن نفسه من تعسف إسقاط الاصطلاح المحدث على القديم.
وبالقدر الذي انحصر الموضوع في نواة مركزية تتمثل في معاينة التأليف بين عنصري الدلالة أو تفاعلهما إلى غاية البنية العامة، فإن هذه القراءة لم تحصر نفسها بجنس أدبي معين، ذلك أن اتجاهات النقد العربي القديم لم تكن تضبط نفسها مطلقاً عند مقاربة إشكال اللفظ والمعنى في خانة نوع أدبي محدد، بل كان استقصاؤها شاملاً، دون أن نغفل الإشارة إلى تخصيص بعض الفئات نوعاً معيناً بالتركيز، كالفلاسفة وحازم القرطاجني مثلاً، علماً بأن هذا الشمول لا يلغي الوعي الأولي على الأقل بمفهوم الأنواع الأدبية في التراث النقدي. ثم كان هاجس هذه القراءة عاماً يستضيئ بمقولة "الأدبية" دون أن يغفل مراعاة تنوع الأحكام المتفرعة من معاينة أكثر من نوع أدبي إذا اقتضى الأمر ذلك.
وبالإضافة إلى تجاوز البحث مشكلة النوع، فرض عليه استقصاء الاتجاهات النقدية التي عرفتها الحضارة العربية الإسلامية انتشاراً واسعاً شمل من منظور الزمنية حقبة تبدأ بالجاحظ وتنتهي بحازم القرطاجنّي، ومن منظور الاتجاهات: النقاد، والفلاسفة، والمتكلمين. فإذا كان أمر النقاد بيّناً،ونحن لا نفصل بينهم وبين البلاغيين، إذ الفصل لم يكن حاسماً في القديم، فإننا قصدنا بالفلاسفة من عرفوا قديماً بهذا الوصف من خارج المتكلمين، ونريد بهم من تفقه في ما ترجم من فلسفات يونانية بالخصوص. ومثلّ هؤلاء في النقد الأدبي مساراً أرَّقه التنظير للظاهرة الأدبية، دون أن يتناسى الاهتمام بالهيئة التي يتلبسها المعنى، وبالكيفية التي يستحيل بها الخطاب شعراً أو خطابة، وإذا كان من أقطاب هذا الاتجاه الكندي والفارابي ومسكويه وابن سينا وابن رشد ومن سار على دربهم، فإننا لم نجد بُدّاً من عدّ أبي حيان التوحيدي ضمن هذه الدائرة، ذلك أنه بالإضافة إلى كونه أديب الفلاسفة، شكلت مطارحاته المعرفية عامة، والأدبية بالخصوص لحمة جدالية حاور فيها فلاسفة كمسكويه وأبي سليمان المنطقي، فكان بذلك أقرب إلى هؤلاء، علماً بأن وضعه في خانة النقاد لا يستقيم والوجهة التي انضبط بها بحث هؤلاء.
وما دام اصطلاح المتكلمين يسع من هبّ قديماً إلى الدفاع عن العقيدة بالحجة العقلية، ومثَّل المعتزلة والأشاعرة طائفتي الكلام العظميين في التراث، فإن قراءتنا نتاج هؤلاء تجاوزت هذا التصنيف العقائدي، إذ شملت المقاربة معتزلة وأشاعرة معاً، كالخطابي والرماني والباقلاني والقاضي عبد الجبار وأخيراً عبد القاهر الجرجاني، ذلك أنه لم يكن من اهتمامات هذا البحث سوى استجلاء الرأي في الروابط التي يمكن أن تنضبط بها علائق عناصر النص في نظر المتكلمين جميعاً، ذلك أن المنطلقات العقائدية المختلفة لم تحُل دون معاينة المشكلة الواحدة بمفاتيح متقاربة؛ ويكفي الإشارة هنا إلى الشبه الكبير بين القاضي عبد الجبار وعبد القاهر واعتمادهما النحو في تحديد بنية العبارة.
وبالاستناد إلى ما سلف يمكننا القول إنه لم يقع بين أيدينا بحث يختص بقضية اللفظ والمعنى في النقد العربي القديم حسب الاتجاهات المحددة سابقاً، ويحصر جوهر استقصائه في العلائق التي تربط العنصرين في المستويات المختلفة، دون أن نغفل الإشارة إلى أن هناك بحوثاً بنت مشروعها بمقاربة المسألة من زاوية مغايرة كالشأن مع مصطفى ناصف في "نظرية المعنى في النقد العربي"، أو كان اهتمامها محكوماً بمنطلقات نظرية كمؤلف جابر عصفور "مفهوم الشعر"، الذي أفدنا منه ما خص به حازماً بالخصوص، وإن كانت وجهتنا في هذه الدراسة مباينة لمجرى البحث في الكتاب؛ وغيرها كثير كالحال مع المؤلفات التي تهتم بمقاييس الفصاحة والبلاغة للفظ والمعنى مثلاً، إلا أنه يمكننا الإقرار بأن مقال شكري محمد عياد: "المؤثرات الفلسفية والكلامية في النقد العربي والبلاغة العربية"، كان من البحوث التي أفدنا منها في تحديد وجهة البحث. ثم حوى إنجاز حمادي صمود: "التفكير البلاغي عند العرب" أجوبةً لكثير من مشاغلنا المتعلقة بالجاحظ وعبد القاهر والعسكري وابن سنان، وإن كانت إفادتنا من الكتاب عظيمة في الموضوعات المشتركة بيننا وبينه، إلا أن ذلك لم يحل دون أن تباين آراؤنا جملة من آراء الباحث، ومع ذلك سيبقى الكتاب يمثل قراءة جادة وعميقة تستضيئ بمفاتيح أسلوبية معاصرة لكثير من قضايا البلاغة في التراث.
ومع كل ما سلف، وخضوعاً لمسايرة طبيعة التناول التي تفرض علينا عزل كل اتجاه عن الآخر، إذ أفردنا النقاد بوقفة، ثم الفلاسفة فالمتكلمين، وأخيرًا مصبّاً تفاعلت فيه الشعب السالفة تمثّل في حازم القرطاجني، هذا المنظور الفاصل بين هذه الاتجاهات اقتضى افتراض عدم الصدور عن رؤية تاريخية في معاينة الإشكال المطروح بالأساس، ذلك أن هذه الاتجاهات انبثقت من نسيج الثقافة الواحدة وتفاعلت أسسها ونتائجها؛ فلقد عاصر النقاد والمتكلمون الفلاسفة، وإن كان ما بين أيدينا من نتاج المتكلمين يبدأ بالقرن الرابع الهجري. من هنا يكون إفراد كل تيار عن الآخر معناه قراءة معادلة للإشكال نفسه من منظور يكرر الزمن ولا يبنيه صعداً، إذ يخضعه إلى قراءة دائرية تعيد نفسها مجدداً بعين مغايرة لعين. ومع ذلك أملى البحث نفسه بناءً جدالياً شبه متصاعد، إذ بعد أن اجتزنا مشكلة النقاد في فصلين، ثم خصصنا الفلاسفة بثالث، فكان ميلاد الأطروحة بهذا الثالث انبثاقاً من فكرة التخييل ليبرز مقابلها في الفصل التالي على يد عبد القاهر هذا المقابل الذي تجسد في النظم، ثم تنتهي القضية إلى ما يشبه التأليف على يد حازم القرطاجني إذ انصهر لديه النظم والتخييل في تأليف متناسق متكامل. فكأن الدوائر التي تعيد نفسها تمردت على المركز وانطلقت في خط مستقيم، ومع ذلك لم تكن غايتنا محكومة بمنهج تاريخي، بل ظلت عنايتنا متعلقة بمقاربة نصّيّة تستند إلى التحليل، وإن نازعتهما الحضور أحياناً إملاءات القضيّة ومقابلها.
ومع أننا لا نستطيع أن ندعي أنه كان بإمكاننا تجريد هذه الرجعة إلى التراث من كل معاصرة أو حداثة، إذ إن كل قراءة تظل أسيرة قناعات الذات ومنطلقاتها، إلا أننا حاولنا تنزيل المحاولة في سياقها الثقافي، ولكن ضمن أبنية حديثة تستهدف إدراج المقروء في خانات ضبطها البحث النقدي والأسلوبي المستندين إلى أصول البحث اللساني الحديث، فبالقدر الذي تستعين فيه المحاصرة بمفاتيح معاصرة، قصد تكييف المقروء للمقاربة الحديثة، لا تمسخ تاريخه فترى فيه ندّاً للحديث، ولا تسلمه رقبتها فتستحيل عبداً لإملاءاته، إنما هي المباشرة التي تضمن لنفسها مسافة واعية بظروف القديم وبمعطيات الحديث، ونحسبها بذلك تكون في منجاة من التطرف.
أما الخطة تفصيلاً، فقد قامت على مدخل وخمسة فصول. خص المدخل بتعقّب الأصول اللغوية والفكرية التي أثّرت في مشكلة اللفظ والمعنى، كعلاقة اللغة بالفكر، ومشكلة الكلام النفسي التي ولّدها البحث في قضية القرآن، وكذلك ثنائية الهيولى والصورة، دون أن نغفل التعرض لانعكاس الوعي بتميز وظيفة الخطاب الأدبي عن مجرد الإخبار على فهم النص الأدبي: إذ يتكيف البحث في علاقة اللفظ بالمعنى في النص بحسب الوظيفة المبتغاة. وقد وجدنا أن التقديم للبحث بمتابعة هذه الأصول تنزيل للظاهرة ضمن مصادرها الفكرية واللغوية العامة، فلا يقع اجتثاث لها عن تلك المنابع والأصول.
وقد أفردنا للنقاد فصلين: تكفل أولهما بتعقب بنية النص الأدبي من الجاحظ إلى قدامة بن جعفر وقام بناؤه على تقسيم ثلاثي، أفرد القسم الأول للجاحظ، والأخير لقدامة، والقسم الأوسط لابن قتيبة وابن طباطبا. وعادله الفصل الثاني في القسمة، إذ قام على تعقب مشكلة النص الأدبي بين ثنائية اللفظ والمعنى والفصاحة والبلاغة حتى ابن رشيق، فكان قسمه الأول لأصحاب الموازنات، ونقصد الآمدي وصاحب الوساطة، والأخير لنقاد من القرن الخامس الهجري هم المرزوقي والشريف المرتضى وابن رشيق، وخص القسم الأوسط بالعسكري وابن سنان. ولم نخص هؤلاء النقاد بالبحث في فصلين إلا لأن لهم آراء ناضجة في الموضوع، فقد قامت أعمال بعضهم كقدامة على وعي صريح بمشكلة بناء النص عموماً، فكانت فكرته في الائتلاف قاعدة مقاربته مستويات النص، علماً بأن طرح القضية تنوع وفق طروحات الناقد واهتمامه، إذ بالقدر الذي تكيف الإشكال وفق مرامي أصحاب الموازنات مثلاً، أخذ طابعاً مخصوصاً مع إشكال الفصاحة والبلاغة لدى العسكري وابن سنان. أما عن تبرير وقفتنا في الفصل الأول بقدامة، فلم يكن الداعي إلى ذلك سوى الإيمان بانتهاء دورة ناضجة في النقد أسس قواعدها الجاحظ الذي ستُعرضْ أغلب آرائه في كل المسارات بعده، ثم ختمت بقدامة بن جعفر، فلم يكن للنقاد بعدهم بُدّ من أن يعيدوا أغلب ما سلف من أطروحات، وإن تلونت بخصوصية البحث لدى هذا الناقد أو ذاك، علماً بأننا لم نهمل الإشارة في الهامش إلى من لم يفرد بالبحث في المتن، وصادف أن وافقت بعض آرائه وجهات نظر المتعرض له بالدرس.
أما الفلاسفة الإسلاميون،الذين خُصّوا بالفصل الثالث، فإننا نريد بهم – كما أشرنا سلفاً – كل من ولع بالبحث الفلسفي الخالص، وتعاطى ما نقل عن اليونان بالخصوص، وكان لـه حظ من البحث في الظاهرة الأدبية. ولم نكتف بتوظيف أعمالهم المرتبطة بمسائل الأدب فحسب، بل حاولنا تقصّي ما يدعم هذه الآراء في نتاجهم الفلسفي العام.
ثم انبنى الفصل الرابع على عرض المقابل لإنجاز الفلاسفة المتمثل في نظرية النظم. فبعد أن تعقبنا الموضوع لدى دارسي الإعجاز من غير عبد القاهر خصصنا القسم الأكبر له، وبه اكتمل وعي ببنية النص الأدبي يسلّم بإمكان تحقيق المباشرة المدققة في العلائق اللاحمة بين عناصره، إذ قام الاستقصاء على توظيف معاني النحو تجلية للظاهرة، ثم قدّر لهذه المجاري أن تتلاقى أخيراً لتثمر تأليفاً متمسكاً، أفرد له الفصل الخامس، فتم فيه صهر نتاج الفلاسفة المتكئ على المنطق وإنجاز عبد القاهر المراهن على النحو في إطار من الشمول الواعي بكل مستلزمات القضية، فضلاً عن توظيف أطروحات شتى لقدامة وابن سنان الخفاجي وغيرهما من النقاد والبلاغيين السابقين في إطار من الإحساس بخصوصية الظاهرة الأدبية وبجدوى قراءتها ونقدها، وكان ذلك لدى علم من أعلام البحث النقدي في الحضارة العربية الإسلامية هو حازم القرطاجني. وأخيراً لا يدعي صاحب هذه المحاولة أنه قال الرأي الفيصل في القضية، إذ مع الإقرار بشمول الطموح الذي دعاه إلى متابعة الإشكال في أغلب مظانه من تراث العرب النقدي، تظل مادة هذا التراث الثرية قابلة للقراءة المجددة والتأويل، وبحسبه أنه حاول أن يجلوَ إحدى مشكلات النقد الكبرى من خلال رؤية حاولت الاقتراب قدر الإمكان من جوهر الإشكال، وعساه أن يكون قد أصاب بعض التوفيق.
وبالله التوفيق



الجزائر: ربيع الأول – ربيع الآخر 1408 هـ
نوفمبر – ديسمبر 1987م.


c






مدخل
اللغة بين أصناف الدلالات


يرتبط لدى مؤسّسي الفكر اللغوي في الحضارة العربية الإسلامية مبحث الدلالة اللغوية بتصور شامل لأصناف شتى من الدلالات التي تقوم في جوهرها على فكرة الإفضاء إلى حقائق الأشياء أو المدلولات والمعاني بالاعتماد على أنواع من الأدلة.
ولقد شكل المنظور الشمولي لفكرة الدلالة دائرة واسعة استوعبت على المستوى المبدئي كل ما يمكن أن يصدر عنه فعل الإبانة عامة، فكما يرى الجاحظ أن "البيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله كائناً ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان ذلك الدليل" (1) طالما أن المعتبر هو إباحة الدليل بمخزونه ومحتواه.
ولقد تواتر ذكر أصناف دلالية خمسة قام الجاحظ برصدها أيضاً، إذ يرى أن "جميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ، خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد: أولها اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخط، ثم الحال التي تسمى نصبة" (2).
وشكلت هذه الأصناف لدى غيره حضوراً متكرراً كلما استدعى المقام التعرض لمسائل الدلالة (3).
وينتظم هذه الأصناف من الدلالات أصول عامة تتمثل في منطلقات عقائدية بالخصوص، يستحيل بموجبها فعل الدلالة طرقاً على المطلق ومعانقة لأصل الوجود (4)، دون أن نغفل أساس الحاجات الاجتماعية المتجسدة أساساً في الاضطرار إلى الاتصال وتكييف بعض هذه الأصناف وفق هذه الوظيفة.
وباعتماد العقل المفتق لخصائص الإفضاء بالدلالة بحسب طبيعة أنظمة الأدلة ووظائفها يتم تنزيل تلك الدلالات أصنافاً أو أنواعاً رئيسية حيث
يبدو "توافق عام عند العرب على تقسيم الدلالة ثلاثة أنواع: عقلية وطبيعية ووضعية" (5). وهذا التمييز إذ يبيح إمكان ضبط الفروق بين هذه الأنساق الدلالية المؤسسة على رصد دقائق الإدلاء بين طرفي كل دليل وطبيعة ذلك الإدلاء القائمة على أساس طبيعي أو عقلي أو عرفي يمكّن من استجلاء خصائص الدليل اللغوي في هذا الإطار الشامل. إلا أن المقام لا يبيح لنا متابعة هذه الخصائص ولا ضبط تلك الفروق، إنما نكتفي بالإشارة إلى أنه وقع في التراث العربي الإسلامي تمييز الدليل اللغوي بخاصية الاعتباط باعتباره يتنزل في متصور العرف مقابل وسم غيره من أنظمة الأدلة الأخرى المترتبة في خانة النسق الطبيعي والمنطقي بسمة الاضطرار. واستحالت خاصية الاعتباط معياراً لضبط الجهاز اللغوي وطاقته الإبلاغية (6). ولقد ترتب على هذا التمييز النوعي أن تبوأت اللغة مكانة لائقة تكفل لها الاستجابة لحاجة الاجتماع البشري إلى الاتصال باعتبارها الوسيلة الأولى المحققة لهذه الغاية.
ورغم ما حظيت به اللغة في التراث العربي الإسلامي من مكانة وما شكله استقصاء البحث فيها من غنى، إذ يكفي للتدليل على ذلك الإشارة إلى ثراء المعارف التي عرفتها هذه الحضارة التي أسسها الاعتكاف على قراءة الظاهرة اللغوية قراءاتٍ كان محورها القرآن الكريم، وقد تنزلت اللغة في هذا التراث منزلة المعرف للكائن العاقل، إذ أنه تواتر – تحت تأثير يوناني لا شك – تعريف الإنسان بأنه حيوان ناطق، فإنه حظيت مع ذلك بعض الأدلة بمتابعة وتقصٍّ، وشكلت منطلقاً صحب الدليل اللغوي ميلاداً ووظيفة، كدلالة الإشارة التي تتحقق بكيفيات شتّى، تثريها مرونة العضو أو الكيفية التي بها تؤدّى، إذ قد تكون "باليد والرأس" (7)، وتتحقق برفع الحواجب وكسر الأجفان، وليِّ الشفاه وتحريك الأعناق، وقبض الوجوه، وأبعدها أن تلوي بثوب على مقطع جبل تجاه عين الناظر (8). وقد تكون وحياً إذ هو "الإبانة عما في النفس بغير المشافهة على أي معنى وقعت من إيماء وإشارة (9)، لتأخذ أخيراً اصطلاح الرمز الذي "يكون بالشفتين والحاجبين والعينين" (10)، علماً بأن للرمز إطاراً وظيفياً آخر أكثر شمولاً يتعادل مع فكرة الإيحاء بالدلالة عن طريق تشكيل صوري يأخذ طابع التعبير غير المباشر عن المقصود، كما شخّصه الفيلسوف الكندي في شرح الرؤيا الرمزية إذ يرى أن "الرامزة فإنها إذا كانت الآلة أقل تهيؤاً لقبول أنباء النفس الحي بها، بالأشياء فإنها حينئذ تحتال وتتلطف لاتخاذ الحي ما أرادت اتخاذه إياه بالرمز: فمثلاً أقول كأنها أرادت أن تريه سفراً، فأرته ذاته طائرة من مكان إلى مكان، فرمزت له بالنقلة" (11). ولقد نبه القرآن الكريم إلى الإيحاء بالرمز في قوله تعالى لزكريا عليه السلام" آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً" (12). وتتنزل هذه الآراء في مجرى السيميائيّة التي "هي علم الأدلة" (13) هذا العلم الذي ضبط مشروعه الحديث شارل بيرس ودي سوسير (14)، ولكن يعنينا الإشارة في هذه الوقفة إلى ما جلاه صانعو التراث العربي الإسلامي من صلة عميقة بين الإشارة والعبارة اللغوية، إذ كما
يرى ابن سينا "إن الإشارة إذا اقترنت بالعبارة أوقعت المعنى في النفس إيقاعاً جلياً" (15)، وإن انحسار الدوال أمام عدم تناهي المدلولات في تصور الجاحظ أوجب تعاضد الإشارة مع اللغة أحياناً لإيفاء الدلالة حقها إذ "لابد لبيان اللسان من أمور: منها إشارة اليد" (16)، ومن هنا احتاج التعبير اللغوي في نظره إلى أن يدعم بوسائل أخرى خاصة حين يتعلق الأمر بخاص الخاص (17).
هذا من منظور دعم دلالة اللغة بغيرها من وسائل الإبانة لتحقيق غاية الإبلاغ والتوصيل، إلا أن للإشارة دوراً أولياً في ميلاد الظاهرة اللغوية نفسها في تصور أولئك المفكرين، إذ لابد أن يتحقق شرط سبق الإشارة ليمكن للمواضعة اللغوية الميلاد ما دامت تقوم على خاصية الاعتباط، من هنا تصوروا "أن اللغة لا تستقيم في أول نشأتها إلا إذا استندت إلى نظام علامي مغاير لها ومتقدم عليها في نفس الوقت، ونموذج هذا النظام العلامي المولد للحدث اللساني الكامل هو الإشارة" (18).
وإذا كان ما سبق متعلقاً بأمر نشأة اللغة وحاجة هذه النشأة إلى سند الإشارة الذي لا يعنينا أكثر من إيراده سريعاً، فإنه يتعلق به في مجرى قناعات مؤسسي الفكر اللغوي في الحضارة العربية الإسلامية تولد المتصورات الذهنية من مراجعها المتمثلة في أعيان الأشياء والموجودات، وذلك في إطار منظور يبتغي حصر كيفيات حصول المعرفة من جهة، ومعاينة الترابط بين المتصورات الذهنية ودوالها الحسية من جهة أخرى. وتتنزل هذه المتابعة ضمن رصيد شامل يبدأ بمعاينة المراجع ويختم بدليل الكتابة، وكثيراً ما يتسلسل الرصد في شكل منعكس مع طبيعة النشأة في الزمان، إذ كما يرى الفيلسوف الكندي "فإن الخط الذي هو جوهر منبئ عن اللفظ الذي هو جوهر، واللفظ الذي هو جوهر منبئ عن المفكر فيه الذي هو جوهر، والمفكر فيه الذي هو جوهر منبئ عن العين الذي هو جوهر" (19). ولكن حازماً القرطاجني – ككثير من المنظرين - استطاع أن يبلور حصول المعاني الذهنية عند معاينة الأشياء العينية في إطار من التتبع الراصد لكيفيات التناسخ الحاصل بين هذه الأصناف من الأدلة، يقول:" إن المعاني هي الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان. فكل شيء له وجود خارج الذهن فإنه إذا أدرك حصلت له صورة في الذهن تطابق لما أدرك منه. فإذا عبر عن تلك الصور الذهنية في أفهام السامعين وأذهانهم فصار للمعنى وجود آخر من جهة دلالة الألفاظ. فإذا احتيج إلى وضع رسوم من الخط تدل على الألفاظ من لم يتهيأ لـه سمعها من المتلفظ بها صارت رسوم الخط تقيم في الأفهام هيئات الألفاظ فتقوم بها في الأذهان صورة المعاني فيكون لها أيضاً وجود من جهة دلالة الخط على الألفاظ الدالة عليها" (20).
ورغم الإقرار بسبق الوعي بوجود الأشياء في الأعيان إذ إنه شرط حصول الصورة في الأذهان، فإن عملية الارتسام الصوري في الذهن للمدرك العينيّ تصاحب حتماً لحظة الشعور به، ويتأكد ذلك خاصة حين ينعكس الذهن على نفسه مستخلصاً المجردات وتستحيل المراجع عندها صوراً ذهنية، إنما كان إلحاح القدماء متركزاً لضمان حصول الصورة الذهنية على اشتراط ":كون الأشياء الموجودات حقاً في أنفسها" (21) ذلك أنه إذا "لم يكن للشيء ثبوت في نفسه، لم يرتسم في النفس مثاله" (22). كما أن التعبير رهن بحصول الصورة الذهنية، ومن هنا أشاروا إلى خاصية التطابق بين هذه الأركان. يقول الغزالي أيضاً: "ولو لم يكن وجود في الأعيان لم تنطبع صورة في الأذهان، ولو لم تنطبع صورة في الأذهان ولم يشعر به إنسان، لم يعبر عنه باللسان. فإذاً، اللفظ والعلم والمعلوم ثلاثة أمور متباينة، لكنها متطابقة متوازية" (23). فإذا كان التوازي والتطابق بين هذه الأركان يكشفان أن "الفلاسفة العرب القدامى أدركوا أن هنالك علاقة بين تركيب اللغة وتركيب العقل وتركيب الواقع" (24). وهذا إن اعتمدنا منظوراً فلسفياً في قراءة ما سبق، فإن ذلك يتضمن أيضاً رؤية لغوية ترى أن: "الوجود في الأعيان والأذهان لا يختلف بالبلاد والأمم بخلاف الألفاظ و الكتابة فإنهما دالتان بالوضع والاصطلاح" (25)، وهذا مخالف للفهم الحديث، إذ إن المفاهيم التي تتحدد كياناتها بالألفاظ في لسان ما ليست مطابقة بالضرورة للمفاهيم التي تحددها لغة أخرى (26).
وهذه النتيجة تستوجب البحث في العلاقة المتولدة من تفاعل "العام والخاص" الصورة الذهنية المجردة ودالها الحسي. من هنا يستوجب ضغط التقصي وحصره في طرفي الدلالة اللغوية بغية الكشف عن صلة اللغة بالفكر في نظر منظّري التراث العربي الإسلامي.
علاقة اللغة بالفكر:

والإقرار فيما سلف باستناد الظاهرة اللغوية إلى خاصية الوضع والاصطلاح وهو أمر راسخ الثبوت في التراث العربي الإسلامي سواء كانت الألفاظ موضوعة إزاء الصور الذهنية، أي الصورة التي تصورها الواضع في ذهنه عند إرادة الوضع أم بإزاء الماهيات الخارجية (27)، فإن ذلك يتضمن الإقرار أيضاً بخاصية الاعتباط (28) في الحدث اللغوي، لكنها خاصية تصحب المواضعة لحظة النشأة والتكوين فحسب ذلك "أن الاعتباط تعسف من حيث هو متنزل في مبدأ الاقتران ومنطلق الاتصال، وما إن يطرد اتصال الدال في اللغة بمدلوله طبقاً لتواتر الزمانية حتى يرتفع التحكّم الأولي عند لحظة الاقتران الدلالي" (29).
وتلازم الدوال لمدلولاتها المتولد من اطراد الاستعمال هو الذي يهيّئ لعملية الفكر أن تكون، ذلك أن تكامل الصور الذهنية النائبة عن مراجعها مع دوالها الحسية، فضلاً عن أنه يمكّن الذهن من ممارسة عملية التفكير التي لا تتحقق إلا بتفاعل الدوال والمدلولات، يفسح المجال لكمال هذه الفعالية بوضع قواعد استخلاص المفاهيم والمجردات من الصور الفردية التي هي انعكاس لأعيان الأشياء، ثم يتيح لعمل الفكر المتحقق لغة أن يستبطن ذاته ويتأمل نفسه كما عرف في الثقافة العربية الإسلامية بحديث النفس.
وعملية التلازم إذ تتبلور أو ما تتبلور في تلازم الدال والمدلول على محور الاستبدال، كما عبر عن ذلك ابن سينا في قوله "ومعنى دلالة اللفظ أن يكون إذا ارتسم في الخيال مسموع اسم ارتسم في النفس معنى، فتعرف النفس أن هذا المسموع لهذا المفهوم. فكلما أورده الحس على النفس التفتت إلى معناه"
(30). والعكس وارد إذ كلما حضر المدلول بالبال صحبه الدال (31)، إلا أن عملية التلازم تبلغ أقصى درجات التفاعل في محور التوزيع، فيعمد الذهن إلى نضد الوحدات الدالة في لحمة متكاملة لتحقيق غايات الاتصال أو التعبير عموماً، فتنتظم الوحدات انتظاماً متفاعلاً يطبع العبارة بطابع التفرد الدلالي والتوحد المعنوي (32).
ولقد كان من المسلّم به في التراث العربي الإسلامي التمييز بين النطق الحادث في اللسان المتجسد في الصوت المعبر عما في النفس، والنطق النفسي، كما يقول الفارابي مدققاً في معاني مصطلح "منطق" فيرى: أنه مشتق من النطق وهي لفظة دالة على معانٍ، منها الدلالة على القول الخارج بالصوت، وهو الذي به تكون عبارة اللسان عما في الضمير، والثاني القول المتمركز في النفس، وهو المعقولات التي تدل عليها الألفاظ (33). أما النطق الداخلي عند الشهرستاني فيطلق على التمييز العقلي والتفكير النفساني والتصور الخيالي، وهو معانٍ مختلفة في ذهن الإنسان، ويتفق مع الفارابي في تعريف النطق الخارجي (34).
ويلزم مما سبق، عند قصد التعبير وإلباس الداخلي جسم الأصوات اللغوية، إحداث التطابق والتحاذي بين بنية العبارة المجسدة للنطق الخارجي وبنية "المنطوق" الداخلي المجسد للمعاني النفسية، ذلك أنه "لم يرد بين تركيب الألفاظ وبين تركيب المعقولات فرق" (35). من هنا يكون الفعل المجسد للوحدة المزدوجة المتقابلة متحققاً في مستويين: يكون المستوى الظاهري فيهما انبثاقاً من الباطن ومحاكاة له. وهذا بالقدر الذي يهيئ منطقياً ولغوياً لطرح معضلة اللفظ والمعنى، بقدر ما يمهد لترسيخ فكرة التشاكل بين بنية الدوال الخارجية وبنية المدلولات الداخلية. يقول الفارابي متابعاً تأصيل هذه الفكرة بحيث يرى أنه يحصل "تركيب الألفاظ شبيهاً بتركيب المعاني المركبة التي تدل عليها تلك الألفاظ المركبة، وتجعل في الألفاظ المركبة أشياء ترتبط بها الألفاظ بعضها إلى بعض متى كانت الألفاظ دالة على معانٍ مركبةٍ ترتبط بعضها ببعض. ويتحرى أن يجعل ترتيب الألفاظ مساوياً لترتيب المعاني في النفس" (36).
إن القصد إلى تحقيق مستلزمات وحدة الملفوظ والمعنى النفسي، يبدو جلياً لدى غير الفارابي من منظّري الثقافة العربية الإسلامية، فهي إذ تأخذ نفسها الأعمق لدى مزاولي العمل المنطقي والفلسفي، تجد لها الحضور الأكيد أيضاً عند غيرهم فقد شكلت أساساً بلور أصول التنظير لدى البعض كما هو الحال مع عبد القاهر الجرجاني الذي سيملي علينا شرط إيفائه حقه من التقصي وقفة متأنية في موقعها من البحث (37). أما عند ابن سينا فما دام المنطلق أيضاً في ضبط الحاجة إلى القول "هي الدلالة على ما في النفس"(38) أصبح لزاماً العلم بأن "في الألفاظ والآثار التي في النفس ما هو مفرد وفيها ما هو مركب. والأمر فيها متحاذ متطابق"(39)، لتستحيل المسألة لدى الشهرستاني إلى إقرار مبدئي باستحالة تحقيق الكلام المنطوق مع تصور الانتفاء النفسي، ويصبح مبدأ المطابقة لزومياً لتحقيق حدث الكلام فلولا "مطابقة الألفاظ اللسانية معانيها النفسانية لم يكن كلاماً أصلاً" (40). وهكذا يتولد من فعل المطابقة وحدة البعد الدلالي في العبارة الواحدة إذ يكون "لكل عبارة خاصة مدلول خاص متميز عن سائر المدلولات وهذا أوضح ما تقرر (41)، ذلك أن أحد معنيي وحدة الكلام المركب كما يرى ابن رشد يتحقق "إذا دل على معنى واحد" (42).
يعمق هذا المجرى الملحّ على تحقيق التماثل بين بنيتي الدوال الخارجية والمدلولات الداخلية بقيامه على اقتناع مبدئي يقوم على تركيز وظيفة اللغة أساساً في استكشاف المعاني وجلائها، وهذا الأمر إذ يشكل مسلمة لدى الفلاسفة خاصة التي أملتها المنطلقات المنطقية التي مثلت قاعدة هؤلاء في مقاربة ظاهرة اللغة، كما تبدو راسخة لدى المتكلمين بشتى طوائفهم أيضاً، مع رسوخ قضية الكلام النفسي، تماماً كحضورها في البحث اللغوي الخالص الذي نجتزئ منه في الإلماح إلى هذه الظاهرة قول ابن فارس حيث يرى أن الاسم جعل تنويهاً ودلالة على المعنى (43)، وابن جنّي الذي يعتبر أن زينة الألفاظ وحليتها لم يقصد بها إلا تحصين المعاني وحيطتها. فالمعنى إذن هو المكرّم المخدوم، واللفظ هو المبتذل الخادم (44) لتستحيل العلاقة بين الطرفين في رأيه إلى علاقة الوعاء بما يحتويه (45). ولعل مما يشفع لمثل هذه المواقف أنها لم تستهن ببنية الألفاظ (46)، وأن زاوية الرؤية المحكومة في ما سلف بقضية الوظيفة هي التي أملت مثل ما سبق، وسنجد لدى منظرّي التراث العربي الإسلامي الإلحاح المتكرر على فكرة التشاكل والتطابق بين المعاني والألفاظ.
غير أنه في بعض المواقف يتأسس بحث صلة الألفاظ بالمعاني على منظور يوازي بين القطبين، فيجزم مثلاً أن الخلاف بين اللفظ والمعنى هو "أن اللفظ طبيعي والمعنى عقلي، وبهذا كان اللفظ بائداً على الزمان، لأن الزمان يقفو أثر الطبيعة بأثر آخر من الطبيعة ولهذا كان المعنى ثابتاً على الزمان،
لأن مستملي المعنى عقل، والعقل إلهي، ومادة اللفظ طينية، وكل طيني متهافت" (47). وثبات المعنى على الزمان يأخذ صبغة شمولية تتجاوز الإنساني أيضاً، ذلك: "أن كلام الملائكة إنما هو إشارات وإيماء، وكلام الناس عبارات وألفاظ. وأما المعاني فهي مشتركة بين الجميع" (48) وتكون المصادرة في نهاية المطاف على ثنائية الحقيقة والثبوت الموسوم بهما المعنى النفسي، مقابل انعدامهما في النطق اللساني (49). وهذه الآراء بالإضافة إلى أنها محكومة بالإقرار بكون المعاني صوراً لمراجع لها الوجود الحق في الأعيان، فإنها تقوم على مسلمة تماثل المعاني المنطبعة في النفس لدى الجميع في حين تقوم الظاهرة اللغوية على التواضع والاصطلاح، ومن ثمة على الاختلاف والتباين، وهذا لا يمنع تحقيق التطابق بين طرفي الدلالة، ذلك أن عملية إخراج الكلام النفسي إلى الوجود الفعلي لا تتم إلا عبر النطق اللساني، وأن التفكير الداخلي لا يتحقق إلا بواسطة الألفاظ.
وتأخذ المقارنة لدى الجاحظ بعداً آخر يقوم على التسليم بأن "المعاني مبسوطة إلى غير غاية، وممتدة إلى غير نهاية، وأسماء المعاني مقصورة معدودة ومحصلة محدودة" (50)، وعدم التكافؤ لا يمنع من تحقيق إمكان التعبير عن أي معنى يخطر بالبال بلفظ ملائم، ما دامت عملية التعبير نفسها تقوم على نضد ألفاظ في تركيب متضمن لمعنى، وتتكامل الوجوه المتعددة التي تتحقق بها الأشكال المختلفة للتراكيب مع قابلية الذهن لتفتيق شتى المعاني، لكن المقابلة لدى الجاحظ إذ تظل في حدود الدال والمدلول المفردين تقرر أنه "لا يكون اللفظ اسماً إلا وهو مضمن بمعنى، وقد يكون المعنى ولا اسم له" (51). لكن يبدو أن أمر هذه الكينونة نسبي "وأن القطيعة ليست مطلقة" (52)، إذ أن هذه المعاني المختلجة في صدور الناس "موجودة في معنى معدومة" (53)، ذلك أن الوجود الحق للمعنى لا يتحقق إلا في الحين الذي يتزيّن فيه بلبوس اللفظ.
ولكن ابن المدبر لا يخالجه الشك في تقرير أن "المعاني وإن كانت كامنة في الصدور، فإنها مصورة فيها، ومتصلة بها، وهي كاللآلئ المنظومة في أصدافها، والنار المخبوءة في أحجارها، فإن أظهرته من أكنانه وأصدافه، تبين حسنه (كذا) وإن قدحت النار من مكامنها وأحجارها انتفعت بها، وإلا بقيت محجوبة مستورة" (54)؛ غير أنه يبدو لنا أن القول بكمون المعاني في الصدور لا يتطابق تماماً مع وصفها بالاستقلال الذاتي عن الكلمات المعبرة عنها (55)، ذلك أن كمون المعاني في الصدور ككمون النار في الحجارة لها خاصية الوجود بالقوة الذي يمر إلى الفعل بعامل الاقتداح أو التعبير، فكأن الوجود الحق يتم باقتداح شرارة المعنى باللفظ، وقد يدعم ذلك اعتماد ابن المدبر لتوضيح الفكرة ترداد ما شاع من تشبيههم "المعنى الخفي بالروح الخفي، واللفظ الظاهر بالجسمان الظاهر" (56). ومع ذلك نلمس لدى أولئك المنظرين وقفات تخفف من غلواء وسم مواقفهم بتأكيد الفصل دوماً.
لذا يتأسس لدى أبي حيان التوحيدي جدل الصحة والبطلان في علاقة ثنائية تلحم الألفاظ والمعاني إذ كل "ما صح معناه صح اللفظ به، وما بطل معناه بطل اللفظ به" (57) يكون كل فكر مميز صحيح إنما يتيسر تحقيقه باللغة مراعاة لوظيفتها في الكشف عن هذا الفكر ذلك أن "الأغراض المعقولة والمعاني المدركة لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف" (58).
أما المصادرة لدى إخوان الصفاء فتسلم مبدئياً بفكرة التكامل الوجودي القائم بين الألفاظ والمعاني المشابه لتكامل الأرواح والأجساد (59)، ثم تأخذ هذه العلاقة طابعاً أكثر خصوصية وذلك في تأكيد استحالة إخراج المعنى من كمون العدم إلى الوجود المعرف ما لم يصغ لفظاً ذلك ان "كل معنى لا يمكن أن يعبر عنه بلفظ ما في لغة ما فلا سبيل إلى معرفته" (60).
ومع ابن سينا يترسخ مبدأ حضور اللغة مع كل ممارسة فكرية تبتغي إجراءً عملياً يقصد الإبلاغ، أو ممارسة باطنية تقوم على التأمّل وقراءة الذات داخلياً، إذ ما دام أن الاكتساب اللغوي يقوم على قاعدتي الارتسام المزدوج للمدلول والدال في آنٍ واحد، يكون كل استحضار لأحدهما رهناً بحضور الآخر، ذلك أن "الألفاظ إذا سمعت أدرك مع سماعها معنى، فارتسم في النفس المعنى واللفظ معاً. فكلما خطر بالبال ذلك المعنى أدرك اللفظ، وكلما سمع ذلك اللفظ أدرك المعنى (61)؛ ومن هنا يكون كل فعل واع يقصد إحداث ترتيب داخلي في معنى نفسي لا يتيسر قيامه إلا باللفظ. فمن "المتعذّر على الروية أن ترتب المعاني من غير أن تتخيل معها ألفاظها، بل تكاد تكون الروية مناجاة من الإنسان ذهنه بألفاظ متخيلة" (62).
ومع أن الشهرستاني يورد اعتراضاً اعتزالياً يدحض مقولة الكلام النفسي، إلا أنه يدقق في مبدأ الخواطر التي تنتاب الإنسان فلا يرى لها إمكان التحقق إلا باللغة، وإذ تظل القضية امتداداً لما طرح ابن سينا تبحث لنفسها عن برهان بالنقيض من عدم الكلام جملة. فقد "قالت المعتزلة نحن لا ننكر الخواطر التي تطرأ على قلب الإنسان وربما نسميها أحاديث النفس إما مجازاً وإما حقيقة" غير أنها تقديرات للعبارات التي في اللسان ألا ترى أن من لم يعرف كلمة بالعربية لا يخطر بباله كلام العرب ومن لا يعرف العجمية لا يطرأ عليه كلام العجم، و من عرف اللسانَين تارةً تحدث نفسه بلسان العرب وتارة بلسان العجم. فعلم على الحقيقة أنها تقديرات وأحاديث تابعة للعبارة التي تعلمها الإنسان في أول نشوئه. والعبارات هي أصول لها منها تصدر وعليها ترد، حتى لو قدرنا إنساناً خالياً من العبارات كلها أبكم لا يقدر على نطق لم نشك أن نفسه لا تحدثه بعربية ولا عجمية ولا لسان من الألسن وعقله يعقل كل معقول وإن كان يعرى عن كل مسموع ومنقول" (63)؛ وإن كان الفكر الحديث المستجلي علائق اللغة بالفكر لا يوافق الشهرستاني الإقرار بأن الأبكم الخالي عن العبارات يعقل كل معقول، فقد ثبت أن إدراكه للأمور إدراك ناقص وأنه بالإضافة إلى تضايقه في علاقاته مع غيره محدود الفكر على المستوى الذاتي أيضاً (64).
ويمكننا الإشارة إلى أن المنظور المعاصر المدقق في علاقة اللغة بالفكر مغاير للمنظور القديم فضلاً عن تباين المنظورين في المنطلقات المؤسسة للبحث في الظاهرة اللغوية عموماً، إذ بالقدر الذي تمثل فيه ارتباط اللغة في التصور القديم بالعقل من خلال اعتبارها الأداة التي تجلو ما يختمر فيه من فكر، قام البحث اللساني الحديث بتنزيل اللغة في خضم الأداء وربطها تعريفياً بوظيفتها التي هي الإبلاغ القائمة بماهيتها على تعريف مستند إلى البنية (65).
ففي التراث العربي الإسلامي ومن زاوية علاقة اللغة بالفكر قام التقصي على قاعدة أسندت فيها إلى اللغة وظيفة التعبير عن محتوى العقل من أفكار، وكأن عملية التعبير وفق هذا المنطلق تقتضي أن تكون "الكلمات موضوعة إزاء أفكار" (66).وهذا الوضع بقدر ما يرسخ فكرة التحاذي والتوازي بين الطرفين (67)، يعتبر اللغة واسطة الفكر كما يبدو في إقرار منظري التراث أن عملية التأمل وحوار الذات لا تتمّان إلا باللغة، والحق "أن المعاني لا تتبين بالكلام. المعاني تتبين كلاماً" (68). ومن هنا يطرد في التراث العربي الإسلامي تشبيه العلاقة بين الفكر واللغة بعلاقة الجسم باللباس، علماً بأن "اللغة ليست اللباس، ولكنها جسم الفكر نفسه" (69).
لكن ما يمكن أن نفيده من هذا الإيجاز العابر لقضايا الدلالة وصلة اللغة بالفكر في التراث العربي الإسلامي هو التمهيد لاستقصاء الرأي في إشكال اللفظ والمعنى بعد التأسيس لقواعده الفكرية، إذ نجد أبرز ما يمكن أن يجلو بعض المفاصل في ذلك الإشكال ويمهد لمحاصرة تنوعه هو الإجماع على خاصية التوازي بين الكلام النفسي والكلام اللساني، بالإلحاح على تحقيق مستويين من الوحدة في الكلام تقوم على تآلف المنطوق في اللسان والمنطبع في النفس، يعمق فيها بعد هذا المنطلق الموحد بين التأليفين الإلحاح على وظيفة اللغة في التعريف بمحتوى الفكر، مما يجلو خاصية التكامل بين المعرف وآلة التعريف. لكن استكمال بناء القواعد الأصولية المؤسسة لإشكال اللفظ والمعنى خاصة حين يتعلق الأمر بتقصي فعاليتهما في بنية النص – وهو موضوع البحث الرئيسي – يدعو إلى استقصاء مشكلة الكلام النفسي التي بالإضافة إلى أنها مثلت محوراً في البحث الكلامي تنازعت جذبه طوائف المتكلمين، مما أفرزت أنضج تصور عرفه التراث يجلو بمفاتيح متقدمة مسائل بنية النص بمصادرته على النظم.
قضية الكلام النفسي وأثرها في اللفظ والمعنى

وقضية الكلام النفسي هي قضية خلق القرآن بغير اختلاف (70)، فإذا كان "مذهب المشبهة والحلولية المجسمة، أن كلام الباري حروف وأصوات وأنه قديم" (71)، فإن قول "المعتزلة" و"الخوارج" وأكثر "الزيدية" و"المرجئة" وكثير من "الرافضة" : "أن القرآن كلام الله سبحانه، وأنه مخلوق لله، لم يكن ثم كان" (72) في حين يذهب "أهل الحق من الإسلاميين إلى كون الباري – تعالى – متكلماً بكلام قديم أزلي نفساني. أحادي الذات، ليس بحروف ولا أصوت" (73).
وجوهر الخلاف يكمن في تعريف الكلام: فالمختار عند المعتزلة في حد الكلام: "أنه ما حصل فيه نظام مخصوص من هذه الحروف المعقولة، حصل في حرفين أو حروف" (74). فإذا كان الكلام هو هذه الحروف المقطعة التي تركب في لفظ، فلا مناص من الإقرار بأن كلامه – أي الباري -، "محدث مخلوق في محل" (75). وليس لمعتنقي الكلام النفسي أن يحملوا القرآن المسموع لنا المقروء والمتلو على أن "المراد به العبارة عن كلام الله عز وجل ويزعموا أن ذلك محدث، وأن الكلام القديم سواه" (76). أما الكلام عند الأشاعرة فإنه "معنى قائم بالنفس يعبّر عنه بهذه الأصوات المسموعة تارةً وبغيرها أخرى" (77).
والتشعبات التي تولدها أوجه الخلاف لا تعنينا، إنما نبتغي الإحاطة بالوفاق الأشعري الذي جمع في رؤية شمولية بين صفتي القِدم والحداثة، فتم له الإبقاء على صلة بالمطلق من خلال تردد تلاوة القرآن وسماعه، وأسس بذلك قاعدة مزدوجة، يهتم أحد شقيها بالتدليل على الأصل الإلهي للقرآن وذلك بالاعتماد على قدم الكلام النفسي، ويوفر الثاني أسس التدليل على الإعجاز بالاستناد إلى الكلام المعبر عن القديم ليؤول هذا الأخير إلى نظرية شاملة في النص الأدبي عموماً.
تتجمع خيوط هذا الوفاق الثنائي بين يدي الباقلاني – الشارح الأكبر للمذهب – فيبدأ نسج لحمته وسداه بتأكيده أن كلام الله "صفة له قديمة لا يحتاج فيه إلى أداة من صوت أو حرف أو مخرج" (78)، وإن كان يجب أن يعلم "أن كلام الله تعالى مسموع لنا على الحقيقة لكن بواسطة وهو القارئ" (79)، فهو أي كلام الله تعالى "صفة لذاته لم يزل ولا يزال موصوفاً به وأنه قائم به ومختص به، ولا يصح وجوده بغيره، وإن كان محفوظاً بالقلوب، ومتداولاً بالألسن، ومكتوباً في المصاحف، ومقرءاً في المحاريب على الحقيقة لا على المجاز، وغير حال في شيء من ذلك" (80)، لكن كيف ينتفي عنه الحلول في أي واحد من ذلك وهو "في مصاحفنا مكتوب على الوجه الذي هو مكتوب في اللوح المحفوظ" (81).
والحل الذي نستظهره من كلام الباقلاني، وإن لم نقع على نص صريح فيه، هو أن القرآن قديم ومخلوق في الوقت نفسه (82). والجمع بين الصفتين على طريقة الأشاعرة – عامة- إقرار بحدوث الحروف وهي دلالات على الكلام، والدليل غير المدلول ولا يتصف بصفة المدلول (83).
لكن الباقلاني في سبيل إرساء قواعد للإعجاز يصف علاقة القدم والحداثة حسب مقتضيات تتالي الرسالات السماوية وطبائع الاجتماع البشري المتميز بالتفرد اللساني، فيتسنى وفقها للنسبي التعبير المتخصص عن المطلق في مرحلة أولى ليرتقي في الثانية إلى التدليل على أصله إفهاماً وإعجازاً كما نتحقق ذلك في القرآن الكريم، يقول: "فالكلام الحقيقي هو المعنى الموجود في النفس لكن جعل عليه أمارات تدل عليه، فتارة تكون قولاً بلسان على حكم أهل ذلك اللسان وما اصطلحوا عليه وجرى عرفهم به وجعل لغة لهم، وقد بين تعالى ذلك بقولـه: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم"(84) فأخبر تعالى أنه أرسل موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل بلسان عبراني، فأفهم كلام الله القديم القائم بالنفس بالعبرانية، وبعث عيسى عليه السلام بلسان سرياني، فأفهم قومه كلام الله القديم بلسانهم، وبعث نبينا صلى الله عليه وسلم بلسان العرب، فأفهم قومه كلام الله القديم القائم بالنفس بكلامهم، فلغة العرب غير لغة العبرانية ولغة السريانية غيرهما، لكن الكلام القديم القائم بالنفس شيء واحد لا يختلف ولا يتغير" (85).
هنا يكمل الشق الأول من القضية إذ باشتراك الكتب المنزلة في الإبانة عن الكلام القديم يتحقق لها الأصل السماوي، إلا أنه تركز في القرآن بالإضافة إلى هذه الصفة، خاصية التحدي التي ولدت ظاهرة الإعجاز، لأنه لم يكن معجزاً "لكونه عبارة عن الكلام القديم، لأن التوراة والإنجيل عبارة عن الكلام القديم، وليس ذلك بمعجز في النظم والتأليف" (86) لأن جوهر التحدي – من منظور أشعري – إنما يقع في "الحروف المنظومة، التي هي عبارة عنه، في براعتها وفصاحتها و اختصارها وكثرة معانيها" (87). غير أن منطلق المعتزلة في التدليل على الإعجاز، حتى عند من يقول بالصرفة، لا يباين طروحات الأشاعرة عند الاعتكاف على النص، إذ الإقرار المبدئي بسمو فصاحة القرآن أو نظمه عن أن يضاهى يكيّف التدليل المشخص للظاهرة بالاحتكام إلى النص، من هنا لم تكن فكرة الكلام النفسي لدى الأشاعرة سوى منطلق مبدئي لا يمنع ظاهرة الإعجاز من أن يبني برهانها.
يهمنا من هذه العجالة، الإشارة إلى أن الاحتكام إلى قاعدة النظم في تحليل الخطاب البليغ عموماً سيرسّخ مبدأ تشاكل بنية الكلام الخارجية مع بنيته الداخلية إذ سيعتمد في أنضج طروحاته على بنية النص عموماً، ممتداً بفكرة تطابق اللفظ والمعنى إلى أقصى مراتبها في التراث، وسينتهي إلى أن الدلالة إفراز للحمة الوحدات كلياً في مستوى التركيب خاصة. من هنا لم يكن لفكرة الكلام النفسي أن تعكر مجرى التقصي في ثنايا وحدات اللغة والتغلغل في العلائق الناسجة لشبكة التفاعل بينها في بنية الخطاب.

مفهوم الهيولى والصورة وإشكال اللفظ والمعنى

ويبقى في فسحة البحث الفلسفي الذي عرفه التراث العربي الإسلامي أصل آخر شكّل على مستوى المفهوم والتصور رؤية شاملة لعلاقة التضام بين الألفاظ والمعاني، إذ ليس هذا التضام المؤلف بين العناصر إلا تجسيداً نوعياً لظاهرة التأليف المزدوج المؤسس على فكرة الهيولى والصورة المطبق على كل الموجودات. من هنا يمكن الموازاة بين فكرة الإخراج الصوري المعدد للهيولى الموجودة بالقوة حيث يهبها هذا الإخراج الوجود بالفعل وفكرة تأليف المنطوق اللساني المعبر عن هيئة التأليف الداخلية المنطبعة في النفس. صحيح أن الاختلاف العقائدي عميق بين فكرة الهيولى وفكرة الكلام النفسي أو القديم، إلا أنه يمكن إحداث التقارب بينهما حين يتعلق الأمر بالكلام المنطوق أو النص المكتوب، إذ سنجد أنه بالإضافة إلى أن فكرة الصورة والمادة ستفرز على مستوى المصطلح النقدي المتخصص فكرة صورة المعنى، فإنها ستعمق الوعي بتعاضدها مع أصول معرفية (88) أخرى لا تعنينا في هذا المقام الإقرار بأن خاصية النوعية للشعر وللأدب عموماً إنما مردها إلى كونه تشكيلاً لغوياً متميزاً. هذه الخصوصية التي ستحيل على مستوى النص إلى الإلحاح على ضرورة التكامل بين هيئة التأليف اللفظية وهيئة التأليف المعنوية، مثلما سيصطلح الفلاسفة خاصة ومن تأثر بهم كحازم القرطاجني.
وهذا يدعونا إلى الكشف عن هذا الأصل في مظانه الميتافيزيقية والمنطقية بالخصوص. وفكرة الصورة والمادة تقع ضمن شمول نظري يضعها في ما يسمى بنظرية العلل الأربع التي هي العنصر أو المادة والصورة والفاعل والغاية، فالعلل "الطبيعية إما أن تكون: عنصرية، وإما صورية، وإما فاعلة، وإما تمامية: أعني بالعنصرية عنصر الشيء الذي منه يكون الشيء، كالذهب الذي هو عنصر الدينار الذي منه كون الدينار وأعني بالصورة صورة الدينار التي باتحادها بالذهب كان الدينار، وأعني بالفاعلة صانع الدينار الذي وحد صورة الدينار بالذهب، وأعني بالتتامية ما له أحد الصانع صورة الدينار بالذهب، التي هي المنفعة بالدينار ونيل المطلوب به" (89).
هذه النظرية تملك عناصر البرهنة على كل علم، إذ في المنظور الأصولي لدى الفلاسفة لا يملك كل علم أن يصوغ لنفسه أصول البرهنة على قوانينه، بل يأخذها من العلم الكلي أي الإلهي المؤسس للعلل الأربع التي يستدل بها كل علم حسب حاجته لهذا العنصر أو ذاك من النظرية، فحاجة العلم الطبيعي إنما تكون لعنصري المادة والصورة ذلك "أن كل جسم طبيعي فهو متقوم الذات من جزءين أحدهما يقوم مقام الخشب من السرير ويقال له هيولى ومادة،والآخر يقوم مقام صورة السرير من السرير ويسمى صورة" (90).
لكنه لا يمتنع في تصور الفلاسفة أن يتحقق هذا الوجود في شكل متراكب تبدو فيه علاقة العنصرين ذات طابع إلصاقي خارجي، ذلك أن الانطباع الخارجي للصورة على المادة يتيح إمكانية اشتراك موجودات عدة في المادة وإن اختلفت في الصورة التي تهبها التميز والاستقلال "فاختلاف الموجودات إنما هو بالصورة لا بالهيولى، وذلك أنّا نجد أشياء كثيرة جوهرها واحد، وصورها مختلفة" (91). والحق أن هذه المقارنة يمكن أن تتم على مستوى المادة وعلى مستوى الصورة، وهذا قد يكشف آلية التضام بين العنصرين، فيمكن لجسم أن يشارك آخر "في صورته، مثل الحائط المبني من حجارة والحائط المبني من طين، فإنهما يشتركان في الصورة، ويختلفان في المادة... وإما أن يشاركه في المادة ويخالفه في الصورة مثل الإبريق والطست إذا كانا جميعاً من جوهر واحد: إما نحاس، أو فضة، أو ذهب" (92).
وقد تطول المقارنة لدى ابن سينا الفن، فالصنم "المصور المركب من نحاس وصورة إنسان، إذا وجد النحاس بلا صورة إنسان، وجد تلك الصورة بلا نحاس" (93)، ذلك أن الأجسام الطبيعية مركبة من مادة هي محل وصورة هي حالة فيه، ونسبة المادة إلى الصورة نسبة النحاس إلى التمثال (94)، وعلى كلٍّ يتيح المنظور المزدوج مقارنة صريحة بين طرفي الشيء، وتحت تأثير هذا المنظور يمكن تصور تفاوت بين العنصرين فكل "صنعة تتعلق بمادة وصورة، وبحسب اختلاف كل واحد من المادة والصورة يختلف المصنوع في الصنعة. فربما كانت الصورة فاضلة ولم تكن المادة فاضلة، كما يتفق أن يبنى البيت من خشب نخر وطين سبخ، ثم يوفى حقه من الشكل والرسم، ولا يغني ذلك، ولا يبلغ به الغرض الأقصى من الانتفاع به، والسبب فيه رداءة مادته. وربما كانت المادة فاضلة، لكن الصورة غير فاضلة، كما يتفق أن يبنى بيت من خشب صلب وحجارة صلبة بناء غير محكم في تركيبه ووضعه وهندامه وشكله، فيعدم فائدة استجادة خشبه وحجارته لاستفساد صورته، وربما اجتمع الأمران جميعاً" (95).
ومصدر هذا التصور المفكك للعنصرين ميتافيزيقي يومئ بانطباع صوري خارجي على مادة موجودة بالقوة تتشكل وفق هذا الانطباع، فتوهب وجودها حسب خصوصية الصورة المنطبعة، وعلى الرغم من إقرار الفلاسفة بأن لا وجود فعلي للهيولى خارج الصورة، فإن ذلك لا يمنع من إجراء مقارنة بين مكوني الشيء، والحق أن طبيعة البحث في الطبيعيات وفي المنطق على الخصوص توفر إمكانية التصور الثنائي بشكل حاد. وصلة المنطق بالميتافيزيقا واردة لدى الفلاسفة اتباعاً لسنة أرسطو، "فالمنطق لم يوضع فقط ليكون منهجاً للعلم الأول عند أرسطوطاليس، بل اتصلت حقائق المنطق بحقائق الميتافيزيقا اتصالاً كلياً" (96)، وهذا الاتصال يتجسد في قيام هذا المنطق على الصورية والمادية معاً، فإذا كانت صورية هذا القياس الذي يأخذ به الفلاسفة الإسلاميون تكمن في بنائه الشكلي المجسد في عناصر تأليف كل قياس، فإن خصوصية المادة المضغوطة في هذا البناء الصوري هي التي تحدد للقياس نوعيته، فالمنطق عند ابن سينا "صوري ومادي في الوقت عينه (97). فبجانب الصورة مادة أيضاً، وإذا كانت هناك أقيسة علمية يقينية، فهناك أقيسة أخرى مشهورة وظنية في ميدان الجدل والخطابة (98).
من هنا يتنزل مبحث الخطابة والشعر لدى هؤلاء الفلاسفة ضمن جملة المنطق، ومرد ذلك إلى أن خصوصيتهما المؤسسة على مقدمات نوعية وتفيد إقناعاً أو تخييلاً، بالقدر الذي تكفل لهما التمايز النوعي، لا تمنع من انضوائهما تحت جملة المنطق (99).
ولا شك أن النصوص السابقة توفر إمكان الإقرار بفصل الفلاسفة بين المادة والصورة، والعوامل التي تؤكد هذا الفصل، هي بالإضافة إلى المنطلقات الفلسفية البحتة المترسخة أساساً في تمسك هؤلاء بفكرة الهيولى، تبدو أيضاً في محاولة إخضاع فكرة التضام بين العنصرين إلى منظور معياري، تخضع فيه المقارنة أحياناً لفكرة الجدوى التي يولدها "شكل" المادة أو مادة "الشكل"، أو يتسببان – في حالة التهافت – في فقدها. لكن مما قد يخفف غلواء هذا الفصل تسليم الفلاسفة المبدئي باستحالة وجود طرف في غياب الآخر، ذلك أن الوجود السابق للهيولى في كمون القوة ليس إلا محض افتراض فلسفي يهيئ لقبول فكرة الانطباع الصوري على المادة حيث إن "الهيولى لا تتجرد عن الصورة الجسمية" (100)، لأنه ليس يمكن في الهيولى أن توجد وحدها معرّاةً من الصورة ولا في الصورة وحدها أن توجد بلا هيولى (101).
ولعل تصور هذا الوجود المتكامل يصل إلى أعلى درجات نبضه حين يتعلق الأمر بعلائق المعاني بالألفاظ وتآلفها وأثر ذلك في بناء النص، إذ إنه سابق في تصور صانعي التراث أن لا إمكان لانبثاق المعنى إلى الوجود الفعلي إلا باللفظ، وهذا الانبثاق لا يتحقق له الكمال إلا بإيفاء حق التطابق بين الدوال والمدلولات مداه ليستحيل تصوراً ناضجاً يقوم على تلك المسلمات من جهة، ويترسخ في مصادرات أخرى تقوم على الوعي بعلائق الوحدات المتكاملة في النص بالاستناد إلى معاني النحو من جهة أخرى.

أثر المجاز في بحث اللفظ والمعنى

وبالاستناد إلى ما سلف يؤول بنا رصد الأصول المتحكمة في قراءة مفكري التراث العربي الإسلامي، ممن لهم علاقة ببحث فكرة اللفظ والمعنى إلى الإشارة إلى مسألة أخيرة تشكل قاعدة لغوية أسلوبية قامت على فكرة التقابل بين الكلام العادي والكلام الأدبي، ذلك أن الوعي الذي يؤسس المنظور الذي يفتق علائق المعاني بالألفاظ في النص يكون أكثر رسوخاً حين يتعلق الأمر بالخطاب الأدبي، ما دام أن محاصرة الفهم لمواصفات هذا الأخير يقوم على عمق إدراك البنية اللغوية وطريقتها في تشكيل المعنى.
ولقد انتهى النزوع المتحسس خصائص الخطاب الأدبي تحت طائلة مبحث المجاز إلى الإقرار بوجود مستويين في استعمال اللغة "مستوى يجري فيه المستعمل على العادة والعرف... "الاحتذاء" ومستوى يتصرف فيه المستعمل في المواضعات ويجري اللغة على ما يستجيب لمقاصده في العبارة وجمعوا كل ذلك تحت مصطلح "الإنشاء" بالمعنى الواسع الذي يدل عليه الأصل اليوناني لكلمة "Poetique" الفرنسية" (102).
ولئن كان التبصر بمواصفات الاستعمال اللغوي في هذين المستويين عاماً يطول مستويات النص أصواتاً وتراكيب ودلالة، فإنه ترتب على ارتباط مبحث المجاز بقضايا الدلالة أن تم تنزيل هذا المبحث ضمن خانات رصد منطقي دلالي يستقصي كيفيات تحقق دلالة اللفظ على معناه، وذلك في التقسيم المعروف إلى دلالة المطابقة ودلالة التضمن ودلالة الالتزام (103)، مع الإشارة إلى اختلاف معنى الدلالة عند المناطقة عنه عند النحاة (104).
وآل الأمر أمام الإشكالات التي يطرحها تفسير القرآن الكريم والإبانة عن إعجازه، وفك بنية الخطاب الشعري خاصة، إلى محاولة تجلية مغالق الإعجاز وترسيخ الوعي بخصوصية الصياغة الأدبية التي ليست إلا إفرازاً لظاهرة الانزياح عن الاستعمال العادي، حيث أشاروا إلى هذه الظاهرة بمصطلحات عدة أبرزها، المجاز أو التجوز، ومنها العدول، أو إخراج القول غير مخرج العادة،والتوسع وغيرها (105).
وهذا المنحى المنزل للظاهرة الأدبية في خانة المجاز بقدر ما ينم عن الوعي بالكيفية التي تتحقق بها الدلالة في هذا القول المتميز يرسخ الفهم بخاصية التكامل بين طرفيها، ذلك أن "الثنائية التي آلت إليها اللغة في قضية اللفظ والمعنى لم تكن الغاية التي انتهت إليها القسمة عند البلاغيين...
كأنهم يفرقون بين المعنى في ذاته مجرداً عن البعد الاستطيقي والمعنى الذي يتأتى فيه ذلك البعد" (106).
وعملية التفرقة تقوم على "إدخال مفهوم الواسطة كمميز نوعي للدلالة الأدبية" (107)، ذلك أن الإفضاء إلى المعنى في النص الأدبي قد يتحقق عبر تشابك دلالي يستحيل فيه المدلول نفسه دالاً، فتكون عملية التلازم الدلالي في هذا التشابك مفضية حتماً إلى الوعي بتعقيد المسالك المؤدية إلى المعنى،وتبلغ عندها عملية التلاحم بين المعاني والألفاظ درجة قصوى خاصة حين يتحقق للفهم إمكان الإحاطة بكيفية تعاضد الوحدات الدالة في كون شامل يهبها الوجود المتلاحم في بنية عامة.
c


¡ هوامش المدخل:

(1) البيان: 76.
(2) نفسه. الحيوان1: 33-34-35-44-45-46. كتاب التربيع والتدوير: 62.
(3) ينظر ابن المدبر،الرسالة العذراء: 247. المبرد،الكامل 2: 90. العسكري، الصناعتين: 20. أبو طاهر البغدادي.قانون البلاغة: 61. الرماني، النكت في إعجاز القرآن: 106. الباقلاني إعجاز القرآن: 274...
(4) ينظر: الجاحظ، الحيوان 1: 206، 209 – 210.
(5) عادل فاخوري، علم الدلالة عند العرب: 13.
(6) ينظر: عبد السلام المسدي، التفكير اللساني في الحضارة العربية: 107، وفي مواضع مختلفة من الكتاب.
(7) الجاحظ، البيان 1: 79.
(8) الجاحظ. الحيوان 1: 48.
(9) ابن وهب، البرهان في وجوه البيان: 139.
(10) الفراء، معاني القرآن 1، ص: 213.
(11) الكندي، رسائل الكندي الفلسفية 1، ص: 203 – 304.
(12) سورة آل عمران، الآية: 41. ينظر: شكري محمد عياد، المؤثرات الفلسفية والكلامية في النقد العربي والبلاغة العربية. الأقلام، عدد 11، السنة 15، بغداد 1980.
(13) O.ducrot. t.todorov. dictionnaire encyclopedique des sciences du langage .p: 113.
(14) ينظر: عادل فاخوري، علم الدلالة عند العرب: 13...
f. de saussure. cours de linguistique
generale. p. 33.
(15) ابن سيناء، فن الشعر،ص: 171.
(16) الحيوان 1: 50.
(17) ينظر: البيان 1: 87. الحيوان 5: 201. حمادي صمود، التفكير البلاغي عند العرب: 169.
(18) عبد السلام المسدي، التفكير اللساني في الحضارة العربية: 122.
(19) الرسائل الفلسفية 1: 155 – 156. ينظر: الفارابي، شرح العبارة: 24 – 25. ابن سيناء، العبارة: 2-3. ابن حزم، التقريب لحد المنطق: 4-5. ابن رشد، تلخيص كتاب العبارة: 81. ابن وهب، البرهان في وجوه البيان: 60، ابن سنان، سر الفصاحة: 226. أبو طاهر البغدادي قانون البلاغة: 27-28.
(20) المنهاج، ص: 18-19.
(21) ابن حزم، التقريب لحد المنطق، ص: 4.
(22) الغزالي، معيار العلم، ص: 76.
(23) المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، ص: 19.
(24) محمود فهمي زيدان، في فلسفة اللغة، ص:176.
ينظر هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص: 221.
(25) الغزالي، معيار العلم، ص:76. ينظر: ابن سينا، العبارة، ص:5. ابن رشد، تلخيص كتاب العبارة، ص:81. ابن وهب، البرهان، ص: 62-63. الشهرستاني، نهاية الاقدام في علم الكلام، ص: 323.
(26) عبد الرحمن الحاج صالح، مدخل إلى علم اللسان الحديث، مجلة اللسانيات، معهد العلوم اللسانية والصوتية – جامعة الجزائر – عدد 4، سنة 1973 - 1974،
ص: 33.
(27) السيوطي، المزهر 1: 42.
(28) ينظر: عبد الرحمن الحاج صالح، مدخل إلى علم اللسان الحديث، مجلد1، عدد2، 1971، ص: 45، هامش: 36. والمجلد2، عدد1، 1972، ص:46، هامش: 88. وخاصية الاعتباط في علاقة الدال بالمدلول شكلت إحدى النظريات التي صاغها دي سوسير.
ينظر: cours de linguistique generale. p. 100
وقد أثارت النقد بعده، سواء بنقد فكرة التدليل على الخاصية باعتماد فكرة تباين الدوال في اللغات المختبلفة ووحدة المدلول، أم بالاستناد إلى فكرة المرجع. ينظر:
-j. kristeva, le langage cet inconnu, p. 21.
-r. jakobson, six lecons sur se son it le sens, p. 39
-m. leroy, les grands courants de la Linguistique moderne, p: 115-116.
(29) عبد السلام المسدي، التفكير اللساني في الحضارة العربية، ص: 169.
(30) العبارة، ص: 4. ويجمع الدليل اللغوي لدى دي سوسير بين متصور ذهني وصورة أكوستيكية التي هي الأثر النفسي للصوت الفيزيائي.
ينظر: cours de linguestique Generale p. :9.
وقد لقيت فكرة الصورة الأكوستيكية النقد بعده أيضاً، فمع تأكيد وحدة الدليل اللغوي المتشكل من دال ومدلول تحدد الدال بأنه المظهر الصوتي للدليل المتشكل من فونيمات، أو هو المظهر الشكلي لكيان يدعى دليلاً. ينظر:
-a.martinet, Elements de Linguistique GÉnÉral 15-16.
-E.BENVENISTE, ProblÉmes de Linguistique GÉnÉrale, T.2, P.220.
أما من منظور فلسفي فإن النظريات المحددة لعلاقة اللفظ بالمعنى كثيرة يمكن الإشارة إلى أبرزها، وهي: النظرية الإشارية في المعنى، والنظرية الفكرية، ونظرية المنبّه والاستجابة... محمود فهمي زيدان، في فلسفة اللغة ص: 96.
(31) ابن سيناء، التعليقات، ص:96.
(32) ينظر لاستقصاء فكرة التلازم على محوري الاستبدال والتوزيع: عبد السلام المسدي، التفكير اللساني في الحضارة العربية، ص: 166...
(33) إحصاء العلوم، ص:62.
(34) نهاية الاقدام، ص: 318 – 319.
(35) الفارابي، شرح العبارة، ص: 25 – 16.
(36) كتاب الحروف، ص: 140 – 141. ينظر الألفاظ المستعملة في المنطق، ص:57 – 58.
(37) ينظر أيضاً: -ابن الأثير، الجامع الكبير، ص: 82.
-السيوطي، المزهر 1، ص: 44...
(38) العبارة، ص: 31.
(39) نفسه، ص: 6. ينظر: ابن رشد، تلخيص كتاب العبارة، ص: 127.
(40) نهاية الاقدام، ص: 286.
(41) نفسه، ص: 323.
(42) تلخيص كتاب الشعر، ص: 236.
(43) الصاحبي، ص: 88.
(44) الخصائص 1، ص: 150.
(45) نفسه1، ص: 217
(46) لابن جني وقفات في أبواب من كتابه السالف خص بها علاقة المعنى ببنيته اللفظية على مستوى المفردة وعلى مستوى التركيب. الخصائص 2، ص: 113...
(47) أبو حيان التوحيدي، الامتاع والمؤانسة 1، ص: 115.
(48) إخوان الصفا، الرسائل1، ص: 176.
(49) الشهرستاني، نهاية الاقدام. ص: 326 – 327.
(50) البيان 1، ص: 76.
(51) الرسائل 1، 262.
(52) حمادي صمود، التفكير البلاغي عند العرب، ص: 170.
(53) البيان 1، ص: 76.
(54) الرسالة العذراء، ص: 246.
(55) ينظر جابر عصفور، الصورة الفنية، ص: 319.
(56) الرسالة العذراء، ص: 247.
(57) البصائر والذخائر، ص: 175.
(58) الإمتاع والمؤانسة 1، ص: 111.
(59) الرسائل 1، ص: 318. وجـ 3، ص: 121 – 132.
(60) الرسائل 3، ص: 120.
(61) التعليقات، ص: 162.
(62) المدخل من الشفاء، ص: 23.
(63) نهاية الاقدام، ص: 323 – 324.
(64) ينظر: إبراهيم أنيس، دلالة الألفاظ، ص: 37.
P.CHAUCHARD, Le langage et la pensÉe, p.7.
(65) ينظر عبد السلام المسدي، اللسانيات وأسسها المعرفية، ص: 23.
G.MOUNIN, LA LINGUISTIQUE DE 20E SIÉCLE, P. 264.
مع الإشارة إلى تعدد الوظائف المسندة إلى اللغة وإن كان محورها وظيفة الإبلاغ.
ينظر: عبد الرحمن الحاج صالح، مدخل إلى علم اللسان الحديث، عدد 4، ص: 2.9.
-A.MARTINET, Elements de Linguistique GÉnÉrale, p. 9-10.
-G.MOUNIN, clefs pour la linguistique, p.76.
(66) مصطفى ناصف، نظرية المعنى في النقد العربي، ص: 41.
(67) وقد أثبت علماء النفس في العصر الحديث عدم التوازي والتطابق بين نشاط الفكر ونشاط اللغة. ينظر: عبد الرحمن الحاج صالح، مدخل إلى علم اللسان الحديث، مجلد 1، عدد 1، 1971، ص: 27.
(68) كمال يوسف الحاج، في فلسفة اللغة، ص: 75.
(69) J.COHEN. Structure du langage poetique, p. 33.
ينظر: ..A.SCHAFf, Langage et connaissance, p.135.
دون أن ننسى الإشارة إلى أن المفاهيم التي أسسها النحاة واللغويون العرب الأولون لا تقل أهمية عن مفاهيم العلم الحديث. ينظر: عبد الرحمن الحاج صالح، مدخل إلى علم اللسان الحديث،عدد 4، ص: 26.
(70) شكري عياد، المؤثرات الفلسفية والكلامية في النقد العربي والبلاغة العربية، ص: 5.
(71) الباقلاني، الإنصاف، ص: 111.
(72) الأشعري، مقالات الإسلاميين 2، ص: 231.
(73) الآمدي، غاية المرام في علم الكلام، ص: 88. ينظر: الشهرستاني، الملل والنحل 1، ص: 96.
(74) القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل 7، ص: 6. ينظر: ابن سنان، سر الفصاحة، ص: 39. الشهرستاني، نهاية الاقدام، ص: 320. العلوي، الطراز 3، ص: 424.
(75) الشهرستاني، الملل والنحل 1، ص: 45.
(76) القاضي عبد الجبار، المغني7، ص: 88.
(77) الباقلاني، التمهيد، ص: 251. الشهرستاني، نهاية الاقدام، ص: 320.
(78) الإنصاف، ص: 79.
(79) الإنصاف، ص 94.
(80) نفسه، ص: 86.
(81) نفسه، ص: 93.
(82) شكري عياد، المؤثرات الفلسفية والكلامية في النقد العربي والبلاغة العبية. ص: 7.
(83) الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، ص: 54... قواعد العقائد ص: 17-74. الآمدي، غاية المرام، ص: 97. ابن القيم الجوزية، الصواعق المرسلة 2، ص: 290 – 291.
(84) سورة إبراهيم، الآية: 4.
(85) الإنصاف، ص: 106 – 107.
(86) الباقلاني، إعجاز القرآن، ص: 260.
(87) الباقلاني، التمهيد، ص: 152. ينظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن 2، ص: 93.
(88) كالأساس النفسي للشعر، ووظيفته التخييلية القائمة على كونه صياغة لغوية متميزة تتوافق مع مدارك الجمهور... ينظر: ألفت الروبي، نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين. الأخضر جمعي، نظرية الشعر عند الفلاسفة الإسلاميين، بحث مرقون بجامعة الجزائر.
(89) الكندي، الرسائل الفلسفية 1، ص: 217 – 218. ينظر: الفارابي، فلسفة أرسطو طاليس، ص: 92 – 93. إخوان الصفاء. الرسائل 1، ص: 201. الخوارزمي، مفاتيح العلوم، ص: 93. ابن سيناء، إلهيات الشفاء 2، ص: 257 – 258. إلهيات الإشارات 3، ص: 13 – 14، رسائل ابن سينا. ص: 3. ابن باجة، كتاب النفس، ص: 32. ابن رشد، تلخيص كتاب البرهان، ص: 471. تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 3 – 4...
(90) ابن سينا، تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات، ص: 3. ينظر: ابن سينا. إلهيات الشفاء 1،ص: 72. عيون الحكمة، ص: 17. الكندي، الرسائل 1، ص: 166. الرسائل 2، ص: 14 – 16. الفارابي، إحصاء العلوم، ص: 94 – 95. كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة، ص: 64. السياسة المدنية، ص: 36 – 37. فصول منتزعة، ص: 26 – 27. ابن باجة كتاب النفس، ص: 19 – 20. ابن طفيل، حي بن يقظان.
(91) إخوان الصفا، الرسائل 2، ص: 4.
(92) الفارابي، رسالة للفارابي في الرد على يحيى النحوي في الرد على أرسطو طاليس، ص: 109.
(93) إثبات النبوات، ص: 42.
(94) ابن سينا، النجاة، القسم الثاني: الطبيعيات، ص: 159.
(95) ابن سينا، قسم القياس من الشفاء، ص:6.
(96) علي سامي النشار، المنطق الصوري، ص: 54.
(97) نفسه، ص: 20 – 23 – 24. ينظر أيضاً: علي سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام، ص: 21 – 22.
(98) إبراهيم مدكور، مقدمة قسم القياس من الشفاء لابن سينا، ص: 7.
(99) ينظر ابن سينا، قسم القياس من الشفاء، ص: 3-4-5. قسم المنطق من الإشارات، ص: 273 – 274. ابن رشد، تلخيص كتاب القياس، ص: 138 – 139.
(100) ابن سينا، الإشارات. القسم الثاني: الطبيعيات، ص: 207.
(101) ابن مسكويه، الفوز الأصغر، ص: 30.
(102) حمادي صمود، التفكير البلاغي عند العرب، ص: 617. ينظر أيضاً: عبد الحكيم راضي، النقد اللغوي في التراث العربي، مجلة فصول، مجلد 6، عدد2، القاهرة 1986، ص: 81.
(103) ينظر: الغزالي، معيار العلم، ص: 72. ابن سينا، منطق المشرقيين، ص: 37. الخطيب القزويني، الإيضاح في علوم البلاغة 2، ص: 326- 327. عادل فاخوري، علم الدلالة عند العرب: 41. مصطفى ناصف، دراسة الأدب العربي، ص: 195 – 196. نظرية المعنى في النقد العربي، ص: 91 – 92، عن الصيغة الإنسانية للدلالة، عدد فصول السابق، ص: 92.
(104) علي سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام، ص: 27 – 28.
(105) ينظر لاستقصاء هذه المصطلحات: د. حمادي صمود، التفكير البلاغي عند العرب، ص: 396.
(106) لطفي عبد البديع، التركيب اللغوي للأدب، ص: 3.
(107) حمادي صمود، التفكير البلاغي عند العرب، ص: 413.


cc




([1]) ينظر: مادة: لفظ، معنى، ائتلاف، بنية، ابن منظور، لسان العرب، دار بيروت، مجلد 7، ص: 461.. مجلد 7، ص: 461، 104. مجلد 15، مجلد 9، ص: و. مجلد 14، ص: 89. المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، دار المعارف بمصر،
(جـ1) 1972، (جـ2) 1973، ط2، جـ2، ص:832، 633، جـ1، ص:24، 72.

Eng.Jordan
11-07-2013, 03:45 PM
الفصل الأول :
بنية النص الأدبي
من الجاحظ إلى قدامة بن جعفر



الجاحظ وتطابق اللفظ والمعنى

إن القصد إلى تحسّس وعي أعلام التراث النقدي والبلاغي العربي بإشكال اللفظ والمعنى، وما يترتب على ذلك من تبصر ببنية الخطاب عموماً، يستدعي العناية بالأصول اللغوية وتأثيرها في المسائل الأسلوبية لما للعلائق بين المجالين من صلات حميمة. وتتأكد هذه الصلات الحميمة بين المباحث الأسلوبية والنقدية والآراء اللغوية لدى بعض النقاد والبلاغيين خاصة، كالجاحظ، الذي بالإضافة إلى رأيه في أقسام البيان عامة وملاحظاته المتعلقة بالظاهرة اللغوية خاصة مما يشكل إطاراً عاماً لهذه المباحث، تمتد تصوراته الأسلوبية ومقاييسه البلاغية في رسوخ في نظريته في الكلام، إذ هو: "أول مفكر عربي نقف في تراثه على نظرية متكاملة تقدر أن الكلام، وهو المظهر العملي لوجود اللغة المجرد، ينجز بالضرورة في سياق خاص يجب أن تراعى فيه، بالإضافة إلى الناحية اللغوية المحضة، جملة من العوامل الأخرى كالسامع والمقام وظروف المقال وكل ما يقوم بين هذه العناصر. غير اللغوية "Extra linguistique من روابط" (1).
ولئن كان تفاعل هذه العناصر سيكون المسؤول عن تحديد خصائص الكلام، فإن المرور إلى معاينة هذه الخصائص يستوجب الاقتراب من تصور الجاحظ أوجه استعمال الظاهرة اللغوية، وسنجد في محتوى الحدود الضابطة مضامين مصطلح البلاغة، وما يدور في مجالها، أو يتقاطع مع فعاليتها كالفصاحة، والبيان (2) حين تترادف دلالته مع دلالة البلاغة والفصاحة ما يقرب من هذه الحقيقة.
وهذا ما نجلوه من استقراء كل من عبد السلام المسدي وحمادي صمود، إذ رغم اتفاقهما على تنوع المضامين المستخلصة من تلك المصطلحات، نجد المسدي يؤكد وعي الجاحظ بثنائية توظيف الظاهرة اللغوية بين دلالة غايتها البث كما تتبدى في الاستعمال اللغوي العادي، ودلالة أسلوبية غايتها الخلق الفني كما تظهرها خصائص النص البنائية (3)، في حين يتحفظ صمود إزاء هذا الفصل مبوئاً وظيفة الفهم والإفهام الصدارة، لكنه لا يلبث وهو يتعقب دلالات مصطلح "بيان" حين يتطابق مع مصطلحي "فصاحة" و"بلاغة" أن يقرَّ بما يتوافق مع الوظيفة الشعرية للخطاب، وذلك حين يرى أن مضمون "بيان" يتجاوز مرتبة الكشف عن المعنى من أي طريق كان إلى: "كيفية في بلوغ تلك الغاية وهيئة مخصوصة يكون عليها الخطاب تجعله معطى حضورياً قائماً بذاته بينما كان في الفعل اللغوي العادي غائباً وراء ما يؤديه" (4).
ولقد أشار غير حمادي صمود إلى مكانة وظيفة الفهم والإفهام في بلاغة الجاحظ حيث يرى أمجد الطرابلسي أنه من أجل هدف تسهيل إفهام الفكرة فقط، يكون من الضرورة الاعتناء بشكل الخطاب لدى الجاحظ طبعاً (5)، إلا أنه ورغم وجاهة الإقرار بتبوّء وظيفة الفهم والإفهام مكانة متقدمة لدى الجاحظ وفي التراث النقدي العربي كله، إذ إن جدوى الخطاب وفائدة القول ركنان مكينان في كل مباشرة كلامية، ولا أدل على ذلك من مكانة المعنى في كل محاولة نقدية وتعدد ما أسند إلى هذه الدلالة من مفاهيم (6)، فإن الإلحاح على تعهد الصياغة بالعناية البالغة وترسيخ مفهوم الصنعة في الشعر خاصة، مع الإشارة إلى حضور الأنواع الأدبية المختلفة وخاصة الخطابة والشعر، وكذلك القرآن باعتباره قمة البيان المعجز في كل محاولة تقنين لظاهرة الأسلوب، يفسح المجال للإقرار بأن القدماء واعون بتحرك القول ضمن مسار الاستعمال المألوف الهادف إلى الاتصال أساساً، ومسار الاستعمال غير المألوف، وإن لم ينتف منه القصد إلى الفائدة، ذلك أنه مع الإشارة إلى أن استخلاص مقاييس الأسلوب كان شاملاً لكل كلام بليغ، إلا أن ذلك لا يعدو من منظور أولي ضبط الأسس والقواعد العامة التي تأخذ طابعها المتخصص عندما يتعلق الأمر بنوع أو بآخر، ولا أدل على ذلك من إقرارهم أن القرآن صيغ بأسلوب العربية غير أنه معجز فوق مقدور البشر، معنى ذلك أن عملية التشكيل الفنّي للظاهرة البلاغية في القرآن الكريم ترتقي درجة الإعجاز وتتفرد من ثمة بحكم طريقة الصياغة وأساليب تشكيلها، وكذلك الشعر، إذ يجمعون على تميز خطابه بخصوصية في تشكيل المعنى، حيث يترسخ الوعي بخصوصية هذا الخطاب في مقابلة الشعر بالنثر، علماً بأن الوعي بالخواص البنيوية للغة كل نوع متفاوتة لدى النقاد، لكنها حاضرة بكل وضوح لدى البعض كالجاحظ وأبي حيان التوحيدي (7)، وشديدة الوضوح لدى الفلاسفة الإسلاميين (8).
فالخطاب الشعري في الثقافة العربية الإسلامية قديماً لا يعدو من منظور أصول المعاني أن يكون مكروراً، إذ إن ترسيخ القيم التي أفرزتها قناعات ثقافية شتى، وربط الشعر بالقديم الراسخ في الجاهلية حصر للفعل الإبداعي في الشعر في الإخراج المتجدد للمألوف، وفي هذا الإخراج مفارقة إذ إنه إذ يظل أميناً للخطوط العريضة لمسارات المعنى في كل تفرعاته ينحت الشاعر لنفسه التفرد والتميز في الصورة المخرجة للمعنى المتميزة بخصوصية العبارة، أو الاختراع الجزئي المتمثل في التفريع والتوليد، من هنا لم يكن المتلقي يبحث عن الجديد بالدرجة الأولى بقدر ما كان يستهدف اللذة الحاصلة من التجدد الطارئ على المعروف.
ولقد تبدى الوعي بتفرد بنية القصيدة الشعرية مبكراً إذ يكفي استطلاع آراء اللغويين من أمثال الخليل بن أحمد القائل: "الشعراء أمراء الكلام يصرفونه أنى شاءوا ويجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده ومن تصريف اللفظ وتعقيده ومد المقصور وقصر الممدود والجمع بين لغاته والتفريق بين صفاته، واستخراج ما كلّت الألسن عن وصفه ونعته والأذهان عن فهمه وإيضاحه، فيقربون البعيد ويبعدون القريب ويحتج بهم ولا يحتج عليهم ويصورون الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل" (9)، وابن الجمحي في تأكيده دور الضرورة الشعرية النابعة من قيود الوزن والقافية في قولـه: "والمنطق على المتكلم أوسع منه على الشاعر والشعر يحتاج إلى البناء والعروض والقوافي، والمتكلم مطلق يتخير الكلام" (10)، للتأكد من حضور مفهوم النوع الأدبي في التقنين لبنية النص ومقاييس الأسلوب. هذا الحضور الذي يأبى اختزال خصوصية الشعر في اعتباره نثراً تزينه موسيقى – على حد عبارة حمادي صمود – إلى الإقرار بأنه حسب رأيه أيضاً "مغاير للنثر منفرد ببنية لغوية متميز بلغة لا تخضع لنفس القوانين التي تترتب حسبها اللغة والأشياء في النثر" (11)، وهذا الوعي بتميز البنية اللغوية في كل نوع ليس إلا انعكاساً لتباين الوظائف المسندة إلى كل واحد منها.
أما شأن هذه المسألة عند الجاحظ، فإننا نراه قد أفرد بلاغة النثر بقسم من البيان والتبيين واستشهد عليها بأنواع النثر المتداولة في عصره حيث "أقام بذلك الدليل على أنه يعتبر النثر الفني ندا للشعر كفؤاً" (12)، فإذا أدركنا أنه حاد الوعي بتفرد الشعر ببنية مخصوصة تجعله مستعصياً على الترجمة (13)، أصبح بالإمكان الإقرار بأن حضور هذه الأنواع في بلاغته سيطبع تصوره لمشكلة اللفظ والمعنى، والبنية العامة بطابع التداخل، أو ازدواجية النظرة وسيغلب هيمنة نوع أو نوعين في استخلاص مفاهيم هذا المستوى أو ذاك، فحديث الجاحظ عن البنية العامة الذي ينحصر بين درسه النظم وإلحاحه على تلاحم الأجزاء وحسن الوصف نابع من استقراء بنية النص القرآني والشعر أساساً.
هذا الإطار العام مكّن الجاحظ من تحقيق الوعي بمرتبتي الكلام: العادي والأدبي والفصل بينهما، ذلك أنه يرى أن "كلام الناس في طبقات كما أن الناس أنفسهم في طبقات، فمن الكلام الجزل والسخيف والمليح والحسن، والقبيح والسمج، والخفيف والثقيل، وكله عربي وبكل قد تكلموا، وبكل قد تمادحوا وتعايبوا" (14). هذه المساحة العامة للكلام الواقعة بين قطبي السخيف السوقي الصادر عن طبقة العامة دون شك والمليح الحسن الذي يكون محصلة الصنعة والاعتناء الذي يضعه أهل القول البليغ، تتحدد بخواص في الكلام ذاته، ذلك أن "العامة ربما استخفت أقل اللغتين أو أضعفهما، وتستعمل ما هو أقل في أصل اللغة استعمالاً وتدع ما هو أظهر وأكثر" (15)، في حين يكون البصر بجوهر الكلام البليغ عند رواة الكتاب أعم، وعلى ألسنة حذاق الشعراء أظهر، هذا الجوهر المتحقق بالاعتماد على الألفاظ المتخيرة والمعاني المنتخبة وعلى "الألفاظ العذبة والمخارج السهلة، والديباجية الكريمة، وعلى الطبع المتمكن وعلى السبك الجيد، وعلى كل كلام لـه ماء ورونق، وعلى المعاني التي إذا صارت في الصدور عمرتها وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحت للسان باب البلاغة ودلّت الأقلام على مدافن الألفاظ، وأشارت إلى حِسان المعاني" (16).
وهذا الصنف من الكلام المتميز بالخصائص الفنية يقتضي الإخراج المتأني الواعي كما يتحقق في التنقيح والصنعة وحذف فضول الكلام حسب ما تشخصه مقولة: خير الشعر الحولي المنقح (17)، أو العناية البالغة بالخطابة وتدبير القول خاصة إذا دعت المقاصد إلى ذلك. وعلى العموم يحتاج البيان في هذا المستوى الفني "إلى تمييز وسياسة، وإلى ترتيب ورياضة، وإلى تمام الآلة وإحكام الصنعة" (18). من هنا يتحقق للمستويين السابقين ضوابط تتنزل في مجرى "المقابلة التي أقامها الجاحظ بين "البيان" و"حسن البيان" (19). فالمستوى العادي يلح على الإفهام لمجرد الإبلاغ والإخبار في حين يتحقق في المستوى الثاني من توظيف الظاهرة اللغوية تحسين الإبانة، كما يتمثل ذلك في سياق تعليق الجاحظ على قول العتابي حين زعم أن كل من أفهمك حاجته فهو بليغ، إذ يرى الجاحظ أنه "لم يعن أن كل من أفهمنا من معاشر المولدين والبلديين قصده ومعناه، بالكلام الملحون، والمعدول عن جهته، والمصروف عن حقه، أنه محكوم له بالبلاغة كيف كان، بعد أن نكون قد فهمنا عنه. فمن زعم أن البلاغة أن يكون السامع يفهم معنى القائل، جعل الفصاحة واللكنة، والخطأ والصواب، والإغلاق والإبانة، والملحون والمعرب، كله سواء... وإنما عني العتابي إفهامك العرب حاجتك على مجاري كلام العرب الفصحاء" (20).
وتأسيساً على ما سلف يكون تحرك الجاحظ لضبط خصائص الصياغة الجميلة المخرجة للقول وفق معايير البلاغة شاملاً، يطول اللفظة في مستواها الإفرادي ثم في علائقها بالمعنى، إلى غاية فهم لحمة الوحدات في السياق الواحد في ما أسماه بالنظم أو حسن التأليف والنسج. ونكتفي بالإشارة إلى رصد الجاحظ مبدأ الاختيار الأول المتجسد في اللفظة والمنطلقات المؤسسة لهذا الاختيار، حيث يترسخ اشتراط الجاحظ في اللفظة المفردة انسجام وحداتها الصوتية المشكلة لبنيتها كما يتحقق ذلك في ائتلاف هذه المكونات مما ينتج عنه صفات يجمل بعضها في "ما رَّق وعذب وخف وسهل" (21) أو غيرهما مما أجمله أيضاً في حاجة المنطق "إلى الحلاوة والطلاوة كحاجته إلى الجزالة والفخامة" (22)، وأوصاف أخرى تبدو انعكاساً لتصور أخلاقي من مثل قوله أن يكون اللفظ كريماً في نفسه (23) ونكتفي بهذه الإشارة رغم تأكيد أهمية شرط الاختيار الأول المتمثل في اللفظ المنتقى وفق الشروط المحددة ودوره في بلاغة النص عامة لنمرّ إلى العنصر الأهم في موضوعنا الذي يتجسد في علاقة اللفظ بالمعنى.
فرغم إشارة الجاحظ إلى إمكان وجود معنى بدون لفظ فإنه يرى مستحيلاً أن "يكون اللفظ اسماً إلا وهو مضمن بمعنى، وقد يكون المعنى بلا اسم، ولا يكون اسماً إلا وله معنى" (24). والتمييز بين الحقلين لم يمنع من الدعوة إلى إحداث أشكال من الائتلاف بينهما أو تطابقهما. ويتحقق هذا الائتلاف في مستويات شتى منطلقها أساس وجودي – إن صح الوصف – يقوم على مقابلة المعنى واللفظ بالروح والجسد إذ إن "الأسماء في معنى الأبدان والمعاني في معنى الأرواح. اللفظ للمعنى بدن، والمعنى للفظ روح" (25)، وتتبدى عملية الاحتواء اللفظي للمعنى كتضمن البدن للنفس فالنفوس "المضمنة كالمعاني المضمنة" (26).
هذا المستوى الكوني يضيق ليتلبس بلبوس الأصول الاجتماعية والمنظور الأخلاقي ذلك أن "من أراد معنى كريماً فيلتمس لـه لفظاً كريماً، فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف" (27)، ثم تتبسط المقابلات في أزواج ثنائية تمتد لتحكم صلة المعنى باللفظ خارج أطر المعتقدات الاجتماعية والأخلاقية لتتأسس وفق خواص في المعنى ذاته من حيث الوضوح والالتباس وذلك في قوله: "إنما الألفاظ على أقدار المعاني، فكثيرها لكثيرها، وقليلها لقليلها، وشريفها لشريفها، وسخيفها لسخيفها، والمعاني المفردة البائنة بصورها وجهاتها، تحتاج من الألفاظ إلى أقل مما تحتاج إليه المعاني المشتركة، والجهات الملتبسة" (28)؛ فإذا كان بدء العلاقة بين الطرفين يقوم في الملاحظة السابقة على أساس كمّي فإن تفاعلهما تعمقه طبيعة المعنى ذاته، ذلك أن الغموض والالتباس يحتاجان إذا قصد التوضيح إلى الإطالة والشرح حيث إن عملية التفاعل محكومة بخصوصية في المعنى ذاته، ويتأكد هذا المجرى من منظور الكم أيضاً، فالمعاني "إذا كثرت والوجوه إذا افتنت، كثر عدد اللفظ، وإن حذفت فضوله بغاية الحذف" (29).
وانطلاقاً من هذه العلاقة بين المعنى واللفظ القائمة على أسس وجودية واجتماعية، ومحكومة بفكرة الإبداع، يكون إيلاء أحد الطرفين الأولوية في التعبير مساً وتشويهاً لعملية التعبير نفسها، فشر "البلغاء من هيّأ رسم المعنى قبل أن يهيئ المعنى عشقاً لذلك اللفظ وشغفاً بذلك الاسم حتى صار يجر إليه المعنى جراً ويلزقه إلزاقاً" (30)، ذلك أن عدم إيفاء المعنى الغامض في ذاته حقه في اللفظ الملائم والمطابق والتعلق ببراعة اللفظ ونشدانه إحداث لعدم التوازن بين طرفي الدلالة "فاختر من المعاني ما لم يكن مستوراً باللفظ المنعقد مغرقاً في الإكثار والتكلف فما أكثر من لا يحفل باستهلاك المعنى مع براعة اللفظ وغموضه على السامع بعد أن يتسق له القول وما زال المعنى محجوباً لم تكشف عنه العبارة فالمعنى بعد مقيم على استخفائه وصارت العبارة لغواً وظرفاً خالياً" (31). وتأسيساً على ما سبق تكون "القاعدة الأولى والعامة لعلاقة اللفظ بالمعنى تقوم عنده على مطابقة اللفظ للمعنى" (32) والجاحظ صريح في استخلاصه هذا المبدأ إذ يقول: "من علم حق المعنى أن يكون الاسم لـه طبقاً، وتلك الحال لـه وفقاً، ويكون الاسم لـه لا فاضلاً ولا مفضولاً، ولا مقصراً، ولا مشتركاً، ولامضمناً" (33). وعدم إيفاء هذا الأصل حقه من العناية يؤدي إلى اختلال التوازن بين الألفاظ والمعاني فيمتد أحد الطرفين على حساب الآخر، فالزنادقة: "أصحاب ألفاظ في كتبهم، وأصحاب تهويل، لأنهم حين عدموا المعاني ولم يكن عندهم منها طائل، مالوا إلى تكلف ما هو أخصر وأيسر وأوجز كثيراً" (34).
ويأخذ مبدأ المطابقة والمشاكلة بين المعنى واللفظ مدى أوسع يصبح بمقتضاه تلازم المعنى واللفظ انعكاساً للوظيفة المبتغاة أو تمشياً مع خاصية في اللغة كقيامها على غزارة الدلالات، أو محكوماً بمفهوم للنوع الأدبي، فمبدأ الوضوح واعتماد الدلالة التصريحية في علاقة اللفظ بالمعنى مشروطان بتحقيق وظيفة تبليغية مباشرة إفهامية، كما يستشف ذلك من قول الجاحظ معرفاً البيان بأنه "الدلالة الظاهرة على المعنى" (35)، وأن "أحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه" (36)، هذه الضوابط التي تجد سندها في مقياس التزامن الذي يجسد التقبل الآني للدال والمدلول وهو ناتج عن "مراعاته للمقامات ولا سيما المقام الخطابي" (37)، يظهر ذلك في مثل قوله ملخصاً نتيجة إيفاء كثير من شروط التطابق بين المعنى واللفظ ضوابطها التي تكون محصلتها امتناع أن يكون "اللفظ أسرع إلى السمع من المعنى إلى القلب"
(38)، وأن الاسم لا "يستحق اسم البلاغة حتى يطابق معناه لفظه، ولفظه معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك" (39)، لكن إذا كان هذان المبدآن يجسّدان أثر العناصر الحافة بالخطاب في بنية الخطاب نفسه تدعمهما مقتضيات الخطابة كنوع يقتضى خصائص منها الوضوح والتزامن باعتبارها عوامل تكفل للخطاب نجاعته وجدواه، وتتمشى مع الدلالة الصريحة للغة، إلا أن هذا الموقف المؤسس على الاهتمام بفعالية الدلالة المباشرة ينافسه الإقرار بثراء الدلالة اللغوية المتأتية من إمكان التعبير المتعدد والمتنوع عن المتصور الواحد، إذ إن من مميزات لغة الأسلوب الأدبي عند الجاحظ "اعتمادها على الطاقات الإيحائية في الظاهرة اللغوية أكثر من اقتصارها على طاقاتها التصريحية" (40). فإذا كان لابد من الإقرار بأن العدول عن التصريح إلى الإيحاء كان في بلاغة الجاحظ محكوماً بمقتضيات "المقام والمواضعات الاجتماعية من ناحية، وأصول الاعتقاد الاعتزالي من ناحية أخرى" (41)، فإنه لابد من الإشارة أيضاً إلى أن للنوع الأدبي كما يتجسد في الشعر هنا، والكتاب المعجز، دوراً حاسماً في تأكيد دور الطاقة الإيحائية في كسر مبدأي الوضوح والتزامن باعتبارها مميزاً رئيسياً للأسلوب الأدبي، والامتداد بالدلالة إلى مدى أوسع تحتاج بمقتضاه إلى تعميق النظر لتحقيق الفهم، هذا الفهم الذي يكون محصلة تفاعل المتلقين مع الطاقات الكامنة في النص حيث يتيح لها هذا الكمون الانفتاح على مبدأ التأويل لاستجلاء خفاياه.
إن الاصطلاحات المحددة لطاقة الإيحاء في اللغة التي تتنوع بتنوع المواقع المجلية لهذه الخاصية التي يجمل الجاحظ معظمها في "الوحي والإشارة والإيجاز والكناية والتعريض" (42)، تجد مبررها الأكيد في الخطاب الشعري عموماً والقرآن الكريم باعتباره خاصية فردية في اللغة العربية خصوصاً. فالإيحاء يوفر إمكان التعبير المتعدد عن المعنى الواحد، إذ إن الناس قد يستعملون "الكناية وربما وضعوا الكلمة بدل الكلمة يريدون أن يظهروا المعنى بأبين اللفظ" (43)، إلا أنه" ربما كانت الكناية أبلغ في التعظيم، وأدعى إلى التقديم، من الإفصاح والشرح" (44)؛ وهذا المبدأ يتفاعل مع متطلبات النوع الأدبي. فاقتضاب اللفظ وقصد الإيجاز إنما هو خاصية شعرية إذ من خواص اللغة الشعرية قيامها على الوحي والإشارة والتكثيف. من هنا كانت الأمثلة الشعرية للإيجاز لدى الجاحظ تقتضي إعمال الذهن لمحاصرة المعنى، إذ إن مبدأ التزامن في تلقي الدال بالسمع والمعنى بالقلب ينحصر ليتيح انفساحاً زمنياً يستوجبه تتابع دوائر الصياغة للوصول إلى المعنى. فمن الأمثلة التي يضربها للإيجاز وحذف الفضول قول بعضهم يصف "كلاباً في حال شدها وعدْوها، وفي سرعة رفع قوائمها ووضعها، فقال: كأنها ترفع ما لم يوضع.
... ومن الإيجاز المحذوف قول الراجز،ووصف سهمه حين رمى عيراً كيف نفذ سهمه وكيف صرعه، وهو قوله:
"حتى نجا من جوفه وما نجا" (45).

ولاشك أن التضاد الدلالي في ترفع ويوضع والتجانس في نجا المكررة يركز حضور الصياغة (46) نفسها ويحقق إعجاباً أو لذة بالإضافة إلى انه يدهش الذهن بتصادم المدلولات في السياق الواحد مما يتجاوز بالقول حد الإفهام فقط إلى مستوى الإطراب أو التعجيب.
والإيجاز خاصية من خواص الأسلوب في القرآن الكريم، يقول الجاحظ إن له كتاباً جمع فيه آياً من القرآن "تعرف بها فصل ما بين الإيجاز والحذف،وبين الزوائد والفضول والاستعارات، فإذا قرأتها رأيت فضلها في الإيجاز والجمع للمعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة... فمنها قوله حين وصف خمر أهل الجنة ]لا يصدّعون عنها ولا ينزفون[ (47) وهاتان الكلمتان قد جمعتا جميع عيوب خمر أهل الدنيا" (48). وتكثيف الدلالة الذي يتجسد مقوماً رئيسياً في النص الكريم، يؤكد مبدأ التأويل الذي هو بالإضافة إلى أنه نتاج استغلال الطاقة الإيحائية في اللغة عموماً، يمثل أصلاً في التعامل مع أسلوب القرآن الكريم القائم على استغلال هذه الطاقة. هذا الاستغلال الذي يترتب عليه شحذ الذهن لمحاصرة الدلالة التي تعمق مبدأ التفاوت بين المتلقين في فهم فحوا الخطاب. ومبدأ التأويل طبيعي إذ لو لم يكن لكان ((ينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوراة والإنجيل متفقاً على تأويله، كما يكون متفقاً على تنزيله، ولا يكون بين جميع النصارى واليهود اختلاف في شيء من التأويلات. وينبغي لك أن لا ترجع إلاّ إلى لغة لا اختلاف في تأويل ألفاظها، ولو شاء الله أن ينزل كتبه ويجعل كلام أنبيائه وورثة رسله لا يحتاج إلى تفسير لفعل، ولكنّا لم نر شيئاً من الدين والدنيا دفع إلينا على الكفاية، ولو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة، وذهبت المسابقة والمنافسة، ولم يكن التفاضل، وليس على هذا بنى الله الدنيا" (49).
إن مبدأ التأويل يُحطّم مقولة الوضوح والتزامن في الخطاب ليبني الدلالة في طبقات من المعنى يصل إليها الذهن بعد فترة، ذلك أن مبدأ الغموض في النص يتماشى مع لذة الذهن في استكناه المجهول والطرق على باب الغامض مراراً لينفتح، يروي عبد القاهر الجرجاني عن الجاحظ فيما يتعلق بفضيلة الفكر والنظر فيرى أن: "رهان العقول التي تستبق ونضالها الذي تمتحن قواها في تعاطيه هو الفكر والرّوية والقياس والاستنباط" (50). ذلك "لأن الشيء من غير معدنه أغرب،وكلما كان أغرب كان أبعد في الوهم وكلما كان أبعد في الوهم، كان أطرف وكلما كان أطرف كان أعجب، وكلما كان أعجب كان أبدع" (51).
وهذه الازدواجية القائمة على الدعوة إلى المشاكلة والمطابقة بين طرفي الدلالة لتحقيق الوضوح في الخطاب والإقرار بطاقة الإيحاء في اللغة تنعكس في موقف مزدوج من الصنعة أيضاً. صحيح أن الدعوة إلى الوسطية في انتقاء المعجم اللفظي في أنه "كما لا ينبغي أن يكون اللفظ عامياً وساقطاً سوقياً، فكذلك لا ينبغي أن يكون غريباً وحشياً" (52)، تبدو من مقتضيات تحقيق الإفهام كما يتجسد في وضوح الدلالة، إلا أن تحقيق الغموض المحوج إلى التأويل لا يقتضي توظيف الغريب أو الوحشي، ذلك أن خفي الدلالة يولده السياق أساساً، وهذا لا يتنافى مع ما يشرطه الجاحظ من مقاييس أسلوبية. وإذن فموقف الجاحظ المزدوج من الصنعة يؤكده تحرك الصياغة في مسارين رئيسيين يشملان أوساطاً لا شك بهما، فغاية الإفهام وتحقيق الوضوح يكونان مدعاة إلى الاقتصاد في تأليف الكتاب، حتى لا "يهذّبه جداً، وينقّحه ويصفّيه ويروقه، حتى لا ينطق إلا بلبّ اللبّ، وباللفظ قد حذف فضوله، وأسقط زوائده، حتى عاد خالصاً لا شوب فيه، فإنه إن فعل ذلك، لم يفهم عنه إلا بأن يجدد لهم إفهاماً مراراً وتكراراً" (53)، ومن صفات البليغ أيضاً ان "لا يدقق المعاني كل التدقيق، ولا ينقح الألفاظ كل التنقيح، ولا يصفيها كل التصفية، ولا يهذبها غاية التهذيب، ولا يفعل ذلك حتى يصادف حكيماً، أو فيلسوفاً عليماً، ومن قد تعود حذف فضول الكلام، وإسقاط مشتركات الألفاظ" (54). وإذا كانت الإشارة الأخيرة تكشف عن انعكاس المستوى المعرفي والثقافي للفئة المتوجه إليها بالخطاب في بنية هذا الخطاب، فإن للنوع الأدبي أيضاً دوراً في القصد إلى التنقيح والتحكيك مثلما تجسد في تسمية بعض القصائد "بالحوليات والمقلدات والمنقحات والمحكمات" (55)، ومثلما تختزله هذه المقولة: "خير الشعر الحولي المنقح" (56). وكذلك الأمر في الخطابة إذ أنه نسب إلى البعيث الشاعر قوله: "إني والله ما أرسل الكلام قضيباً خشيبا، وما أريد أن أخطب يوم الحفل إلا بالبائت المحكك" (57). ومع الإقرار بالاختلاف في قصد الصنعة بين الشعر والخطابة إذ أن التدبير في الشعر أشيع إلا أنهم "كانوا مع ذلك إذا احتاجوا إلى الرأي في معاظم التدبير ومهمات الأمور، ميّثوه في صدورهم، وقيدوه على أنفسهم، فإذا قومه الثقاف وأدخل الكير، وقام على الخلاص، أبرزه محككاً منقحاً، ومصفى من الأدناس مهذباً" (58).
وإذا كان هذا الموقف المزدوج من الصنعة انعكاساً لموقف مزدوج يدعو إلى الوضوح ويقر الوحي والإشارة والتكثيف ويتماشى مع خاصية الغزارة في الدلالة اللغوية، فإنه محكوم أيضاً بمنظور اجتماعي ذي طابع معرفي وثقافي تتنزل فيه الطبقة منزلة معرفية أساساً في ثنائية العامة والخاصة، ذلك أن العامة في هذا التصور ليست مضادة للخاصة إلا في الدرجة، بحيث يكون موقعها في سلّم المعرفة أدنى فحسب،وهذا يعني انضواءهما معاً تحت لواء الثقافة عموماً، مما يجعل فئة السوقة والبلديين خارج هذا الحصر، وهو موقف يفسر مراتب القول البليغ المتدرج في مستويات تمشياً مع المتلقي ومستواه ومصادراً في الآن نفسه على النوع، إذ أن عموم الخطابة وذيوعها في مختلف الأوساط والمناسبات يجعل بنيتها انعكاساً لموقف المتلقي معرفياً فتتدرج صياغتها بين قصد التسهيل وقصد الإيجاز والغموض، ونفس الشيء في الشعر، ذلك أن بنيته النوعية لا تتنافى مع قدراته على تلبية أذواق الجميع إلى أن يسموا في قصائد السماطين والطوال التي تنشد يوم الحفل، والتي تلتمس بها صلات الأشراف والقادة وجوائز الملوك والسادة التي لا بد من أن يقصد فيها "صنيع زهير والحطيئة وأشباههما" (59)، والقرآن متعاطى في أوساط العامة والخاصة جميعاً إلاّ أن استيعاب مقاصده مختلف، وهذا المنظور التصنيفي يحدده الجاحظ في قوله: "وإذا سمعتموني أذكر العوام فإني لست أعني الفلاحين والحشوة والصناع والباعة، ولست أعني أيضاً الأكراد في الجبال وسكان الجزائر في البحار، ولست أعني من الأمم مثل البير والطيلسان ومثل موفان وجيلان ومثل الزنج وأشباه الزنج، وإنما الأمم المذكورون من جميع الناس أربع: العرب، وفارس، والهند، والروم. والباقون همج وأشباه الهمج. وأما العوام من أهل ملتنا ودعوتنا، ولغتنا وأدبنا وأخلاقنا، فالطبقة التي عقولها وأخلاقها فوق تلك الأمم ولم يبلغوا منزلة الخاصة منّا. على أن الخاصة تتفاضل في طبقات أيضاً"(60).
ولكن كيف يستقيم هذا الفهم الداعي إلى مطابقة المعنى واللفظ، مع الإيمان بأن الألفاظ "تكون كسوة لتلك المعاني" (61)، وأن وظيفتها تزيين المعاني(62)، بل إن المسألة لتمتد إلى الإقرار بإمكان عدم التكافؤ بين قطبي الدلالة من منظور القيمة، وإنّ المعنى المزين باللفظ قد ينقل إلى مقدار أعلى من مقداره، فالمعاني "إذا كسيت الألفاظ الكريمة، أو أكسبت الأوصاف الرفيعة، تحولت في العيون عن مقادير صورها وأربت على حقائق أقدارها، بقدر ما زينت، وحسب ما زخرفت. فقد صارت الألفاظ في معاني المعارض، وصارت المعاني في معنى الجواري" (63)، وإذا كان هذا ترسيخاً لمبدأ الزخرفة المكين في قناعات النقاد القدماء عموماً، فإنه لا يناقض ما سلف من تأكيد ضرورة التطابق بين المعنى واللفظ، ذلك أن الأمر هنا متعلق بالصنعة وبالمبالغة في الإخراج الصوري للمعنى، وهذا يدعو إلى عرض رأيه في صور المعاني التي تزيد رأيه في المعاني والألفاظ والصلات بينها تحديداً وتدقيقاً. وتأخذ علاقة المعنى المحتوى في اللفظ بالاستناد إلى الأصل الفلسفي في الصورة والهيولى اصطلاح صورة المعنى، وهي أدق في إيفاء علاقة المستويين المتكاملين في النص وصفهما إذا إن المعنى المتلبس بالصورة لا وجود له خارج مجالها.
ومفهوم الصورة يشمل كل مراتب المعاني المتلبسة بالصورة،فهو ليس خاصية تتعلق بالقول البليغ، إذ إن كل إخراج للمعنى في صياغة ما بناء لصورته، يصف الجاحظ بعض رسائله بأنه صوّرها في أحسن صورة (64). والانحراف في رواية نادرة "يخرجها عن صورتها" (65)، فالإعراب "يفسد نوادر المولدين، كما أن اللحن يفسد كلام الأعراب، لأن سامع ذلك الكلام إنما أعجبته تلك الصورة وذلك المخرج، وتلك اللغة وتلك العادة، فإذا دخلت على هذا الأمر – الذي إنما أضحك بسخفه وبعض كلام العجمية التي فيه – حروف الإعراب والتحقيق والتثقيل وحولته إلى صورة ألفاظ الأعراب الفصحاء،وأهل المروءة والنجابة انقلب المعنى مع انقلاب نظمه، وتبدلت صورته" (66)، وتبدل الصورة وانقلاب المعنى إقرار بتكامل المستويين، هذا التكامل الذي يأخذ طابعاً خصوصياً ومتفرداً في الشعر ذلك أن صورة المعنى فيه تتشكل في صياغة يراعى فيها خصوصيتها ذاتها، وهذا الإخراج المتميز للشعر يهبه التمايز ضمن أشكال القول البليغ فيكسبه التفرد بالمقابل إلى أشكال التعبير في الحضارة الواحدة ذلك أن "الشعر لا يستطاع أن يترجم ولا يجوز عليه النقل، ومتى حول تقطع نظمه وبطل وزنه، وذهب حسنه وسقط موضع التعجب لا كالكلام المنثور" (67).
إن الإقرار باستعصاء الشعر على الترجمة تأكيد لقيمة الشكل في الشعر لا ريب، لكنا نرى الشكل معادلاً للصورة في هذا المقام،ومن هنا يكون شكل الشعر المتميز محتوياً على معناه، فموضع التعجب من الشعر كما ورد في نص الجاحظ السابق ليس نتاج مستويات صوتية فحسب، بل هو خلاصة تفاعل عناصر الكلام في نظم يتهدده التقطع إن هو ترجم. فالإلحاح على "الشكلانية" هنا متوافق مع خواص الشعر الذي تولى فيه اللغة ونسيج البناء الأولية، من هنا نجد المدخل إلى قراءة مقولة الجاحظ في أن "المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والبدوي والقروي، والمدني، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة السبك. فإنما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير" (68. لا شك أن للصراع الشعوبي وموقف الجاحظ السياسي والثقافي عامة أثراً في إصدار هذا الحكم (69)، فضلاً عن أنه بالاعتماد على المستوى النقدي من المقولة يظهر القبول "لمبدأ الفلسفة الأرسطية التي تقدم الصورة على الهيولى أو الشكل على المادة" (70)؛ على أننا لا نرى في مبدأ التقديم إخلالاً بالهيولى أو المادة، إذ إنه بالإضافة إلى العلاقة الجدلية بين الصورة والمادة التي تنفي وجود أحدهما في غياب الآخر، يتنزل مبدأ الهيولى في هذا المقام ضمن مستويين، إذ بمعادلته للمعنى يتحدد لـه وجودان إن صح الوصف، فالمعنى خارج مجال الصورة مادة ملقاة في الطريق، كأصول عامة منثورة في الموجودات كلها ذلك أن كل موجود ناطق بالدلالة، ناهيك عن أن الأغراض أو أصولها التي هي مصادر للشعر مادة ملقاة في الذاكرة العامة راسخة في الديوان المعرفي للأمة، وما دام المقام مقام شعر، فالإخراج الصوري للمعنى فيه إنما هو سبك لهذه المادة الملقاة أو المعروفة في بناء جديد، فتولد كياناً جديداً، أصوله معروفة وخواصه الحيوية جديدة. وفي هذا السبك الجديد ميلاد جديد للمعنى يتم عبر التوليد أو التفطن للغريب وسط الملقى المألوف، أو التعامل مع المعروف على أنه بمجرد أن يتلبس بالصورة يوهب الوجود المتجدد فيستحيل محتوى بعد أن كان موضوعاً. فللمعنى عنده دلالتان: دلالة المحتوى المتلبس بالصياغة أو كما شاع قديماً صورة المعنى، وأسس عليه عبد القاهر فهمه للجاحظ نفسه ولفكرته في الصورة والنظم (71)، ودلالة المعنى المعادل للمادة الأولية. "وعلى أساس هذا التفسير يكون الناس الذين ظنوا أن "المعنى" في نظرية الجاحظ يشير إلى عدم التفاوت في "العملية الفكرية" القائمة وراء البناء الفني، قوماً مخطئين في تصورهم. فهم قد أساؤوا فهم ما رمى إليه الجاحظ، لأنه لم يتجاوز بما يعني "المادة الأولية" التي تتولاها "الروية" بالصياغة، فخلطوا – بذلك – بين تلك المادة الضرورية المشاعة وبين "الروية" الفكرية التي تؤسس "وحدة متكاملة" من اللفظ والمعنى تأسيساً متفاوتاً في القدرة على التأثير. فأرجعوا الفضيلة إلى اللفظ وحده" (72).
وتأسيساً على ما سلف يمكننا الاقتراب من رأيه في أبيات عنترة "في صفة الذباب، فإنه وصفه فأجاد صفته فتحامى معناه جميع الشعراء فلم يعرض له أحد منهم. ولقد عرض له بعض المحدثين ممن كان يحسن القول بمبلغ من استكراهه لذلك المعنى، ومن اضطرابه فيه، أنه صار دليلاً على سوء طبعه في الشعر. قال عنترة:
جادت عليه كل عين ثرّة



فتركن كل حديقة كالدرهم


فترى الذباب بها يغني وحده



هزجاً كفعل الشارب المترنم


غرداً يحك ذراعه بذراعه



فعل المكب على الزناد الأجذم



ولم أسمع في هذا المعنى بشعر أرضاه غير شعر عنترة" (73)، فإننا لا نرى بين تصوره للمعنى في قوله السابق، ومفهومه للصياغة والصورة تناقضاً، ذلك أن المعنى – كما بدا لنا في النص السابق – معادل للمحتوى بدليل تعليقه في آخر المقطوعة بقوله: "إنه لم يسمع في هذا المعنى بشعر أرضاه غير شعر عنترة"، فالمعنى كما تقدمه صياغة عنترة هو المعجب، وإلا فلمَ فقد قيمته ولحقه الاضطراب عندما تناوله غير عنترة؟ فلو كان المعنى لا يتفاوت في أي صياغة لما تفرد عنترة بهذا السبق، لأن جوهر هذا السبق إنما يكمن في التطابق التام بين المعنى المبتدع الذي لا وجود له خارج صياغته المتفردة، وبين هذه الصياغة نفسها، فالمادة الأولية للمعنى يمكن أن تكون "صفة الذباب عندما يحك إحدى يديه بالأخرى"، لكن تشبيهه بمقطوع اليدين المكب على الزناد ضمن هذا الإطار الوصفي الشامل هو الخصوصية المحدثة في المعنى التي لم تتأسس إلا على الصياغة؛ صحيح أن الجاحظ بحث في المعنى في مستويات شتى كتصنيفه المعاني من منظور زوايا الإسراف أو الإفراط والاقتصاد أو الصدق وتعرضه لأخطاء الشعراء فيها، وكذا تعقبه السرقات في المعاني والألفاظ، فضلاً عن مقابلته بين أصول المعاني في النثر ومشابهاتها في الشعر،و غيرها (74)، إلا أنه يبني فهماً للمعنى أعمق عندما يكون خلاصة للصياغة، يظهر ذلك في مثل هذا الموقف" وقال زهير :
والإثم من شرّ ما توصل به



والبرّ كالغيث نبته أمر



أي كثير، ولو شاء أن يقول:
والبرّ كالماء نبته أمر



استقام الشعر ولكن قد لا يكون له معنى. وإنما أراد أن النبات يكون على الغيث أجود" (75)؛ وانتفاء المعنى باستبدال الكلمة بأخرى لا يعني خلوّ البيت من كلِّ دلالة، إذ إن بنية البيت القائمة على القواعد النحوية تظل محتفظة بدلالة ما، إلا أن المعنى الشعري المعجب هو الذي يأفل بتغيير لفظة واحدة لها إشعاع معنوي عميق، من هنا يكون المعنى محصلة للتفاعل الحادث بين معاني الكلمات المختلفة في السياق الواحد، ولو كان للمعنى وجود مستقل مستقر ثابت لما كان التفاوت كبيراً بل وارداً أصلاً بين استعمال "الغيث" أو "الماء" في البيت السابق.
فتقديم الجاحظ الصياغة أو اللفظ تارة والمعنى أخرى لا يوحي بتضاد أو تناقض إذا حملنا المعنى على أن المقصود به محتوى الصياغة، أو المادة الأولية حسب دلالة العبارات ومقتضى آرائه البلاغية والنقدية. فعلى الرغم من أننا نتحفظ من القول بوجود قائلين بأن البلاغة في الألفاظ (كالجاحظ والآمدي والجرجاني مثلاً) فعند من يقول بهذا الرأي يرى أنهم "لم يعنوا بالألفاظ أصواتاً مجردة من معانيها وإنما عنوا بها العبارة عن المعنى" (76). لذلك نستغرب من إحسان عباس، وهو الذي رأى في دلالة المعنى لدى الجاحظ المستخلص من مقولته في المعاني المطروحة بالاستعانة برأي عبد القاهر "مادة أولية" تتفاوت حتماً حين تتناولها الروية فتؤسس "وحدة كاملة" من اللفظ والمعنى" (77)، نستغرب منه، وهو يقارن بين الجاحظ وابن قتيبة، أن يرى أن "من بين الفروق بينهما اختلافهما في النظر إلى مشكلة اللفظ والمعنى، فبينما انحاز الجاحظ إلى جانب اللفظ، ذهب ابن قتيبة مذهب التسوية" (78). ولعلّ إحسان عباس يحمّل اللفظ في نصه السابق معنى الشكل، فيكون انحياز الجاحظ إلى اللفظ انحيازاً إلى الصياغة المحتوية على معناها، في حين يتجسد موقف ابن قتيبة في تبنيه فكرة الصياغة والمعنى في مستواه القيمي المتجسد في ما يدعو إليه الشعر من حكمة وأخلاق. قد نجد تأكيد هذا المنحى في الفهم في موقفه الآخر من الجاحظ الذي يسمه فيه بالتناقض بناء على نظريته في الشكل، إذ إنه يرى أن الجاحظ وقف منها موقفين أحدهما يؤيدها والثاني ينقضها، فأما الأول فيتبدى في إصراره على أن الشعر لا يترجم كما رأينا في النصوص السابقة، ذلك أن استعصاءه على الترجمة إنما هو سرٌّ من أسرار الشكل، "وأما الثاني فهو قوله إن هناك معاني لا يمكن أن تسرق كوصف عنترة للذباب... فقوله إنه لا يسرق دليل على أن "السر في المعنى" قبل اللفظ، ولكن الجاحظ لم ينتبه لهذا التناقض" (79). ولكن أين يكمن هذا المعنى المحتوي على السر، أهو معادل للمادة الأولية، وإذ ذاك ينتفي عن أبيات عنترة كل وصف بالشعر، وإذا كان مضمناً في صياغة عنترة مصداقاً لفعل "الروية المؤسسة لوحدة اللفظ والمعنى"، كما يرى إحسان عباس أيضاً، أصبح عنصراً حيوياً في الشكل إذ لا نحسب أن إحسان عباس يحمل نظرية الجاحظ في الشكل على المستوى الصوتي للألفاظ لخلوّها من كل دلالة عدا دلالة التصويت الموسيقي، وهذا غير وارد، إذ يرى في نظرية الجاحظ في الشكل نصرة للإعجاز، ذلك "أن الإعجاز لا يفسر إلا عن طريق النظم، ومن آمن بأن النظم جديرٌ برفع البيان إلى مستوى الإعجاز، لم يعد قادراً على أن يتبنى نظرية تقديم المعنى على اللفظ" (80)، فلو حملنا المعنى هنا على المواد الأولية القابلة للتشكيل في صياغات متعددة لانتفى التناقض عن الجاحظ، إذ إن النظم المبرهن على الإعجاز لا يعني أصواتاً مفارقة إنما هو الانتظام الموحد لوحدات دالة في سياق خاص يكون المعنى المفرز خلاصة هذا الانتظام نفسه. فالنظم أو الشكل إنما هو لحمة طرفين هما معنى ولفظ، وبهذا الفهم ينتفي عن الجاحظ الوصف بالتناقض،ويكون من دلالات "المعنى" عنده المادة الأولية القابلة لأن تتشكل في صياغات شتى، هذه لا يوليها الاهتمام إلا باعتبارها وجوداً بالقوة يستحيل شكلاً جميلاً بالصياغة،ويكون انتصاره للنظم دليلاً على الإعجاز أو تقديمه أبيات عنترة باعتبارها سبقاً معنوياً فريداً أو غيرها من مواقف شبيهة يعني الصورة العامة الشاملة لطرفي الدلالة اللذين هما: المعنى واللفظ. وهذا يحيل إلى البحث في مفهوم النظم (81) لدى الجاحظ أو ما يتعلق بالبنية العامة.
نلاحظ مبدئياً أن مجمل آراء الجاحظ في البنية العامة كان نتيجة تحسسه مشكلة التأليف في القرآن والشعر أساساً، وهذا إذ يدعم فكرة توزع مقاييس الجاحظ الأسلوبية بين أكثر من نوع من أنواع الكلام البليغ، يؤكد استقلال القرآن والشعر بقطاع مهم من هذه المقاييس وهو النظم أو التأليف والبنية العامة، مما يرسخ الاقتناع باحتلال الوعي بالصياغة وبخصائص بنية الكلام ذاتها مكاناً عميقاً في بلاغة الجاحظ، ويعمق الدليل على وعيه بالمستوى الفني من الكلام الذي يقصد في إخراجه تجنب المألوف من الاستعمال، وتجاوز وظيفة الإفهام إلى وظيفة الإطراب والتعجيب.
فإذا كان "لقضية النظم هذه أثر واضح في تحديد مفهوم الجاحظ للأسلوب "(82) فإن ضبط مدلولها بدقة أمر متعذر خاصة في غياب مؤلفه "نظم القرآن"، إلا أنه يمكن تحسس دلالاتها الأولية التي قد تسعف في الاقتراب من مقاصد الجاحظ من استعمال هذا الاصطلاح.
وعلى الرغم من وجاهة رأي من يرى أن قضية النظم لدى الجاحظ "لم تتجاوز عنده الإعلان المبدئي المشفوع ببعض الأمثلة القليلة إلى بحث لغوي بلاغي منظم في أساليب القرآن كما سيكون الشأن في مؤلفات إعجاز القرآن بعده" (83) فإن غياب البحث البلاغي المنظم لا يمنع من الإشارة إلى أن الجاحظ يبدي إحساساً بخصوصية الإخراج القرآني للقول البليغ، وقد يسعف هذا الإحساس في الاقتراب من التعرف على مفهومه للنظم. صحيح أن الباحث أشار إلى الوقفة الوحيدة للجاحظ – حسب رأيه - المعرفة للأسلوب القرآني كما يلخصها نصه الذي أشار فيه إلى استعارات القرآن وإلى استغلاله المتميز للطاقة الإيحائية (84)، التي تمثل بعض مقومات النظم عنده، إلا أن امتداد الجاحظ بوصف كل تأليف فني ينضوي تحت نوع أدبي بوصف النظم أو بعض مترادفاته كالسبك وحسن التأليف مع الإقرار باقتران لفظ القرآن بهذا الوصف في كثير من المواضع، يزيدها التحاما ًمؤلفه الضائع المشار إليه سابقاً، قد يمكن هذا التوظيف الأولي للمصطلح من استنتاج أن معناه يطول مفهوم التركيب والبنية الملحمة لكل عناصر النص.
يلاحظ مبدئياً أن النظم أو بعض مترادفاته كالسبك تذكر كمواصفات نص اكتملت له صفات الجودة ألفاظاً ومعاني ثم سبكاً. فجواهر الكلام التي هي من اختصاص الكتّاب وحذّاق الشعراء توجد في "الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، وعلى الألفاظ العذبة، والمخارج السهلة، والديباجية الكريمة، وعلى الطبع المتمكن وعلى السبك الجيد" (85)، فكأن السبك فعالية تنضاف إلى اكتمال المعاني والألفاظ في الخطاب، فقد استقبل بعضهم بعض كتبه "بالتصغير لقدره والتهجين لنظمه والاعتراض على لفظه، والتحقير لمعانيه، فزريت على نحته وسبكه، كما زريت على معناه ولفظه" (86) ذلك ان السبك إنما يكون لعناصر مكتملة الحسن في ذاتها "فإن التأليف يزيد الأجزاء الحسنة حسناً" (87).
ثم يقترب معنى النظم من مفهوم التأليف الشامل لمستويات النص،كما يظهر في مثل هذا الوصف الأولي عن "نظم القرآن وغريب تأليفه وبديع تركيبه" (88). وهذا التأليف المتميز بخصوصية هذا النوع أو ذاك مما سيتفرع من الشعر والنثر هو الذي يمكّن من مقابلة القرآن بغيره من أجناس القول، وهو يكشف عن وعي الجاحظ الأولى بمفهوم الطريقة أو البناء الخاص بكل نوع أدبي، ففرق "ما بين نظم القرآن وتأليفه ونظم سائر الكلام وتأليفه؛ فليس يعرف فروق النظم واختلاف البحث إلا من عرف القصيد من الرجز، والمخمس من الأسجاع، والمزاوج من المنثور، والخطب من الرسائل، وحتى يعرف العجز العارض الذي يجوز ارتفاعه من العجز الذي هو صفة في الذات. فإذا عرف صنوف التأليف عرف مباينة نظم القرآن لسائر الكلام" (89).
إذاً فاقتران النظم والتأليف من جهة والمقابلات الثنائية بين مختلف الأنواع المذكورة التي تنتهي إلى قوله صنوف التأليف واشتراط معرفتها لإدراك مباينة نظم القرآن لها جميعاً من جهة أخرى، ينم عن وعي بالفروق الشكلية بين المتشابهات، كالمزاوج من المنثور والخطب من الرسائل والقصيد من الرجز والمخمس من الأسجاع. فإدراك الفرق بين المزاوج والمنثور مثلاً لابد أن يقوم على وعي بالمستوى الإيقاعي المتفرد في المزاوج الذي تخضع فيه الدوال إلى أنماط من الانتظام والتكرار، في حين يغيب مثل هذا البناء في المنثور. وقد يمكن أن نستنتج من ذلك أن الجاحظ مدرك لخواص بنائية في القرآن تجعل إلحاحه على تمييز نظمه عما عداه قائماً على رصيد من ضبط لطريقته في نضد الكلام يتجاوز فيها الإشارة إلى الاستعارة واستغلال الطاقة الإيحائية، وقد يدعم ذلك وضعه النظم في النص السالف موضع الطريقة. ويزيدنا اقتراباً من فهم الجاحظ اختلاف أصناف القول قولـه: "إذا ادعينا للعرب أصناف البلاغة من القصيد والأرجاز، ومن المنثور والأسجاع، ومن المزدوج وما لا يزدوج، فمعنى العلم أن ذلك له شاهد صادق من الديباجة الكريمة، والرونق العجيب، والسبك والنحت" (90). فمصطلحات الديباجة والسبك والنحت لابد أن تتشكل وفق بناء كل نوع، ولعل في الوعي بذلك ما يدعم فكرة قيام رأيه في نظم القرآن على إدراك متميز لبناء الكلام فيه حتى وإن كان إدراكاً أولياً.
فمعنى النظم يترادف مع التأليف والسبك ومشابهاتها في إطار شامل لبنية أي نص، ثم يضيق ليحمل دلالة الطريقة أو الأسلوب في نوع أدبي أو صنف خطابي، بحيث يمكننا هذا التضييق من مقاربته أكثر، خاصة أن الجاحظ خص الشعر بوقفات متعددة مبرزاً مقاييس جودته عبر رصده بعض مستويات بنيته وتعاضد هذه المستويات في البنية العامة.
اهتم الجاحظ بالإخراج الصوري للمعنى في الشعر خاصة، ويكفي ذيوع مقولته في أن الشعر صياغة ونسج وتصوير للكشف عن تصوره للحمة المعنى واللفظ في إطار شامل يذيب العناصر في كل موحد،تبدو اللازمة المتكررة فيه إيقاع أصواته المنظم كخاصية نوعية في القصيدة. هذه الخاصية التي تأخذ مكانها في بنية عامة تشمل كل المستويات.
الإحساس بالمستوى الصوتي يظهر في وقفات لدى الجاحظ في رصد ما أسماه بالتنافر في الكلام، ذلك أن "من ألفاظ العرب ألفاظ تتنافر وإن كانت مجموعة في بيت شعر لم يستطع المنشد إنشادها إلا ببعض الاستكراه... منها قول الشاعر:
لم يضرها، والحمد لله، شيء



وانثنت نحو عزف نفس ذهول



فتفقد النصف الأخير من هذا البيت، فإنك ستجد بعض ألفاظه يتبرأ من بعض" (91). وإذا كان في ما سلف تشخيص للظاهرة كما تتجسد شعراً، فإن معتمده الشعر أيضاً لمحاكمة هذا النمط من عدم تآلف اللفظ في مثل هذا الحكم الذي يتضمنه هذا البيت الشعري:
وشعر كبعر الكبش فرّق بينه



لسان دعيّ في القريض دخيل (92)

لتنتهي خلاصة الموقف إلى مقابلة الشكلين المتوافق والمتلائم في وصف اللفظ والمتخالف المستكره وانعكاس ذلك على نظام البيت الذي يمكن أن تكون أجزاؤه "مختلفة متباينة، ومتناظرة مستكرهة، تشق على اللسان وتقده، والأخرى تراها سهلة لينة، ورطبة مواتية، سلسة النظام، خفيفة على اللسان، حتى كأن البيت بأسره كلمة واحدة، وحتى كأن الكلمة بأسرها حرف واحد" (93).
والحق أن حديث الجاحظ عن التلاحم والتلاؤم اللفظي ليس خالصاً للمستوى الصوتي إذ يتعاضد مع المنظور الكلي المؤسس على لحمة المستويات المختلفة في القصيدة. صحيح أن ولع الجاحظ بالإيقاع الصوتي واضح يشهد لـه أكثر من موقف (94) خاصة في ضرورة تنزل اللفظة في مكانها من النص وتنكب الوقوع في قلق القافية كما تبينه هذه الإرشادات الموجهة لقاصد الصنعة الشعرية "وتجد اللفظة لم تقع موقعها ولم تصر إلى قرارها وإلى حقها من أماكنها المقسومة لها، والقافية لم تحل في مركزها وفي نصابها،ولم تتصل بشكلها، وكانت قلقة في مكانها، نافرة من موضعها، فلا تكرهها على اغتصاب الأماكن، والنزول في غير أوطانها" (95)، إلا أن ملاحظة اضطراب اللفظة بين أخواتها وقلق القافية، ليس رصداً لمستوى صوتي بحت، ذلك أن تنزل الكلمة في الأماكن المقسومة لها لا يضبطه الإيقاع الصوتي فقط بل سيكون بالإضافة إلى ذلك من نتائج السياق جملة بمستوييه الدلالي والتركيبي أيضاً، "فالوجه الضار أن يحفظ ألفاظاً بأعيانها من كتاب بعينه أومن لفظ رجل ثم يؤيد أن يعد لتلك الألفاظ قسمها من المعاني فهذا لا يكون إلا مستكرهاً لألفاظه متكلفاً لمعانيه مضطرب التأليف منقطع النظام" (96). فاستكراه اللفظ وتكلف المعنى معاً يكونان مدعاة إلى الوقوع في اضطراب النظام وتفكك التأليف، إذ إن النظام خلاصة لتفاعل المعاني مع الألفاظ، يتأكد ذلك في حديثه عن النظم في مستوى المعاني كما يبينه قوله مشيراً إلى "من قد تعبّد للمعاني وتعوّد نظمها وتنضيدها، وتأليفها وتنسيقها" (97).
والحق أن مصطلح "القرآن" الذي يبدو أن الغالب عليه معنى الانسجام الصوتي كما يتبدى في "اقتران الألفاظ واقتران الحروف" (98) يتسع ليشمل تآلف الأبيات جملة، ولا يبقى منحصراً – كما يبدو لنا – في رصد تآلف الأصوات (99). يشرح الجاحظ مصطلح "القرآن" بعد أن يورد رأي رؤبة في شعر ابنه عقبة بأنه "ليس لشعره قران" يرى أنه "يريد بقوله "قران" التشابه والموافقة"، ثم يردف بقول "عمر بن لجأ لبعض الشعراء: أنا أشعر منك! قال وبم ذاك قال: لأني أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمه" (100). والحق أن الموافقة تطول بنية الأبيات كلها، ولا يمكن أن تتلخص في لحمة التأليف الصوتي فقط، فمن جهة أن حديث الجاحظ عن الألفاظ عموماً لا ينحصر في مستواها الصوتي بمعزل عن المعنى، إلا إذا فرض ذلك المقام، ومن جهة أخرى أن التلاحم المرصود في ما سلف من أقوال لا يمكن أن ينحصر في تآلف الألفاظ صوتياً، إذ إن قول البيت وأخيه، وتحقيق التشابه لابد أن يتعلق بالمستوى المعنوي أيضاً ليستحيل توافقاً كلياً، وقد يدعم ذلك قوله مواصلاً التدليل على القضية نفسها" وقالوا: لو أن شعر صالح بن عبد القدوس، وسابق البربري كان مفرقاً في أشعار كثيرة، لصارت تلك الأشعار أرفع مما هي عليه بطبقات، ولصار شعرهما نوادر سائرة في الآفاق ولكن القصيدة إذا كانت كلها أمثالاً لم تسر، ولم تجر مجرى النوادر. ومتى لم يخرج السامع من شيء إلى شيء لم يكن لذلك عنده موقع" (101). وقد يبدو هذا الرأي مخالفاً لما نحن فيه إلا أن ذلك لا يعدو الظاهر، ذلك أن القصيدة المؤسسة على أبيات الحكمة تبدو في شكل الدوائر المستقلة المنفردة حيث ينتفي من جملتها سمة التشابه والتوافق، وذلك أن كل بيت منها عالم مستقل بنفسه لا يربطه بغيره إلا الإلصاق الظاهري في حين لو انبثت هذه الأبيات في قصائد شتى وكان لكل منها أن يحتل الموضع الذي يقتضيه رسم الموضوع المصور لأمكن أن تربطه وغيره سمات أعمق، مما يحيل القصيدة كلاً واحداً ملتحم الأجزاء سلس النظام ماهية كل عنصر رهن بالعلائق المعقدة الرابطة بينه وبين غيره مثلما يجسده قول الجاحظ: "وأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه قد أفرغ إفراغاً واحداً، وسبك سبكاً واحداً، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان" (102).
فالجاحظ بوقفاته المتنوعة والمثيرة لكثير من التساؤلات، وتنوع مجالات بحثه والطموحات الواسعة التي امتدت بنظرته إلى إثارة كثير من قضايا النص العميقة، كعلاقة الألفاظ بالمعاني، وخصائص التشكيل الصوتي للمعنى الشعري، ومشكلة النظم أو البنية، وغيرها، ستكون المفاتيح التي يلج بواسطتها النقاد بعده عالم النص، وستظل كثير من طروحاته مسلّماً بها لدى كثير من النقاد والبلاغيين، فيكفي أن مقولة المعاني المطروحة ستمثل إشكالاً متناسخاً في كل عصور النقد العربي القديم بل "نستطيع أن نقول إن النقد العربي كله لا يعدو أن يكون حاشية متوسعة على عبارة الجاحظ" (103).

ابن قتيبة وابن طباطبا
والمنظور الثنائي في فهم النص الأدبي:

الارتكاز على ثنائية اللفظ والمعنى كان هو منظور ابن قتيبة في معالجة النص الأدبي، صحيح أنه في بعض المواضع يتحدث عما أسماه بـ :"معجز التأليف وعجيب النظم" (104)، وهو يبحث بلاغة القرآن أو يشير إلى بعض خصائص بنية الشعر كما تتمثل في كونه محروساً "بالوزن والقوافي وحسن اللفظ" (105)، لكن الأساس الثنائي المحكوم بالمعنى واللفظ يظل قاعدته في مقاربة النص البليغ. ومن هنا لا يكاد يولي البنية العامة اهتماماً، ولا يظهر ولعاً بالحديث عن تلاحم الأجزاء في النص، وعن ضرورة الانتظام المتكامل لعناصر البنية ليتحقق لها سهولة المعاطف وسلاسة النظام، كما ألح الجاحظ. ولعل ابن قتيبة بهذا الموقف يحتل مرتبة أدنى منه، إلا أن اهتمامه المستمر بالمعنى وتبنيه منظوراً قيميّاً يؤسس عليه رأياً في جدوى الخطاب قد يشفع لـه في مباشرة الشعر من زاوية أضربه الأربعة كما يرى. ولعله قصد باهتمامه بالقيمة إكمال النقص في نظرية الجاحظ التي أولت صورة المعنى الاهتمام الأول، واعتبرت البحث في أخلاقية المعنى ميداناً غير الحكم على الشعر أو النص البليغ عموماً، إذ إن جوهره الصياغة الجميلة للمعنى وليس المعنى في ذاته.
مدخلنا إلى قراءة مقاصد ابن قتيبة من المعنى واللفظ رأيه في بيتي شعر "للمرقش" يوردهما من جملة أمثلته للضرب الرابع الذي يراه أدنى أضرب الشعر الأربعة، وهو الذي "تأخر معناه وتأخر لفظه" (106)، يقول بعد أن يورد البيتين معلقاً: "والعجيب عندي من الأصمعي، إذ أدخله في متخيره، وهو شعر ليس بصحيح الوزن، ولا حسن الروي، ولا متخير اللفظ، ولا لطيف المعنى" (107)، وحشده مصطلحات الوزن والروي واللفظ في مقابل المعنى في نقد أنموذج شعري تنتفي منه جودة المعنى واللفظ معاً، يسعف في تبين قصده من هذين الركنين الأساسيين، إذ يستنتج طه أحمد إبراهيم من تعليق ابن قتيبة السالف أنه يريد "باللفظ التأليف والنظم، يريد الصياغة كلها بما تضمه من لفظ ووزن وروي، ويريد بالمعنى الفكرة التي يبين عنها البيت أو الأبيات" (108). فالصياغة تفرز باعتبارها محصلة تشكيل المعنى كما تتجسد في اللفظ والوزن والروي عند نثرها فكرة، وسيمكننا رأي ابن قتيبة في الفكرة المنثورة من تصور رأيه في المعنى الذي يتنزل عنده في مستويين: مستوى قيمي أخلاقي يشكل محصلة تصوره وظيفة الشعر، ومستوى صوري يبدو مضمناً في اللفظ – الصياغة. وكمال الخطاب الأدبي لديه هو في تعاضد قيمة المعنى وأخلاقيته، وخلابة الصياغة ونضارتها، إذ يجمل الموقف في تعليقه على شعر يورده بأنه "كثير الوشي لطيف المعاني" (109).
يكشف كمال الجودة في الطرفين في الضرب الأول الذي "حسن لفظه وجاد معناه" (110) عن اعتماد ابن قتيبة على الصياغة الجميلة والمعنى الأخلاقي معاً. فالتعليقات التي يرسلها عقب ما يورده من نماذج لتشخيص هذا الضرب تدليل على هذا المنطلق، إذ يقول إثر النموذج الأول: لم يقل في الهيبة شيء أحسن منه، وعقب الثاني: لم يبتدئ أحد مرثية بأحسن من هذا، وعقب الثالث: يذكر رواية عن الأصمعي فحواها أن هذا أبدع بيت قالته العرب، والبيت لأبي ذؤيب هو قوله:
والنفس راغبة إذا رغّبتها



وإذا تردّ إلى قليل تقنع



أما تعليقه عقب النموذج الرابع الذي يُجسّم ثقل الهرم على نفس الشاعر فهو قوله: ولم يقل في الكبر شيء أحسن منه، لتنتهي أمثلة هذا الضرب بقول النابغة:
كليني لهمّ يا أميمة ناصب



وليل أقاسيه بطيء الكواكب



ثم يرسل رأيه في أنه "لم يبتدئ أحد من المتقدمين بأحسن منه ولا أغرب" (111). فإذا كانت الصياغة الجميلة حسب رأي ابن قتيبة تكفل لهذه النماذج ولمثيلاتها الانضواء تحت المظلة الشعرية... فإن فائدة المعنى وجدواه أخلاقياً تكملان قالب الصياغة الحسن، إلا أن الطابع الحكمي والمباشرة في الخطاب قد تقللان من شعرية مثل هذه النماذج كبيت أبي ذؤيب السابق، ولا شك أن هذه الصفة لم تكن لتمنع ابن قتيبة من إقرار أسبقية مثل هذه النماذج، ذلك أن الموقف عنده مشروط برؤية أخلاقية في وظيفة الشعر حيث تتبوأ لديه هذه الوظيفة مكانة سامية (112).
ويولي ابن قتيبة المعنى في ذاته، في إطار ما عرف به من صدق أو اقتصاد أو إسراف أو غلو، وبما يمكن أن يحتويه من عيوب أخرى مثل أخطاء الشعراء عموماً أهمية، ولكن موقفه من القضية غير حاسم، فهو في بعض المواضع ينتصر للإفراط مثلاً، إذ يرى "ذلك جائزاً حسناً" (113) ولعل ذلك كان نتيجة "لدفاعه عن إعجاز القرآن وإبطال رأي القائل بأنه كذب" (114)، ولكنه في مواضع أخرى يقر بعيب هذا المنحى في القول (115).
ويسعفنا الضرب الذي "جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه" (116) في تدقيق ثنائية الصياغة والمعنى، ذلك أن القيمة الأخلاقية هي التي تكفل لنماذج هذا الضرب جودة المعنى في حين تقصر الصياغة عن تحقيق الإبانة اللائقة. من أمثلة هذا الضرب قول لبيد بن ربيعة:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه



والمرء يصلحه الجليس الصالح



إذ يعلق على هذا البيت بقوله: "هذا وإن كان جيد المعنى والسبك فإنه قليل الماء والرونق" (117). ولعل مباشرة الخطاب والقالب الحكمي الصارخ والمستوى العقلي الواضح كانت كلها وراء جفاف هذا البيت من الماء والرونق حسب رأي ابن قتيبة، لكن الاحتكام إلى أخلاقية المعنى أو الاحتكام إلى أمر خارج عن خصائص الصياغة ذاتها دفع البيت عن أن ينحط إلى الضرب الذي فسد معناه ولفظه.
وإحساس ابن قتيبة بضعف الصياغة في هذا الضرب صريح في تعليقه على بيت النابغة مصوراً فزعه من وعيد النعمان:
خطا طيف حجن في حبال متينة



تمد بها أيد إليك نوازع



إذ يقول: "رأيت علماءنا يستجيدون معناه، ولست أرى ألفاظه جياداً ولا مبينة لمعناه" (118)، ونحسب في قولـه: "ولا مبينة لمعناه" اقتراباً من خصائص الصياغة ذاتها وإقراراً بتولد المعنى منها مما سيعطي لثنائية اللفظ والمعنى خاصية العنصرين المتلاحمين في البنية الموحدة، يتضح ذلك – كما يبدو لنا – في الضرب الذي "حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى" (119)، ويمثل لهذا الضرب بأبيات الحج المعروفة ثم يختمها بهذا التعليق: "هذه الألفاظ كما ترى، أحسن شيء مخارج ومطالع ومقاطع، وإن نظرت إلى ما تحتها من المعنى وجدته، ولما قطعنا أيام مِنى، واستلمنا الأركان وعالينا إبلنا الأنضاء، ومضى الناس لا ينتظر الغادي الرائح، ابتدأنا في الحديث وسارت المطي في الأبطح" (120). وإقرار ابن قتيبة بحسن صياغتها يعضده الإقرار أيضاً بأن "تحتمها معنى" ثم يشرع في نثر معاني الأبيات كما سلف، ولكن مقابلة هذا المعنى المبطن في الصياغة بقوله نافياً عن هذا الضرب "الفائدة في المعنى" إبانة ثنائية عن ثنائية المنظور الذي يحتكم إليه في بحث المعنى، إذ إن المعنى الذي تفرزه الصياغة لا يؤكد سبقاً أو جودة، إنما المسألة تجلوها فائدته، أي قيمته من حيث إنه يتنزل في إطار تصور اجتماعي وأخلاقي لقيمة الشعر، ولذلك تكون النماذج الباقية كلها التي يضربها لهذا النمط في الغزل، ومنها قول جرير: "في العيون التي في طرفها حور" (121). وهي تؤكد هذا المنحى الذي يقرُّ بتولد معنى في صياغة خلابة، لكن منزلته دونية أخلاقياً، ولعل هذا هو الذي جعل إحسان عباس يستنتج "أن المعنى عنده قد يعني الصورة الشعرية مثلما يعني الحكمة" (122).
الحق أن إحساس ابن قتيبة بصورة المعنى يظهر عميقاً في بحثه مجازات القرآن المصوغة على غرار مجازات الكلام عند العرب، فهذه الطرائق والمآخذ في القول التي تكسب القرآن خصائصه البلاغية تجعله ممتنعاً عن الترجمة، إذ "لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقله إلى شيء من الألسنة، كما نقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية، وترجمت التوراة والزبور، وسائر كتب الله تعالى بالعربية، لأن العجم لم تتسع في المجاز اتساع العرب" (123) وإذا كان من فضائل العربية الاتساع في المجاز – كما يرى – فإن خصائص الإخراج القرآني للمعنى في صورة متفردة إقرار بتعاضد العناصر اللفظية مع المعنوية في الصياغة مما يجعل كل معنى خلاصة لإخراجه الصوري. "ألا ترى أنك لو أردت أن تنقل قوله تعالى: ]وإمّا تخافنّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء[ (124) لم تستطع أن تأتي بهذه الألفاظ مؤدية عن المعنى الذي أودعته حتى تبسط مجموعها، وتصل مقطوعها، وتظهر مستورها فتقول: إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة ونقضاً فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطت لهم، وآذنهم بالحرب، لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على استواء" (125). وعلى الرغم من أن النقل هنا يتم في إطار اللغة الواحدة فإن فك بنية النص الأصلية والتصرف في معناه وإخراجه إخراجاً جديداً إدراك لتفاعل المعنى مع لفظه في العبارة الواحدة لأنه لا قدرة على الصرف في المعنى إلا يفك بنية اللفظ عموماً.
وخلاصة الرأي في ابن قتيبة أنه وإن أدرك لحمة المعنى واللفظ في إطار الصياغة الواحدة، إلا أنه ظل مشدوداً إلى الثنائية أيضاً، وربما كان ارتكازه في بحث المعنى على قيمته الأخلاقية سبباً في ترسيخ هذا المبدأ وتعطيل إمكانات مواجهة النص في ذاته والمصادرة على السياق وحده.
أما ابن طباطبا فعلى الرغم من رسوخ هذه الثنائية في فكره النقدي، وتأسيسه رأيه في النص الأدبي ومراحل وضعه وتعليله أزمة الشاعر المعاصر له وكذا تلقي القصيدة وتذوقها سيظل مشدوداً إلى هذه الثنائية، فإنه استطاع أن يؤلف من عناصر المعنى واللفظ والتأليف أو النسج كما يقول ثلاثياً راسخ الحضور في أغلب مقارباته النقدية، مركزاً في الآن نفسه على المشاكلة والمطابقة بين المعنى واللفظ (126).
وإذا كان المبدأ في علاقة المعنى واللفظ عنده هو مقولة الجاحظ في أن "الكلام الذي المعنى له كالجسد الذي لا روح فيه" (127) التي إن أبرزت أهمية المعنى وأولويته فإنها تقرر تكامل الطرفين وجودياً إذ إن انعدام الروح من الجسد انعدام للحياة فيه، لكن ابن طباطبا وبناء على هذا الأصل يتصور، وهو يدعو إلى المشاكلة والمطابقة بين العنصرين، إمكانية حدوث التفاوت بينهما في الحسن مما يهدد النص بالوهن والرداءة. وهذا إن كشف عن تصور كمال كل طرف في ذاته إلا أن الدعوة إلى إيفاء المشاكلة حقها تخفف من حدة هذا التفاوت فللمعاني "ألفاظ تشاكلها فتحسن فيها وتقبح في غيرها، فهي لها كالمعرض للجارية الحسناء التي تزداد حسناً في بعض المعارض دون بعض، وكم من معنى حسن قد شين بمعرضه الذي أبرز فيه، وكم معرض حسن قد ابتذل على معنى قبيح ألبسه... وكم من حكمة غريبة قد ازدريت لرثاثة كسوتها، ولو ***ت في غير لباسها ذلك لكثر المشيرون إليها" (128). فإذا كان في مثل ما سلف" ما يؤكد الفصل بين عنصري الشكل والمحتوى داخل الصنعة الشعرية" (129). ويتصور الكمال في توافق جودة المعنى وحسن المعرض، فإن في دعواه إلى إيفاء المشاكلة حقها وانتقاء اللفظ الملائم للمعنى الملائم ما يكشف عن فهم أولي لتعاضد عنصري الدلالة ذلك أن "أحسن الشعر ما يوضع فيه كل كلمة موضعها حتى يطابق المعنى الذي أريدت لـه" (130)، فمبدأ المطابقة إذ يركز على ضرورة إحداث التشاكل بين المعنى واللفظ يسلم بتبعية اللفظ للمعنى في هذا المستوى ويجعل إيفاء مبدأ التشاكل حقه تحقيقاً للحمة الطرفين في ما يشبه الصوغ والسبك وانتظام العقد. يتجسد ذلك في "إيفاء كل معنى حظه من العبارة، وإلباسه ما يشاكله من الألفاظ حتى يبرز في أحسن زي وأبهى صورة واجتناب ما يشينه من سفاسف الكلام وسخيف اللفظ والمعاني المستبردة، والتشبيهات الكاذبة، والإشارات المجهولة، والأوصاف البعيدة، والعبارات الغثة، حتى لا يكون متفاوتاً مرقوعاً بل يكون كالسبيكة المفرغة، والوشي المنمنم والعقد المنظم، واللباس الرائق فتسابق معانيه ألفاظه" (131).
ويؤلف مبدأ المطابقة عند ابن طباطبا مقياساً في ضبط أقسام الشعر، والأثر المنطقي واضح في التقسيم وكذلك تأثير ابن قتيبة، إلا أن ابن طباطبا يعرض رأيه في أقسام الشعر انطلاقاً من مبدأ مقابلة اللفظ بالمعنى في مستويين، الأول لا يكاد يتجاوز الطرفين أنفسهما، أمّا الثاني الموسوم عنده بالائتلاف أو النسج فهو يمتد إلى عنصر البنية.وهذا العنصر يهيئُ لـه إمكان الامتداد بمفهومه للنص إلى مستوى كلي يطول علائق الدوال في المستوى التوزيعي ويشمل أيضاً بنية الأبيات في القصيدة الكلية. ففي مستوى التقسيم الأول يظل أميناً لطروحات ابن قتيبة، يرى أن من أبيات الشعر ما "تخلب معانيها للطافة الكلام فيها" (132). ويدقق هذا النوع أكثر في عودة أخرى تحت هذا الوصف الشامل للمعنى "الصحيح البارع الحسن، الذي قد أبرز في أحسن معرض وأبهى كسوة، وأرق لفظ" (133)، وإذا كان هذا يقابل ما حسن لفظه وجاد معناه لدى ابن قتيبة فإن النوع القادم الذي منه "الحكم العجيبة والمعاني الصحيحة الرثة الكسوة، التي لم يتنوق في معرضها الذي برزت فيه" (134) يتوافق مع ما ضعف لفظه وجاد معناه عند ابن قتيبة. أما النوع الآخر الذي خلب معرضه ولم يحسن محتواه فإنه يتحقق في "الأبيات الحسنة الألفاظ المستعذبة الرائقة سماعاً، الواهية تحصيلاً ومعنى، وإنما يستحسن منها اتفاق الحالات التي وضعت فيها، وتذكّر اللذات بمعانيها، والعبارة عما كان في الضمير منها، وحكايات ما جرى من حقائقها دون نسج الشعر وجودته، وأحكام رصفه وإتقان معناه" (135). وإذا كانت أغلب الأمثلة التي يضربها لهذا الضرب خاصة هي أمثلة ابن قتيبة، فإن في إشارته الأخيرة إلى جودة النسج وإحكام الرصف ما يفسح المجال لاعتماد عنصر البنية في التقسيم، ومن هنا يتاح لكل المفاهيم المستخدمة في معالجة النص ممارسة حقها في الحضور، فضلاً عن أنه يستدرك ذكر القسم الرابع الذي تأخر معناه ولفظه فيذكره
تحت وصف "الأشعار الغثة الألفاظ، الباردة المعاني، المتكلفة النسج، القلقة القوافي" (136)، ويمثل له بأبيات اختل فيها النسج خاصة كما يبدو في عدم إيفاء الوحدات في المستوى التوزيعي حقها، إذ يظهر الفساد في التقديم أو التأخير وكذا التعقيد أو التكرار، أو فاسد الاستعارة، ثم يعيد صياغة الضرب الكامل الذي استوفت عناصره حقها من الإتقان فيرتقي إلى مرتبة "الأشعار المحكمة المتقنة المستوفاة المعاني الحسنة الرصف السلسة الألفاظ" (137).
وعلى الرغم من أن المنظور القيمي في نقد المعنى ماثل في تصور ابن طباطبا ومحكوم برأيه في الصدق ذي الشقين اللذين هما عنده: خارجي ويبدو في ضرورة الأمانة في نقل الموصوف النقل الذي لا يلحق أي تحريف أو تشويه بخلقته، ويتطابق فيه المعنى مع أصوله الاجتماعية العقلية، وداخلي يتجسد في قصد الصدق في التعبير عن ذات النفس (138)، فإن الإلحاح على المطابقة بين المعنى واللفظ وتحسّس نسج النص يكشف عن الاهتمام بكل العناصر النصية، وإن لم يترتب على ذلك تصور الوحدة في شكل تفاعل المستويات المختلفة، بل يكاد يغلب عليها مبدأ الوصف لعناصر تكاد تكتمل في ذاتها يتحقق لها نوع من الانسجام والتأليف انطلاقاً من تضام كمالات شبه مستقلة.
وتأخذ فكرة التطابق أو التشاكل مداها في معالجة ابن طباطبا مختلف القضايا التي لها صلة بالنص، ويتحقق ذلك ابتداء من تصور وضع القصيدة وضبط علائق العناصر في تتاليها المرحلي، والأساس في ذلك الاعتماد على مبدأ الصنعة، ومن هنا يكون واجباً على "صانع الشعر أن يصنعه صنعة متقنة لطيفة مقبولة حسنة، مجتلبة لمحبة السامع له والناظر بعقله إليه، مستدعية لعشق المتأمل في محاسنه والمتفرس في بدائعه فيحسه جسماً ويحققه روحاً، أي يتقنه لفظاً ويبدعه معنى، ويجتنب إخراجه على ضد هذه الصفة فيكسوه قبحاً ويبرزه مسخاً، بل يسوي أعضاءه وزناً ويعدل أجزاءه تأليفاً" (139).
تحتل عناصر المعنى واللفظ والتأليف مراكز فعل الصنعة، والمحور الذي يدور عليه هذا الفعل هو إيفاء كل عنصر حقه قصد إحداث الائتلاف بينها جميعاً، إذ لا يتحقق الائتلاف في نظر ابن طباطبا إلا بإيفاء العناصر حقها من الإتقان، فتبرز القصيدة مستوية الأعضاء عمقها روح وظاهرها جسم. والحق أنه إذا كان إمكان تصور العناصر منفردة متحققاً في هذا الوصف، فإنه لا وجود لكيان القصيدة التام إلا بتضام هذه العناصر في شكل متناسق، حيث إن تأكيد مبدأ التطابق يؤول إلى تحقيق القصيدة وحدة عناصرها جملة. ويتحقق ذلك في رصده مراحل صنعة القصيدة في قوله: "فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثراً، وأعد له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي يسلس له القول عليه. فإذا اتفق له بيت يشاكل المعنى الذي يرومه أثبته، وأعمل فكره في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني على غير تنسيق للشعر وترتيب لفنون القول فيه، بل يعلق كل بيت يتفق له نظمه، على تفاوت ما بينه وبين ما قبله. فإذا كملت له المعاني وكثرت الأبيات وفق بينها بأبيات تكون نظاماً لها وسلكاً جامعاً لما تشتت منها..." (140). ولا يهمنا في مقامنا تعقب مراحل التنقيح التي تختم مراحل الصنعة، وإنما يهمنا تحسس فهمه تضام العناصر في الصنعة وكيفية تآلفها.
فإذا كان اعتماد الشاعر على وجدانه يقل في هذا المفهوم للصنعة، ويكون معتمده "على" عقله "في استحداث التناسب والملاءمة بين الجزء من ناحية، وبين الأجزاء والكل من ناحية أخرى" (141)، وأن الشعر لديه يصبح "جيشان فكر" قائماً على الوعي التام المطلق" (142)؛ فإننا لا نعتقد أنه "من الواضح أن المعنى الذي مخض في الفكر نثراً، لن يتغير جوهره، كل ما يطرأ عليه هو تقبله للصياغة الجديدة، وظهوره من خلال شكل متميز، لكن المعنى في ذاته يظل متصفاً بالحياد" (143)، ذلك أن "الوعي الأولي بالموضوع مقتضى أساسي للإبداع" (144)، فمخض المعنى في الذهن نثراً، إنما هو استحضار الأغراض أو المقاصد، هو الانطلاق من المعاني الملقاة في الطريق. وعندما يتكامل فعل الصنعة يتحقق للشاعر "بيت يشاكل المعنى الذي يرومه"، وما دام البيت نفسه يمثل خلاصة تشاكل معنى ولفظ ووزن وقافية، فهو في كيانه الكامل يتوافق مع المرام والقصد، هذا الأخير الذي يشكل أرضية القول، ولو كان المعنى النثري المخيض في الذهن يظل محتفظاً بجوهره كاملاً في الصياغة الشعرية لما أمكن تحقيق البيت "الكامل" الذي يشاكل المعنى أو الغرض المقصود، إذ إن البيت يحتوي معناه، ومطابقته القصد هو تنزله وفق مقتضيات أغراض الشعر ومراميه، يؤكد ذلك إلحاح ابن طباطبا على مراعاة التطابق بين المعنى واللفظ وكذلك الوزن والقافية، يقول محللاً بقية فعل الصنعة "وإن اتفقت له قافية قد شغلها في معنى من المعاني، واتفق له معنى آخر مضاد للمعنى الأول، وكانت تلك القافية أوقع في المعنى الثاني منها في المعنى الأول، نقلها إلى المعنى المختار الذي هو أحسن، وأبطل ذلك البيت أو نقض بعضه، وطلب لمعناه قافية تشاكله" (145)؛ وكل هذا يؤكد ولع ابن طباطبا بانتقاء العناصر اللفظية والصوتية الموافقة للمعنى، فإذا أضفنا أن هذا الأخير يشكل منطلق الإبداع، وأنه محكوم بقيم ثقافية راسخة في الفعل الشعري العربي تحدد بموجبها للشاعر أغراض القول، وحدود المعاني بحسب المقتضيات الاجتماعية والأخلاقية واللغوية عامة، أمكن الإقرار باستحالة بقاء المعنى في وضع محايد، إذ "كيف إذن يبقى التلاقي الموضوعاتي بدون اثر على تراكيب اللغة" (146)؛ وما دام المنطلق هو استحضار الوعي الأولي بالغرض، فإن كل اقتطاع من هذا الأصل لبنية دالة إنما يقوم على تطابق المعنى واللفظ، دون أن ندعي أن تصور هذا التطابق متماثل مع الوعي بتفاعل الوحدات في السياق، إلا أن هناك إلحاحاً على ضرورة إيفاء العنصرين الرئيسيين في النص حقهما في التشاكل والتآلف.
ويشبه حال الشاعر في إيفاء وحدات نصه انسجامها وتآلفها حال "النساج الحاذق الذي يفوف وشيه بأحسن التفويف ويسدّه وينيره، ولا يهلهل شيئاً منه فيشينه، وكالنّقاش الذي يضع الأصباغ في أحسن تقاسيم نقشه، ويشبع كل صبغ منها حتى يتضاعف حسنه في العيان، وكناظم الجوهر الذي يؤلف بين النفيس منها والثمين الرائق، ولا يشين عقوده، بأن يفاوت بين جواهرها في نظمها وتنسيقها" (147). والقصد من هذه التشابيه المختلفة تقريب فعل الشاعر أثناء مباشرته عملية الصنعة، إذ إن غايتها الأولى ضرورة الإحساس العميق بكيانات العناصر المشكلة للنص بحيث ينبغي أن تصاغ وفق مبدأ التآلف والتنسيق، تماماً كطرائق إخراج الصنائع المذكورة. وهذا المبدأ يطول أبيات القصيدة كاملة دون أن يتجاوز كيان البيت الواحد أيضاً "فلا يباعد كلمة عن أختها ولا يحجز بينها وبين تمامها بحشو يشينها، ويتفقد كل مصراع هل يشاكل ما قبله" (148). وعلى الرغم من أن المشاكلة الحادثة بين الأبيات وبين مصراعي البيت الواحد قائمة على أشكال من النسبة المنطقية أو وحدة المعنى الذي يراعي التآلف العقلي، فإن في امتداد بحثه في النص الأدبي إلى أن يغطي البنية الكلية تخفيفاً من غلواء هذه النظرة المنطقية خاصة أن رأيه ينم عن إحساس بضرورة تحقيق صلة عميقة بين مستويات النص، وربما لم تسعفه النماذج المتوفرة لإيفاء تصوره النظري بالتطبيق الملائم، هذا التصور الذي تؤدي مراعاته إلى أن "تخرج القصيدة كأنها مفرغة إفراغاً... لا تناقض في معانيها، ولا وهي في مبانيها، ولا تكلف في نسجها، تقتضي كل كلمة ما بعدها، ويكون ما بعدها متعلقاً بها مفتقراً إليها" (149).
ورأيه في السرقات مؤسس على فكرة الثنائية نفسها إذ يرى أن الشاعر إذا تناول "المعاني التي قد سبق إليها فأبرزها في أحسن من الكسوة التي عليها لم يعب بل وجب له فضل لطفه وإحسانه فيه" (150). وإذا كان هذا إقراراً بسبق المعنى عند مباشرة صياغته، فإن ذلك لا يعني أن إخراجه الجديد يتطابق مع صورته القديمة.
وهذا الموقف من السرقات الشائع لدى أغلب النقاد يتماشى مع تصور المعنى في النقد العربي القديم عموماً، إذ كان مجال الاختراع محدوداً فيه.
وهو كالمعطى السابق يحصر حدود الاختراع أو الابتداع في هامش الصياغة التي تتجدد بها حياة هذا المعنى.
وفي السياق نفسه يكون تصوره محنة شعراء زمانه إذ يرى أنهم "قد سبقوا إلى كل معنى بديع ولفظ فصيح، وحيلة لطيفة، وخلابة ساحرة" (151)؛ ومن هنا يكون الإغراب والأناقة في الصياغة ممر المحدثين إلى القبول "والشعراء في عصرنا إنما يحابون على ما يستحسن من لطيف ما يوردونه من أشعارهم وبديع ما يضربونه من معانيهم وبليغ ما ينظمونه من ألفاظهم، ومضحك ما يوردونه من نوادرهم، وأنيق ما ينسجونه من وشي قولهم" (152). فالبليغ والبديع والاغراب والأنيق كلها علامات على رسوخ مبدأ التأنق في الصياغة وهي عناصر تطول المعنى واللفظ والنسج حيث تكشف أن الشعرية باتت رهن الإغراق في الصنعة، وأنها تمس عناصر البنية كلها.
ويكون مبدأ تضام الأجزاء وتطابقها لتحقيق كمال الصياغة معوّله في تحقيق كمال الفهم المتذوق للشعر، ذلك أنه إذا "اجتمع للفهم مع صحة وزن الشعر صحة المعنى وعذوبة اللفظ فصفا مسموعه ومعقوله من الكدر تمَّ قبولـه له، واشتماله عليه، وإن نقص جزء من أجزائه التي يعمل بها وهي: اعتدال الوزن، وصواب المعنى، وحسن الألفاظ، كان إنكار الفهم إياه على قدر نقصان أجزائه" (153)، وإشارته إلى خطر نقصان بعض أجزاء الشعر التي يعمل بها على الفهم قد يكشف عن فهم آلي للبنية تبدو فيه الأجزاء مستقلاً بعضها عن بعض، قائمة صلتها على مبدأ الإلصاق والتجاور، لكن الذي يشفع لابن طباطبا أنه في موقف معياري يضطره تقصي الخطأ والصواب إلى ذكر الأجزاء التي يمكن أن يطولها، كما أن القنوات التي يجتازها الخطاب لتحقيق التلقي محكومة بالذهن والسمع، فكان أن عدد المواصفات ضمن شروط التقبل العقلي والتقبل الحسي، فكان شرط حسن اللفظ واعتدال الوزن متمشياً مع لذة السمع، وضابط الصحة في المعنى مسايراً لشرط الذهن لقبول الخطاب – حسب رأيه – وإن كان كمال القبول يتحقق بأن يكون الكلام سالماً من جور التأليف موزوناً بميزان الصواب لفظاً ومعنى وتركيباً (154).
والخلاصة أن ابن طباطبا إذ يتحرك في ضوء تصوره النص على أساس من اللفظ والمعنى، يسمح له تبني فكرته عن التأليف أو النسج بمسح العناصر النصية في انبساطها الكلي في شكل بنية عامة للقصيدة، وهذه إن ظلت محكومة بشكل من أشكال التراص، فإن الإحساس بضرورة تحقيق الانسجام والسلاسة في النسج حتى يتحقق للقصيدة أن تكون كالكلمة الواحدة اقتراباً من تبني فكرة عن وحدة المستويات المختلفة في النص، يزيده تعميقاً رأيه في تشاكل اللفظ والمعنى. وسيتحقق لهذه المنطلقات مزيد من العمق لدى قدامة بن جعفر الذي سيصادر أساساً في معالجته النص على صورة المعنى وعلى فكرة الائتلاف.

قدامة بن جعفر وائتلاف عناصر النص

أولى قدامة المعنى أهمية كبرى في نظريته في الشعر عامة حيث يؤلف عنده مدخلاً يضبط تصوره ائتلاف عناصر النص بالاستناد إلى فكرة "صورة المعنى" التي ستمثل المنطلق في تحديد فكرته عن الائتلاف.
يتنزل المعنى لدى قدامة أيضاً في مستويين: مستوى العنصر الذي يشمله وغيره من عناصر النص التركيب الائتلافي الشامل، وهو بذلك يغدو مادة غير مفارقة لشكلها، ومستوى المعنى في ذاته حيث يبحث من منظور قيمته وغايته.
وفي هذا المستوى الثاني ينضبط درسه في مسارين هما: محاصرته من منظور الغرض وتشخيصه ضمن قالب منطقي توضح فيه حدود المعنى عامة، وهو ما أسماه بنعوت المعاني وعيوبها.
وتنزّل المعنى ضمن خانة الغرض يحكمه قانون جماع الوصف فيه "أن يكون المعنى موافقاً للغرض المقصود، غير عادل عن الأمر المطلوب"(155)، وهذا يخول لقدامة تقصّي المعاني حسب أوضاعها في الأغراض مشدوداً في كل ذلك إلى منظور الوظيفة. وأخلاقية الوظيفة التي تطول الغزل أيضاً لا تضاد الدعوة إلى الغلو ورفض الاقتصار على الحد الأوسط ذلك أن الغلو عنده "أجود المذهبين"(156)، وهو لا يعدو أن يكون امتداداً بالموجود إلى "المثل وبلوغ النهاية في النعت"(157)، وهو لا يعكر أهداف الوظيفة المبتغاة، بل يدخل ضمن تصور مثالي غايته نشدان الفضيلة.
وإذا كان ضبط المعنى في المستوى السالف يفرز درس نعوت الأغراض وعيوبها كالوصف والنسيب والمراثي والمديح وغيرها(158) فإن تناوله في المنظور العام ينحصر في رصد علائق المعنى كما تتمثّل في صحّة التقسيم، وصحة التفسير، والتتميم، وصحة المقابلة والمبالغة، والتكافؤ، والالتفات، ثم يخلص إلى بحث عيوبها ويذكر إثرها عيوباً عامة أخرى كالاستحالة والتناقض التي يوجدها الجمع بين المعنيين المتقابلين، ثم يذكر من عيوب المعاني إيقاع الممتنع فيها في حال ما يجوز وقوعه ويمكن كونه، وهذا يخالف الغلو في المعنى لينتهي إلى اعتبار مخالفة العرف ونسبة الشيء إلى ما ليس له من هذه العيوب(159).
ولا شك أن الأثر الفلسفي والمنطقي الذين يشكلان منطلقات في رصد المعنى على هذا المستوى كانا خلف وسم قدامة بأنه "كان منحازاً إلى تقدير "المعنى"(160)، إلا أن المعنى لا يلبث أن يستحيل عنصراً في البنية حيث يمتنع تحديد كينونة الشعر بالاستناد إلى جوهره المعنوي فقط؛ ذلك أن هذا الأخير لا يعدو أن يكون مادة أولية قابلة لأن تتشكل في صور شتى، ومن هنا فوسم القول بالشعرية بالاستناد إلى معناه فقط خروج عن حدود المحاصرة العلمية الدقيقة للنص الشعري، إذ إن الشعرية يحققها الإخراج الصوري للمعنى. فالتركيز لن يكون إلا على الصياغة وهذا يكشف عن حضور الوعي ببنية الكلام ومواصفاته الذاتية ذلك "أن المعاني كلها معرّضة للشاعر، وله أن يتكلم فيها في ما أحب وآثر، من غير أن يحضر عليه معنى يروم الكلام فيه، إذ كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة، والشعر فيها كالصورة، كما يوجد في كل صناعة من أنه لا بد فيها من شيءٍ موضوع يقبل تأثير الصور منها، مثل الخشب للنّجارة، والفضة للصياغة، وعلى الشاعر إذا شرع في أي معنى –كان- من الرّفعة والضّعة، والرّفث والنّزاهة، والبذخ والقناعة، والمدح وغير ذلك من المعاني الحميدة أو الذميمة، أن يتوخى البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة"(161).
وإذا كان الموقف السابق يستدعي فسح المجال للشاعر لينتقي المعنى الذي يريد كأن يصور تجربة شخصية أو يقصد في المدح إلى الوصف بخلاف المعاني النفسية التي رسّخها قدامة مثل أن يصف الممدوح بجمال الوجه مثلاً، فإنه يبدو أن انفساح المجال المعنوي للشاعر لا يعني الخروج عن حدود المواصفات المحددة للمعنى اللائق بحسب ما تتطلبه مقتضيات الوظيفة ذلك أن إزالة الحظر على الشاعر فيما يبتغي قوله من المعنى لا يعني إزالة كل ضابط، بل ينبغي أن يكون الانتقاء وفق مراتب المعاني الملائمة للأغراض، وما دام تنوع الأغراض كثيراً فإنه يستتبعه تنوع المعاني وتفاوتها، وحتى لو حدث أن كان الوصف مخالفاً لمقتضى الغرض كبيتي امرئ القيس اللذين يوردهما قدامة وفيهما وصف لمغامراته النسائية ثم يعلق أن "ليس فحاشة المعنى في نفسه مما يزيل جودة الشعر فيه كما لا يعيب جودة النجارة في الخشب مثلاً رداءته في ذاته"(162)، فإنما يأتي بالشاهد لتدعيم وجهة نظره في ضرورة قصد التجويد في القول بغض النظر عن قيمة المعنى، إذ لو كان الموقف عاماً لكان في إقراره فحش امرئ القيس وتجاوزه عن هذا الفحش، ما يبين عن مناقضته نفسه إذ يتطلب في الغزل ضد هذا المنحى بل يشده إلى منظوره الأخلاقي عامة ويتسامى به إلى اعتباره المقابل لمدح الرجال(163).
والمهم في مقامنا أن تقديم الصياغة انطلاقاً من فكرته عن صورة المعنى ينبني عليه رفض الاحتكام إلى مادة المعنى في ذاتها، إذ ما دام المعتبر هو تجويد الصياغة فلن يكون معيباً على الشاعر مدحه الشيء في قصيدة ثم ذمّه في أخرى إن أحسن المدح والذم بل ذلك يدل عند قدامة "على قوة الشاعر في صناعته واقتداره عليها"(164). ومن هنا فالطرافة والاستغراب في المعاني ليست من علائم الجودة في شيء" إذا كانت المعاني مما لا يجعل القبيح منها حسناً لسبق السابق إلى استخراجها كما لا يجعل الحسن قبيحاً للغفلة عن الابتداء"(165).
فإخراج الصورة للمعنى هو الغاية، وهذا لا يعني تجاهلاً للمعنى بل إقراراً باستحالته محتوى لا يمكن ضبطه إلا ضمن خواصه الصورية؛ ذلك أن تطبيقه المبدأ الفلسفي في الهيولى والصورة "حين رد ماهية الشعر إلى شكله"(166) لا يعني إهمالاً للمعاني الشعرية بل ذلك يؤكد حضورها في النص حضوراً "غير مفارق للصورة أو الشكل"(167)، وهذا الوعي بصورة المعنى والإحساس بتلاحم المادة وصورتها هو الذي هيأ لبحث ائتلاف عناصر النص، هذا البحث الذي يمر إلى درسه عقب تعرضه لهذه العناصر أفراداً حسب ما حدده منهجه الخاضع لمنظور منطقي في التصنيف.
أما مستوى البحث في عناصر البنية أفراداً فيظهر في تقصيه خصائص المعنى واللفظ والوزن والقافية ليتسنى لـه إحداث أوجه التآلف بينها جميعاً ضمن ثنائيات ضامة لكل عنصرين على حدة وكانت هذه المباشرة المفككة للعناصر من مقتضيات منهجه.
ويأتي عقب المعنى الذي أولاه أهمية بالغة –كما أشرنا في ما سلف- اللفظ الذي يشترط فيه "أن يكون سمحاً، سهل مخارج الحروف من مواضعها، عليه رونق الفصاحة، مع الخلو من البشاعة"(168)، ويعتني في وصف اللفظ بجوانب التلفظ مع ذكر الفصاحة عموماً دون تحديد خصائصها، ويمكن القول إن الوصف في النص السابق يتعلق ببنية الكلمة إجمالاً.
لكنه عندما يتعرض لذكر عيوب اللفظ يتجاوز المستوى السابق، حيث يرى أن من هذه العيوب استعمال الحوشي من الكلام، وجريه على غير سبيل الإعراب واللغة، ومنها أيضاً المعاضلة التي يحددها بالاستناد إلى رأي لأحمد بن يحيى المعروف بثعلب: بأنها مداخلة الشيء في الشيء، ثم يدقق التعريف بقولـه: "فمن المحال أن تنكر مداخلة بعض الكلام في ما يشبهه من وجه أو في ما كان من جنسه ويقي النكير إنما هو في أن يدخل بعضه في ما ليس من جنسه. وما هو غير لائق به وما أعرف ذلك إلا فاحش الاستعارة"(169). ولا يعنينا موقف النقاد من فهم قدامة للمعاضلة بهذا الشكل، إنما يعنينا الإشارة إلى أن بحثه اللفظ يطول الدلالة، إذ أن كل قصد للتجوز في الكلام باستعمال الاستعارة حسنة كانت أم قبيحة، إنما يتم بالارتكاز على معاني الألفاظ ومن هنا يشمل بحثه اللفظ مستوى الدلالة ليومئ إلى المستوى التركيبي أيضاً، إذ إن التنبه إلى أثر اللحن في الإعراب لا يقوم إلا على الوعي بعلائق الوحدات في التركيب.
ثم ينتقل إلى المستوى الصوتي ليفرع منه درس الوزن والقافية مشترطاً في الوزن "أن يكون سهل العروض"(170)، وفي القافية "أن تكون عذبة سلسة المخرج"(171). وما دامت "بنية الشعر" إنما هي التسجيع والتقفية(172)، وهو إحساس بالإخراج الشعري المتميز للقول بتأسيسه على علائق الانتظام الإيقاعي للصوت إذ كلما كان الشعر أكثر توظيفاً لهذه الخصائص الصوتية وأكثر اشتمالاً عليها "كان أدخل له في باب الشعر وأخرج له عن مذهب النثر"(173). أقول ما دامت بنية الشعر كذلك يكون منطقياً إلحاحه على ضرورة الاعتناء بالتوافقات الصوتية كما تتجسد في التصريع والترصيع، ذلك أن قصد الشعراء إنما هو "المقاربة بين الكلام بما يشبه بعضه بعضاً"(174).
وإذا كان مبدأ المقاربة في الكلام يتحقق حسب ما سلف في اعتماد إيراد المتشابهات في المستوى التوزيعي للكلام بحيث يتم فيه للأصوات التناغم والانسجام باعتماد التكرار في العناصر الصوتية أو توزيعها وفق نسبة زمنية متوافقة، فإن أشكالاً من المقاربة تمثل عناصر النص جملة يحكمها مبدأ واحد هو: الائتلاف تحقق لمستويات النص المختلفة باعتمادها أشكالاً من التوافقات التي تتيح لـه أن يخرج منسجماً متناغماً، ذلك أن "مؤلف الكلام البليغ الفصيح، واللفظ المسجع الصحيح، كناظم الجوهر المرصع، ومركب العقد الموشح، يعد أكثر أصنافه، ليسهل عليه إتقان رصفه وائتلافه"(175).
ويشكل مبدأ الائتلاف منظوراً شاملاً لكل مقاربة تحليلية للنص بدءاً من ضبط حد الشعر الذي يصاغ وفق محاصرة شاملة لكل العناصر المشكلة له، فهو "لفظ موزون مُقفّى يدل على معنى" (176)، إلى تشخيص أشكال التآلف الضابطة للعناصر.
والأساس المنطقي الذي كان خلف ضبط حد الشعر يكون المسؤول عن تفكيك البنية في هذه المقابلات الثنائية في شكل تتراص فيه العناصر إلى أن يكتمل البناء.
وإذا كنا سنؤخر القول في بحث ائتلاف اللفظ والمعنى إذ سيؤول بحث هذه العلاقة إلى الإقرار بالطاقة الإيحائية للغة وقدراتها على التكثيف، فإن ائتلاف اللفظ والوزن يكشف عن مفهوم أقرب ما يكون إلى الكم يرصد علائق الوزن بالألفاظ والعبارة في مستوى البنية الصرفية والتركيبية من منظور خارجي يكون التآلف فيه في انسجام الوزن وهيآت الكلام، وهو وإن طال الدلالة، إلا أن المعتبر هو الكم حيث لا ينبغي أن يطرأ على هذه العلاقة المتآلفة زيادة أو نقص يكون من شأنهما الإخلال بالعبارة أو الغرض، فائتلاف اللفظ والوزن يتحقق بأن "تكون الأسماء والأفعال في الشعر تامة مستقيمة كما بنيت لم يضطر الأمر في الوزن إلى نقضها عن البنية بالزيادة عليها أو النقصان منها، وأن تكون أوضاع الأسماء والأفعال والمؤلفة منها وهي الأقوال على ترتيب ونظام لم يضطر الوزن إلى تأخير ما يجب تقديمه، ولا إلى تقديم ما يجب تأخيره منها، ولا اضطر أيضاً إلى إضافة لفظة أخرى يلتبس المعنى بها، بل يكون الموصوف مقدماً والصفة مقولة عليها... ومن هذا الباب أيضاً أن لا يكون الوزن قد اضطر إلى إدخال معنى ليس الغرض في الشعر محتاجاً إليه، حتى إذا حذف لم تنقص الدلالة لحذفه أو بإسقاط معنى لا يتم الغرض المقصود إلا به، حتى إن فقده قد أثّر في الشعر تأثيراً بان موقعه"(177).
ويكشف هذا الائتلاف عن تصور احتوائي يقوم بين الوزن والمعنى مما يؤدي إلى ترسيخ فكرة الوزن القالب، إذ لا يبدو في فهم قدامة أن الوزن انبعاث لتناغم الأصوات في البيت كما تشكلها بنية النص المتفاعلة عناصرها في المستويات المختلفة، حيث يتسنى للدلالة الامتداد إلى المستوى الصوتي أيضاً، وإذ ذاك لا يمكن تصور الوزن مفارقاً أو كالمفارق لباقي المستويات، ويؤكد هذا المنحى في التصور نعته ائتلاف المعنى والوزن حيث يتحقق بأن "تكون المعاني تامة مستوفاة لم تضطر بإقامة الوزن إلى نقصها عن الواجب ولا إلى الزيادة فيها عليه"(178).
فكأن إقامة الوزن أمر طارئ على معانٍ مكتملة قد يوقعها الاضطرار في عيوب "منها المقلوب: وهو أن يضطر الوزن الشاعر إلى إحالة المعنى وقلبه إلى خلاف ما قصد به. ومنها: المبتور: وهو أن يطول المعنى عن أن يحتمل العروض تمامه في بيت واحد فيقطعه بالقافية ويتمه في البيت الثاني"(179). فمقتضى الانسجام يستوجب تكيّف كل طرف مع الآخر بحيث لا ينتج عن محاولة الائتلاف هذه وتكلف إخراج القول في نسق واحد أدنى اضطراب وقلق.
وتتنزل القافية في صلتها بالمعنى ضمن هذا المجرى الذي يقتضي التحام القافية بما عداها من عناصر المعنى في البيت، ومن هنا تتجسد أبرز عيوبها في أن يؤتى بها "لأن تكون نظيرة لأخواتها في السجع، لا لأن لها فائدة في معنى البيت"، "أو أن تكون مستدعاة قد تكلف في طلبها فاستعمل معنى سائر البيت"(180)، لذلك وجب أن يكون تعلق القافية بما تقدم من معنى البيت: "تعلق نظم له وملاءمة لما مرّ فيه"(181). ويتحقق هذا التعلق اللاحم للقافية بسائر المعنى في أشكال من الائتلاف كالإيغال والتوشيح حيث يمثل هذا الأخير النموذج الأوفى لهذه الصلة "وهو أن يكون أول البيت شاهداً بقافيته ومعناه متعلقاً به حتى إن الذي يعرف قافية القصيدة التي البيت منها إذا سمع أول البيت عرف آخره وبانت له قافيته. مثال ذلك قول الراعي:
وإن وزن الحصى فوزنت قومي



وجدت حصى ضريبتهم رزينا



فإذا سمع الإنسان أول هذا البيت استخرج منه لفظة قافيته، لأنه يعلم أن قوله وزن الحصى سيأتي بعده رزين لعلتين: أحدهما: أن قافية القصيدة توجبه، والأخرى: أن نظام المعنى يقتضيه لأن الذي يفاخره برجاحة الحصى يلزمه أن يقول في حصاه أنه رزين"(182) فليست القافية في هذا التصور عنصراً موسيقياً يؤتى به لإحداث الانسجام الصوتي فحسب، وإنما هي عنصر حيوي في لحمة النظام المعنوي لمجمل البيت.
وأخيراً يتحقق جوهر الائتلاف في علاقة اللفظ بالمعنى التي تمثل قطب الرحى لمجمل علائق العناصر في البنية الشاملة، وتبرز بموجبها علاقة المعنى بصورته في أشكال من التآلف، تبدو أحياناً تطابقاً للعنصرين في نفس الحيّز الذي تشغله مساحة المعنى أو مساحة اللفظ، ويكون ذلك في ما سمي بالمساواة بين الطرفين" وهو أن يكون اللفظ مساوياً للمعنى حتى لا يزيد عليه ولا ينقص عنه"(183). ويتحقق ذلك بأن تكون "الألفاظ قوالب للمعاني" حيث تتم التسوية بين الطرفين، فلا تفاضل في المقدار بينهما. وتأخذ العلاقة أحياناً أخرى خاصية "التلميح" التي تحقق كثافة في المعنى بحيث "يكون اللفظ القليل مشتملاً على معان كثيرة بإيماء إليها، أو لمحة تدل عليها"(184). وعدم التكافؤ بين الطرفين لا يعني الإخلال، وإنما هو استغلال الإمكانات التعبيرية الكامنة في اللغة التي تنفي عن صلات الطرفين كل مباشرة وتغدو الدلالة بموجب هذا البناء المتكاثف محصلة الروابط الخفية بين الدوال والمدلولات ويتعمق ذلك في الإرداف "وهو أن يريد الشاعر دلالة على معنى من المعاني فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى، بل بلفظ يدل على معنى هو ردفه وتابع له، فإذا دل على التابع أبان عن المتبوع"(185)، وفي التمثيل "وهو أن يريد الشاعر إشارة إلى المعنى فيضع كلاماً يدل على معنى آخر وذلك المعنى الآخر والكلام ينبئان عما أراد أن يشير إليه"(186).
ولقد أولى غير قدامة الإيحاء في اللغة عناية، إلا أن تنزيله لدى قدامة ضمن فكرته عن الائتلاف عامة ترسيخ لعلاقات العناصر النصيّة في وحدة ضامة لكافة المستويات تتألف في إطارها هذه العناصر في كيان شامل لها جميعاً، لكن هذه الوحدة الشاملة لا تقوم على وعي بتفاعل العناصر في بنية تجعل مستحيلاً إمكان تصور أي عنصر خارج إطارها البنيوي العام، ذلك رغم أنه "أدخل المفهوم الأساسي للائتلاف فهو لا يفضي بفضله إلى دراسة القصيدة بصفتها عنصر تنظيم عام، لكنه يجري في الواقع تصنيفاً منطقياً مدرجاً دراسة العلاقات الوسطية عوض التحليل البنيوي الحقيقي الهادف إلى فهم الآليات الداخلية"(178).
إلا أنه رغم ضوابط التصنيف المنطقي، وانتهاء مشروع قدامة التأليفي بمواجهة كل عنصر في البنية على حدة، ثم إدراجه في علاقات توافق مع غيره، فإن كل ذلك لا يقلل من محاولته الكشف عن تكامل العناصر النصية في كون جامع يغدو بموجبه المعنى متآلفاً مع بقية طبقات النص. ويتأكد بذلك إحساسه العميق بحضور العناصر النصية بكياناتها البارزة حيث ينتفي عنها دور الوسيط المشير إلى المعنى فقط، بل تغدو خصائص الإشارة ترسيخاً لوعي بالنص "وأحسن البلاغة الترصيع، والسجع واتساق البناء، واعتدال الوزن، واشتقاق لفظ من لفظ، وعكس ما نظم من بناء، وتلخيص العبارة بألفاظ مستعارة، وإيراد الأقسام موفورة بالتمام، وتصحيح المقابلة بمعان متعادلة، وصحة التقسيم باتفاق النظمْ، وتلخيص الأوصاف بنفي الخلاف، والمبالغة في الرصف بتكرير الوصف، وتكافؤ المعاني في المقابلة، والتوازي، وإرداف اللاحق، وتمثيل المعاني"(188).
فقدامة بن جعفر الذي أسس تصوره النص الأدبي بالاستناد إلى مقولة الائتلاف تمكن، رغم المنطلقات المنطقية، من أن يمتد بنظرته لتعانق عناصر النص المختلفة في منهج صارم انتظمت خطوطه بنية كتاب "نقد الشعر"، وتوزعت على إثرها مسائل النص ومستوياته. واستطاع أن يدلل على فكرة الإخراج الصوري للمعنى ببحث دقائق هذا الإخراج وبتتبع علائق عناصر النص المتوافقة لأحداث الدلالة. وبه كملت حلقة من حلقات البحث النقدي والبلاغي عند العرب طرحت أغلب الأسس التي سيعتمد عليها اللاحقون في تقصيّهم مسائل النص الأدبي وتجلية قضاياه.

c
¡ هوامش الفصل الأول:

(1) حمادي صمود، التفكير البلاغي عند العرب، ص: 185.
(2) ضبط المحقق ضمن قائمة الفهارس العامة فهرساً للبيان والبلاغة حدد فيه مواضع ذكر تعريفات الاصطلاحات ذات الصلة بالأدب وأنواعه وغيرها من الاصطلاحات المعتمدة لدى الجاحظ لتحديد خصائص النص الفنيّة. ينظر: البيان والتبيين 4: 107-114.
(3) ينظر: عبد السلام المسدي، البيان بين منهج التأليف ومقاييس الأسلوب ضمن قراءات مع الشابي والمتنبي والجاحظ وابن خلدون: 123...
(4) حمادي صمود، التفكير البلاغي عند العرب، ص: 169.
(5) A. TRABULSI, La critique poétique des Arabes, p. 123.
(6) ينظر للإحاطة بدلالات مصطلح معنى: مصطفى ناصف، نظرية المعنى في النقد العربي، ص: 38.
(7) ينظر: المجدوب البشير، تحليل نقدي لمفهوم النثر الفني عند القدامى، ضمن: قضايا الأدب العربي، ص: 344.
(8) ينظر: ألفت كمال الروبي، نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين، ص: 149.
(9) منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 143-144.
(10) طبقات فحول الشعراء، ص: 56.
(11) ملاحظات حول مفهوم الشعر عند العرب، ضمن قضايا الأدب العربي، ص: 236.
(12) البشير المجدوب، تحليل نقدي لمفهوم النثر الفني عند القدامى، ص: 345.
(13) الحيوان 1، ص: 74-75.
(14) البيان والتبيين 1، ص: 144.
(15) البيان والتبيين 1، ص: 20.
(16) نفسه 1، ص: 24.
(17) نفسه 1، ص: 204.

(18) نفسه، ص: 14. ينظر أيضاً: عبد السلام المسدي، البيان والتبيين بين منهج التأليف، ص: 131.
(19) عبد الحكيم راضي، النقد اللغوي في التراث العربي، ص: 84.
(20) الجاحظ، البيان 1، ص: 161.
(21) الجاحظ، كتاب التربيع والتدوير، ص: 20.
(22) الجاحظ، البيان 1، ص: 14.
(23) نفسه 2، ص: 8. وللتعرف على هذه الصفات ومراتبها ينظر: حمادي صمود، التفكير البلاغي، ص: 263 وما بعدها. عبد السلام المسدي، قراءات، ص: 131-132. ميشال عاصي، مفهوم الجمالية والنقد في أدب الجاحظ، ص: 169.
(24) رسائل الجاحظ 1، ص: 262.
(25) نفسه. ينظر: الرسائل بتحقيق الحاجري، ص: 100.
(26) نفس المصدرين، على التوالي: 271-107.
(27) الجاحظ، البيان 1، ص: 136.
(28) الجاحظ، الحيوان 6، ص: 8. ينظر أيضاً: الحيوان 3، ص: 39. البيان 1، ص: 145.
(29) الجاحظ، البيان 4، ص: 28.
(30) الجاحظ، رسالة في مدح التجار وذم عمل السلطان، مجموع ساسي، ص: 159، بدلالة حمادي صمود، التفكير البلاغي: 146. هامش: 2.
(31) نفسه. ينظر: الرسائل 1: 262. الرسائل بتحقيق الحاجري: 100.
(32) ميشال عاصي. مناهج الجمالية والنقد في أدب الجاحظ: 168.
(33) الجاحظ، البيان 1: 92-93. ينظر: حمادي صمود، التفكير البلاغي: 286.
(34) الحيوان 3: 365.
(35) الجاحظ، البيان 1: 75.
(36) نفسه 1: 83. وكذا: 106-107. والجزء 2: 7.
(37) حمادي صمود، التفكير البلاغي: 280.
(38) الجاحظ، كتاب التربيع والتدوير: 90.
(39) الجاحظ، البيان 1: 111-113.
(40) عبد السلام المسدي، قراءات: 140.
(41) حمادي صمود، التفكير البلاغي: 277.
(42) البيان 1: 116-117. لمزيد من الاطّلاع على استغلال الجاحظ لهذه الطاقة ومختلف الاصطلاحات المعتمدة. ينظر: عبد السلام المسدي، البيان والتبيين بين منهج التأليف...: 141-142-143.
(43) الجاحظ، مجموع ساسي: 162.
(44) الجاحظ، الرسائل 1: 307.
(45) الجاحظ، الحيوان 3: 72-75.
(46) وهذا الحضور لذات الخطاب هو الذي يميز وظيفته الإنشائية، ينظر:
R. JAKOBSON, Essais de Linguistique Général, T. 1, p. 218.
(47) سورة الواقعة، الآية: 19.
(48) الجاحظ، الحيوان 3: 86.
(49) الجاحظ، البيان 3: 376.
(50) عبد القاهر، أسرار البلاغة: 135-136. ينظر أيضاً: إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب: 431-432.
(51) الجاحظ، البيان 1: 89-90.
(52) الجاحظ، البيان 1: 144. وكذلك: 137-378.
(53) الجاحظ، الحيوان 1: 90.
(54) الجاحظ، البيان 1: 92.
(55) الجاحظ، البيان 2: 9.
(56) نفسه 1: 204.
(57) نفسه.
(58) نفسه 2: 14.
(59) الجاحظ، البيان 2: 14.
(60) نفسه 1: 137.
(61) الجاحظ، الرسائل بتحقيق الحاجري: 219.
(62) الجاحظ، البيان 1: 114.
(63) نفسه 1: 254.
(64) الجاحظ، الحيوان 1: 7.
(65) الجاحظ، البيان 1: 146.
(66) الجاحظ، الحيوان 1: 282.
(67) الجاحظ، الحيوان 1: 74-75.
(68) الجاحظ، الحيوان 3: 131-132.
(69) ينظر: شكري عياد. م: المؤثرات الفلسفية والكلامية في النقد العربي والبلاغة العربية: 10. حمادي صمود، التفكير البلاغي: 275.
(70) شكري عياد، المؤثرات الفلسفية...: 10.
(71) ينظر: عبد القادر الجرجاني، دلائل الإعجاز: 181.
(72) إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب: 424.
(73)الجاحظ، الحيوان 3: 311-312.
(74) الجاحظ، الحيوان 2: 93- 353. 4: 167. 6: 325- 456-457. 7: 21...
(75) الجاحظ، الحيوان 3: 476.
(76) شكري عياد، كتاب أرسطو طاليس في الشعر: 248.
(77) إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي: 424.
(78) نفسه: 107.
(79) إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي: 100.
(80) نفسه: 98.
(81) سبق الوعي بمسائل التركيب في مؤلفات السابقين من اللغويين التي ستمثل منطلقات البحث في قضايا النظم، خاصة في بيئات المتكلمين.
ينظر: سيبويه. الكتاب 1: 56... أبو عبيدة. مجاز القرآن 1: 138-13-31-35-36- 173. الفراء. معاني القرآن 1: 13-14. 23-24. 43- 44. 202-256. جـ2: 308، 416، 467. ابن سلام. طبقات فحول الشعراء 1: 39-132-135. جـ2: 535.. من الدارسين المعاصرين ينظر: حمادي صمود. التفكير البلاغي: 120-121.
(82) عبد السلام المسدي. قراءات: 134.
(83) حمادي صمود. التفكير البلاغي: 295.
(84) ينظر: الجاحظ. الحيوان 3: 86. ذكرنا النص في بحث الإيحاء.
(85) الجاحظ. البيان 4: 24.


(86) الجاحظ. الحيوان 1: 10. ينظر: الرسائل. تحقيق الحاجري: 175.
(87) الجاحظ، الرسائل، تحقيق الحاجري: 88.
(88) الجاحظ، الحيوان 1: 9.
(89) الجاحظ، العثمانية: 16.
(90) الجاحظ، البيان 3: 28.
(91) الجاحظ، البيان 1: 65-66.
(92) نفسه 1: 66.
(93) نفسه 1: 67.
(94) ينظر: البيان 1: 89-287...
(95) البيان 1: 138.
(96) الجاحظ، مجموع ساسي: 160.
(97) الجاحظ، البيان 4: 30.
(98) الجاحظ، البيان 1: 69.
(99) مثلما اعتبره حمادي صمود، حيث ضمنه معنى التآلف الصوتي، ينظر: التفكير البلاغي عند العرب: 289.
(100) نفسه 1: 205-506.
(101) نفسه 1: 206.
(102) نفسه 1: 67.
(103) مصطفى ناصف، نظرية المعنى في النقد العربي: 39.
(104) ابن قتيبة، تأويل مشكلة القرآن: 3.
(105) نفسه: 14.
(106) ابن قتيبة، الشعر والشعراء 1: 69.
(107) نفسه 1: 72-73.
(108) طه أحمد إبراهيم، تاريخ النقد الأدبي عند العرب: 118.
(109) ابن قتيبة، الشعر والشعراء 1: 92.
(110) ابن قتيبة، الشعر والشعراء 1: 92.
(111) نفسه 1: 66.
(112) ينظر: الشعر والشعراء 1: 63-64. تأويل مشكل القرآن: 14. عيون الأخبار 2: 185.
(113) ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن: 131.
(114) حمادي صمود، التفكير البلاغي: 334.
(115) ابن قتيبة، الشعر والشعراء 1: 170-216-297-311... المعاني الكبير 1: 283.
(116) ابن قتيبة، الشعر والشعراء 1: 68.
(117) ابن قتيبة، الشعر والشعراء 1: 68.
(118) نفسه.
(119) نفسه 1: 66.
(120) ابن قتيبة، الشعر والشعراء 1: 66-67.
(121) نفسه 1: 67-68.
(122) إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي: 108.
(123) ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن: 16.
(124) سورة الأنفال، الآية: 85.
(125) ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن: 16.
(126) ومبدأ المشاكلة يبدأ في الشيوع عند النقاد بدءاً من القرن الثالث بتأثير من الجاحظ لا شك.
ينظر: ابن المدبر، الرسالة العذراء في موازين البلاغة ضمن رسائل البلغاء: 230-231-242. الصولي، أخبار البحتري: 136-137. ابن وهب، البرهان: 186.
(127) ابن طباطبا، عيار الشعر: 11.
(128) ابن طباطبا، عيار الشعر: 8.
(129) جابر عصفور، مفهوم الشعر: 42.
(130) ابن طباطبا، عيار الشعر: 127.
(131) نفسه: 4.
(132) ابن طباطبا، عيار الشعر: 85.
(133) نفسه: 89.
(134) نفسه: 87.
(135) نفسه: 83.
(136) ابن طباطبا، عيار الشعر: 67. ينظر أيضاً: 40-102.
(137) نفسه: 48-49.
(138) نفسه: 120-121.
(139) ابن طباطبا، عيار الشعر: 121.
(140) ابن طباطبا، عيار الشعر: 5.
(141) عبد الحميد يونس، الأسس الفنية للنقد الأدبي: 54.
(142) إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي: 136.
(143) جابر عصفور، مفهوم الشعر: 45.
(144) J. E. BENCHEIKH, Poétique Arabe, p. 122.
(145) ابن طباطبا، عيار الشعر: 5. ينظر: 128.
(146) J. E. BENCHEIKH, Poétique Arabe, p. 122.
(147) ابن طباطبا، عيار الشعر: 5-6.
(148) ابن طباطبا، عيار الشعر: 124.
(149) نفسه: 126-127.
(150) نفسه: 76.
(151) ابن طباطبا، عيار الشعر: 9.
(152) نفسه.
(153) نفسه: 15.
(154) نفسه: 14.
(155) قدامة، نقد الشعر: 91. ينظر: 184-96.
(156) نفسه: 94.
(157) نفسه.
(158) نفسه: 95 وما بعدها.
(159)
(160) إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي: 190.
(161) قدامة بن جعفر، نقد الشعر: 65-66.
(162) نفسه: 66.
(163) نفسه: 164-136. ينظر أيضاً: إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي: 212.
(164) قدامة، نقد الشعر: 66.
(165) نفسه: 152.
(166) شكري عيّاد، م: المؤثرات الفلسفية والكلامية في النقد العربي والبلاغة العربية: 11.
(167) جابر عصفور، مفهوم الشعر: 195.
(168) قدامة، نقد الشعر: 74.
(169) نفسه: 172-174-175.
(170) نفسه: 78.
(171) نفسه: 86.
(172) نفسه: 90.
(173) نفسه.
(174) نفسه: 85.
(175) قدامة، جواهر الألفاظ: 2.
(176) قدامة، نقد الشعر: 64.
(177) نفسه: 165. ينظر لتقصي عيوب ائتلاف اللفظ والوزن التي منها: الحشو والتثليم والتذنيب... وهي تفصيل ما أجمله في النص السابق: 206-207-208.
(178) نفسه: 166.
(179) نفسه: 209.
(180) نفسه: 210.
(181) نفسه 167.
(182) نفسه.
(183) نفسه: 153
(184) نفسه: 154-155.
(185) نفسه: 157.
(186) نفسه: 160. جواهر الألفاظ: 7-8.
(187) J. E. BENCHEIKH, Poétique Arabe, p. 98.
(188) قدامة، جواهر الألفاظ: 3.

cc

Eng.Jordan
11-07-2013, 03:55 PM
الفصل الثاني:

النص الأدبي بين ثنائية اللفظ
والمعنى والفصاحة والبلاغة حتى ابن رشيق



لم يكن قصدنا مقاربة تصور الذهن العربي الإسلامي لإشكال اللفظ والمعنى من منظور تاريخي يتنامى فيه الرصد وفق تتابع الفكرة، إنما هدفنا تحسّس هذا التصور لدى الطوائف التي نخصها بالبحث وفق ما يستوجبه منطق منهجه الذي يقتضي أن نخص كل فئة أو تيار بوقفة أو وقفات، فكان أن انتهت دورة النقاد الأولى بقدامة بن جعفر، وبه اكتمل رأي في النص الأدبي ينوع في أشكال معالجته له بدءاً من الإلحاح على ضرورة التشاكل والتطابق بين المعنى واللفظ التي ستصل إلى نضوجها في المصادرة على فكرة صورة المعنى المطروحة من أيام الجاحظ، إلى فكرة الائتلاف الضام لعناصر النص المختلفة كما رأينا ذلك عند قدامة بن جعفر.
والواقع أن النقاد الذين نخصهم بهذه الوقفة بدءاً من أصحاب الموازنات، ثم بعض البلاغيين كأبي هلال العسكري وابن سنان الخفاجي اللذين تزاوج الطرح عندهما في بحث إشكال اللفظ والمعنى بإشكال الفصاحة والبلاغة، إلى فئة من نقاد القرن الخامس الهجري كالمرزوقي والشريف المرتضى وابن رشيق، دون أن نجزم بانفصال حقل البلاغة عن حقل النقد لدى هؤلاء ولدى غيرهم أيضاً، كان بين أيديهم وواكبهم نتاج وافر في الميدان، تجسّده إنجازات النقاد السابقين، وتمثّل أيضاً في أعمال متفلسفة في الإسلام في مجال النقد الأدبي والبلاغة انطلاقاً من مختصرات الكندي إلى آراء الفارابي مع الإشارة إلى طروحات أبي حيان التوحيدي واجتهادات مسكويه وتشعبات آراء فلاسفة القرن الرابع في الأدب نثره وشعره عامة، وفي معضلة اللفظ والمعنى خاصة كما تبلوره أيضاً طائفة المتكلمين التي استقطب نتاجها مبحث إعجاز القرآن كحال الجاحظ في مؤلفه الذي لم يصلنا، وما يمكن أن يكون قد بثّه الواسطي في الموضوع مما تضمنه كتابه في إعجاز القرآن أيضاً، إلى المعالجة المتقدّمة كما يجسدّها الرماني والخطابي فالباقلاني وغيرهم، هذه الفئات المتعاصرة والمتداخلة كان يمكن أن تتيح للنقاد الذين ندرسهم في هذا الموضع مزيداً من تعميق البحث في إشكال اللفظ والمعنى، إلا أن هؤلاء ظلوا في الأغلب- أمناء لطروحات السابقين وخاصة الجاحظ وقدامة- فيما يخص قضيتنا طبعاً- ولم يتمكنوا من إضافة الجديد الحق باستثناء بعض التفريعات والتشقيقات أحياناً، دون أن ننسى محاولة هذا الناقد أو ذاك تنزيل عمله في إطار عام كالإشكال الذي انطلق منه الآمدي والقاضي الجرجاني المتمحور حول قضية الموازنة والوساطة التي ستشكل بدايتنا في قراءة آراء هؤلاء النقاد والبلاغيين.

اللفظ والمعنى عند أصحاب الموازنات

تكشف الموازنة بين البحتري وأبي تمام والوساطة بين المتنبي وخصومه عن ذوقين في الكتابة ومنحيين في تصور خصائص الفن في النص الأدبي، وهذان الموقفان ليسا إلا واجهتين لصدام خفي بين مسلكين في المعرفة، اقتنع أحدهما بأنه الوصي على أصول قديمة راسخة في الثقافة العربية الإسلامية تُحدُّ بجهود اللغويين ومن تأثر بهم في البحث البلاغي والأدبي، وتترسخ قناعة هذا التيار شعرياً في ضرورة تأسيس هذا الفن ممارسة ونقداً على ثوابت تقاليد القصيدة الجاهلية. واستفاد ثانيهما من روافد ثقافية فلسفية ومنطقية فعكف يستمليها ليجدد الحياة في عروق القصيدة العربية، إذ خيّل إليه أن تدقيق المعنى وسبكه في صورة معقدة تقوم على الاستغلال الواسع لأوجه بلاغية كالاستعارة والجناس والطباق، وتوظّف الألفاظ المستعارة من حقول معرفية ظلت غريبة عن الشعر كعلم الكلام والفلسفة تجديد في الشعر، فكان أن اختلفت مواقف النقّاد بين منتصرٍ للقديم ومنتصرٍ للمحدث. وظل الصدام مطروحاً والخلاف مستفحلاً إلى أيام الآمدي والقاضي الجرجاني بل إلى ما بعدهما، حيث قدر لهذا الخلاف أن يأخذ مداه كاملاً بالاعتكاف على استخلاص الأسس والقواعد الفنيّة التي ستمكن من وضعه في إطاره النظري المؤسس لمنطلقات كل طرف، مع توثيق التنظير بتفريعات التمثيل والتحليل لأبرز كتابات الطرفين.
من هنا تتنزّل الموازنة والوساطة في جوهر هذه الأعمال إذ نمثل بهما لأصحاب الموازنات عامة، لكنّنا لا ندعي أن الفواصل كانت حاسمة بين التيارين، ففي الشعر مثلاً، لا يمكن وضع البحتري بمنأى عن تلطيف المعنى واستغلال الشائع من الثقافة الفلسفية إذ له مثاليته الخاصة(1)، أما في النقد فإنه على الرغم من أن الآمدي لا يخفي موقفه من الانتصار لمذهب عمود الشعر العربي، فإنه لا يجد بُدّاً من الانطلاق من أصول فلسفية عامة يبني عليها رأيه في طريقتي الكتابة اللذين يمثّلهما كل من البحتري وأبي تمام.
فالآمدي إذ يهدف إلى توفير شروط الاقتناع بصحة رأيه في الشعر وميله إلى القديم يضع تصوره هذا ضمن نطاق شامل لكل صناعة بالاعتماد على فكرة العلل الأربع، ذلك "أن صناعة الشعر وغيرها من سائر الصناعات لا تجود وتستحكم إلا بأربعة أشياء وهي: جودة الآلة، وإصابة الغرض المقصود، وصحة التأليف، والانتهاء إلى تمام الصنعة من غير نقص فيها ولا زيادة عليها"(2)، ثم يدقّق هذه المصطلحات مقترباً من المصطلح المعتمد لدى الفلاسفة ذاكراً أن كل محدث مصنوع يحتاج إلى أربعة أشياء: "علّة هيولانية وهي الأصل، وعلّة صورية، وعلّة فاعلة، وعلّة تمامية"(3)، ليخلص إثر ذكر أنموذج الخلق عامة مصداقاً لهذه المبادئ أو العلل إلى التطبيق على فعل الصنعة الذي يشمل كل مصنوع، بما في ذلك الشعر، ذلك أنه لا يستقيم فعل الصنعة "إلا بهذه الأشياء الأربعة، وهي: آلة يستجيدها ويتخيرها مثل خشب النجار، وفضة الصانع، وآجر البناء، وألفاظ الشاعر والخطيب، وهذه هي العلّة الهيولانية التي قدّموا ذكرها وجعلوها الأصل. ثم إصابة الغرض فيما يقصد الصانع صنعته، وهي العلّة الصورية التي ذكروها. ثم صحة التأليف حتى لا يقع فيه خلل ولا اضطراب، وهي العلة الفاعلة. ثم أن ينتهي الصانع إلى تمام صنعته من غير نقص منها ولا زيادة عليها، وهي العلّة التمامية. فهما قول جامع لكل الصناعات والمخلوقات.
فإن اتفق الآن لكل صانع بعد هذه الدعائم الأربع أن يحدث في صنعته معنىً لطيفاً مستغرباً كما قلنا في الشعر من حيث لا يخرج عن الغرض، فذلك زائد في حسن صنعته وجودتها، وإلا فالصنعة قائمة بنفسها مستغنية عمّا سواها"(4).


وعلى الرغم من أن توظيف هذا الاقتباس لتوضيح فكرة الصنعة
الشعرية غير متطابق تماماً مع المعاني أو الوظائف التي حددها الفلاسفة للعلل الأربع(5)، فإننا نميل إلى أن الآمدي كان واعياً بالمنزع الذي نحاه في استغلال هذه المبادئ لتحديد تصوّره الشعر وجودته، من هنا لا نميل إلى وسمه بأنه "لم يعرف منزلة" العلة الصوّرية" من هذه العلل الأربع، وأنها هي التي تقوم بها الصفة الذاتية للشيء، وكأنه توهّم من قولهم إن العلة الهيولانية هي (الأصل) وأن العلل الباقيات فروع لها. وهو قد رأى هذه العلة الهيولانية في الألفاظ دون أن يلاحظ أن الألفاظ دوال على معان، ومن ثم كان بعيداً كل البعد عن أن يبين بطريقة فلسفية، صفات الشعر الجيّد، وانتهى إلى حيث بدأ من تقرير أن المعاني اللطيفة في الشعر نافلة ليست بأصل"(6). ذلك أن العوامل المؤدية إلى غير هذا الموقف كثيرة.
ونلاحظ بداية أن فكرة العلل الأربع شائعة في الأوساط الثقافية آنذاك وليست حكراً على فئة دون أخرى، إذ يبدو أن هذه المصطلحات، وخاصة مصطلح الصورة، رائجة التوظيف لدى الفئات المختلفة، وليس اعتماد الجاحظ وسم الصياغة الشعرية للمعنى بالصورة(7) سوى استغلال لهذا المنحى، فلا يمكن للآمدي أن يكون في منأى عن هذا الشيوع وهو يتخذ موقفاً رافضاً لكل ميل إلى استغلال التدقيق الفلسفي في الشعر، علماً بأنه عاش في القرن الرابع الهجري عصر رواج التفلسف وذيوع صيته، ناهيك أن انتقاده قدامة بن جعفر في كتابه "نقد الشعر"، ومخالفته إياه في مسائل كالمدح بصفات الجمال كانت تتيح له وهو ينقد هذا الكتاب المؤسس على فكرة التأليف واستغلال مفهوم الصورة والمادة بصريح قول قدامة، أن يدرك بعمق دلالات هذه المصطلحات وأن ينزّل مفهوم الصورة المنزلة التي تلائم المعنى الفلسفي، ولكنه أبى مسايرة قدامة ذلك لأنه يبتغي توظيف هذه المبادئ لخدمة أغراضه.
أما في الإطار العام فقد ساير معهود الاستعمال، ففي شرحه الخلق الإلهي للكائنات يرى أن "الهيولانية فهم يعنون به: الطينة التي يبتدعها البارئ جلّ جلاله ويخترعها ليصور ما شاء تصويره من رجل أو فرس أو جمل أو غيرها من الحيوان، أو برّة أو كرمة أو نخلة أو سدرة أو غيرها من سائر أنواع النبات"(8)، فباستثناء رأيه بأن الهيولى مخلوقة تمشيّاً مع التصور الإسلامي لفعل الخلق وهي عند الفلاسفة قديمة، نراه مدركاً لعلاقة الهيولى بالصورة، إذ إن فحوى كلامه يؤكد أن اختلاف المخلوقات إنما هو بالصورة الطارئة على المادة "الطينة". فالمخلوقات المعددة في النص تشترك في وحدة المادة وتختلف في الصورة التي تهب كلا خصائصه، فضلاً عن أن استعماله المصطلح يكشف عن إلمامه بالتنوع في الاصطلاح، فاستعماله العلّة التمامية وهي "إن صدقنا الآمدي في استعمال المصطلح تساوي العلّة الغائية"(9) يكشف عن إطلاعه على التنوع في الاصطلاحات المستخدمة في وصف الفكرة الواحدة، ذلك أن هذا الاستخدام يعود إلى أيام الفيلسوف الكندي(10).
أما المهم فهو مقابل اللفظ والمعنى في هذه المبادئ الأربعة، فهل "غير خاف أننا لا نستطيع مناقشة الآمدي في هذا التشبيه الذي استمده من الفلسفة، لأنه لم يفهمه. فالعلتان الأولى والثانية "الهيولانية والصورية" تقابلان في الشعر ما أطلق عليه النقاد العرب اسمي "اللفظ والمعنى"(11)؟ والحق أن التقابل لم يكن بهذه الكيفية دائماً، إذ من النقاد من قابل –حقاً- بين الهيولى والصورة والمعنى واللفظ كقدامة مثلاً، ومن تأثره كأسامة بن منقذ، والنواجي(12). ومن النقاد من اعتبر الهيولى مقابلاً للألفاظ، لأنه يعتبر موضوع الصنعة الشعرية للألفاظ وحسن تأليفها، ومن هؤلاء الآمدي وابن سنان وكلاهما انتقد قدامة وأفاد منه، وكذلك المواعيني الذي عرض إحسان عباس رأيه في الموضوع(13).
وتأسيساً على ما سلف لم يهمل الآمدي المعنى إذ يتنزّل عنده في مرتبتين:
مرتبة يكون المعنى فيها كالأمر البديهي يسميه المعنى المكشوف(14)، إذ إن كل صياغة شعرية لا بد أن تحتوي معنى، أمّا جوهر الشعرية فيكمن في الصياغة نفسها. ومرتبة يتحقق فيها للمعنى اللطافة والاستغراب، وهذا أمر
زائد في حسن الصنعة والجودة، ذلك أنّ الصنعة قائمة بنفسها مستغنية عما سواها(15).
ولذلك كان توظيف الآمدي فكرة العلل الأربع متمشياً مع هذه الأصول، ذلك أن تمام الصياغة الشعرية يتحقق بإصابة الغرض المقصود المقابل للعلّة الصورية التي تتأسس على الهيولى المتجسدة هنا في الألفاظ، وهو تحوير في القضية، إذ إن قدامة يرى أن المعنى كالمادة والشعر فيه كالصورة، والآمدي يرى اللفظ كالمادة وإصابة الغرض المقصود هو الصورة، ولا يشك في أن إصابة الغرض في الشعر هو تحقيق المعنى المقصود. ثم يتلوهما صحة التأليف حتى لا يقع فيه خلل ولا اضطراب، كما قال، ومن هنا نفهم قوله أخيراً: "فصحّة التأليف في الشعر وفي كل صناعة هي أقوى دعائمه بعد صحة المعنى، فكل من كان أصح تأليفاً كان أقوم بتلك الصناعة ممن اضطرب تأليفه"(16)، فصحّة المعنى هنا هي تنزّله ضمن المقصد والغرض حسب التقاليد الضابطة للأغراض، ومقتضيات الأعراف الاجتماعية وخصائص الصنعة الشعرية، ويبدو أن الآمدي استغل قدامة هنا، ذلك أن من شروط صحة المعنى لديه ملاءمته الغرض(17). أما صحة التأليف فهي مسألة صياغة تتعلق بنسيج الكلام ونظمه. وهكذا نصل إلى العلّة الغائية التي تضبط شروط إيفاء الصنعة حقها من غير زيادة ولا نقصان، وبتمامها يكمل لفعل الصنعة وجوده، وخارج هذا الوجود يمكن أن يتفق للشاعر تحقيق معنى لطيف، فهو كالفضلة يزيد من حسن الصنعة ما دام "لا يخرج عن الغرض". وانتفاؤه من الصياغة لا يعني قيام التأليف على شكل مفارق أجوف، إذ إنه يتأسس على معاني الشعر المعهودة كما حصرها عمود الشعر عند العرب.
وسيكون بين يدي الآمدي مبدآن اثنان يقيم بواسطتهما موازنته بين البحتري وأبي تمام، وبهما تتأسس معالجته النص الأدبي عموماً، وهما: حسن التأليف، ودقة المعاني، وحضور العنصرين في الصياغة الشعرية تحقيق لغاية الجودة القصوى، والاكتفاء بحسن التأليف فقط، مع قيامه طبعاً على معهود المعاني، يعني وقوع الصياغة ضمن قيم عمود الشعر العربي، وتلك طريقة البحتري، أما اعتبار تلطيف المعنى ودقته هاجس الكتابة الأول مع عدم إيفاء التأليف شروطه الجميلة، فهو خروج بالشعر عن مساره وتلك طريقة أبي تمام. ونجد أن فكرة التأليف الجميل ودقة المعاني ليست إلا امتداداً لثنائية اللفظ والمعنى، فهي تستفيد من فكرة الجاحظ عن المعنى ومن ثنائية ابن قتيبة وتعضدها بفكرة قدامة عن التأليف مع حضور خفيّ لفكرة الصورة أيضاً، فالتأليف الجميل يتعادل مع الصورة أو اللفظ في حين يتكافأ اصطلاح معنى مع المعنى الدقيق إذ إن "دقيق المعاني موجود في كل أمة، وفي كل لغة"(18)؛ وما دام التأليف عنده إفرازاً لتركيب العناصر بما فيها المعنى، فإن دقيق المعاني قيمة في ذات المعنى، وليست دوماً مشروطة بكمال التأليف، إذ إن إمكان الجمع بين سوء التأليف ودقيق المعاني وارد وهي الحجة التي يبرزها في وجه أنصار أبي تمام.
وتأسيساً على ما سلف يكون إيفاء التأليف حقه من الجمال والحسن تحقيقاً لغاية القول شعراً ونثراً، ومعاضدة هذا الركن بالمعنى اللطيف زيادة في البهاء ذلك أن "ليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله، وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت لـه وغير منافرة لمعناه، فإن الكلام لا يكتسي البهاء والرونق إلا إذا كان بهذا الوصف، وتلك طريقة البحتري. قالوا: وهذا أصل يحتاج إليه الشاعر والخطيب صاحب النثر... فإن اتفق - مع هذا- معنى لطيف، أو حكمة غريبة، أو أدب حسن، فذلك زائد في بهاء الكلام، وإن لم يتفق فقد قام الكلام بنفسه، واستغنى عما سواه"(19).
وما دام هذا الموقف انتصاراً لخواص الصياغة ذاتها، وإحلالاً للمعاني الفكرية والحكمية محلاً ثانوياً وهو رأي يكشف أن ميزة الشعر العربي تتجسد في "البيان، والفصاحة، وحسن الصياغة، لا المعاني، فالمعاني يستطيعها كل إنسان بكل لسان"(20)؛ فإنه يكون اعتماد طريقة مغايرة للطريقة السابقة بالتركيز على المعاني الفلسفية انحرافاً عن الذوق الراسخ كما يرى الآمدي وانفلاتاً من إسار التقليد الفني الذي يبوئ التأليف الجميل المقام الأول، فإذا "كانت طريقة الشاعر غير هذه الطريقة، وكانت عبارته مقصرة عنها، ولسانه غير مدرك لها حتى يعتمد دقيق المعاني من فلسفة يونان، أو حكمة الهند أو أدب الفرس، ويكون أكثر ما يورده منها بألفاظ متعسفّة ونسج مضطرب، وإن اتفق في تضاعيف ذلك شيء من صحيح الوصف وسليم النظر، قلنا له: قد جئت بحكمة وفلسفة ومعان لطيفة حسنة، فإن شئت دعوناك حكيماً، أو سميناك فيلسوفاً، ولكن لا نسميك شاعراً، ولا ندعوك بليغاً، لأن طريقتك ليست على طريقة العرب، ولا على مذاهبهم، فإن سميناك بذلك لم نلحقك بدرجة البلغاء ولا المحسنين الفصحاء"(21). فلا شك أن الموجّهات السياسية والحضارية عملت على بلورة هذين المنحيين في الكتابة إلا أنه في ظنّ الآمدي يتحقّق الإبداع في الإخراج المتكرر للمعهود، ذلك أن الطريف بحسبه يكمن في تلبّس المعهود المتداول بالغريب والجديد حسب ما تحققه جماليات التأليف، فحسن "التأليف وبراعة اللفظ يزيد المعنى المكشوف بهاء وحسناً ورونقاً حتى كأنه قد أحدث فيه غرابة لم تكن، وزيادة لم تعهد، وذلك مذهب البحتري"(22). وهذا حل مزدوج، فبالقدر الذي يبقي على الصلات بالمعهود يفتح المجال للجديد الذي لا يعبث بالأصول، عكس المنزع الآخر، ذلك "أن سوء التأليف ورداءة اللفظ يذهب بطلاوة المعنى الدقيق ويفسده ويعميّه حتى يحوج مستمعه إلى طول تأمل، وهذا مذهب أبي تمام في معظم شعره"(23).
وأوجه التقابل التي نزّل فيها الأصلين الفنيين، جودة التأليف، ودقيق المعاني تساعدنا على حل الإشكال الذي يضعنا فيه نصه التالي، فقد وجد "أهل النّصفة من أصحاب البحتري، ومن يقدم مطبوع الشعر دون متكلفه، لا يدفعون أبا تمام عن لطيف المعاني ودقيقها، والإبداع والإغراب فيها... وإن اهتمامه بمعانيه أكثر من اهتمامه بتقويم لفظه، على شدة غرامه بالطباق والتجنيس والمماثلة، وأنه إذا لاح له أخرجه بأي لفظ استوى من ضعيف أو قوي... وإذا كان هذا هكذا فقد سلموا لـه الشيء الذي هو ضالة الشعراء وطلبتهم، وهو لطيف المعاني، وبهذه الخلّة دون ما سواها فضل امرؤ القيس، لأن الذي في شعره من دقيق المعاني وبديع الوصف ولطيف التشبيه وبديع الحكمة، فوق ما في أشعار سائر الشعراء من الجاهلية والإسلام، حتى أنه لا تكاد تخلو له قصيدة واحدة من أن تشتمل من ذلك على نوع أو أنواع، ولولا لطيف المعاني واجتهاد امرئ القيس فيها وإقباله عليها، لما تقدم على غيره، ولكان كسائر الشعراء من أهل زمانه، إذ ليست لـه فصاحة توصف بالزيادة على فصاحتهم، ولا لألفاظه من الجزالة والقوة ما ليس لألفاظهم"(24)، ولكن هل يمكن اعتبار هذا الموقف المشيد بالمعاني وكونها وسيلة السبق والتقديم وأنها ضالة الشعراء وطلبتهم مخالفاً لرأيه فيما سلف من نصوص، وتأكيده أن التأليف الحسن هو أسّ الشعر وبذلك فضل البحتري؟ فهل نعد ذلك تناقضاً "في تصور الآمدي لتياري النقد، بسبب من ميله الذاتي إلى الفريق الثاني"(25)، الفريق الذي ينصر التأليف الجميل؟ الواقع أن تقديم امرئ القيس، حسب رأي الآمدي، لم يتم إلا بتعاضد دقيق المعاني والتأليف الحسن في شعره، وهي الغاية في الجودة، إذ ما دام يستوي وغيره في الفصاحة ذلك أن "الأعرابي إنما ينظم كلامه المنثور الذي يستعمله في مخاطباته ومحاوراته"(26)، فإن سبق امرئ القيس يكمن في أنه اتفق له من بديع المعاني ما لم يتفق لهم، في حين أن تحقيق أبي تمام "ضالة الشعراء وطلبتهم" لم يسنده دوماً تأليف جميل. من هنا لم تشفع له دقة المعاني أمام سوء التأليف ورداءة اللفظ، وهذا يتماشى مع أصوله ومنطلقاته المحددة لجودة الكلام.
ومع كل ما سلف إلا أن موقف الآمدي لا يلبث أن يضطرب ويتذبذب، ولعل مردّ ذلك قصده التلطّف في مواجهة أنصار أبي تمام ومحاولة الإيهام بموقفه العادل في الموازنة، إذ يكاد يتزحزح عن الموقف السابق في تبرير السبق بجودة التأليف ودقة المعنى معاً أو الاكتفاء بالتأليف الحسن في المشهور من المعنى، إلى اعتبار أن السبق المعنوي شفيع لاضطراب اللفظ فإذا "كان قد اضطرب لفظ أبي تمام واختلّ في بعض المواضع، فهل خلا من ذلك شاعر قديم أو محدث؟ هذا الأعشى يختل لفظه كثيراً، ويسفسف دائماً، ويرق ويضعف، ولم يجهلوا حقّه وفضله حتى جعلوه نظيراً للنابغة، وألفاظ النابغة في الغاية من البراعة والحسن، وعديلاً لزهير الذي صرف اهتمامه كلّه إلى تهذيب ألفاظه وتقويمها، وألحقوه بامرئ القيس الذي جمع الفضيلتين فجعلوهم طبقة، وصار فضل كل واحد من غير الوجه الذي فضل منه صاحبه"(27)، بل يكاد يتراجع عن موقفه من أبي تمام مطلقاً حين يتساءل بعد أن يورد شواهد شعرية له متعجباً "فكيف وبدائعه مشهورة، ومحاسنه متداولة، ولم يأت إلا بأبلغ لفظ وأحسن سبك"(28)، وهذا إقرار بتكامل الصنعة لدى أبي تمام ألفاظاً ومعاني، لكن الآمدي وإن اضطرب موقفه قليلاً من أبي تمام، فإن إلحاحه على التأليف الجميل لا ينفي لديه إمكان تكامله مع المعاني الدقيقة ليصل الشعر بتحقيقهما إلى مرتبة "امرئ القيس الذي جمع الفضيلتين".
ومع الإقرار بهذا الاضطراب إلا أن الراسخ في أغلب فصول الموازنة تأكيده المنظور الثنائي المؤسس على التأليف الجميل من جهة ودقيق المعاني من جهة أخرى، كما يلخصه قوله: "والمطبوعون وأهل البلاغة لا يكون الفضل عندهم من جهة استقصاء المعاني والإغراق في الوصف، وإنما يكون الفضل عندهم في الإلمام بالمعاني وأخذ العفو منها، كما كانت الأوائل تفعل، مع جودة السبك، وقرب المأتى"(29)، إلى أن تستحيل المقابلة رصداً لنمطي الكتابة لدى الشاعرين إذ يروي عن البحتري موازناً بين صنعته وصنعة أبي تمام قوله: "كان أغوص على المعاني منّي، وأنا أقوم بعمود الشعر منه"(30). والمواقف التي يلخصها فيها منهجي الكتابة لدى الشاعرين، ومن ثم خلاصة مبادئ المذهبين المتقابلين –حسب رأيه- مذهب عمود الشعر ومذهب التعقيد وتدقيق المعاني وابتكارها كثيرة، نجتزئ منها قوله: فإن كنت "ممن يفضل سهل الكلام وقريبه، ويؤثر صحة السبك وحسن العبارة وحلو اللفظ وكثرة الماء والرونق، فالبحتري أشعر عندك ضرورة. وإن كنت تميل إلى الصنعة، والمعاني الغامضة التي تستخرج بالغوص والفكرة، ولا تلوي على ما سوى ذلك، فأبو تمام عندك أشعر لا محالة"(31).
وعلى الرغم من أن ما سبق يرسخ مبدأ الثنائية القائمة أساساً على مقابلة التأليف الحسن بالمعنى الدقيق دون أن يمتنع الجمع بينهما كما رأينا، فإن مما يحمد للآمدي نظرات له في النص تقر بمبدأ التفاعل بين عنصري الدلالة: المعنى واللفظ، وإن كان بعض آرائه قد يؤكد الفصل بينهما بل التفاوت، يرى أنه "قد يتفاوت البيتان الجيدان النادران فيعلم أهل العلم بصناعة الشعر
أيهما أجود إن كان معناهما واحداً، أو أيهما أجود في معناه إن كان معناهما مختلفاً"(32)، فكأن الجودة لا تطول المعنى، إلا أن في مثل تعليقه على بيت أبي تمام التالي ما يجعل حضور المعنى في اعتبار الجودة وارداً، وهو قوله:
على مثلها من أربع وملاعب



أذيلت مصونات الدموع السواكب



يرى أن بعضهم قد أنكر "قوله: "مصونات الدموع السواكب" وقال: كيف يكون من السواكب ما هو مصون؟ وإنما أراد أبو تمام أذيلت مصونات الدموع التي هي الآن سواكب، ولفظه يحتمل ما أراده، والبيت جيد لفظاً ومعنى ونظماً"(33)، فالمعنى يتنزل هنا عنصراً في الصياغة، إلا أن اصطلاح "المعنى" يأخذ دلالة أخرى في مثل تعليقه على بيت البحتري:
قف العيس قد أدنى خطاها كلالها


وسل داري سدعي إن شفاك سؤالها



هذا لفظ حسن، ومعنى ليس بالجيد، لأنه قال: "قد أدنى خطاها كلالها" أي قارب من خطوها الكلال، وهذا كأنه لم يقف لسؤال الدار الذي تعرض لأن يشفيه سؤالها، وإنما وقف لإعياء المطي(34) فسوء المعنى هنا سببه عدم مطابقته الغرض وخروجه عن مبدأ اللياقة التي يمليها غرض الوقوف على الطلل، فليس المقصود بالمعنى هنا العنصر المتعاضد مع التأليف في بنية البيت، وإنما المنظور المتحكم في نقد المعنى هنا وضعه في إطار الغرض العام، ذلك أن الأغراض قد تكون "من جنس واحد وإن اختلفت المعاني"(35)، وهذا إقرار بإمكان التنوع في معاني الغرض الواحد حيث تظل المعاني محكومة بأصول عامة وإن أباحت لها الصياغة والتوليد تحقيق الجدة والطرافة، نرى ذلك في قوله معلقاً على بيت البحتري:
"أصبا الأصائل إن برقة منشد



تشكو اختلافك بالهبوب السرمد



مازلت أسمع الشيوخ من أهل العلم بالشعر يقولون: إنهم ما سمعوا لمتقدم ولا متأخر في هذا المعنى أحسن من هذا البيت، ولا أبرع لفظاً، ولا أكثر ماءً ولا رونقاً، ولا ألطف معنىً"(36). وذكره المعنى في التعليق ليس من باب التكرار إذ المعنى في الأول يراد به مطلق الغرض أو المقصد، وهو هنا يتوافق مع عنوان فرعي يذكره في مقدمة هذا الشاهد وهو: "تعفية الرياح للديار"، والمعنى في قوله "ولا ألطف معنى" حصر لدلالة البيت، وهو تعبير عن إعجاب الآمدي بما حققه البحتري من غرابة في الوصف.
ونصل أخيراً إلى ما يكاد يجزم بتنبه الآمدي لتبعية المعنى للصياغة، وهو موقف متطور نسبياً في تحليل النص يقوم على الإقرار بأن كل تغيير يطول الدال يتبعه حتماً تغيير في المعنى، وأن انتقاء الدوال ضمن محور الاستبدال يحكمه التنبه إلى لطائف في المعنى. يقول معلقاً على بيت البحتري يصف أخلاق الممدوح:
"يتصرّعن للرّجاء دنو الـ



مزن والودق خارج من خلاله



ولو قال "يتدانين للرجاء دنو المزن" لكان أحسن في اللفظ، وأوفق من أجل التجنيس، ولكن "يتصرعن" أوكد في المعنى، لأنه بمعنى يتساقطن ويتطرحن، يريد الإسراع إلى الرجاء من غير ترفق ولا توق للانحطاط والوقوع، ليدل على الحرص والشهوة"(37)، فالعلائق التي تتنزل فيها اللفظة في بنية البيت متنوعة، فبالقدر الذي ينتظمها وبقية الألفاظ التوافق والانسجام في المستوى الصوتي، بقدر ما يوفر لها الإشعاع المعنوي للدال التعاضد في مستوى التركيب والدلالة.
ومما يحمد الآمدي أيضاً في معالجته النص إيمانه بالخاصية الفنية المميزة له التي تقوم على الفصل بين ما هو تخييلي يقدم معرفة نوعية لا تقوم دوماً على النسخ لقانون المعطى الواقعي، إذ تكون الدلالة محصلة لحمة ألفاظ في النص لا مبرر لها سوى الحقيقة الفنية نفسها، وما هو رصد للواقعة أو "للحقيقة". يقول:
ورأيت من عاب قوله (البحتري):
فصبغت أخلاقي برونق خلقه



حتى عدلت أجاجهن بعذبه



وقالوا: إنما كان ينبغي لما ذكر الأجاج والعذب أن يقول "فمزجت" لا أن يقول "فصبغت"، أو لما قال "فصبغت" أن يقول "حتى عدلت ألوانها بحسن لونه" "وليست هذه المعارضة بشيء، والمعنى صحيح، وذلك أنه ليس هناك صبغ على الحقيقة فيقابل بذكر لون حتى يتكافأ المعنيان، ولا مشروب عذب ولا أجاج على الحقيقة فيستعمل ذكر المزج، وإنما هذه استعارات ينوب بعضها عن بعض، ويقوم بعضها مقام بعض، لأنها ليست بحقائق فيما استعيرت له"(38).
وللآمدي إشارات أيضاً إلى بنية الكلام فيما يسميه "استواء نظمه، وصحة سبكه، ووضع الكلام منه في مواضعه"(39)، ويتكلم عن "تعسف النظم ورداءته وتعقيده"(40)، الذي ينتج عنه اختلال في البيت وإشكال في المعنى(41).
ويحاول الاقتراب من شرح أسباب هذا الاضطراب بالاعتماد على رأيه في المعاظلة التي يراها "في شدة تعليق الشاعر ألفاظ البيت بعضها ببعض، وأن يداخل لفظة من أجل لفظة تشبهها أو تجانسها، وإن أخل بالمعنى بعض الإخلال، وذلك كقول أبي تمام:
خان الصفاء أخ خان الزمان أخا



عنه فلم يتخوّن جسمه الكمد



فانظر إلى أكثر ألفاظ هذا البيت، وهي سبع كلمات آخرها قوله "عنه" ما أشد تشبث بعضها ببعض، وما أقبح ما اعتمده من إدخال ألفاظ في البيت من أجل ما يشبهها"(42) ليخلص أخيراً إلى شرح مقولة النقاد المبينة لما يستجاد من النظم والنثر، وهي قولهم: هذا كلام يدل بعضه على بعض ويأخذ بعضه برقاب بعض، بقولـه: "إنما أرادوا المعاني إذا وقعت ألفاظها في مواقعها، وجاءت الكلمة مع أختها المشاكلة لها التي تقتضي أن تجاورها لمعناها: إما على الاتفاق، أو التضاد، حسبما توجبه قسمة الكلام"(43).
والخلاصة أن الآمدي قد أولى جمال التأليف عناية كبرى واعتبر حسن الصياغة وإن أخرجت المشهور المعروف علامة الشاعرية، وأن مراعاة دقيق المعاني إن شفعت له جودة الصياغة كان غاية الحسن، دون أن ينسى الإلمام بنظم القول عامة مبرزاً ضرورة الاعتناء بتنزيل الكلمات منازلها الملائمة في النص، وتجنب فساد النظم وتعسف التأليف.
وليس للقاضي الجرجاني فيما نرى إضافة تحسب له إلى قضية اللفظ والمعنى إذ قد شغله مبحث السرقات(44) خصوصاً عن إيفاء كثير من قضايا النقد حقها من الدرس، فتضاءل وزن ما أولاه لهذه القضية. ومع ذلك يكون منطلقنا في فهم رأيه في إشكال اللفظ والمعنى معضلة السرقات نفسها وإشكال الصراع بين القدماء والمحدثين، حيث يرى أن لو أنصف المحدثون "لوجد يسيرهم أحق بالاستكثار وصغيرهم أوفى بالإكبار، لأن أحدهم يقف محصوراً بين لفظ قد ضيق مجاله، وحذف أكثره، وقل عدده، وحظر معظمه، ومعان قد أخذ عفوها، وسبق إلى جيدها"(45)، وإذا كان شبح ابن طباطبا ماثلاً في هذا التحليل، فإنه يكشف أيضاً عن فهم كمي لكل من اللفظ والمعنى حتى ليبدو ثراؤهما في تناقض مع الزمن، علماً بأن تراكم الكتابة والتوظيف المتنوّع للألفاظ سيكون من شأنهما تمديد مساحتها الدلالية، مما يتيح للمتأخر إمكانات أوسع تلبي مقاصده، إلا أن المسألة لم ينظر إليها من منظور المبدع ذاته ومدى ما تتطلبه تجربته الخاصة من استغلال متميز للموجود. ولم يقم فهم المعنى أيضاً بالاستناد إلى السياق وحده، بل كانت الرؤية منطلقة من الإيمان بأن الفعل الشعريّ يتلخص في الإخراج المتجدد للمعروف، وبالبحث والتوليد من الأصل. وتلك هي الأصول التي أملت رأي الجرجاني السابق.
لكن المهم في موضوعنا منطلقه الثنائي في تبرير أزمة المحدثين ذلك أن انحسار الاختراع أمامهم –حسب رأيه- يشمل اللفظ والمعنى معاً، بحيث أن عملية الصياغة الشعرية تقوم عنده أيضاً على ضرورة المقابلة بين الألفاظ ومعانيها وسبر ما بينهما من نسب، وامتحان ما يجتمعان فيه من سبب(46). وهذه الدعوة إلى إحداث وشائج القربى بين اللفظ والمعنى تمتدّ لتشمل صلة الألفاظ بالأغراض عامة وضرورة انتقاء ما يلائم كل غرض، إذ يجب "أن تقسم الألفاظ على رتب المعاني، فلا يكون الغزل كالافتخار ولا المديح كالوعيد، ولا الهجاء كالاستبطاء، ولا الهزل بمنزلة الجد، ولا التعريض مثل التصريح"(47).
ومع ذلك تأسست صلة اللفظ بالمعنى عنده على فكرة الكسوة والتحسين إذ يتكلم عن موقع اللفظ الرشيق من القلب "وعظم غنائه في تحسين الشعر"(48)، وعن أثر لين الحضارة في المحدثين فترققوا "ما أمكن، وكسوا معانيهم ألطف ما سنح من الألفاظ"(49). أما الاستعارة فبها "يتوصل إلى تزيين اللفظ وتحسين النظم والنثر"(50). ومع ذلك استفاد من مجهودات السابقين في الإشارة إلى تميّز الخاصية الفنية للشعر عن الصياغة اللغوية للحقيقة(51). وكان يمكن أن يؤدي ذلك إلى الوعي العميق بتعلق الدلالة في النص الشعري بفعالية السيّاق، إلا أن الذهن ظل محكوماً في تعليل الظاهرة الفنية بالواقع ومقتضيات العُرفْ الاجتماعي وتقاليد الصنعة.
ويبدو أن ثنائية الآمدي القائمة على مقابلة دقيق المعاني بجودة التأليف وجدت طريقها إلى القاضي الجرجاني فصاغ رأيه في أبي تمام بنفس لغة الآمدي(52) ليبلور مذهبي الكتابة السالفين في قوله المشهور: "وكانت العرب إنما تفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن بشرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، وتسلم السبق فيه لمن وصف فأصاب، وشبّه فقارب، وبده فأغزر، ولمن كثرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته، ولم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقة، ولا تحفل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر، ونظام القريض"(53).
وللقاضي إشارات إلى اضطراب النظم، وسوء التأليف، وهلهلة النسج(54) في حديثه عن عيوب الشعر، إلا أنه يحاول بالاستعانة بجهود الآمدي وغيره من النقاد الاقتراب من الأسباب المؤدية إلى هذا الاضطراب علماً بأن وضعه النظم في جوار اللفظ كمقابلين للمعنى لا يدل على فهم دقيق له. يقول مردداً بعض أقوال خصوم المتنبي: "إنما عمد إلى شعر أبي تمام فغيّر ألفاظه وغيّر نظمه، فأما المعاني فهي تلك بأعيانها"(55)، ويستفيد من نماذج من شعر أبي تمام ضربها الآمدي للتعقيد، فيرجع هو أيضاً أسباب الهلهلة إلى فساد التركيب. يقول معلقاً على بيت أبي تمام:
"فحذف عمدة الكلام، وأخل بالنظم، وإنما أراد يدي لمن شاء رهن
(إن كان) لم يذق، فحذف (إن كان) من الكلام، فأفسد الترتيب وأحال الكلام على وجه"(56).
"يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعاً


من راحتيك درى ما الصاب والعسل"



ويعود إلى القضية ببعض التفصيل في بعض المواضع معتمداً دائماً في تعليله على فساد التركيب، منها قوله مورداً أقوال بعض خصوم المتنبي عقب بيته:
"وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه



بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه



... فما هذا من المعاني التي يضيع لها حلاوة اللفظ، وبهاء الطبع، ورونق الاستهلال، ويشح عليها حتى يهلهل لأجلها النسج ويفسد النظم، ويفصل بين الباء ومتعلقها بخبر الابتداء قبل تمامه، ويقدّم ويؤخّر، ويعمّي ويعوّص!"(57).
والخلاصة أن القاضي الجرجاني سار في طريق مدروس وشغلته قضايا أخرى عن أن يولي مسألة اللفظ والمعنى أهمية خاصة، وحتى القليل الذي أورده فيها لم يكن في مستوى آراء السابقين.
النص الأدبي وإشكال الفصاحة والبلاغة

ليس مصطلحا الفصاحة والبلاغة إلا مظهرين يدّلان على حضور إشكال اللفظ والمعنى في كل معالجة نقدية عرفها النقاد والبلاغيون العرب القدماء تبتغي اكتناه العلائق الرابطة بين عناصر النص.
ويزيد الأمر تأكيداً أن البلاغة والفصاحة تشكلان مجالاً معرفياً يهتم بعلاج النص عموماً، ومن هنا تظل الحدود التي تنضبط بها مفاهيم هذين المصطلحين لدى هذا البلاغي أو ذاك محكومة برأيه في اللفظ والمعنى. ولعل محاولة كل من أبي هلال العسكري وابن سنان الخفاجي تمثلان أنموذجين بارزين في هذا المنحى، ذلك أنهما تشكلان أبرز محاولتين عرفهما القرنان الرابع والخامس الهجريان تنطلقان من هذا الإشكال، دون أن نغفل الإشارة إلى عبد القاهر الجرجاني الذي سيشكل رأياً خاصاً في الموضوع نرجئه إلى بحث النظم لدى المتكلمين. وهاتان المحاولتان إذ تعتمدان في الأغلب على طروحات السابقين تنطلقان من رصد علائق الاتفاق والاختلاف بين مصطلحي البلاغة والفصاحة كأساسين تنضبط بموجبهما تفريعات البحث في النص، وإن اختلفت المحاولتان في تماسك المنهج.
أما أبو هلال العسكري فرغم أن تواتر نقوله عن السابقين وخاصة الجاحظ وابن قتيبة وابن طباطبا في ما يتعلق بقضيتنا أساساً سيوهن من محاولته ويهلهل أصالته، فإنه يحاول الاجتهاد أو يحاول إحداث نسق من الانسجام بين آراء مختلفة، من ذلك موقفه في عرض معاني الفصاحة والبلاغة، إذ بالإضافة إلى أنه يبوئها الصدارة في توزيع مادة الكتاب، فإنه يبسط الرأي فيهما مما يكشف عن محاولته تلمس مخرج يضمن له توليف رأي من مبسوط الآراء.
فهو بداية يحاول عرض المعاني اللغوية للاصطلاحين، فبعد التفريع في مجالات إطلاق البلاغة ومعانيها يحصر دلالتها في الكلام باعتبار أنها سميت بلاغة لأنها تنهي المعنى إلى قلب السامع فيفهمه. ثم يخلص إلى الفصاحة التي يتمحور معناها حول تعبير المتكلم عما في نفسه وإظهاره، لينتهي أخيراً إلى تقرير هذه الخلاصة وهي أن "الفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد وإن اختلف أصلاهما: لأن كل واحد منهما إنما هو الإبانة عن المعنى والإظهار له"(58).
ثم يعرض أقوالاً لبعض العلماء منها أن "الفصاحة تمام آلة البيان، فلهذا لا يجوز أن يسمى الله تعالى فصيحاً، لأن الفصاحة تتضمن معنى الآلة ولا يجوز على الله تعالى الوصف بالآلة، ويوصف كلامه بالفصاحة لما يتضمن من تمام البيان. والدليل على ذلك أن الألثغ والتمتام لا يسميان فصيحين لنقصان آلتيهما عن إقامة الحروف، وقيل: زياد الأعجم لنقصان آلة نطقه عن إقامة الحروف، وكان يعبّر عن الحمار بالهمار، فهو أعجم وشعره فصيح لتمام بيانه، فعلى هذا تكون الفصاحة والبلاغة مختلفتين، وذلك أن الفصاحة تمام آلة البيان فهي تتعلق باللفظ، لأن الآلة تتعلق باللفظ دون المعنى، والبلاغة إنما هي إنهاء المعنى إلى القلب فكأنها مقصورة على المعنى"(59).
ونسأل هل تؤدي مقابلة الرأيين السابقين إلى استنتاج أن العسكري يجمع بين "موقفين متقابلين، موقف تتطابق حسبه دلالة المصطلحين ويعتبر ميدان الدراسة الأسلوبية ميداناً واحداً تتفاعل فيه مكونات النص وتتضافر لإبانة المعنى وإظهاره، وموقف يفصل أصحابه بين المصطلحين ويضيقون مجال الفصاحة إلى درجة أنهم اعتبروها صفة للمتكلم لا للكلام وتتحقق في النص المنطوق لا المكتوب"؟(60). فإذا كان الموقف الأول واضحاً ينسجم مع مقصد العسكري الصريح، فإنه يخيل إلينا أن في الموقف الثاني لبساً وأن الاستنتاج قابل للمناقشة. فاعتبار الفصاحة صفة للمتكلم تتحقق في النص المنطوق وليس في المكتوب نصف الخلاصة المضمنة في النص، وإلا فكيف ينفي عن الله تعالى الوصف بالفصاحة لعدم جواز الوصف بالآلة عليه سبحانه، ثم يصف كلامه بالفصاحة؟ ثم يشخص الرأي بوصف زياد، فهو "أعجم لنقصان آلة نطقه عن إقامة الحروف، غير أن شعره فصيح"(61)، أليس الوصف بالفصاحة هنا خاصية في الشعر والقرآن معاً؟ ويؤكد الموقف أنه حين يتعلق الأمر بالنص المنطوق يستعمل اصطلاح "الآلة"، أما إذا كان الشأن بالمكتوب فإنه يكتفي بذكر "تمام البيان" دون ذكر الآلة. ومن هنا وعلى الرغم من إقراره بفصل حقل الفصاحة عن البلاغة في آخر النص واختصاص الفصاحة باللفظ والبلاغة بالمعنى، فإن امتداد معنى الفصاحة ليشمل مواصفات في النصين المنطوق والمكتوب معاً، يجعل حضورها والبلاغة في وصف النص الواحد وارداً.
ويقول مواصلاً سرد الآراء: "فإذا قلت: فصح رجل، أفاد ذلك أنه صار إلى حال يقيم فيها الحروف ويوفيها حقها. وإذا قلت: بلغ، أفاد ذلك أنه صار إلى حال يؤدي فيها المعاني حق تأديتها في صورة مقبولة، ثم صار الفصيح والبليغ صفتين لمن جاد لفظة وبان معناه"(61) فإذا كان الوصف بالفصاحة يتعلق بتمام آلة البيان، فإن البلاغة تستحيل تأدية للمعنى في صورة مقبولة. ولا شك أن اصطلاح الصورة المقبولة يوسع من دائرة اختصاص البلاغة بالمعنى فقط لتشتمل المعنى والمعرض الحسن الذي يبرز فيه. فإذا دققنا في آخر النص نجد إحساساً بالتطور في ضبط العسكري دلالة الاصطلاحين، إذ إن الصيرورة أدت إلى أن يتضام الوصفان لتحديد جودة اللفظ ووضوح المعنى، وجودة اللفظ أمر يتعلق بالنص غالباً، فإذا ضممنا هذا الوصف إلى اشتراط الصورة المقبولة في وصف الكلام بالبلاغة، أصبح بالإمكان الاستنتاج أن البلاغة تشمل مرةً المعنى وصورته، وتختص مرةً بالمعنى ليكون اللفظ قسيم الفصاحة. ويتأكد ذلك في رأيه التالي الذي ينم عن اجتهاد في تحديد معاني المصطلحين، يقول: "وقد يجوز مع هذا أن يسمّى الكلام الواحد فصيحاً بليغاً إذا كان واضح المعنى، سهل اللفظ، جيد السبك، غير مستكره فج، ولا متكلف وخم"(62). فبالإضافة إلى أن الأوصاف المتعلقة بسهولة اللفظ وجودة السبك تتحقق في النص المكتوب، يتأكد المنظور الثنائي المؤسس على تقابل البلاغة بالمعنى والفصاحة باللفظ، إلا أن وصول العسكري في العرض إلى هذا الحد جعل إمكان الامتداد باصطلاح البلاغة ليشمل عنصري المعنى واللفظ واقعاً يهيئ لهذا الفهم منطلقه المطابق بين مفهومي الفصاحة والبلاغة، وما أوصله إليه مجرى النقاش من الامتداد بمعنى البلاغة ليطول أداء المعنى في الصورة المقبولة، لينتهي إلى بلورة الموقف في هذه الصياغة المقررة لما سلف: "البلاغة كل ما تبلغ به المعنى قلب السامع فتمكّنه في نفسه كتمكّنه في نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن وإنما جعلنا حسن المعرض وقبول الصورة شرطاً في البلاغة، لأن الكلام إذا كانت عباراته رثة ومعرضة خلقاً لم يسم بليغاً، وإن كان مفهوم المعنى، مكشوف المغزى، فهذا يدل على أن من شروط البلاغة أن يكون المعنى مفهوماً واللفظ مقبولاً على ما قدمناه"(63)، وهكذا يتأكد شمول مصطلح البلاغة عنده اللفظ والمعنى وتغليبه في الاستعمال على اصطلاح الفصاحة، إذ وجد أن لا معنى لتوظيف الاصطلاحين معاً والبلاغة تطول عنصري الدلالة معاً فضلاً عن أن مدخله ينبئ بهذه النتيجة على الرغم من أنه يفتح استثناءً آخر وهو بصدد استقصاء الآراء المختلفة في الموضوع، يروي أنه شاهد: "قوماً يذهبون إلى أن الكلام لا يسمى فصيحاً حتى يجمع مع هذه النعوت "نعوت الجودة السابقة" فخامة وشدة جزالة... قالوا: وإذا كان الكلام يجمع نعوت الجودة، ولم يكن فيه فخامة وفضل جزالة سمي بليغاً ولم يسم فصيحاً"(64)، وهذا الموقف لا يمثل إلا هامشاً دفعه إليه داعي الاستقصاء، إذ يظل الموقف النهائي مجملاً في قوله الجامع وهو "إن البلاغة إنما هي إيضاح المعنى وتحسين اللفظ"(65).
وهذه النتيجة تحيلنا إلى إشكال اللفظ والمعنى أصل القضية، وتمكننا من التساؤل عن طبيعة الصلة الجامعة بين المدخل التأسيسي القائم على بحث معاني الفصاحة والبلاغة، وثنائية اللفظ والمعنى، وهل أن صاحب "الكتاب لم يستطع استغلال هذا المدخل استغلالاً محكماً ولم يبن كتابه على أساسه فأجهضت المحاولة وانفصلت بقية الفصول عن هذا المدخل... فلا هو درس البلاغة والفصاحة من زاوية متحدة متفاعلة ولا استطاع أن يلتزم بالفهم الضيق. لذلك يشعر القارئ أنه يستأنف كل مرة كلاماً جديداً لا علاقة له بهذه المسألة. ومن أحسن الأدلة على ذلك دراسته لثنائية اللفظ والمعنى فقد كنا ننتظر أن يربطها ببحثه في معنى الفصاحة والبلاغة لكنه باشرها كمسألة مستقلة"(66)؟ فإذا كانت الوحدة المنهجية المطلوبة في الكتاب هي قيامه على وحدة الفكرة المنبثة في كامل الفصول التي يؤدي عرضها المتنامي إلى إيفاء كل تفرعاتها حقها من البحث والاستقصاء، فإن الصناعتين خلو من ذلك. وإن كان القصد تأكيد انتفاء كل صلة بين الفصول وهو ما قد يفهم من الحكم السابق فإن الأمر قد يحتاج إلى مراجعة، ذلك أنه ورغم الإقرار بأن فصول الصناعتين المنزلة في الأبواب المشكلة لحجم الكتاب مستقل بعضها عن بعض من حيث القضايا المدروسة، فإن خيطاً خفياً يلحم أطروحات العسكري المختلفة يتبدى بوضوح في القناعة الواحدة التي تحكم بحثه اللفظ والمعنى ومدخله التأسيسي الضابط لعلائق الفصاحة والبلاغة.
ولقد أدى استقصاء ما طرح في المدخل إلى الإقرار بشمول البلاغة المعنى واللفظ، وأدى إلى تبني هذا الموقف المسار الذي تحقق بمقابلة دلالات المصطلحين، إذ بدوا متطابقين لتختص البلاغة بالمعنى، والفصاحة باللفظ مع انسحابها على شرط التمام في آلة البيان. ثم تعود دلالة البلاغة لتنبسط على عنصر اللفظ الذي هو من اختصاص الفصاحة، ويصبح شرط البلاغة في الكلام متحققاً في وضوح المعنى ووضوح اللفظ، وهذه النتيجة هي التي خولت للعسكري الانتقال إلى بحث اللفظ والمعنى باعتبارهما عنصري البلاغة الرئيسيين، فإفرادهما بالبحث تفريع للقول في البلاغة ذلك أن تقصي المواصفات التي ينبغي أن تميز حضورهما بحث في بلاغة الكلام عموماً، هذا من جهة الصلة المنهجية بين المبحثين، أما من جهة القناعات التي تحكم منظوره لكل منهما فيكشف عنها استقراء رأيه في اللفظ والمعنى.
فإذا كان تحقيق البلاغة يقوم على إبانة المعنى في صورة مقبولة ذلك "أن الكلام إذا كانت عبارته رثة ومعرضة خلقاً لم يسم بليغاً وإن كان مفهوم المعنى، مكشوف المغزى"(67) فإن اشتراطه خصوصيات في اللفظ تتمحور حول الجودة والتحسين واكتفاءه غالباً في وصف المعنى بالتركيز على الإبانة والوضوح، أمر يتمشى مع المنطلق البلاغي في بحث الكلام إذ يختص بالتركيز على الوسائل الأسلوبية، وهذا الرأي يمهد لموقفه مردداً مقولة الجاحظ: "وليس الشأن في إيراد المعاني لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي والقروي والبدوي، وإنما هو في جودة اللفظ وصفائه، وحسنه وبهائه، ونزاهته ونقائه، وكثرة طلاوته ومائه، مع صحة السبك والتركيب والخلو من أود النظم والتأليف. وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صواباً، ولا يقنع من اللفظ بذلك حتى يكون على ما وصفناه من نعوته التي تقدمت"(68)، فهو يشترط في المعنى (الإصابة)، وهذا أمر يتوافق عنده مع الوصف بالوضوح إذ يظلان حاضرين في وصف المعنى، هذا من جهة ومن جهة أخرى يبدو الموقف تأكيداً لرأيه في بلاغة الكلام. يظهر ذلك في عودته للانطلاق من مصطلح البلاغة في استمراره التدليل على رأيه السالف، يقول: "ومن الدليل على أن مدار البلاغة على تحسين اللفظ أن الخطب الرائعة، والأشعار الرائقة ما عملت لإفهام المعاني فقط لأن الرديء من الألفاظ يقوم مقام الجيدة منها في الإفهام، وإنما يدل حسن الكلام، وإحكام صنعته، ورونق ألفاظه، وجودة مطالعه، وحسن مقاطعه، وبديع مباديه، وغريب مبانيه على فضل قائله، وفهم منشئه. وأكثر هذه الأوصاف ترجع إلى الألفاظ دون المعاني. وتوخي صواب المعنى أحسن من توخي هذه الأمور في الألفاظ"(69).
يستخلص مما سلف أن العسكري لا يستأنف في بحث اللفظ والمعنى جديداً، بل يلحمه بتصوره البلاغة، وأن مسار بحث العنصرين عنده لا يأخذ هاجس التقصي عن أوجه ائتلافهما أو تشاكلهما أساساً بقدر ما ينبسط في تحديد أوصاف كل طرف، يتبدى فيه المعنى خصوصاً في وضع المادة المزينة بالمعرض الحسن، والمهم في هذا الموقف الذي وسم فيه بمنتهى الشكلانية(70) أنه لا ينسى تكرار شروط الصواب في المعنى دون أن يتغافل عن إيلاء صورته مقاماً عالياً، ذلك أن "الكلام إذا كان لفظه حلواً عذباً، وسلساً سهلاً، ومعناه وسطاً، دخل في جملة الجيد، وجرى مع الرائع النادر"(71). فإذا كان اللفظ الحسن يشفع لوسطية المعنى ووسطية المعنى إيذان بتنزل المعنى في مراتب، فإن المعنى إذا كان "صواباً، واللفظ بارداً وفاتراً، والفاتر شر من البارد، كان مستهجناً ملفوظاً، ومذموماً مردوداً"(72)، فصواب المعنى بقدر ما يبدو قيمة في المعنى ذاته وهو مقياس منطقي في تناول المعاني، لا يشفع لضعف الصورة اللفظية، إلا أن ذلك لا يعني التقديم المطلق للصورة اللفظية، إذ ما دام الاعتبار في الإخراج الجميل للمعنى الصواب، فإن ضعف الإخراج يوهن من بلاغة النص مثلما أن سخف المعنى يهلهل الكلام الجيد اللفظ ذلك أنه "لا خير فيما أجيد لفظه إذا سخف معناه، ولا في غرابة المعنى إلا إذا شرف لفظه مع وضوح المغزى، وظهور المقصد"(73). وهكذا تتضافر المواقف لتؤدي إلى تأكيد حضور المعنى واللفظ معاً في بلاغة العسكري، مع الإقرار بالأثر المتبادل بينهما. ويكفي لإزاحة وسمه بالشكلانية اعتقاده في هذا النص بسقوط الكلام الذي حسن لفظه وسخف معناه، وإن ظلت العلائق الرابطة بين العنصرين قائمة على منظور ثنائي يرصد أوصاف كل طرف على حدة دون أن يمتنع لديه أن يكون لأوصاف هذا الطرف أثر في الطرف الآخر سلباً وإيجاباً، مع الإشارة أخيراً إلى أن وصف المعنى يستقطبه مبدأ (الصواب) في حين يشترط في اللفظ الحسن والجودة.
وتأسيساً على ما سلف نستعرض موقفه الذي رأى فيه باحثون كثيرون تناقضاً مع ما سالف رأيه الذي اقتبس من الجاحظ، يقول: "إن الكلام ألفاظ تشتمل على معان تدل عليها وتعبر عنها، فيحتاج صاحب البلاغة إلى إصابة المعنى كحاجته إلى تحسين اللفظ، لأن المدار بعد على إصابة المعنى ولأن المعاني تحل من الكلام محل الأبدان والألفاظ تجري معها مجرى الكسوة، ومرتبة إحداهما على الأخرى معروفة"(74)، إذ إننا لا نرى في قوله "إن المدار على إصابة المعنى" ما يعكر رأيه في "المعاني المطروحة" حتى نسم موقفه بالتناقض من مشكلة اللفظ والمعنى(75)، ولا نجد أنه في نقده يقدم المعنى، وأنه في أبحاثه النقدية يقرر أن مدار البلاغة على اللفظ(76). صحيح أن هناك مغالاة يوقع العسكري فيه اعتماده في بعض الأحيان على النقل التام لنصوص سابقة مما يشوش مسار عرضه الفكرة الواحدة، إلا أنه في قضيتنا يظل الجوهر المؤسس لرأيه فيها إلحاحه على الصواب في المعنى والتحسين في اللفظ، وهما صفتان واردتان في نصّه السابق بصريح اللفظ. وإذا كان في النص ما يشي بميل إلى تقديم صواب المعنى، أدته إليه نيته تأكيد أهميته بالإضافة إلى اللفظ، فإن في بدء النص ما يكشف عن حضور الطرفين بالصفات المميزة لكل منهما، وحتى لو فرضنا أن إمكان استنباط تقديم المعنى على اللفظ وارد من خلال نصه السابق، فإذا هذا التقديم لم ينبن عليه أكثر من اشتراط الصواب في المعنى وهو الوصف نفسه الذي ذكره في نصوصه السابقة دون أن يتأسس على رأيه في "المعنى الصائب" إمكان أن يشفع لضعف اللفظ، وهو ما يكشف لو حدث عن تراجع في الموقف، بل العكس هو الوارد، إذ يواصل بسطه الرأي السالف في الصفحة نفسها من الكتاب بقوله: "والمعاني على ضربين: ضرب يبتدعه صاحب الصناعة من غير أن يكون لـه إمام يقتدي به فيه، أو رسوم قائمة في أمثلة مماثلة يحمل عليها. وهذا الضرب ربما يقع عليه عند الخطوب الحادثة، ويتنبه له عند الأمور النازلة الطارئة. والآخر ما يحتذيه على مثال تقدم ورسم فرط. وينبغي أن يطلب الإصابة في جميع ذلك ويتوخى فيه الصورة المقبولة، والعبارة المستحسنة، ولا يتكل فيما ابتكره على فضيلة ابتكاره إياه، ولا يغره ابتداعه لـه، فيساهل نفسه في تهجين صورته، فيذهب حسنه ويطمس نوره ويكون فيه أقرب إلى الذم منه إلى الحمد"(77). فليس الوصف بالاحتذاء والابتداع بكاف في ضبط خصائص المعنى، إنما تمامه في صوابه وتوخي إخراجه في الصورة المقبولة، ولو كان الأمر عنده في تقديم المعنى حيناً وتأخيره آخر لما أكد في آخر النص السابق ذهاب حسن المعنى المبتكر بتهجين صورته.
والواقع أن المبدأين الرئيسيين الضابطين اللفظ والمعنى عنده يظلان حاضرين في أغلب معالجته لهما. فهو يرى في شعر يورده أن معناه "جيد وليس للألفاظ رونق"(78)، ولم ينبن على ذلك تقديم هذا الشعر، ويعلق على شعر الأصفهاني العلوي بقوله: "ولست أورد أكثر شعره إلا لإصابة معناه دون لفظه لأن أكثر لفظه متكلف وجل صنعته فاسد"(79)، ولم يشفع صواب المعنى للعلوي أن يتبوأ شعره الصدارة بل يظل في نظر العسكري ضعيفاً. وفي مواقف لنقاد سابقين كابن قتيبة وابن طباطبا ما كان يتمشى مع رأيه لو كان لفظياً دوماً، لكنه يورد بعض أشعار استشهدوا بها كنماذج من غزليات جرير المشهورة من مثل قوله: "إن العيون التي في طرفها حور"، ويرفض أن يكون هذا الشعر من الذي يستحسن لجودة لفظه وليس له كبير معنى بل يجزم بأنه لا يعلم" معنى أجود ولا أحسن من معنى هذا الشعر"(80)، ذلك أن حضور العنصريين في معالجته النص راسخ يؤكده رأيه في أن المراد من الشعر، "حسن اللفظ وجودة المعنى"(81) ذلك أن "سبيل الشعر أن يكون كلامه كالوحي ومعانيه ك***** مع قربها من الفهم. والذي لا بد لـه منه حسن المعرض ووضوح الغرض"(82). وهكذا يتأسس استقصاؤه المعاني في كتابه "ديوان المعاني" على خصائص ما يشترطه في الألفاظ والمعاني إذ يقدم بين يدي كتابه بقوله: "جمعت في هذا الكتاب أبلغ ما جاء في كل فن وأبدع ما روي في كل نوع من أعلام المعاني وأعيانها إلى عواديها وشذاذها، وتخيرت من ذلك ما كان جيد النظم محكم الرصف غير مهلهل رخو ولا متجعد فج"(83).
ويبقى موقفه الذي يتأكد فيه جمعه المعنى واللفظ قائماً بحسب المواصفات التي حددت، وهو رأيه في صنعة الكلام إذ بالرغم من أنه يعتمد على نصوص أوردها الجاحظ لبعض البلاغيين، وعلى رأي ابن طباطبا خصوصاً فإن ما أورده منها ينسجم مع أطروحاته، يقول: "إذا أردت أن تصنع كلاماً فأخطر معانيه ببالك، وتنوق له كرائم اللفظ" (84)، ويمكن إلحاق رأيه في السرقات بما سبق إلى أنه لا يعدو أن يكون رأياً مكروراً(85).
وللعسكري رأي في نظم الكلام عموماً يؤلف دعماً لموقفه الداعي إلى توخي إيقاع الصورة الحسنة في المعنى، يظهر ذلك في حديثه عن حسن الرصف والتأليف، وكمال الصوغ والتركيب(86)، وفي ترداده رأي الجاحظ في القرآن وما خصه الله به من حسن التأليف وبراعة التركيب(87) وفي وصف الشعر بالكلام المنسوج وأن حسنه في تلاؤم نسجه(88)، وفي الإشارة إلى التئام الكلام عموماً(89)، ليبسط أشكال تحقيقه في دعوته إلى جعل الكلام "مشتبهاً أولـه بآخره، ومطابقاً هاديه لعجزه، ولا تتخالف أطرافه، ولا تتنافر أطراره، وتكون الكلمة منه موضوعة مع أختها، ومقرونة بلفقها"(90) ليشير إلى أن من سوء النظم المعاظلة وهي ركوب بعض ألفاظه رقاب بعض(91). ثم لينتهي أخيراً إلى تخصيص باب كامل من كتابه "الصناعتين" للبيان "عن حسن النظم وجودة الرصف والسبك وخلاف ذلك"(92).
وهو "يستعمل هذه الألفاظ الثلاثة مترادفة"(93) ثم يزيد معانيها بعض الشرح والتحديد يقول: "وحسن الرصف أن توضع الألفاظ في مواضعها، وتمكّن في أماكنها، ولا يستعمل فيها التقديم والتأخير، والحذف والزيادة إلا حذفاً لا يفسد الكلام، ولا يعمّي المعنى، وتضم كل لفظة منها إلى شكلها، وتضاف إلى لفقها، وسوء الرّصف تقديم ما ينبغي تأخيره منها، وصرفها عن وجوهها، وتغيّر صيغتها، ومخالفة الاستعمال في نظمها"(94).
والحقيقة أن الاهتمام بالصورة الحسنة والتحسينات اللفظية المتحققة في الكلام لدى العسكري لم ينبن عليه الاستهانة بالمعنى، بل ظلّ يلح على تطلّب الصواب والوضوح فيه، وأن فهم العنصرين بهذا المنحى هو الذي ألّف رأيه في البلاغة التي تبدو عنده شاملة لهما معاً.
وأما لدى ابن سنان الخفاجي فإن الإشكال يأخذ مدى أكثر التواء وتعقيداً، إذ كان طموحه إلى استغلال النتاج السابق في مجال النقد والبلاغة ضمن مجاري ضبطها تصوره فعاليات المعنى واللفظ مدعاة إلى التقسيم والتفريع لاحتواء المادة، ولو ظلت المسألة خلاصة لاجتهاد في حدود اللفظ والمعنى التمس له العذر، ولكن محاولة الزج بالتقسيمات المتفرعة من المبدأين السابقين في إطار من فهم خاص لمصطلحي البلاغة والفصاحة أوقعه في حرج، مما اضطره إلى تمديد مجال المعنيين ليستوعبا محصول التفريعات التي يشملها استقصاء حضور الألفاظ والمعاني أفراداً وتراكيب في الكلام.
وإذا كان الاختلاف وارداً مع ابن سنان الخفاجي في فهمه الفصاحة والبلاغة والفواصل التي تحد مجال كل نوع، فإنه لا بدّ من الإقرار بأن تفريعاته المستقرئة للفصاحة والبلاغة محكومة بمقدماته ومشدودة إلى أصوله النظرية، وأنه لم يحد عن المسار الذي ضبطه في المدخل، وإن أوحت التقسيمات إلى باحثين كثيرين بالاضطراب والقلق(95).
ومن هنا يكون لزاماً البدء بعرض رأيه في قضية العلل الأربع أو الخمس إذا اعتبرنا الآلة من مشمولاتها، التي تؤلف الإطار النظري العام الذي يحتوي أصول آرائه المنظمة لعلائق العنصرين في بنية الكلام.
يقوم رأيه في القضية على استغلال كل من قدامة والآمدي معاً مما أوقع رأيه في كثير من التعقيد واللبس. يقول فيما يشبه رأي قدامة إن "صناعة التأليف في المعنى الفاحش مثل الصناعة في المعنى الجميل، ويطلب في كل واحد منهما صحة الغرض وسلامة الألفاظ على حدٍّ واحد، وليس لكون المعنى في نفسه فاحشاً أو جميلاً تأثير في الصناعة"(96)، ولكن الجديد يكمن في استخدامه التأليف بدل الصورة كما هو الشأن عند قدامة حيث إن المعاني عنده مادة والشّعر فيها كالصورة، وهو ينص على أن الجودة تظل من اختصاص التأليف وحده مشترطاً في المعنى أياً كان صحة الغرض، وهذا يدل على انضباط المعاني لديه في خانة المنطق أيضاً.
ثم يعود إلى نفس القضية بمزيد من التدقيق ليحيد عن هذا التوجه الذي يحتويه نصّه السابق، فيقول مدققاً هذه الأصول ومقابلاتها في صناعة الكلام "إن الموضوع هو الكلام المؤلف من الأصوات... فأما الصانع المؤلف فهو الذي ينظم الكلام بعضه مع بعض... وأما الصورة فهي كالفصل للكاتب والبيت للشاعر... وأما الآلة فأقرب ما قيل فيها إنها طبع هذا الناظم، والعلوم التي اكتسبها بعد ذلك... وأما الغرض فبحسب الكلام المؤلف فإن كان مدحاً كان الغرض به قولاً ينبئ عن عظم حال الممدوح، وإن كان هجواً فبالضد..."(97). ولكن ما دام ينص صراحة على أن الموضوع هو الألفاظ، فكيف يمكن حمل هذا الرأي على نصه الأول الذي يرى فيه أيضاً أن "صناعة التأليف تكون في المعاني"؟
إنه يحاول أن يضبط رأيه حين يدفع أن يكون الموضوع في المعاني كما ذهب قدامة في "نقد الشعر"، فيرى أنه "يجب أن يقال لـه إذا ذهبت إلى أنّ المعاني هي الموضوع خبّرنا عن الألفاظ التي أخذها هذا الصانع المؤلّف فألّفها إذا لم تكن عندك موضوعاً لصناعته فما منزلتها من الأقسام التي اعتبرها الحكماء في كلّ صناعة؟ والتأمل قاضٍ بصحتها"(98)، وإذ يستقيم له التدليل على أن موضوع الصناعة لن يكون إلا الالفاظ بعد أن يؤكد استحالة أن تكون الآلة أو الصانع أو الصورة أو الغرض موضوع الصناعة، يطرح الإشكال الأخير متسائلاً: "فإن قال لنا: ما تقولون أنتم في المعاني مع أن علقتها أيضاً وكيدة؟؟ قلنا: المعاني وتأليف الألفاظ هي صناعة هذا الصانع التي أظهرها في الموضوع"(99)، وهذا لا يعكر في نظره اختيار أن تكون مادة الصناعة هي الألفاظ، إذ إن الصناعة تتحقق بالتأليف الذي يعضده المعنى. لكن ما علاقة المعنى المنسجم مع التأليف هنا بالمعنى الذي تتجسّد فيه صناعة التأليف نفسها؟ نلاحظ أن المعنى في الموقف الأوّل منزّل في إطار قيمي، فلم تكن فحاشته أو جماله لتطول الصنعة إذا كان متلائماً مع الغرض وخلواً من الخطأ، في حين يتبدى المعنى هنا قسيماً للتأليف الطارئ على الموضوع الذي له فعالية في الصنعة إذ هو شطرها، فالمعنى في مستوى التأليف هو أقرب ما يكون إلى الدلالة العالقة بنسيجها، والمعنى في المستوى الآخر هو الوجه الآخر للمعنى المتآلف الذي يمكن أن ينضبط في خانات البحث المنطقي، والأخلاقي، ويرتّب وفق مواصفات الأغراض ويكيّف حسب مقتضيات الإطار الاجتماعي عامّة...
وهكذا إذ يتنزل المعنى في مستويين: المستوى العالق بالتأليف والمستوى المستقل إن صح الوصف –وليس مرد استقلاله إلا أنه يكون موضوعاً لفعاليات أخرى منطقية وأخلاقية وغيرها- يتنزّل موضوع الصنعة أيضاً في مرتبتين:
مرتبة الألفاظ، ومرتبة التأليف. وما دام كلاهما يتعاضدان في فعل الصنعة أصبح لزاماً دحض مقولة قدامة القائمة على أن الموضوع الرديء لا يؤثر في الصورة الجيدة، واشتراط الانتقاء والاختيار في الألفاظ نفسها، ذلك أن ناظم الكلام قادر "على اختيار موضوعه، غير محظور عليه تأليف ما يؤثر منه"
(100)، ليخلص إلى ضبط العنصرين معاً المؤسسين لحقل الفصاحة بقوله: "الفصاحة عبارة عن حسن التأليف في الموضوع المختار"(101).
وهذه النتيجة تخوّل لنا إدراك الضوابط التي كانت وراء تصنيفه المواد اللفظية والمعنوية التي ستظل مشدودة إلى الأصول السابقة حيث سيكون الاستقصاء مرتباً حسب علائق هذه المستويات في البنية العامة، إذ يبدأ ببحث موضوع الصنعة الذي هو اللفظ المفرد وشروط فصاحته، ففصاحة التأليف بشمولها الألفاظ والمعاني في أقسام يمليها تصوره طبيعة العلاقة بين العنصرين، ثم يعرض في مرحلة ثالثة المعاني المفردة كما أسماها. وها نحن نستحضر بإيجاز عناصر كل طرف وصفاته الفنية مرجئين تنزيل هذه الأقسام في خانات الفصاحة والبلاغة إلى حين يكتمل لنا الفهم بتفريعاته المتشعبة لكي نتجنّب اللبس الذي يمكن أن يضعنا فيه تحديده حقلي الفصاحة والبلاغة مبدئياً.
أما فيما يتعلّق بالصفات التي اشترطها في موضوع الصناعة أو كما أسماه بالفصاحة في اللفظة المفردة، فإنها شروط تحدّد كثير منها قبله ودقّق بعده، وقد وسع في مجالها حتى شملت صفات لا يمكن أن يتفق على أنها من الميدان الذي ذكر وهي إجمالاً ثمانية أشياء، نكتفي بالإشارة إليها بإيجاز. فالأول أن يكون تأليف تلك اللفظة من حروف متباعدة المخارج، والثاني أن تجد لتأليف اللفظة في السمع حسناً ومزية على غيرها، وإن تساوياً في التأليف من الحروف المتباعدة؛ والسر في ذلك تأليف مخصوص مع البعد. والثالث: أن تكون الكلمة – كما قال أبو عثمان الجاحظ- غير متوعّرة وحشية، والرابع أن تكون الكلمة غير ساقطة عامية، كما قال أبو عثمان أيضاً. والخامس: أن تكون الكلمة جارية على العرف العربي الصحيح غير شاذة. ويدخل في هذا القسم كل ما ينكره أهل اللغة ويردّه علماء النحو من التصرف الفاسد في الكلمة. والسادس ألا تكون الكلمة قد عبّر بها عن أمر آخر يكره ذكره، فإذا وردت وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت، وإن كملت فيها الصفات التي بيّناها. والسابع: أن تكون الكلمة معتدلة غير كثيرة الحروف.
والثامن أن تكون الكلمة مصغرة في موضوع عبّر بها فيه عن شيء لطيف أو خفيّ أو قليل أو ما يجري مجرى ذلك(102)... وهذه المقاييس فضفاضة تجاوزت المعهود من شروط الفصاحة في المفرد، وكانت موضع انتقاد قديماً وحديثاً، فإذا كان بعض هذه الشروط متفقاً عليه يقوم على ضوابط لغوية دقيقة فإن "بعضها الآخر إما نسبي يمكن أن يختلف في تقديره الناس –الشرط الثاني- أو في غير محلّه إذ لا دخل للفظ فيه- الشرط الثامن-"(103).
أما الشروط العالقة بالتأليف فهي أقسام أربعة: قسم يشترك مع شروط اللفظة المفردة، وقسمان كالأصلين يتفرع منهما شروط عدة تتعلق بلحمة الكلمات في السياق على مستويات مختلفة، ورابع يبدو في أشكال من تآلف الوحدات في السياق أيضاً، إلا أن تعلق المعنى فيه باللفظ عبر محور عمودي إن صحّ الوصف، هو الذي جعله يخص هذا القسم بوصف "الفصاحة والبلاغة".
أما فيما يخص المتّفق مع شروط اللفظة المفردة، فمن أبرزه شرط تأليف اللفظة من حروف متباعدة المخارج، وانعدامه في التأليف أقبح "وذلك أن اللفظة المفردة لا يستمر فيها من تكرار الحرف الواحد أو تقارب الحرف مثل ما يستمر في الكلام المؤلف إذا طال واتّسع"(104).
وإذا كان لا علاقة للتأليف بالشرط الثاني والثالث والرابع إلا ما يتحقق فيه من حسن وقبح تبعاً لما يثيره التواتر والترادف في استعمال هذا الصنف أو ذاك، تماماً كالشرطين السابع والثامن(105)، فإن للشرطين الخامس والسادس علاقة بالتأليف ذلك أن الشرط الخامس ينص على أن تكون الكلمة جارية على العرف العربي الصحيح، ولا يتم للمتكلم ذلك حتى يضع كل اسم في موضعه ويلفظ به على حدّ ما يلفظ به أهله، ولا يكون ذلك حتى يورد اللفظ في سياق معيّن، وبذلك يدخل الإعراب فيه لأن معاني الكلام تتعلق به، وهو الدليل على المقصود منها، وبه يزول اللبس، والجواز فيها(106)، وبهذا التصور يكاد يختص الشرط الخامس بالتأليف رغم ما يوحي به إلحاحه على مجاراة العرف الذي يمكن أن يشمل الخروج عن القياس في بنية الكلمة أيضاً، خاصة أنه يشير إلى تجنب الشذوذ في الكلمة، أو أن تكون اللفظة بعينها غير عربية(107). أما الشرط السادس فلا يكاد يكون خالصاً إلا للتأليف إذ إن استعمال الكلمة في التعبير عن أمر آخر يكره ذكره لا يتحقق إلا في السياق.
ثم ينتقل إلى الشروط الخاصة بالتأليف، فيبسطها في أصلين كبيرين يحتوي كل منهما جملة مسائل ينتظمها جوهر الانضواء تحت الأصل الواحد، ثم يختمها بشروط مشتركة بين الفصاحة والبلاغة؛ وهو يعي انضواء هذه الشروط تحت ظل هذه الأقسام أو الأصول الجامعة، حيث يباشرها بقوله: "إن أحد هذه الأصول وضع الألفاظ موضعها حقيقة أو مجازاً لا ينكره الاستعمال ولا يبعد فيه"(108). وهذا الأصل جامع لكثير من المبادئ المتعلقة بمراعاة الانتظام السليم للوحدات في التركيب وتنزيلها مواضعها الحقة، وإن شمل قضايا في الدلالة كالاستعارة، إلا أن فهم المؤلف لها إذ يقول فيها بالنقل سوّغ له إيرادها في هذا القسم الذي تعرّض فيه إلى التقديم والتأخير، والقلب، وحسن الاستعارة، والحشو، ومداخلة الكلام بعضه بعضاً أو المعاظلة، وعدم إيراد ألفاظ الذّم في المدح، وألفاظ المدح في الذّم، وألفاظ المتكلمين والنحويين والمهندسين وألفاظ أهل المهن والعلوم(109).
ثم ينتقل إلى الأصل الثاني الذي يحدده بقوله: "ومن شروط الفصاحة المناسبة بين اللفظين، وهي على ضربين: مناسبة بين اللفظين من طريق الصيغة ومناسبة بينهما من طريق المعنى"(110)، وهو مبدأ عام يشكل أشكالاً عدّة من أنماط التناسب الحادثة بين وحدات الكلام في مستوييه الصوتي والمعنوي، ذلك أن كل علاقة تضم وحدتين أو أكثر تزيد من بهاء الكلام لما لأشكال التوازن الحادث بين وحداته من أثر في إيقاع الكلام وتناسق عناصره، وهو أمر يمتد به ليغطي مساحات عامة في البنية كالقافية والوزن. وما أورده من هذه الأوجه عالقاً بالصيغة فهو السجع والازدواج والقوافي في الشعر التي يراها تجري مجرى السجع، ثم التصريع والترصيع، ومنها أيضاً حمل اللفظ على اللفظ في الترتيب ليكون ما يرجع إلى المقدّم مقدّماً وإلى المؤخر مؤخراً، ومن المناسبة أيضاً التناسب في المقدار، وهذا في الشعر محفوظ بالوزن، ومنه المجانس. أما تناسب الألفاظ من طريق المعنى فإنه يتم على وجهين: أن يكون معنى اللفظتين متقارباً، أو أحد المعنيين مضاداً للآخر وهو المطابق، أو قريباً من المضاد(111).
أما ما عددناه قسماً رابعاً فهو يذكره تحت وصف: شروط الفصاحة والبلاغة، وهو قضايا خمس هي: حسن الكناية(112)، والإيجاز والاختصار ويتعرّض فيه للمساواة والتذييل، ومنه أيضاً وضوح الكلام وظهوره حتى لا يحتاج إلى فكر في استخراجه، ثم الإرداف والتتبيع، وأخيراً التمثيل(113).
وبهذا ينتهي قسم التأليف بتفرعاته وأقسامه، ليخلص منه إلى القسم الثالث المعنون بالكلام في المعاني المفردة وهو يشعر بصعوبة حصر المعاني بقوانين تستوعب أقسامها كما ذكر في الألفاظ إذ إن ذلك "ثمرة علم المنطق، ونتيجة صناعة الكلام"(114)، ثم ينتهي إلى مقصده في إيفاء معاني صناعة الكلام حقها من الحصر والتنبيه على الخطأ باسطاً قبل ذلك مقدمة نظرية في الدلالة تحصر المعاني في وجودها المتعدد: في نفسها، وفي أفهام المتصورين لها، وفي الألفاظ التي تدلّ عليها، وفي الخط. وإذا كان وجود المعاني في الألفاظ هو موضوع البحث فإنه ليس يتكلم "عليها من حيث وجدت في جميع الألفاظ، بل من حيث توجد في الألفاظ المؤلّفة المنظومة على طريقة الشعر والرسائل وما يجري مجراهما فقط"(115).
أما حصر هذه الأوصاف فيرسلها في قائمة عامة تشمل الصحة في المعاني والكمال والمبالغة والتحرّز مما يوجب الطعن والاستدلال بالتمثيل والتعليل وغيرهما، ثم يذكر من ذلك تفصيلاً: الصحة في التقسيم وتجنب الاستحالة والتناقض، وذلك بجمع المتقابلين من جهة واحدة، ويعرض للفرق بين المستحيل والممتنع، والجائز، ثم يعرض لصحة التشبيه، والتشبيه عنده معنى، وصحة الأوصاف في الأغراض، وفيها يعرض لضرورة ملائمة المعاني للغرض، ويتحقق ذلك في النثر أيضاً باحترام المواضعات في الخطاب والاصطلاحات، ثم يثير إشكال المدح بالحسن والجمال، والذّم بضدها، ويخالف قدامة في الموضوع منضماً إلى الآمدي، ثم يعرض لصحة المقابلة في المعاني، وصحّة النسق والنظم ويريد به حسن التخلّص من معنى إلى آخر، وصحة التفسير، وكمال المعنى، ثم المبالغة والغلو، والتحرّز مما يوجب الطّعن، فالاستدلال بالتمثيل والتعليل، دون أن ينسى إثارة مشكلة القدماء والمحدثين، ومسائل أخرى كحدّ الشعر ووظيفته والمفاضلة بينه وبين النثر(116)...
وقد اضطرنا إلى هذا العرض الطويل مقصد التدليل على أن الأقسام التي خضع لها الكلام عند الخفاجي قائمة على أساس من التصوّر النظري متنزلة في إطارها منه ومحكومة بفهم للفصاحة والبلاغة لا يتسنى إدراكه إلا بعد الوعي بالفواصل الحاسمة بين هذه الأقسام.
وتأسيساً على ما سلف يمكننا إدراك قوله مفرقاً بين الفصاحة والبلاغة "إن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، والبلاغة لا تكون إلا وصفاً للألفاظ مع المعاني، لا يقال في كلمة واحدة لا تدل على معنى يفضل عن مثلها بليغة، وإن قيل فيها فصيحة، وكل كلام بليغ فصيح، وليس كل فصيح بليغ، كالذي يقع فيه الإسهاب في غير موضعه"(117). فقصره الفصاحة على الألفاظ لا يعني بها الألفاظ المفردة إذ خاتمة النص تؤكد ذلك، فالكلام المسهب في غير موضعه فصيح وليس بليغاً، فهي شاملة للألفاظ المفردة والمركبة، يؤكد ذلك اعتباره ما تعرّض لـه في قسم الألفاظ المؤلّفة منضوياً تحت الألفاظ عموماً(118)، من هنا يحصر الفصاحة في موضع آخر في التأليف فقط، ذلك أن الزّبدة في العلوم الأدبية والنّكتة "نظم الكلام على اختلاف تأليفه، ونقده ومعرفة ما يختار منه مما يكره، وكلا الأمرين متعلّق بالفصاحة، بل هو مقصور على المعرفة بها"(119).
فالفصاحة إذاً شاملة للألفاظ المفردة والمؤلفة، وهو ما أسماه صريحاً في الأقسام السابقة بشروط الفصاحة. ولا تناقض عنده في قصرها مرة على الألفاظ ومرة أخرى على التأليف كما هو صريح في النصين السابقين، وهذا يؤدي به إلى الاستغناء بأحد الطرفين في وصفها. يظهر ذلك في نصّه الآتي الذي يورده عقب سرده شروط الفصاحة في الألفاظ المركبة. يقول: "فهذا منتهى ما نقوله في الألفاظ بانفرادها واشتراكها في المعاني، ومن وقف عليه عرف حقيقة الفصاحة ومائيتها، وعلم أسرارها وعللها، فأما الكلام على المعاني بانفرادها، فقد قدمنا القول بأن البلاغة عبارة عن حسن الألفاظ والمعاني، وأن كل كلام بليغ لا بدّ من أن يكون فصيحاً، وليس كل فصيح بليغاً، إذ كانت البلاغة تشتمل على الفصاحة وزيادة، لتعلق البلاغة مع الألفاظ بالمعاني"(120)، فكيف تسع الفصاحة الألفاظ بانفرادها وأيضاً باشتراكها مع المعاني، واشتراك الألفاظ مع المعاني حقل من حقول البلاغة بصريح قوله؟
والمسألة متماشية مع ما أورده من أقسام. فكما رأينا فإن اصطلاح "الألفاظ بانفرادها" يشمل صفات المفرد، والمؤلف بأقسامه الثلاثة الأولى التي عرضناها، أما اشتراك الألفاظ مع المعاني فهو متعلق بالقسم الرابع من المؤلَّف الذي عَنْونَ قضاياه بشروط الفصاحة والبلاغة. من هنا رأى لزاماً لكمال العلم بالفصاحة إضافة هذا الركن الرابع في التعريف ليتسنى لها شمول المفرد والمركب المتآلف، والمشترك بالمعنى، وهذا الأخير نفسه من حقول البلاغة أيضاً فهو شركة بين اثنين، مع اختصاص البلاغة بالمعاني مفردة.
ومما يؤكّد هذا المنحى بالإضافة إلى تطابقه مع الأقسام التي عرضنا لها قصره البلاغة على الألفاظ والمعاني معاً، ثم اعتباره أيضاً المعاني المفردة من اختصاصها، فكيف تكون المعاني مفردة؟ نستوضح ذلك من إيراد بقية النّص "فإذا كان قد مضى الكلام في الألفاظ على الانفراد والاشتراك، فلنذكر الآن الكلام على المعاني مفردة من الألفاظ ليكون هذا الكتاب كافياً في العلم بحقيقة البلاغة والفصاحة، فإنّهما وإن تميّزا من الوجه الذي ذكرته فهما عند أكثر الناس شيء واحد، ولا يكاد يفرق بينهما إلا القليل"(121). لقد رأينا في ذكره المعاني مفردة من الألفاظ أن الأمر يتعلّق بقسم من المعاني العامة عكس ما قد يوهم به اصطلاح "مفردة"، وإنما قصده المعاني خلواً من بحث اللفظ تماماً كاصطلاح الألفاظ على الانفراد، ليست المفردة فقط، بل تشمل المفرد، والمركب بأقسامه الأربعة الخالص منها والمشترك. فالفصاحة إذاً تشمل المفرد والمؤلف، والبلاغة تتعلق بالمعاني المفردة، ويشتركان في قسم ذكر مسائله تحت عنوان "شروط الفصاحة والبلاغة" وهي الكناية والإيجاز والتتبيع والتمثيل ووضوح العبارة عن المعنى، ويسميه أيضاً المشترك أو ما تشترك فيه الألفاظ والمعاني. وهذا التداخل بين حقلي البلاغة والفصاحة في الألفاظ المؤلفة هو الذي يجعل التمييز بينهما صعباً باستثناء جوهر الفرق بينهما الكامن في اختصاص البلاغة بالمعاني المفردة، ذلك أنه "إذا كانت الفصاحة شطرها وأحد جزئيها، فكلامي على المقصود –وهو الفصاحة- غير متميّز إلا في الموضع الذي يجب بيانه من الفرق بينهما على ما قدمت ذكره. فأما ما سوى ذلك فعام لا يختص، وخليط لا ينقسم"(122). والسر في كونه عاماً لا يختص وخليطاً لا ينقسم هو انضواؤه كلّه في قسم الألفاظ المؤلّفة، فلا يمكنه فصل مجالاته المشتركة بإفراد ما يخص البلاغة عن خاص الفصاحة.
وهكذا نجد تعريفات الخفاجي بالرغم من الاعتراف بتعقيدها تتماشى باعتبارها حدوداً حاصرة لمجالات فعالياتها مع أصلها النظري العام المتمثل في قضية العلل ومقابلها من عناصر الكلام، وتتناسق هذه المنطلقات النظرية مع التفريعات الجامعة للمسائل التفصيلية.
ونحسب أن هذا الفهم هو الذي أوصلنا إلى التنسيق بين مختلف آرائه وإلى إزالة ما يمكن أن يكون مدعاة لوسمه بالتناقض أو التضارب، كما هو الحال في مثل هذا الموقف الذي ينطلق من رأي ابن سنان في نصه الذي جمع فيه خلاصة بحثه الألفاظ المؤلّفة بقسميها اللفظي الخاص والمشترك مع المعاني، فيرى أنه بمقارنة هذا "بالفقرة التي ذكر فيها الفرق بين الفصاحة والبلاغة حيث يقول: "والبلاغة لا تكون إلا وصفاً للألفاظ مع المعاني". نستنتج أن ما ذكر في شروط التأليف هو من مجال البلاغة؛ لكن المؤلف يضيف بعد ذلك مباشرة ما يصد عن الفهم" ومن وقف على هذا عرف حقيقة الفصاحة ومائيتها" ثم يضيف ما يفهم منه أن البلاغة لا تتم إلا بالقسم المتبقّي من الكتاب وهو الكلام (على المعاني مفردة من الألفاظ) بغية أن يكون الكتاب (كافياً في العلم بحقيقة البلاغة والفصاحة). ويختم الفقرة بشيء من التراجع والاحتراز فيقرر أنهما عند أكثر الناس شيء واحد"(123). والواقع أن كل الإشكال يثيره حديثه عن القسم المشترك المؤلّف من الألفاظ والمعاني الذي هو حدّ عام وخليط بين البلاغة والفصاحة، وبجلائه يزول الالتباس والتضارب ويتحدد لكل من الفصاحة والبلاغة مجاله، مع الإقرار بتداخل اختصاصهما. والإشكال نفسه يدعو الباحث إلى تكرار مؤاخذته الخفاجي بما اعتبره تذبذباً، إذ يرى أن "الناظر في القسم المخصّص لشروط التأليف يلاحظ هذا التذبذب على مستوى العبارة.
فكثير من الشروط بدأها بقوله: (ومن شروط الفصاحة والبلاغة) بينما المفروض أن تكون لشروط الفصاحة بالتأليف"(124). علماً بأن الخفاجي نزّل تلك الشروط في خانة المشترك بين الفصاحة والبلاغة عن وعي، تماشياً مع أسسه النظرية كما شرحنا ذلك في التعريفات. ولعل ذكره هذه المسائل المشتركة في آخر شروط الألفاظ المؤلفة، باستثناء الكناية، دليل منهجي آخر على إحساسه بتميّزها عن باقي قضايا التأليف.
ولكن ما هو الأساس الخفي الذي جعل الخفاجي ينحو في التقسيم هذا المنحى؟ وهل لذلك صلة بفكرته عن اللفظ والمعنى؟ نحسب أن رأياً في اللفظ والمعنى هو الذي كان خلف هذا التقسيم، فقد واجهته وهو يبحث علائق المعنى باللفظ في النص مسألة الدلالة وكيفية تحققها.
فحضور الألفاظ المفردة بالمواصفات التي ذكرها في النص تحيل البسائط مركبات، حيث إن المستويات التي لاحظها في المفردة الواحدة تعود لتتضخم في النص، صوتياً كما لحظه في أشكال التناسب الصوتي البحت بما فيه الوزن والقافية، وتركيبياً كما أبداه استقصاؤه لأنماط التلاحم بين الوحدات في التركيب، وكذا دلالياً، كما يظهر عميقاً في أشكال التعبير غير المباشر عن المعنى في التتبيع والتمثيل والكناية وغيرها. وتلاحم هذه المستويات يزداد في تصوره رسوخاً بموجب إقراره بأن "المعاني وتأليف الألفاظ هي صناعة هذا الصانع التي أظهرها في الموضوع"(125). وإذا كان المعنى في المستوى المتآلف ينضوي في بنية يمكن فكّ مغالقها بالاعتماد عليها ذاتها وبحث علائق الوحدات ألفاظاً ومعاني في إطارها، فإن للمعنى وجهاً آخر تستلزم مقاربته تنزيله في إطاره العام من بنية المجتمع بالاستناد إلى أساس من العقل، ذلك أن المنظور الوظيفي خاضع لمقتضيات الشروط الاجتماعية، وقوانين التصوير الشعري للواقعة أو "الحقيقة" محكومة بجوهر منطقي ومشدودة في الآن نفسه إلى نوع أدبي. ويتأكد رسوخ هذا المنطلق لدى الخفاجي المتمثل في فهم صلات المعاني بالألفاظ في النص اعتباره الألفاظ وسيلة للمعاني، ذلك "أن الألفاظ غير مقصودة في أنفسها، وإنما المقصود هو المعاني والأغراض التي احتيج إلى
العبارة عنها بالكلام، فصار اللفظ بمنزلة الطريق إلى المعاني التي هي مقصودة"(126).
فلو بقي التصور قائماً على رأي في اللفظ والمعنى تأسّس عليه الكتاب كله لوجد التبرير والاستساغة، لكنه أبى إلاّ أن يزجّ بالتركيبة كلها في قناتي الفصاحة والبلاغة، فأوقعه هذا التوجه في الحرج، هذا إذا انطلقنا من المعهود الشائع عن دلالات الفصاحة والبلاغة، أما إذا اعتمدنا منهجاً وصفياً نستقرئ فيه الموجود بربطه بمنطلقاته التأسيسية، فالانسجام وارد بين المنطلقات والتقسيمات كما رأينا.
لكنه قصد حشر تفريعاته في قناتي الفصاحة والبلاغة معاً فاضطر إلى الفصل بين هذه الأقسام. وإذا كان قد سهل عليه تقسيم الألفاظ المفردة والمعاني المفردة بين الفصاحة والبلاغة بسهولة، فإن الإشكال كامن في الألفاظ المركّبة، إذ هي تشمل المعنى واللفظ، فوضعها في خانة الفصاحة تجاوز، واعتبارها بلاغة معناه حصر للفصاحة في المفرد. من هنا عمد إلى تقسيمها بينهما، ولكن ما الأساس الذي يقوم عليه الفصل ما دام يمتنع لديه اعتبار حقل الألفاظ المركبة كله شركة بين الاثنين، ولو كان كذلك لذكر كل قضاياه تحت عنوان شروط الفصاحة والبلاغة معاً؟ نحسب أنه شقي قبل أن يصل إلى الحل الذي توخاه في الفصل بين المتآلف من الألفاظ باعتماد أساس خفي غير حاسم، فما دامت الفصاحة تتعلق باللفظ، فإن القسم من الألفاظ المركبة الذي يكون من اختصاصها يجب أن يتميّز بخواص لفظية بيّنة، فوجد ذلك أولاً في المشترك بين صفات المفرد والمركب، ثم اكتشف أن قضايا التركيب من مثل مباحث المعاظلة والتقديم والتأخير والقلب ومثيلاتها مما رأيناه سابقاً، أقرب إلى الارتباط باللفظ إذ صلته حميمة بمسائل السبك والنسج والنظم وهو يتحقّق عموماً في أنماط التلاحم بين الوحدات في السياق، فنزّله في خانة الفصاحة، وألحق به وهذا تأكيد للسابق، مسائل التناسب الصوتي من سجع وجناس وازدواج، وبرر له هذا التوجه جعل الوزن والقافية منه، ومسائل التناسب تطول الوحدات معنوياً أيضاً، ومن هنا اعتبر من تناسب الألفاظ معنوياً الطباق وتقارب الألفاظ في المعنى ما داما يقعان ضمن علائق الوحدات توزيعياً وإن تعلقا بمعانيها، فرأى أن ضمهما إلى أوجه التناسب ممكن، وبهذا الحصر أنهى تركة الفصاحة. والباقي من الشروط المشتركة التي تدخل في مسائل الدلالة شركة بين الاثنين، فهي من جهة كونها من شروط التركيب فصاحة، ومن جهة صلتها العميقة بالمعنى بلاغة. وبذلك اعتبر الخفاجي عمله مسحاً للحقلين معاً مع مقتضيات الفصل بينهما علماً بأن الفصاحة شطر من البلاغة إذ البلاغة تشملها وزيادة.
فالسبب الجوهري الذي أوصله إلى هذه النتيجة –كما بدا لنا- هو رأي في المعنى واللفظ ومعالجة لعناصر النص أراد لها أن تزج في اصطلاح الفصاحة والبلاغة فتعسف القسمة. ولم يوسّع من مفهوم الفصاحة فقط لتنضوي تحتها "الوجوه البلاغية بمختلف أقسامها: التركيب والدلالة والمحاسن بحكم أن اللغة حقيقة كانت أو مجازاً، كناية أو تصريحاً موضوعة للإبانة عن المقاصد"(127)، ما دام يفهم الفصاحة بمعنى الإبانة والإظهار، وإنّما وسّع من مفهوم البلاغة أيضاً، وإلا فما علاقة البلاغة بالغلو وبحث المعاني الملائمة للأغراض والتعرض للاستحالة والتناقض وما أشبهها؟ مع التذكير أيضاً بأن كل مسائل الفصاحة هي شطر من البلاغة.
فهذا هو المسوّغ الذي جعل الخفاجي يوزع قضايا اللفظ والمعنى هذا التوزيع، ونحسب أنه اجتهاد دفعته إليه رغبته في التفرد وتأكيد إدعائه السبق إلى ذلك، كما ذكر ذلك صريحاً في تعرضه لشروط الفصاحة في اللفظة المفردة(128)، علماً بأن أصح ما أورده في المسألة معروف وباقيه لا علاقة له بموضعه. ثم دفعه هذا الموقف إلى حشد كل مسائل الفصاحة والبلاغة والنقد تحت عنوان مقصود "سر الفصاحة"، إذ العنوان يخفي إشكالاً آخر ذلك أنه يفهم منه أن محتوى الكتاب في الفصاحة، وهي نفسها جزء من المتن.
ومع الإقرار أخيراً بأن أثر قدامة بن جعفر في مؤلف الخفاجي باد في مواضع شتى(129)، إلا أنّه تأثّر مسالك غيره أيضاً، فهو يستفيد من الآمدي في فهم قضية العلل والمدح بصفات الجمال والحسن فيخالف في ذلك قدامة. ويفيد من مباحث الجاحظ في الفصاحة، ثم إن أغلب ما أورده معروف في كتب البلاغة والنقد، وتداوله النقاد بعد قدامة، ومن هنا يكون البناء الذي أخضع لـه مادة كتابه متماشياً مع منطلقاته ودقائق أسسه، وإن كان الجزم باضطرابه وارداً إذا قابلناه بالمعهود من مباحث الفصاحة والبلاغة، إلا أنه يظل محكوماً بمنطق خفي ساد كل فصول الكتاب، وإذا كان بالإمكان قبول الرأي في "أنه أراد بناء كتاب على نسق "نقد الشعر" والإحاطة بكل القضايا التي تضمنها"(130)، فإننا نتحفظ إزاء وسم مؤلفه بخلل المنهج مطلقاً، فقد اعتمد شكلاً من أشكال التخطيط الذي خضعت له المادة في الكتاب، ولم يضطره تقليد قدامة والقسمة الثنائية التي بنى عليها الكتاب" إلى حشد المسائل التي كانت موزعة على أبواب عديدة (عند قدامة) في قسم الألفاظ المؤلفة بلا تمييز. فجعل المجانس والمطابق مع المساواة والإشارة، مثلاً، صفات للفظ، بينما هي عند قدامة إمّا من نعوت المعاني –المجانس والمطابق- وأما من نعوت ائتلاف اللفظ والمعنى –المساواة والإشارة-"(131)؛ والحق أنه ميز –كما رأينا- بين هذه المسائل، فنزّل المجانس والمطابق في قسم التناسب اللفظي والمعنوي من قسم الألفاظ المؤلفة الخاصة بالفصاحة، في حين عدّ المساواة والإشارة من مشترك الفصاحة والبلاغة، علماً بأن قدامة اعتبر هذه الأشياء كلها من نعوت ائتلاف اللفظ والمعنى، إلا إذا كان الباحث يقصد بالمطابق التكافؤ عند قدامة، وهو يعادل الطباق عند البلاغيين، علماً بأن قدامة استعمل المطابق يريد به الجناس المعروف(132).
وأخيراً يمكننا القول بأن مؤلف الخفاجي قد أملاه رأي في اللفظ والمعنى، وهذا الرأي لم يؤده إلى التعسف في بحث العلائق الرابطة بين العنصرين، بل يمكن اعتبار محاولته إقراراً بترابطهما وحضورهما معاً في القول البليغ، ورأيه في الأمر صريح، ويكفي للتدليل عليه قوله إن "المعاني وتأليف الألفاظ هي صناعة هذا الصانع التي أظهرها في الموضوع"(133).
ائتلاف اللفظ والمعنى
عند نقاد القرن الخامس الهجري

من نقاد القرن الخامس الهجري الذين نتوقف عندهم والذين أولوا قضية اللفظ والمعنى أهمية: المرزوقي والشريف المرتضى وابن رشيق، ومع الإقرار بأن بعضهم بلور مبادئ سابقة وأخرجها في إطار نظري شامل كنظرية عمود الشعر العربي لدى المرزوقي، فإن في قضيتنا لا نكاد نجد جديداً عند هؤلاء باستثناء تفريعات تدلّل على أصول سابقة لم تكن في منجاة من بعض الاضطراب أيضاً.
وأغلب نقاد هذا القرن "يميلون إلى التوفيق بين اللفظ والمعنى"(134)، غير أن أشكال هذا التوفيق تساير منطلقات كل ناقد وتلتحم بأصوله. فالمرزوقي يقابل بين كل من الألفاظ والمعاني والأوعية والأمتعة(135)، ذلك أن من مبادئ عمود الشعر عنده تحقيق المشاكلة بين اللفظ والمعنى، والتحام أجزاء النظم والتئامها(136)، في حين يستقطب هذه المشاكلة موقفان: موقف طلاب المعاني، وموقف أرباب الألفاظ(137).
وتبدو صياغة الكلام لدى أصحاب الألفاظ مراتب يستقيم لكل مرتبة درجة من التّشكيل الفني حسب خواصّ فنيّة في هذا التّشكيل نفسه: "فمن البلغاء من يقول: فقر الألفاظ وغررها، كجواهر العقود ودررها، فإذا وسم أغفالها بتحسين نظومها وحلي أعطالها بتركيب شذورها، فراق مسموعها ومضبوطها وزان مفهومها ومحفوظها وجاء ما حرر منها مصفى من كدر العي والخطل، مقوماً من أود اللحن والخطأ، سالماً من جنف التأليف، موزوناً بميزان الصواب، يموج في حواشيه رونق الصفاء لفظاً وتركيباً، قبله الفهم والتذّ به السمع"(138)، والتركيز في هذه المرتبة يكون على التركيب الذي يضيف إلى الوحدات حسناً بضمها إلى غيرها مع الإلحاح على تجنب الخطأ واللحن. أما في المرتبة الثانية فيقوم النص على الانتقاء الدقيق في اختيار الدال المطابق لمدلوله، وتحقيق قدر أعلى من تناسب أقسام النص في مراتبه المختلفة، ويكون ذلك بتتميم "المقطع، وتلطيف المطلع، وعطف الأواخر على الأوائل، ودلالة الموارد على المصادر، وتناسب الفصول والوصول، وتعادل الأقسام والأوزان، والكشف عن قناع المعنى بلفظ هو في الاختيار أولى، حتى يطابق المعنى اللفظ، ويسابق فيه الفهم السمع"(139)، لينتهي الأمر في آخر مرتبة إلى إثقال النص بأشكال "من الترصيع والتسجيع، والتطبيق والتجنيس، وعكس البناء في النظم، وتوشيح العبارة بألفاظ مستعارة، إلى وجوه أخَرْ تنطق بها الكتب المؤلفة في البديع"(140).
وتتكاثف مستويات الصياغة بشكل لافت في المرتبتين السابقتين خاصة، مما يجعل خصائص النص الأسلوبية في النص مرتدّة إلى نفسها –إن صح الوصف- في أشكال من البناء المركّز على تناسق الأصوات والتركيب. أما قصد أصحاب المعاني فيتجسد في تحقيق قدر أعلى من التأمل لدى المتلقي إذ "طلبوا المعاني المعجبة من خواص أماكنها، وانتزعوها جزلة عذبة حكيمة ظريفة أو رائقة بارعة وجعلوا رسومها أن تكون قريبة التشبيه، لائقة الاستعارة، صادقة الأوصاف، لائحة الأوضاح... مستوفية لحظوظها عند الاستهام من أبواب التصريح والتعريض والإطناب والتقصير، والجد والهزل... مبتسمة من مثاني الألفاظ عند الاستشفاف، محتجبة في غموض الصيان، لدى الامتهان"(141).
ويتلخص الموقف العام في ضرورة تحقيق التشاكل والتوافق بين الألفاظ والمعاني(142) حيث تكون دلائل ذلك "حسن التباس بعضها ببعض، لا جفاء في خلالها ولا نبو، ولا زيادة فيها ولا قصور، وكان اللفظ مقسوماً على رتب المعاني: قد جعل الأخص للأخص، والأخس للأخس، فهو البريء من العيب"(143). ودعوة الائتلاف هذه لا جديد فيها، فأصولها تعود إلى الجاحظ، تماماً كموقف المرزوقي مما أسماه بالتحام أجزاء النظم والتئامه المتولّد من انسجام الفصول والأبنية إذ يقوم على استغلال أصول قديمة كمفهوم "القران" الجاحظي وشواهده الشعرية أيضاً(144).
وللمرزوقي رأي في بنية النص الشعري أدته إليه مقارنته بين النثر والشعر وتحسّسه خواص الشعر الشّكلية القائمة على الوزن والقافية ووحدة البيت الذي ينتج عنه حصر المعنى الشعري في حدود المدى الذي يسع بنيته، مما مكّنه من الوعي بتلازم خاصيتي التكثيف والغموض في الشعر "لذلك وجب أن يكون الفضل في أكثر الأحوال في المعنى، وأن يبلغ الشاعر في تلطيفه، والأخذ من حواشيه، حتى يتسع اللفظ لـه، فيؤديه على غموضه وخفائه، حداً يصير المدرك لـه والمشرف عليه، كالفائز بذخيرة أغتنمها، والظافر بدفينة استخرجها"(145).
ولعل ما يضيف إلى المرزوقي وزناً بالإضافة إلى هذه النظرات التي كانت خلاصة للاستيعاب العميق لنتاج سابقيه من النقاد، صياغته نظرية عمود الشعر العربي الصياغة النهائية.
أما أمر اللفظ والمعنى مع الشريف المرتضى فيشينه بعض الاضطراب، فإذا كان الحديث عن المعنى متعلقاً بصياغة المتداول المعروف، فلا يضير –في رأيه- المعبر ترداده هذا المألوف مادام يحسن العبارة عنه إذ إن "حظ العبارة في الشعر أقوى من حظ المعنى"(146)؛ ذلك أن تفرد الصياغة وحسنها يشفعان للشاعر اشتراكه مع غيره في المعاني، ومع هذا الاشتراك "إنما يقع الإحسان في حسن النسج، وسلامة السبك، وأن تكون العبارة عن ذلك المعنى ناصعة، وفي القلوب متقبّله"(147).
ثم يعود إلى القضية من منظور مغاير لكنه مؤكد للسابق أيضاً حيث يقابل بين الشيء في وضعه الأصلي، واستحالته محتوى في صياغة فنية، فيرى أن التغيير الطارئ على الشيء المصور بتقديمه في صورة تخالف أصله لا يحط من قيمة الصورة الراسمة للشيء، ليخلص إلى قاعدته التي تنص "على أن حظ الألفاظ في الكلام الفصيح - منظوماً ومنثوراً- أقوى من حظ المعاني"(148).
لكن البحث عن تميّز الشاعر بمعنى ضمن المشترك يضطره إلى اعتبار المعاني الأصل في التقديم، إذ يعرض بيتيه الآتيين:
فحب به من باذل لي حلاله



وفاد بذاك البذل مني حرامه


ومن ملتقى عذب المذاق ربحته



فلم يرض لي حتى ربحت أثامه



ثم قول الفرزدق:
إذا ما نأت عني حييت وإن دنت



فأبعد من بيض الأنوق كلامها


وتمنع عيني وهي يقظى حلالها



ويبذل لي عند المنام حرامها



ثم يعلق بقولـه: "فليس لـه بالمعنى الذي اختصصت به شبه، وإن كان قد أتى بلفظ التحريم والتحليل وليس المعول على الألفاظ، وإنما المعول على المعاني... وكل منّا قصد مقصداً صحيحاً، لأنّي أردت أن التمتّع الذي نلته في النوم حلالاً، لو كان في اليقظة لكان حراماً. والفرزدق أراد به أنه تمتع في اليقظة -من كلام وما أشبهه- حلالاً، وتبذل له عند المنام ما هو حرام. وإنما يريد أنه حرام لو كان في اليقظة، فأما ما يكون في النوم لا يكون حراماً، فبان هذا الشرح خلاف المعنى الذي قصدته لمعنى الفرزدق"(149). فأدى اعتبار الاختلاف في المعاني والتدليل على الخصوصية إلى اعتمادها الأصل في الجودة، لكن مما يقلل من حدّة التعارض بين هذا الرأي وما سبقه من آراء، كون المعنى مستخلصاً من صياغته. أما نفيه أن تكون المسألة في إيراد ألفاظ بعينها، كالتحريم والتحليل فلا يعني إزاحة اللفظ عن كل مزية إذ إن القصد –كما بدا لنا- هو الطريقة التي تتضام بها الألفاظ لأداء معنى معيّن.
ولعلّ رأيه الحاسم يظهر في إقراره توزيع الجودة بين الاثنين معاً، إذ تبدو خلاصة ذلك في اعتباره ديوانه وديوان أخيه ثم ديواني الطائيين جامعة لأجود ما قيل في موضوع الشّيب، ذلك أنها ضمت "محاسن القول في الشيب والتصرف في فنون أوصافه وضروب معانيه حتى لا يشذ عنها في هذا الباب شيء يعبأ به، هذا حكم المعاني، فأما بلاغة العبارة عنها وجلاؤها في المعاريض الواصلة إلى القلوب بلا حجاب والانتقال في المعنى الواحد من عبارة إلى غيرها مما يزيد عليها براعة وبلاغة أو يساويها أو يقاربها حتى يصير المعنى باختلاف العبارة عنه وتغيّر الهيئات عليه وإن كان واحداً كأنه مختلف في نفسه فهو وقف على هذه الدواوين مسلم لها مفوض إليها"(150)، لينتهي إلى اعتماد العنصرين معاً في تحليلاته الشعرية، كوصفه بيتاً لأبي تمام بقوله: "جيد المعنى مليح اللفظ"(151).
ولقد اشتهر ابن رشيق برأيه الداعي إلى ائتلاف اللفظ والمعنى، واستطاع مع ذلك أن يجمع في بعض المواقف بين مسائل نقدية متعددة منها ما يبحث في بنية النص، أو يعرض لمشكلات الصنعة وأدوات التثقيف المحققة لها. يقول في نص جامع لكثير من هذه المبادئ النقدية: "والبيت من الشعر كالبيت من الأبنية: قراره الطبع، وسمكه الرواية، ودعائمه العلم، وبابه الدّربة، وساكنه المعنى، ولا خير في بيت غير مسكون، وصارت الأعاريض والقوافي كالموازين والأمثلة للأبنية، أو كالأواخي والأوتاد للأخبية، فأما ما سوى ذلك من محاسن الشعر فإنما هو زينة مستأنفة، ولو لم تكن لاستغنى عنها"(152).
ونقول: إن أدوات الثقافة المحققة للصنعة لا تهمنا، وإنما المهم أن نجاعة البيت الذي يكون نتاجاً لهذه المواد الخام تكمن في احتوائه معنى، والمعنى غير مفارق لأشكال إخراجه، فالحديث عنه حديث عن صورته اللفظية التي تشكّل بنيتها الصوتية في تناسبها الإيقاعي ميزان الكلام واعتداله، أما التحسينات فهي طارئة ثانوية لا كبير جدوى من إلحاقها بالبيت.
وينم تشبيه بنية البيت الشعري بالبناء عن فهم لشكل من أشكال تلاحم عناصره يجعل كماله غير متأت بغياب أحدها، إلا ما قد يعكّر ذلك من تشبيهه المعنى بالساكن إذ له أن يغيب فيبقى البناء قائماً. غير أنه قد يفهم أن القصد من هذا التشبيه تأكيد ضرورة قيام البيت على معنى يؤديه، بل ستستحيل علاقات العناصر إلى كيان متلاحم يكون المعنى في إطارها شبه تابع حتمي للخواص اللفظية، ذلك أن ابن رشيق يعتقد أنه غير خاف "أن الصانع إذا صنع شعراً في وزن ما وقافية ما وكان لمن قبله من الشعراء شعر في ذلك الوزن وذلك الروي وأراد المتأخر معنى بعينه فأخذ في نظمه أن الوزن يحضره والقافية تضطره وسياق اللفظ يحدوه حتى يورد نفس الكلام الأول ومعناه حتى كأنه سمعه وقصد سياقته وإن لم يكن سمعه قط"(153). فعلى الرغم من أن ابن رشيق يبحث هنا في السرقات الأدبية فإنه يقر بالتولد الاضطراري للمعنى من أشكال صياغته وكأن سياق الألفاظ في بنيتها التركيبية الملحمة بالبناء الصوتي تملي على الشاعر سلطة بنيتها المستقلة فتفرز دلالتها أيضاً، ولا يملك الشاعر سوى الاختيار المبدئي لمقصد القول الذي ستوّجهه عناصر البنية المتعاضدة إلى نهايته.
وهذا الفهم السابق هو الذي كان خلف تبني ابن رشيق المقولة السابقة المشبهة للمعنى واللفظ بالروح والجسد(154)... والمقولة تعالج من منظور نظري عام صلة العنصرين حيث تقوم هذه الصلة على التسليم بالتأثر المتبادل بينهما ضعفاً وقوّة(155). ولم يهتم ابن رشيق بتفريع أحوال التأثر المتبادل بينهما في حالة القوة، ولو فعل لربما أدته المقارنة إلى بحث كيفية هذا التفاعل بين العنصرين في الحالة المجسّدة لأرقى درجاتها، مما كان يمكن أن يوصله إلى خلاصة أكثر عمقاً في بحث دقائقه وأبعاده. إلا أنه ربما وجد أن من السهولة تشخيص رأيه في حالة الضعف التي تقوم أولاً على تبيان أثر الخلل النسبي في أحد الطرفين على الآخر، ذلك أنه "إذا سلم المعنى واختل بعض اللفظ كان نقصاً للشعر وهجنة عليه، كما يعرض لبعض الأجسام من العرج والشلل والعور وما أشبه ذلك، من غير أن تذهب الروح، وكذلك إن ضعف المعنى واختل بعضه كان اللفظ من ذلك أوفر حظّاً كالذي يعرض للأجسام من المرض بمرض الأرواح"(156)، وهذا الإقرار المتكرر دفعته إليه القسمة الثنائية ورغبة التدليل على الصلات بين العنصرين، إلا أن المقارنة رغم تأكيدها النهائي انتقاء طرف بانتقاء آخر أو فساده "فإن اختل المعنى كله وفسد بقي اللفظ مواتاً لا فائدة فيه... وكذلك إن اختل اللفظ جملة وتماشى لم يصح له معنى(157) فإنها تظل مشدودة في مباشرة علاقة الطرفين إلى الانطلاق من أحدهما مما يؤكد انحصار النظرة في الأساس الثنائي دائماً رغم الإشارة إلى العلائق "الوجودية" بين العنصرين.
والمهم أن الموقف السابق سيفرز لدى ابن رشيق تصنيفاً للشعراء إلى لفظيين معنويين، وفي اللفظين من يذهب الفخامة والجزالة دون أن يتصنع، كبشار، وفرقة، منهم ابن هانئ أصحاب ***ة وقعقعة بلا طائل معنى إلا القليل، كما يصفهم، ومنهم من يقصد تسهيل اللفظ ولم ينج من الركاكة وإفراط اللين كأبي العتاهية. أما من يؤثر المعنى على اللفظ فيقصد صواب المعنى ولا يبالي بصورته اللفظية فمنهم مطبوعون كابن الرومي والمتنبي، ومنهم متصنعون(158). وهذا التصنيف لا يعني تجاهل أحد قطبي الدلالة إنما يقوم على التنويه بالخاصية التي تميز كل فئة وتلفت النظر إلى طريقة بنائها الكلام، فبشار الذي عُدّ من اللفظيين زاد وأصحابه "معاني ما مرت قط بخاطر جاهلي ولا مخضرمي ولا إسلامي، والمعاني أبداً تتردد وتتولد والكلام يفتح بعضه بعضاً"(159).
وهذا الموقف التصنيفي المرتد إلى الأساس الثنائي دفع ابن رشيق إلى حشد آراء متباينة بدءاً من ترداد مقولة الجاحظ في المعاني المطروحة، إلى اعتماد الفكرة المشبهة للمعنى بالصورة واللفظ بالكسوة، فإن لم تقابل الصورة الحسناء بما يشاكلها ويليق بها من اللباس فقد بخست حقها، إلى الاستشهاد بكلام لعبد الكريم النهشلي يرى فيه مرة أن: الكلام الجزل أغنى عن المعاني اللطيفة من المعاني اللطيفة عن الكلام الجزل، ويرى في أخرى أن: المعنى مثال، واللفظ حذو، والحذو يتبع المثال، فيتغيّر بتغيّره، ويثبت بثباته(160). وهي آراء وإن بدا فيها بعض الاضطراب في الموقف، إلا أنها بالقدر الذي تلح على الصورة المبرزة للمعنى وتدعو إلى تحسينها، لا تغفل أساس المشاكلة بين المعنى واللفظ أيضاً يدعمها ما يورده لبعض النقاد كالثعالبي الذي يرى أن البليغ هو الذي "يخيط الألفاظ على قدور المعاني"(161) أما ما ورد في وصية أبي تمام للبحتري في قوله: "كن كأنك خيّاط يقطع الثياب على مقادير الأجسام"(162).
على أية حال يظل هذا المنظور الثنائي الذي سيزدوج برأيه في الصنعة أساس كثير من آرائه النقدية، فهو يسند رأي أبي الفتح عثمان بن جني في قوله: "المولّدون يستشهد بهم في المعاني كما يستشهد بالقدماء في الألفاظ"(163). ويوازن بين القدماء والمحدثين مستغلاً تشبيه الشعر بالبناء يقول: "وإنما مثل القدماء والمحدثين كمثل رجلين: ابتدأ هذا بناء فأحكمه وأتقنه، ثم أتى الآخر فنقشه وزيّنه، فالكلفة ظاهرة على هذا وإن حسن، والقدرة ظاهرة على ذلك وإن خشن"(164)، ثم يقر بتفاوت القيمة الفنية بين بيتين: مطبوع ومصنوع ومحورهما المعنوي واحد، حيث يرى "أن البيت إذا وقع مطبوعاً في غاية الجودة ثم وقع في معناه بيت مصنوع في نهاية الحسن، لم تؤثر فيه الكلفة ولا ظهر عليه التعمّل كان المصنوع أفضلهما"(165).
وتأسيساً على ما سلف يبني تفرقته بين الاختراع والإبداع وإن كان معناهما في العربية واحداً كما يرى، إلاّ "أن الاختراع: ابتكار المعاني التي لم يسبق إليها، والإتيان بما لم يكن منها قط، والإبداع إتيان الشاعر بالمعنى المستطرف، والذي لم تجر العادة بمثله، ثم لزمته هذه التسمية حتى قيل له بديع، وإن كثر وتكرر، فصار الاختراع للمعنى، والإبداع للفظ"(166)، ثم يسحب هذا الموقف على رأيه في السرقات التي يخضعها لهذا المنظور أيضاً في قولـه: "والمعاني التي يقال أنها اختراعات وأخذها سرقات إنما هي المقاصد وترتيباتها والطرائق إليها"(167)، ثم في رأيه الآخر في الموضوع نفسه إذ يقول: "إن السرقة إنما تقع في البديع النادر والخارج عن العادة وذلك في العبارات التي هي الألفاظ"(168) علماً أنه يستعمل البديع في مواضع أخرى مرادفاً للمعنى الخاص كما يظهر ذلك في مقابلته بين "البديع المخترع الذي يختص به الشاعر، لا المعاني المشتركة"(169). ولـه في المعنى رأي طريف إذ يتحدث عن "معنى الصنعة كالتطبيق والتجنيس وما أشبههما لا معنى الكلام الذي هو روحه"(170).
والحديث عن المعنى يجره إلى الفصل بين المخترع الذي لم يسبق إليه قائله، والتوليد، وهو أن يستخرج الشاعر معنى من معنى شاعر تقدمه(171). وإلى ملاحظة ما يمتاز به كل شاعر من طريقة فنية خاصة، كأبي نوّاس في الخمر وأبي تمام في التصنيع، والبحتري في الطّيف، وابن المعتز في التشبيه... إلى أن يخص ابن الرومي بقولـه أنه: "أولى الناس باسم شاعر، لكثرة اختراعه، وحسن افتنانه"(172)، وهو موقف دعا إحسان عباس إلى اعتبار ابن رشيق "أميل إلى جانب المعنى"(173) ثم يؤاخذه على تناقضه إذ يرى أنه "إذا أخذ في النقد كان ميله إلى ناحية الشكل أظهر"(174)، لكننا لا نعتبر رأي ابن رشيق في ابن الرومي دليلاً على ميل إلى المعنى، بمقدار ما هو تحديد لخاصية ميزت شعره مثلما تميّز الشعراء الذين ذكرهم قبله بمناح خاصة في القول، تقوم على اهتمام معيّن أملاه الطبع والميل كما بدا ذلك في التقديم لرأيه السابق بقوله: "لابدّ لكل شاعر من طريقة تغلب عليه فينقاد إليها طبعه، ويسهل عليه تناولها"
(175)، فإذا دعاه ذلك إلى استنباط الصفة المميزة التي تسم الممارسة الشعرية لدى شاعر معين فإن ذلك لا يعني أن ما يستخلص يستحيل مبدأ نقدياً عاماً يحكم رأيه مطلقاً، فقد رأى ميزة ابن المعتز في التشبيه وأبي تمام في التصنيع ولا نحسب أن ذلك يشي بتقديم للمعنى، بل لقد رأيناه يعدّ بشاراً من اللفظيين ولم يمنعه ذلك من الاعتراف بابتكارات بشار المعنوية.
فموقف ابن رشيق وإن بدا فيه بعض التفاوت من جرّاء تنوّع زوايا الرؤية، إلا أنه يظل مشدوداً إلى فكرة الائتلاف بين المعاني والألفاظ، ومن ثمة تبقى معالجة النص عنده محكومة بهذا الأصل الذي يمكن أن يتعمق إلى غاية بلورة وعي بتفاعل عناصره معاني وألفاظاً يكون من شأنه تولّد دلالة عميقة يتفاوت في إدراكها وتحصيلها، وتغدو بموجبه كل مقاربة إنما هي إقرار بغزارة هذه الدلالة، كما يظهر ذلك في ما أسماه باب الاتساع "وذلك أن يقول الشاعر بيتاً يتسع فيه التأويل، فيأتي كل واحد بمعنى، وإنما يقع ذلك لاحتمال اللفظ، وقوته، واتساع المعنى"(180).
والخلاصة أن إشكال اللفظ والمعنى وإن تنوّع بحسب اهتمامات النقّاد الذين تناولناهم في هذا الفصل، إلا أنه ظلّ يتمحور حول ضرورة الاعتناء بالطرفين لتحقيق تكاملهما وتآلفهما في النّص.
c
¡ هوامش الفصل الثاني

(1) ينظر: مصطفاي موهوب، المثالية في الشعر العربي: 628.
(2) الآمدي، الموازنة 1: 402.
(3) نفسه 1: 403 .
(4) نفسه 1: 403-404.
(5) ينظر المدخل.
(6) شكري عياد، كتاب أرسطو طاليس في الشعر: 237.
(7) لمزيد من التعرف على دلالات اصطلاح التصوير لدى الجاحظ ينظر: جابر عصفور، الصورة الفنية: 257...
(8) الآمدي، الموازنة 1: 403.
(9) إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي: 171.
(10) ينظر: رسائل الكندي الفلسفية1: 101، 217.
(11) إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي: 171.
(12) البديع في نقد الشعر: 289. ومقدمة في صناعة النظم والنثر: 28.
(13) تاريخ النقد الأدبي: 515-516.
(14) الموازنة 1: 402.
(15) نفسه1: 403-404.
(16) نفسه 1: 405.
(17) ينظر ما خص به قدامة في الفصل السابق.
(18) الآمدي، الموازنة1: 400.
(19) نفسه 1: 400-401.
(20) محمد زغلول سلام، تاريخ النقد العربي 1: 204.
(21) الآمدي، الموازنة 1: 401-402.
(22) نفسه 1: 402.
(23) نفسه.
(24) نفسه 1: 397-398.
(25) إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي: 161.
(26) الآمدي، الموازنة 1: 443.
(27) نفسه 1: 398.
(28) نفسه 1: 399.
(29) نفسه 1: 496.
(30) نفسه 1: 12.
(31) نفسه 1: 7، وأيضاً: 6-18-19-20-35-134-135-136...
(32) نفسه 1: 391.
(33) نفسه 1: 425.
(34) نفسه 1: 358.
(35) نفسه 1: 481.
(36) نفسه 1: 424-425.
(37) نفسه 1: 384.
(38) نفسه 1: 381-382.
(39) نفسه 1: 390.
(40) نفسه 1: 244-384-388.
(41) نفسه 1: 47-48-181.
(42) نفسه 1: 277.
(43) نفسه 1: 280.
(44) استغرق مبحث السرقات عنده في الوساطة: من 189 إلى 412.
(45) القاضي الجرجاني، الوساطة: 52. وكذا 214-215.
(46) نفسه : 413.
(47) نفسه: 24.
(48) نفسه: 24-25.
(49) نفسه: 19.
(50) نفسه : 248.
(51) نفسه : 432-433.
(52) نفسه: 19.
(53) نفسه : 33-34.
(54) نفسه: 100-413-424.
(55) نفسه : 179. وكذا: 180.
(56) نفسه : 79. ينظر: الموازنة 1: 181.
(57) نفسه : 98.
(58) العسكر، الصناعتين: 12-13.
(59) نفسه : 13-14.
(60) حمادي صمود، التفكير البلاغي: 437.
(61) العسكري، الصناعتين: 14.
(62) نفسه.
(63) نفسه: 16.
(64) نفسه: 114-15.
(65) نفسه: 18.
(66) حمادي صمود، التفكير البلاغي: 438.
(67) العسكري، الصناعتين: 16.
(68) نفسه: 63-64. ولقد تأثر بهذه المقولة أغلب النقاد، فممن لم نخصهم بالبحث مثلاً: الأصفهاني: الواضح في مشكلات شعر المتنبي: 51-52. ابن الأثير، المثل السائر: 123-124.
(69) نفسه: 64.
(70) A. TRABULSI, la Critique poétique des Arabes, p.125.
(71) العسكري، الصناعتين: 65.
(72) نفسه. وكذا: 73.
(73) نفسه: 66.
(74) نفسه: 75.
(75) شكري عياد، كتاب أرسطو طاليس في الشعر: 239.
(76) غرنباوم، دراسات في الأدب العربي: 104.
(77) العسكري، الصناعتين: 75-76.
(78) العسكري، ديوان المعاني 1: 330.
(79) نفسه: 345.
(80) العسكري، الصناعتين: 10.
(81) نفسه: 134.
(82) العسكري، ديوان المعاني 2: 87.
(83) نفسه: 87.
(84) العسكري، الصناعتين: 139. وكذا: 145. ولقد تأثر نقاد كثيرون بهذا التحليل. ينظر: الصاحب بن عباد الكشف، عن مساوئ المتنبي: 229. الحاتمي، الرسالة الموضحة: 42. أبو طاهر البغدادي، قانون البلاغة: 149-150. أسامة بن منقذ، البديع: 295-296. ابن أبي الإصبع، تحرير التعبير: 412-416.
(85) نفسه: 202. ويمكن التدليل على تفرعات رأيه في اللفظ والمعنى بتتبع ما أورده في التشبيه والاستعارة والإشارة ثم الإرداف والتوابع فالمضاعفة، وقبل ذلك شرحه صحيفة الهند وغيرها: 25... 249.. 374... 441.. وإن كان أغلب ما يورده من ابتكارات السابقين.
(86) نفسه:61.
(87) نفسه: 7.
(88) نفسه: 66.
(89) نفسه: 147.
(90) نفسه: 147-148.
(91) نفسه: 169.
(92) نفسه: 167.
(93) نفسه: شكري عياد، كتاب أرسطو طاليس في الشعر: 271.
(94) العسكري، الصناعتين: 167. وكذا: 157.
(95) ينظر: عبد المتعال الصعيدي، مقدمة التحقيق، سر الفصاحة: ز-حـ-ط. حمادي صمود، التفكير البلاغي: 441...
(96) ابن سنان، سر الفصاحة: 276.
(97) نفسه: 83-84.
(98) نفسه: 84.
(99) نفسه.
(100) نفسه: 85.
(101) نفسه.
(102) نفسه: 54... 82.
(103) حمادي صمود، التفكير البلاغي: 444. ينظر: شوقي ضيف، البلاغة تطور وتاريخ: 326-327. ابن الأثير، المثل السائر 1: 261-266.
(104) ابن سنان، سر الفصاحة: 87.
(105) نفسه: 97-1000.
(106) نفسه: 99.
(107) نفسه: 67.
(108) نفسه: 100. في حين يرى حمادي صمود أن ابن سنان باشر هذه الشروط مباشرة تفصيلية باستثناء هذا الأصل، مما أدى في نظره إلى جعل الإلمام بتخطيط الكتاب غير ميسور. التفكير البلاغي: 453. وهذا من المسائل التي اختلفت فيها وجهة نظرنا مع رأيه، ونراها من الأسباب التي جعلته يحكم على الكتاب بالتداخل واضطراب المادة.
(109) نفسه: 101... 158.
(110) نفسه: 162.
(111) نفسه: 162... 191.
(112) نفسه: 155.
(113) نفسه: 197-223.
(114) نفسه: 225.
(115) نفسه: 226.
(116) نفسه: 225... 280.
(117) نفسه: 49-50.
(118) نفسه: 197.
(119) نفسه: 3.
(120) نفسه: 225.
(121) نفسه.
(122) نفسه: 50-51.
(123) حمادي صمود، التفكير البلاغي: 454.
(124) نفسه.
(125) ابن سنان، سر الفصاحة: 84.
(126) نفسه: 206.
(127) حمادي صمود، التفكير البلاغي: 456.
(128) ابن سنان الخفاجي، سر الفصاحة: 83.
(129) ينظر: حمادي صمود، التفكير البلاغي: 458.
(130) نفسه: 459.
(131) نفسه: 459-460.
(132) ينظر: قدامة بن جعفر، نقد الشعر: 147-162.
(133) ابن سنان، سر الفصاحة: 84.
(134) إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي: 370.
(135) المرزوقي، شرح الحماسة: 5.
(136) نفسه: 9.
(137) نفسه: 7.
(138) نفسه: 5-6.
(139) نفسه: 6.
(140) نفسه.
(141) نفسه: 7.
(142) نفسه.
(143) نفسه: 11.
(144) نفسه: 10.
(145) نفسه: 18-19.
(146) الشريف المرتضى، طيف الخيال: 168.
(147) نفسه: 21.
(148) نفسه: 39.
(149) نفسه: 148-149.
(150) الشريف المرتضى، الشهاب في الشيب والشباب: 3.
(151) الشريف المرتضي، طيف الخيال: 19.
(152) ابن رشيق، العمدة 1: 121.
(153) ابن رشيق، قراضة الذهب: 86.
(154) وهذه المقولة حاضرة لدى أغلب النقاد، فمن الذين تبنوها بالإضافة إلى من عرضنا لهم: ابن شرف، أعلام الكلام: 27-28. ابن عبد ربه، العقد الفريد، 5: 394. ابن الأثير، الجامع الكبير: 21. المثل السائر 2: 21. العلوي، الطراز 3: 235. النواجي، مقدمة في صناعة النظم والنثر: 29-30.
(155) ابن رشيق، العمدة 2: 124.
(156) نفسه.
(157) نفسه.
(158) نفسه 2: 124-125.
(159) نفسه 2: 238.
(160) نفسه 1: 127.
(161) نفسه 1: 128.
(162) نفسه 2: 115.
(163) نفسه 2: 256.
(164) نفسه 1: 92.
(165) نفسه 1: 131.
(166) نفسه 1: 265.
(167) ابن رشيق، قراضة الذهب: 55.
(168) نفسه: 20.
(169) ابن رشيق، العمدة 2: 281.
(170) نفسه 1: 132.
(171) نفسه 1: 232.
(172) نفسه 1: 83.
(173) إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي: 449.
(174) نفسه: 170.
(175) ابن رشيق، العمدة 1: 86.
(176) نفسه 1: 93.


cc

Eng.Jordan
11-07-2013, 03:57 PM
الفصل الثالث:
الشعر بين المحتوى والشكل
عند الفلاسفة الإسلاميين



اعتبار اللغة وسيلة الكشف عن الفكر مُسلّمة لدى الفلاسفة الإسلاميين. ولم يكن بد للغة من أن تتنزّل في هذا التصور منزلة الحامل للمعنى، كالمشير الذي يومئ إلى الشيء، أو الصوت الحسي الظاهر الدال على المعنى العقلي الخفي، ذلك أن التناول المنطقي للظاهرة وضع الفلاسفة في إسار التركيز البدهي على المعنى، إذ لولاه لما كان تلفظ، ولانعدم بذلك كل سلوك لغوي. فإذا انضاف إلى ذلك كون التناول الفاحص للغة أو الألفاظ ليس إلا من توابع البحث في المنطق أو الفكر، أو أنه –كما يقول ابن سينا: "لو أمكن أن يتعلم المنطق بفكرة ساذجة، إنّما تلحظ فيها المعاني وحدها، لكان كافياً"(1)، أمكن التسليم مبدئياً بأنه في عرف الفلاسفة فإنّ كل بحث في اللغة إنما هو من مقتضيات الفكر، وأنه تبعاً لذلك يتأكد التمييز بين حقلي الألفاظ والمعاني، ليشكل كلّ منها خطاً يوازي الآخر ويحاذيه.
ولمّا كانت عملية التفكير لا تتم إلا باللفظ بإقرار الفلاسفة أنفسهم(2)، وأن عملية التفكير نفسها تتفاوت وتتنوع، وأنها إذا تجسّدت في مسلك تعبيري يستهدف إحداث تعبير فني عبر مدارج الكلام البليغ باتت لحمة الألفاظ والمعاني أشدّ ما تكون تآلفاً، وأصبحت الفعالية إذ ذاك لمقدرة الذهن على توظيف الألفاظ لتدل على مقاصد الفن. من هنا تنحسر علائق الدلالة المباشرة على المعاني وينتفي تلازم المدلول بدال محدد أو العكس، ويتضاءل –إن لم ينتفِ- حضور التصور المنطقي الضابط لوظائف الألفاظ في الدلالة الإشارية، ذلك أن التعبير عن المعاني المقصودة في وظيفة الكلام الأدبي ليست خلاصة لمحاصرة منطقية للمعنى، بل هو البيان الذي يراه ابن سينا في أن يحسن المتكلم "العبارة عن المعاني التي تهجس في ضميره فيحتاج إلى نقل صورها المتخيلة أو المعقولة إلى ضمير من يخاطبه"(3) وما دام البيان يتجسد في حسن التعبير عن المعاني الهاجسة في الضمير أمكن الإقرار بتصور الفلاسفة لمستوى من الكلام يتجاوز الإبانة العادية إلى تحسين الإبانة بغية إحداث تأثير في المتلتقى، وهذا حقل الكلام البليغ عامة سواء أكان خطابة أم شعراً.
الكلام العادي والكلام الأدبي

فانطلاقاً من رصد ثنائية الاستعمال في الظاهرة اللغوية بين الكلام العادي والكلام الأدبي، حدّد الفلاسفة إطار الشعر والخطابة حيث يتنزل هذان الفنان ضمن سياق القول البليغ وإن تفاوتا في الدرجة. ويعتمد الفلاسفة الإسلاميون رصد أشكال الانزياح عن الكلام العادي في إصطلاحات مختلفة كالتجوّز والتوسّع والعدول وإخراج القول غير مخرج العادة، ذلك أن المنظور الوظيفي هو الذي يحدد خصائص بنية القول، فكما يرى الفارابي أن "الأقاويل المبتذلة كلها قد يبلغ بها المقصود في تفهيم السامع"(4)، لأن وظيفة الإفهام التي يحققها القول المبتذل لا تتطلب خصائص فنية في النص: "أما الأقاويل التي ليست مبتذلة، فمنها أقاويل شعرية وخطبية وما جرى مجراها"(5)، فانتفاء الأقاويل المبتذلة من حقل الشعر وما قاربه من فنون تخصيص لنوعية خطاب تتجسد فيه اللغة في مستوى انتقائي لتحقيق الطرافة والجدة وإزاحة المشهور والمبتذل، ذلك أن كل قصد للتأثير في المتلقى تخصيص للقول ضمن حقل كيفي تراعى فيه ضوابط الوظيفة الأدبية. ومن هنا، وكما يرى الفارابي أن "الجمهور والخطباء والشعراء يتسامحون في العبارة ويجوّزون فيها"(6). وعلى الرغم من أن الفارابي يقابل بين الاستعمال العلمي للغة الذي يفيد تحقيق الإبانة، إذ يؤسس البرهان المحقق لليقين في مقابل الأشكال اللغوية المرنة في استعمالات الجمهور والخطباء والشعراء، الهادفة إلى غير اليقين البرهاني، والموزعة ضمن مراتب الإفادة العادية أو إحداث الأثر النفسي الناتج من القول الأدبي، فإنّ تخصيص التوسع والتجوّز بالقول الأدبي ضبط أساسي لمبادئ القول البليغ، حيث يشكل مفهوم التوسع أو المسامحة واستعمال الاستعارة –كما يقول- مبدأ قاراً في ملاحظة كيفية التأسيس للقول الشعري أو الخطابي، ذلك أن "التجوز والمسامحة إنما تستعمل في الصنائع التي يحتاج الإنسان فيها إلى إظهار القوة الكاملة في غاية الكمال على استعمال الألفاظ، فيعرف أنّ له قدرة على الإبانة عن الشيء بغير لفظه الخاص به لأدنى تعلق يكون له بالذي تجعل العبارة عنه باللفظ الثاني، أو له قدرة على استعمال اللفظ الذي يخص شيئاً ما على ما له تعلق به ولو يسيراً من التعلق، ويبين عن نفسه أن له قدرة على أخذ اتصالات المعاني بعضها بعض ولو الاتصال اليسير، ويبيّن أنّ عباراته وإبانته لا تزول ولا تضعف وإن عبّر عن الشيء بغير لفظه الخاص به بل بلفظ غيره. وأما الاستعارة فلأن فيها تخيُّلاً وهو شعري"(7).
فجوهر التوسع واستعمال المجاز والاستعارة والتسامح في العبارة المحدّدة لنوعية الخطاب الأدبي عموماً والشعري خصوصاً، قدرة على التحكم في اللفظ ومرونة في إحكام الصلة بين الألفاظ والمعاني، وتوظيفها في علاقات جديدة ينشأ عنها القول البليغ عموماً. ومن هنا تنشأ الخاصية النوعية للخطاب الأدبي في استغلال قابلية الألفاظ للدخول في عوالم جديدة يتولد من لحمتها السياقية معانٍ شعرية وخطابية ينتفي منها المشهور والمباشر، ويبرز بها المخترع الطريف تماماً كما يرى ابن سينا أيضاً، أن "العدول عن المبتذل إلى الكلام العالي الطبقة التي فيها أجزاء هي نكت نادرة، هو في الأكثر بسبب التزيين، لا بسبب التبيين"(8).
فإذا كانت الإبانة ناتجة عن الكلام المبتذل أو العادي فإن تزيين الإبانة من خصائص الكلام العالي، من هنا يفضّل في الكلام العالي –إن مثلنا له بالشعر- أن لا يكون مشهوراً وقريباً، ذلك أن القريب والمشهور غير مستحسن في الشعر" بل المستحسن فيه المخترع المبتدع"(9).
وينسجم رأي ابن رشد مع رأي الفارابي وابن سينا السابقين في ضبط حقل الكلام الأدبي عموماً، والشعري خصوصاً، بمقابلته بالكلام العادي، ذلك أن كل شكل من أشكال التغيّر التي تطول الكلام الحقيقي تؤدي إلى تحقيق القول الشعري "فقد يستدل على أن القول الشعري هو المغيّر أنه إذا غير القول الحقيقي سميّ شعراً أو قولاً شعرياً، ووجد له فعل الشعر"(10)، والإخراج المجازي للمعنى تحقيق لشعرية القول الذي يظهر في كل أصناف التغييرات التي تطول مستويات النص المختلفة، دلالياً في مستوى الصورة، وتركيبياً في مستوى تلاحم الوحدات في السياق كما تنتظمها العلاقات النحوية أو تحدثها الهيئات الحادثة في البنية النحوية للعبارة في حالات الحذف أو التقديم والتأخير وغيرها، وصوتياً في أشكال التناسب العالقة بالطبقات الصوتية للقول. كل هذه الأشكال من التغييرات وغيرها مما يتحقّق في النص معنىً ولفظاً ينضوي تحت ما أسماه ابن رشد "إخراج القول غير مخرج العادة"(11).
وهكذا تكون مقابلة الكلام العادي بالكلام الأدبي مبدأً أساسياً في ضبط مجال كل من الحقلين. وإذ يقرُّ الفلاسفة بالخصائص النوعية لبنية النص الأدبي المجسّدة لوظيفته الفنية، يظل الهاجس الرئيسي هو منظور الوظيفة القائم على أثر الخطاب الأدبي في المتلقّي الذي تنبني عليه كل الخصائص الأسلوبية في النص. فليست أشكال الخروج عن الكلام المبتذل إلا تحقيقاً واستجابة لغاية التأثير ولمقتضيات كمال الإبلاغ، ذلك أنه كما يرى إخوان الصفا إن المعاني إنّما "تفهم من الكل من اللّكن والفصحاء، وإنّما يتفاضل النّاس في البلاغة"(12).
وأساس التفاضل إنما يتأتّى من القدرة على الصياغة المجددة للمعنى، فليست البلاغة إلاّ إيصال المعنى إلى النفس في أحسن صورة لفظية كما شاع في أوساط النقاد والبلاغيين أيضاً. من هنا يصنّف أبو حيان التوحيدي درجات الإفهام مقابلاً بينها وبين البلاغة التي يراها مستوىً تحسينياً للإفهام، حيث إن "الإفهام إفهامان: رديء وجيد، فالأول لسفلة الناس، لأن ذلك غايتهم وشبيه برتبتهم في نقصهم، والثاني لسائر الناس، لأن ذلك غايتهم وشبيه برتبتهم في نقصهم، والثاني لسائر الناس، لأن ذلك جامع للمصالح والمنافع. فأما البلاغة فإنها زائدة على الإفهام الجيد بالوزن والبناء، والسّجع والتقفية، والحلية الرائعة، وتخيّر اللفظ، واختصار الزّينة، بالرِّقة والجزالة والمتانة، وهذا الفن لخاصة النفس، لأن القصد فيه الإطراب بعد الإفهام والتواصل إلى غاية ما في القلوب لذي الفضل بتقويم البيان"(13). وإذا كان التركيز في النص السّابق على فوارق الإفهام والإلحاح على الخصائص الأسلوبية للنص التي تطول مستوياته المختلفة المحققة للإطراب بعد الإفهام، فإن المنظور الوظيفي المؤسس على مقابلة الإفهام بالبلاغة يقوم على مصادرة يتقابل فيها الكلام العادي بالكلام الأدبي، إذ إن تحقيق الإفهام ليس إلا خلاصة للأول، في حين تنتج عن الثاني وظيفة الإطراب، فالغرض "الأول في الكلام الإفادة، وجل الأمم على هذا والثاني تحسين الإفادة"(14).
هذا المنطلق المؤسس لفوارق الكلام العادي والكلام الأدبي المحكوم بالمنظور الوظيفي ليس حاسماً في تأكيد الفصل بين الحقلين، إذ إن كلّ انحراف عن الكلام العادي وإخراج القول غير مخرج العادة، ليس نفياً لمستوى الاستعمال العادي في الكلام، إذ إن ذلك سيحيل القول لغزاً وإنما المسألة نسبة ما بين المستويين، ومردّ ذلك انعكاس الوظيفة أيضاً. فالتأثير أو الإطراب وإن أبان عن وظيفة نوعية إلا أنها لا تنفي الإفهام، وتعاضد الوظيفتين ينعكس في تلاحم التحسين والإبانة، أو تلاحم العادي وغير العادي في القول.
يتجسد المبدأ السابق لدى الفلاسفة الإسلاميين في تقصيهم أصناف الألفاظ المستعملة في الشعر وغيره من أصناف الخطاب المنطقي في مستوياته المختلفة بدءاً من البرهان ثم الجدل فالسفسطة وفي درجة وسطى الخطابة، ضمن مقابلة الاستعمال اللغوي بين الشعر والعلم عموماً، أو خصائص اللفظ في الخطاب الأدبي والعلمي، مع الإقرار بتفاوت درجات الأنواع المتفرعة من كل موقف. وتقصي فوارق اللغة في الخطابين الشعري والبرهاني من جهة، والشعري والخطابي من جهة أخرى لا تعنينا في هذا المقام(15)، إنما أساس التقصي في موضوعنا هو اللغة في النص الأدبي والشعري خصوصاً، في سياق مقابلة الكلام العادي بغير العادي ليتسنى لنا البناء على هذا الأساس المجسم للوعي بتميز النص الأدبي بخواص أسلوبية، يظهرها لدى الفلاسفة تصوّرهم علائق الألفاظ بالمعاني في مرتبة المحاكاة التي هي الجوهر المحقق للوظيفة الشعرية، ثم علائقهما في مقامات التحسين والهيئات الترتيبية القائمة على أشكال التناسب بينهما، مما يتنزّل في مجرى التشكيلات التي تعضد المحاكاة أو تعوّض غيابها عن القول المقرر المباشر.
ويتأسس المدخل الضابط لطبيعة الاستعمال الشعري للفظ وللفوارق الفاصلة بين طبيعة هذا الاستعمال في الشعر وطبيعته في غيره كالمنطق والفلسفة، في قول الفارابي: "وحروف السؤال كثيرة: "ما" و"أي" و "هل" و "لم" و "كيف" و "كم" و"أين" و"متى". وهذه وجل الألفاظ قد تستعمل دالة على معانيها التي للدلالة عليها وضعت منذ أول ما وضعت، وتستعمل على معانٍ أُخَرْ على اتساع ومجاز واستعارة، واستعمالها مجازاً واستعارة، هو بعد أن تستعمل دالة على معانيها التي لها وضعت من أول ما وضعت. والخطابة والشعر فإنّ الألفاظ تستعمل فيهما بالنوعين جميعاً، وأما الفلسفة والجدل والسفسطائية فلا تستعمل فيهما إلا على المعاني الأولى التي لأجلها وضعت أولاً"(16).
يتعاضد استعمال الألفاظ في دلالتها الوضعية والمجازية معاً في حقلي الخطابة والشعر وتختص الفلسفة والعلوم عامة بتوظيف اللفظ في دلالته الوضعية، فيتميز الخطاب الأدبي باستغلال أنواع التجوّز والتوسع المشكلة لخصائصه النوعية. ويعدد الفارابي الأسماء التي يرى أن: منها مستعارة، ومنها منقولة، ومنها مشتركة، ومنها ما يقال بتواطؤ، ومنها ما يقال عن الشيء بعموم وخصوص، ومنها ما هي متباينة، ومنها ما هي مترادفة، ومنها ماهي مشتقة، ثم يعرّف كل نوع على حدة ليخلص إلى تقرير أن "الأسماء المستعارة لا تستعمل في شيء من العلوم، ولا في الجدل، بل في الخطابة والشعر"(17).
وقد وردنا لابن سينا وابن رشد نصّان طويلان تخلّلا شرحيهما فنّ الشّعر الأرسطي حددا فيهما أصناف اللّفظ الدّال، مع ما أوليا هذا الموضوع من وقفات وعودات في تلخيص الخطابة. وقد انحصر في مراتب أقسام الألفاظ التي يتولّون شرحها مجال الاستعمال النّوعي في الشعر والخطابة أو القول الأدبي عموماً. وهذا التصنيف للألفاظ ليس إلا تفريعاً لحقلي الكلام العادي والكلام الأدبي المتماسّين، إذ لا يمكن ضبط الحدود الفاصلة بين المستويين فضلاً عن أنّ مقولة الكلام العادي الخلو من أدنى مراتب الانحراف ليست إلاّ مقولة تجريدية لا تجسيد لها في الواقع. يرى ابن سينا أنّ "كل لفظ دال، فإمّا حقيقي ومستول، وإمّا لغة، وإما زينة وإما موضوع، وإما منفصل، وإمّا متغيّر"، والحقيقي هو اللفظ المستعمل عند الجمهور المطابق بالتواطؤ للمعنى. وأما اللغة فهي اللفظ الذي تستعمله قبيلة وأمة أخرى وليس من لسان المتكلم، وإنما أخذ من هناك ككثير من الفارسية المعرّبة بعد أن لم يكن مشهوراً متداولاً فقد صار كلغة القوم.
وأما النقل فإن يكون أول الوضع والتواطؤ على معنى وقد نقل عنه إلى معنى آخر، من غير أن صار كأنه اسمه صيرورة لا يميّز معهما بين الأول والثاني، فتارةً تنقل من الجنس إلى النوع، وتارةً من النوع إلى الجنس، وتارةً من نوع إلى نوع آخر، وتارةً إلى منسوب إلى شيء من مشابهه في النسبة إلى رابع...
وأما الاسم الموضوع المعمول فهو الذي يخترعه الشاعر ويكون هو أول من استعمله...
وأما الاسم المنفصل والمختلط فهو الذي احتيج إلى أن حرّف عن أصله بمد قصر، أو قصر مد، أو ترخيم، أو قلب، وقيل إنه الذي يعسر التفوه به لطوله أو لتنافر حروفه واستعصائها على اللسان أو بحال اجتماعها، والأول هو الصحيح.
وأما المتغيّر وهو المستعار والمشبّه على نحو ما قيل في "الخطابة".
والزينة هي اللفظة التي لاتدلّ بتركيب حروفها وحده، بل بما يقترن به من هيئة نغمة ونبرة، وليست للعرب"(18).
يتحدد ضمن أقسام اللفظ السابقة حقل الكلام الأدبي بقسميه الخطابة والشعر، وغيره من أصناف الكلام الأخرى المشكلة للكلام الصريح سواء انضوت تحت تفرعات العلم في مفهومه القديم، أم القول المبتذل الهادف إلى الإفادة والمتداول بين الناس المحدد لوظيفة الاتصال في طورها الأول، فأوضح القول يرى ابن سينا أيضاً "وأفضله ما يكون بالتصريح. والتصريح هو ما يكون بالألفاظ الحقيقية المستولية، وسائر ذلك يدخل لا للتفهيم بل للتعجيب مثل المستعارة، فيجعل القول لطيفاً كريماً. واللغة تستعمل للإغراب والتحيير والرمز، والنقل أيضاً كالاستعارة، وهو ممكن، وكذلك الاسم المضعّف. وكلّما اجتمعت هذه كانت الكلمة ألذّ وأغرب وبها تفخيم الكلام وخصوصاً الألفاظ المنقولة. فلذلك يتضاحكون بالشعراء إذا أتوا بلفظ مفصل أو أتوا بنقل أو استعارة يريدون الإيضاح، ولا يستعمل شيء منها للإيضاح"(19).
وعلى الرغم من أن وظيفة الإيضاح تحددها الألفاظ المستولية أو الحقيقة ويتولد من أصناف الألفاظ الأخرى وظائف الإغراب والرّمز والتحيير والتعجيب، المقابلة للإفهام، فإن للشعراء أن يقصدوا تحقيق وظيفة الإيضاح أيضاً يؤكد ذلك ملاحظته الأخيرة عند عدم إصابة القصد بجمع المختلفين كما يظهر ذلك في غرض الإيضاح بتوظيف أقسام اللفظ المؤدّية للإغراب والتعجيب.
على كل حال يجتمع للشعر وللكلام الأدبي عموماً أن يوظف أصناف الألفاظ السابقة عموماً بما فيها الحقيقي والمستولي، الذي يلتزم به العلم والكلام العادي مع الإقرار بتفاوت القول الأدبي، بحسب أنواعه، في توظيف هذه الأقسام كميّاً وكيفياً، كما يتجسد ذلك أساساً في الفروق بين الخطابة والشعر ويتأكد هذا التصور لدى ابن رشد أيضاً في تعرضه لأقسام الاسم على غرار ابن سينا، فيرى أنه إمّا حقيقي، وإما دخيل في اللسان، وإما منقول نادر الاستعمال، وإما مزيّن، وإمّا معمول، وإما معقول، وإما مفارق، وإمّا مغيّر. ثم يشرع في تعريف كل نوع مما لا يجعله مختلفاً عن ابن سينا إلاّ في اللفظ، فالتوافق بينهما يكون بين الحقيقي، ثم الدخيل الذي يقابله لدى ابن سينا اللغة، وكذا الاسم النادر المنقول أو النقل، والاسم المعمول أو الموضوع، وكذا المزيّنة أو الزّينة، والمغيّرة أو المتغيّر، ويكاد يتحدد مفهوم الاسم المفارق والمعقول لدى ابن رشد بما يلائم شرح ابن سينا للاسم المنفصل والمختلط، حيث يرى ابن رشد انتفاء وجوده في لسان العرب، ثم يرى أنه "قد قيل إنّه يعني بالمفارق الأسماء المغيّرة بالزيادة فيها والنقصان منها والحذف أو القلب. وقيل: بل يعني بذلك الأسماء التي يعسر النطق بها. وظاهر كلامه (أي أرسطو) أنه اسم كان يؤلّف عندهم من مقاطع محدودة. وأما الاسم المعقول فإنه فيما أحسب الذي سمّاه المختلف، وظاهر كلامه أنّه الاسم المحذوف بالنقصان، مثل الأسماء المرخّمة عندنا"(20)، ولا يكاد فصله بين الأسم المفارق والاسم المعقول يضيف جديداً، خاصة أن تعريف الثاني ليس إلا صورة من تعريف الأول.
والمهم أن مسار الشعر أو القول الشعري عموماً يتبدى في التوظيف المتوازن لأقسام الكلام السابقة، خاصة في الجمع بين الاسم الحقيقي وغيره من أصناف الأسماء الأخرى، فكما يرى ابن رشد أن "فضيلة القول الشّعري العفيفي أن يكون مؤلفاً من الأسماء المستولية ومن تلك الأنواع الأخر، ويكون الشاعر حيث يريد الإيضاح يأتي بالأسماء المستولية، وحيث يريد التّعجيب والإلذاذ يأتي بالصّنف الآخر من الأسماء. ولذلك قد يتضاحك بمن يريد الإيضاح فيأتي بالأسماء المشتركة أو الغريبة أو الألسن أو المعمولات. ويتضاحك أيضاً بمن يريد التّعجيب والإلذاذ فيأتي بالأسماء المبتذلة. وكأن الشّاعر يجب له ألا يفرط في استعمال الأسماء الغير مستولية (كذا) فيخرج إلى حدّ الرمز، ولا أيضاً يفرّط في الأسماء المستولية، فيخرج عن طريقة الشعر إلى الكلام المتعارف"
(21)، فمحصلة التوازن في توظيف الاسم الحقيقي، وغيره من أقسام الكلام أو الأسماء المحكومة بتحقيق وظيفة الإطراب أو التأثير لا تنفي وظيفة الإفهام أيضاً، ومزج الوظيفتين ينعكس في طبيعة التوظيف لأقسام الكلام.
والمهم أن طريقة الشّعر تقابل طريقة الكلام المتعارف، وعلى الرغم من أن الكلام المتعارف مرادف للكلام العادي فإنّه حقل يتّسع ليشمل كل توظيف حقيقي للغة بغية إفادة التوضيح في المستوى البرهاني(22)، أو الاتصال الهادف إلى الإفهام في طوره الأدنى أو العادي في مستوى الكلام العادي، ويتناظر ذلك مع مستوى الكلام غير العادي الذي ينضوي تحته كل قول ينزع في بنيته منزعاً شعرياً أو خطابياً، مع الإقرار بتفاوت الاستعمال لعناصر الكلام السابقة بين الحقلين مع ما يعضد ذلك من خصائص صوتية تتبدى في الوزن والإيقاع والنبر والنغم وتطول الهيئات الخارجية التي تدعم القول الإنفعالي شعرياً كان أم خطابياً، كما يرى ذلك خاصة في حركات المتكلم شاعراً كان أم خطيباً، ومختلف ما يأتي به من هيئات تنضوي تحت ما أسماه الفلاسفة "الأخذ بالوجوه". ومن هنا إذ تندرج لغة الخطابة في خانة الكلام البليغ فإنّها تحتلّ رتبة أدنى بالنسبة إلى الشعر، ذلك أن هدفها المتجسد في إيقاع الإقناع المرتبط بنوع من أنواع التصديق لا يخول لها الاستغلال التام لأشكال التغييرات(23) اللغوية كما هو الحال في الشعر.
وإذا كانت أشكال الانحراف عن الكلام المتعارف انفساحاً لمجال القول الشّعري عامة، فإن بنية النص المشكلة من توليف الأقسام اللفظية السابقة تتناسب سياقاتها الثّرية في مستوياتها المختلفة مع ما توفره إمكانات استغلال الوحدات الدّالة على مستوى محور الاستبدال عبر انتقاء الملائم والمناسب منها، وإمكانيات التوليف التي يفسحها محور التوزيع الذي تتفاعل فيه الدوال في بنية شاملة في سياق كلي، من هنا يكون مجال التوسع لدى الفارابي شاملاً يطول مستويات النص المختلفة، فإذ يرصد ظهور المجازات والاستعارات وأشكال التجوز في الدلالة على معنىً ما بغير اللفظ الذي وضع له يضع ضمن هذه التجوزات "التوسع في العبارة بتكثير الألفاظ وتبديل بعضها ببعض وترتيبها وتحسينها"(24).
ويمكن أن ينضوي تحت العبارة السابقة كل الأشكال التحسينية المحدثة للهيئات الترتيبية البليغة في الكلام، وتقوم هذه على لحمة بلاغية تتراصف فيها الوحدات في أشكال ترتيبية مقصودة تتبدى في علاقات الوحدات تركيبياً، دون أن ننسى الإشارة إلى تكثير اللفظ في أنماط الترادف أو أشكال الإعادة المختلفة التي قد تنتج عن تكرار الوحدات فيها أنغام موسيقية أو بسط للكلام فيما عرف في أوساط البلاغيين بالإطناب.
وعند ابن سينا تشمل التغييرات كل مستويات النص أيضاً، فقد رأينا مصادر القول الشعري لديه ضمن أقسام الألفاظ المختلفة، مع شمول مفهوم العدول عنده أيضاً، فبالإضافة إلى استغلال النقل واللغة والاستعارة وغيرها مما يحقق إلذاذاً وتعجيباً في القول، يمكن أن تتحقق الصنعة في القول: "بالتركيب وبالقلب مثل قولك: ليس الإنسان بسبب السنة، بل السنة بسبب الإنسان، والعطف والمطابقة وسائر ما قيل في الخطابة"(25).
والتغيير لدى ابن رشد "يعطي في المعنى جودة إفهام، وغرابة، ولذة"(26)، وهو يشمل مستويات النص المختلفة، فالقول "إنما يكون مختلفاً، أي مغيراً عن القول الحقيقي من حيث توضع فيه الأسماء متوافقة في الموازنة والمقدار، وبالأسماء الغريبة، وبغير ذلك من أنواع التغيير"(27)، ويفصل القول في أشكال هذه التغيرات فيراها "تكون بالموازنة والموافقة والإبدال والتشبيه، وبالجملة: بإخراج القول غير مخرج العادة، مثل: القلب والحذف والزيادة والنقصان والتقديم والتأخير وتغيير القول من الإيجاب إلى السّلب ومن السّلب إلى الإيجاب، وبالجملة: من المقابل إلى المقابل، وبالجملة: بجميع الأنواع التي تسمى مجازاً"(28).
فواضح أن أشكال التغيير تتسع لتشمل كل إخراج للقول غير مخرج العادة سواء تعلق الأمر بمستوى الدلالة في النص كما يظهر في قصد التشبيه والإبدال، وأنواع المجاز، أمّ مستوى التركيب كما يتبدى في أشكال الترتيب الحادثة بين وحدات النص خاصة في حالة التقديم والتأخير والحذف، وأشكال التناسب الحادثة من اعتماد نسق التوازن بين الوحدات في المستوى المعنوي كما تظهر في التطابق والتقابل، وفي المستوى الصوتي أو اللفظي كما يتحقق في الجناس مع ما يتشكل من أنماط التوازن والتوافق من موسيقى.
وعلى الرغم من أن أبا حيان التوحيدي يوزع المعنى واللفظ بين العقل والحس مستنداً في ذلك إلى رأي أبي سليمان المنطقي، فيرى أنه لاحظ للفظ عند العقل ما دام يطلب المعنى، فإنّه يرى مع ذلك أن العقل "يتخير لفظاً بعد لفظ، ويعشق صورة دون صورة، ويأنس بوزن دون وزن"(29) وتخير اللفظ إقرار بانتقاء الدوال وإحساس بالتمايز بين الألفاظ في مستواها الإفرادي الذي سيعضده مفهوم للبيان شامل لديه يقوم "على صحة التقسيم وتخير اللفظ وترتيب النظم وتقريب المراد. ومعرفة الوصل والفصل، وتوخي الزمان والمكان، ومجانبة العسف والاستكراه، وطلب العفو كيف كان"(30)، وهكذا يكون مستوى البيان شاملاً يراعى فيه اللفظ، والنظم في دلالته العامة، ممّا يغطي عناصر النص المختلفة أيضاً وإن تميز الأمر لدى التوحيدي بالمصادرة على اللفظ والمعنى، وعلى النظم في الآن نفسه.
ويعود التوحيدي إلى الفكرة نفسها بمزيد من التّدقيق والضبط فيما يرويه عن أبي سعيد السيرافي مخاطباً أبا بشر بن يونس في المناظرة المشهورة، يقول: "وقدّر اللفظ على المعنى فلا يفضل عنه، وقدّر المعنى على اللفظ فلا ينقص منه، هذا إذا كنت في تحقيق شيء على ماهو به. فأما إذا حاولت فرش المعنى وبسط المراد فأجل اللفظ بالروادف الموضحة والأشباه المقربة، والاستعارات الممتعة وبيّن المعاني بالبلاغة، أعني لوح منها لشيء حتى لا تصاب إلا بالبحث عنها والشوق إليها، لأن المطلوب إذا ظفر به على الوجه عز وحلا وكرم وعلا، واشرح شيئاً حتى لا يمكن أن يمترى فيه أو يتعب في فهمه أو يعرج عنه لاغتماضه فهذا المذهب يكون جامعاً لحقائق الأشباه ولأشباه الحقائق"(31). وتبدو إشارة التوحيدي إلى التلويح أو الإيحاء طريفة، فالإيحاء يزيد لغة الأدب رسوخاً في الأدبية، وهو لا ينسى الدعوة إلى تكامل الغموض الناتج عن توظيف طاقة الإيحاء في اللغة مع المستوى الشارح من القول، مما يعيد إلى الذهن فكرة التوليف بين المباشر وغير المباشر أو العادي وغير العادي.
والمهم أن المستويات المختلفة لبنية النص دلالياً وتركيباً وصوتياً التي يباشرها الفلاسفة بالارتكاز على ثنائية اللفظ والمعنى أو الاعتماد على بسطها في أنماط الترتيبات والهيئات الحاصلة من التحسينات المختلفة في القول المؤسسة على الجوهر المحاكي، تحددت بالانطلاق من مفهوم راسخ لدى الفلاسفة يقوم على الإيمان بفكرة التوسيع والتجوز وإخراج القول غير مخرج العادة. هذه المستويات المختلفة للنص تبدو في التوزيع الفلسفي مراتب حسب الأهميّة أو الأولوية، ذلك أن المنظور الوظيفي للخطاب الأدبي عموماً وللنص الشعري خصوصاً هو الذي حدد خصائص بنيتهما، من هنا كان جوهر الشعرية في النص متجسداً في المحاكاة التي تتأسس عبر الخواص الصورية، أي انطلاقاً من صلة المعنى باللفظ، مع ما يعضد ذلك من وزن، هذا في المستوى الجوهري من بنية النص الذي تثريه التشكيلات التّحسينية التي تحدثها أنماط الترتيبات المختلفة في أنماط التوازن والتوافق بين المعاني من جهة والألفاظ من جهة أخرى، مما يشكّل في عمومه طبقة عرضية فوق طبقة المحاكاة في المعنى. هذا التصور يقتضي التعرض مبدئياً للحمة المعنى واللفظ في مستوى المحاكاة الأول ليردف بالمستوى التحسيني العرضي ثانياً.

المستوى المعني للمحاكاة والخاصية النوعية للشعر

يضطرنا المرور إلى المستوى الجوهري للمحاكاة المتحقق في لحمة المعنى واللفظ، باعتبار أن فعل المحاكاة أو أساسها إنما هو خواص صورية يتشكل وفقها المعنى ليتسنى له الدخول إلى خانة الشعرية، إلى الكشف عن الأصول العامة المؤسسة للمحاكاة، ذلك أن المنظور الوظيفي للشعر القائم على فكرة التخييل لدى الفلاسفة يعتمد في مستوى المفهوم على فكرة المحاكاة التي قد تتعادل مع اصطلاح التخييل. فالمحاكاة المتحققة في الصياغة الجمالية للمحاكى تختزل منطلقات مفهوم الشعر لدى الفلاسفة في كونه إخراجاً جمالياً بالصياغة المميزة للموضوع، حيث يمكّن هذا المفهوم من وضع الشعر ضمن دائرة الفنون بالاستناد إلى صلات التشابه بينه وبينها، وبالاعتماد على الخواصّ الشكلية المتميزة التي يصوغ فيها الشعر معانيه، ومع ذلك احتل الشعر موقعه ضمن بناء منطقي شامل لأصناف الخطابات المنطقية نزلاً من البرهان المحقق لليقين فالجدل والسفسطة ثم الخطابة والشعر، فاعتبار الشعر تخييلاً ليس إلا إسناد مهمة نوعية للشعر ضمن جملة المنطق عموماً(32).
ويتألف مع المفهوم المشكّل لحد الشعر لدى الفلاسفة الإسلاميين، المنظور الجمالي للخطاب الشعري، ذلك أن المحاكاة "هي إيراد مثل الشيء وليس هو هو"(33). فالمستوى النوعي في صياغة المعطى الحيوي هو الذي سيميّز الشعر في سلّم الخطابات المنطقية عموماً، إذ سيفرده بالخواصّ الصورية التي تؤسس جوهر المحاكاة بما يضمنها من وزن وترتيبات تحسينية تلحق المعنى واللفظ وغيرها من العناصر الداعمة لفعل المحاكاة والتخييل.
يتأسس مفهوم الشعر ومهمته على قناعة معرفية تمثل ركناً في نظرية الفلاسفة الإسلاميين في المعرفة، وذلك أن مراتب الناس في الإدراك متفاوتة فإذا يتسنّى للبعض تمثّل البرهان في يقينه وإدراك الخطاب الفلسفي في عمقه التجريدي، لم يتمكن غير هؤلاء من الجمهور من تجاوز سلّم الخطابة والشعر إذ إن أذهان هؤلاء فطرت أو مرنت على ربط كل تصور إدراكي بأمثلة الأشياء، فلا يعدم هؤلاء إلباس كل معنى عميق بمثاله أو صورته الشارحة القائمة على المستوى الحسيّ من المعرفة، من هنا يتوسل في شرح معاني الحكمة العميقة لهؤلاء بالأقوال التخييلية في الشعر، والإقناعية في الخطابة التي إن حققت نوعاً من التّصديق الخطابي فإنّها تستفيد من خواصّ التغيير الشعري وتستعملها بقدر طبقاً لوظيفتها في الإقناع. لهذه الفئة التي عدمت القدرة على تعاطي المجرد يوضع القول الأدبي عموماً، ليتسنى رفدها بالمعرفة بعد وضعها في قالب حسي كما يتجسد خاصة في الشعر(34).
يحيل هذا المستوى المعرفي على تصور الفلاسفة الإسلاميين للنفس البشرية وملكاتها وقدراتها المختلفة وتفاوت هذه القدرات والملكات في القيمة. وآراء الفلاسفة في النفس البشرية ووظائفها تمثل أساساً التحم بحد الشعر لديهم، ذلك أن قوى النفس المدركة لدى الفلاسفة تختزلها مراتب أساسية ثلاث هي: الحس والتخيل والعقل مع الإقرار بتفرعات كل مستوى(35)، فإذا كانت مرتبة العقل حضناً للدرجة العالية في المعرفة كما تتمثل في الفلسفة والمنطق، وكل ما يحتاج فيه إلى قدر عال من التجريد، ويمثل الحس القناة الأولى في التعرف على الموجودات في إطارها الحسي، فإن مخزون الحس يمثل بدوره رافد المخيلة يمدها برصيد المدرك الحسي الذي يتيح لها ممارسة وظائفها، ومن هنا تتحدد منطقة الشعر في هذا المستوى الوسط، إذ يكون كل قول شعري إنما هو تشكيل لمحسوسات أدركت إفراداً، وإعادة لصياغتها وترتيبها وفق المقصد مما يدلل لدى الفلاسفة على البرهان عن الأصل السيكولوجي لفعل المحاكاة والتخييل.
غير أن الأصول المنطقية والمعرفية والجذر النفسي المؤسسة لمفهوم الشعر ومهمته لدى الفلاسفة، بقدر ما تثقل الشعر وتجذبه نحو قيود المنطق وتهويمات المخيلة وحصار الوظيفة الشارحة والتابعة، تقوم على تأكيد الخاصية النوعية للشعر التي تتجسد في الصياغة المميزة للمعنى، وهذه الخاصية المميزة تقوم أيضاً على مسلّمة لدى الفلاسفة الإسلاميين تحيل على حقل الإلهيات لديهم، والأصول الكلية النّابعة من هذا العلم التي تشكّل بدورها مفاتيح البرهان والبحث في ما عداها من فنون المعرفة. هذه المسلمة تقوم على فكرة المادة والصورة التي تختزل مبادئ البرهنة على وجود كل كائن، إذ تراه خلاصة لانطباع صورة تهبه وجوده وخصائصه على هيولى تمثل وجوداً بالقوة، وإن كان من قناعات الفلاسفة أن لا وجود للصورة إلا بالمادة والعكس صحيح، لذلك يكون الاقتراب من خواص الشعر كامناً في الإقرار بقدرته المتميزة على صياغة المعنى في بنية من التصوير، وتكون هذه الخاصية هي التجسيد الفعلي للفكرة الفلسفية السابقة في الشعر(36).
هذا الأساس الفلسفي الأخير الذي يمثل أسّاساً آخراً ينضاف إلى بقية الأسس الفلسفية المبرهنة على وضع الشعر وغيره من فنون الخطابات الأدبية ضمن البناء الفكري لفلاسفة الإسلام يتيح لنا المرور، عقب هذه الوقفة الشارحة لخلفيات منطلقات الفلاسفة في ضبط مفهوم الشعر إلى مستوى النص في ذاته ومحاولة كشف طروحات الفلاسفة وتصوراتهم لبنيته النوعية، ذلك أن مهمتنا تعقب المستوى اللغوي المجسّد لنوعية القول الشعري الذي لا يمثل سوى تفريع أو إعادة لمقولة المعنى واللفظ، وخارج هذا الإطار من رصد المفهوم أو المهمة وما يشبههما من مواضع البحث في الشعر ليست من عناصر اهتمامنا في هذا الموضوع.
اهتم ابن سينا بفكرة الهيئة الناتجة عن خصائص التناول الشعري للمعنى القائمة أساساً على المحاكاة بما يرفدها من إيقاع، دون أن ينسى عناصر أخرى تدعم الشعر في أداء وظيفته، فالتخييل المحرك من القول متعلّق "إما بجودة هيئته، أو قوّة صدقه، أو قوة شهرته، أو حسن محاكاته"(37)، إلا أنه لا يلبث أن يرى أنه: "قد نخص باسم المخيلات، ما يكون تأثيره بالمحاكاة"(38)، فيركز جوهر الشعر في المحاكاة المتشكلة أساساً من الصياغة المتميزة للمعنى. تتجسّد لدى ابن سينا فكرة الهيئة في الانقلاب الذي تحدثه في أصل المعنى ليستحيل شعرياً، وعملية التغيير الطارئة على المعاني في إطارها التصديقي هي التناول الشعري لها الذي يصوغها وفق خصائصه، فالمخيّل "هو الكلام الذي تذعن له النفس فتنبسط عن أمور وتنقبض عن أمور من غير رويّة وفكر واختيار، وبالجملة تنفعل له انفعالاً نفسانياً غير فكري، سواء كان المقول مصدقاً به أو غير مصدق. فإنّ كونه مصدقاً به غير كونه مخيّلاً أو غير مخيّل: فإنه قد يصدق بقول من الأقوال ولا ينفعل عنه، فإن قيل مرة أخرى وعلى هيئة أخرى انفعلت النفس عنه طاعة للتخييل لا للتصديق، فكثيراً ما يؤثر الانفعال ولا يحدث تصديقاً وربما كان المتيقن كذبه متخيلاً"(39). صحيح أن ابن سينا يقر بأن جوهر المعنى قد لا يتغير جذرياً، ذلك أن إعادة القول مرة أخرى وعلى هيئة أخرى إيمان بأن الشعر تشكيل لموجود وليس إيجاداً لمعنى جديد يولده السّياق المستقل، إلا أن الهيئة الطارئة تشي بفهم لنوعية الصياغة الشعرية المتميزة التي تضعها في مواجهة القول التصديقي، يتأكد ذلك في وقفة لابن سينا في الموضوع نفسه يرى فيها أن "القول الصّادق إذا حُرّف عن العادة وألحق به شيء تستأنس به النفس، فربما أفاد التّصديق والتّخييل معاً، وربما شغل التخييل عن الالتفات إلى التصديق والشعور به"(40)، وهكذا تكسب عملية التشكيل الشعري للمعنى إذا تتأسس على مسلمة الانحراف عن العادة –كما ورد في النص السابق- خصوصيتها من تعاضد مستويات القول المحتشدة لتحقيق الآية المتمثلة في إحداث التخييل في المتلقي، من هنا يوثق ابن سينا فكرة الهيئة السابقة بتفصيل أقسامها في النص وتشخّصاتها الحسية ذلك أن "الأمور التي تجعل القول مخيلاً: منها أمور تتعلق بزمان القول وعدد زمانه وهو الوزن، ومنها أمور تتعلق بالمسموع من القول، ومنها أمور تتعلق بالمفهوم من القول، ومنها أمور تتردد بين المسموع والمفهوم. وكل واحد من المعجب بالمسموع أو المفهوم على وجهين، لأنه إمّا أن يكون من غير حيلة بل يكون نفس اللفظ فصيحاً من غير صنعة فيه، أو يكون نفس المعنى غريباً من غير صنعة إلاّ غرابة المحاكاة والتخييل الذي فيه. وإما أن يكون التعجّب منه صادراً عن حيلة في اللفظ أو المعنى"(41).
وهنا ترتدّ الخواصّ الصياغية التي تَهبُ القول طاقة التخييل إلى اللفظ والمعنى مطلقاً لتكون فيهما أصلاً وجوهراً إذا ولّدا التخييل لخواص فيهما تتوفر لهما إذا صيغا وفق خصائص الخطاب الشعري والأدبي عموماً. وقد تتولد منهما بحيلة وصنعة، وهو ما سيعرف لدى الفلاسفة بأشكال التناسب والهيئات التحسينية التي تشكل مستوىً ثانوياً في سلّم التّخييل، وذلك إذا رتّبا ورتب ما يتفرع منهما من أصناف التراكيب وفق الهيئات الجمالية التحسينية. أما ما يتعلق بزمان القول وعدد زمانه الذي هو الوزن فإنّه ليس إلا إيقاعاً تفرزه أنماط التناسب الحادثة بين الأصوات وتوزيعها المنسجم والمتردد وفق الزمن، وهذا يرتدّ إلى اللفظ أيضاً في مستواه الصّوتي المولّد لموسيقى القصيدة، ومن هنا تكون المستويات الصوتية والتركيبية والدلالية مراتب تتكامل وفق التصور الخاص لصلة المعنى باللفظ أو للطاقات التخييلية التي تعلق بكل طرف. نلمس ذلك في عودة لابن سينا للموضوع نفسه باعتماد الشاهد حيث يرى "أن القول الشعري يتألف من مقدمات مخيلة، وتكون تلك المقدمات موجهة تارةً بحيلة من الحيل الصناعية نحو التخييل، وتارةً لذواتها بلا حيلة من الحيل، وهي أن تكون إما في لفظها مقولة باللفظ البليغ الفصيح بحسب اللغة، أو أن تكون في معناها ذات معنىً بديع في نفسه، لا بحيلة قارنته، مثال ذلك القول القائل:
وما ذرفت عيناك إلاّ لتضربي



بسهميك في أعشار قلب مفتّل



وأما في المعنى كقوله:
كأنّ قلوب الطير رطباً ويابساً



لدى وكرها العُذّاب والحشف البالي



ومن هذا الباب جودة العبارة عن المعنى وتضمين معانٍ كثيرة في قسمة بيت واحد من غير تقصير في العبارة"(42).
فالارتداد بفعالية التخييل إلى خواص في اللفظ أو في المعنى إقرار صريح بالتمييز بين العنصرين وإن لم ينبن على ذلك تقديم طرف على آخر، وذلك أن تمام القول الشعري يكون في تعاضد المستويات اللفظية والمعنوية على تحقيق الوظيفة. غير أن الدلالة المستخلصة من القول لا تبدو إفرازاً عميقاً للحمة ناظمة بين عناصره المختلفة المرتدّة إلى تفاعل اللفظ والمعنى أو تفريعاتهما في مراتب الدلالة والتركيب والصوت، إنما يبدو أن لكل طرف فعالية مستقلة أو كالمستقلة ويكون الكمال في تراكم هذه الفعاليات بالإضافة، فابن سينا يرى في البيت الأخير شاهداً للمعنى البديع في ذاته الخالص من حيل التخييل وصنعته، والمعنى البديع هنا يتمثّل في الصورة القائمة في البيت على التشبيه، وقد أفرط الأقدمون بمختلف طوائفهم في الإعجاب بهذا البيت واعتباره سبقاً، إذ فيه تشبيه شيئين اثنين بشيئين اثنين، إلا أن حمل البيت الأول على النوع الذي توفّر لـه اللفظ البليغ الفصيح بحسب اللغة –كما يرى- مدعاة إلى إثارة بعض الشك، ذلك أن البيت يقوم على استغلال الصورة أيضاً وذلك في استعارة السهم للعين، ولعل الذي دعا ابن سينا إلى اعتبار هذا البيت شاهداً للفظ الفصيح هو قوة ألفاظه وشدّة أصواته، غير أن ذلك لا يمنع من اعتبار البيت أنموذجاً لتعاضد فصيح اللفظ مع بديع المعنى، على أن المنظور الثنائي المؤسس على قناعات فكرية ترتد إلى أصول منطقية يتحكم في تشخيص بنية القول الشعري لفظاً ومعنى. ويكاد ابن سينا يستدرك ما فات في قوله في آخر النص "إنّ من هذا الباب جودة العبارة عن المعنى وتضمين معانٍ كثيرة في قسمة بيت واحد من غير تقصير في العبارة "وإن كان يفهم من القول الإقرار بتلازم الإجادة في المعنى واللفظ إلا أن هناك تمييزاً بينهما، فإذا كانت حدّة هذا التّمييز خافتة في الدعوة إلى جودة العبارة عن المعنى، فإن الخشية من وقوع القصور في العبارة مع تضمين القول معاني كثيرة –استغلالاً لطاقات اللغة في التعبير والإيحاء- كشف لعدم الوعي بالتكامل الدقيق بين المعاني العميقة المتفاعلة مع العبارات التي تؤديها.
ويتأكد إسناد ابن سينا الفعالية إلى الطرفين مع التمييز بينهما في قوله: "وما كان من أجزاء الشعر بطّالاً ليس فيه صنعة ومحاكاة، بل هو شيء ساذج، فحقه أن يعنى فيه بفصاحة اللفظ وقوته، ليتدارك به تقصير المعنى، وتتجنب فيه البذالة، اللهم إلا أن يكون شديد الاشتهار كمثل مضروب"(43)، فإكمال تقصير المعنى بفصاحة اللفظ إقرار بتمييز الطرفين، وكأن الفصاحة هنا لفظية تتميز بخواص صوتية في القول دون أن يكون لهذه الخواص قدرة الإيحاء بالمعنى نفسه. لكن لموقف ابن سينا فضيلة تتجسد في اشتراطه فصاحة اللفظ مما يكشف عن تمايز الألفاظ في التعبير عن المعنى الواحد، مما يحقق إمكان الاختيار بين الدوال في التعبير عن المدلولات، ومع ذلك يظل إحساسه بالهيئات الناتجة عن تكامل عناصر الصياغة في النص الأدبي دليلاً على وعي بإحساس متميز ببنية النص الشعري. أما الفارابي فقد كان له السبق إلى ضبط عناصر التخييل في القول التي ينتظمها المعنى واللفظ أيضاً، مع التنويه بالإيقاع بما فيه القافية. يقول محدداً خواص الشعر عند الجمهور وعند كثير من الشعراء الذين "يرون أن القول شعر متى كان موزوناً مقسوماً بأجزاء ينطق بها في أزمنة متساوية، وليس يبالون كانت مؤلفة ممّا يحاكي الشيء أم لا، ولا يبالون بألفاظه كيف كانت بعد أن تكون فصيحة في ذلك اللسان، بل يؤثرون منها ما كان مشهوراً سهلاً، وكثيرٌ منهم يشترطون فيها مع ذلك تساوي نهايات أجزائها، وذلك إمّا أن تكون حروفاً واحدة بأعيانها أو حروفاً ينطق بها في أزمان متساوية"(44)، فهناك الإلحاح على ضرورة تحقق المحاكاة التي تكمن في الطريقة المميّزة في تقديم الشيء، مع انتقاءٍ للفظ يتجاوز المشهور والسهل، بالإضافة إلى مستوى الإيقاع والقافية.
ويعود الفارابي إلى الموضوع بمزيد من التدقيق باعتماد مصطلحي المعنى واللفظ لتوثيق خاصية المحاكاة في القول إذ إن الأشعار "إنما تصير أكمل وأفضل بألفاظ ما محدودة (إما غريبة وإما مشهورة)، وأن تكون المعاني المفهومة عن ألفاظها أموراً تحاكي الأمور التي فيها القول، وأن تكون بإيقاع، وأن تكون مقسومة الأجزاء وأن تكون أجزاؤها في كل إيقاع سلاّبات وأسباب وأوتاد محدودة العدد، وأن يكون ترتيبها في كل وزن ترتيباً محدوداً، وأن يكون ترتيبها في كل جزء هو ترتيبها في الآخر (فإن بهذا تصير أجزاؤها متساوية في زمان النطق بها) وأن تكون ألفاظها في كل وزن مرتبة ترتيباً محدوداً، وأن تكون نهاياتها محدودة "إمّا بحروف بأعيانها أو بحروف متساوية في زمان النطق بها، وأن تكون ألفاظها أيضاً كالمحاكية للأمر الذي فيه القول، ثم أن تكون ملحنة"(45).
فالمحاكاة تتحقق بالمعاني المفهومة من الألفاظ، هذه الأخيرة يشترط فيها أيضاً أن تكون كالمحاكية للأمر الذي فيه القول، ويدعم ذلك الوزن الذي هو خلاصة لترتيب صوتي وفق نسب معيّنة، ثم اللّحن. غير أنّ الجوهر يظل في المعنى واللفظ اللذين يمثلان ركيزة القول الأدبي عموماً سواء في مستوى الخطابة أم الشعر، أو في مستوى القول الشعري الذي يغيب عنه الوزن الشعري وتتحقق فيه المحاكاة. فطبيعة تشكيل المعنى واللفظ تمثل جوهر الخطاب الأدبي عامة، ثم تضاف إلى هذا الجوهر أعراض أو تستخلص من كيفية ترابط ركنيه خصائص تضع القول في خانة الشعر أو الخطابة أو النثر الفني عموماً. ونجد أن خيط اللفظ والمعنى يمثل المسار الخفي المزدوج الذي يشكل أساس تصور الفلاسفة لبنية النص الأدبي عموماً، ذلك أن المحاكاة التي هي قاعدة القول ليست إلا خاصية في المعنى يعضدها مستوى الفصاحة في اللفظ، وبتكاملهما يتكامل للقول خواصه الشعرية التي قد تزداد اختصاصاً بالوزن لتستحيل شعراً أو تخفت فيها كثافة المحاكاة لتكون خطبة مع ما يرفدها من أساليب إيقاعية ذاتية.
والأمر مطابق لما سلف لدى ابن رشد أيضاً إذ إنه يرى أن "المحاكاة في الأقاويل الشعرية تكون من قبل ثلاثة أشياء: من قبل النغم المتفقة، ومن قبل الوزن، ومن قبل التشبيه نفسه"(46)؛ وعلى الرغم من أنه كان يقابل في القول السابق بين الشعر وغيره من الفنون، فإنّ تخصيص المحاكاة الشعرية بالتّشبيه المرادف للمحاكاة التي ستكون محصلة للمعنى المستخلص من اللفظ، وما يدعمها من وزن، ونغم أحياناً ويراد به الألحان الموسيقية التي قد تضاف إلى الشعر، سير في الطريق الذي عبّده سابقوه، يتأكد ذلك في قوله "ومتى طال الكلام وليس فيه تغيير ولا محاكاة، فينبغي أن يعتنى في ذلك بإيراد الألفاظ البيّنة الدلالة، وهي التي تدل على أشياء بعينها، لا على أشياء متضادة أو مختلفة، ويكون تركيبها على المشهور عندهم، وتكون سهلة عند النطق. ويشبه أن يكون هذا هو أكثر ما ينطلق عليه في لسان العرب اسم: "الفصاحة"، إلا أن يكون ذلك القول ظاهر الصدق ومشهوراً، فإن الصدق الذي يتضمنه يشفع لما فيه من قلة الفصاحة وقلة التغيير والمحاكاة"(47) وإكمال القصور في المحاكاة بإيفاء اللفظ حقه من الفصاحة، إعادة لتأكيد الإيمان بخواصّ للفظ ترتدّ إليه في ذاته تدعم مستوى المعنى من القول.
فإذا قصدنا حصر القول في خانة الشعر بانت لزاماً اعتبار أن الشعرية فيه إنما تكمن في المحاكاة مع ما يعضدها من وزن، إذ بتعاضد المحاكاة في المعنى مع ما يدعمها من خصائص الفصاحة اللفظية، والإيقاع الموسيقي تركيز لخواصّ القول البليغ في منتهى طاقاته التعبيرية، هذه الطاقات التي تمثّل قمة هرم القول الأدبي الذي يتحقق له النوع وفق قسطه من المحاكاة والوزن كمياً ونوعياً، فتكون أصناف الأقوال البليغة مترتبة بدءاً من النثر الفني والخطابة ثم الشعر "فقوام الشعر وجوهره عند القدماء هو أن يكون قولاً مؤلّفاً مما يحاكي الأمر وأن يكون مقسوماً بأجزاء ينطق بها في أزمنة متساوية، ثم سائر ما فيه فليس بضرورة في قوام جوهره وإنما هي أشياء يصير بها الشعر أفضل"(48). وعند ابن سينا يكون الكلام شعراً أيضاً "بأن يجتمع فيه القول المخيل والوزن"(49)، تماماً كما يرى ابن رشد ضرورة أن يوجد في الشعر الأمران معاً(50).
غير أن عملية فحص مقاصد الفلاسفة من المحاكاة والوزن باعتبارهما تشكيلات متحققة في تضام وحدات النص، ستبرز حدود الفهم الذي أقاموه لهذا التضام ولعلاقة المعنى باللفظ في السياق. ففي مستوى المحاكاة ستتجسّد خواصّ الشعر النوعية المنسحبة على الصورة البلاغية عموماً التي بواسطتها يكتسب الشعر طابعه الحسّي النّوعي مقابل المستوى التجريدي للخطاب الفلسفي والعلمي، ذلك أنه ينبغي أن يتحقق في كل محاكاة "حفظ للطبيعة الشعرية وللمحسوس المعروف عن حال الشعر"(52)، ولقد حصر الفلاسفة الصّورة البلاغية في التشبيه والاستعارة والتركيب منهما –كما عاينوا أصنافها بحسب صفات الطرفين ونوعهما من التجريد والحس وكذا مستوى البساطة والتركيب في الصّورة المرتد إلى الإتيان بطرفين أو إنابة طرف عن آخر في الاستعارة أو اعتماد التركيب وبناء استعارة على أخرى وكذا درجة الصورة من الشيوع والابتذال أو الغرابة والاختراع، ثمّ طبيعتها الذاتية المرتدة إلى كونها مباشرة تصريحية أو خفية تقوم على التشخيص أو التجسيد بما فيه الإغراب في إقامة علائق الأطراف بين الصور أو الاقتراب، ولكن لم يترتّب على ذلك تبصّر دقيق بفعالية الصّورة في السّياق النصّي ودورها الحاسم في بناء الدّلالة، بل كانت أقرب في تصوّر الفلاسفة إلى البديل الفنّي للمعنى التّجريدي بالرّغم من ربط الفلاسفة الخواصّ الشّعرية بالتّصوير أساساً(53)؛ ومن هنا فإن فهم الفلاسفة للصّورة يعيد إلى الأذهان أطروحات نقاد كثيرين وبلاغيين قدامى، يرون في الصّورة مستوى من الصياغة الملمّعة للمعنى العاري من خواصّ التصّوير. والواقع أنّ هذا الفهم أملته شروط الوظيفة المسندة إلى الشعر في نظر الفلاسفة، هذه الوظيفة التي تتحقّق من خلال الصياغة الزخرفية والتزيينية للمعاني التي تستخلصها الحكمة النظرية والعلمية لتتعهّد بموجبها الجماهير بالتنشئة الأخلاقية والتعليمية، ويتمّ ذلك بمراعاة قدراتها واستعداداتها التي تفرض صياغة القول الشّعري وفق المحسوس والمخيّل والمثال(54).
فإذا قصدنا إكمال الرأي في المستوى الصوتي الذي يعضد مستوى الدلالة في القول اتضح الفهم المراكم لهذه المستويات، ومستوى الوزن الشعري القائم على انتظام الحركة الصوتية في الزمان، بما يتخللها من وقفات تحيل مقاطع القول متناسبة انطلاقاً من التوزيع المنتظم المتواتر للمقاطع الصوتية، لا تهمنا في ذاتها في موضوعنا، وكذا أقسام التفاعيل وعناصرها من وحدات المقاطع الأولية والتشكيلات العروضية الحادثة عنها والنسب المحددة بين عدد المتحركات والسواكن في البحر الواحد، وغيرها مما يتعلق بخواص الوزن في ذاته وصلاته بالموسيقى عموماً، إذ يتنزل بحث موسيقى الشعر لدى الفلاسفة ضمن علم التعاليم الذي من مشمولاته درس الموسيقى(55)، إنّما يهمنا صلة الوزن بالمعنى مع التذكير بأن الفلاسفة يؤكدون أنه محصلة التركيب المتميز للأصوات في القول، ويقوم فهمهم للوزن من منظور المعنى على فكرة استقلاله بالدلالة مما يستوجب اعتماد وزن معين في كل غرض ليحدث التلاؤم بين المعنى أو الغرض والوزن.
يرى الفارابي "أن جل الشعراء في الأمم الماضية والحاضرة الذين بلغنا أخبارهم خلطوا أوزان أشعارهم بأحوالها ولم يرتبوا لكل نوع من أنواع المعاني الشعرية وزناً معلوماً، إلاّ اليونانيون فقط: فإنهم جعلوا لكل نوع من أنواع الشعر نوعاً من أنواع الوزن، مثل أن أوزان المدائح غير أوزان الأهاجي، وأوزان الأهاجي غير أوزان المضحكات، وكذلك سائرها"(56)، أما لدى الخوارزمي فإن الطويل "بحر خضم يستوعب مالا يستوعبه غيره من المعاني ويتسع للفخر والحماسة والتشابيه والاستعارات وسرد الحوادث وتدوين الأخبار ووصف الأحوال"(57). وليس الوزن لدى مسكويه إلا "حلية زائدة... ومثال النظم من الكلام مثال اللحن من النظم، فكما أن اللحن يكتسي منه النظم صورة زائدة على ما كان له، كذلك صفة النظم الذي يكتسي منه النظم صورة زائدة على ما كان له"(58)، وهكذا يتواتر الفهم نفسه لدى البقية، فيرى ابن سينا أيضاً أن اليونانيين "كانت لهم أغراض محدودة يقولون فيها الشعر، وكانوا يخصون كل غرض بوزن على حدة"(59)، أما حسب ابن الرشد فإن "من التخييلات والمعاني ما يناسب الأوزان الطويلة، ومنها ما يناسب القصيرة"(60).
وعلى العموم فإن الوزن يملك دلالته الذاتية النابعة من خصائص تركيبه ومن هنا يراعى في المعنى المقصود إلباسه بالوزن الملائم، وعلى كل ينسجم هذا الفهم للوزن مع فكرة التمييز بين المعنى واللفظ، إذ يتضافر العنصران في إحداث الوظيفة أو تشكيل الدلالة، لكن مع الإقرار بتميز كل طرف في نطاق البنية. وسيمتد هذا الفهم عند الفلاسفة في تصورهم أنماط التناسب الحادثة بين المعاني من جهة والألفاظ من جهة أخرى، في شتى مراتب الطرفين أفراداً وتراكيب مما سيمثل عضداً لجوهر المحاكاة المتمثّل في المعاني من جهة الألفاظ كما يقولون. وتمثل هذه التناسبات لواحق بقدر ما تدعم المحاكاة في حالة تجسدها في الخواص الصورية المجسدة للمعنى، وعند تضافر كل أشكال التخييل، بقدر ما يمكن أن تعوّض غيابها.
التحسينات اللفظية والتحسينات المعنوية

تمثل فكرة التناسب أساً قاراً في فكر الفلاسفة الجمالي عموماً، فإذ يتنزّل الشعر خصوصاً والقول الأدبي عموماً عندهم ضمن بنائهم الفلسفي المتكامل، ينتظمه والموسيقى خاصة قناعات شتّى ترتد بالدرجة الأولى إلى الاشتراك في الوظيفة وإلى الاشتراك في الهيئة، انطلاقاً من التوافق الملحوظ بين النغم الموسيقي والعروض الشّعري(61)، ويصبح بالإمكان إيجاد المقابل لنمط التناسب الشّعري في الموسيقى، بل إنّ مبدأ التناسب وحسن الانتظام في المدرك عامة قاعدة راسخة في تحديد موضوعية الجميل لدى الفلاسفة، ذلك "أن النفس النطقية والحيوانية أيضاً لجوار النطقية أبداً تعشقان كل شيء حسن النظم والتأليف والاعتدال مثل المسموعات الموزونة وزناً متناسباً والمذوقات المركبة من أطعمة مختلفة بحسب التناسب وما شابه ذلك"(62)، وتختزل الموقف مقولة إخوان الصفا القائلة: "إن أحكم المصنوعات وأتقن المركبات ما كان تأليف أجزائه وأساس بنيته على النسبة الأفضل"(63).
فإذا خصصنا القول بالموسيقى كما يراها الفارابي، نجد أنه: "إذا تأملنا الألحان تأملاً كثيراً وجدنا فيها اقترانات للنغم وترتيبات لها، وأعني بالاقترانات اجتماع اثنين منها أو أكثر، والترتيبات أن يقدم هذا في السمع أو يؤخر هذا، وفي الاقترانات ماهي كمالات أيضاً وطبيعية ومنها ما ليس كذلك. وكمالات الاقتران والترتيب تتصور بطريق المناسبة"(64)، فإذا كان كل نغم يقوم على اقترانات شتى يتحقق لها كمال الترتيب بطريق المناسبة فإن في الألحان أيضاً ماهو كمالات للتناسبات الجوهرية، تقابل في الشعر فعل المحاكاة في المعنى الذي يهب القول شعريته ولواحق تلك المحاكاة. ومن هنا يمكن للفارابي أن يصف الأقاويل الشعرية بأنها "دون غيرها تجمّل وتزيّن وتفخم ويجعل لها رونق وبهاء"(65)، وأنه إذا كانت هذه التزيينات من خواص الأقاويل الشعرية وجب أن تنتفي من كل قول فلسفي، إذ كما يرى "ليس يجب أن نفحص عن أقاويل الذين فلسفتهم شبيهة بالزخارف. وبهذه السبيل تلتئم الأقاويل التي تسمّى الرموز والألغاز. وعسى أن لا تكون هذه مرذولة إلا في أنحاء التعاليم الفلسفية فقط. فأما في الخطابة وفي الأقاويل المستعملة في الأمور السياسية، فعسى أن لا يكون الواجب غيرها"(66).
وتظهر فكرة التناسب كأحسن ما تكون لدى الفلاسفة في بحث الوزن الشعري، غير أنه في هذا الموضع من البحث يهمنا ما تجسده في اللفظ والمعنى كلواحق لمحاكاة الجوهر، إذ يمكننا التماس مثال لدى الفارابي في تناسب الوحدات في سياق البيت، يظهر ذلك في ما أسماه بالإخطار بالبال الذي يرى له غناء عظيماً في صناعة الشعر "وذلك مثل ما يفعله بعض الشعراء في زماننا هذا من أنهم إذا أرادوا أن يضعوا كلمة في قافية البيت ذكروا لازماً من لوازمها أو وصفاً من أوصافها في أول البيت فيكون لذلك رونق عجيب"(67)، فهناك تناسب معنوي يلحم بصلة الانتساب إلى الحقل الدلالي الواحد قافية البيت وأوله مما يشي بشكل من أشكال اللحمة المعنوية الحادثة في امتداد البيت.
أما لدى ابن سينا فإن فكرة التحسينات الطارئة على المعنى واللفظ تأخذ مدى أبعد، لتشمل الألفاظ والمعاني في مراتب مختلفة ضمن تصنيفات فاصلة بين كل مرتبة وأخرى، وفق ضوابط حسابية تكاد تحيل المسالة إلى نوع من أنواع المماحكة.
ونمرّ إلى تصنيفات ابن سينا وضوابطه مستندين إلى رأيه في الصوت الإنساني الذي إذا "زيّن بالتأليف المتناسب، والنظام المتفق، كان ذلك أهزّ للنفس من مثله، وفي غيره"(68)، وفي الشعر تكون عملية التزيين للقول من باب اللواحق إذ إن "للمقدمات المخيلة لواحق وعوارض بها ينضوي تخييلها"(69)، هذه الخواص النوعية للشعر التي تجسد طاقاته التخييلية ترتد إلى المفهوم والمسموع كما يرى ابن سينا أو المعنى واللفظ. وتتحقق في هذين الركنين في مستوى أصلي أو قاعدي وطبيعي ينتج عن عفوية التعبير الشعري، كما تكون خلاصة لحيل فيهما. فهذه الخصائص قد تتولد من اللفظ والمعنى "من غير حيلة بل يكون نفس اللفظ فصيحاً من غير صنعة فيه، أو يكون نفس المعنى غريباً من غير صنعة إلاّ غرابة المحاكاة والتخييل الذي فيه. وإمّا أن يكون التعجّب منه صادراً عن حيلة في اللّفظ أو المعنى: إمّا بحسب البساطة أو بحسب التركيب"(70).
وتحدث هذه الحيل الواقعة بين الأجزاء أشكالاً من التناسب في أقسام خمسة تشمل الألفاظ والمعاني. فالذي يقع فيها بحسب اللفظ يكون "إما في الألفاظ الناقصة الدّلالات، أو العديمة الدلالات كالأدوات والحروف التي هي مقاطع القول، وإما في الألفاظ الدّالة البسيطة وإما في الألفاظ المركبة، وإمّا أن يكون بحسب مركبّات المعاني"(71)، علماً بأن هذا التناسب في المراتب الخمسة السابقة يقع "إمّا بمشاكلة، وإمّا بمخالفة، والمشاكلة، إمّا تامة، وإمّا ناقصة، وكذلك المخالفة: إمّا تامة، وإما ناقصة"(72)، فيفترض في كل مستوى وقوع تشاكل تام وتشاكل ناقص، وكذا تخالف تام وتخالف ناقص، فتكون أنماط التناسب الواقعة بين الأجزاء في كل مستوى أربعة، وسيتفرع من بعض المراتب كالألفاظ الدالة البسيطة مستوى جديد إذ يراعى فيها المستوى الصوتي، أي اللفظي المحض ومستوى المعنى، مما يشرك هذا المستوى بمرتبة بسائط المعنى، علماً بأن ابن سينا لا يحصي كل أوجه التخريجات المفترضة ولعلّه يتعذر إيجاد الأمثلة لكل مقام.
"ولنبدأ من القسم الأول، فنقول: إنّ من الصيغ التي بحسب القسم الأول تشابه أواخر المقاطع وأوائلها، والنظام المسمى المرصّع كقوله:
فلا حسمت من بعد فقدانه الظّبي


ولا كلمت من بعد هجرانه السّمر



ومنها تداخل الأدوات ومخالفتها وتشاكلها: "من" و "إلى" من باب المتخالفات، و"من" و"عن" من باب المتشاكلات"(73).
ونلاحظ أن ابن سينا ذكر أمثلة لتشاكل الأدوات وتخالفها ولم يستوف أقسامها الناقصة والتامة، فضلاً عن أنّ النظام المرصّع كما قال يشمل مقابلات ثنائية تكاد تغطي وحدات البيت كلها، وهذا الازدواج الموسيقي الحادث بين الوحدات تشكيل لمستوى صوتي موسيقي يشمل بالتناسب أو الانسجام المتوازن أصوات الوحدتين أو الوحدات المتقابلة، ممّا يمكن أن يوضع ضمن مرتبة الألفاظ الدّالة البسيطة في مستواها الصّوتي، ذلك أن عدّ الترصيع ضمن هذا التقسيم فيه تجّوز إذ إن تكرار الألفاظ المتوازنة المتفقة الأعجاز في الشّطرين لا يمكن أن ينضوي تحت القسم الأول من تخالف الأدوات أو تشاكلها، أما إذا كان ابن سينا يرى في الترصيع تشابه أواخر المقاطع وأوائلها حيث يجتزئ المقطع الأخير من كل لفظ مثلاً لينسجم مع مقابله، فهو تفكيك لوحدة دالة بكامل أصواتها وتعسف في التمثيل.
"وأما الصيغ التي بحسب القسم الثاني فالتي بالمشاكلة التامة. فهي أن يتكرر في البيت ألفاظ متّفقة التصريف متخالفة الجوهر، أو متفقة الجوهر متخالفة التصريف. والتي بالمشاكلة الناقصة فأن تكون متقاربة الجوهر، أو متقاربة الجوهر والتصريف: ومثال الأول: العين والغين، ومثال الثاني: الشّمل والشّمال، ومثال الثالث والرابع: الفاره والهارف، أو العظيم والعليم والصابح والسابح، أو السّهاد والسّها. وهذا هو التشاكل الذي في اللفظ بحسب ما هو لفظ. وقد يكون ذلك في اللفظ بحسب المعنى، وهو أن يكون لفظان اشتهرا مترادفين وأحدهما مقولاً على مناسب الآخر أو مجانسه واستعمل على غير تلك الجهة، كالكوكب والنجم ويراد به النبت، أو السهم والقوس يراد به الأثر العلوي. وأما الذي بحسب المخالفة فإذ ليس لفظ من الألفاظ بمخالف للفظ بجهة لفظيّته، فإذن إن خالف فمعناه ما يخالف وهو المعنى الذي يكون اشتهر لـه. فتكون الصيغة التي على هذا السبيل في ألفاظ أو لفظين يقع أحدهما على شيء، والآخر على ضده أو ما يظن به أنه ضده وينافيه، أو ما يشاكل ضده أو يناسبه ويتصل به، وقد استعمل على غير تلك الجهة، كالسواد التي هي القرى، والبياض والرحمة وجهنم وما جرى مجراه"(74).
فالتشاكل التام أو الناقص المتأتيان من علاقات الجوهر والتصريف بين الألفاظ سواء في حالة الاتفاق أم التباين بالرغم من إمكان حملهما على ما عرف عند البلاغيين بالجناس أو التجنيس، فإنّ المشكلة هنا تكمن في ما يقصد ابن سينا بالجوهر، فإذا عادلناه بالمعنى أمكن اعتبار التّمثيل بالعين والغين للمتّفق والتّصريف المتخالف الجوهر متمشياً مع نماذج التجنيس إلاّ أن باقي الأمثلة لا يستقيم مع هذا المنحى، من هنا يبدو أن ابن سينا يريد بالجوهر المواد الصوتية التي تتكون منها الوحدة والتصريف هو الصّياغة الصرفية لهذه المادة، لذلك يستقيم له التمثيل للأنواع التي ذكر، ذلك أن معاني ما قدّم من كلمات مختلفة وإن توافقت في المادّة الصوتية أو صيغة البناء، لذلك سمى هذا النوع من التشاكل بالواقع في اللفظ بحسب ما هو لفظ، كأنه يقصد به مستواه الصوتي فقط، يدعم ذلك بحثه عقب ما سلف التشاكل الواقع في اللفظ بحسب المعنى. في هذا النوع الأخير إشكال، ذلك أن اعتبار لفظين مترادفين إقرار بوحدة معناهما، إلاّ أن استعمال أحدهما في غير النسبة التي تربطه بالآخر كأن يستعمل النجم في معنى النبت بدل أن يكون من مرادفات الكوكب أو مجانسه، أو يستعمل القوس في معنى الأثر العلوي، وهو برج في السماء بدل استعماله مناسباً للسهم إحداث لنوع من التشاكل، ولكن لا تُدرى كيفية حدوثه إلاّ أن يكون في نوع من الألغاز، إذ قد يتبادر إلى الذّهن أن استعمال اللفظين معاً من باب التّرادف فإذا بانكشاف المعنى يدلّ على خلاف ذلك، ولعله لو وضع هذا ضمن التخالف لكان أولى خاصة أنه يبحث معنى اللفظ. أمّا القسم الثالث فهو يتنزّل ضمن ما يعرف في أبحاث البلاغيين بالطّباق أو المقابلة إذا كان يشمل ألفاظ عدة.
"وأما الصيغ التي بحسب القسم الثالث، فالذي منه بالمشاكلة فأن يكون لفظ مركّب من أجزاء ذوات التصريف في الانفراد وتجتمع منها جملة ذوات ترتيب في التركيب ويقارنه مثله، أو يكون التركيب من ألفاظ لها إحدى الصيغ التي في البسيطة ويقارنه مثله. والذي بحسب المخالفة فالذي يكون فيه مخالفة ترتيب الأجزاء بين جملتي قولين مركبين: إمّا في أجزاء مشتركة فيهما، أو أجزاء غير مشتركة فيهما"(75).
فالتشاكل في القسم اللفظي المركب سواء تعلق باقتران تركيبين تترتّب فيهما الألفاظ المتصرفة الترتّب نفسه، مما يحقق لهما من جرّاء ذلك توازناً وانسجاماً ينتج عن توزيع الوحدات المنسجمة على مستوى التصريف في نفس مواقع الترتيب، أم تحقق من اقتران تركيبين مشكلين من رصف متوازن لألفاظ غير متصرفة، وكذا التخالف الذي يتأتّي من اعتماد التخالف في ترتيب الألفاظ في القول المركّب سواء كانت هذه الألفاظ مشتركة أم غير مشتركة، لا تعدو أن تكون تفرعاً لخصائص تعلق اللفظ في ذاته بدءاً من مستوى المقطع إلى التركيب الشامل لعدة ألفاظ. وعلى الرغم من أن البحث في هذا المستوى يتطرق إلى المدلولات أحياناً، فإن الاهتمام بالصيغة اللفظية في ذاتها إلحاح على دور الصوت المحدث للأشكال الموسيقية المختلفة في القول الشعري عموماً، خاصة أن أشكال التنظيمات الموسيقية قد ترتقي عند تحقق الإيقاع التام فيكون القول شعراً، وقد تتوقف عند مستوى القول الخطابي إذا اكتفت بنوع من انسجام الأصوات كالسجع أو الازدواج، وهذا يدعم أيضاً فكرة توزيع الشعرية بين اللفظ والمعنى معاً في خطين متوازيين يتعاضدان على تحقيق التخييل، إلا أنهما يحتفظان بتمايزهما إن صح الوصف، وإن أباح لهما المستوى الجوهري من المحاكاة نوعاً من التآلف المتعاضد.
ونمرّ عقب ما سبق إلى التناسب المتعلق ببسائط المعاني ثم مركّباتها، فالصّيغ "التي بحسب القسم الرابع: أما الذي بحسب المشاكلة التامة فأن يتكرر في البيت معنى واحد باستعمالات مختلفة، وأمّا الذي بحسب المشاكلة الناقصة فأن يكون هناك معانٍ مفردة متضادة أو متناسبة، كمعنى القوس والسهم، ومعنى الأب والابن. وقد يكون التناسب بتشابه في النسبة، وقد يكون بجهة الاستعمال، وقد يكون باشتراك في الحمل، وقد يكون باشتراك في الاسم، مثال الأول: الملك والعقل. مثال الثاني: القوس والسهم. مثال الثالث: الطول والعرض. مثال الرابع: الشمس والمطر. وربما صرح بسبب المشاكلة وربما لم يصرح. وإذا صرح فربما بحسب الأمر في نفسه، وربما كان بحسب الوضع. والمخالفة إمّا تامة في الأضداد وما جرى مجراها، وإما ناقصة وهي بين شيء ونظير ضده أو مناسب ضده، أو بين نظيري ضدين أو مناسبيهما. وربما كانت المخالفة بسبب يذكر، وربما كانت في نفس الأمر"(76).
فيمكن انضواء التشاكل التام في هذا القسم في خانة المترادف إذ هو تكرار المعنى باستعمالات مختلفة دون أن نغفل الإشارة إلى أنه يفترض في كل استعمال جديد ميلاد لمعنى جديد، ذلك أن لكل لفظ معنى أو معاني خاصة وإن اشترك مع غيره في الحقل المعنوي العام. أما التشاكل الناقص فهو التضاد أو المتناظر حسب وصفه لـه في كتاب المجموع، وهذا شكل من التناسب بين المعاني يسع حقولاً معنوية شتى يجعل المعنيين في نسبة المتلازمين لجهة من جهات التلازم إلا أن تسميته بالتضاد غير دقيق، إذ يصدق التضاد في المتخالف من هذا القسم، حيث يستحيل تطابقاً تاماً في حالة التخالف التام أو شكلاً من أشكال التطابق إذا كان الأمر يتعلق بوضع المعنى، لا بإزاء ضده بل بإزاء نظير ضده أو مناسب ضده أو وضع نظيري الضدين أو مناسبيهما معاً
"وأما الذي بحسب القسم الخامس: فأمّا في المشاكلة فأن يكون معنى مركب من معان وآخر غيره يتشاكل ترتيبهما أو يشتركان في الأجزاء. وأما الذي بالمخالفة فأن يتخالفا في التركيب أو الترتيب بعد الشركة في الأجزاء، أو بلا شركة في الأجزاء: ويدخل في هذه القسمة كقولهم: إما كذا كذا، وإما كذا كذا. والجمع والتفريق كقولهم: أنت وفلان بحر، لكن أنت للغمارة، وذلك للزعاقة. وجمع الجملة لتفصيل البيان كقولهم: "يرجّى" و"يتّقى":
يرجى الحيا منه



وتخشى الصواعق"(77)

تبدو المشاكلة التامة الحادثة هنا بين معنيين مركبين من معانٍ عديدة نتاجاً لتشاكل الترتيب في المعاني الجزئية المحدثة للتركيبين أو لاشتراك في هذه الأجزاء مما يهب التركيبين تشاكلاً تاماً، خاصة إذا تأسس على هذا الاشتراك في الأجزاء ترتيب منسجم متوازن، إذ يبدو المستوى هنا مناظراً لقسم الألفاظ المركّبة المترتّبة وفق علاقات تناسب وحداتها الجزئية. أما التخالف في هذا القسم وإن شكّل نوعاً من الانسجام والتناغم بالتضاد خاصة نوعه المركّب المؤسس على المشترك في الأجزاء، فإنه لا يعدو أن يكون تضخيماً للمطابق، إذ إن من أقسام هذا النوع ما يقع على الجمع والتفريق، وجمع الجملة لتفصيل البيان. والتمثيل لذلك يقوم على تضاد في المعنى، وتشخيص ذلك في تقابل الغمارة والزّعاقة، ويرجّى ويتّقى وكذا ببعض التجوز الحيا والصواعق.
وخلاصة الرأي في هذه التفريعات السينوية لأوجه التناسب العالقة باللفظ والمعنى وأقسامهما، هي أنها امتداد للثنائية الناظمة لفكر ابن سينا المؤسسة على قناعات فكرية عميقة تتجذر أصولها في مصادرها المنطقية والفكرية عموماً.
أما لدى ابن رشد فإنّ التناسب العالق بالألفاظ والمعاني لا يبدو من مرتبة الحيل أو لواحق المحاكاة، بل يكون بالإضافة إلى أصناف الصور المجازية من جوهر الفعل الشعري، ذلك أن "القول إنّما يكون مختلفاً، أي مغيراً عن القول الحقيقي من حيث توضع فيه الأسماء متوافقة في الموازنة والمقدار، وبالأسماء الغريبة، وبغير ذلك من أنواع التغيير"(78). فاعتماد مبدأي التوافق والتوازن في إخراج القول الشعري تحقيق لمرتبة من مراتب الشعرية في القول، إذ إن في التناسب الحادث بين الألفاظ والمعاني كشفاً لاهتمام بالشكل يجعل القول المخرج وفق هذا المنحى متميزاً عن بقية أصناف القول، إلاّ أنه يبدو أن ابن رشد يقصد مخالفة ابن سينا في منح مبدأ الموافقة في إخراج القول قيمة أساسية في تحقيق مبدأ الشعرية. فمستويات التناسب عموماً تتنزل لدى ابن سينا في مرتبة الثانوي أو التحسيني دون أن يغفل أنها محدثة للمحاكمة أيضاً، أما ابن رشد فإنّه يقر بإمكان خلو القول الشعري من أقسام الألفاظ المجازية عموماً، وقيامه على الحقيقي أو المستولي فقط، في حين يمتنع قيام نص شعري دون أن يتحقق في بعض مستوياته شكل من التوافق في الموازنة والمقدار، يقول: "وأما موافقة الألفاظ بعضها لبعض في المقدار ومعادلة المعاني بعضها لبعض وموازنتها، فأمر يجب أن يكون عاماً ومشتركاً لجميع الألفاظ التي هي أجزاء القول الشعري، وذلك أنا نجد الشعراء، وإن استعملوا الألفاظ الحقيقية في المواضع التي يهزأ بهم في استعمالهم إياها، ليس يخلو شعرهم من هذين الأمرين: أعني من الموازنة والموافقة في المقدار. ولكن كان هذا عاماً لجميع أنواع الشعر. وأما الأِشعار التي تأتلف من الأسماء المختلفة فوجود هذا المعنى فيها أبين"(79).
ولعل الذي دعا ابن رشد إلى تبني هذه المواقف إحساسه بفعالية ألوان الانسجام الصوتي في الشعر بما فيها الوزن والقافية، ومقابلها الإيقاعي في الخطابة. إلا أن ما يدعم رأينا في اعتبار موقف ابن رشد من القضية مؤسساً على مبدأ الاختلاف مع ابن سينا، هو أن ابن سينا وإن اعتبر أشكال التناسب من حيل المحاكاة فقد امتد بها لتشمل مراتب خمس، عرضنا لها سابقاً، تطول الألفاظ والمعاني في مراتبها الإفرادية والتركيبية، في حين لم يذكر ابن رشد من هذه المراتب سوى ما علق بالألفاظ الإفرادية في مستوييها الصوتي والمعنوي دون أن يتمكن من فصل الحقلين فصلاً تاماً، وأغفل ذكر التوافق أو التوازن في الأدوات ومقاطع القول والتراكيب، وهذا يتناقض مع اعتباره هذه الأشكال من جوهر الشعر. من هنا يكون اقتصاره على مرتبة التوافق والتوازن في الألفاظ والمعاني في مستواهما الإفرادي، اقتطاعاً لمرتبة واحدة مما ذكر ابن سينا قصد بها أن تعمّ القول الشعري وأن تصبح من جوهر المحاكاة.
ومبدأ الموافقة مبدأ فضفاض يستوعب أشكالاً عدة من أوجه النّسبة الجامعة بين اللفظين في المستوى الصوتي أو المعنوي، يقول: "وموافقة الألفاظ التي ذكر في المقدار هي مقاربة بعضها لبعض في عدد الحروف. وإن وافقت مع هذا في كل اللفظ، أو في بعض اللفظ، فهو الذي يعرف بالمطابقة والمجانسة عند أهل زماننا"(80)، والموافقة في كل اللفظ أو في بعض اللفظ لا يمكن أن يصدق عليها وصف المجانسة إلاّ إذا تضمنت اختلافاً في معاني الألفاظ المتجانسة، علماً بأن وصف هذه العلاقة القائمة بين تناسب الحروف كما نص ابن رشد، لا يمكن أن تنضوي تحت وصف المطابقة إذا اعتمدنا التعريف البلاغي إلاّ إذا اعتبرنا ابن رشد يستعمل اللفظين: المطابقة والمجانسة كمترادفين، أو نحمّل الاصطلاحين معاني أوسع وفق منظور مزدوج، حيث سيكون تقارب الحروف في اللفّظين نوعاً من أنواع المجانسة، واختلافهما في أي درجة من درجات الاختلاف شكلاً من المطابقة. وقد ينسجم هذا التفريق مع هذه المقابلات التي اقتضتها القسمة المنطقية التي أوجدها ابن رشد حين شرع في تعداد أصناف الموافقة التي تكون أنحاء. وذلك أنه لا تخلو الموافقة أن تكون في كل اللفظ وكل المعنى، ومثله قول الشاعر:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء
ومثل قولهم: "طويل النّجاد، طويل العماد". ثم ذكر مقابل النوع السابق وهو أن تكون الموافقة في بعض اللفظ وبعض المعنى، ثم تفرع الموقف إلى هذه المقابلات حيث تتحقق ضمن هذه الأزواج أيضاً: في بعض اللفظ وكل المعنى، أو في كل اللفظ وبعض المعنى، أو تكون في كل اللفظ فقط أو في بعض اللفظ فقط، أو تكون في كل المعنى فقط أو في بعض المعنى فقط: "فمثال الموافقة في بعض اللفظ وبعض المعنى: الأسماء المشتقة من تصريف واحد، وذلك مثل قول المتنبي:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم


وتأتي على قدر الكرام المكارم



ومثال الموافقة في بعض اللفظ وكل المعنى قولهم: درهم ضرب الأمير، ومضروب الأمير. ومثل عكس هذا، أعني في اللفظ وبعض المعنى: الأسماء المشكّكة، والشعراء يستعملونها كثيراً. ومثال الموافقة في كل اللفظ فقط الأسماء المشتركة مثل قول المعري:
مَعَانٍ من أحبّتنا مَعَانُ
ومثل قوله:
فرندك مغتال وطرفك مغتال
ومثال المتفقة في بعض اللفظ فقط قول حبيب:
ما أنت على ذهلية بذاهل
وقول أبي الطيب:
أقلّب الطرف بين الخَيْل والخَوَل
وهذا كله في لغة العرب، مثل الضرب والضرب، والحَمْل والحَمَل، وأشرقت الشمس وشرقت.
ومثال الموافقة في كل المعنى فقط الأسماء المترادفة، مثل قوله: أقوى وأقفر. ومثال المتفقة في بعض المعنى فقط الأسماء المختلفة التي تدلّ من الشيء الواحد على جهات مختلفة، مثل الصّارم والذّكَر. والقوافي عند العرب هي موافقة في المقدار وفي بعض اللفظ: وذلك إمّا في حرف واحد وهو الأخير، وإمَّا في حرفين وهو الذي يعرفه المحدثون بـ: "اللزوم"(81).
فإذا كانت الموافقة في كل اللفظ وفي كل المعنى تدخل في باب المتكرر "الموت، طويل" فإن التمثيل بالعزم والعزائم للمتوافق في بعض اللفظ وبعض المعنى غير دقيق، إذ ليست العزائم إلا جمعاً للعزم، ولعل ابن رشد يعتبر أن في صيغة الجمع اختلافاً عن المفرد، وهذا يقتضي وضعها ضمن المتوافق في بعض اللفظ وكل المعنى. ولكن لا يمكن اعتبار ما سبق من المجانس أبداً بحسب التحديد البلاغي، فضلاً عن أنّ أمثلة الموافق في كلّ المعنى وبعض المعنى لا تدخل تحت المتطابق، إلا إذا اعتبرنا النسبة الحاصلة بين المعاني المترادفة نوعاً من أنواع التطابق. وكان يمكنه أن يعتبر هذه الأنماط من التوافقات من خصائص القول الشعري قد تشمل التجنيس كما في بعض الأمثلة الباقية: "معان. معان. مغتال: مغتال. ذهلية: ذاهل..."، وقد لا تشمله إنّما تقوم على ألوان من التوازن المعنوي واللفظي عموماً لتحقيق خصائص الشعرية في القول إذ إن من جوهرها قصد التناسب.
ويعتبر مبدأ التوافق لدى ابن رشد استغلالاً لما أسماه ابن سينا بالتشاكل في مرتبة بسائط الألفاظ في منزلتي التشاكل الذي يكون في اللفظ بحسب ماهو لفظ، والذي يكون فيه بحسب المعنى، في حين يمثل التوازن استثماراً لما أورده ابن سينا في قسم التشاكل الواقع في بسائط المعاني مع تغيير طفيف في بعض الأمثلة، يقول ابن رشد: "وأما الموازنة في أجزاء القول فهي على أنحاء أربعة: أحدها أن يأتي بالشيء، وشبيهه، مثل الشمس والقمر، أو يأتي بالأضداد، مثل الليل والنهار، أو يأتي بالشيء وما يستعمل فيه، مثل القوس والسهم والفرس واللجام، أو يأتي بالأشياء المناسبة، مثل الملك والإله. وهذه المناسبة إنما تؤخذ من أربعة أشياء. ومن هذا الباب عيب على الكميت:
تكامل فيه الدّلّ والشّنب
لأن الدّلّ غير شبيه بالشنب(82).
والخلاصة أن أشكال التناسب التي تطول الألفاظ والمعاني وإن شملت مساحة الدلالة والصوت في القول خاصة، يدعمها فهم أولي للتركيب كما بدا في ما سلف من أمثلة خصوصاً في حالة اعتماد الترتيب في الألفاظ والمعاني في العبارات المركبة حسب رأي ابن سينا، أو كما تظهر في قول ابن رشد مبيناً دور التركيب في إحداث التغيير في الخطابة، إذ يقول: "والإغرابات التي تنجح في هذه الصناعة من قبل التركيب الغير المعتاد في الأقاويل هي أيضاً تغييرات، يريد بحسب التركيب لا بحسب الألفاظ المفردة، وذلك فيما أحسب، مثل التقديم والتأخير والحذف والزيادة والإغرابات الغريبة"(83) يبدو أنّها تفريعٌ لموقف من اللفظ والمعنى أو الشكل والمضمون عموماً، مع الإقرار بامتداد الإلحاح على هذه الأنماط من أوجه التناسب المعنوي واللفظي في القول الأدبي عموماً كالخطابة التي يشترط فيها تحقيق التناغم الصوتي في أواخر الفقر الكلامية، واعتماد التفصيل في هذه الأقاويل بأن تكون أواخرها على صيغ واحدة أو اعتماد تكرار لفظ بعينه، وتفريعات ذلك في ما يسميه ابن رشد بالكرور والعطوف وغيرها(84). فعلى الرغم من تنزيل وجوه التناسب السابقة المحققة عامة لأشكال من الهيئات التحسينية الملحقة بالمحاكاة في مستواها الجوهري في ركن الصوت والدلالة والتركيب، فإنّها تظل محكومة برأي الفلاسفة في صلة الألفاظ بالمعاني، علماً بأن تخصيص القول الشعري أو الأدبي عموماً بوضعه في خانة المغاير للعادي لم ينبن عليه الإيمان بجدوى السياق وفعاليته في بناء الدّلالة.
أما عند أبي حيان التوحيدي فإن معتمده يكون على اللفظ والمعنى، وعلى النظم. ويبدو لأول وهلة، وهو يتحرك في مسار ثنائي يفصل العنصرين، أنّه يؤمن بتقديم طرف على آخر، فمما يمكن أن يكون دليلاً على هذا التوجه ما يرويه عن بعضهم داعياً إلى ضرورة الاعتناء باللفظ الموثق والتأليف المعجب، إذ "ما أكثر ما رد صالح معناه لفاسد لفظه، وقبل فاسد معناه لصالح لفظه"(85)، إلاّ أنه لا يلبث أن يستدرك في أكثر من موضع ملحاً على ضرورة الاعتناء بالعنصرين. من هذه المواضع قولـه: "ولا تعشق اللفظ دون المعنى
ولا تهوَ المعنى دون اللفظ"(86)، ذلك أن "أحسن الكلام ما رق لفظه، ولطف معناه"(87)، و "لأن المعاني ليست في جهة والألفاظ في جهة، بل هي متمازجة متناسبة والصحة عليهما وقف"(88). من هنا يكون من ضرورات البلاغة عنده في مراتبها المختلفة، إذ يراها حسب ما يرويه عن أبي سليمان ضروباً، منها "بلاغة الشعر، ومنها بلاغة الخطابة، ومنها بلاغة النثر، ومنها بلاغة المثل، ومنها بلاغة العقل، ومنها بلاغة البديهة، ومنها بلاغة التأويل"(89). أقول: يكون من ضرورات البلاغة عنده الاعتناء باللفظ والمعنى معاً في أغلب ضروبها، مما يجعل إمكانية اختيار الدوال وفق مقاصد القول ضرورة أسلوبية تقتضي تحقيق خصائص الفصاحة في الألفاظ والوضوح في المعاني والشهرة أو اللطف، حسب ضرورات الموضع ومتطلبات المقام(90).
لكن الموقف من المعنى واللفظ لا يلبث أن يمتد ليشمل النظم اللاحم لهما، وبدخولـه حقل القول البليغ لدى التوحيدي ارتقاء إلى مرتبة الجمع بين ركني القول اللذين هما المعنى واللفظ، إذ "ينبغي أن يكون الغرض الأول في صحة المعنى، والغرض الثاني في تخيير اللفظ. والغرض الثالث في تسهيل النظم وحلاوة التأليف، واجتلاب الرونق، والاقتصاد في المؤاخاة، واستدامة الحال ليستمر الثاني على الأول، والثالث على الثاني"(91)، ويبدو أن وظيفة النظم هنا لا تتجاوز طابع الرصف الجامع لشتات الدوال، إلا أنه بمقابلة دلالة النظم هنا بدور النحو في الكلام وفي تحصيل المعنى إذ "أن الكلام كالجسم والنحو كالحلية، وأن التمييز بين الجسم والجسم إنما يقع بالحلي القائمة والأعراض الحالّة فيه، وأن حاجته إلى حركة الكلمة بأحد وجوه الإعراب حتى يتميز الخطأ من الصواب كحاجته إلى نفس الخطاب"(92)، وحاجة الكلام إلى النحو أكيدة إذ لها علاقة بمعناه حيث "يتغير المراد فيه باختلاف الإعراب"(93) فقد تمكننا من استشفاف تصور أولي لعلاقة نظم الكلام بالنحو، حيث قد تقترب هذه الصلة من الوعي بالمستوى التركيبي، وعلاقة النحو أو معانيه برباط الوحدات في السياق، إذ يروي التوحيدي عن أبي سعيد السيرافي في مناظرته متى بن يونس قوله: "معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته، بين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير وتوخّي الصواب في ذلك وتجنب الخطأ من ذلك"(94). فدلالة معاني النحو هنا لا تقتصر على حركات الإعراب أو الوقاية من الخطأ وقصد الصواب بل تتخلل تأليف الكلام وتتحكم في ترتيب وحداته مع مراعاة مواضعها، ولو ارتبطت هذه الوظيفة بالنظم صراحة لكانت خطوة أعمق في فهم بنية الكلام.
ويحاول التوحيدي الاقتراب من فهم بنية الكلام باعتماد تشبيهه بالعقد، فينطلق من ضرورة اختيار الدوال ليتعاضد حسنها في مرحلة التوزيع ذلك أن بلاغة المركّب تتأسس على عناصر مكتملة الحسن في ذاتها، إذ إن "شبه الحروف والأسماء المركبة منها ونظم الأسماء بالعقود والسّموط المؤلفة من خرزات مختلفة في القد واللون والجوهر والخرط. وقد علم أن للعقد المنظوم من النفس ثلاثة مواضع أحدها مفردات تلك الخرز واختيار أجناسها وجواهرها. والثاني موقع النظم الذي يجعل للحبة إلى جانب الحبة قبولاً آخر، وموضعاً من النفس ثانياً، والثالث وضع كل واحد من هذه العقود في خاص موقعه من النحر والرأس والزند والصدر"(95).
وإذا كانت مرتبة الحروف المقابلة لمرتبة مفردات الخرز طبيعة كما يرى، لا صنع فيها للبشر، ولا يظهر فيها أثر للصنعة التي يتحدد مجالها بقسمي التركيب والنظم، فإنّه في قسم التركيب الذي تمزج فيه الحروف لتؤلف وحدة دالة تتجسّد أول مراتب المزية، من هنا: "يجب أن يكون بعض الأسماء أحسن من بعض، وأعذب في السمع، وأقرب إلى قبول النفس، وبعضها أبعد في هذه الأشياء"(96). فإذا اكتمل للأسماء الانتقاء وفق شروط الفصاحة أمكن تحقيق المرتبة الثالثة التي يوجدها تضام الوحدات في مستوى النظم من الكلام حيث هنا "تظهر صناعة الخطابة والبلاغة والشعر. وذلك أنه إذا اختار المختار الحروف المؤلّفة بالأسماء حتى لا يكون فيها مستكره ولا مستنكر، ووضعها من النظم في مواضعها، ثم نظمها نظماً آخر –أعني وضع الكلمة إلى جنب الكلمة- موافقاً للمعنى غير قلق في المكان، ولا نافر عن السمع، فقد استتمت له الصناعة، إما شعراً وإما خطبة وإما غيرها من أقسام الكلام. ومتى دخل عليه الخلل في أحد هذه المواضع الثلاثة اختلت صناعته، وأبت النفس قبول ما نظمه من الكلام بحسب ذلك"(97).
فأبو حيان التوحيدي يتحرك في ضبط حدود بلاغة القول في محاور المعنى واللفظ والنظم ولا يصادر على طرف ويغفل آخر، بل تمتد خواصّ النص الأسلوبية لديه لتغطي العناصر كلها، حيث يشكل فيها النظم مرتبة لاحقة لاكتمال مواصفات بلاغية ينبغي توفرها في المعنى واللفظ، وبها يتحقق لهما الحسن الذاتي الذي يكون جماعه في النظم الضام للطرفين. ومع أن النظم لا يؤسس جوهر الكلام البليغ كما سيتحقق في أنضج تصوره لدى بعض المتكلمين، فإن دلالته إذ تتضمن معنى التأليف مستفيدة من الوظيفة النحوية، تكشف عن المدى الذي يمكن أن يتحقق بالتأليف فيحيل الكلام نصاً أدبياً يكون خطبة أو شعراً أو ما أشبههما.
تحليل الطراغوذيا (المديح الشعري)
والمصادرة علىالمضمون والشكل

إذا عدنا إلى الفلاسفة الإسلاميين لنؤكد المنظور الثنائي الذي يتضمن ما يتصورونه بنية للنص الأدبي معاني وألفاظاً، فلن نجد أفضل من وقفة مكثفة أخيرة نتابع فيها تحديدهم نوعاً شعرياً متميزاً، هو الطراغوذيا أو المديح الشعري الذي يشكل منطلق ما يعتمدونه من تحليل لفعالية الشعر عموماً ولبنية النص خصوصاً، حيث ستتجمع العناصر أو الأقسام المُشكِّلة للمديح الشعري منتظمة في ثنائية ما به يحاكى، ومحتوى المحاكاة. ونحن إذ نتوقف عند هذا النوع الشعري مدلّلين به على المسار النظري الضابط لرأي الفلاسفة في المحتوى والشكل، لا نغفل الإشارة إلى أن الفلاسفة الإسلاميين ذكروا أنواعاً شعرية عديدة مستعينين بأرسطو أو بشرّاحه(98) معرّفين كل نوع على حِدة، ذاكرين وظيفته، وإن لم ينبن على ذلك تفريع لخواص هذه الأنواع جملة، وهي لا تعدو -في الغالب- أن تكون تفريعات من نوعي الشعر البارزين اللذين هما الطراغوذيا والقوموذيا لدى ابن سينا أو المديح والهجاء عند غيره(99).
تتحدّد الطراغوذيا لدى ابن سينا بكونها "محاكاة فعل كامل الفضيلة عالي المرتبة، بقول ملائم جداً، لا يختص بفضيلة جزئية، تؤثّر في الجزئيات لا من جهة الملكة، بل من جهة الفعل، محاكاة تتفاعل معها الأنفس برحمة وتقوى. وهذا الحدّ قد بين فيه أمر الطراغوذيا بياناً على أنه يذكر فيه الفضائل الرفيعة كلّها بكلام موزون لذيذ، على جهة تميل الأنفس إلى الرقّة والتقية. وتكون محاكاتها للأفعال، لأن الفضائل والملكات بعيدة عن التخيّل وإنما المشهور من أمرها أفعالها. فيكون الطراغوذيا يقصد فيه لأجل هذه الأفعال أن يكمل أيضاً بإيقاع آخر واتفاق نغم يتم به اللّحن. ويجعل له من هذه الجهة إيقاع زائد على أنواع أوزانه في نفسه. وقد يعملون عند إنشاء طراغوذيا باللحن أموراً أخرى من الإشارات والأخذ بالوجه تتم بها المحاكاة"(100). فالطراغوذيا تقوم على محاكاة فعل بقول ملائم يدعمه وزن لذيذ. وقد تكمل بنغم ولحن، وفي أحيان أخرى بأشكال وهيئات المنشدين والقصد منها التمثيل حسب فهم الفلاسفة له
(101)، ذلك أن الطراغوذيا "يجب أن تكون كاملة فيما تعمل من المحاكاة وأن تعظّم الأمر الذي تقصده. فإن تلك المعاني قد تقال قولاً مرسلاً من غير الرونق والفخامة والحشمة"(102). والذي يكفل للمعاني الرونق والفخامة هو إعطاء عناصرها وخصائصها حقها، إذ إن المحاكاة باعتبارها الجوهر المحقق لشعرية القول يكون كمالها في الصياغة الصّورية للمعنى الذي يتمثل في الطراغوذيا في أفعال، جانبها الأخلاقي المشكل لجوهر القيمة لا يهمنا بل إن المهم في مقامنا هو أن هذا الفعل يشكل في نظر ابن سينا قاعدة المعنى الذي إن أتيح له الإخراج الجميل بالقول المدعوم بعناصر الإيقاع والنغم كملت للطراغوذيا خصائصها، ذلك أن الشعر عموماً يحاكي بثلاثة أشياء: باللحن الذي يتنغم به، وبالكلام نفسه إذا كان مخيلاً محاكياً، وبالوزن(103).
وانطلاقاً مما سلف يمكن أن نفصّل العناصر المحدثة للطراغوذيا ضمن هذه القناعة القائمة على مقابلة المعنى باللفظ الممتدّة في كون القصيدة عامّة، ذلك أنّ "أجزاء الطراغوذيا التامة عندهم ستة: الأقوال الشعرية والخرافية والمعاني التي جرت العادة بالحث عليها، والوزن، والحكم، والرأي بالدعاء إليه، والبحث والنظر، ثم اللحن. فأما الوزن، والخرافة، واللحن، فهي ثلاثة تقع بها المحاكاة. وأما العبارة والاعتقاد، والنظر فهو الذي يقصد محاكاته، فيكون الجزآن الأوّلان له: أحدهما ما يحاكي، والثاني ما يحاكى. ثم كل واحد منهما ثلاثة أقسام"(104).
تتمحور العناصر المحققة للطراغوذيا في: المحاكاة الوزن واللحن، وهذه تشكل الصّورة المقابلة للهيولى المتمثلة هنا في المعاني التي تتفرع إلى عادات واعتقادات، ونظر ويراد به الحجج التي تدعم القيم والعادات الأخلاقية التي ينبغي ترسيخها في الجمهور. وكل ذلك ينبغي أن يتشخص في فعل، ويتّسم هنا بطابع السلوك الخيّر المتمثّل في مناقب الممدوح أو الموصوف عامة، ولا ينبني في حدث، إذ لو تشكّل وفق هذا الفهم لكان الأمر أقرب إلى الوعي ببناء التراجيديا، هذا البناء الذي تتحدّد كينونته في الفعل، أو الحدث المحاكى بما يفترضه من إدراك للشخصيات الفاعلة للأحداث وعناصر البناء المشكلة للتراجيديا عموماً. لكن فهم ابن سينا يتحرك ضمن ثنائية الصورة والهيولى، إذ سيتحدد للطراغوذيا كيانها بالانطباع الشعري للعناصر الشكلية على المعاني الممثّلة للمستوى الهيولاني، فيتكامل بهذا الانطباع الكيان الوجودي للطراغوذيا.
يتأسس فهم ابن رشد لبناء المديح الشعري المقابل عنده للطراغوذيا على المنطلقات نفسها، ففضلاً عن الحد الذي يذكره له الذي لا يكاد يختلف عن حد ابن سينا(105)، نرى في أقسام المديح الستة وتفصيلها لديه ترسيخاً لهذا المنحى، إذ كما يرى "يجب أن تكون أجزاء صناعة المديح ستة: الأقاويل الخرافية، والعادات، والوزن، والاعتقادات، والنظر، واللحن. والدليل على ذلك أنّ كل قول شعري قد ينقسم إلى مشبّه ومشبّه به، والذي به يشبّه ثلاثة: المحاكاة، والوزن، واللحن. والذي يشبه في المدح ثلاثة أيضاً: العادات والاعتقادات، والنظر، أعني الاستدلال لصواب الاعتقاد، فتكون أجزاء صناعة المديح ضرورة: ستة"(106)، فكل قول شعري عند ابن رشد ينقسم إلى مشبّه ومشبّه به، وتتحقق خصوصية هذا النوع أو ذاك بحسب محتوى المحاكاة علماً بأن ميزة الشّعر تكمن في طريقة تقديمه المعنى، إلا أن عملية الفصل لدى ابن رشد بين ما يحاكي ويحاكى تبدو كالآلية، إذ كما يرى أن "أوّل أجزاء صناعة المديح الشعري في العمل وهو أن تحصى المعاني الشريفة التي بها
يكون التخييل، ثم تكسى تلك المعاني اللحن والوزن الملائمين للشيء المقول فيه"(107)، والتعبير بالكسوة كافٍ في التدليل على فهم ابن رشد للعلاقات الشاملة لعناصر القول. ولابن سينا رأي قريب من رأي ابن رشد في كيفية صناعة الطراغوذيا، إذ يرى أن "أوّل أجزاء الطراغوذيا هو المقصود من المعاني المتخيّلة والوجيهة ذات الرّونق. ثم يبنى عليها اللحن والقول. فإنهم يحاكون باجتماع هذه. ومعنى القول: اللفظ الموزون"(108).
وهذا الموقف المميّز بين محتوى العمل الشعري وشكله حيث تتحقق خصائص الشعر في المحاكاة والوزن، واللحن أحياناً، هو الذي يمكّن الفلاسفة من ضبط حد النوع الشعري الذي يبتغون، ذلك أن الاحتفاظ بخصائص الشكل أو ما به يحاكى يكون مطلقاً، ويحتاج الحد في كل صياغة إلى حصر محتوى النوع الجديد، نلتمس ذلك في تعريف الأشعار القصصية المقابلة للملحمة التي يبدو "سبيلها في الأجزاء التي هي المبدأ والوسط والنهاية سبيل أجزاء صناعة المديح. وكذلك المحاكاة. إلاّ أن المحاكاة ليس تكون للأفعال فيها، وإنّما تكون للأزمنة الواقعة فيها تلك الأفعال، وذلك أنه إنما يحاكى في هذه كيف كانت أحوال المتقدم مع أحوال المتأخر، وكيف تنقل الدول والممالك والأيّام"(109).
والخلاصة أن وعي الفلاسفة بتميز الخطاب الأدبي عموماً والشعري خصوصاً بصياغة لغوية مخصوصة لم تترجمه المعاينة المُحللِّة للنص إلى إدراك عميق لتفاعل مستوياته بقدر ما ظل تأكيد خاصية التوازي بين العناصر وتوافقها هي السّمات الغالبة على فهم علائقها المُشكلِّة للنص.

c
هوامش الفصل الثالث:

(1)المدخل من الشفاء: 23.
(2)ينظر مدخل البحث.
(3)تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات: 100.
(4)كتاب الموسيقى: 1092.
(5)نفسه.
(6)الفارابي، الحروف: 87.
(7)نفسه: 225.
(8)ابن سينا، فن الشعر: 174.
(9) نفسه: 163.
(10)ابن رشد، كتاب الشعر: 242.
(11)الرسائل 3: 129.
(12) نفسه: 243
(13) أبو حيان التوحيدي، المقابسات: 170.
(14) أبو حيان التوحيدي، مثالب الوزيرين: 294. ينظر: الإمتاع والمؤانسة 3: 144.
(15)ينظر: ألفت الروبي، نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين: 153...
(16)الفارابي، الحروف: 164.
(17)الفارابي، كتاب في المنطق: العبارة: 19.
(18)ابن سينا، فن الشعر: 192.
(19) نفسه: 193.
(20) نفسه:237-238. ويتعرض ابن رشد لنفس الموضوع في مواضع مختلفة من تلخيص الخطابة، كقوله في ص: 531 إن الألفاظ المفردة كانت اسماً أو كلمة أو حرفاً، تنقسم من جهة أنحاء دلالاتها ثمانية أقسام: منها المستولية، ومنها المغيّرة، ومنها الغريبة، ومنها اللغات، ومنها المزينة، ومنها المركبة، ومنها المغلطة، ومنها الموضوعة.
(21)نفسه: 238-239.
(22)ينظر: ابن رشد، تلخيص الخطابة: 540.
(23)نفسه: 542.
(24)الفارابي، الحروف: 141.
(25)ابن سينا، فن الشعر: 193.
(26)ابن رشد، تلخيص الخطابة: 547.
(27)ابن رشد، كتاب الشعر: 242.
(28)نفسه: 243.
(29)أبو حيان التوحيدي، المقابسات: 245.
(30)نفسه: 145.
(31)أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة: 125.
(32)ينظر: الفارابي، رسالة في قوانين صناعة الشعراء: 150-151. كتاب الشعر: 93-94. إحصاء العلوم: 67-68. فصول منتزعة: 62... الألفاظ المستعملة في المنطق: 98-99. ابن سينا، البرهان: 63. قسم المنطق من النجاة: 5-6. قسم المنطق من الإشارات: 195. جوامع علم الموسيقى: 122-123. عيون الحكمة: 13-14. كتاب المجموع... في الشعر: 15. القياس من الشفاء: 55-56. فن الشعر: 161-162. ابن رشد: كتاب الشعر: 203. جابر عصفور، مفهوم الشعر: 241... ألفت الروبي، نظرية الشعر: 113... الأخضر جمعي، نظرية الشعر: 20...
(33) ابن سينا، فن الشعر: 168.
(34)ينظر: الكندي، الرسائل 1: 110-111، الفارابي، كتاب آراء أهل... 147-148. السياسة المدنية: 85.... ابن مسكويه، الفوز الأصغر: 83. ابن سينا، قسم الحكمة الإلهية من النجاة: 501-502. ابن باجة، الرسائل الإلهية: 167... ابن طفيل، حي بن يقظان: 121-126. ابن رشد، مناهج الأدلة: 249-250-251. كذا: 172-173. تلخيص الخطابة: 19... فصل المقال: 46-48. تلخيص كتاب الجدل: 501. تلخيص كتاب المغالطة: 671. الأخضر جمعي، نظرية الشعر: 28...
(35)ينظر للاطلاع على هذه الأقسام: جابر عصفور، الصورة الفنية: 26... ألفت الروبي، نظرية الشعر: 19... الأخضر جمعي، نظرية الشعر: 182...
(36)ينظر: الأخضر جمعي، نظرية الشعر: 74...
(37) ابن سينا، قسم المنطق من الإشارات: 199.
(38)نفسه: 200.
(39) ابن سينا، فن الشعر: 161-162.
(40)نفسه: 162.
(41)نفسه: 163.
(42)ابن سينا، كتاب المجموع... في معاني كتاب الشعر: 21-22-23.
(43)ابن سينا، فن الشعر: 195.
(44)الفارابي، كتاب الشعر: 92.
(45)نفسه: 91.
(46)ابن رشد، كتاب الشعر: 203.
(47)نفسه: 247.
(48)الفارابي، كتاب الشعر: 92.
(49)ابن سينا، فن الشعر: 160.
(50)ابن رشد، كتاب الشعر: 904.
(51)ابن سينا، فن الشعر: 189. ينظر: ابن رشد، كتاب الشعر: 229-230.
(52) ينظر: الكندي، الرسائل 1: 376. الفارابي، كتاب الشعر: 93-94-95. رسالة في قوانين صناعة الشعراء: 157. ابن سينا، فن الشعر: 167-168-171. كتاب المجموع... في معاني كتاب الشعر: 17... ابن رشد، كتاب الشعر: 201... تلخيص الخطابة: 607... الخوارزمي، مفاتيح العلوم: 58. جابر عصفور، الصورة الفنيّة: 444. ألفت الروبي، نظرية الشعر: 201. الأخضر جمعي، نظرية الشعر: 187.
(53)ينظر: ابن رشد، كتاب الشعر: 242. الكندي، الرسائل 1: 376. الخوارزمي، مفاتيح العلوم: 58.
(54)ينظر للإحاطة بمهمة الشعر عند الفلاسفة: ألفت الروبي، نظرية الشعر: 125... الأخضر جمعي، نظرية الشعر: 129...
(55)ينظر لإيفاء هذه المسائل حقها من الاطلاع: جابر عصفور، مفهوم الشعر: 367... ألفت الروبي، نظرية الشعر: 248... الأخضر جمعي، نظرية الشعر: 209...
(56)الفارابي، رسالة في قوانين صناعة الشعراء: 152.
(57)الخوارزمي، مفاتيح العلوم: 49.
(58)مسكويه، الهوامل والشوامل: 309.
(59)ابن سينا، فن الشعر: 165. كتاب المجموع... في معاني كتاب الشعر: 30.
(60)ابن رشد، كتاب الشعر: 232.
(61)ينظر: جابر عصفور، مفهوم الشعر: 367... الأخضر جمعي، نظرية الشعر: 167... 210...
(62)ابن سينا، رسالة في ماهية العشق: 17.
(63)أخوان الصفا، الرسائل 1: 262. وكذا: 167-177-190. ينظر: جابر عصفور، الصورة الفنية: 287.
(64)الفارابي، كتاب الموسيقى: 11.
(65) الفارابي، إحصاء العلوم: 69.
(66)الفارابي، الألفاظ المستعملة في المنطق: 92.
(67)الفارابي، رسالة في قوانين صناعة الشعراء: 157.
(68)ابن سينا، جوامع علم الموسيقى: 7.
(69)ابن سينا، كتاب المجموع... في معاني كتاب الشعر: 21.
(70)ابن سينا، فن الشعر: 193. وكذا: كتاب المجموع... في معاني كتاب الشعر: 21-22-23.
(71)نفس المصدرين: 163/24.
(72)نفس المصدرين: 16323-24. ينظر: ألفت الروبي، نظرية الشعر: 170...
(73)نفس المصدرين: 163-164/24-25-26.
(74)نفس المصدرين: 164/26-27-28.
(75)نفس المصدرين: 164/28.
(76)نفس المصدرين: 165/28-29.
(77)نفس المصدرين: 165/29.
(78)ابن رشد، كتاب الشعر: 242.
(79)نفسه: 239.
(80)نفسه.
(81)نفسه: 239-240-241.
(82)نفسه: 241.
(83)ابن رشد، تلخيص الخطابة: 623. ينظر: كتاب الشعر: 243-244.
(84)نفسه: 596.
(85)مثالب الوزيرين: 11.
(86)الإمتاع والمؤانسة 1: 10.
(87)نفسه 2: 145.
(88)البصائر والذخائر. م3/1: 50. ينظر: 2/1: 92.
(89)الإمتاع والمؤانسة 2: 140-141.
(90)نفسه 1: 64-65. جزء 2: 140...

(91)أبو حيان التوحيدي، مثالب الوزيرين: 94. ينظر: البصائر والذخائر. م 3/2: 422-423.
(92)أبو حيان التوحيدي، البصائر والذخائر: 181.
(93)أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة 1: 102.
(94)نفسه 1: 121.
(95)أبو حيان التوحيدي. مسكويه، الهوامل والشوامل: 21.
(96)نفسه: 23.
(97)نفسه.
(98)ينظر: الفارابي، رسالة في قوانين صناعة الشعراء: 152... ابن سينا، فن الشعر: 166-167.
(99)ينظر: الكندي، الرسائل 1: 382. الفارابي، رسالة في قوانين صناعة الشعراء: 151-152. ابن سينا: فن الشعر: 166-169-172... ابن رشد، كتاب الشعر: 201-208-245.
(100)ابن سينا، فن الشعر: 176.
(101)ينظر: الأخضر جمعي: نظرية الشعر: 111...
(102)ابن سينا، فن الشعر: 181.
(103)نفسه: 168.
(104)نفسه: 177-178.
(105)ينظر: ابن رشد، كتاب الشعر: 208-209.
(106)نفسه: 209-210.
(107)نفسه: 209.
(108)ابن سينا، فن الشعر: 177.
(109)ابن رشد، كتاب الشعر: 245. ينظر: ابن سينا، فن الشعر: 194.

cc

Eng.Jordan
11-07-2013, 04:01 PM
الفصل الرابع
المتكلمون بين ثنائيّة
اللفظ والمعنى والنظم


النص الأدبي في دراسات الإعجاز قبل عبد القاهر

تراوح فهم المتكلمين للنص بين ثنائية اللفظ والمعنى، والنظم، ولم يكد الحسم يكون بيّناً في إسناد هذه الفعالية إلى النظم إلا مع عبد القاهر، في حين ظل سابقوه يقرون مزايا للفظ والمعنى مع تبني فهم للنظم بدلالات مختلفة ومتفاوتة، اقتربت عند القاضي عبد الجبار من مستوى النضج حيث بدأ الأساس اللغوي والنحوي للنظم في التشكيل.
ومن هنا استقام في أذهان هؤلاء رؤية النص الأدبي من منظور ثنائية اللفظ والمعنى، دون أن يتخلوا عن الضابط لهذين الشقين واللاحم لهما بطريقة الإضافة الخارجية عموماً، مصطلحين على تسمية هذه العلاقة الضامة لعناصر النص باصطلاحات تبدو مترادفة كالسبك والانتظام والرصف...
فقد بدأ النظم فضفاضاً قابلاً لاستيعاب دلالات مختلفة، ذلك أنه على مستوى أولي تحدد مرادفاً للطريقة، أو النوع الأدبي في نصوص كل المتكلمين السابقين لعبد القاهر، فالعادة، كما يرى الرماني "كانت جارية بضروب من أنواع الكلام معروفة: منها الشعر ومنها السجع ومنها الخطب ومنها الرسائل، ومنها المنثور الذي يدور بين الناس في الحديث، فأتى القرآن بطريقة مفردة خارجة عن العادة لها منزلة في الحسن تفوق به كل طريقة"(1)، وهذا الفهم للنظم المرادف الطريقة وارد عند الخطابي في مثل قوله متحدثاً عن فصاحة العرب حيث إنهم "مقتدرون على التصرف في أودية الكلام، عارفون بنظومه قصيده ورجزه وسجعه، وسائر فنونه"(2). ولقد تواتر ذكر النظم في أعمال الباقلاني وجهاً من وجوه إعجاز القرآن، حيث "إنه بديع النظم، عجيب التأليف متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه"(3)؛ غير أن دلالته الأولى تمر عبر الفهم السالف الذكر ذلك "أن نظم القرآن على تصرف وجوهه، وتباين مذاهبه، خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم"(4).
ومع أن القاضي عبد الجبّار يورد نصاً لشيخه "أبي هاشم" يحدد فيه فهمه للفصاحة والنظم، وهو قوله: "إنما يكون الكلام فصيحاً لجزالة لفظه، وحسن معناه، ولابد من اعتبار الأمرين، لأنه لو كان جزل اللفظ، ركيك المعنى لم يعد فصيحاً، فإذن يجب أن يكون جامعاً لهذين الأمرين، وليس فصاحة الكلام بأن يكون له نظم مخصوص، لأن الخطيب عندهم قد يكون أفصح من الشاعر، والنظم مختلف إذا أريد بالنظم اختلاف الطريقة"(5)، إلا أنه لا يتخلى عن هذا المستوى من فهم النظم في مناظراته وحجاجه الخصوم فهو يجمل رأيه إثر بسطه هذه الفكرة في قوله إنا "جعلنا الطريقة الخارجة عن العادة في النظم مؤكدة لكونه معجزاً إذا كان له رتبة عظيمة في الفصاحة"(62).
والحق أن هذا الفهم للنظم لا يعدو أن يكون شرحاً أولياً لمدلوله، يتحدد للقرآن فيه الإقرار بتميز نوعي ضمن فنون القول المختلفة. هذا التحديد الخارجي الأول الهادف إلى إخراج القرآن من كل التباسات القول الشائعة يمثل أساساً مبدئياً تقوم عليه الآراء المفرعة للقول في القرآن مضموناً وشكلاً. ومن هذا المستوى يندرج البحث في عناصر النص المشكلة لبنيته وذلك في مستوى أول لا يعدو تصوره أن يكون إحساساً بصلة بين عنصري المعنى واللفظ، أو بنوع من اللحمة السابكة للعناصر.
فإذا كان التلاؤم عند الرماني "تعديل الحروف في التأليف"(7)، هذا التأليف المتفرع إلى: متنافر، ومتلائم في الطبقة الوسطى، ومتلائم في الطبقة العليا، فإن فائدة هذا التلاؤم في الكلام تتبدى في "حسن الكلام في السمع، وسهولته في اللفظ، وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليه من حسن الصورة وطريق الدلالة"(8).
وعلى الرغم من أن مبحث التلاؤم من مباحث الفصاحة يعرض للحروف وانسجامها في الكلمات، وأسباب ذلك العائدة إلى قوانين وشروط تراعي كيفية تأليف الوحدات الدالة، وإلى صور مخصوصة توفر لها حسن السمع، فإن الامتداد به إلى مستوى شامل يغطي نصاً قرآنياً أو شعرياً كشف لتصور أولي بضرورة مراعاة قدر من انسجام النص وإن بدا في شكل لفظي لا يتجاوز المستوى الصوتي، إلا أن إحساساً أولياً بخيط جامع لعناصر النص ينضاف إلى جمال الصورة أو عذوبة اللفظ يبدأ في الظهور عند الرماني، فإذ يعلل جمال بعض التشبيهات القرآنية المقر بحسنها يتساءل عن الكيفية التي يكون عليها هذا التشبيه، "إذا تضمن مع ذلك حسن النظم وعذوبة اللفظ وكثرة الفائدة وصحة الدلالة"(9)، والإقرار بعذوبة اللفظ، وكثرة الفائدة، معناه إسناد الحسن إلى اللفظ والمعنى، غير أن إضافة حسن النظم كشف عن وعي بفعالية ثالثة تنضاف إلى عنصري الجمال السابقين، ومع ذلك لا يمكن ضبط مدلول النظم في النص السابق بدقة، غير أن ذكره مع اللفظ والمعنى يكاد يقرب معناه من مفهوم التأليف، الذي يبدو واضحاً في قول الرماني "والكلام لايخلو من أن يكون باسم أو صفة أو تأليف من غير اسم للمعنى أو صفة، كقولك: غلام زيد، فهذا التأليف يدل على الملك من غير ذكر له باسم أو صفة. ودلالة الاشتقاق كدلالة التأليف في أنه من غير ذكر اسم أو صفة، كقولك، قاتل تدل على مقتول وقتل من غير ذكر اسم أو صفة لواحد منهما، ولكن المعنى مضمن بالصفة المشتقة، وإن لم تكن له. ودلالة الأسماء والصفات متناهية، فأما دلالة التأليف فليس لها نهاية، ولهذا صح التحدي فيها بالمعارضة لتظهر المعجزة، ولو قال قائل: قد انتهى تأليف الشعر حتى لا يمكن لأحد أن يأتي بقصيدة إلا وقد قيلت فيما قيل لكان ذلك باطلاً، لأن دلالة التأليف ليس لها نهاية كما أن الممكن من العدد ليس لـه نهاية يوقف عندها لا يمكن أن يزاد عليها. والقرآن كله في نهاية حسن
البيان"(10)، فالتأليف حسب هذا الفهم مؤدّ إلى حصول دلالة لا توجد في ظاهر الألفاظ المشكلة للعبارة "ظهور معنى الملك من غير ذكر لـه باسم أو صفة"، فالإضافة هنا مزج لدوال في وحدة تؤول إلى معنى واحد، من هنا ينفسح المجال لبروز نصوص أدبية كثيرة. ذلك أنها محصلة فعالية في مستوى الكلام، وتركيب تأليفي لمعطيات جزئية تتجسد في العناصر المشكلة لهذه البنية أفراداً. فمحدودية الألفاظ أفراداً، تستحيل لا نهائية تركيباً نظراً لفعالية التأليف.
ويأخذ هذا الإحساس الاول بمفهوم التأليف مدى أشمل لدى الخطابي، إذ يمثل أساساً في نظرته لبنية النص، إلا أنه يتعادل بداية مع فكرة التأليف الجامعة لعنصري اللفظ والمعنى، فبلاغة القرآن في نظره لا تقتصر على "مفرد الألفاظ التي منها يتركب الكلام دون ما يتضمنه من ودائعه التي هي معانيه، وملابسه التي هي نظوم تأليفية"(11)، ذلك أن الكلام يقوم بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنى به قائم، ورباط لهما ناظم(12). هذا الفهم المراكم لعناصر النص لا يعطي النظم فعالية أولى في التركيب، دون أن ننفي أن يكون له دور في ضم أجزاء الكلام غير أنه لا تتحدد في هذا المستوى الكيفية التي بها يتم هذا الانتظام، ومع ذلك يظل لرسوم النظم الأهمية البالغة "فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر لأنها لجام الألفاظ وزمام المعاني وبه تنتظم أجزاء الكلام، ويلتئم بعضه بعضاً (كذا) فتقوم لـه صورة في النفس يتشكل بها البيان"(13)، ولو قصدنا الاقتراب من الكيفية التي يتحقق بها الانسجام بين وحدات النص لرأيناه يلح على ضرورة التدقيق في توظيف الألفاظ المتقاربة، في المعنى خصوصاً وتنزيلها في مواقعها التي يقتضيها فصل الكلام، ذلك أن "عمود هذه البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به، الذي إذا أبدل مكانه غيره جاء منها إما تبدل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام وإما ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة، ذلك أن في الكلام ألفاظاً متقاربة في المعاني يحسب أكثر الناس أنها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب: كالعلم والمعرفة، والحمد والشكر... والأمر فيها وفي ترتيبها عند علماء أهل اللغة بخلاف ذلك، لأن لكل لفظة خاصة تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها وإن كانا قد يشتركان في بعضها"(14).
ومع كل ذلك يكشف الخطابي عن نوع من الإحساس بانتظام عناصر النص في وحدة خفية تستند إلى أساس معنوي مما يعطي مفهوم النظم فسحة ممتدة تتعادل تقريباً مع مفهوم للوحدة الجامعة لفصول النص، يظهر ذلك في رده على المعترض القائل: "أو ليس وإن توجه الكلام وصح على الوجه الذي ذكرتموه في معنى قوله سبحانه: ]كما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بالحقِّ[، فقد دخله من الانتشار بتفرّق أجزائه وتباعد مابين فصوله ما أخرجه من حسن النظم الذي وصفتموه به؟ قيل: لا... وذلك لأنه لم يدخل بينه وبين أول ما يتصل به، إنما قال: ]وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين[، ثم وصف هذا الإيمان وحقيقته إذ كان هذا القسم يقع على أمر ذي شعب وأجزاء، يلزم أدناه من ذلك ما يلزم أقصاه، فلو لم يستوفه بالصفة الجامعة- لـه لم يبن معه المراد، ثم عطف بالكلام على أول الفصل فقال: ]كما أَخْرَجَكَ ربُّكَ من بيتِكَ بالحقِّ وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون[، فشبه كراهتهم ماجرى في أمر الأنفال وقسمها بالكراهة في مخرجه من بيته، وكل ما لا يتم الكلام إلا به من صفة وصلة فهو كنفس الكلام"(15)، وحجّة الخطابي في ذلك أن صلة معنوية خفية تلحم الآيات وتسقط حجة المعترض الواصف لها بالتفرق والانتشار، وبالتالي سقوط النظم، ذلك أن كراهة المؤمنين للخروج إلى القتال المعبر عنها في قوله تعالى: ]كما أخرجك ربُّك منْ بيتِكِ وإن فريقَّاً مِنَ المؤمنين لكارهون[، ينتظمها ومطلع سورة الأنفال في قوله تعالى: ]يسألونَكَ عَنْ الأنفال، قُلْ الأنفالُ للهِ والرَّسولِ، فاتَّقوا الله وأصلحوا ذاتَ بينِكُمْ وأطيعوا الله وَرَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مؤمنين[، وحدة تكمن في الدلالة على الكراهية الواردة في الآيات، فكان الحسم في أمر الأنفال الذي لم يتوافق مع الرغبة في اقتسامها، متطابقاً مع مخالفة رغبة المؤمنين في الميل إلى غير ذات الشوكة، التي هي غنائم بدر، فكرهوا لذلك الخروج إلى القتال، وما بينهما حديث عن الإيمان الذي يجب أن يكون انصياعاً لأمر الله، فلا انتشار في النص إنما تكامل وانتظام وتلاؤم, فامتداد نفس النظم في لحمة جامعة لآيات كثيرة إحساس بوجود رابط يلحم عناصر قد تبدو متباعدة، غير أن هذا الفهم وإن كان يعطي لبنية النص وحدة، فإن الأساس الذي يقوم عليه متروك للاجتهاد.
ولم يشذ الباقلاني عن إعطاء النظم هذا المدلول المرادف للتأليف غير المستند إلى أساس لغوي أو نحوي، يقول معدداً أوجه النظم، ذاكراً هذا الوجه الثالث "وهو أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين، على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها"(16)، ثم يفسر هذا المعنى في مترادفات كالرصف في مثل قوله: "وقد تأملنا نظم القرآن، فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها، على حدٍّ واحد، في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه، ولا انحطاط عن المنزلة العليا"(17).
وسواء حملنا النظم على دلالة الطريقة أم التأليف، فإنه لم يستطع أن يزيح تصور النص في ثنائية المعنى واللفظ من الحضور، ويستحوذ بالتالي على المفاتيح الشارحة لتلاؤم عناصره، بل يتجسد دور النظم في هذا المستوى في ما يشبه الخيط يأتي جامعاً لعناصر لغوية تشكلت علائقها بموجب معنى ولفظ متضامين متفاوتي الحسن أحياناً. ومن هنا ظل الحديث عن اللفظ والمعنى حاضراً رغم اللهج بالنظم ومترادفاته، وهذا الفهم سيتوافق مع تصور العناصر الفاعلة في النص، والمحدثة لمزاياه، كالصورة والموسيقى مثلاً... فالرماني إذ يستدرك على حد البلاغة بالإفهام ذلك أنه "ليست البلاغة إفهام المعنى لأنه قد يفهم المعنى متكلمان أحدهما بليغ والآخر عي، ولا البلاغة أيضاً بتحقيق اللفظ على المعنى، لأنه قد يحقق اللفظ على المعنى وهو غث مستكره ونافر متكلف. وإنما البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في حسن الصورة من اللفظ"(18). فإنما يحصر فعالية البلاغة في ثنائية المعنى والصورة اللفظية المحسنة للمعنى، ويكاد يختزل تصور فعالية الخطاب في هذه الثنائية المحددة معيارياً مزايا الطرفين. وهذا يتوافق تماماً مع فهمه للاستعارة التي هي تعليق العبارة على غير ما وضعت لـه في أصل اللغة على جهة النقل للإبانة (19)، فيكون التحسين الصوري تكريساً لبلاغة اللفظ المتجسدة في كون الاستعارة نائبة عن الحقيقة التي هي أصل الدلالة على المعنى في اللغة، كقول امرئ القيس في صفة الفرس: "قيد الأوابد"، والحقيقة فيه: مانع الأوابد، وقيد الأوابد أبلغ وأحسن(20).
وتتسع عملية التحسين نفسها حتى تطول موسيقى النص في مستوى الفواصل والأسجاع أو الوزن الشعري والقافية، ذلك أن المنظور الثنائي يرى في خصائص الصورة الشعرية والموسيقية تراكماً يثقل الدلالة بالتحسين قد يتوافق أو يتضاد مع المعنى، فالفواصل "حروف متشاكلة في المقاطع توجب حسن إفهام المعاني، والفواصل بلاغة، والأسجاع عيب، وذلك أن الفواصل تابعة للمعاني، وأما الأسجاع فالمعاني تابعة لها"(21)، وأما القوافي فليست في الطبقة العليا من البلاغة، "وإنما حسن الكلام فيها إقامة الوزن ومجانسة القوافي"(22).
ومثل هذا الفهم لعناصر النص، يسعف في -الاقتراب من فكرة النظم أو التأليف التي تكاد تحدد بكونها جمعاً لعناصر مكتملة - الحسن أو متفاوتة الدرجة بين القبح والحسن. ومع ذلك قد يدق هذا التصور الثنائي ويتلاحم ليتجاوز رصد بلاغة النص في معنى مسبق يلبس محسنات صورية بغية إحداث تأثير في المتلقي، يتجاوز ذلك إلى كشف ثراء الدلالة المتأتية من طاقة اللغة وقدرتها على الإيحاء الذي يتحقق في انفساح المعنى وامتداده خارج حدود اللفظ الصائغ له، فتتجاوز اللغة عندها قدرتها على الإيصال والتبليغ إلى تحقيق إمكانية الامتداد في الدلالة إلى أبعاد تستخلص من الصورة اللفظية المركزة فيما عرف بالإيجاز. وهذا الفهم يتوافق مع مبادئ الدرس الدلالي المعاصر. فالإيجاز تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى، وإذا كان المعنى يمكن أن يُعبَّر عنه بألفاظ كثيرةٍ ، ويمكن أن يُعبّر عنه بألفاظ قليلة، فالألفاظ القليلة إيجاز(23)، وهذا إقرار بتعدد إمكانية التعبير عن المعنى بأكثر من طريق، خصوصاً أن الإيجاز متحقق في تشذيب كل فائض عن المقصود، سواء في مستوى العبارة أم الغرض، وهذا إحساس بشكل من أشكال وحدة النص، ذلك أن "الإيجاز على ثلاثة أوجه: الإيجاز بسلوك الطريق الأقرب دون الأبعد، وإيجاز باعتماد الغرض دون ما تشعب، وإيجاز بإظهار الفائدة بما يستحسن دون ما يستقبح، لأن المستقبح ثقيل على النفس، فقد يكون للمعنى طريقان أحدهما أقرب من الآخر كقولك: تحرك حركة سريعة، في موضع أسرع، وقد يكتنف الغرض شعب كثيرة كالتشبيب قبل المدح، وكالصفات لما يعترض الكلام مما ليس عليه اعتماد، وإذا ظهرت الفائدة بما يستحسن فهو إيجاز لخفته على النفس"(24).
والخطابي رغم كثرة لهجه بفكرة النظم، فإن تفكيك النص إلى معنى ولفظ ونظم متواتر عنده، بل إن هذه الفضائل الثلاث العائدة إلى العناصر الثلاثة السابقة قد توجد "على التفرق في أنواع الكلام، فأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير"(25)، ذلك أن اللفظ عند الخطابي حامل للمعنى وظرف له، ويستتبع بالتالي أن تكون معاني الأشياء "محمولة على تلك الأغراض"(26).
ويتفرع من مفهوم اللفظ الحامل للمعنى في دلالة احتوائية ضبط خصائص كل طرف، علماً بأن معاناة المعاني التي تحملها الألفاظ أشد "لأنها نتائج العقول وولائد الأفهام وبنات الأفكار"(27)، وهذه المعاناة إذ تؤكد ضرورة التدبّر وإعمال الفكر أثناء مباشرة عملية التعبير، فإنها تهب العقل دوراً أولياً في توليد الأفكار، ذلك أن فعل التعبير الواعي يتولد منه الاختيار في المعنى، وهذا يتماشى مع ضوابط الاختيار في اللفظ، لذلك ينفي أن تكون الغرابة من شروط بلاغة اللفظ(28)؛ وإذا كانت أجناس الكلام مختلفة ومتفاوتة، منها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز الطلق الرسل، فكان أن انتظم لبلاغات القرآن بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة(29).
والحق أن التطبيق العملي يساعد على تحديد خصائص كل من المعنى واللفظ، ذلك أنه كما نرى ستكون ممارسة عملية الشرح للنص الشعري مثلاً تراوحاً بين خصائص الشكل أو الصورة وطبيعة المعنى، يقول الخطابي محللاً أبيات امرئ القيس في وصف الليل إثر مقارنتها بأبيات للنابغة في المعنى نفسه، "إلا أن في أبيات امرئ القيس من ثقافة الصنعة وحسن التشبيه وإبداع المعاني ماليس في أبيات النابغة، إذ جعل لليل صلباً وأعجازاً وكلكلاً، وشبّه تراكم ظلمة الليل بموج البحر في تلاطمه عند ركوب بعضه بعضاً حالاً على حال، وجعل النجوم كأنها مشدودة بحبال وثيقة فهي راكدة لا تزول ولا تبرح، ثم لم يقتصر على ما وصف من هذه الأمور حتى عللها بالبلوى ونبه فيها على المعنى"(30)، وكأنه يمكن أن يستغني في وصف هذه الأمور عن تعليلها بالمعنى، من هنا فك عناصر الصورة التي هي موطن الحسن، ليردفها بالمدلول، على أن اعتباره المعنى علة قد ينمُّ عن نوع من الإدراك لوحدة الصورة والمعنى، ذلك أن الصورة الدالة معلول للمعنى، على الرغم من أن هذا الفهم لا يتنافى مع فكرة الانفصال نفسها التي تخضع تتابع الطرفين لتصور منطقي. ورأيه في الاستعارة تصديق لهذا الموقف إذ يراها صياغة بليغة مقابلة للحقيقة.(31).
وعلى الرغم من أن الباقلاني يصوغ للنظم مفهوماً يكاد يترادف مع مفهوم العلاقات كما سنرى، فإنه يظل مشدوداً في تحليل بلاغة النص إلى ثنائية اللفظ والمعنى، سواء تعلق الأمر بالقرآن أم بالشعر ويطغى على النظم إذ ذاك معنى الرباط الخارجي. ومع ذلك يشترط التلاؤم بين المعنى واللفظ المعبر عنه، وكلما اقترب الطرفان من إحداث التوافق بينهما كان التعبير ناجحاً، ذلك أن محصول البلاغة "الإبانة في الإبلاغ عن ذات النفس على أحسن معنى وأجزل لفظ"(32).
وستمثل فكرة الكلام النفسي مستند الباقلاني في بحث الإعجاز ومنطلق كل تعبير كأس نفسي يتحقق شرط ظهوره بإيفائه حقه في اللفظ الملائم. من هنا تكاد تحصر جهوده الشارحة للإعجاز، ولبلاغة النص الشعري في الانطلاق من بحث علاقة عنصري اللفظ والمعنى وطرائق توافقهما وانسجامهما في تأدية المراد، فإذا "كان الكلام إنما يفيد الإبانة عن الأغراض القائمة في النفوس، التي لا يمكن التوصل إليها بأنفسها وهي محتاجة إلى ما يعبر عنها، فما كان أقرب إلى تصويرها، وأظهر في كشفها للفهم الغائب عنها، وكان مع ذلك أحكم في الإبانة عن المراد، وأشد تحقيقاً في الإيضاح عن المطلب وأعجب في وضعه، وأرشق في تصرفه، وأبرع في نظمه، كان أولى وأحق بأن يكون شريفاً"(33)، ذلك أن تحقق البراعة إنما يكون في انسجام الطرفين، فإذا "وجدت الألفاظ وفق المعنى، والمعاني وفقها، لا يفضل أحدهما على الآخر، فالبراعة أظهر، والفصاحة أتم"(34)،فإذا كان تفاوت الطرفين في الفصل يعكر فكرة التلاؤم نفسها، فإن الإلحاح على تأكيدها يقوم على مراعاة التوافق بين الطرفين بحسب درجة الابتذال والابتكار فيهما،"ذلك أنه قد علم أن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة، والأسباب الدائرة بين الناس، أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة، وأسباب مؤسسة مستحدثة. فإذا برع اللفظ في المعنى البارع، كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرر، والأمر المتقرر المتصور"(35).
واختلاف الأوصاف المسقطة على كلٍّ من اللفظ والمعنى يبين عن منظور خاص، في فهم فكرة الابتكار، ذلك أن ابتكار المعنى يستتبعه حتماً ابتكار في اللفظ الذي يؤديه، ويبدو في ذهن الباقلاني أن المسألة تتم في درجة من الوضوح يتيح الانتقاء المتميز للأطراف وفق مواصفات التداول أو الابتكار. ولعل من فضائله في هذا الموقف إرجاعه مسألة صعوبة تحقيق انسجام الأطراف إلى خصائص فيهما، إلا أن المسألة تظل متروكة للاختيار الواعي المنضبط وفق مزايا المعنى واللفظ. صحيح أن الإلحاح على ضرورة انسجام الطرفين وتحقيق البراعة في كليهما إيمان بضرورة تكامل ابتكار المعنى وبراعة الصياغة، غير أن الباقلاني لو فكر بأن ميلاد المعنى المبتكر هو ميلاد للفظ المبتكر أو البارع أيضاً، لما وزع المزايا على العنصرين منفردين، وألح على ضرورة تحقيق انسجام يتوافق فيه الابتكار مع البراعة، من هنا كان رأيه إعادة لقول الرماني في السجع والفواصل، ذلك "لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع. وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن، لأن اللفظ يقع فيه تابعاً للمعنى، وفرقٌ بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه، وبين أن يكون المعنى منتظماً دون اللفظ"(36)، فهناك اقتراب من تصور وحدة الدلالة الحاصلة من انتظام الكلام في نفسه المولد لهذه الدلالة الممتدة بامتداد اللفظ المنتظم لها، عكس المستوى الثاني الذي يبدو فيه المعنى كالمستقل عن اللفظ، ومن هنا يكون السجع تزييناً مضافاً لا فاعلية له في المعنى.
ومع ذلك يظل حضور العنصرين في ذهن الباقلاني حضوراً متفاوت القيمة، إذ إنه لا يمتنع عنده تصور إمكان صياغة المعنى الواحد في صور شتى دون أن يكون لهذه الصور فاعلية في تغيير المعنى أو إحداث ما سمي بصورة المعنى، من هنا تكون "إعادة ذكر القصة الواحدة بألفاظ مختلفة، تؤدي معنىً واحداً من الأمر الصعب، الذي تظهر به الفصاحة، وتتبين به البلاغة، (37). فالفصاحة تكمن في الإخراج المجدد للمعنى الواحد، ومع أن هذا الرأي يرد في موقف الحجاج الهادف إلى التدليل على الإعجاز القرآني وعجز البشر عن المعارضة، إذ لو كانوا قادرين لأعادوا التعبير عن نفس القصة بألفاظ لهم تؤدي نفس المعاني، إلا أن هذا لا يمنع من الإشارة إلى أن دعوة الباقلاني إلى تحقيق التلاؤم بين المعنى واللفظ لا تنفي إمكانية التعبير المتفاوت القيمة عن المعنى الواحد.
ويضبط الباقلاني حقل كل طرف بالمقابلة مع الآخر من منظور كمّي يبدو فيه التقسيم امتداداً للمألوف، ذلك أنه في "جملة الكلام ما تقصر عبارته وتفضل معانيه، وفيه ما تقصر معانيه وتفضل العبارات. وفيه ما يقع كل واحد منهما وفقاً للآخر"(38)، وفي هذا النوع الأخير الذي يتوافق فيه الطرفان تفريع يبسط إمكانية الاختلاف في البراعة وإسنادها إلى الطرفين معاً أو إلى أحدهما، لأن ما يقع وفقاً ينقسم" إلى أنه قد يفيدها على جملة وقد يفيدها على تفصيل. وكل واحد منهما قد ينقسم إلى ما يفيدها على أن يكون كل واحد منهما بديعاً شريفاً، وغريباً لطيفاً. وقد يكون كل واحد منهما مست***اً متكلفاً، ومصنوعاً متعسفاً، وقد يكون كل واحد منهما حسناً رشيقاً، وبهيجاً نضيراً. وقد يتفق أحد الأمرين من دون الآخر"(39).
وفي هذا المقام يستفيد من حديث الرماني عن الإعجاز، مشيراً إلى إمكانات اللغة في إثراء الدلالة وتفجير طاقاتها في الامتداد بالمعنى طبقات في ما سمي بالإشارة التي هي "اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة"(40)، وإذ يضيف راوياً عن بعضهم وصفه للبلاغة بأنها "لمحة دالة"(41). يكتمل الإحساس بقدرة اللغة على تجاوز دلالتها المباشرة والصريحة لتستحيل تلميحاً بالمعنى يتطلب إدراكه تدقيق النظر مع الإقرار بالإمكانات المتعددة في فهم النص.
وظل القاضي عبد الجبار نفسه مشدوداً إلى فهمٍ للفصاحة يتوزع بين جزالة اللفظ وحسن المعنى، رغم أن فهمه للنظم أنضج من تصور سابقيه بل سيبدو توزيعه غير عادل بين العنصرين مما يشي باضطراب الموقف إزاءهما. ومستند في ذلك رأي شيخه أبي هاشم في قوله: "إنما يكون الكلام فصيحاً لجزالة لفظه، وحسن معناه، ولابد من اعتبار الأمرين، لأنه لو كان جزل اللفظ ركيك المعنى لم يعد فصيحاً، فإذن يجب أن يكون جامعاً لهذين الأمرين"(42).
وقد تمكن الباقلاني، وتمكن القاضي عبد الجبار على وجه أخص من الاقتراب من فهم أكثر تحديداً للنظم. فقد انضبطت دلالته لدى الباقلاني في مايمكن أن يوصف بالعلاقات وطرائق ضم الكلمات بعضها إلى بعض دون أن يتسنى لـه تحديد أساس عميق للضم. ومن هنا، ومع إقراره بضرورة إحداث اللحمة بين الكلمات في السياق الواحد رافضاً اعتبار الإعجاز في وجوه البيان مستقلة عن مواقعها في النظم، إلا أن الأساس اللغوي أو النحوي الغائب الذي كان من الممكن أن يسعفه في ضبط محصل العلاقة بين الكلمات الموجدة للدلالة أوهى من فكرته في النظم حتى في هذا الطور المتقدم، ولم يتمكن عندما واجه بالتحليل النصوص الطويلة من الكشف إلا عن فهم انطباعي لنظم شامل لأجزائها.
فليست الوجوه البلاغية بموجدة للإعجاز وحدها، إنما تتنزل ضمن كلٍّ أشمل، لأن الآية التي فيها ذكر التشبيه "إن ادَّعي إعجازها لألفاظها ونظمها وتأليفها، فإني لا أدفع ذلك وأصححه، ولكن لا أدّعي إعجازها لموضع التشبيه"(43). فهو يقر لهذه الوجوه البلاغية بميزة في الكلام إلا أنه لا يجعل الإعجاز متعلقاً بها ووقفاً عليها ومضافاً إليها(44)، فهي عناصر أسلوبية في كلٍّ أشمل يحوي سر الإعجاز ويمكن تلمس تحديد أدق للإعجاز وبالتالي للنظم في مثل قوله: "ليس الإعجاز في نفس الحروف، "حروف المعجز"، وإنما هو في نظمها وإحكام رصفها وكونها على وزن ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم. وليس نظمها أكثر من وجودها متقدمة ومتأخرة ومترتبة في الوجود، وليس لها نظم سواها وهو كتتابع الحركات إلى السماء ووجود بعضها قبل بعض ووجود بعضها بعد بعض".(45).
ولو قصدنا توثيق ما يقول بالتماس نماذج تطبيقية في تفسير القرآن وشرح الشعر، لتبين لنا أن مفهومه للنظم، وإن حده بلفظ العلاقات وإحداث التقديم والتأخير وغيرها من لوازم انبناء الكلام على الموقع، واسع يتضمن معنى الوصل بين أجزاء الكلام مما ينم عن إحساس بوحدة معنوية، وينبني التحليل في أغلب فصوله على منظور نقدي ثنائي يفكك عناصر النص إلى المعنى واللفظ.
فهو يبدأ تحليله بالدعوة إلىتأمل السورة التي يذكر فيها "النّمل"، والنظر في كل كلمة، وفصل فصل، يقول: بدأ بذكر السورة، إلى أن بيّن القرآن من عنده، فقال:]وإنّك لتلقَّى القرآن من لّدن حكيم عليم[(46)، ثم وصل بذلك قصة موسى عليه السلام وأنه رأى ناراً وذكر تواتر رؤيته النار في سور شتى ليخلص إلى القول: وكل كلمة من هذه الكلمات وإن أنبأت عن قصة فهي بليغة بنفسها، تامة في معناها(47). وهكذا يتحدد لبلاغة الكلمة في ذاتها مستقلة عن موقعها أساس في تحليله سيزاحم حديثه عن النظم المتحدد في وصلة بين أقسام السورة، كقولـه مواصلاً التحليل، ثم قال: ]فلما جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ في النَّار ومن حولها وسبحان الله ربِّ العالمين[(48)، ثم يعلق بقوله: فانظر إلى ما أجرى لـه الكلام من علو أمر هذا النداء، وعظيم شأن هذا الثناء، وكيف انتظم مع الكلام الأول، وكيف اتصل بتلك المقدمة، وكيف وصل بها ما بعدها من الأخبار عن الربوبية، وما دل به عليها من قلب العصا حيّة(49).... ولكننا لا ندري كيف تم لهذا الكلام الانتظام مع الكلام الأول، وعلى أي أساس تقوم الوصلة الجامعة بين أطرافه. لكن منطلقه في اللفظ والمعنى يشكل أسَّاساً قاراً في الحديث عن بلاغة الآيات، إذ يقول مباشرة بعد ما سلف: وانظر إلى الكلمات المفردة القائمة بأنفسها في الحسن، وفيما تتضمنه من المعاني الشريفة
(50). ثم يواصل تحليله ماراً ببعض الآيات اللاحقة فيقف مدللاً على إعجازها جامعاً في هذا الموقف مستنديه في التحليل "ثنائية اللفظ والمعنى، وفكرته عن النظم"، يقول: ثم انظر في آية آية، وكلمة كلمة، هل تجد كما وصفنا: من عجيب النظم، وبديع الرصف؟ فكل كلمة لو أفردت كانت في الجمال غاية، وفي الدلالة آية، فكيف إذا قارنتها أخواتها، وضامتها ذواتها مما تجري في الحسن مجراها، وتأخذ في معناها؟ ثم من قصة إلى قصة، ومن باب إلى باب من غير خلل يقع في نظم الفصل إلى الفصل، وحتى يصور لك الفصل وصلاً، ببديع التأليف، وبليغ التنزيل(51)، فاكتمال الحسن لديه يتم بتضام كلمات بديعة في ذاتها ليتم لها الحسن بمضامة أخواتها ثانياً، غير أنه لا يتضح أساس لهذا التضام عدا الحديث المسرف عن قواعد النظام، والتركيب في ما يسمى بالفصل والوصل والتقديم والتأخير، دون أن ينضبط لديه في التحليل تفاعل الوحدات اللغوية بالاستناد إلى سياقاتها الموحدة لها. ويواصل حديثه خلال عرض آيات السور بنفس الوتيرة مع ثبات منطلقه في الاعتماد على اللفظ والمعنى، مقراً أن آيات ثكيرة إن لم تراعِ البديع البليغ في الكلمات الأفراد والألفاظ الآحاد، فقد تجد ذلك مع تركّب الكلمتين والثلاث، ويطرد ذلك في الابتداء، والخروج، والفواصل، وما يقع بين الفاتحة والخاتمة من الواسطة، أو باجتماع ذلك أو في بعض ذلك، ما يخلف الإبداع في أفراد الكلمات، وإن كانت الجملة والمعظم على ما سبق الوصف فيه.(52).
وإذا كان هذا هو أساس النظم عنده ومن ثمة قاعدة التدليل على حقائق الإعجاز، فإن هناك آيات مثل قوله تعالى: ]حُرِّمَتْ عليكم أمَّهاتكم وبناتُكم وأخواتُكم وعمَّاتُكم وخالاتُكم...[(53)، لا تنفك من الحكم التي تخلف حكمة الإعجاز في النظم والتأليف، والفائدة التي تنوب مناب العدول عن البراعة في وجه الترصيف(54)، وتتجسد هذه الفائدة النائبة عن الرصف والتأليف في رأي الباقلاني في اعتبار تنزيل الخطاب، وظهور الحكمة في الترتيب والمعنى(55). ولعل في هذا الموقف القائم على تبني فهم للحمة معنوية تنتظم أجزاء الآيات، أو القول، الذي يتكرر عنده وإن اختلف الأنموذج المقدم(56)، ما يكشف عن توزع الباقلاني بين درجتين في تفسير الوحدة الناتجة عن تأليف عناصر النص، تتمثل الأولى في الإقرار بنوع من الصياغة المؤلفة بين عناصر بديعة، فيحوي النص إذ ذاك البلاغة والإعجاز من كل الأطراف، بحيث تتشكل وحدته في تكامل عناصره وفق إحساس أولي بتصور للعلاقات دون أن يخرج عن إسار الانطباع عموماً، في حين ينتفي بحسب الدرجة الثانية تحقيق الحسن في الكلمات المفردة في ذاتها ولذلك التمس الباقلاني المخرج في تأكيد وحدة معنوية يتفرع من بؤرتها إشعاع دلالي واحد شامل لعناصر الآيات، ولو تيسر لـه مزج المستوى الدلالي المنبث في تتالي الآيات مع مستوى الصياغة البليغة في تصور عميق لمفهوم العلاقة، لوصل إلى تحديد شكل من أشكال الوحدة الجامعة لمستويات النص دلالياً وتركيبياً.
على أن الباقلاني يؤكد في تصدّيه للشعر بالتحليل انجذابه الكامل لتجزئة النص، إذ لم يتمكن من الانفلات من إسار ثنائية اللفظ والمعنى كما يبدو ذلك في تحليله معلقة امرئ القيس حيث يتواتر مثل قوله: "وفي لفظه ومعناه خلل" "معنى بديع، ولفظ حسن"(57)؛ ولو اجتزأنا رأيه في أبيات الحج المشهورة لأسعفنا في تأكيد ما قلناه. يقول بعد أن يورد الأبيات مستدلاً بها على رأي لـه في أبيات للبحتري أثناء تحليله قصيدته "هذه ألفاظ بديعة المطالع والمقاطع، حلوة المجاني والمواقع، قليلة المعاني والفوائد"(58). والواقع أن مثل هذا الموقف تكرر في نقده قصيدة البحتري مما جعله يدعمه بنموذج شعري ليعمم رأيه في بلاغة ألفاظ مثل هذا الشعر ووهن معانيه وقلة فوائده.
ومع كل ذلك يمكن تلمّس إحساس لدى الباقلاني بنوع من الوحدة الخفيّة التي تلحم أبيات القصيدة معنوياً، فنقده قصيدة امرئ القيس يتأسس في مواضع شتى على كشف التناقض الحاصل بين بعض أبيات القصيدة، والإلحاح على ربط البيت المشروح بالسابق مع الإشارة إلى توافقهما أو اختلافهما(59). ولعل هذا الذي دعا بعض الباحثين إلى اعتبار ذلك دلالة على تصور واضح لما نسميه اليوم "الوحدة الفنية"، إلا أنها وحدة مصدرها الشعور أو الكلام النفسي(60).
أما القاضي عبد الجبار، فإن للنظم عنده أساساً أكثر وضوحاً وتدقيقاً حيث "كرَّسه للدلالة على طرائق التركيب اللغوي وكيفية ضم أفراد الكلمات وقد اعتبره من أهمّ مقوّمات الفصاحة"(61)، والأساس اللغوي بيِّن لدى صاحب المغني في تحديد فاعلية الكلمات ضمن سياق محدد، فما دام الكلام من "الأفعال المحكمة، كالبناء، والنّساجة، والصياغة"(62)، فإن موقع الفصاحة يتحدد في الكلام، ذلك أن طرائق الضم والتأليف مختلفة، ويتّسع مجالها للإمكانات التي يوفّرها السياق مقابل جملة الكلام المحدودة ذلك"أن جملة الكلام وإن كانت محصورة، فتأليفها يقع على طرائق مختلفة من الوجوه التي بيّناها، فتختلف لذلك مراتبه في الفصاحة"(63).
هذا المدخل حدد للقاضي عبد الجبار حقل الفصاحة واستتبع بالتالي الإقرار بالتفاوت بين العبارات في حدود التأليف، ومن هنا التفاضل بين صياغة وأخرى ما دام الأمر لا يتعلق بالمواضعة بل ينبني على التركيب، ذلك "أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، ولابد مع الضم من أن يكون لكل كلمة صفة، وقد يجوز في هذه الصفة أن تكون بالمواضعة التي تتناول بالضم، وقد تكون بالإعراب الذي له مدخل فيه، وقد تكون بالموقع، وليس لهذه الأقسام رابع، لأنه إما أن تعتبر فيه الكلمة، أو حركاتها، أو موقعها، ولابد من هذا الاعتبار في كل كلمة، ثم لابد من اعتبار مثله في الكلمات، إذا انضم بعضها إلى بعضن لأنه قد يكون لها عند الانضمام صفة، وكذلك لكيفية إعرابها، وحركاتها، وموقعها، فعلى هذا الوجه الذي ذكرناه إنما تظهر مزيّة الفصاحة بهذه الوجوه دون ما عداها".(64).
وهذا التطور في فهم النظم وتأكيد أساسه الملتمس في طرائق الضم والتركيب اللغوي مع ما يتضمنه من نفي للفصاحة من اللفظة المفردة، وجعلها عالقة بالسياق، لا يشوش مجراه سوى معضلة المعنى، مما قد يوحي بأن طرائق التركيب هذه تنحصر فعاليتها في الألفاظ المتضامة وفق الموقع والإعراب دون اعتبار للمعنى، إذ يورد صاحب المغني رأي متسائل وهو قوله: "فإن قال: فقد قلتم في أن جملة ما يدخل في الفصاحة حسن المعنى، فهلا اعتبرتموه؟ قيل لـه: إن المعاني، وإن كان لابد منها فلا تظهر فيها المزية، وإن كانت تظهر في الكلام لأجلها"(65)، إذ تبدو المعاني منحسرة عن معاضدة اللفظ في الفصاحة، بل لاتبدو لها الفعالية قط في العبارة ولذلك "نجد المعبرين عن المعنى الواحد يكون أحدهما أفصح من الآخر، والمعنى متفق"(66). فتفاوت العبارة في الفصاحة واتفاق المعنى كشف لفهم غير عميق لطبيعة التعاضد بين اللفظ والمعنى في السياق، غير أن المقابل وارد، ذلك أن أحد المعنيين قد يكون أحسن وأرفع، والمعبر عنه، في الفصاحة أدون، فهو مما لابد من اعتباره، وإن كانت المزيّة تظهر بغيره(67)، فشرط الحسن في المعنى ليس أكيداً في تحقيق الفصاحة، ذلك أن "المعاني لا يقع فيها تزايد، فإذن يجب أن يكون الذي يعتبر التزايد عند الألفاظ التي يعبر بها عنها"(68).
ومقابلة هذه الآراء في المعنى باشتراطه الفصاحة في المعنى واللفظ يسم آراء صاحب المغني بالاضطراب، أو على الأقل بعدم وضوح الرأي في النظم الذي ينبني على أساس الصياغة، في حين يظل المعنى كالمفارق لا يتغير بتغير هذه الصياغة، ذلك أن تماديه في شرح أسس رأيه في طرائق التركيب حيث يؤكد أنها المبدأ الأوحد في الفصاحة مثير للحيرة فهو يؤكد أن الذي تظهر به المزية ليس إلا الإبدال الذي به تختص الكلمات، أو التقدم والتأخر، الذي يختص الموقع، أو الحركات التي تختص الإعراب، حتى يرى أنه لا "يمتنع في اللفظة الواحدة أن تكون إذا استعملت في معنى، تكون أفصح منها إذا استعملت
في غيره، وكذلك فيها، إذا تغيرت حركاتها، وكذلك القو ل في جملة من الكلام"(69)، فتبعية فصاحة اللفظة للمعنى المستعملة فيه كعنصر مؤثر في فصاحتها إقرار بفعاليتها في الفصاحة، وهذا قد لا ينسجم مع رأيه السابق في تفاوت العبارتين في الفصاحة وتوافق المعنى فيهما، بل إن قوله إن "حسن المعنى يؤكد كون الكلام الفصيح معجزاً، وإن كان لو انفرد لم يختص لهذه الصفة"(70)، إقرار بنسبية المعنى في تحقيق الفصاحة، وهذا يغاير قوله في أن المنازعة والمباراة في سائر الكلام: "لا معتبر فيه بالمعاني، وإنما يعتبر قدره في الفصاحة"(71)، فإذا قابلنا ما سلف برأيه حيث يقول:"وبيَّن شيوخنا: أنه لو لم يكن له معنى كان لا يكون معجزاً، لأن إعجازه هو بما يحصل له من المزيَّة والرتبة في قدرة الفصاحة، ولا يكون الكلام فصيحاً إلا بحسن معناه، وموقعه، واستقامته، كما لا يكون فصيحاً إلا بجزالة لفظه، ولو أن أحداً من المتكلمين ألَّف من الكلام المهمل جملة، وتكلم بها، من غير مواضعة لم يعدّ من الكلام الفصيح، كما لو كان في معناه ركاكة، لم يعدّ منه، وكما لو رك لفظة لم يعد في ذلك، فكيف يصح لمن أقر بأنه معجز أن يزعم أنه لا معنى لـهُ؟ وأنه لا فائدة فيه"(72)، أقول: إذا ما قابلنا آراءه تلك برأيه هذا بدا الاضطراب واضحاً والتردد بيّناً.
وهذا التردد في إعطاء المعنى مزية في الفصاحة وسحبها منه يبيِّن مقدار تصور صاحب المغني لفاعلية الكلمات المتضامة في السياق في إيجاد معناها. وكأن خصائص التركيب إلحاق بمعنى سالف مرةً، وإقرار بتعاضده مع مزايا أخرى. والحق أن رأي صاحب المغني في المجاز يدعم شكلاً نيته ـ إن صح الوصف ـ فالتناول المجازي للمعنى الحقيقي لا ينبني عليه تغيير في جوهره ـ حسب رأيه ـ يقول: "على أنّا قد بيّنا في أصول الفقه: أن وجه المجاز مع القرينة بمنزلة نفس الحقيقة، فإذا كان بالحقيقة يعلم المراد ويتساوى حال الجميع فيه، فبأن يعلم ذلك بالمجاز مع القرينة (أولى)، وبيّنّا: أن ذلك يحل محل قول القائل عشرة إلا واحداً، في أنه يعرف ما به يعرف، بقوله: تسعة، ولا معتبر باختلاف اللفظ في هذا الباب"(73)، فإذا نزلنا هذا الفهم ضمن تصوره الكلي للفصاحة وللنظم أمكن القول بأن المزية شكلية أساساً، وإن بدت في طابع مركب، ذلك أن المعنى الذي كان ينبغي أن يكون إفرازاً للسياق المتضام، يظل كالمنفصل تعلق به المزية طوراً وتسحب منه طوراً.
عبد القاهر وجدل النظم والتخييل

لم يكن بدّ لعبد القاهر الجرجاني، وبين يديه مقاييس في تعليل بنية النص الأدبي، وفصاحته، من أن يعيد التأسيس شأن كل ذهن عبقري يجد نفسه في ملتقى طرائق التعليل المتنوعة للظاهرة الواحدة، وأبرز رؤيتين يكون قد ورثهما تؤسسان رأياً في جمال النص الأدبي، أو تعللان ظاهرة الإعجاز القرآني بيانياً، هما نظرية التخييل الفلسفية، ومفهوم النظم الكلامي. وهما رافدان أثريا المفهوم الواحد في حضارة واحدة، وإن كانت أصولهما في خلاف، ذلك أن الأصل المنطقي لمصطلح التخييل راسخ وشهير، في حين تبدو فكرة الكلام النفسي المستند المفهومي والعقائدي لنظرية النظم.
والموقف العقائدي لعبد القاهر الشافعي الأشعري يهيئ السبل للاقتناع بتبني التفسير الكلامي في شقه الأشعري لظاهرة الإعجاز. من هنا يكون النظم بديلاً على المستوى المبدئي لفكرة التخييل التي هي اصطلاح اعتمده الفلاسفة الإسلاميون في تحديد تصورهم للشعر، ومستندات الفلاسفة في تحديد المصطلح الذي يضبط رأيهم في الشعر مفهوماً ووظيفةً وأداةً مؤسس على آرائهم في الفلسفة عموماً، فإذ تشكل فكرة الصورة والمادة أُسَّه الميتافيزيقي يتجذَّر أصله النفسي في تصور الفلاسفة لملكات النفس وقدراتها ضمن ترتيب القدرات في العقل والتخيير والحس، ويستقيم لهويته الكمال في البعد المنطقي، إذ ليس التخييل سوى قناة من قنوات النفس في صياغة المعرفة المترتبة في سلّم تنازلي يحتل فيه البرهان قمة الهرم، فالجدل ثم السفسطة، فالخطابة، والشعر دون أن ننسى روافد الفلسفة المختلفة وأثرها في تشكيل المفهوم كالأخلاق والسياسة وغيرها.(74).
فبداية لا يمكن لعبد القاهر أن يتبنى هذا الفهم للشعر فضلاً عن أن يعتمده في مقاربة القرآن، والملابسات التي حفّت بمصطلح التخييل عموماً في الثقافة العربية الإسلامية تمنع من تبنيه في درس القرآن، وموقف ابن المنير من الزمخشري ونقده لـه لاعتماده استعمال "اصطلاح التخييل"، في تعليل التشبيه في بعض الآيات القرآنية معروف.(75).
فإذا أضفنا إلى ذلك أن المصطلح نفسه المؤسس على المنطق ـ والفلاسفة لم يبحثوا في الشعر إلا ضمن جملة المنطق من مؤلفاتهم ـ يلتبس بالموقف العام من المنطق في بيئات الفقهاء، والأصوليين واللغويين والنحاة. واستحضار صور من صراع المنطق والنحو قبل عبد القاهر وبعده يكشف حدة هذا الخصام، ويكفي العودة إلى مناظرة السيرافي وأبي بشر متى ابن يونس القنائي التي رواها أبو حيان التوحيدي (76)، للتأكد من عمق الشرخ بين فئتي النحاة والمنطقيين.
وخلفيات الصراع الحضارية التي تكشف صدام الثقافة العربية الإسلامية ومعارفها الأصلية والتقليدية بالطارئ من ثقافات الآخرين وخاصة اليونانية لاتهمنا في هذا المقام، بقدر ما يهمنا أن الصراع ولد منظورين في مقاربة النص، وذلك في السياق الثقافي الواحد، يتأسس أحدهما على المنطق، ويقوم الآخر على النحو. فإذا أضفنا إلى ذلك ـ فيما يتعلق بعبد القاهر ـ آراءه العقائدية، وكونه من علماء النحو، أمكن الإقرار بأن تبنيه النحو أساساً مبدئياً في تعليل بلاغة الكلام أمر بديهي، ومسلّمة يقتضيها الحال والظرف، فإذا أدركنا أن "النحو قبل عبد القاهر كان بسبيل العناية بنظام الكلمات إلى جانب أواخر الكلمات أو الإعراب"(77)، وأن مسائل تنظيم الكلمات تشكل "مجالاً واسعاً للذود عن مكانة الدراسات اللغوية والنحوية حتى يستقيم لها صفة المناظر القوي للمباحث الفلسفية و المنطقية المعنية بالدلالات، والأصول الكلية للتفكير والوجود"(78)، أصبح من مسلّمات البحث لدى عبد القاهر إبداء الرأي في التخييل ومحاصرته ضمن ضوابطه العقائدية ومنطلقاته البلاغية المؤسسة على معاني النحو. ومن هنا يتبدى رأيه الصريح في التخييل الذي يجمله في قوله هو: "ما يثبت فيه الشاعر أمراً هو غير ثابت أصلاً ويدّعي دعوى لا طريق إلى تحصيلها ويقول قولاً يخدع فيه نفسه ويريها ما لا ترى"(79)؛ ويبدو مرتكزه المنطقي والعقلي واضحين في موقفه من التخييل كما بينه الرأي السابق، خاصة عند مقابلة التخييل بالقسم العقلي من المعاني، إذ تنقسم أولاً قسمين: عقلي وتخييلي، وكل واحد منهما يتنوع، فالعقلي على أنواع. أولهما عقلي صحيح، مجراه في الشعر والكتابة، والبيان والخطابة، مجرى الأدلة التي تستنبطها العقلاء، والفوائد التي تثيرها الحكماء...(80).
ولكن إذا كانت الملابسات الثقافية الحافة تحدد موقفه المبدئي الرافض للنهج الفلسفي في تشخيص بلاغة النص، فما الأسس الفنية التي أملت هذه القسمة للمعاني إلى عقلية وتخييلية؟ وهل كان "عبد القاهر في موازنته بين التخييل والحقيقة أبعد مايكون عن صفة البليغ وأقرب ما يكون إلى صفة المتكلم؟ فهو مع النظرة المنطقية إلى العمل الشعري حريص كل الحرص على أن ينظر إلى المعاني من جهة "الصدق والكذب"، لا من جهة حسن الصورة"(81)، وهل كان "مفهومه للتخييل ـ رغم المقارنة بالرسم ـ يدل على أنه لم يفهم منه سوى درجة من "الحيل" العقلية في التمويه"(82).
صحيح أن رأي عبد القاهر في التخييل ينبني على منظور منطقي أو كلامي في مستوى أول، وصحيح أيضاً أن التخييل عنده قياس خادع، غير أن لهذا الرأي نفسه أصلاً لدى الفلاسفة، ذلك أن التخييل لديهم منزّل في أدنى مرتبة في نسقهم المنطقي، ومع إقرارهم بأن جوهر التخييل أو المحاكاة هو الصياغة المتجددة والمتميزة للمعنى أو الحقيقة التي يؤسسها البرهان، فإن هذه الصياغة لا تملك إلا أن تعتمد التمويه في إيصال هذا الخطاب التخييلي إلى الجمهور الذي لا يملك القدرة على استيعاب الخطاب البرهاني الفلسفي، فضلاً عن أن المخيلة لم توضع إلا تحت وصاية العقل(83)، ومع ذلك يكشف عبد القاهر عن موقف أعمق من هذا المستوى، ذلك أنه يدرك أن نظرية التخييل الفلسفية رغم ما لابسها من منطق استطاعت أن تؤسس فهماً متميزاً للشعر مستنداً إلى خواصّه التصويرية، وقد وصلته في طورها الناضج لدى ابن سينا، وأن الإقرار بالنوعية المتميزة للشعر المؤسسة على فكرة التخييل خاصة في إحدى دلالاتها المرادفة للصورة المجازية بأنواعها، انحسار لفعالية الكشف عن سر مزايا الكلام في مستوى الصورة (84)، الذي تعضده الموسيقى أساساً، فيكون البديل لهذه النظرية اعتماد المنطق النحوي الذي ينبني منظوره بالاعتماد على المستوى التركيبي المتفاعل مع مستوى الدلالة بحسب فهم أعمق للصورة الشعرية التي تتحدد في الإثبات وليس في المثبت، أي ستتنزل ضمن علاقات السياق بين معاني الكلم. ومن هنا ركَّز على فكرة القياس الخادع وقد قدمها مدخلاً لرأيه في التخييل، وهذا الموقف يؤول إلى الإقرار بانقباض المجال أمام نظرية التخييل في مواجهة النصوص، ذلك أن مُجملْ الخطابات لا تقوم على القياس الخادع، فهي لا تستطيع أن تفي إلا بشطر من القول، فضلاً عن أنها لن تنفع في بحث الإعجاز، ولا يمكن أن يُدَّعى ـ بحسب فهم عبد القاهر للتخييل ـ أن في القرآن تخييلاً، بل لن تجدي في فهم الشعر الذي يتنزل في القسم العقلي، ومن هنا فتبنيها ضرب من المجازفة التي قد لا تسعف في مواجهة كل النصوص.
ومصداق ذلك أن موقفه العقلي من التخييل لم يمنعه من الإقرار بجانبه الفني الرائع الذي يراه "مفتن المذاهب، كثير المسالك، لا يكاد يحصر إلا تقريباً، ولا يحاط به تقسيماً وتبويباً(85)، وأن المقدمات التخييلية المؤسسة لكثير من الشعر تسلم كما وردت فلا "يؤخذ الشاعر بأن يصحح كون ما جعله أصلاً وعلّة كما ادعاه فيما يبرم أو ينقض من قضية، وأن يأتي على ما صيَّره قاعدة وأساساً ببيّنة عقلية"(86)، بل تمادى في تفريع أنواع التخييل باسطاً هذه الأنواع المختلفة حتى التبس الأمر بالصورة البلاغية صراحة، إذ يقول: "إن باب التشبيهات قد حظي من هذه الطريقة بضرب من ***** لا تأتي الصفة على غرابته"(87)، خاتماً أنواعه المعللة صراحة أو خفية بقوله: "إن الاسم المستعار كلما كان قدمه أثبت في مكانه، كان موضعه من الكلام أضن به وأشد محاماة عليه وأمنع لك من أن تتركه وترجع إلى الظاهر وتصرح بالتشبيه فأمر التخييل فيه أقوى، ودعوى المتكلم له أظهر وأتم"(88)، ومن هنا إذ ينبني رأيه في التخييل على اعتباره قياساً خادعاً لا يمنعه ذلك من الإقرار بفنيته وخلابته، ذلك لأن هناك ثنائية في موقف عبد القاهر تحتكم إليها كل آرائه في بلاغة القول، ترتد إلى الكلام النفسي المتلائم مع العقل، الذي باكتماله في النفس يكتمل اللفظ المعبر عنه في المنطق. فالصورة الراسمة للمعنى التخييلي قد تحوز الحسن، لكن مع الإقرار بقيامها على معنى خادع، ذلك أن جمالية هذا القول لا تزيل أساسه الواهي عقلياً، يتأكد ذلك في موقفه من القبيل الأول أي العقلي، إذ يرى أن العقل بعد على تفضيله "وتقديمه وتفخيم قدره وتعظيمه، وماكان العقل ناصره، والتحقيق شاهده، فهو العزيز جانبه... هذا ومن سلّم أن المعاني المعرقة في الصدق، المستخرجة من معدن الحق، في حكم الجامد الذي لا ينمو، والمحصور الذي لا يزيد؟"(89).
فالمعاني العقلية يمكن أن تضاهي التخييلات بل تفوقها في تشكيلاتها الفنية، وفي تفريعاتها البلاغية القائمة على موافقة العقل، يظهر ذلك في رأيه في الاستعارة، التي يرى أن "سبيلها سبيل الكلام المحذوف في أنك إذا رجعت إلى أصله وجدت قائله وهو يثبت أمراً عقلياً صحيحاً ويدّعي دعوى لها سنخ من العقل"(90)، ذلك أنه يقع التوافق في الاستعارة بين السند العقلي، والصورة الاستعارية التي يتقمصها المعنى القائم على العقل، فلا تكون المسألة كالتخييل الذي هو: أظهر أمراً في البعد عن الحقيقة وأكشف وجهاً في أنه خداع للعقل وضرب من التزويق، هنا يجتمع الأساسان: "خداع العقل والتزويق"(91)، ذلك أن خلابة الصورة لا تنسي الأساس الخادع.
وهذا الموقف يمكِّن العقل من مواجهة النص ويقر بجدارة العقل النقدي وفائدة الكلام المنقود، خاصة إذا كانت المسألة مسألة كشف للإعجاز القرآني، فالمسلّم به أن إعجاز القرآن البياني يقوم على الحقيقة المتطابقة مع العقل، وأن فك رموزه يقتضي تقديم الفرضيتين بداهة، وأن البديل للمنطق المؤسس للتخييل إنما هو النحو الذي يتحكم في المعاني التي تعكس الفكر في نشاطه، إذ ليس النحو إلا منطقاً مسلوخاً من العربية على حدِّ عبارة التوحيدي(92).

عبد القاهر وإشكال اللفظ والمعنى

يمكن أن نسلّم مبدئياً بأن نظرية عبد القاهر في النص الأدبي لها أساسها العقائدي المتجذّر في قناعات دينية وحضارية، ملتبسة بعلوم ومعارف أصيلة تقوم على سند مكين من اللغة والنحو، وأن تحديد مواصفات الكلام البليغ انطلاقاً من هذا الإطار، وبحسب ماكان يعتبر آنذاك سنة جمالية وأدبية يستدعي العناية بقضية اللفظ والمعنى، هذه القضية التي تمثل أساساً قارّاً في كل محاولة عرفها النقد العربي القديم تبتغي تأسيس رأي في بنية النص الأدبي. من هنا يصبح لزاماً الانطلاق من فكرة عبد القاهر في اللفظ و المعنى للوفاء بشروط تقصي رأيه في النظم.
ويمكن اعتماد مستويين في تحديد نظرته إلى المسألة، مستوىً لغوي عام، ومستوىً أدبي. ففي المستوى الأول يمكن الإقرار بأن تصور عبد القاهر للغة يقوم على التمييز بين المعاني والألفاظ، إذ تتحدد العلاقة بينهما في صلة إشارية، تختزل في مواضعة تشير إلى شيء سابق معروف، مما يجعل عبد القاهر يتساءل مندهشاً "كيف والمواضعة لا تكون ولا تتصور إلا على معلوم، فمحال أن يوضع اسم أو غير اسم لغير معلوم، ولأن المواضعة كالإشارة فكما أنت إذا قلت: خذ ذاك: لم تكن هذه الإشارة لتعرف السامع المشار إليه في نفسه ولكن ليعلم أنه المقصود من بين سائر الأشياء التي تراها وتبصرها، كذلك حكم اللفظ مع ما وضع له. ومن هذا الذي يشك أنَّا لم نعرف الرجل، والفرس، والضرب، والقتل إلا من أسمائها؟ لو كان لذلك مساغ في العقل لكان ينبغي إذا قيل: زيد، أن تعرف المسمى بهذا الاسم من غير أن تكون قد شاهدته أو ذكر لك بصفة"(93)، وهذا الرأي أملاه تصور كيفية حدوث المواضعة، إذ تقتضي سبق الوعي بصورة المدلول الذهنية المنعكسة عن مرجع، لتنتهي العلاقة إلى دال يأتلف مع الصورة، ومادامت وظيفة اللفظ تختزل في الإشارة إلى المعلوم، فلن يكون لـه في هذا المنظور أكثر من وظيفة السمة الملحقة بالمعنى، إذ لم تكن "الألفاظ إلا من أجل المعاني وهل هي إلا خدم لها، ومصرفة على حكمها؟ أو ليست هي سمات لها؟"(94)، من هنا تكون العلاقة بينهما علاقة الوعاء بالشيء الموعى فالألفاظ "أوعية للمعاني"(95). ويستتبع ذلك أن يكون العلم باللفظ لاحقاً للعلم بالمعنى. ويستقيم هذا التدرج وفق فكرة الكلام النفسي، إذ "العلم بمواقع المعاني في النفس، علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق".(96).
وإذا كان هذا الفهم يؤول إلى ضرورة تطابق بنية الدوال الخارجية مع بنية المدلولات النفسية الداخلية، فإن دور اللفظ يظل مركّزاً في الشفوف عن المعنى، ويفقد بذلك "فعاليته الجمالية أو أن تلك الفعالية لا تتعلق به أصلاً ولا تقتصر عليه"(97)، ما دمنا نحمل الفعالية الجمالية هنا على كل تركيز يولي اللفظ في ذاته ميزة، ذلك أن قاعدة التحرك التي ستضبط لعبد القاهر مساره المتقصي بنية النص، ستتحدد بمنطقة الصياغة التي هي خلاصة تفاعل بين المعنى واللفظ مما سيمكنه من تجاوز الثنائية التي علقت بهما طويلاً.
فالانتقال من الشق اللغوي العام إلى المستوى الفني سيتأسس في بناء جدالي ينبسط في حجج متتالية، يتعقب فيها عبد القاهر حجج اللفظيين المغالين في التمسك بشكلية تولي اللفظ العناية الأولى، وكذا حجج المعنويين الذين يقدّمون القول بمعناه المرادف للفائدة المستخلصة من الخطاب التي لا يكون التركيز عليها إلا إقراراً بالنجاعة الأخلاقية للمعنى دون تبيان فصاحته أو بيانه.(98).
من مسلّمات رأيه المؤسس على فكرته في النظم القائمة على الأساس النفسي يكون الحكم في الترتيب بين المعاني والألفاظ على مستوى المتكلم متمشياً مع فكرة سبق الكلام النفسي اللفظ الدال عليه "فإن الاعتبار ينبغي أن يكون بحال الواضع للكلام والمؤلف له، والواجب أن ينظر إلى حال المعاني معه لا مع السامع، وإذا نظرنا علمنا ضرورة أنه محال أن يكون الترتيب فيها تبعاً لترتِّب الألفاظ ومكتسباً عنه، لأن ذلك يقتضي ان تكون الألفاظ سابقة للمعاني، وأن تقع في نفس الإنسان أولاً ثم تقع المعاني من بعدها وتالية لها بالعكس مما يعلمه كل عاقل إذا هو لم يؤخذ على نفسه"(99.).
ومصداق ذلك فعل الفكر نفسه الذي هو فعالية في رأي عبد القاهر لا تتم إلا بالمعنى، حيث تتبدى محصلته في الدلالة المؤسسة على العلاقات المعنوية الشاملة للألفاظ الدالة. من هنا لا يتأتى اعتماد الفصاحة إلا على مستوى معنوي، ويستتبع ذلك أن تشكل الألفاظ صورة المعاني المتفاعلة، فمعلوم "أن الفكر من الإنسان يكون في أن يخبر عن شيء بشيء، أو يصف شيئاً بشيء، أو يضيف شيئاً إلى شيء، أو يشرك شيئاً في حكم شيء، أو يخرج شيئاً من حكم قد سبق منه لشيء، أو يجعل وجود شيء شرطاً في وجود شيء، وعلى هذا السبيل. وهذا كله فِكَرْ في أمور معلومة معقولة زائدة على اللفظ"(100)، فمحصلة عملية التعبير بأنواعها إنما هي فعل العقل الواعي في المعاني وفق منطق النحو، وطبيعة الفعل المؤسس للدلالة تفرض خصائصها على مستوى التلقّي. من هنا يكون إدراك الخطاب فعلاً عقلياً متدبراً، وفعل التدبر نفسه لا يقوم إلا على معانقة المعنى بالعقل، إذ "لو كان القصد بالنظم إلى اللفظ نفسه دون أن يكون الغرض ترتيب المعاني في النفس ثم النطق بالألفاظ على حذوها لكان ينبغي أن لا يختلف حال اثنين في العلم بحسن النظم أو غير الحسن فيه لأنهما يحسَّان بتوالي الألفاظ في النطق إحساساً واحداً(101)..
من كل ما سبق يبدو تسلط المعاني على الألفاظ واضحاً وتحكمها في رقابها بيّناً، وتكاد مزية اللفظ تختزل في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى غيرها في السياق.
وهذا يؤكد نسبية الحسن الذي يمكن أن يعلق بأي لفظة "فقد اتضح إذن اتضاحاً لا يدع مجالاً للشك أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ، ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر..."(102).
وما دامت البلاغة عالقة بالمعنى وكل وصف للفظ بالمزية إنما يكون تبعاً لموقعه في سياق دال، أمكن اعتبار ثبات الصورة اللفظية الدالة وتغير المعنى دليلاً أسلوبياً آخر يؤكد سبق المعنى وأولويته "ذلك أنه لو كانت المعاني تكون تبعاً للألفاظ في ترتيبها، لكان محالاً أن تتغيَّر المعاني والألفاظ بحالها لم تزل عن ترتيبها، فلما رأينا المعاني قد جاز فيها التغيير من غير أن تتغير الألفاظ وتزول عن أماكنها علمنا أن الألفاظ هي التابعة والمعاني هي المتبوعة"(103).
فثراء المعنى وإمكانات فهمه متعددة بقدر ما تؤكد كون البلاغة في المعنى تزيح اللفظ عن أن يكون له أهمية أكثر من اعتباره حاملاً لهذا المعنى المتعدد الصور، وفي السياق نفسه يؤكد انتفاء المعارضة من الألفاظ المجردة عن المعاني ترسيخاً لمنحى عبد القاهر نفسه في تأكيد كون البلاغة ومترادفاتها، إنما هو في المعنى "لأنه إذا لم يكن في القسمة إلا المعاني والألفاظ، وكان لا يعقل تعارض في الألفاظ المجردة إلا ما ذكرت لم يبق إلا أن تكون المعارضة معارضة من جهة المعنى، وكان الكلام يعارض من حيث هو فصيح وبليغ ومتخيّر اللفظ حصل من ذلك أن الفصاحة والبلاغة وتخير اللفظ عبارة عن خصائص ووجوه تكون معاني الكلام عليها وعن زيادات تحدث في
أصول المعاني... وأن لا نصيب للألفاظ من حيث هي ألفاظ فيها بوجه من الوجوه"(104).
ويترتّب على ما سلف أن يكون اعتبار وجوه كالجناس والسّجع من فصاحة اللفظ خطأ رغم ارتباطها بالمستوى الصوتي للألفاظ، فقد "يتوهم في بدء الفكرة، وقبل إتمام العبرة، أن الحسن والقبح فيها لا يتعدى اللفظ والجرس.... وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيساً مقبولاً، ولا سجعاً حسناً، حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق نحوه"(105).
ثم يقصد عبد القاهر آراء في التراث تبدو ظاهراً في نصرة اللفظ، فيُخضعها لتأويل يساير رأيه في اللفظ والمعنى خاصة أن فهمها الحرفي الظاهري قد يشوش مسار نظريته ويجد فيه "اللفظيون" دعماً تراثياً لمقولاتهم، فمن الصفات "التي تجدهم يجرونها على اللفظ ثم لا تعترضك شبهة ولا يكون منك توقف في أنها ليست لـه ولكن لمعناه كقولهم: لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه ولفظه معناه، ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك. وقولهم: يدخل في الأذن بلا إذن، فهذا مما لا يشك العاقل في أنه يرجع إلى دلالة المعنى على المعنى وأنه لا يتصور أن يراد به دلالة اللفظ على معناه الذي وضع له في اللغة"(106)، والأساس الذي يعتمده في التدليل على وجهة نظره في اعتبار المقصود من العبارة غير دلالة اللفظ على معناه الوضعي، أصل أسلوبي تنبني الدلالة فيه والمقصد من القول على ما أسماه "معنى المعنى"، إذ يستحيل المدلول المباشر للفظ دالاً للمدلول المقصود، ويكون التسابق بين المدلول الأخير وداله الذي هو مدلول أول، وتنزع من اللفظ في مستواه الصوتي كل قيمة في إحداث أثر ما في المتلقي، ومصداق ذلك رأيه في التذوق الفني إذ يقول "إذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعراً أو يستجيد نثراً، ثم يجعل الثناء عليه من حيث اللفظ، فيقول: حلو رشيق، وحسن أنيق، وعذب، سائغ، وخلوب رائع، فاعلم أنه ليس ينبئك عن أحوال ترجع إلى أجراس الحروف، وإلى ظاهر الوضع اللغوي بل أمر يقع في المرء في فؤاده، وفضل يقتدحه العقل من زناده"(107).
وفي المسار نفسه يكون كل تخصيص للفظ بالحديث أو الوصف إنما هو من باب النيابة عن المعنى دون أن يمتد بالذهن الظن بأن المراد اللفظ في ذاته، فقولهم: "لفظ ليس فيه فضل عن معناه، محال أن يكون المراد به اللفظ، لأنه ليس ههنا اسم أو فعل أو حرف يزيد على معناه أو ينقص عنه. كيف وليس بالذرع وضعت الألفاظ على المعاني، وإن اعتبرنا المعاني المستفادة من الجمل فكذلك... وإنما يختلُّ اللفظ عن المعنى أن تريد الدلالة بمعنى على معنى، فتدخل في أثناء ذلك شيئاً لا حاجة بالمعنى المدلول عليه إليه، وكذلك السبيل في السبك والطابع لا يحتمل شيء من ذلك أن يكون المراد به اللفظ من حيث هو لفظ"(108).
ثم يقصد تكييف بعض الأقوال السابقة، مع أصول نظريته لتستوعب هذه الأصول قصد ترسيخ المسار نفسه المستدل بالتراث وتعميق هذه الأصول نفسها، وتصحيح سوء الفهم الذي أخطأ ـ في رأيه ـ فهم مقاصد الأقدمين، فهل قالوا: "لفظة متمكنة ومقبولة، وفي خلافه: قلقة ونابية، ومستكرهة، إلا وغرضهم أن يعبّروا بالتمكّن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناهما، وبالقلق والنبو عن سوء التلاؤم، وأن الأولى لم تلق بالثانية في معناها"(109).
وأخيراً تبدو حجة يظهر فيها تعليق وصف الفصاحة باللفظ من باب كونها علامة لا تكون فيه إلا ليستدل بها على المزية المذكورة في غيره "فإن قيل: إذا كان اللفظ بمعزل عن المزية التي تنازعنا فيها وكانت مقصورة على المعنى فكيف كانت الفصاحة من صفات اللفظ البتة؟ وكيف امتنع أن يوصف بها المعنى فيقال: معنى فصيح وكلام فصيح المعنى؟ قيل: إنما اختصت الفصاحة باللفظ وكانت من صفته من حيث كانت عبارة عن كون اللفظ على وصف إذا كان عليه دلَّ على المزية التي نحن في حديثها!.. وإذا كانت لكون اللفظ دالاً استحال أن يوصف بها المعنى بأنه دال مثلاً فاعرفه"(110).
وهكذا يكاد اللفظ في ذاته أن يتجرد من كل مزية ولا يكاد يعترف للفظة بأكثر "من أن تكون هذه مألوفة مستعملة، وتلك غريبة وحشية، أو أن تكون حروف هذه أخف، وامتزاجها أحسن". ومما يكدُّ اللسان من هنا انزاح عن الألفاظ أي دور أسلوبي في بنية النص عدا كونها ممراً للمعنى الذي ينسج في المحور التركيبي من خلال مزج دلالات الكلمات في وحدة معنوية، لذلك "لم يحفل الجرجاني بالعمليات التي يمكن أن تقع على محور الاستبدال، ونقض المبدأ الأساس الذي قامت عليه نظرية أسلافه في بلاغة النص وهو مبدأ الاختيار الذي يقوم بدوره على التسليم بأن اللغة توفر لمستعملها أكثر من إمكانية في التعبير عن المتصور الواحد".(112).
ولم يكن حظ المعنى بدلالة الغرض أفضل من حظ اللفظ في نقد عبد القاهر فكلاهما مادتان في مستوى خام ليس من حق طورهما الأول هذا أن ينال حظاً من مزية، فإذا انتفى عن الألفاظ كل مزية فكيف يمكن الإقرار بمثل ذلك للأغراض وأصول المعاني؟ إنما هي مادة قابلة للتشكيل ويتحدد لها الفضل والحسن طبق الشكل الذي تتلبسه والصورة التي تداخلها، ذلك "أنهم لم يعيبوا تقديم الكلام بمعناه من حيث جهلوا أن المعنى إذا كان أدباً وحكمة وكان غريباً نادراً فهو أشرف مما ليس كذلك، بل عابوه من حيث كان من حكم من قضى في جنس من الأجناس بفضل أو نقص أن لا يعتبر في قضيته تلك إلا الأوصاف التي تخص ذلك الجنس وترجع إلى حقيقته وأن لا ينظر فيها إلى جنس آخر وإن كان من الأول بسبيل أو متصلاً به اتصالاً ما لا ينفك منه"(113).
ومع ذلك يرى عبد القاهر أن لبعض المعاني مزيّة ذاتيّة، فهي كالجواهر ليس للفظ فيها أكثر من التّوشية والتّحسين، وأنها كالجواهر المتفرّدة بالحسن يقر لها بالجودة والسبق تطابقها مع العقل وكونها تفريعاً من مأثور الحديث أو القرآن، فقول الشاعر:
وكلّ امرئ يولي الجميل محبّب
صريح معنى ليس للشعر في جوهره وذاته نصيب وإنما له ما يلبسه من اللفظ ويكسوه من العبارة وكيفية التأدية من الاختصار وخلافه والكشف أو ضده، وأصله قول النبي صلى الله عليه وسلم: [جبلت القلوب على حبِّ من أحسن إليها](114). بل قول الله عز وجل: ] ادفع بالّتي هِيَ أَحْسَنْ فَإِذَا الَّذّي بَينَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وليٌّ حَمِيمْ[.(115).
هذا الإقرار يبدو ظاهرياً في نزاع مع رأيه الأسبق الذي ينفي تعليق المزية بالمعنى ويعتبرها من خصوصيات الصورة التي يتجسد فيها المعنى، إلا أن الحجاج العقلي ومرامي الطعن في التخييل مع اعتماد العقل مرجعاً في تعليل الظاهرة الأسلوبية، كانت سبب هذا الاعتراف النسبي بقيمة المعنى في ذاته وليست انزياحاً عن موقف راسخ سابق. وسيتأكد هذا الاعتراف في قوله:"إن من الكلام ماهو شريف في جوهره كالذهب الإبريز الذي تختلف عليه الصور، وتتعاقب عليه الصناعات، وجل المعول في شرفه على ذاته، وإن كان التصوير قد يزيد في قيمته ويرفع من قدره، ومنه ماهو كالمصنوعات العجيبة من مواد غير شريفة فلها مادامت الصورة محفوظة عليها لم تنتقض وأثر الصنعة باقياً معها لم يبطل، قيمة تغلو، ومنزلة تعلو، وللرغبات إليها انصباب، وللنفوس بها إعجاب، حتى إذا خانت الأيام فيها أصحابها، وضامت الحادثات أربابها، وفجئتهم فيها بما يسلبها حسنها المكتسب بالصنعة، وجمالها المستفاد من طريق الغرض فلم يبق إلا المادة العارية من التصوير، والطينة الخالية من التشكيل سقطت قيمتها، وانحطت رتبتها"(116).
فمن الكلام ما له شرف ذاتي، ومنه ما "يشرف" نسبياً بصنعة تغطي عواره، وهنا قد تتنوع مقاييس الحكم بالفضل والمزية، حيث قد يفرد كل عنصر من العناصر المؤسسة للنص بالفضل، هذا الفضل الذي يجب "إما لمعنى غريب يسبق إليه الشاعر فيستخرجه، أو استعارة بعيدة يفطن لها، أو لطريقة في النظم يخترعها"(117)، وهذا الذي يبدو في الظاهر كالتناقض لا يمكن إزاحته إلا بتحديد رأيه في صورة المعنى، صحيح أن هناك إقراراً محتشماً بقيمة بعض المعاني العقلية إذا اعتمدنا التسليم بأن هذا الإقرار لا ينبني عليه اعتراف بفضل بلاغة أو فصاحة، إنما هو سموٌّ معنوي نتج عن مطابقة القيم الدينية أو الأخلاقية عموماً، غير أن هذا التنويه بالقيمة الأخلاقية للمعنى لن يؤسس لدى عبد القاهر أصلاً يعضّد أصوله الفنية الأخرى المعتمدة في النقد، بل يظل اعتبارياً يؤكد اعتباريته هذه رأيه في صورة المعنى.
صورة المعنى عند عبد القاهر

واعتماد مصطلح الصورة يعضده مقابلة الكلام بأشكال الصياغة والنساجة والتصوير وكل الصناعات التي تقصد إحداث الشكل الجميل في المادة الموضوعة للصناعة، بالإضافة إلى أن معاني المصطلح الفلسفية تخدم الغرض النقدي الهادف إلى جلاء بنية النص في لحمة المعنى واللفظ. علماً بأن الاصطلاح معتمد على صعيد واسع، وراسخ في بيئات البلاغيين والنقاد...
فالهيئة التي يتلّبسها المعنى في البيت الشعري، مثلاً، تدعى صورة، فهي على المستوى الفني خصوصية تنطبع على المعنى أما على مستوى المفهوم فهي "تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا"(118)، فهي مقولة ذهنية تكون محصلة لتجريد التجسيد العيني للمعنى في البيت، وهي تبدو في وضعها التشخيصي نظيراً لخصوصية الصورة التي يبين بها الفرد الواحد من آحاد جنسه.
وفي هذا المستوى يستخدم اصطلاح الصورة لغاية ضبط الخصوصيات المشكلة للشيء أو المعنى، ذلك أنه لما "وجدنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في عقولنا وفرقاً عبّرنا عن ذلك الفرق وتلك البينونة بأن قلنا: للمعنى في هذا صورة غير صورته في ذلك"(119).
يفهم من النص السابق أن المعنى الواحد يمكن أن يتلبس بصور شتى تتمايز بسبب مراتب صياغتها، ومن هنا تكون صور المعاني المختلفة هذه تفريعات من أصل واحد يتمثل في بنية معنوية تتبدى في الغرض، وتأخذ أشكالاً متنوعة متفاوتة في الفصاحة، وفق الصياغات المتنوعة" ولا يغرنك قول الناس: قد أتى بالمعنى بعينه وأخذ معنى كلامه فأداه على وجهه فإنه تسامح منهم، والمراد أنه أدى الغرض فأما أن يؤدي المعنى بعينه على الوجه الذي يكون عليه في كلام الأول، حتى لا تعقل ههنا إلاما عقلته هناك، وحتى يكون حالهما في نفسك حال الصورتين المشتبهتين في عينك كالسَّوارين والشنفين فهي غاية الإحالة وظنٌّ يفضي بصاحبه إلى جهالة عظيمة، وهي أن تكون الألفاظ مختلفة المعاني إذا فرقت، ومتفقتها، إذا جمعت وألف منها كلام"(120).
ومن هنا تنتفي من الغرض في أصله أي ميزة، بل لا يمكن أن يتصور إلا متلبساً بصياغة، بصورة تهبه خصوصية ما، وقد يعتمد أدنى هذه الصور المعنوية فصاحة أصلاً، خاصة إذا انتفى منها الخصائص الأسلوبية وصيغت في شكل لغوي مباشر لا تتجاوز الوظيفة فيه المستوى العادي من الكلام.
فإذ تذوب عناصر الصياغة في سياق واحد منطبعة على أصل الغرض لتبرز في صورة منفردة، تكون بذلك عناصر المعنى واللفظ قد تم لها الالتحام في شكل موحَّد يكون أساس كل عملية نقدية، ذلك "أن سبيل الكلام سبيل التّصوير والصيّاغة وأن سبيل المعنى الذي يعبرعنه سبيل الشيء الذي يقع التّصوير والصّوغ فيه كالفضة والذهب يصاغ منهما خاتم أو سوار، فكما أن محالاً إذا أنت أردت النظر في صوغ الخاتم، وفي جودة العمل ورداءته أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع فيه العمل وتلك الصنعة كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام أن تنظر في مجرد معناه".(121).
ولكن إذا كان النظر في الجودة يقتضي بحث الصورة الحاملة فإن هذا لا يترتب عليه أن تكون كل صورة حاملة لمعنى جميلة (122). صحيح أن اعتماد مصطلح الصورة ومقابلته المستمرة باصطلاحات الصياغة والصنعة يشي مبدئياً بالمستوى الفني الذي يسكب فيه المعنى، يدعمه مثل قول عبد القاهر:"وإنا لنراهم يقيسون الكلام في معنى المعارضة على الأعمال الصناعية كنسيج الدّيباج وصوغ الشنف والسوار وأنواع ما يصاغ وكل ماهو صنعة وعمل يد بعدأن يبلغ مبلغاً يقع التفاضل فيه ثم يعظم حتى يزيد فيه الصانع على الصانع زيادة يكون له بها صيت ويدخل في حد ما يعجز عنه الأكثرون"(123)، غير أن مقابلة الكلام بالأعمال الصناعية،" بعد أن يبلغ مبلغاً يقع التفاضل فيه "لا ينفي عن غيره الأدنى الوصف بالصورة، ومن هنا قد تلتبس الصورة في الفهم بالسبق دوماً أو على الأقل بالمستوى البلاغي للكلام، وهذا ليس مطلقاً؛ ذلك أنه إذا أدت المقارنة إلى الإقرار بترادف مفهوم الصورة مع المستوى البليغ من الكلام، فإنه في مواضع أخرى لا يعدو توظيفها التعريف بالنسج الذي تتضام عبره كلمات دالة على معنى ينتسب بدوره إلى غرض أصلي، يؤكد ذلك قوله: "إن أصل الفساد وسبب الآفة هو ذهابهم عن أن من شأن المعاني أن تختلف عليها الصور، وتحدث فيها خواصّ ومزايا من بعد أن لا تكون، فإنك ترى الشاعر قد عمد إلى معنى مبتذل فصنع منه ما يصنع الصانع الحاذق إذا هو أغرب في صنعة خاتم وعمل شنف وغيرهما من أصناف الحليّ"(124)، فإغراب الصنعة الحادث في المعنى المبتذل لا ينفي تلبسه بصورة في مستواه المبتذل ذلك أن "من شأن المعاني أن تختلف عليها الصور". ومن هنا يمكن الاستنتاج بأن "مصطلح الصورة" مصطلح واسع غير مرادف دوماً للكلام البليغ، بل هو مفهوم مرن يمكن أن يستوعب ألواناً شتى من الكلام تتفاوت في الحسن، وترجع مزاياها إلى خصوصيات متنوعة، يصدق ـ مثلاً ـ على الكلام المفسر والتفسير، ذلك "أن قولهم: إن التفسير يجب أن يكون كالمفسر: دعوى لا تصح لهم إلا من بعد أن ينكروا الذي بيّنّاهُ من أن من شأن المعاني أن تختلف بها الصور"(125).
ومفهومه لصورة المعنى هو الذي مكّنه من رفض فكرة السرقات ـ غالباً ـ وتقليص مجال الاحتذاء في نطاق أسلوبي ضيّق، فما دام "المعنى ينقل من صورة إلى صورة"(126)، فكل عودة إلى معنى عار كما هو شائع في قولهم، وكسوته لفظاً جديداً، تعني إخراجه في صورة جديدة، وإلا "فمن أين يجب إذا وضع (الثاني) لفظاً على معنى أن يصير أحق به من صاحبه الذي أخذه منه إن كان هو لا يصنع بالمعنى شيئاً"(127).
فتعدد الإخراج الصوري للمعنى الواحد إقرار بتعدد مستويات البلاغة والفصاحة فيه، من هنا قد يكون المعنى السابق معنى ساذجاً يعاد سبكه في صورة أرقى. يبيّن ذلك ضبط مجالات الاتفاق في السرقة بين الشعراء، ذلك أن الاتفاق قد يكون في عموم الغرض، وقد يكون في وجه الدلالة على الغرض، وإذا كان الاتفاق الأول لا يعتبر سرقة، فإن الثاني "إن كان مما اشترك الناس في معرفته وكان مستقراً في العقول والعادات فإن حكم ذلك وإن كان خصوصاً في المعنى حكم العموم الذي تقدَّم ذكره"(128)، من ذلك أصناف التشبيهات المشهورة، فالصورة الجميلة قد تفقد فضلها بالابتذال، مما يعني أن اعتماد اصطلاح الوصف بالصورة لا يعني المزية مطلقاً، علماً بأن هذا المبتذل والمشترك العامي قد تتغير قيمته فيصير بما "غيَّر من طريقته، واستؤنفَ من صورته، واستجد له من المعرض، وكسي من دلِّ التعرض، داخلاً في قبيل الخاص الذي يتملك بالفكرة والتعمل، ويتوصل إليه بالتدبر والتأمل"(129).
وإذا قصدنا التدليل على معنى "مصطلح الصورة" بالبحث عن مقابلاته البلاغية، أو تجسداته الأسلوبية في النص، تأكد لدينا أن أصناف الكلام المفيدة في مراتبها العادية أو الفنية تخضع لوصف الصورة، فعلى مستوى الكلام الفصيح نراه" ينقسم قسمين: قسم تعزى المزية والحسن فيه إلى اللفظ وقسم يعزى ذلك فيه إلى النظم"(130)، بل "إن ههنا كلاماً حسنه للفظ دون النظم، وآخر حسنه للنظم دون اللفظ، وثالثاً قَرَنَ الحسن من الجهتين"(131).
يتجسد الترتيب في أصناف الكلام باعتماد نماذج من الصياغات للتمثيل لكل مستوى "فلو أن قائلاً قال: رأيت الأسد، وقال الآخر: لقيت الليث: لم يجز أن يقال في الثاني إنه صور المعنى في غير صورته الأولى، ولا أن يقال أبرزه في معرض غير معرضه"(132). فصورة الكلام في المثال السابق لا تعدو المستوى العادي المفيد حتماً ولكنه خلو من البلاغة، ذلك "أن صور المعاني لا تتغير بنقلها من لفظ إلى لفظ حتى يكون هناك اتساع ومجاز وحتى لا يراد من الألفاظ ظواهر ما وضعت لـه في اللغة ولكن يشار بمعانيها إلى معان أخر"(133). فالصورة المجازية إحداث للصنعة في الكلام العادي تنتقل به من مستواه إلى المستوى البليغ، حيث تتكثف الدلالة وتنتفي المباشرة من الخطاب. هذا هو المستوى الأول من التغيير؛ غير أن هناك تغييراً آخر يحدث في بنية الكلام في مستوى العلاقات الركنية أو التوزيعية يتحول فيه المعنى إلى صورة أبدع، نظراً لعلاقات التفاعل الحاصلة بين الكلم علماً بأن الألفاظ ثابتة على حالها لم تتعرض لتغير مجازي "واعلم أن هذا كذلك ما دام النظم واحداً، فأما إذا تغير النظم فلابد حينئذٍ من أن يتغير المعنى على ما مضى من البيان في مسائل التقديم والتأخير وعلى ما رأيت في المسألة التي مضت الآن أعني قولك: إن زيداً كالأسد وكأن زيداً الأسد: ذلك لأنه لم يتغير من اللفظ شيئ وإن تغير النظم فقط"(134).

النظم عند عبد القاهر الجرجاني

تفيدنا هذه الوقفة مع اصطلاح "صورة المعنى"، في تأكيد أن إسقاط هذا الوصف على الكلام لا ينبني عليه الإقرار ببلاغة أو فصاحة، بل يتسع الوصف باصطلاح الصورة لمراتب الكلام المختلفة. وسيفيدنا ثانياً، إذ يلتبس بمصطلح النظم في تحديد مقاصد عبد القاهر منه. ويكشف اعتماد هذا الاصطلاح عن تطور في بحث إشكال اللفظ والمعنى، ذلك أنه يعني الإقرار بتكامل عناصر البنية دوالاً ومدلولات، بحيث يتعلق الحال ببنية النص في ذاته المتولدة من تفاعل اللفظ والمعنى مما ينم عن فهم شكلي للعبارة؛ ذلك أن التعامل هنا خارج الأغراض كأصول للمعاني وخارج المستوى الصوتي للألفاظ بل يندرج في سياق دلالة تفرزها خصوصية الصياغة، ويتأسس الفعل النقدي بالاستناد إلى معاينة بنية تتعاضد فيها وحداتها، لا يعكرها إلا غياب العناية بالمستوى الصوتي للألفاظ، وانحسارها في حدود الجملة.
غير أن بالإضافة إلى ما سبق، نؤسس على فكرة عبد القاهر في صورة المعنى رأيه فيما يتعلق بثنائية اللغة والكلام، ذلك أن اصطلاح الصورة لا يعتمد إلا في وصف الكلام المنجز، فإذا كان تفرع الكلام إلى معنى ولفظ ملحمين في صورة، يقتضي الإقرار ـ على مستوى المعنى ـ بأصل الغرض، فإنه يستوجب على مستوى الألفاظ الإقرار بأصلها الخام، المتمثل في الكلم المفردة، من هنا يمكننا التسليم بداهة بأن النظم لا يكون إلا في مستوى الكلام، وأن معانيه الملتبسة بمفهوم العلاقات والترتيب أو معاني النحو، لن تكون إلا في الكلام "فكما لا تكون الفضة خاتماً أو الذهب سواراً أو غيرهما من أصناف الحلي بأنفسها ولكن بما يحدث فيها من الصورة، كذلك لا تكون الكلم المفردة التي هي أسماء وأفعال وحروف كلاماً وشعراً من غير أن يحدث فيها النظم الذي حقيقته توخي معاني النحو وأحكامه"(135).
ويمكن استخلاص المقابلات التالية من النص السابق، وهي: أن الفضة أو الذهب تؤولان إلى خاتم أو سوار، بعد انطباع الصورة عليهما، وأن الكلم المفردة (أسماء، وأفعالاً، وحروفاً)، تستحيل كلاماً وشعراً بتشكلها بالنظم الذي هو توخي معاني النحو وأحكامه.
فتكون الصورة في الطرف الأول معادلة للنظم في الطرف الثاني، وتتيح لنا هذه النتيجة مبدئياً إسقاط دلالات مصطلح صورة حسب ما حدده استخدام عبد القاهر لها في ما سلف من نصوص على مصطلح نظم، مما يمكننا من تقديم هذه الفرضية المبدئية، وهي أن اصطلاح النظم لن يختص بالكلام الفني فقط، بل يعم إطلاقه كل كلام مفيد: فنياً وغير فني.
وتمثل اللغة حسب هذا التحديد المادة الخام التي تستغل في كل تركيب دال، ذلك أن الفضة في وضعها الخام ليست إلا مادة محايدة، قد تتشكل في صور شتى تبعاً لقصد الصائغ، تماماً كحال الكلم المفردة بالنسبة إلى الكلام المنجز الدال.
ويؤسس هذا التقابل الأصل اللغوي لنظرية عبد القاهر في النظم، من هنا يتميز إنجازه في إعطاء المصطلحات العامة دلالات محددة تفي بأغراض المقصد البلاغي، وتكشف عن تفرد صاحبها في الفهم. فليس اصطلاح الصورة المقابلة للمادة إلا مفهوماً فلسفياً أصوله ضاربة في الإلهيات، استغله الفلاسفة والنقاد لتشخيص علاقة اللفظ بالمعنى في النص، ولن يشذ عبد القاهر عن القاعدة، إلا أنه يأبى إلا أن يخصص هذا الاصطلاح أو يعتمد مرادفاً له أدق يكون راسخ الامتداد في منطلقاته الثقافية. فكان أن اعتمد الوصف بالحسن العائد إلى اللفظ تارة، والحسن العائد إلى النظم أو كليهما معاً تارة أخرى بدائل لمفهوم الصورة، ثم يسود مفهوم النظم منظوراً لمحاصرة كل كلام مفيد بليغ وغير بليغ، فإذا أضفنا إلى ذلك أن الأساس النحوي للمفهوم يجرد المصطلح من أبعاده الفلسفية، أو يقلل على الأقل من أثر هذه المعرفة "الدخيلة" في فكر عبد القاهر النقدي اكتمل لعبد القاهر موقف أصيل متميز عن منحى الفلاسفة في تحليل الخطاب منطلقات وإجراء.
فانطلاقاً مما سلف، يمكن لعبد القاهر أن يدلّل على الأصل اللغوي لنظريته في النظم، ذلك أن "الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها، ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينها
فوائد"(136)، فلا يترتب على الألفاظ إفادة "حتى تؤلف ضرباً خاصاً من التأليف، ويعمد بها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب"(137).
وإذا كان هذا عامّاً في كل استعمال للغة لمجرد تحقيق الاتصال بين المتخاطبين، فإن الأمر في الكلام الفني أخص. من هنا لا يكون لمعاني الألفاظ المفردة أي حظ من الوصف بالبلاغة ذلك أن "ليس لنا إذا نحن تكلمنا في البلاغة والفصاحة مع معاني الكلم المفردة شغل ولا هي منا بسبيل، وإنما نعمد إلى الأحكام التي تحدث بالتأليف والتركيب"(138).
هذه الأحكام التي تحدث بالتأليف والتركيب ليست إلا معاني النحو وهذا لا ينفي إمكانية التفكير في معاني الألفاظ المفردة أصلاً، ولكنه "لا يتعلق بها مجردة من معاني النحو ومنطوقاً بها على وجه لا يتأتى معه تقدير معاني النحو وتوخيها فيها"(139)، ذلك أن كل قصد للكلام إنما هو قصد لتحقيق مفهوم واحد يكون محصلة ترتيب في معاني ألفاظ مؤسس على معاني النحو؛ ذلك أن مثل "واضع الكلام مثل من يأخذ قطعاً من الذهب أو الفضة فيذيب بعضها في بعض حتى تصير قطعة واحدة. وذلك أنك إذا قلت: ضرب زيد عمراً يوم الجمعة ضرباً شديداً تأديباً لـه: فإنك تحصل من مجموع هذه الكَلِمْ كلها على مفهوم هو معنى واحد لا عدة معان كما يتوهمه الناس، وذلك لأنك لم تأتِ بهذه الكلم لتفيده أنفس معانيها وإنما جئت بها لتفيده وجوه التعلق التي بين الفعل الذي هو ضرب وبين ما عمل فيه والأحكام التي هي محصول التعلق"(140).
فالغاية من النظم إحداث تأليف بين الكلم بحيث يترتب على هذا التأليف المتوافق مع العقل بناء الدلالة ومن ثمة المفهوم الواحد، ومادام كل فعل تأليف إنما يحدث بين معاني الكلم، فإن المواد اللغوية في مستواها الخام تشكل الدلالة الموجودة بالقوة التي يخرجها النظم إلى الفعل، وتتأكد شرعية هذا التصور في بعده الأصولي المنسجم مع ثنائية اللغة والكلام وأصول الغرض وصورة المعنى. فإذا كان توخي التأليف في معاني الكلم إحداثاً للدلالة وبالتالي للصورة المعنوية، وإذا كانت تلك فعالية حادثة في الكلام مبدئياً، فإن هذا التأليف إذ يترادف مع مفهوم العلاقة والانتظام الحادثين بين الكلم في طور أول، يعود فيتخصص بمعاني النحو في طور أدق، فماذا يقصد بمعاني النحو وأين يمكن أن تتنزل ضمن نظريته في النص عامة؟
ينفي عبد القاهر مبدئياً أن يكون القصد من معاني النحو الإعراب، ذلك أنه "لم يجز إذا عد الوجوه التي تظهر بها المزية أن يعد فيها الإعراب وذلك أن العلم بالإعراب مشترك بين العرب كلهم، وليس هو مما يستنبط بالفكر ويستعان عليه بالرؤية (كذا)، فليس أحدهم بأن إعراب الفاعل الرفع والمفعول النصب والمضاف إليه الجر بأعلم من غيره، ولا ذاك المفعول به مما يحتاجون فيه إلى حدة ذهن وقوة خاطر. إنما الذي تقع الحاجة فيه إلى ذلك العلم بما يوجب الفاعلية للشيء إذا كان إيجابها من طريق المجاز كقوله تعالى ]فما ربحت تجارتهم[، وكقول الفرزدق "سقتها خروق في المسامع"، وأشباه ذلك مما يجعل الشيء فيه فاعلاً على تأويل يدق، ومن طريق تلطف، وليس يكون هذا علماً بالإعراب ولكن بالوصف الموجب للإعراب"(141)، فإذا كانت المزية منتفاة من الأشكال الظاهرية للإعراب وأن معاني النحو ليست هي هذه الأشكال، فإن العلم بالوصف الموجب للإعراب كالفاعلية مثلاً من صميم معاني النحو، وهي من حقول فعل العقل حيث بواسطتها يتم إلحام معاني الكلم بمزجها في مفهوم واحد وفق التلاحم الذي تحدثه معاني النحو، باعتباره المفتاح الذي يتم به بناء علم الدلالة المحدثة بينها، ذلك أنه: "قد علم أن الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها، وأن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها، وأنه المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه".(142).
فليست دلالة الإعراب في النص السابق دلالة شكلية، ذلك أنه يتعلق بها تفتيق المعاني والأغراض من الألفاظ، وليست المعاني والأغراض نتاج الألفاظ المفردة، وإنما هي خلاصة التفاعل الحادث بين كلمتين فأكثر بحسب ما تبيحه معاني النحو، وهي أخيراً المعيار المحدد للخطأ والصواب في القول، وبما أن كل نضد للدلالة ضمن سياق معنوي تنتجه كلمات لا يتحقق إلا بتوخي معاني النحو في معاني الكلم، إذ تبلغ بها وحدة المفهوم، ومجانبة الخطأ وتحقيق الصواب رهن التزامها أيضاً، أمكن تحديد معاني النحو وفق هذا التصور بما يعرف حديثاً بالوظائف النحوية(143).
إلا أن ذلك لا يعني حصرها في الأبنية القاعدية للتركيب، فمما قد يشفع لهذا الفهم تحديد عبد القاهر معاني النحو في نص نادر، لم يقصد فيه غير ذكر نماذج للنظم البليغ الذي يتحقق به لصاحبه السبق، إذ لو لم يكن كذلك لما
"كان إذ سبق الخليل وسيبويه في معاني النحو إلى ما سبقا إليه من اللفظ والنظم لم يسبق الجاحظ في معانيه التي وضع كتبه لها إلى ما يوازي ذلك ويضاهيه"(144).
ونستضيئ بتمثيله لندرك قصده من معاني النحو التي سبق إليها الخليل وسيبويه. ذلك أنه إذ يذكر سبق الشاعر والناثر إلى النظم الذي يعلم أن من يعقبه لا يدانيه فيه يخلص إلى القول: "ومن أخص شيء بأن يطلب ذلك فيه الكتب المبتدأة الموضوعة في العلوم المستخرجة، فإنا نجد أربابها قد سبقوا في فصول منها إلى ضرب من اللفظ والنظم أعيا من بعدهم أن يطلبوا مثله، أو يجيئوا بشبيه له، فجعلوا لا يزيدون على أن يحفظوا تلك الفصول على وجوهها، ويرددوا ألفاظهم فيها على نظامها، وكما هي وذلك ما كان مثل قول سيبويه في أول الكتاب:"وأمّا الفعل أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء وبنيت لما مضى وما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع لا نعلم أحداً أتى في معنى هذا الكلام بما يوازيه أو يدانيه، أو يقع قريباً منه"(145)، فإذا كان السبق يجلوه الاستخدام المتميز لمعاني النحو لتحقيق المقاصد والأغراض، فإن المقصد هنا هو التعبير عن المعاني النحوية نفسها، والتقنين لها، وهذا لا يؤدي إلى حصرها في مستوى الأبنية القاعدية للتركيب، إذ لو كان كذلك لما كان استخدامها في ضبط بعض فصولها دليل سبق سيبويه، وليس هذا السبق سوى التوظيف الذكي لما يتلاءم مع المقصد من هذه المعاني، ويؤدي ذلك إلى الإقرار بأن تجريد أصولها في كتاب لا ينبني عليه حصر دلالتها في هذا المستوى التقعيدي، فهي تتعلق بالاستعمال مادام حمل النظم على معاني النحو يقتضي ربطها بحقل الكلام بداهة، ومن هنا توفر هذه الأبنية القاعدية إمكانات الصوغ غير المحدودة للمقاصد وفق نوايا المتكلمين بحسب الوجوه والفروق التي توفرها. ذلك أن كل نظم إنما هو تفاعل معانٍ نحوية مع معاني كلم مفردة، وإذا كانت معاني الكلم المفردة لا تعني الناظم في شيء، إلا أن تنتظم كلاماً دالاً، كذلك يخرج من حقل اهتمامه الحصر النظري للقواعد النظرية للتركيب، إنما الغاية في استغلالها في كل سلوك قولي ذلك:"أن لا نظم في الكلم ولا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض ويبنى بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب من تلك، هذا ما لا يجهله عاقل، ولا يخفى على أحد من الناس، وإذا كان كذلك فبنا أن ننظر إلى التعليق فيها والبناء وجعل الواحدة منها بسبب من صاحبتها ما معناه وما محصوله، وإذا نظرنا في ذلك علمنا أن لا محصول لها غير أن تعمد إلى اسم فتجعله فاعلاً لفعل أو مفعولاً أو تعمد إلى اسمين فتجعل أحدهما خبراً عن الآخر...".(146).
وما دام كل تعليق للكلام بعضه ببعض لا يتم إلا بتوخي معاني النحو انعدم إيجاد رباط للكلمات خارج هذه المعاني، وانضبط بموجب ذلك الأساس المعياري المؤسس لصحة القول ذلك "أنا إن بتنا الدهر نجهد أفكارنا حتى نعلم للكلم المفردة سلكاً ينظمها وجامعاً يجمع شملها ويؤلفها ويجعل بعضها بسبب من بعض غير توخي معاني النحو وأحكامه فيها، طلبنا ما كل محال دونه"
(147)، ذلك أن كل استعمال للكلام عموماً لغاية تحقيق الإفادة لابد له من أن يتأسّس على السبك النحوي لمعاني كلماته المفردة وإلا انتفت عن المتكلم صفة المؤلِّف، "وذلك إن عمدت إلى ألفاظ فجعلت تتبع بعضها بعضاً من غير أن تتوخى فيها معاني النحو لم تكن صنعت شيئاً تدعى به مؤلفاً"(148). وإذا كان عدم توخي معاني النحو في معاني الكلم انعداماً للدلالة كما يتأكد ذلك في قول عبد القاهر:"ومن أجل ذلك امتنع أن يكون لك قصد إلى فعل من غير أن تريد إسناده إلى شيء مظهر أو مقدر مضمر، وكان لفظك به إذا أنت لم ترد ذلك وصوت تصوته سواء"(149). أمكن الاستنتاج بأن معاني النحو وإن ارتبطت بالكلام، فإن ما سلف من النصوص يقر بعموميتها، وأنها قاعدة كل قول، وأساس كل كلام، ولكن عبد القاهر يؤسس على نظريته في النظم قانوناً لضبط خصائص الكلام البليغ والتدليل على الإعجاز، فالمعاني النحوية التي ينبني على مراعاتها تحقيق وحدة المفهوم الجامع لشتات معاني الكلمات المفردة في السياق الواحد، بقدر ما يتفرع منها المنظور المعياري الضابط لفساد القول وصحته ومن ثمة المنطلق في تأسيس كل قول مفيد، بقدر ما يشكل التصرف فيما توفره من علاقات منتظمة لصلات الكلم مستوى ثانياً يختص بالقول البليغ، ذلك أن الوجوه والفروق التي توفرها معاني النحو متعددة، وأن المقاصد والأغراض مختلفة، فضلاً عن أن العلائق الدلالية الملحمة للكلم تفسح المجال لتفجير طاقات اللغة الكامنة، يضاف إلى ذلك أن القول البليغ كثيراً ما يتحقق بتجاوز المستوى القاعدي لمعاني النحو.
وإذ يحصر عبد القاهر في نصه الآتي الإمكانات غير المحدودة التي توفرها وجوه كل باب من أبواب النحو وفروعه، يتأكد تركيزه أيضاً على الأساس المعياري يقول: "واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مفاهيمه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخلّ بشيء منها، وذلك أنا لا نعلم شيئاً يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه، فينظر في الخبر إلى الوجوه التي تراها في قولك: زيد منطلق وزيد ينطلق وينطلق زيد ومنطلق زيد وزيد المنطلق والمنطلق زيد وزيد هو المنطلق وزيد هو منطلق (يذكر أمثلة في الشرط والجزاء، والحال، وبعض الحروف)، ثم يقول: وينظر في الجمل التي تسرد فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل، ثم يعرف فيما حقه الوصل موضع الواو من موضع الفاء وموضع الفاء من موضع ثم وموضع أو من موضع أم وموضع لكن من موضع بل، ويتصرف في التعريف والتنكير والتقديم والتأخير في الكلام كله. وفي الحذف والتكرار أو الإضمار والإظهار فيضع كلاً من ذلك مكانه، ويستعمله على الصحة، وعلى ما ينبغي له"(150).
ويطالعنا في بداية النص حشد من مصطلحات من مثل: الوضع، القوانين، الأصول، المفاهيم، الرسوم، محكومة بأفعال، مثل: تضع، يقتضي، تعمل، تعرف، نهجت، تزيغ، تحفظ، تخل، حيث يجمع في آخر النص النمطين من الكلمات في قولـه: "يستعمله على الصحة". ويبدو هذا الحشد تأكيداً للقيمة المعيارية ذلك أن "المعاني من هذه الجهة تنزل منزلة المعايير التي يرجع إليها في الحكم على صحة الكلام وسقمه، واطراده وشذوذه". (151)، ذلك أن توفر الصحة أساس كل قول، وينبني على هذا الإقرار بأن كل قصد للفصاحة أو البلاغة في القول لا يقوم إلا على مراعاة الصحة أيضاً، وأن انتفاء الصحة من القول انعدام للبلاغة فيه وليس انعدام البلاغة انتفاء للصحة.
إن معاني النحو إذ تشكل الأساس لكل قول يكمن ثراؤها وعدم محدودية وجوهها وفروقها، في ما توفّره أبنيتها الأساسية من إمكانات التفريع منها، ذلك أن "اللغة توفّر لمستعملها أكثر من إمكانية لصياغة نفس الوظيفة النحوية، وأن بين هذه الإمكانيات المتنوعة في البناء فروقاً معنوية، وأن كل بنية مع ما يصاحبها من خصوصيات معنوية توافق مقاماً معيناً وتخدم غرضاً دون غرض".(152)
وهنا نجد التعاضد التام للأصول المؤسسة لنظرية الجرجاني في النظم، ومفهومه لمعاني النحو، ذلك أن أصول الأغراض، واللغة كما تتجسد هنا في أقسام الكلم المفردة، والقواعد النظرية للتركيب، تشكل مواد البنية في طورها الخام، ثم تلتحم الإمكانات المتفرعة من استغلال الملائم من هذه الأصول وفق الغرض المقصود في بنية لغوية مخصوصة تشكل صورة معنوية متميزة. وهذا سيوفر إمكانات التعبير المتنوعة وفق المقاصد "المختلفة". ويمكن التمثيل لذلك بالنص التالي الذي يستشهد فيه عبد القاهر بأبيات شعرية تصديقاً لرأيه في وحدة أجزاء الكلام المؤسسة للمفهوم الواحد، وهو إذ يقر بامتناع هذا النوع من الحصر، يمثل لـه بالمزاوجة "بين معنيين في الشرط والجزاء معاً كقول البحتري:
إذا ما نهى النَّاهي فلجّ بي الهوى


أصاخت إلى الواشي فلج بي الهجر



فهذا نوع، ونوع منه آخر قول سليمان بن داود القضاعي:
فبينا المرء في علياء أهوى



ومنحط أتيح لـه اعتلاء


وبينا نعمة إذ حال بؤس



وبؤس إذ تعقبه ثراء



ونوع ثالث وهو ماكان كقول كثير:
وإني وتهيامي بعزّة بعدما


تخليتُ مما بيننا وتخلّت


لك المرتجى ظلَّ الغمامة كلما


تبوأَّ منها للمقيل اضمحلَّتِ..."(153).



فبحسب ما سلف يمكن لنظرية عبد القاهر في النظم أن تعدد فعاليتها وأن تشمل كل استعمال للكلام، سواء أكان لمجرد الاتصال أم للتأثير الفني، وهذا الفهم يبدو مخالفاً لرأي حمادي صمود في النظم إذ يحصره في الكلام الفني ولا يرى لـه علاقة بغيره(154)، وقد انبنى هذا على رأيه في مدلول النظم، إذ بعد أن دفع أن يكون في الإعراب أو في قواعد التركيب النظرية خلص إلى القول بأن النظم أو معاني النحو،" هو خضوع الكلام لنواميس الفكر وبروزه على هيئة تحاكي الروابط المنطقية التي يقيمها بين المعاني فتكون البنية اللغوية صدى لبنية عقلية، منطقية سابقة"(155). وعلى الرغم من أن هذا التحديد يتوافق مع تعليلات شتى لعبد القاهر تبتغي حصر فعالية النظم من مثل قوله: "ليس الغرض بنظم الكلم أن توالت ألفاظها في النطق، بل أن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل".(156). وهي تقع في الصميم من أصوله المرتدة إلى معطيات كلامية راسخة في نظرية الكلام النفسي، فإن هذا التحديد يمثل حصراً لفعالية النظم في أقصى مراتبها من منظور أساسها العقلي، حينما تكون صياغة القول صدى لفعل العقل المتدبر في العلائق اللاحمة لمعاني الكلمات في كمونها النفسي الممثلة لبنية القول العميقة، حيث ستمثل هذه الممارسة قاعدة الكلام الأدبي، لكن هذا لا يتنافى مع شمول النظرية كل مراتب الكلام، دون أن يؤدي بنا هذا إلى الادعاء بأن عبد القاهر يولي الأهمية نفسها لكل هذه المراتب، إذ إن أغراضه الأساسية محصورة في التدليل على إمكان البرهنة على الإعجاز بالاعتماد على النظم، ومن ثمة وصف خصائص "الأدبية" في النص الأدبي عموماً.
وتتبدَّى الفعاليتان اللتان تبينان عن شمول نظرية النظم صنفي الكلام العادي والأدبي في قول عبد القاهر:"فلست بواجد شيئاً يرجع صوابه إن كان صواباً وخطؤه إن كان خطأ إلى النظم، ويدخل تحت هذا الاسم، إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه ووضع في حقه، أو عومل بخلاف هذه المعاملة فأزيل من موضعه... ويكفيك أنهم قد كشفوا عن وجه ما أدركناه حيث ذكروا فساد النظم، فليس من أحد يخالف في نحو قول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكا



أبو أمه حي أبوه يقاربه



وقول المتنبي:
ولذا اسم أغطية العيون جفونها



من أنها عمل السيوف عوامل



وفي نظائر ذلك مما وصفوه بفساد النظم وعابوه من جهة سوء التأليف، أن الفساد والخلل كانا من أن تعاطي الشاعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير الصواب، وضع في تقديم أو تأخير أو حذف وإضمار أو غير ذلك ما ليس له أن يضعه، وما لا يسوغ ولا يصح على أصول هذا العلم، وإذا ثبت أن فساد النظم واختلاله أن لا يعمل بقوانين هذا الشأن ثبت أن سبب صحته أن يعمل عليها، ثم إذا ثبت أن مستنبط صحته وفساده من هذا العلم ثبت أن الحكم كذلك في مزيته والفضيلة التي تعرض فيه"(157).
فإذا كان تنكب الصواب في استعمال معاني النحو مدعاة للوقوع في الفساد فإن "المزية والفضيلة" التي تعرض في الكلام مردهما إليه أيضاً، ولقد حصر شكري عيّاد الفعاليتين المسندتين إلىمعاني النحو، بعد أن عرض محتوى العلاقات الحادثة بين الكلم وفق ما أسماه "بارتباط معنوي بين العامل والمعمول"، ذلك أن "هذه العلاقات بين الكلم هي ما يسميه عبد القاهر"معاني النحو"، وقد ارتقت نظرية النظم من هذا الأصل إلى البحث في وجوه التصرف في هذه العلاقات، للتوصل إلى معرفة أنحاء الحسن في الكلام".(158).
والحق أن مفهومه للصورة يسعفنا في تأكيد هذا الفهم، فبالرغم من
قولـه: "إنه لا يكون ترتيب في شيء حتى يكون هناك قصد إلى صورة وصنعة"(159)، فإنه ليس كل قصد إلى صورة يقتضي تحقيق البلاغة، ذلك أننا رأينا أن المعاني تختلف عليها الصور، وأن الاصطلاح يطلق على الكلام المفسر وعلى التفسير، وأنها تتسع لتشمل في حدود دلالتها الكلام العائد حسنه إلى اللفظ والذي يعود حسنه إلى النظم، وإلى الذي يجمعهما. وإذا كنا ندرك أن الترتيب في الكلم المؤسس على "معاني النحو"، إنما هو تخصيص وتوثيق نحوي لمدلول الصورة، أصبح بالإمكان الإقرار بأن كل توخٍّ لمعاني النحو في الكلم لا ينبني عليه تحقيق بلاغة وفصاحة، بل لابد من خصوصية أخص "ولذلك اعتبر الجرجاني أن فكرة النظم هي العمود الفقري في كل طاقات اللغة على المستوى الإخباري وعلى المستوى الإنشائي كذلك"(160)، يتأكد ذلك في قول عبد القاهر الآتي: "وجملة الأمر أنه كما لا تكون الفضة خاتماً أو الذهب سواراً أو غيرهما من أصناف الحلي بأنفسهما ولكن بما يحدث فيهما من الصورة، كذلك لا تكون الكلم المفردة التي هي أسماء وأفعال وحروف كلاماً وشعراً من غير أن يحدث فيها النظم الذي حقيقته توخّي معاني النحو وأحكامه".(161).
فتوخي معاني النحو في الكلم تحقيق للكلام وللشعر، ولا نعتقد أن ذكره الكلام هنا من باب الترادف. ذلك أن دلالة الكلام أعم من دلالة الشعر، وهذه أخص من تلك، ذلك أنه إذا كان تحقيق الفائدة في الخطاب متعلقاً بفعالية الأساس النحوي فيه متجسداً في معانيه، فإن انتفاء هذه المعاني من القول انتفاء لإمكان إطلاق صفة المؤلف على صاحبه، ولكن هذا المستوى الأول المجسد لكل اتصال بين المتخاطبين لا ينبني عليه الجمال حتماً، إنما يتأسس الجمال في القول بمراعاة الإفادة والتحسين معاً، ومن هنا يمكن الإقرار بأن كل قول جميل مفيد أصلاً لأنه لا يمكن أن يقوم على خطأ، ودليل ذلك رأيه في بيتي الفرزدق والمتنبي السابقين إذ كان كشفاً عن سوء استعمال معاني النحو وعن الفساد العالق بالكلم الناتج عن الانحراف عن إخراج القول وفق معايير هذه المعاني، من هنا لم يكن التحليل تشخيصاً للبلاغة بقدر ماهو تدليل على تعقيد المعنى أو فساده أصلاً، وتأكيد ذلك موقف له ثانٍ من بيت الفرزدق حيث يرى أن سبب فساده في كونه "لم يرتّب الألفاظ في الذّكر، على موجب ترتّب المعاني في الفكر، فكدّ وكدّر، ومنع السامع أن يفهم الغرض إلا بأن يقدِّم ويؤخِّر، ثم أسرف في إبطال النظام، وإبعاد المرام، وصار كمن رمى بأجزاء تتألف منها صورة ولكن بعد أن يراجع فيها باب من الهندسة لفرط ما عادى بين أشكالها، وشدّة ما خالف بين أوضاعها".(162).
وتعليق "فهم" البيت بإعادة ترتيب أجزائه حصر للتحليل في مستوى الإفهام، ولكن إذا كان الخطأ يظهر جلياً في الانحراف عن معايير النحو، فكيف يمكن تحديد المزية في القول، ومن ثم ماهي حدود القول البليغ الذي يمكن اعتباره كلاماً يختص، فضلاً عن أن في هذا المستوى الفصيح نفسه يقع التفاضل؟
ومقابلة رأييه في بيت الفرزدق يسعف في الجواب: إذ يعتمد في الرأي الأول تشخيص سبب الفساد في تنكب معاني النحو، وفي الثاني في حدوث التضاد بين ترتيب الألفاظ والفكر، مما يبيح الاستنتاج بتطابق معاني النحو والفكر، وأن اللفظ ليس إلا السطح الظاهري لبنية الفكر الخفية، وأن معاني النحو إذ تؤسس قاعدة كل كلام عادي أو بليغ تجعل كل إبداع فني إنما يتم في وصاية العقل، فليس "الغرض بنظم الكلم أن توالت ألفاظها في النطق، بل أن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل"(163).
ومادام كل كلام لا يتم إلا بمراعاة معاني النحو أي لا يتأتى إلا في وضوح فعل العقل، وأن فعل العقل في صوغ الكلام غير متواتر الدرجة والقوة، أمكن التسليم مبدئياً بأن إجهاد العقل في نضد الكلام يتماشى مع المقاصد السامية فيه، وهذا يشكل قاعدة أولى لإحداث خصوصية في الكلام ويمثل شرطاً أولياً لبلوغ الغاية الفنية فيه. ويتجسد هذا المبدأ في قول عبد القاهر معدداً أصناف القول في بحثه السرقات حاصراً نمطها الذي يخوّل لصاحبه السبق والتفرد، ويكون ذلك فيما "ينتهي إليه المتكلم بنظر وتدبّر ويناله بطلب واجتهاد ولم يكن كالأول (يقصد عموم الغرض والمشترك وإن كان ذا خصوصية)، في حضوره إياه... بل كان من دونه حجاب... نعم إذا كان هذا شأنه، وههنا مكانه، وبهذا الشرط يكون إمكانه، فهو الذي يجوز أن يدعي فيه الاختصاص والسبق والتقدم والأولوية وأن يجعل فيه سلف وخلف ومفيد ومستفيد، وأن يقضي بين القائلين فيه بالتفاضل والتباين وأن أحدهما فيه أكمل من الآخر وأن الثاني زاد على الأول ونقص عنه وترقَّى إلى غاية أبعد من غايته، أو انحدر إلى منزلة هي دون منزلته"(164).
فالكلام الذي يتحقق بالتدبر والنظر والاجتهاد سيتخصص بمزايا تفرده عن المشترك والمتداول. ولاشك أن هذا الأساس القاعدي المتجسد في أساس الإبداع لا يعمل في فراغ، بل يتفاعل مع ما توفره أنماط التراكيب من إمكانات لصوغ الغرض المقصود، ذلك أن المزية لا تعود إلى مراعاة الوجوه والفروق اللغوية المختلفة، بل تتجسد في الانتقاء الواعي للنمط الملائم للغرض المقصود، هذا الانتقاء الذي يتمثل في التوظيف الملائم للوجوه والفروق المختارة في مواضعها المحددة، وهنا يكون التصرف في هذه الوجوه بما يخدم الأغراض تحقيقاً لبلاغة القول حيث يتم للمعنى أن يتشكل في صورة لائقة، ذلك أنه "إذا عرفت أن مدار أمر النظم على معاني النحو وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه فاعلم أن الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازدياداً بعدها، ثم اعلم أن ليست المزية بواجبة لها في أنفسها ومن حيث هي على الإطلاق ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام ثم بحسب موقع بعضها من بعض واستعمال بعضها مع بعض تفسير ذلك أنه ليس إذا راقك التنكير في "سؤدد"، من قوله "تثقل في خلقي سؤدد" وفي "دهر" من قوله "فلو إذ نبا دهر"، فإنه يجب أن يروقك أبداً وفي كل شيء. ولا إذا استحسنت لفظ ما لم يسم فاعله في قوله "وأنكر صاحب" فإنه ينبغي أن لا تراه في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك هنا. بل ليس من فضل ومزية إلا بحسب الموضع، وبحسب المعنى الذي تريد والغرض الذي تؤم"(165). مما سلف يتحقق المبدأ الثاني المعتمد في إخراج القول البليغ، والمعلل لظاهرة الكلام الفني باعتباره فناً متميزاً ضمن الكلام عموماً، ويتفرع من هذا المبدأ شروط تتمثل في إحداث التلاؤم بين البنية اللغوية من جهة والغرض من جهة أخرى، مع ضبط التوافق بين عناصر القول المختلفة ضمن مواضعها المنقاة.
إذا أضفنا إلى ما سلف أن هيئات التأليف توفّر لمستعمل الكلام إمكان إحداث خصوصيات بليغة في القول، مما يخرج عن نطاق مراعاة القواعد الحرفية للوظائف النحوية أو قواعد الاستعمال اللغوي، ويتحقق ذلك في وجوه التأليف التي تحدث في الكلام بمراعاة التكرار أو الحذف، أو التقديم أو التأخير، وغيرها أمكن ضبط هذا المبدأ الثالث المهيئ لإخراج القول غير مخرج العادة، ذلك "أن المزية لو كانت تجب من أجل اللغة والعلم بأوضاعها وما أراده الواضع فيها لكان ينبغي أن لا تجب إلا بمثل الفرق بين الفاء وثم وإن وإذا وما أشبه ذلك، مما يعبِّر عنه وضع لغوي فكانت لا تجب في الفصل وترك العطف وبالحذف والتكرار والتقديم والتأخير وسائر ماهو هيئة يحدثها لك التأليف ويقتضيها الغرض الذي تؤمّ والمعنى الذي تقصد، وكان ينبغي أن لا تجب المزية بما يبتدئه الشاعر والخطيب في كلامه من استعارة اللفظ للشيء لم يستعر لـه، وأن لا تكون الفضيلة إلا في استعارة قد عُرفت في كلام العرب وكفى بذلك جهلاً".(166).
فإذا أضفنا إلى ما سبق حديثه عن الابتداع في وجوه المجاز المتمثلة في التشبيه والاستعارة خاصة باعتبارها من مسوّغات السبق كما أشير إلى ذلك في آخر النص السابق، علماً بأن فهمه لهذه الوجوه البلاغية إنما يتأسس على اعتبارها من مقتضيات النظم، لأنه بدون مراعاة السياق والأحكام الحادثة بين الكلم لا يمكن إحداث هذه الوجوه "لأنه لا يتصور أن يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يتوخّ فيما بينها حكم من أحكام النحو"(167).إذا ضممنا إلى ما سبق هذه الوجوه البلاغية قام بموجبها المبدأ الرابع، وبه تكمل حلقات المبادئ المجسمة للمسالك الموصلة إلى الكلام البليغ، وكل اقتراب من تحقيق هذه المبادئ في القول اقتراب من تحقيق السبق في حدود الكلام البليغ نفسه.
وخلاصة القول إن مواجهة النص بمفاتيح تزدوج فيها الرؤية بين اللفظ والمعنى والنظم كان الغالب على دارسي الإعجاز قبل عبد القاهر، ثم استحالت هذه المفاتيح عنده نظرية متماسكة تراهن على مبادئ لغوية وتعتمد السياق لتعليل وحدة عناصره المتفاعلة بالاعتماد على معاني النحو.

c
¡ هوامش الفصل الرابع:

(1)ـ الرماني، النكت في إعجاز القرآن، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن: 111.
(2)ـ الخطابي، بيان إعجاز القرآن، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن: 35.
(3)ـ الباقلاني، إعجاز القرآن، 95.
(4)ـ نفسه. ينظر:التمهيد.
(5)ـ القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل، ج16، في إعجاز القرآن:
197.
(6)ـ نفسه: 225. وكذا: 216-321.
(7)ـ الرماني، النكت: 94.
(8)ـ نفسه: 96.
(9)ـ نفسه: 82.
(10)ـ نفسه: 107.
(11)ـ الخطابي، بيان: 36.
(12)ـ نفسه: 27.
(13)ـ نفسه: 36.
(14)ـ نفسه: 29.
(15)ـ نفسه: 50-51.
(16)ـ الباقلاني، إعجاز القرآن: 36.
(17)ـ نفسه: 37.
(18)ـ الرماني، النكت: 75.
(19) ـ نفسه: 85.
(20) ـ نفسه: 88.
(21) ـ نفسه: 97.
(22) ـ نفسه: 98-99.
(23) ـ نفسه: 76.
(24) ـ نفسه: 79-80.
(25) ـ الخطابي، بيان: 27.
(26) ـ نفسه.
(27) ـ نفسه: 36.
(28) ـ نفسه: 37.
(29) ـ نفسه: 26.
(30) ـ نفسه: 63.
(31) ـ نفسه: 44.
(32) ـ الباقلاني: إعجاز القرآن: 286.
(33) ـ نفسه: 119.
(34) ـ نفسه: 42.
(35) ـ نفسه.
(36) ـ نفسه: 58.
(37) ـ نفسه: 61.
(38) ـ نفسه: 119.
(39) ـ نفسه.
(40) ـ نفسه:90.
(41) ـ نفسه.
(42) ـ القاضي عبد الجبار، المغني، ج16: 197.
(43) ـ إعجاز القرآن: 276.
(44) ـ نفسه: 112.
(45) ـ الباقلاني، التمهيد: 151.
(46) ـ سورة النمل، الآية: 6.
(47) ـ الباقلاني، إعجاز القرآن: 189.
(48) ـ سورة النمل، الآية: 8.
(49) ـ الباقلاني، إعجاز القرآن: 190.
(50) ـ نفسه.
(51) ـ نفسه.
(52) ـ نفسه: 208-209.
(53) ـ سورة النساء: الآية: 23.
(54) ـ الباقلاني، إعجاز القرآن:208.
(55) ـ نفسه: 207.
(56) ـ نفسه: 193-194.
(57) ـ نفسه: 160 وما بعدها.
(58) ـ نفسه: 222.
(59) ـ نفسه: 159 وما بعدها.
(60) ـ شكري عيّاد، المؤثرات الفلسفية والكلامية في النقد العربي والبلاغة العربية. الأقلام: 9.
(61) ـ حمادي صمود، التفكير البلاغي: 493.
(62) ـ القاضي عبد الجبار، المغني 16-207.
(63) ـ نفسه: 214.
(64)ـ نفسه: 199.
(65) ـ نفسه.
(66) ـ نفسه.
(67) ـ نفسه.
(68) ـ نفسه:199-200.
(69) ـ نفسه:200.
(70) ـ نفسه:224.
(71) ـ نفسه:282.
(72) ـ نفسه:357.
(73) ـ نفسه:381.
(74) ـ ينظر: الفصل السابق.
(75) ـ ينظر: ابن المنير، هامش الكشاف 1: 292-310-586. ج3: 40-163.
(76) ـ ينظر: الإمتاع والمؤانسة: 1: 107....
(77) ـ مصطفى ناصف، نظرية المعنى في النقد العربي: 21.
(78) ـ نفسه: 23.
(79) ـ عبد القاهر، أسرار البلاغة: 253.
(80) ـ نفسه: 241.
(81) ـ شكري عيّاد، كتاب أرسطو طاليس في الشعر: 259.
(82) ـ إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي: 437.
(83) ـ ينظر: الفصل السابق.
(84) ـ صحيح أن هناك من المتكلمين ـ كالرماني ـ من اعتبر الصورة البلاغية من وجوه الإعجاز، وخالفه عبد القاهر، وسبقه الباقلاني إلى ذلك، ولكن المسألة هنا تتجاوز مجرد رفض الاعتماد علىعنصر جزئي كالصورة في تعليل الإعجاز، إلى دفع فكرة التخييل نفسها نظراً لقيامها على أساس واهٍ.
(85) ـ عبد القاهر، الأسرار، 242.
(86) ـ نفسه:248.
(87) ـ نفسه: 262.
(88) ـ نفسه:295 .
(89) ـ نفسه:251.
(90) ـ نفسه: 253.
(91) ـ نفسه.
(92) ـ الإمتاع والمؤانسة، 1: 115. ولكن هذا لا يعني أن المعاني التخييلية تنفلت من إسار النحو، صياغة ومقاربة، إنما القصد أنها متهافتة من منظور المعيار.
(93) ـ الدلائل: 416.
(94) ـ نفسه:320.
(95) ـ نفسه:43.
(96) ـ نفسه:44.
(97) ـ حمادي صمود، التفكير البلاغي: 466.
(98) ـ ورأي عبد القاهر في الموضوع مطروق في كثير من كتابات الباحثين، وقد أفدنا في الموضوع من: درويش الجندي، نظرية عبد القاهر في النظم: 91.... عبد القادر المهيري، مساهمة في التعريف بآراء عبد القاهر الجرجاني، في اللغة والبلاغة، ضمن حوليات الجامعة التونسية، عدد 11، السنة 1974: 110... حمادي صمود، التفكير البلاغي: 467.... علماً بأن عبد القاهر قد دفع حجج من لا يرى للفصاحة والبلاغة أكثر من الصحة اللغوية أو يعادلها بتمام آلة البيان، أو يسوي بينها وبين أصناف الدلالات المختلفة. ينظر: الدلائل: 45.... 352-353. والمراجع السابقة على التوالي: 35: 108-109: 461.....
(99) ـ الدلائل: 320.
(100) ـ نفسه:319.
(101) ـ نفسه:41-42.
(102) ـ نفسه:38.
(103) ـ نفسه: 285. ينظر أيضاً: 283-284.
(104) ـ نفسه: 200.
(105) ـ عبد القاهر، الأسرار: 5-10.
(106) ـ الدلائل: 206.
(107) ـ عبد القاهر، الأسرار: 4.
(108) ـ عبد القاهر، الدلائل: 351-352.
(109) ـ نفسه: 36.
(110) ـ نفسه: 50.
(111) ـ نفسه: 36. ينظر أيضاً: الأسرار: 4-5.
(112) ـ حمادي صمود، التفكير البلاغي: 470.
(113) ـ عبد القاهر، الدلائل: 196.
(114) ـ سورة فصّلت: الآية: 34.
(115) ـ عبد القاهر، الأسرار، 244.
(116) ـ نفسه: 25.
(117) ـ عبد القاهر، الرسالة الشافية، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن: 123.
(118) ـ عبد القاهر، الدلائل: 389.
(119) ـ نفسه.
(120) ـ نفسه: 201-202.
(121) ـ نفسه : 196-197.
(122) ـ ينظر: درويش الجندي، نظرية عبد القاهر في النظم: 74.
(123) ـ الدلائل: 201.
(124) ـ نفسه: 367-368.
(125) ـ نفسه: 327.
(126) ـ نفسه: 385.
(127) ـ نفسه: 369-370.
(128)ـ عبد القاهر، الأسرار: 313-314.
(129) ـ نفسه: 315.
(130)ـ عبد القاهر، الدلائل، 329.
(131)ـ نفسه: 78.
(132)ـ نفسه: 204.
(133)ـ نفسه.
(134)ـ نفسه: 205.
(135)ـ عبد القاهر، الدلائل: 373.
(136)ـ نفسه: 415.
(137)ـ عبد القاهر، الأسرار: 3. وتغنينا بعض الإشارات إلى الأصول اللغوية لنظرية عبد القاهر في النظم، إذ شكل موضوع اللغة والكلام عنده حضوراً في كثير من الأعمال، ذلك أنه يكشف وجهاً معاصراً في فكره، ينظر على سبيل المثال: عبد القادر المهيري، مساهمة...: 96... حمادي صمود، التفكير البلاغي: 50...
(138)ـ عبد القاهر، الدلائل: 57.
(139)ـ نفسه: 314.
(140)ـ نفسه: 316.
(141)ـ نفسه: 302.
(142) ـ نفسه: 23.
(143)ـ ينظر : عبد القادر المهيري، مساهمة...: 101. البدراوي زهران، عالم اللغة عبد القاهر الجرجاني: 184.
(144)ـ عبد القاهر، الرسالة الشافية: 141.
(145)ـ نفسه: 140.
(146)ـ عبد القاهر، الدلائل: 45.
(147)ـ نفسه: 300.
(148)ـ نفسه: 283.
(149)ـ نفسه: 405.
(150) ـ نفسه: 64-65.
(151) ـ لطفي عبد البديع، التركيب اللغوي للأدب: 7.
(152)ـ حمادي صمود، التفكير البلاغي: 515.
(153)ـ عبد القاهر، الدلائل: 74.
(154)ـ التفكير البلاغي: 518.
(155)ـ نفسه: 517.
(156)ـ الدلائل: 40-41.
(157)ـ نفسه: 65-66-67.
(158)ـ كتاب أرسطو طاليس في الشعر: 271-272.
(159)ـ عبد القاهر، الدلائل: 278.
(160)ـ عبد السلام المسدي، التفكير اللساني في الحضارة العربية: 330.
(161) ـ الدلائل: 373.
(162)ـ عبد القاهر، الأسرار: 21.
(163)ـ عبد القاهر، الدلائل: 40-41.
(164)ـ عبد القاهر، الأسرار: 314-315.
(165)ـ عبد القاهر، الدلائل: 69-70.
(166)ـ نفسه: 193.
(167)ـ نفسه: 300-301.


cc





الفصل الخامس:
حازم القرطاجني
وانصهار النظم والتخييل.



يشبه موقف حازم القرطاجنّي موقف عبد القاهر الجرجاني في ما ينبغي أن يتخذه ذو الذهن الكبير من ثقافات عصره من مواقف، وفي حسم ما يكون قد وصله من قناعات وآراء تأخذ صبغة المبادئ في الحقول المعرفية التي يتعاطاها. غير أن الشبه بينهما لا يعدو هذا المنطلق، بل يمكن الإقرار بأن حصيلة موقفيهما أقرب ما تكون إلى التباين، علماً بأن هذا التباين لم يمنع حازماً من الإفادة من عبد القاهر.
وأصول هذا التباين أو الاختلاف تمتد إلى خصام النحو والمنطق باعتبارهما علامتين مميزتين لمنحيين في التفكير يرفد كلاً منهما مصدر مغاير للآخر، فالأول يتمثل في الثقافة العربية الإسلامية في حدود أصالتها من منظور علماء الإسلام وعلماء اللغة خصوصاً، وما يتفرع من ذلك من شعب تتأسس على مسلمات قائمة على أساس من الشرع أو الفكر اللغوي العربي الأصيل الذي لم يكن إلا حاشية على علوم القرآن، أما الثاني فيتجسد في الفكر الفلسفي ذي الأصول اليونانية خاصة، هذا التفكير الذي اعتبر ـ عند أقطابه ـ أسّ الأسس في كل معرفة تبتغي بلوغ اليقين.
من هنا اعتمدوه منطلقاً فيصلاً في ضبط مناهج البحث في المعارف وتأسيس دروب التفكير العقلي الصحيح. وتم له أن يطول خصوصيات في الثقافة العربية الإسلامية كالشعر والخطابة، خاصة في أعمال شراح أرسطو من الفلاسفة الإسلاميين. فكان له أن ينظّر لهذه الحقول التي تمثل في ذهن العربي أصلاً من أصول ثقافته، باحثاً في حقيقتها مؤسساً على هذا التصور غاية لها تندرج ضمن حدود التفكير الفلسفي عامة، مفرعاً القول في تحديد خصائص الأداة الفنية، ومن هنا تحدد للفلاسفة تصور للخطابة والشعر ضمن جملة المنطق.
وقد بدا لنا ضمن هذا الجدال في مستوى التصور النقدي والبلاغي تشكل منظورين في سياق الثقافة الواحدة، يهتمان ببلاغة النص الأدبي ضمن إطار من التصور الشامل لماهية الأدب عموماً وغايته: هما مفهوم التخييل ومفهوم النظم، وقد بدا لنا أن اعتماد عبد القاهر النحو لوضع ضوابط رأيه في بنية النص مؤسس على موقف عقائدي يبتغي، بالإضافة إلى التدليل على الإعجاز، إيجاد البديل لنظرية التخييل القائمة على أسس من المنطق. والواقع أن هذا الاختلاف يمتد إلى المناحي المعرفية المختلفة التي شهدتها الحضارة العربية الإسلامية عموماً وإن تشكل بطابع العلم المدروس. وتواصل هذا الصدام منوِّعاً مرافعاته إلى آخر عقول هذه الحضارة الكبيرة، من مثل ابن رشد والقرطاجني وابن خلدون...
وليس مصادفةً أن يتحاور العقل و النقل في فلسفة ابن رشد لينتهي إلى ضبط حدود فعالية كل طرف، ثم إحداث التصالح بحسب المنظور الرشدي وليس التخاصم بين الشريعة والفلسفة، لتنتهي المسألة بابن خلدون الذي شكّلت مناحي المعرفة السابقة بكل تفرعاتها اللغوية والدينية والكلامية والفلسفية، ضمن إطار من التاريخ الشامل منطلقاته في استنباط النواميس الضابطة لسير الحضارة عموماً، بحسب تصوره، والإسلامية خصوصاً. وقد تم ذلك أيضاً من خلال تفاعل ذهن كبير مع إشكال الفلسفة والنحو، أو ثقافة الأسلاف الأصيلة "وثقافة الأسلاف الطارئة"، ليؤسس هو نفسه تأليفاً يلحم هذه الفعاليات ضمن تكامل دقيق يتأسس من وجهة نظرنا على التخييل ويستفيد من النظم أيضاً في إطار من تخصصه في النقد والبلاغة.
كان بين يدي حازم القرطاجني، تراث في البلاغة والنقد يستقطبه منظوران يتمثلان في فكرة التخييل ومفهوم النظم، ولاشك أن عوامل شتى جعلت حازماً أميل إلى رأي الفلاسفة، باعتداده حفيداً مخلصاً في حقل النقد والتنظير لنظرية التخييل، وقد يعود ذلك إلى ثقافته الفلسفية، ذلك أنه تلميذ لتلميذ ابن رشد، أبي علي الشلوبين، وقد يكون وراء امتهان التفلسف، دوافع أملتها وقائع حضارة توشك أن تأفل، فكان من مستلزمات تعليل قوانين هذا الأفول في المسرح الحضاري العام أو في أي حقل من حقول المعرفة، الاستعانة بالفلسفة إذ بوساطتها يمكن تأسيس القول على منطلقات عقلية أو مسلمات منهجية، ومن هنا يبدو التكامل بين روافد الثقافة العربية الإسلامية عموماً في نتاج ابن رشد، وحازم القرطاجني، وابن خلدون.
ومن هنا نعتقد أن موقف القرطاجني في تبني نظرية التخييل لتأسيس تصور للشعر، لم يكن ليمنعه من استغلال نظرية النظم، إذ نجد حضوراً فاعلاً لبعض عناصر هذه النظرية في مفاصل دقيقة من نظرية حازم، كما نجد أيضاً تأويلاً لكثير من مسلمات هذه النظرية وتفسيراً جديداً لمعطيات مختلفة من نتاجها.
طعن عبد القاهر في الأساس العقلي للتخييل، وهو يؤسس مفهومه للنظم لاعتبارات مختلفة عرضنا لها في الفصل السابق، وافتعل القرطاجني موقفاً غير طيب من المتكلمين لينصر نظرية التخييل. ولم يكن مصادفةً أن عرض حازم إلى المتكلمين وهو يضبط ماهية الشعر، في حدود مفهوم التخييل في المنهج الثالث من القسم الثاني من الكتاب. هذا المنهج المخصص لبحث هذا الموضوع، خاصة أن البحث في المسألة قام على الدفاع عن الصدق في الشعر، وإزاحة ما علق به من تصورات توهن من قدره وتعتبره كذباً، ولم يكن رأي عبد القاهر في التخييل إلا كونه قياساً خادعاً.
وأسّس حازم دفاعه عن الشعر معتمداً على استشهادات من الفارابي وابن سينا خصوصاً(1)، منطلقاً أساساً من أن الخاصية المميزة للشعر هي كونه تخييلاً، وأن لا معتبر إذ ذاك بالمعنى في ذاته، إذ العبرة بالبنية والخواص الشكلية التي يتلبّس بها المعنى، من هنا ندرك مقدار قسوته على المتكلمين، إذ يقول:"وإنما غلط في هذا ـ فظن أن الأقاويل الشعرية لا تكون إلا كاذبة ـ قوم من المتكلمين لم يكن لـهم علم بالشعر، لا من جهة مزاولته ولا من جهة الطرائق الموصلة إلى معرفته، ولا معرج على ما يقوله في الشيء من لا يعرفه، ولا التفات إلى رأيه فيه. فإنما يطلب الشيء من أهله، وإنما يقبل رأي المرء فيما يعرفه.(2).
وقد يكون وراء هذا الموقف وقائع شهدها حازم من معاصريه ولم يكن موقف كثير من علماء الأندلس ومفكريها من الشعر في صالحه(3)، وقد يكون من ملابسات هذا الرأي المستوى المتدّني الذي بلغه الشعر في نظر الجمهور عموماً، وعند كثير من متعاطي الشعر عن غير دراية بموالجه خصوصاً. يظهر ذلك في شكوى حازم المتكررة من معاصريه، ونعيه هوان الشعر على أيديهم، إذ يرى أن التفاعل مع الخطاب الشعري، إنما يقوم على استعداد مزدوج يظهر نوعه الأول في أن "تكون للنفس حال وهوى قد تهيأت بهما لأن يحركها قول ما بحسب شدة موافقته لتلك الحال والهوى.. والاستعداد الثاني هو أن تكون النفوس معتقدة في الشعر أنه حكم وأنه غريم يتقاضى النفوس الكريمة الإجابة إلى مقتضاه بما أسلبها من هزّة الارتياح لحسن المحاكاة"(4)، فإذا كان الاستعداد الأول موجوداً عند كثير من الناس في كثير من الأحوال، فإن الاستعداد الثاني "الذي يكون بأن يعتقد فضل قول الشاعر وصدعه بالحكمة فيما يقوله فإنه معدوم بالجملة في هذا الزمان، بل كثير من أنذال العالم، و ما أكثرهم، يعتقد أن الشعر نقص وسفاهة"(5).
غير أننا نعتقد أن خلف هذا الموقف أيضاً رأياً حاسماً من المتكلمين عموماًِ، ومن عبد القاهر الجرجاني خصوصاً، وبالتحديد ما خص به عبد القاهر بحث التخييل في أسرار البلاغة من صحائف طوال تقوم على مسلمة خلاصتها أن التخييل قياس خادع، وإن اعترف لـه بالخلابة والرونق(6).فإذا كان: "يبدو أن حازماً عرف الجرجاني"(7)، فإن هذه المعرفة تولد منها تدعيم نظرية التخييل واعتمادها في ضبط تصور للشعر، يظهر ذلك في أمور ومواقف عديدة: أولها أنه عرض للمتكلمين وهو يبحث في القسم المخصص للتخييل، ونحن نعلم أنه في هذا القسم أيضاً من أسرار البلاغة، درس عبد القاهر التخييل وبيّن رأيه فيه.
ويظهر ثانيها في مواصلة حازم تعليل جهل المتكلمين بالشعر من حيث أن بحثهم فيه خارج عن اختصاصهم، ذلك أن "الذي يورّطهم في هذا أنهم يحتاجون إلى الكلام في إعجاز القرآن، فيحتاجون إلى معرفة ماهية الفصاحة والبلاغة من غير أن يتقدَّم لهم علم بذلك، فيفزعون إلى مطالعة ما تيسر لهم من كتب هذه الصناعة فإذا فرَّق أحدهم بين التجنيس والترديد، وميّز الاستعارة من الإرداف، ظن أنه قد حصل على شيء من هذا العلم، فأخذ يتكلم في الفصاحة بما هو محض الجهل بها"(8).
وتجريد حازم المتكلمين من كل جهود في البحث البلاغي مدعاة إلى وصف موقفه بالعاطفي المتحيز، ذلك أن المتكلمين، عموماً، من مؤسسي البحث البلاغي عند العرب، ويكفي أن ندرك ما لمجهودات المعتزلة في حقل المجاز من تأصيل، وما للأشاعرة من الإنجازات في تأسيس بلاغة القول على مسلمة الكلام النفسي، مما يستدعي تنزيل جهودهم البلاغية في تيار مستقل خاص(9)، لنتأكد من باعهم في هذا الحقل المعرفي.
فإذا كان في مثل هذا الموقف من حازم ما يدعو إلى وسمه بالتحيّز، فإن في تعداده ـ ساخراً ـ تفريق أحدهم بين التجنيس والترديد، وتمييزه الاستعارة من الإرداف، ما قد يدل على اعتماد "أسرار البلاغة"، في تحديد هذه المباحث التي ذكرها حسب الترتيب السابق، ذلك أن عبد القاهر بدأ البحث في "أسرار البلاغة" بالتجنيس والسجع ليخلص إلى الاستعارة ومنها إلى التشبيه بفروعه، فالتخييل، ولا نظن أن الترتيب الذي اعتمده حازم، وهو ينطبق على فهرست عبد القاهر، كان مصادفة، بالإضافة إلى ما سبق تتردد اصطلاحات مصدرها أعمال عبد القاهر لدى حازم، من مثل: النظم، وصور المعاني وهيئتها، والمعاني الأوائل والمعاني الثواني، بل سيعتمد حازم في آخر المطاف، على النحو في ضبط بنية العبارة، علماً بأن توظيفه هذه المصطلحات لم يكن لمجرد الترديد أو النسخ بل فرَّع منها الجديد، وضخم بعضها لتمتد إلى أفق أشمل مما كانت لدى عبد القاهر، من هنا يمكننا الإقرار بأن إفادة حازم من عبد القاهر أكيدة، كما نقدمها فرضية في مدخل هذا الفصل، غير أنه أخفى مصدره في اعتماد بعض أصول نظرية النظم، وأبدى موقفاً ناقداً للمتكلمين ليعيد إلى التخييل اعتباره، وليخفي ـ كما يبدو لنا ـ اعتماده على مبادئ مستقاة من إنجاز عبد القاهر، وإخفاء حازم مصادره ليس جديداً فقد استفاد من ابن رشد، في مواضع كثيرة، من نظريته، بل وصل به الأمر أحياناً إلى حد نسخ بعض آرائه(10)، وهو أستاذ أستاذه، ولم يشر إليه ولو مرة واحدة في المنهاج، علماً بأنه ردَّد ذكر الفارابي وابن سينا واقتطع نصوصاً من شروحهما فن الشعر الأرسطي في أكثر من موضع من الكتاب.

اللفظ والمعنى عند حازم القرطاجني

يهمنا في بحثنا نظرية حازم في الشعر وآراءه في البلاغة، ما يخدم هذا البحث ويتفاعل مع منهجه، من هنا تكون قضايا البحث في الشعر: حقيقته ووظيفته وأسس كل ذلك الممتدة إلى أصول فلسفية عامة، ونفسية خاصة، وكذا اجتماعية تؤطر للقيمة، خارجاً عن حقل هذا البحث، وإن كنا سنستغل من هذه المفاهيم ما يخدم غرضنا. ذلك أن جسر التحرك عندنا هو انتظام بنية النص في مستوياته المتعددة، في وحدة متفاعلة أو متراكمة والقواعد المؤسسة لهذا التصور، حيث تتفرع هذه المستويات من محوري التأسيس لكل قول وهما اللفظ والمعنى، من هنا يكون الإلمام بتصور حازم للفظ والمعنى في مستوى مبدئي ضرورة يفرضها البحث.
والواقع أن حازماً أسس كتابه انطلاقاً من فكرته في اللفظ والمعنى، ذلك أن أقسام الكتاب الأربعة ليست إلا ترداداً متكرراً للفظ والمعنى في مستوى بسيط أو مستوى مركب. فالقسم الأول الضائع من الكتاب يبحث في الألفاظ، ويختص الثاني بالمعاني ليتضخم بحث الألفاظ في قسم ثالث أسماه النظم، ولتستحيل المعاني إلى قسم رابع مركّب أيضاً هو الأسلوب. وتقسيم الكتاب بهذا الشكل بقدر ما يكشف عن أثر قدامة بن جعفر في ضبط شكله ظاهراً، وقدامة حاضر في كثير من مباحث الكتاب، بقدر ما يدل على المنطلق المؤسس لثنائية اللفظ والمعنى عند حازم، وتسليمه المبدئي بكون القصيدة تركيباً متناسباً من مستويات متنوعة، ترتد إلى معان وأساليب مصوغة في ألفاظ تتلاحم في نظام جامع لشتات مركب من أغراض.
والأساس الفلسفي الذي يؤسّس منهج الكتاب وتفريعات موضوعه ويحصر تصور حازم المعنى واللفظ، يمتد إلى رأيه في الدلالة عموماً وفي طابعها العائد إلى فلاسفة الإسلام حيث تترتب مستويات الدلالة في تدرج نوعي يبدأ من الوجود الشخصي العيني، فالذهني، لتتقمص أثره المدلولات جسم الألفاظ، هذه المدلولات التي يمكنها ـ في رأيه ـ أن تستقر في رسم حروف تدل على ألفاظ، ذلك "أن المعاني هي الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان. فكل شيء له وجود خارج الذهن فإنه إذا أدرك حصلت له صورة في الذهن تطابق لما أدرك منه، فإذا عبر عن تلك الصورة الذهنية الحاصلة عن الإدراك أقام اللفظ المعبر به هيئة تلك الصورة الذهنية في أفهام السامعين وأذهانهم. فصار للمعنى وجود آخر من جهة دلالة الألفاظ، فإذا احتيج إلى وضع رسوم من الخط تدل على الألفاظ من لم يتهيأ له سمعها من المتلفظ بها صارت رسوم الخط تقيم في الأفهام هيئات الألفاظ فتقوم بها، في الأذهان صور المعاني، فيكون لها أيضاً وجود من جهة دلالة الخط على الألفاظ الدالة
عليها".(11).
فعندما يتوفر للذهن إدراك الشيء، تكون محصلة الإدراك صورة ذهنية لما أدرك من هذا الشيء، تنطبع في الذات المدركة حسب ملابسات الإدراك وحالاته، وإذا كان حازم لا يشير هنا إلى ما يلحق الشيء المدرك من تأثر ذاتي، فإن هذا لا يعني أن ما أدرك يحتفظ بخصوصيته في وجوده العيني، من هنا لا يكون الإدراك إلا بتفاعل ذات وموضوع(12). ولاشك أن صورة الشيء الذهنية التي يكون للفظ القدرة على رسمها عند التعبير ستتشكل طبيعتها بحسب صورة اللفظ، الذي يمكّنها من أن تغادر حدود الذات إلى فسحة الخطاب، وليس من المستبعد أن رسم الخط للهيئة اللفظية الحاملة للمعنى، يشكل في حد ذاته دلالة مرنة ستتعاطى كل ذات قراءتها وفق ما يحيط بالقراءة وتكوين الذات القارئة من عوامل. وعلى كل، فهذه المراتب تضبط مستويات البحث في البلاغة لدى حازم، فوجود المعنى في الشيء خارج الذات الذي يمكن أن يشمل كل ما يدرك من الوقائع والحقائق والأشياء التي تشكل حدود القول الشعري، يحدد أصل المعاني في وجودها "الواقعي" مما يمكّن عند ممارسة النقد من مقابلة الشيء في تجسّده الحقيقي، وفي تحولاته الشعرية مثلما يظهر في مبحث الممكن والواجب والممتنع وكذا رسم المعنى في حدوده الحقيقية وغيرها...
هذا المستوى يمثل المرجع للمعنى المستخلص ذهنياً ليستحيل أخيراً إلى تضام للمدلول الذهني مع صورته اللفظية الدالة، ذلك أن النظر في صناعة البلاغة يتحدد "من جهة مايكون عليه اللفظ الدال على الصور الذهنية في نفسه ومن جهة ما يكون عليه بالنسبة إلى موقعه من النفوس من جهة هيئته ودلالته، ومن جهة ما تكون عليه تلك الصور الذهنية في أنفسها، ومن جهة مواقعها من النفوس من حيث هيئاتها ودلالاتها على ما خارج الذهن، ومن جهة ما تكون عليه في أنفسها الأشياء التي تلك المعاني الذهنية صور لها وأمثلة دالة عليها، ومن جهة مواقع تلك الأشياء من النفوس"(13).
فهذا الفصل الحاسم بين حقول البحث البلاغي لدى حازم يؤكد الأساس "الواقعي" للشعر المتجسد في أصله الحيوي، وفعاليته المتمثلة فيكونه خطاباً يحمل إلى متلقٍّ، حيث يشكل هذا الأخير حضوراً رئيسياً في تصور حازم فعالية الشعر، إذ تقوم على المنظور الوظيفي المتأتي من كون الشعر تخييلاً وإيهاماً بخطاب تتجسد خصوصيته في كونه تأثيراً في النفس(14). ومن هنا تشكل بنيته في مستوى أول استجابة للوظيفة المسندة إليه أساساً. هذا الفصل إذ فرضه التناول المنهجي لموضوعات البحث البلاغي والنقدي، حيث تتبدى في انسجام التوزيع الظاهري للموضوعات لفظاً ومعنى ونظماً وأسلوباً، والمفهوم الخفي للدلالة في وجود المعنى في اللفظ، وفي الصورة الذهنية القائمة على الوجود العيني، يكشف عن فهم لعلاقة اللفظ والمعنى ذي مستويات متشابكة، لا يمتنع فيها مبدئياً التمييز بينهما وإن تحددت أوجه الاتصال والتلاحم بينهما في علاقات دقيقة، ذلك أن بحث اللفظ في ذاته ومن جهة هيئته وموقعه من النفوس يقوم أيضاً على بحث دلالته على المعنى، هذا المعنى الذي يتناول ضمن ما يتناول في مستوى صوره المتفرعة من أوجه التناسب بين أنماطه.
يقدم حازم في مستوى التمييز بين المعنى واللفظ فهماً بسيطاً لا يعدو أن يكون اجتراراً لمفاهيم شائعة يبدو فيها اللفظ كالوعاء المحتوي للشيء، فيصف رغبة الشعراء في رسم صورة لأحبابهم المقيمين في بيوت الشّعر، حيث يقصدون في الأقاويل التي يودعونها المعاني المخيّلة لأحبابهم، المقيمة في الأذهان صوراً هي أمثلة لهم ولأحوالهم، أن تكون مرتبة ترتيباً يتنزل من جهة موقعه من السمع منزلة ترتيب أحويتهم وبيوتهم، فيكون اشتمال الأقاويل على تلك المعاني مشتبهاً لاشتمال الأبيات المضروبة على من قصد تمثيله بها وأن تجعل تذكرة له، ويكون مابين المعنى والقول من الملابسة مثل ماكان بين الساكن والمسكن.(15).
ويتأكد مفهوم الوعاء الذي يحتوي المعنى كالساكن والمسكن في موقفه من السرقات الذي ينحو فيه منحىً تقليدياً أيضاً، حيث يظل المعنى في هذا الفهم ساكناً خاضعاً لتعدد الإخراج الذي لا يكاد يغير جوهره، ناهيك أنه يمكن أن تتفاوت عبارتان في الفصاحة وهما تعبّران عن معنى واحد، لم يستطع حازم في هذه المسألة أن يستفيد من عبد القاهر الذي أداه فهمه لصورة المعنى إلى رفض السرقات مبدئياً، باستثناء الاعتراف بهامش ضيق يظهر في الاحتذاء الذي يكون في الأسلوب الذي هو الطريقة في النظم، ذلك أن كل معنى يصاغ في صورة ما يملك الخصوصية والتفرد ويشكل تفريعاً من أصل الغرض.
يقسم حازم المعاني إلى مشترك شائع ونادر ومنعدم النظير وأوسط بينهما تبعاً لارتسام درجة كل نوع من الفكر، إذ إن من المعاني ما يوجد مرتسماً في كل فكر، ومنه ما يرتسم في بعض الخواطر دون بعض، ومنه ما لا ارتسام له في خاطر، وإنما يتهدَّى إليه بعض الأذهان في النادر من الأحيان، وينتفي ادّعاء السرقة من النوع الأول إذ لا فضل فيه لأحد على أحد،" إلا بحسن تأليف اللفظ فإذا تساوى تأليفا الشاعرين في ذلك فإنه يسمى الاشتراك، وإن فضلت فيه عبارة المتأخر عبارة المتقدم فذلك الاستحقاق لأنه استحق نسبة المعنى إليه بإجادة نظم العبارة عنه"(16). هذا النوع الأول من المعاني المرتسمة في كل خاطر تبدو كالمكتملة وإدراكها يتم في حدود هذا الاكتمال، فهي ثابتة وارتسامها سواء في الخواطر، ومن هنا تكون مزية تعاطي هذه المعاني في تحسين تأليف اللفظ فقط، وهذا التحسين المضاف إلى معنى منته إقرار بالتفاوت بين المعنى واللفظ، حيث يتأكد هذا الإقرار في رأيه في: "القسم الثاني، وهي المعاني التي قلّت في أنفسها أو بالإضافة إلى كثرة غيرها فماكان بهذه الصفة فلا تسامح في التعرض إلى شيء منه إلا بشروط: منها أن يركب الشاعر على المعنى معنى آخر، ومنها أن يزيد عليه زيادة حسنة، ومنها أن ينقله إلى موضع أحق به من الموضع الذي هو فيه، ومن ذلك أن يقلبه ويسلك به ضد ما سلك الأول، ومن ذلك أن يركب عليه عبارة أحسن من الأولى"(17).
لم يستطع حازم أن يوظف مفاهيمه في المحاكاة والتخييل باعتبارهما تناولاً خاصاً للمعنى يتحقق في تشكيل نوعي لمادة تستوفي خصائصها في الصورة المشكلة لها. ولو اعتمد هذا الأصل الذي يقوم عليه فهمه للشعر لاستطاع أن يضبط فهماً لتداول المعاني أنضج مما فعل، ولما تمادى في تمييزه بين المعنى واللفظ في تصوره للقسم الثالث النادر، إذ يرى أن "من أبرز المعنى النادر في عبارة أشرف من الأولى فقد قاسم الأول الفضل، إذ الفضل هو اختراع المعنى للمتقدم، والفضل في تحسين العبارة للمتأخر. والقول الثاني الذي حسنت فيه العبارة بلا شك أفضل من الأول، لأن المعنى لا يؤثر فيه التقدم ولا التأخر شيئاً، وإنما ترجع فضيلة التقدم إلى القائل لا المقول فيه، فإن زاد المتأخر على المتقدم زيادة في المعنى مع تحسين اللفظ فقد استحق المعنى عليه"(18)، وهكذا يمكن للتمييز أن يتوزع بين سبق معنوي وتحسين لفظي منفصلين أو مجتمعين.
فتوزيع حازم مادة الكتاب وما يتصوره مبحثاً في الدلالة ورأيه في السرقات الشعرية ليست إلا أدلة لفكر يميّز المعنى عن اللفظ، ولاشك أن روافد حازم القرطاجني المتنوعة التي شملت محصلة نتائج النقاد والفلاسفة والمتكلمين قبله في حقل البلاغة والنقد، أدّت دوراً حاسماً في اعتماد هذا الموقف، إلا أن هذا لا يطول كل إنجاز حازم. وبالتالي يظل له رأي في العلائق التي يمكن أن تجمع العنصرين، فهناك اقتراب يكاد يلحمها في بنية تتضام فيها العناصر مجتمعة عندما يكون الموضوع رصداً لفعالية التناول اللفظي للمعنى، أو تفريع القول في أشكال التناسب التي تنسج للمعاني امتدادات متفرعة كثيرة، خاصة عند الاقتراب من حدود النظم في معناه النحوي عند تعليل وحدة العبارة، دون أن نغفل إلحاح حازم على أشكال التناسب بين مستويات القصيدة معاني وألفاظاً وأساليب ونظماً وأوزاناً.
الخصائص التشكيليّة لفعل المحاكاة والتخييل.

وكما أشرنا آنفاً فإنه لا يهمنا من البحث في مفهوم الشعر سوى ما تعلق بخاصيته التخييلية النوعية، كما تتجسد في المستوى الفني ذي الطابع التشكيلي الذي يكسب المادة المعنوية صبغة خاصة، وتتجسد الخصائص المحيلة للقول شعراً في مستويات النص المختلفة، في نسيج الدلالة وفي هيئة العبارة المتعلقة أساساً بما أسماه حازم بالاستجداد والتأنق، إذ الاستجداد يعطي محور الاستبدال ويتعلق باختيار المادة اللغوية في ذاتها، في حين يختص التأنق بالتركيب الرائق، وهذان المصطلحان ليسا إلا امتداداً لما أسماه الفلاسفة التحسينات والهيئات اللفظية والمعنوية(19). من هنا ينحت للشعر حده في أنه "كلام مخيل موزون، مختص في لسان العربية بزيادة التقفية إلى ذلك"(20).
فالبحث في المادة نفسها من منظور صدق المعنى وكذبه أو قيمته الوظيفية المتأتية من اشتراط المعاني الجمهورية، أو ضبط حدود التحرك الشعري ضمن مدارج الممكن والممتنع والمستحيل، وغيرها من عناصر البحث في المعنى الشعري في ذاته، وإن كانت من مستلزمات البحث في القيمة المؤسسة لمهمته، إلا أن التحديد النوعي للشعر المؤسس على الصياغة المخصصة لهذه المادة هي جوهره، "فلذلك كان الرأي الصحيح في الشعر أن مقدماته تكون صادقة وتكون كاذبة، ليس يُعدُّ شعراً من حيث هو صدق ولا من حيث هو كذب بل من حيث هو كلام مخيّل"(21)، ذلك أن "التخييل هو المعتبر في صناعته، لا كون الأقاويل صادقة أو كاذبة"(22).
فإذا كان ضبط المعنى المؤدي إلى تحقيق وظيفة الشعر الأخلاقية ضمن حدود المعنى الجمهوري الذي يستسيغه الجمهور، وإزاحة مايمكن أن يعلق به من معنى علمي ضرورة يستدعيها تأكيد مهمة الشعر في المجتمع، فإن المعتبر من منظور النوعية إنما هو المحاكاة والتخييل، فأما النظر إلى حقيقة الشعر فلا فرق بين ما انفرد به الخاصة دون العامة وبين ما شاركوهم فيه، ولا ميزة بين ما اشتدت علاقته بالأغراض المألوفة وبين ما ليس لـه كبير علاقة إذا كان التخييل في جميع ذلك على حد واحد، إذ المعتبر في حقيقة الشعر إنما هو التخييل والمحاكاة في أي معنى اتفق ذلك"(23).
وتتأكد هذه الخاصية التخييلية المميزة للشعر في مستوى الصياغة كتشكيل نوعي لمعنى ما في المقابلة بين الخطابة والشعر، إذ هما "يشتركان في مادة المعاني ويفترقان بصورتي التخييل والإقناع"(24). فليست صورة التخييل أو الإقناع مجرد انطباع صوري، أو صياغة القول وفق القياس الخطابي الذي يعضده الاستغلال النسبي للصور المجازية مع الإبقاء على المادة في وضع محايد، إنما هو تشكيل لهذه المادة تستحيل إثره شعراً أو خطابة من خلال تفاعلها مع عناصر بنيتها الجديدة. ويظهر ذلك في مثال يضربه حازم يكشف التحام الفعل الشعري والخطابي النوعيين عندما يصوغان مادة معاً، إذ يقول: "وأكثر ما يستدل في الشعر بالتمثيل الخطابي، وهو الحكم على جزئي بحكم موجود في جزئي آخر يماثله، نحو قول حبيب:
أخرجتموه بكره من سجيته



والنار قد تنتضي من ناضر السلم



فالأقاويل التي بهذه الصفة خطابية بما يكون فيها من إقناع، شعرية بكونها متلبسة بالمحاكاة والخيالات"(25)، وهنا يبدو تلاحم الخطابة والشعر في صوغ المعنى، فخطابية البيت مصدرها الاستدلال المؤسس على التمثيل الذي يشكل إحدى وسيلتي الإقناع الخطابي، في حين يحقق الثانية القياس المضمر، فقد التبس القول القائم على الاستدلال التمثيلي بالصورة المتجسدة في التشبيه الضمني المبطن في معنى البيت، فكان تحقيق الإقناع معاضداً للبنية الصورية المؤسسة على محاكاة تشبيهية- حسب اصطلاح حازم- وهذه النوعية هي التي تهب الشعر خصوصيته- حسب رأيه أيضاً- وليس المعتبر في ذلك المادة سواء أكانت هذه المادة صدقاً أم كذباً، مؤسسة على مقدمات برهانية أو جدلية أو خطابية إنما المعتبر هو طريقة تشكيل المعنى.
ويتأكد الاقتراب من فهم البنية النوعية الصورية للمعنى من خلال الاستمرار في المقابلة بين الخطابة والشعر، ذلك أنه إذا كانت هاتان الصناعتان متآخيتين لاتفاق المقصد والغرض فيهما مما يسوّغ لهما تبادل الخصائص النوعية لكل منهما، فإن ذلك لا بد أن ينضبط وفق حدود كل نوع، لذلك نجد الخطيب أو الشاعر إذا تجاوز: "حد التساوي في كلتيهما، فجعل عامة الأقاويل الشعرية خطابية، وعامة الأقاويل الخطابية شعرية، كان قد أخرج كلتا الصناعتين عن طريقتهما، وعدل بها عن سواء مذهبها، ووجب رد قوله
(...)(26)، ولنسبة كلامه إلى ما ذهب به من المذاهب المعنوية لا إلى ما هيأه به من الهيئات اللفظية، وأن تعد الخطابة في ذلك شعراً والشعر خطابة، فيكون ظاهر الكلام وباطنه متدافعين، وهو مذهب مذموم في الكلام"(27).
فالمذاهب المعنوية لا الهيئات اللفظية هي المحددة لنوع الكلام، وعليه فالخاصية التخييلية للشعر إنما تكمن في المعنى، ولعل هذا قد يثير التباساً، ذلك أن الاعتبار- كما رأينا- هو في التخييل وليس في المعنى، والمسألة إذن هي في ضبط دلالة المعنى في المستويين، ذلك أن لا اعتبار له عندما يتعادل مع المادة المحايدة، أو يبحث في ذاته كقيمة مستقلة، ولكنه يستحيل شعراً بتشكله وفق المحاكاة. فالحديث عنه في هذا المستوى إنما هو بحث في المحاكاة والتخييل، ذلك أن المحاكاة ملتبسة بالمعنى من حيث تشكيله وفق خصوصية معينة، وحسب طرائق التناسب الواقعة في بنائه. وعليه فالهيئات اللفظية التي تنضبط هنا بالمستوى الصوتي للكلام من حيث اختيار اللفظ أو إحداث الترتيب المنسجم على مستوى تعاضد الكلام المؤدي إلى إحداث الوزن والإيقاع الشعريين، ليست صانعة للشعر وإن كانت تؤلف تحسينات له من شأنها أن تؤكد فعل التخييل في النفس "لأن المحاكاة الحسنة في الأقوال الصادقة وحسن إيقاع الاقترانات والنسب بين المعاني مثل التأليف الحسن في الألفاظ الحسنة المستعذبة"(28). فالمعنى المحاكى والمنظم وفق النسب الواقعة بين أقسامه هو المحدد لنوعية الخطاب يعضده على مستوى العبارة، الدالة طبعاً على المستوى الأول، تأليف حسن به يتكامل القول ويتدعم التخييل، غير أنه كالإضافة التي بها تكتمل البنية دون أن ينتج عنها- أساساً- تحديد نوعيتها، ذلك أنه قد يتسنى رص عبارات منتقاة وفق تناسب موسيقي موزون، دون أن يكون لمدلول هذه العبارات صفة المحاكاة فيكون الناتج قولاً منظوماً وليس شعراً(29). فأساس الشعر هو خاصيته التخييلية القائمة على المحاكاة، ذلك أنه لا تتحقق له وظيفته التأثيرية في النفس وإحداث السلوك المبتغى إلا "بما يتضمن من حسن تخييل له، ومحاكاة مستقلة بنفسها أو متصورة بحسن هيئة تأليف الكلام، أو قوة صدقه أو قوة شهرته، أو بمجموع ذلك"(30).
وتنبني الخاصية النوعية للشعر في تعاضد المحاكاة مع الهيئة اللفظية التي تتلبسها المحاكاة. ويتحدد المستوى هنا بخصائص في النص يتولد منها معنى مشكل وفق شروط الوظيفة المهيأ لها، محتوى ضمن هيئة تحسينية فالمعنى هنا ناتج عن لفظ مسبوك وفق بنية الشعر، "لأن الاعتبار في الشعر إنما هو التخييل في أي مادة اتفق، لا يشترط في ذلك صدق ولا كذب، بل أيهما ائتلفت الأقاويل المخيلة منه فبالعرض، لأن صنعة الشاعر هي جودة التأليف وحسن المحاكاة، وموضوعها الألفاظ وما تدل عليه"(31). فالتأليف الحسن وجودة المحاكاة موضوعهما الألفاظ وما تدل عليه، فبؤرة المحاكاة تكمن في الدلالة، أما جودة التأليف فمصدرها اللفظ في ذاته، وغير هذا عرض. من هذا المستوى يتحدد خطان في بحث بنية الخطاب الشعري لدى حازم، وينضبط أولهما في مدلول الألفاظ الذي هو المعنى، ويدرس في ذاته وأشكال تناسبه ومختلف الصور الناتجة عن ذلك، ويتحدد الثاني في مستوى الألفاظ حيث تنضبط معاينته وفق المادة اللفظية في ذاتها على المستوى الإفرادي وعلى مستوى التأليف. هذان الخطّان المؤسّسان لبنية النص سيكون بحثهما في ذاتهما تناولاً نقدياً بلاغياً يدلل على الشروط النصية المؤسسة لوظيفة التأثير الشعري.
فعلى الرغم من المنطلق الوظيفي في تحديد خواص الشعر ومفهومه عند حازم متأثراً في ذلك بالفلاسفة الإسلاميين، فإن الأمر عندما يتعلق برصد تلاحم العناصر في النص ودرسها في ذاتها وتحديد فعاليتها النوعية يغدو ضرورياً إبعاد كل ما يمكن أن يعلق بها من أعراض، وتدقيق الخط الفاصل بين الجوهر واللواحق المساعدة، ذلك أن "الصدق والكذب والشهرة والظن أشياء راجعة إلى المفهومات التي هي شطر الموضوع، فنسبتها إلى المدلولات التي هي المعاني كنسبة العمومية والحوشية والحال الوسطى بينهما والغرابة إلى الأدلة التي هي الألفاظ. وكل هذه الأصناف من الألفاظ تقع في الشعر. وصناعة الشاعر فيها حسن التأليف والهيئة. كما أن كل تلك المواد تقع فيه، وصناعة الشاعر فيها حسن المحاكاة والنسب والاقترانات الواقعة بين المعاني"(32).
يميز حازم بدءاً من التصور السابق بين مستوى المحاكاة والنسب والاقترانات الواقعة في المعاني وبين الهيئة اللفظية المتأتية من حسن التأليف المقابلة للمستوى الأول. وهذا المستوى في حدود خاصيته التخييلية وأشكال التلاحم والنسب الواقعة بين عناصره ليس إلا مدلولاً للهيئة اللفظية الدالة، هذه الهيئة التي سيتميز بحثها في خطين: مستوى المدلول الراجع إلى المحاكاة والمعنى، ومستوى التأليف المنضبط وفق خصائص شكلية تطول العبارة في مرتبة الحروف والكلم المتعاضدة وفق مواصفات الفصاحة وشروطها الشائعة، وهذا التناول يستوعب في مرتبة أولى بنية العبارة ثم يتضخم في مستوى مركب يستحيل إثره المعنى المحاكى إلى أسلوب، وهيئة الألفاظ إلى نظم ليتسنى احتواء القصيدة كاملة في طبقاتها المتناسبة: أسلوباً باعتباره هيئة متشكلة من الاستمرار في المعاني، ونظماً هو خلاصة لتأليف الألفاظ في كيان قصيدة كاملة، ويتفرع من مستوى تناسبه الصوتي الوزن والقافية، فتكون طبقات متعاضدة متناسبة تحيل طبعاً إلى أشياء محاكاة خارج كيان القصيدة، وإلى شاعر صانع في حوزته قوى تمكّن من رسم هذا الكون المتعاضد وتشير إلى متلقٍّ، ومرجع يحدد أو يملي ضوابط اجتماعية وثقافية تحصر قنوات القول الشعري في تقاليد راسخة تراعي العرف والمقام. إلا أن هذه الاعتبارات وإن شكلت عناصر حافة بالخطاب الشعري فإن المعتبر في التناول البنيوي لكيان القول لفظاً ومعنىً هو النص في مستوياته اللغوية ومدلولاتها، وهو اقتطاع يفرضه كذلك موضوع بحثنا أساساً، دون أن نغفل الإطار الأشمل الذي يتنزل فيه الخطاب.
ويتحقق رصد هذه المستويات المولدة لكيان القصيدة بضبط مراحل ولادتها، وكيفية التضام الحادث في هذه المستويات في طور التكوين، فبوساطتها ندرك كيف تتلاحم هذه المستويات عند المرور بمراحل الوضع الشعري. ولكن هل تولد القصيدة كياناً مركباً دفعة واحدة تمتنع مراحله عن الضبط، أم أن للعقل القدرات على تفتيت مراحل تلك الولادة ومن ثم رصد أوجه التلاحق والتتالي ثم التناسب بين مستويات المعاني والألفاظ والأساليب والنظم والأوزان؟ وذلك يسعف على تدقيق رأي حازم في علائق المعنى واللفظ ثم الأسلوب والنظم، هذه المستويات المؤسسة لكيان القصيدة.

مراحل وضع القصيدة

يسلّم حازم بداية بانحصار عملية إبداع القصيدة مذ تكون فكرة إلى آخر مراحل التنقيح في أربعة مواطن هي: "1-موطن قبل الشروع في النظم. 2-وموطن في حال الشروع. 3-وموطن عند الفراغ، يبحث فيه عما هو راجع إلى النظم. 4-وموطن بعد ذلك متراخٍ عن زمان القول، يبحث فيه عن معانٍ خارجة عما وقع في النظم لتكمل بها المعاني الواقعة في النظم وتستوفى بها أركان الأغراض ويكمل التئام القصائد. فأما الموطن الأول فالغناء فيه لقدرة التخيل. والموطن الثاني الغناء فيه للقوة الناظمة، ويعينها حفظ اللغة وحسن التصرف والموطن الثالث الغناء فيه للقوة الملاحظة كل نحو من الأنحاء التي يمكن أن يتغير الكلام إليها ويعينها حفظ اللغة أيضاً وجودة التصرف والبصيرة بطرائق اعتبار بعض الألفاظ والمعاني من بعض. والموطن الرابع الغناء للقوة المستقصية الملتفتة، ويعينها حفظ المعاني والتواريخ وضروب المعارف"(33).
هذه القوى النفسية تتداخل وتتعاضد بشكل آخر، إذ إن اكتمال القول الشعري لا يكون على الوجه المختار- كما يرى حازم- "إلا بأن تكون له قوة حافظة وقوة مائزة وقوة صانعة"(34). وتبعاً لمراحل التلاحق في مستويات القصيدة من مستوى التصور الكلي لكيانها ثم التحكم في مستوياتها المعنوية واللفظية إلى حد اكتمالها كائناً، يكون لكل مرحلة من هذه المراحل قوة خاصة تتولى إنجاز ما علق بها من وظيفة، ويظهر إذ ذاك تمايز القوى التي يفصل بين فعاليتها نوع ما أنيط بها من مرحلة في تكوين القصيدة. وأمر هذه القوى العشر.. لا يهمنا تدقيقاً وإنما يكفي الإشارة إلى أنها تتتابع بدءاً من القوة على التشبيه فيما لا يصدر عن قريحة بما يصدر عنها، والقدرة على تصور كليات الشعر والمقاصد الواقعة فيها، والقوة على تصور صورة للقصيدة كاملة والقوة على تخيل المعاني واجتلابها من جميع الجهات وكذا ملاحظة الوجوه التي بها يقع التناسب بين المعاني، ثم التهدّي إلى العبارات الحسنة الوضع والتأليف والدلالة على تلك المعاني، وهكذا إلى القدرة على استخلاص الوزن وتحسين وصل بعض الفصول ببعض وكذا الأبيات وتمييز الكلام بالنظر إلى حسنه والموضع الموقع فيه...(35)" ولا جدال في أن مثل ذلك التقسيم يقوم على افتراض مؤدّاه أن العملية الإبداعية تتم على درجات متفاوتة ومراحل متباينة تخضع في كل منها لقوة نفسية أو ملكة متاميزة عن غيرها. وهذا ما يصعب قبوله، لأننا أميل إلى أن نفهم فاعلية العملية الإبداعية باعتبارها وحدة متكاملة لا تتجزأ إلى عناصر.. أو مراحل متباينة أو متعاقبة"(36).
غير أن ما يهمنا في موضوعنا هو كيفية تصور حازم عملية تتابع المعنى واللفظ في الصياغة، بحسب ما حددناه سابقاً من مستويات وخطوط تميز بين حقول التقصي والرصد، إذ بموجب إقراره بانفصال القوى الصانعة للقصيدة وتميز كل مرحلة بخاصية الانفصال عن السابقة واللاحقة، وكونها إفرازاً نوعياً لقوة معينة، يترتب ضبطه العلاقات التي يمكن أن تشكل لحمة المعنى واللفظ، وكذا الأسلوب والنظم مع الإقرار بولادتها المتتابعة. فهل هذا الانفصال الذي أكده تحرك حازم في حدود تصور الفلاسفة لقوى النفس يطول تصور القصيدة في كل مستوى من مستوياتها أم أن حازماً استطاع أن يلحم المستويات المعنوية واللفظية خصوصاً في بعض مواقف التحليل والتدقيق؟
نحاول الاقتراب من الإجابة بداية بتثبيت هذا النص الطويل الذي يتعقب فيه حازم ولادة القصيدة ليتأكد لنا عقبه رؤيته لعلاقات مستوياتها المختلفة. يقول: "إن للمتخيلين في التخييلات التي يحتاجون إليها في صناعتهم أحوالاً ثمانية، لكل واحدة منها في زمان مزاولة النظم مرتبة لا تتعداها.
الحال الأولى: يتخيل فيها الشاعر مقاصد غرضه الكلية التي يريد إيرادها في نظمه أو إيرد أكثرها.
الحال الثانية: أن يتخيل لتلك المقاصد طريقة وأسلوباً أو أساليب متجانسة أو متخالفة ينحو بالمعاني نحوها ويستمر بها على ما هي عليها.
الحال الثالثة: أن يتخيل ترتيب المعاني في تلك الأساليب، ومن أهم هذه التخييلات موضع التخلص والاستطراد.
الحال الرابعة: أن يتخيل تشكل تلك المعاني وقيامها في الخاطر في عبارات تليق بها ليعلم ما يوجد في تلك العبارات، من الكلم التي تتوازن وتتماثل مقاطعها ما يصلح أن يبنى الروي عليه. وفي هذه الحال أيضاً يجب أن يلاحظ ما يحق أن يجعل مبدأ ومفتتحاً للكلام، وربما لحظ في هذه الحال موضع التخلص والاستطراد. فهذه أربعة أحوال في التخاييل الكلية.
والحال الخامسة: وهي أول حال من التخاييل الجزئية: أن يشرع الشاعر في تخيل المعاني معنى معنى بحسب غرض الشعر.
الحال السادسة: أن يتخيل ما يكون زينة للمعنى وتكميلاً له، وذلك يكون بتخيل أمور ترجع إلى المعنى من جهة حسن الوضع والاقترانات والنسب الواقعة بين بعض أجزاء المعنى، وبأشياء خارجة عنه مما يقترن به ويكون عوناً له على تحصيل المعنى المقصود به.
والحال السابعة: أن يتخيل لما يريد أن يضمنه في كل مقدار من الوزن الذي قصد، عبارة توافق نقل الحركات والسكنات فيها ما يجب في ذلك الوزن في العدد والترتيب بعد أن يخيل في تلك العبارات ما يكون محسناً لموقعها من النفوس.
الحال الثامنة: أن يتخيل، في الموضع الذي تقصر فيه عبارة المعنى عن الاستيلاء على جملة المقدار المقفى، معنى يليق أن يكون ملحقاً بذلك المعنى، وتكون عبارة المعنى الملحق طبقاً لسد الثلمة التي لم يكن لعبارة الملحق به وفاء بها"(37).
وتقسيم حازم التخييلات التي يحتاجها الشعراء في صناعتهم إلى قسمين كبيرين يحتوي كل قسم على أربعة احوال حيث يتمحور القسمان الكبيران في ما أسماه التخاييل الكلية، والتخاييل الجزئية، انعكاس لمنظوره المزدوج إلى القصيدة كاملة وإلى عناصرها الجزئية المتشكلة منها التي هي المعاني في مستواها الجزئي، وهذا المنظور هو الذي تحكّم في توزيع مادة الكتاب نفسها، فإذ يتوافق القسمان الأولان وهما بحث الألفاظ والمعاني مع قسم التخاييل الجزئية، يكون انسجام القسمين الثالث والرابع من الكتاب المرصودين لبحث النظم والأسلوب مع قسم التخييلات الكلية، هذا من جهة ومن جهة أخرى يكشف هذا التقسيم عن حدود البحث في كل مستوى وطبيعة الصلة بين المستويين، حيث يتوافق قسم التخاييل الجزئية مع رصد معاني الجهات في مستواها الجزئي، وضبط هيئات العبارة في حدود اللفظ وكذا التأليف الذي لا يتعدى الجملة أو الجمل المتعاضدة في حدود ضيقة، تماماً كرصده هنا مستوى التحسينات العالقة بالمعاني المتأتية من الاقترانات والنسب الواقعة بين بعضها بعض.
ولن يكون البحث في التخاييل الكلية إلا تضخيماً للمستوى السالف، ذلك أنها ستكون محور تصور مقاصد الأغراض الكلية وانتقاء الأسلوب الملائم للمعاني المتخيرة ليتسنى تهيئة الانتقال بين بعضها بعض، وكذا رصد المستوى اللفظي الذي يعلق به تضام الفصول واستخلاص المبادئ والتخلص والمقاطع مع انسجام الأصوات في تناغم موسيقي يشكل انتظامه وزن القصيدة.
ويكشف مستويا النظر هنا تصور حازم القصيدة في شكل تكرار لمعاني جزئية، وتضخيم لدوائر منتهية مكتملة، تعاضدت هيئاتها المعنوية واللفظية في نسب وتحسينات منسجمة ليؤدي تراكمها وتتاليها إلى تكوين القصيدة، من هنا يباح تعدد معاني الجهات وكذا تنوع فصول الأغراض، فاختلاف الأغراض في ما يسميه حازم بالقصيدة المركبة التي هي أفضل من القصيدة البسيطة.
فتصور حازم لمادة كتابه ولفصول البحث في كل موضع من مواضعه دقيق يتوافق مع ضبطه كيان القصيدة، لذلك ينتظم مراحل وضع القصيدة الخيط الناظم لعلاقات المعاني والألفاظ والأسلوب والنظم، فصلة المعنى باللفظ في مراحل وضع القصيدة وكذلك صلة النظم بالأسلوب تكثيف لصلة هذه العناصر في وجودها الفاعل في كيان القصيدة المكتمل، وهاتان صورتان متطابقتان، وإن أباح التقصي في كل مستوى عند تحليله على حدة تدقيق البحث في مسائله فرادى وجماعات.
وتتحقق صلة المعنى باللفظ في قوله السالف "أن يتخيل تشكل تلك المعاني وقيامها في الخاطر في عبارات تليق بها"، وهذه مرحلة لاحقة لمرحلة تضبط فيها المعاني وفق الأسلوب المنتقى. وإذا كانت هذه الكيفية لا تزيح إمكان تصور تمييز بين المعاني والألفاظ، فإن حازماً استطاع في بعض مراحل البحث أن يحدث بينهما التلاحم التام، خاصة عندما يوظف النحو. أما في قوله السالف فإن في تأكيده تخيل المعاني المتصورة بداية في عبارات وألفاظ لائقة ما قد يخفف من غلواء التمييز، خاصة أن من هذه الألفاظ المنتقاة يتحدد الوزن والقافية ويتأكد ذلك في قوله في موضع آخر، إذ يرى أنه حقيق على الشاعر "إذا قصد الروية أن يحصر مقصده في خياله وذهنه والمعاني التي هي عمدة له بالنسبة إلى غرضه ومقصده، ويتخيلها تتبعاً بالفكر في عبارات بدد، ثم يلحظ ما وقع في جميع تلك العبارات أو أكثرها طرفاً أو مهيئاً لأن يصير طرفاً من الكلم المتماثلة المقاطع الصالحة لأن تقع في بناء قافية واحدة. ثم يضع الوزن والروي بحسبها لتكون قوافيه متمكنة تابعة للمعاني لا متبوعة لها"(38).
وعلى كلِّ تبدو أصالة حازم الحقيقية "في تحليله للقوى الإبداعية وبحثه في الانتقالات الخاطرية التي تتكون منها القصيدة، وكتابه من هذه الناحية ثمرة ناضجة للاتجاه النفسي الذي نحا نحوه النقد العربي بتأثير علم الكلام"(39). وهذا بقدر ما يؤكد استفادته من أعمال المتكلمين في نقده وبلاغته بقدر ما يكشف عن التكامل الدقيق بين مستويات البحث في نقد القرطاجني، وإن إلحاحه على العقل وضرورة حضوره الطاغي في صناعة القصيدة إذ يكاد يكون وضعها فعلاً واعياً، ليس إلا انعكاساً للاعتماد الكلي عليه في ضبط المنهاج. ومكانة العقل في أعمال عبد القاهر راسخة.
فعلى الرغم من أن حازماً يرى "أن خير الشعر ما صدر عن فكر ولع بالفن والغرض الذي القول فيه "فإنه يعقب إثر قوله السالف بأنه" قد توجد لبعض النفوس قوة تتشبه بها في ما جرت فيه من نسيب وغير ذلك على غير السجية بما جرى فيه على السجية من ذلك، فلا تكاد تفرق بينهما النفوس ولا يماز المطبوع فيها من المتطبع"(40). وتتنوع درجة هذه القوة من شاعر إلى آخر في مستويات مختلفة لا يهمنا أمرها في موضوعنا(41)، ولكن في الإمكان كسب مهارة القول الشعري وترسيخ مفهوم الصنعة وآلية التأليف، فإذا كان للأفكار تفاوت في تصرفها في ضروب المعاني وضروب تركيبها فإنه "يتقوى على ذلك بالطبع الفائق والفكر النافذ الناقد الرائق، وبالمعرفة بجميع ما يحتاج إلى معرفته في هذه الصناعة من حفظ الكلام والقوانين البلاغية"(42). ويتعاضد هذا المنظور مع طرائق اقتباس المعاني واستثارتها المؤسسة على الخيال وبحث الفكرة وعلى الاعتماد على ما سلف من نظم أو نثر وغيرهما، وذلك كله محكوم بتصور لذاكرة تحفظ ما أدرك في شكل انتظام العقد الذي يسعف الشاعر عند مزاولة النظم المتوزع كما أشرنا في قوة حافظة وقوة مائزة وقوة صانعة(43).
ولكن الذي يعنينا في موضوع بحثنا هو صلة المعاني بالألفاظ في مستوى العبارة، وفي مستوى القصيدة كاملة إذ يستحيلان أسلوباً ونظماً انسجاماً مع مرحلتي: التخاييل الجزئية، والتخاييل الكلية. من هنا سيوزع حازم بحثه اللفظ والمعنى في مستوى أول عندما يرصد علائق الألفاظ والمعاني في مستوى معاني جهة واحدة، حيث لا يكاد البحث يتجاوز حدود العبارة، وفي مستوى كلي عندما يبحث تفاعل المعاني مع المعاني في الهيئة المؤلفة لها، والنظام الشامل للقصيدة في ما أسماه النظم ويكشف هذا التوزيع عن الكيفيات التي استقام بها لحازم تحديد موقفه من المعاني والألفاظ.
الاستجداد والتأنق:
تكامل محوري الاستبدال والتركيب

يتحرك حازم في هذا المستوى الأول من بحث الألفاظ والمعاني في حدود فاصلة بين ما أسماه اللفظ وهيئته التأليفية ودلالته على المعنى، والمعنى في ذاته وأشكال تناسبه، وهذا الفصل اقتضاه المنظور المنهجي في تناول العنصرين، ومحاولة ضبط خصائص كل طرف مع الإقرار بتعاضدهما في إحداث الوظيفة التخييلية، وكذلك تأسيس وحدة النص القائمة أساساً على التناسب دون أن يغيب عن البال تمييز حازم بعض المستويات العالقة بأحد العنصرين عن مجرى بنية النص الدالة عموماً، كالشأن مع المستوى الصوتي للألفاظ.
والمنطلق في هذا البحث إيمان حازم باكتمال الفعل الشعري بالمحاكاة المحددة لنوعيته التي تتجسد في التشكيل النوعي للمعنى، غير أن هذا لا يمنع من "تبيين ما للمحاكاة من حسن موقع من النفوس من جهة اقترانها بالمحاسن التأليفية والصيغ المستحسنة البلاغية"(44). ومحاسن المحاكاة التأليفية التي تتعلق أساساً بأوجه التناسب بين المعاني تتقابل مع صيغ الألفاظ المتوافقة المحدثة للتحسين البلاغي. ذلك أن "الأقاويل الشعرية يحسن موقعها من النفوس من حيث تختار مواد اللفظ وتنتقي أفضلها وتركب التركيب المتلائم المتشاكل وتستقصي بأجزاء العبارات التي هي الألفاظ الدالة على أجزاء المعاني المحتاج إليها حتى تكون حسنة إعراب الجملة والتفاصيل عن جملة المعنى وتفاصيله"(45).
إن بناء العبارة يتعاضد فيه اختيار اللفظ وفق مقاييس الفصاحة المعروفة، ثم يتكامل في هيئة تأليفية جامعة لخصائص فصاحة المركب، وكل هذا يسير في خط أفقي شامل للبنية الصوتية للفظ. ويوازي هذا الخط مسار يتقصى الدلالة التي هي إفراز للخط الأول، وهنا تكون اللحمة التي يذوب فيها كيان المعنى واللفظ معاً في مستوى دلالي تركيبي يتبدى أساساً في المحاكاة وأوجه التناسب العالقة بالمعاني.
ويعتمد حازم في وصف خصائص الألفاظ والمعاني من حيث تطلّب التميز في استخدامهما مصطلح الاستجداد، وبمصطلح التأنق يبحث في العنصرين من منظور الترتيب والوضع إذ يرى أن "من أصحاب الرويّة من يجهد في استجداد العبارات(...)(46) والتأنق فيها من جهة الوضع والترتيب. ومنهم من لا يستجد ولا يتأنق. ومنهم من يستجد العبارة دون المعنى أو المعنى دون العبارة، ومن يتأنق في العبارة دون المعنى أوالمعنى دون العبارة. فأما من لا يستجد ولا يتأنق فيه فليس يصدر عن مطبوع بروية. وأعني بالاستجداد الجهد في ألا يواطئ من قبله في مجموع عبارة أو جملة معنى، وبالتأنق طلب الغاية القصوى من الإبداع في وضع بعض أجزاء العبارات والمعاني من بعض وتحسين هيئات الكلام في جميع ذلك. فإن العبارة إذا استجدت مادتها وتأنّق الناظم في تحسين الهيئة التأليفية فيها وقعت من النفوس أحسن موقع. وكذلك الحال في المعاني"(47). فتكامل الحسن في العبارة الفصيحة عنده.. يكون باعتماد الاختيار على مستوى المواد اللغوية ألفاظاً ومعاني مما اصطلح على تسميته بالاستجداد، واعتماد أشكال رائقة في الترتيب تكون بمراعاة المواضع اللائقة وفق موقع العبارات والمعاني بعضها من بعض مما أسماه بالتأنق. والحق أن وصف عملية تعاضد الوحدات اللفظية والمعنوية في السياق ووجوب مراعاة الانسجام في ذلك يبين عن إحساس ببلاغة التركيب التي تقوم هنا على كمالات جزئية أيضاً تظهر في انتقاء المواد أفراداً.
ويعتمد حازم التمييز بين حقل الألفاظ والمعاني لضبط مراتب الاستجداد والتأنق في كل حقل على حدة مع مراعاة خصائص كل طرف دون أن يغفل مستوى التحام العنصرين. فهو يبدأ الرصد على مستوى اللفظ بمدخل شارح لخصائص التكامل بين بلاغة العبارة وبلاغة التأليف في هذه المقارنة المقابلة بين الكلام البليغ والرسم يقول: "واعلم أن منزلة حسن اللفظ المحاكى به وإحكام تأليفه من القول المحاكى به ومن المحاكاة بمنزلة عتاقة الأصباغ وحسن تأليف بعضها إلى بعض وتناسب أوضاعها من الصور التي يمثلها الصانع. وبما أن الصورة إذا كانت أصباغها رديئة وأوضاعها متنافرة وجدنا العين نابية عنها غير مستلذة لمراعاتها، وإن كان تخطيطها صحيحاً، فكذلك الألفاظ الردئية والتأليف المتنافر، وإن وقعت بها المحاكاة الصحيحة، فإنا نجد السمع يتأذّى بمرور تلك الألفاظ القبيحة التأليف عليها، يشغل النفس تأذي السمع عن التأثر لمقتضى المحاكاة والتخييل. فلذلك كانت الحاجة في هذه الصناعة إلى اختيار اللفظ وإحكام التأليف أكيدة جداً"(48).
ونجد حازماً يقابل بين اللفظ وتأليفه وموضوع المحاكاة من جهة، والأصباغ وحسن تأليفها والصورة التي تتركب منها من جهة أخرى، وهذا بقدر ما يذكر بعبد القاهر وما درج عليه من إجراء المقارنة بين بنية العبارة وتأليف الصورة(49)، بقدر ما يكشف إمكان تجاوز هذين الشرطين المتجسدين في انتقاء المواد اللفظية واعتماد التأليف الحسن في ترتيبها، إذ يمكن للقول أن يخلو منهما مع توفره على صحة تخطيط المحاكاة، وهذا يدل على أنهما من مرتبة التحسينات المضافة إلى دلالة سليمة يشهد بذلك تأكيد سلامة الصورة المرسومة وصحة خطوطها مع الإقرار برداءة الأصباغ وتنافر الأوضاع، حيث تنسجم المقارنة في اعتماد الحس في الإدراك، إذ يكون تأذّي البصر من رؤية فساد الصورة المرسومة متطابقاً مع تأذي السمع من جرّاء تنافر الكلم المحاكى بها.
وعلى الرغم من ضياع القسم الأول من الكتاب المخصص لبحث الألفاظ، فإن نصاً نادراً يختصر بحث حازم الألفاظ يورده في موضع لاحق في الكتاب، يوثق لنا مقصوده الدقيق من انتقاء اللفظ وإحداث التأليف الرائق، وإن كان يجمل المبحثين معاً إلا أنه يمكن تلمس ما يخص به المواد اللفظية أفراداً في قوله محدداً الجهات التي تمكّن الشاعر من التهدّي إلى العبارات الحسنة المتمثلة في "اختيار المواد اللفظية أولاً من جهة ما تحسن في ملافظ حروفها وانتظامها وصيغها ومقاديرها واجتناب ما يقبح في ذلك وقد تقدم. واختيارها أيضاً من جهة ما يحسن منها بالنظر إلى الاستعمال وتجنب ما يقبح النظر إلى ذلك. واختيارها بحسب ما يحسن منها باعتبار طريق من الطرائق العرفية وتجنب ما يقبح باعتبار ذلك"(50). ويبدو اعتماد حازم هنا على ما حددته مباحث الفصاحة في مستوى المفرد عند السابقين، إذ يخص هنا شروطاً تتمثل في انتقاء اللفظ وفق الشيوع والاستعمال ومسايرة العرف، وكذلك مراعاة الحسن في بنية اللفظ مما يعود إلى انسجام مادته الصوتية، وانتظام صيغته وفق قواعد الفصاحة عموماً. ويسد حازم بهذه الشروط التي تراعي بنية الألفاظ وخصائص صيغها وفاء بمقتضيات الرصد الشامل لكل مستويات البنية الثغرة في إنجاز عبد القاهر الجرجاني في النظم، إذ كان غياب مبحث الألفاظ في مستواها الصوتي واعتماد المعنى المؤسس على التركيب أساساً في بحث بنية العبارة اختزالاً لمساحة البحث التي تتعلق بالمستويات الشاملة الحادثة في كل سياق مفيد.
ثم ينتقل حازم إلى رصد مستوى التأليف في مرتبة المواد اللفظية أفراداً ومركبة.. مكملاً حصر الحسن في العبارة، إذ يرى أنه "من ذلك حسن التأليف وتلاؤمه. والتلاؤم يقع في الكلام على أنحاء: منها أن تكون حروف الكلام بالنظر إلى ائتلاف بعض حروف الكلمة مع بعضها وائتلاف جملة كلمة مع جملة كلمة تلاصقها منتظمة في حروف مختارة متباعدة المخارج مترتبة الترتيب الذي يقع فيه خفة وتشاكل ما، ومنها ألا تتفاوت الكلم المؤتلفة في مقدار الاستعمال.. فتكون الواحدة في نهاية الابتذال والأخرى في نهاية الحوشية وقلة الاستعمال، ومنها أن تتناسب بعض صفاتها مثل أن تكون إحداها مشتقة من الأخرى.. مع تغاير المعنيين من جهة أو جهات أو تتماثل أوزان الكلم أو تتوازن مقاطعها، ومنها أن تكون كل كلمة قوية الطلب لما يليها من الكلم أليق بها من كل ما يمكن أن يوضع موضعها"(51).
ويرصد حازم في هذا القسم من ضبط أشكال الانسجام في التأليف اللفظي صفات عرفتها مباحث الفصاحة قبله.. تتحدد هنا في ضرورة إحداث الانسجام بين حروف الكلمة الواحدة والكلم المتعددة بمراعاة ما عرف من اعتماد تباعد المخارج وانتقاء اللفظ أو الألفاظ.. وفق الانسجام الصوتي المتلائم الذي لا يسبب على مستوى التلفظ توعراً أو صعوبة، ليؤكد ضرورة إحداث التلاؤم وفق الدلالة بمراعاة عدم التناقض في حشد المبتذل بجوار الحوشي، أو ضرورة إحداث التناغم بمراعاة التجنيس أو الاشتقاق أو السجع أو المزدوج. والحق أن هذه المستويات الموسيقية في اللفظ تؤكد شمول فعل المحاكاة في نظر حازم إذ لا يكون التحسين اللفظي إلا رافداً يرسخ الفعل التخيلي.
ثم يرتقي حازم في مبحث التأليف إلى مزيد من التدقيق في رصد مواقع الكلم وضرورة مراعاة التأليف بينها، هذا التأليف الذي يوجده طلب بعضها بعض وفق التلاؤم العائد إلى الصيغة أو الموقع، وتحقيق السهولة في نسق الكلام مع تزيينه باعتماد المؤاخاة فيه.. حيث يظهر ذلك مفصلاً في شروط جماعها ضرورة مراعاة "التسهّل في العبارات وترك التكلف. والتسهل يكون بأن تكون الكلم غير متوعرة الملافظ والنقل من بعضها إلى بعض... والتكلف يقع إما بتوعر الملافظ أو ضعف تطالب الكلم أو بزيادة ما لا يحتاج إليه أو نقص ما يحتاج، وإما بتقديم وتأخير، وإما بقلب، وإما بعدل صيغة هي أحق بالموضع منها، وإما بإبدال كلمة مكان كلمة هي أحسن موقعاً في الكلام منها.. وإما بتكرار، وإما بالحيدة عن معنى تقصر العبارة عنه إلى معنى مؤد عن مثل تأديته تطول العبارة عنه. ومن ذلك إيثار حسن الوضع والمبني وتجنب ما يقبح من ذلك. فمن حسن الوضع اللفظي أن يؤاخي في الكلام بين كلم تتماثل في مواد لفظها أو في صيغها أو مقاطعها فتحسن بذلك ديباجة الكلام. وربما دل بذلك في بعض المواضع أو الكلام على آخره. ومن ذلك وضع اللفظ إزاء اللفظ.. الذي بين معنييهما تقارب وتناظر من جهة ما لأحدهما إلى الآخر انتساب.. ولـه به علقة، وحمله عليه في الترتيب. فإن هذا الوضع في تأليف الألفاظ يزيد الكلام بياناً وحسن ديباجة واستدلالاً بأوله على آخره. ومن قبح الوضع والتأليف أن تكون الألفاظ مع عدم تراخيها بعيدة أنحاء التخاطب.. شتيتة النظم متخاذلاً بعضها عن بعض كما قال:
لم يضرها، والحمد لله، شيء



فانثنت نحو عزف نفس ذهول(52)



واجتماع هذه المواصفات الواجب مراعاتها في بناء العبارة من ضرورة تحسين المفرد والمركب ينتج عنه صفات وخصائص في النص، ورغم أن هذه المادة يترجمها إحساس المتذوق، فإن التدليل على هذه الأحساسيس بكيفيات تشكل المادة توثيق للانطباع الذي توجده هذه الخصائص في النفس، ذلك أن "بقوة التهدي إلى العبارات الحسنة يجتمع في العبارات أن تكون مستعذبة جزلة ذات طلاوة. فالاستعذاب فيها حسن المواد والصيغ والائتلاف والاستعمال المتوسط. والطلاوة تكون بائتلاف الكلم من حروف مصقولة وتشاكل يقع في التأليف ربما خفي سببه وقصرت العبارة عنه. والجزالة تكون بشدة التطالب بين كلمة وما يجاورها ويتقارب أنماط الكلم في الاستعمال وسائرها يتعلق بالألفاظ المفردة من الشروط المذكورة التي تطرد الكلم بوجودها فيها أحسن
إطراد"(53). فالعذوبة عالقة بالمادة في مستوى الصيغة وحسن حروفها واستعمالها. والطلاوة تحدثها الحروف المصقولة المتآلف منها الكلم، ثم يكون عن تطالب الكلم وصف الجزالة، وتضام هذه الدوائر وتداخلها.. إحداث لطبقات من الحسن تتعاضد في تشكيل محسنات النص في مرتبة تناسب كلماته أفراداً وتراكيب ضمن سياق طبقاتها المختلفة.
وإذا كان ما سلف يتعلق ببحث الألفاظ في ذاتها وهيئاتها فإن من خصائص درس الألفاظ ضبط علائقها بالمعنى في مستوى ثان في ما أسماه حازم بدلالتها. فضمن الشروط السابقة يخص هذا الموضوع بقوله: "وأن يكون اللفظ طبقاً للمعنى تابعاً له جارية العبارة من جميع أنحائها على أوضح مناهج البيان والفصاحة. هذا إذا لم يكن المقصد إغماض المعاني"(54).
وقد خص حازم مشكلة غموض المعاني بوقفات تتيح لنا فهم علاقة اللفظ بالمعنى عندها يعالج عوامل الغموض ووسائل توضحيه، ذلك أنه يرى "أن اشتكال المعاني وغموضها من جهة ما يرجع إليها أو إلى عباراتها يكون لأمور راجعة إلى مواد المعنى أو مواد العبارة أو إلى ما يكون عليه إجراؤهما من وضع وترتيب أو إلى مقادير ما ترتب من ذلك أو إلى أشياء مضمنة فيهما أو أشياء خارجة عنهما"(55).
ومعالجة الكيفيات التي يحدث عنها بيان المعاني مما يرجع إلى المعنى أو اللفظ لا تخدم غرضنا وإن كانت ستبيّن أساليب إزالة أسباب الغموض العائدة إلى الألفاظ والمعاني، إذ ليست هذه الكيفيات إلا وسائل الإبانة والفصاحة عن هذا الغموض، كأن يعتمد تسهيل العبارة لإيضاح المعنى الدقيق واللطيف والخفي.
"أما ما يرجع إلى اللفظ مما يوقع في المعاني غموضاً واشتكالاً.. فمن ذلك أن تكون الألفاظ الدالة على المعنى أو اللفظة الواحدة منها حوشية أو غريبة فيتوقف فهم المعنى عليها... ومن ذلك أن تكون اللفظة أو الألفاظ مشتركة فتدل على معنيين.. أو أكثر لا في حال واحدة... ومن ذلك أن تكون كلمة قد وصلت بحرف أو حذف منها حرف فتتصل بكلمة يحتمل لفظها أن يكون الحرف الموصول بالأول داخلاً عليها أو من جملة حروفها، أو يكون قد أدخل على الثانية حرف يخيل لك أنه صلة للأولى أو تتمة لما نقص منها فيعرض من هذا فهم الكلام على غير وجهه"(56).
ويتحدد مما سلف غموض المعنى بصفات تعلق باللفظ مما يجعل الدلالة شركة بينهما، إذ يكون الخط المدروس هنا وصلة اللفظ بالمعنى، مما سيبيح لحازم عند بحث المعاني التي هي مدلول الألفاظ.. ضبط تنوع الصور المعنوية التي يحدثها السياق اللاحم بين مستويات المعاني ونسبها المختلفة، والهيئات اللفظية الدالة.
وينتقل حازم في نص تالٍ إلى رصد عوامل الغموض المترتبة على اللفظ في مستوى التأليف، فيرى أن من أسباب الغموض "الإخلال بوضع الكلام وإزالة ألفاظه من مراتبها.. حتى يصير المتأخر متقدماً والمتقدم متأخراً فتتداخل الألفاظ بعضها ببعض فتشكل العبارة ولا يتحقق نظامها قبل التقديم والتأخير.. ولا يعلم كيف كان (...) (57) وهذا المذهب رديء جداً في الكلام. وكان همام بن غالب الفرزدق يكثر من هذا النوع -كأنه كان يقصده- ومنه قوله:
وما مثله في الناس إلا مملكاً



أبو أمه حي أبوه يقاربه(58)



وتمثيله بالبيت السابق -الشائع كمثال للتعقيد اللفظي في المركب- لغموض المعنى المتأتي من التأليف اللفظي، مع التدليل على أن مركز الغموض عائد إلى بنية العبارة إلى الإخلال بوضعها، واشتراط تحقيق النظام بإحداث تغيير يتعلق بالتقديم والتأخير، اقتراب من تناول عبد القاهر البيت نفسه حيث رأى سبب فساده الإخلال بمعاني النحو مرة، وبالتضاد بين بنية العبارة الظاهرة وبنية الفكر الخفية مرة أخرى.
أما ما يراه حازم متعلقاً بالمعنى من أسباب الغموض فهو "أن يكون المعنى في نفسه دقيقاً لطيفاً يحتاج إلى تأمل وفهم، ومنها أن يكون المعنى قد أخل ببعض أجزائه ولم تستوف أقسامه، ومن ذلك أن يكون المعنى مرتباً على معنى آخر.. لا يمكن فهمه وتصوره إلا به، ومنه أن يكون منحرفاً بالكلام وغرضه عن مقصده الواضح معدولاً إليه عما هو أحق بالمحل منه"(59). وترجع بعض أسباب علاج الغموض في المعنى إلى اللفظ حيث تتحقق بتسهيله، وبعضها إلى المعنى نفسه، كمحاولة الإبانة عنه بأن يقرن به ما يناسبه ويقرب منه من المعاني الواضحة ليكون في وضوحها نفي لإبهام ذلك المعنى، وهي تفسح لنا المجال إلى الانتقال إلى العلائق التي يمكن أن تضبط المعاني في قنواتها، وهو مبحث يتعادل مع قسم اللفظ، إذ سيكون بحق المعنى في نفسه موزعاً بين جوهره المتحقق في المحاكاة، وأعراضه التي تتمثل في أنماط النسب والعلاقات التي تنظم المعاني.
والحق أن مبحث المعنى يحتل ركناً مكيناً في نظرية القرطاجني في الشعر عموماً وبنية النص خصوصاً، فمن منظور كميِّ خص المعنى بقسم من أقسام الكتاب الأربعة، ثم لم يكن القسم الرابع الذي أفرده لبحث طرائق الشعر وأغراضه والأساليب والمنازع إلا تفخيماً لمبحث المعاني نفسه.. بإقرار حازم، يضاف إلى ذلك أن القسم الثالث من الكتاب الذي أسماه النظم وعالج الأوزان الشعرية التي تعتبر من مستلزمات موسيقى الألفاظ، دون أن يغفل التعرض إلى التوافق والاحتواء بين الوزن الشعري والغرض، تعرض فيه أيضاً لقواعد الصناعة النظمية وهي خلاصة صناعة القصيدة معاني وألفاظاً وأساليب ونظماً. فإذا أضفنا إلى ذلك أن منهجاً من مناهج هذا القسم الخاص بالنظم خلص إلى درس وحدة القصيدة وفصولها، وهو مبحث يرصد التحام المعاني والألفاظ، أمكن اعتبار أن أغلب مادة الكتاب، باستثناء القسم الأول الضائع الخاص باللفظ، خالصة لبحث المعنى، علماً بأن من موضوعات القسم الضائع ما يبحث صلة الألفاظ بالمعاني.
وعلى الرغم من الإقرار بقيمة اللفظ الذاتية المتعلقة بمستواه الصوتي، والتنويه بأهمية اختيار المادة اللفظية في ذاتها، ثم اعتبار هيئة اللفظ التحسينية في مستوى انسجامها الصوتي عضداً للمحاكاة العالقة بالمعنى، وهي عناصر تسد الثغرة في إنجاز عبد القاهر الذي تجاهل أو كاد مستوى الألفاظ الصوتي، أقول رغم كل ذلك فإن المعنى حظي بالقسم الوافر من العناية، وليس من المستبعد أن يكون ذلك صدى لعبد القاهر ومفهومه للنظم، ذلك أنه رغم المراهنة في النظم على السياق المؤسس للدلالة حسب ما يوفره التركيب، فإن القصد هو المعنى المتولد من ذلك، لذلك لم يكن بدٌّ لحازم من أن يؤسس مبحثه في المعاني على مسلمة تُخوّله تأكيد فكرة التفريع الحادثة عن تضام المعاني في سياق أوجه التناسب المختلفة.
يشير حازم القرطاجني إلى ما يسميه بجهات الأقاويل الشعرية التي "هي ما يكون الكلام منوطاً به من الأشياء المقصود وصفها أو الإخبار عنها" ويرى أنها ضربان "ضرب يقع في الكلام مقصوداً لنفسه، وهو ما كان له بالغرض المقول فيه علقة وله إليه انتساب بوجه يوجب ذكره. والصنف الثاني ما لم يكن له بالغرض علقة.. ولكن لـه علقة ببعض الجهات المتعلقة بالغرض، فيذكر تابعاً لما ذكر معتمداً على جهة إحالة أو محاكاة أو غير ذلك، وقد يكون لـه بالغرض علقة إلا أنه لم يذكر.. إلا من حيث ما هو تابع لغيره ومتعلق
به"(60). وهو بذلك يضع أساساً لضبط علائق جهات المعاني من حيث الصلة بالغرض الرئيسي ومن حيث الصلة ببعض جهات الغرض بنسبة ما. وستستحيل الجهات الرئيسية أوائل والأخرى ثواني، وتفاوت الشعراء في الثواني أكثر " لأن الجهات الأولى يمكن حصرها في كل فن، وأما الجهات الثواني فقلما يتأتى حصرها لكثرة ما يمكن أن يستطرد من الشيء إليه أو
يحال به عليه أو يحاكى به أو يعلق على الجملة به لنسبة في المعنى تقتضي ذلك".(61)
إن حازماً يبحث عن المركز المتحكم في ثراء المعاني وغناها في النص، ولا يملك هنا أن يراهن على معاني النحو إنما يبحث عن البديل، فمعاني النحو إذ تؤسس منطلقها في التركيب بمراعاة معاني الفاعلية والمفعولية والحالية... ووظائفها في إحداث الدلالة ووحدة المفهوم الناتج عن السياق، فهي تتأسس على مسلمة مفادها أن الأبنية النظرية للتركيب تمثل الأصول التي بموجبها تحدث طرائق التركيب المختلفة؛ وليست الوجوه والفروق المرتبطة بمعاني النحو سوى أبنية سطحية كثيرة تتفرع من أصولها اللغوية لتتوافق في كل سياق مع الغرض المبتغى، من هنا يرى عبد القاهر أنها تعز على الحصر، وقد استغل حازم هذا الأساس الذي سيتأكد لنا مع مسار هذا الفصل.. ليوجد البديل لنظرية النظم على مستوى العبارة، ثم على مستوى نظم القصيدة كاملة. فكان جوهر فكره المعلل لظاهرة التناسب الحاصل بين عناصر المعاني لا يقوم في المنطلق على المعاني النحوية، وإنما يتأسس على المحاكاة ووفق كل أشكال التضام التي يمكن أن تحدثها علقة معنى بآخر من تماثل وتشابه وتناظر وتقابل.. وقد اقتضاه ذلك الاستعانة بفكرة راسخة في بلاغة عبد القاهر، وهي المعاني الأوائل والمعاني الثواني، يعتمد حازم هذا الاصطلاح في وصف صلاة الجهات الأوائل والثواني ثم في وصف معاني الجهات الأوائل والثواني في قوله: "والمعاني الشعرية منها ما يكون مقصوداً في نفسه بحسب غرض الشعر ومعتمداً إيراده ومنها ما ليس بمعتمد إيراده ولكن يورد على أن يحاكى به ما اعتمد من ذلك أو يحال به عليه أو غير ذلك، ولنسمِّ المعاني التي تكون من متن الكلام ونفس غرض الشعر المعاني الأوائل، ولنسم المعاني التي ليست من متن الكلام ونفس الغرض، ولكنها أمثلة لتلك أو استدلالات عليها أو غير ذلك لا موجب لإيرادها في الكلام غير محاكاة المعاني الأوائل بها، أو ملاحظة وجه يجمع بينهما على بعض الهيئات التي تتلاقى عليها المعاني، أو يصار من بعضها إلى بعض المعاني الثواني فتكون معاني الشعر منقسمة إلى أوائل وثوان"(62).
واعتماد حازم مصطلح المعاني الأوائل والثواني الذي رغم الأصول الفارابية التي يتضمنها.. فإن المصطلح نفسه يذكّر بعبد القاهر الجرجاني"(63) وهو يخفي الأساس الدقيق الذي تنبني عليه فكرته.. في الصلة بين المعاني عموماً، من هنا يحدث الانسجام بين فكرته في أوجه التناسب بين المعاني المستفيدة من رأي الفلاسفة الإسلاميين في الموضوع نفسه"(64)، واصطلاح المعاني الأوائل والثواني الذي لا يعني به: "مستويين متفاوتين في التعبير، وإنما يعني معاني متساندة يوضح تاليها سابقها"(65).
يتنزل مصطلح المعنى ومعنى المعنى عند عبد القاهر ضمن تناول دلالي للصورة المجازية.. حيث يستحيل المدلول الأول المباشر إلى دال يحيل إلى المدلول المقصود. فالمنظور العمودي لطبقات الدلالة استوجب استغلال الاصطلاح ليخدم هذه الحقيقة.. تمشياً مع تعليل عبد القاهر التحولات الدلالية الحاصلة في السياق..
إثر استغلال الصور البلاغية، وهذا يتوافق مع موقفه المغاير لموقف البلاغيين.. في التدليل على أن الصور المجازية تكون في المعنى وليست نقلاً للفظ، دون أن ننسى تنزيله هذه الصور ضمن بناء العبارة إذ يراها من مقتضيات النظم.
أما حازم القرطاجني فإنه يوظف الاصطلاح ليخدم به رأيه في الفصل بين المعاني الأوائل والثواني من منظور أفقي، إن صح الوصف، حيث إن المسألة تتعلق بمعان جوهرية في الغرض تنسب إليها معان أخرى ثانوية بشكل من أشكال النسبة، ولما كانت هذه طارئة قد تثبت أو تسقط، ولكنها تزيد في جمال المحاكاة، أسماها ثواني ولكنه إذ يؤكد أن هذه الثواني تعز على الحصر.. وأن قوة الشعراء تتفاوت في هذه الثواني أكثر من تفاوتها في الأوائل، يذكر برأي عبد القاهر في الفروق والوجوه الحادثة عن النظم وأنها لا نهائية، فإذا أضفنا إلى ذلك أن تصوره النسب الواقعة بين المعاني.. يخول له الامتداد بنظريته إلى أن تغطي القصيدة كاملة، بخلاف نظرية النظم التي لا تتجاوز حدود العبارة، وإذا استحضرنا الأساس الذي تقوم عليه فكرته القائمة على النسبة الحاصلة بين معنى ومعنى التي تعود أساساً إلى محاكي ومحاكى، وما يتفرع من ذلك من أوجه النسب، وأن موقفه من المتكلمين كما بدا في مطلع الفصل سيرسخ إيجاد البديل لنظرية المتكلمين الأساسية كما تبدو في النظم، والاعتماد في إيجاد هذا البديل على مفهوم التخييل أو المحاكاة وهو أساس نظرية حازم، أمكن إدراك العوامل التي جعلت حازماً يفتت من معاني النحو فكرته في النسب الحادثة بين المعاني، غير أن أمره ينطلي وشيكاً.. حين يضطر إلى مواجهة ما أسماه هو أيضاً بصور المعاني (66).
وتقوم أسس التفريعات الحادثة بين المعاني على مبادئ متنوعة محكومة بقاعدة منطقية، وبأساس من التخاطب ذلك، "أن المعاني صنفان: وصف أحوال الأشياء التي فيها القول، ووصف أحوال القائلين أو المقول على ألسنتهم، وأن هذه المعاني تلتزم معاني أخر.. تكون متعلقة بها وملتبسة بها، وهي كيفيات مآخذ المعاني ومواقعها من الوجود أو الفرض وغير ذلك ونسب بعضها إلى بعض، ومعطيات تحديداتها وتقديراتها، ومعطيات الأحكام والاعتقادات فيها، ومعطيات كيفيات المخاطبة"(67).
وإذا كان أصل المعاني وصف جهات الأشياء التي لها علقة رئيسية بالغرض وكذا أحوال الواصف.. فإن لمعاني الجهات الرئيسية صلات بغيرها تتبدى في تفريعات معنوية تكون من جهة ما له بها نسبة، أو ما يكون من جراء التعريف والتحديد للمعاني والأحكام.. التي تصدر في شأنها وكذا كيفيات المخاطبة، ثم ضبطها من منظور الحقيقة إن كانت واقعية أو متخيلة في إطار ما يربطها بغيرها في المكان والزمان. وهكذا يكمن خلف هذه التفريعات كل قول شعري، ذلك أن على كل قاصد للقول الشعري، مريد لتحسين المعاني "أن يعرف وجوه انتساب بعضها إلى بعض. فيقول: إنه قد يوجد لكلِّ معنى من المعاني التي ذكرتها.. معنى أو معان تناسبه أو تقاربه ويوجد له أيضاً معنى أو معان تضاده وتخالفه. وكذلك يوجد لمضاده في أكثر الأمر معنى أو معان تناسبه. ومن المتناسبات ما يكون تناسبه بتجاور الشيئين واصطحابهما واتفاق موقعيهما من النفس، ومنه ما تكون المناسبة باشتراك الشيئين في كيفية، ولا يشترط فيها التجاور ولا الاتفاق في الموقع من هوى النفس، وما جعل فيه أحد المتناسبين على هذه الصفة مثالاً للآخر ومحاكياً له فهو تشبيه"(68).
وتفسر وجوه التناسب السابقة بما يمكن أن يعرف بإحداث التماثل بين المعاني عندما يناظر بينها.. فيوضع أحدها في حيز يقابل حيز الآخر، أو تحقيق المناسبة عندما يقترن المعنى بما يناسبه، أو إيجاد مقابلة أو مطابقة عند إحداث التضاد في المعاني أو إيجاد أوجه الاقتران الحادثة بين المتشابهين مما ينتج عنه التشبيه والاستعارة. وللمعاني صور أخرى كالتكرار، ذلك أن المعاني ضربان "صور متكررة وصور غير متكررة. والتكرار لا يجب أن يقع في المعاني إلا بمراعاة اختلاف ما في الحيزين اللذين وقع فيهما التكرار من الكلام. فلا يخلو أن يكون ذلك إما لمخالفة في الوضع: بأن يقدم في أحد الحيزين ما أخُّر في الآخر، أو بأن تختلف جهات التعلق في الحيزين، أو بأن يفهم المعنى أولاً من جهة الإبهام ثم يورد مفسراً من الجهة التي وقع فيها الإبهام، أو بأن يجمل ثم يفصل- وهذا يجتمع مع ما قبله من جهة ويفارقه من جهة- أو بأن يفصل ثم يجمل الضرب من المقاصد، أو بأن يورد على صورة من الجمع والتفريق كما يقال: أنت وزيد بحران تكون أنت للعذوبة وذلك للزعوقة.. أو بأن تبان الجهتان اللتان تواخى بهما الضدان على الشيء كقوله:
(...) (...) يخشى ويتّقى.. يرجّى الحيا منه وتخشى الصواعق.
فعلى هذه الأنحاء وما ناسبها يقع التكرار في المعاني فيستحسن.
وكثيراً ما تقع التفصيلات والتفسيرات والتقسيمات في المعاني التي تكون من هذا القبيل"(69).
ويتكيف رأي حازم ودعوته إلى ضرورة التنويع في مسالك الكلام والتقاذف فيه إلى شتى أنواع النسب والاقترانات، مع منظوره لوظيفة الشعر المؤسسة على إحداث التأثير في المتلقي.. وذلك يتحقق وفق صياغة لائقة، ذلك وإن كان الأساس في إخراج الصياغة وفق أنماط التناسب والتشاكل العالقة بالمستويات المعنوية واللفظية إقراراً بخصوصيات تشكيلية عالقة بالنص، مما يقتضي فض أسرارها واعتماد العقل والتمييز والمران، إلا أنها محكومة بالمنظور الوظيفي أساساً.. لارتباطها بوظيفة التعجب الحاصلة في النفس، ذلك أنه "يجب ألا يسلك بالتخييل مسلك السذاجة في الكلام، ولكن يتقاذف بالكلام في ذلك إلى جهات من الوضع الذي تتشافع فيه التركيبات المستحسنة والترتيبات والاقترانات والنسب.. الواقعة بين المعاني. فإن ذلك مما يشد أزر المحاكاة ويعضدها، ولهذا نجد المحاكاة أبداً يتضح حسنها.. في الأوصاف الحسنة التناسق، المتشاكلة الاقتران، المليحة التفصيل، وفي القصص الحسن الاطراد، وفي الاستدلال بالتمثيلات والتعليلات، وفي التشبيهات والأمثال والحكم، لأن هذه أنحاء من الكلام.. قد جرت العادة في أن يجهد في تحسين هيئات الألفاظ والمعاني وترتيباتها فيها"(70).
ويدل الإلحاح على تحسين هيئات الألفاظ والمعاني وترتيباتها فيها الناتجة عن أشكال التقاذف بين المعاني المتناسبة والألفاظ الدالة عليها.. على تدقيق حازم رؤيته صلات المعنى باللفظ، إذ تبدو صلة التلاحم بينهما إفرازاً لأنماط العلائق المختلفة... وهنا يتحدد لحازم خط يشقه في حقل مشترك بين لفظ دال ومدلول، حيث سيؤول مفتاح التدقيق الراصد لعلائق العنصرين إلى اصطلاح صور المعاني المشار إليه.. في النص ما قبل السابق. وهذا الاصطلاح إذ يشكل ركناً في نظرية عبد القاهر في النظم- رغم الإقرار بحضوره في أعمال السابقين- يزيدنا تدليلاً على الاقتراب الحاصل بين الرجلين، هذا الاقتراب المتبدي في استثمار حازم لمعطيات نظرية النظم ومزجها بأصوله الراسخة في أعمال فلاسفة الإسلام لإحداث ائتلاف متناغم.

وينتج عن أوجه التناسب، المؤكدة في مواقف شتى لحازم، بين المعاني، صور للمعاني، ذكر بعضها كإقرار بشتى العلائق الرابطة بين المعاني في ما أسماه صلة الزمان والمكان، وأنماط التحديدات وأوجه التخاطب وكذا أشكال المحاكاة وغيرها، ولكن ما يكتنف المعاني من ملابسات وما يحيط بها من صلات يفرز صوراً أخرى جديدة، فإذا ما حددنا الصلات الزمانية والمكانية للمعاني فقط نرى أنه "يتركب من هذه الأحوال صور شتىّ من الكلام، وتكون المعاني الواقعة بهذه الاعتبارات بحسب ما قدمته من تعدد الأفعال وتعدد مرفوعاتها ومنصوباتها أو اتحاد جميع ذلك أو اتحاد بعض من ذلك وتعدد بعض، فتتضاعف صور المعاني بذلك تضاعفاً يعز إحصاؤه. والتركيبات التي تتنوع بها هيئات العبارات وما تحتها من المعاني من جهة مواقع بعض المعاني من بعض، في الأزمنة والأمكنة على ما تقدم راجعة إلى المعاني التي تقدم التعريف بأنها تقع تحديدات في الأزمنة والأمكنة. وكثيراً ما يتأتى في هذه التركيبات تقسيم الكلام وتفصيله إلى مقادير متعادلة متناسبة"(71).
وتزداد صور الكلام المختلفة المتأتية أساساً من التفريعات العالقة بالمعاني المترتبة على ما يكتنفها في الزمان والمكان من وقائع وحالات ثراء بصور التكرار.. الناتجة عن تعدد المفعولات والفواعل والأفعال، وهذا تأكيد خاصية التكاثر في هذه الصور.. التي يعز إحصاؤها، حيث تتلبس بهيئات العبارات وما تحتها من المعاني، وهو إقرار بتكامل التوالد بين العنصرين، المحكوم أساساً بجوهر هذه التنويعات المحدثة لكل هذه الصور.. المتمثل في المعاني. ويمكننا أن نضيف لتأكيد ذلك رأياً آخر لحازم في أشكال من الصور الأخرى.. التي يحدثها أساس آخر تقوم عليه المعاني متمثلاً في تحديداتها من العموم والخصوص أو الكلية والجزئية وكذا الأحكام الواقعة فيها، وكيفيات التخاطب "فإن هذه الأشياء أيضاً مما تتضاعف بها الصيغ والعبارات عن تلك المعاني فيؤدي تنوع صور المعاني والعبارات، بجميع ذلك وبما قد ذكر أيضاً في غير هذا الموضع من هذا الكتاب مما تتكاثر به صور المعاني، إلى وقوع المعاني على هيئات وصور يعز حصرها ولا يتأتى استقصاؤها لكثرتها"(72).
إن حازماً أراد أن يجد أساساً آخر- غير معاني النحو- يؤسس عليه فكرته في صلة المعاني بالألفاظ، ويدلل بواسطته على أشكال التوليدات المختلفة في المعاني المرتبطة بأسس واحدة، ويكون منطلقه في بحث بنية القصيدة الكلية، ولكن في قاعدة هذا التصور.. ما قد يقترب من معاني النحو، ذلك أن الفروق والوجوه المتعددة الناتجة عن مختلف التنويعات في الأبنية الأساسية في النحو كالتفريعات عن الحال والمبتدأ والخبر وغيرها، تتيح للبليغ إمكانية التعبير عن شتى المواقف مع إحداث التطابق بين كل بنية متفرعة من بنية نواه وغرضه المقصود، وهي تمثل معتمد عبد القاهر في تشخيص بلاغة النص وفنيته. أما المقابل عند حازم لوجوه النظم وفروقه فهو صور المعاني المتفرعة من أصول تؤسس قواعد تنتظم صلات المعاني مطلقاً، ضبطت هذه الأصول وفق تحديدات منطقية وحيوية ولغوية، من هذه الأصول مثلاً حدود المعاني أو علائقها بالزمان والمكان، إذ يمكن انطلاقاً من هذين الأسين ووفق أشكال الترابط التي يمكن أن تنتظم معنى وآخر، تفريع صُورٍ شتى يبدو فيها التعاضد تاماً بين الهيئة التأليفية اللفظية التي يتلبسها المعنى، والمعنى نفسه، فإذا أضفنا إلى ذلك أن أساس هذا التنويع الحادث في هذه الصور إنما هو المعاني، مثلما تحدد في نظرية النظم لدى عبد القاهر، من أن كل قصد للكلام إنما يتم بتوخي معاني النحو في معاني الكلم، وأن كل قصد للترتيب وتوخي معاني النحو في الكلم إحداث لصورة تماماً كتشكل صور المعاني لدى حازم.. من جرّاء تنويعات النسب بين المعاني، أمكن التقريب بين النظريتين وإن تمايزت المناهج المعتمدة في كل نظرية.
ولكن استغلال حازم لنظرية النظم(73) لا يلبث أن يبين عن نفسه صريحاً عندما يتمادى في محاصرة صور المعاني التي تتنوع مصادرها.. وإن انقسمت حسب وجودها إلى ما لها وجود خارج الذهن أو إلى التي جعلت بالفرض بمنزلة ما لها من وجود خارج الذهن، وإلى ما ليس لها" وجود خارج الذهن أصلاً، وإنما هي أمور ذهنية.. محصولها صور تقع في الكلام بتنوع طرائق التأليف في المعاني والألفاظ الدالة عليها والتقاذف بها إلى جهات من الترتيب والإسناد، وذلك مثل أن تنسب الشيء على جهة وصفه به أو الإخبار به أو تقديمه عليه في الصورة المصطلح على تسميتها فعلاً أو نحو ذلك. فالاتباع والجر وما جرى مجراها معان ليس لها خارج الذهن وجود، لأن الذي خارج الذهن هو ثبوت نسبة شيء إلى شيء أو كون الشيء لا نسبة له إلى الشيء. فأما أن يقدّم عليه أو يؤخّر عنه أو يتصرف في العبارة عنه نحو من هذه التصاريف فأمور ليس وجودها إلا في الذهن خاصة"(74). فالنسب الحادثة بين المعاني القائمة على أشكال الإسناد والترتيب التي تحدثها خصائص بينها مردها صلة وصف أو خبر أو فعل أو غيرها كالتقديم والتأخير، هي محصلة فاعلية النحو في الكلام، ومن ثمة فهي نتاج فعل الذهن في مادة اللغة، وهي نتيجة تماثل ما يسنده عبد القاهر إلى العقل إذ يعتبره الفاعل الأول والأساسي في صياغة الكلام البليغ.
وقد خلص لحازم أيضاً من رأيه في صور المعاني قوانين ضابطة لأصول هذه المعاني تنسحب على كل صنف منها، يتأكد إدراكها وإدراك تفصيلاتها بالفكر، يقول: "وإنما يعرف صحتها من خللها أو حسنها من قبحها بالقوانين الكلية التي تنسحب أحكامها على صنف منها، ومن ضروب بيانها. ويعلم من تلك الجمل كيفية التفصيل، ولا بد مع ذلك من الذوق الصحيح والفكر المائز بين ما يناسب وما لا يناسب وما يصح وما لا يصح بالاستناد إلى تلك القوانين على كل جهة من جهات الاعتبار في ضروب التناسب وغير ذلك مما يقصد تحسين الكلام به"(75).
فإذا أضفنا إلى ضرورة اعتماد العقل في إدراك ما يلائم من هذه الصور وما لا يلائم يعاضده الذوق الصحيح، وجوب الاحتكام في ذلك إلى القوانين الكلية الضابطة لهذه الأصناف التي بواسطتها يعرف صحيح هذه الصور وفاسدها، ويميّز الحسن من القبيح، تماماً كإسناد عبد القاهر هاتين الوظيفتين إلى معاني النحو، تأكدت لنا الخطوط الخفية التي تسربت منها أسس نظرية النظم إلى آراء حازم، ويزيد ذلك إبانة تأكيده "أن الطباع أحوج إلى التقويم في تصحيح المعاني والعبارات عنها من الألسنة إلى ذلك في تصحيح مجاري أواخر الكلم"(76). فهذا التأكيد يشبه إلحاح عبد القاهر على أن معاني النحو هي بمعزل عن أشكال الحركات الإعرابية الظاهرة إذ لا مزية في إدراك ذلك بين مدرك ومدرك، إنما الاعتبار للكيفيات التي تعمل وفقها معاني النحو في الكلم، وتلك وظيفة الطباع والعقل وليست بذات صلة باللسان.

النظم والأسلوب أو شكل الشكل وشكل المضمون

ليس النظم والأسلوب إلا تزيينات لاحقة بجوهر الفعل التخيلي الذي يتحقق في تخاييل المعاني من جهة الألفاظ، حتى الهيئات اللفظية وأشكال الاقترانات بين المعاني المسببة صوراً مختلفة من نوع التحسينات الملحقة، ذلك أن التخاييل تنقسم "بالنسبة إلى الشعر قسمين: تخييل ضروري، وتخييل ليس بضروري، ولكنه أكيد أو مستحب، لكونه تكميلاً للضروري وعوناً له على ما يراد من إنهاض النفس إلى طلب الشيء أو الهرب منه. والتخاييل الضرورية هي تخاييل المعاني من جهة الألفاظ. والأكيدة والمستحبة تخاييل اللفظ في نفسه وتخاييل الأسلوب وتخاييل الأوزان والنظم، وآكد ذلك تخييل الأسلوب"(77).
فالمنظور الوظيفي لفعل المحاكاة هو الذي حدد التمايز بين أصناف التخييلات، وذلك في انعكاس الغاية التخييلية المتمثلة في وظيفة التأثير على خواص النص البنيوية. من هنا يعتمد حازم اصطلاح الأوائل والثواني مرة أخرى ليفرق بين صنفي التخييلات "فالتخييل الأول يجري مجرى تخطيط الصور وتشكيلها. والتخييلات الثواني تجري مجرى النقوش في الصور والتوشية في الأثواب والتفصيل في فرائد العقود وأحجارها"(78)، لذلك يتنزل النظم والأسلوب ضمن التوشية المزيّنتين لفعل المحاكاة المكتمل بمحاكاة المقول فيه بالقول تماماً كهيئات اللفظ التحسينية، أو أشكال التناسب الحادثة بين المعاني من جرّاء أنماط الاقترانات بينها.
ووظائف التحسين تتراكم وفق هذا التصور كأعراض على جوهر يتحقق في محاكاة المعنى بالألفاظ، ويكبر في دائرة أولى تظهر في هيئات الألفاظ والمعاني لتتضخم في أسلوب ونظم، إذ "الأسلوب هيئة تحصل عن التأليفات المعنوية، والنظم هيئة تحصل عن التأليفات اللفظية"(79). ومن هنا يكون مسار البحث في علاقات المعاني بالألفاظ على مستوى الأسلوب تركيباً أو تضخيماً لما سلف من تناول العنصرين في مستوى المعنى الجزئي، كما انعكس ذلك أيضاً في ما أسماه حازم.. عند ضبط قواعد الصناعة النظمية بالتخاييل الجزئية، والتخاييل الكلية. فيكون بحث الأسلوب تقصياً للمعنى عندما يمتد ليشمل جهات عدة وأغراضاً عدة، علماً بأن دراسته في ذاته هنا كهيئة متشكلة من معاني جهات عدة قائمة على حضوره في النص ضمن كيان النص المركب بغض النظر عن كونه محصلة تشكل معاني لها وجه قيمي وأخلاقي. ويكون بحث النظم تأكيداً لمسار بحث الألفاظ في ذاتها على مستوى التحسين الصوتي، أو الدلالة على المعنى، إذ ليس النظم إلا تراكماً لألفاظ يشكل انسجامها وفق التنظيم الإيقاعي لأصواتها موسيقى القصيدة، وتتحدد بدلالات الفصول المركبة منها المعاني المحاكاة، حيث يؤول تركيب اللفظ في مستوييه إلى صلة بين فصول القصيدة، ومن ثم وحدتها المركبة.
ويتأسس المدخل التعريفي الذي يرصد المصطلحين ودلالتهما على تقابل صورتيهما الحاصلتين في المعاني والألفاظ، لذلك "وجب أن تكون نسبة الأسلوب إلى المعاني كنسبة النظم إلى الألفاظ، لأن الأسلوب يحصل عن كيفية الاستمرار في أوصاف جهة من جهات غرض القول وكيفية الاطراد من أوصاف جهة إلى جهة. فكان بمنزلة النظم في الألفاظ الذي هو صورة كيفية الاستمرار.. في الألفاظ والعبارات والهيئة الحاصلة عن كيفية النقلة من بعضها إلى بعض وما يعتمد فيها من ضروب الوضع وأنحاء الترتيب"(80).
ولما كان الأسلوب هو هيئة حادثة في المعاني من جراء الانتقال بين معاني الجهات المخيلة وفق الغرض أو الأغراض.. اقتضى ذلك التلطف في الانتقال ومراعاة حسن الاطراد والتناسب بين مقصد ومقصد، وتأكد بذلك ربط الأسلوب في تنوعه: "بحسب مسالك الشعراء في كل طريقة من طرائق الشعر، وبحسب تصعيد النفوس فيها إلى حزونة الخشونة أو تصويبها إلى سهولة الرقة أو سلوكها مذهباً وسطاً، بين ما لان وما خشن من ذلك. فإن الكلام منه ما يكون موافقاً لأغراض النفوس الضعيفة الكثيرة الإشفاق مما ينوبها أو ينوب غيرها، ومنه ما يكون موافقاً لأغراض النفوس الخشنة القليلة المبالاة بالأحداث، ومنه ما يكون موافقاً للنفوس المقبلة على ما يبسط أنسها"(81). والتفريعات الحادثة عن أشكال التركيبات بين هذه الأساليب الثلاثة كثيرة لا يهمنا ذكرها، إنما المؤكد أن الأسلوب هيئة تحصل وفق الانسجام الحادث بين المسلك المتبع الموافق للطريقة الشعرية أو الغرض الشعري، والحالة النفسية لقاصد القول المحددة بميل إلى الخشونة أو الرقة أو التوسط بينهما، إذ يبدو كل موقف من هذه المواقف ملائماً للغرض المنتقى أو الأغراض العديدة التي يمكن أن تنضوي تحت سلطان نمط من هذه الأنماط الأسلوبية الرئيسية أو أحد تفريعاتها.
وإذا كان الأسلوب هيئة ناتجة عن تلطف في الانتقال بين المعاني وهو لا يعدو أن يشكل دائرة أوسع تحوي دوائر كثيرة تحدثها هيئات المعاني وصورها الحادثة عن أشكال تناسبها، فإن النظم امتداد للفظ، ويجسد هذا الامتداد في جوهره القائم على العلائق بينهما قول حازم "اعلم أن الأبيات بالنسبة إلى الشعر المنظوم نظائر الحروف المقطعة من الكلام المؤلف، والفصول المؤلفة من الأبيات نظائر الكلم المؤلفة من الحروف. والقصائد المؤتلفة من الفصول.. نظائر العبارات المؤلفة من الألفاظ. فكما أن الحروف إذا حسنت حسنت الفصول المؤلفة منها إذا رتبت على ما يجب ووضع بعضها من بعض على ما ينبغي كما أن ذلك في الكلم المفردة كذلك. وكذلك يحسن نظم القصيدة من الفصول الحسان كما يحسن ائتلاف الكلام من الألفاظ الحسان إذا كان تأليفها منها على ما يجب. وكما أن الكلم لها اعتباران: اعتبار راجع إلى مادتها وذاتها، واعتبار بالنسبة إلى المعنى الذي تدل عليه، كذلك الفصول تعتبر في أنفسها وما يتعلق بهيئاتها ووضعها، وتعتبر بحسب الجهات التي تضمنت الفصول والأوصاف المتعلقة بها"(82). وهكذا يعتمد حازم مصطلح النظم في وصف بنية القصيدة كاملة هيئات شكلية ومعاني مدلولاً عليها بالفصول المنتظمة للألفاظ. والحق أن حازماً إذ يعتمد اصطلاح النظم في بحث بنية القصيدة يكيفه ليشمل مستوياتها المعنوية واللفظية في تفاعلها في أبيات الفصول لتتطابق كلها مع الغرض المقصود، ذلك أن "المنحى الشعري نسيباً كان أو مدحاً أو غير ذلك.. فإن نسبة الكلام المقول فيه إليه نسبة القلادة إلى الجيد، لأن الألفاظ والمعاني كاللآلئ، والوزن كالسلك والمنحى الذي هو مناط الكلام وبه اعتلاقه كالجيد لـه. فكما أن الحلي يزداد حسنه في الجيد الحسن، فكذلك النظم إنما يظهر حسنه في المنحى الحسن"(83).
ومن هنا يتسع مفهوم النظم ليشمل مستويات القصيدة موسيقى وألفاظاً ومعاني. وما بحث قواعد الصناعة النظمية لدى حازم إلا تأكيد ذلك، إذ بها تحدد رأيه في صناعة القصيدة وفق منهج في النظم تتعاضد فيه مستوياتها في الأسلوب والنظم والأوزان والمعاني والألفاظ. وهو إذ يمتد بالنظم ليشمل بنية القصيدة كاملة لا يغادر حدود عبد القاهر الجرجاني مطلقاً، وإن استطاع بالفك بين مستويي المعاني والألفاظ والأسلوب والنظم أن يستغل نظرية عبد القاهر بوضوح في ضبط بلاغة العبارة، لكنه أدرك أن معاني النحو لا تطول القصيدة كاملة إذ يأسرها النحو في حدود الجملة، فكان عليه اعتماد اصطلاح يسع بنية القصيدة كاملة وليس أفضل من اعتماد النظم، إذ به يتحقق لحازم أمران: إيجاد البديل لمفهوم عبد القاهر في النظم الذي لا يتجاوز حدود العبارة، ومحاولة إلحام هذا المفهوم الواسع للنظم بمفهوم الشعر المتجسد أساساً في كونه تخييلاً، وبذلك يتم احتواء النظم ضمن هذا المفهوم الأخير حيث لا يعدو أن يكون والأسلوب من التخاييل الثواني.
استطاع حازم باعتماد النظم أن يبحث القصيدة معاني وألفاظاً وأن يفرع من مبحث الألفاظ رصد موسيقى القصيدة، وهكذا اكتمل لـه احتواء مستوياتها الصوتية والدلالية كلها. ونجتزئ في التدليل على ذلك ببضع مواقع البحث، منها درسه قوانين انتظام الفصول حيث يرى أن "الكلام فيما يرجع إلى ذوات الفصول وإلى ما يجب في وضعها وترتيب بعضه من بعض يشتمل على أربعة قوانين: القانون الأول: في استجادة مواد الفصول وانتقاء جوهرها. القانون الثاني: في ترتيب الفصول والموالاة بين بعضها البعض. الثالث: في ترتيب ما يقع في الفصول، الرابع: في ما يجب أن يقدم في الفصول وما يجب أن يؤخر فيها وتختم به"(84). ويتضح في القانون الأول الذي يعرض لمواد الفصول ويؤكد ضرورة استجادة هذه المواد وانتقاء جوهرها مستوى البحث في البنية العامة، إذ يجب أن تكون هذه المواد "متناسبة المسموعات والمفهومات، حسنة الاطراد غير متخاذلة النسج، غير متميز بعضها عن بعض التمييز الذي يجعل كل بيت كأنه منحاز بنفسه لا يشمله وغيره من الأبيات بنية لفظية أو معنوية يتنزل بها منه منزلة الصدر من العجز أو العجز من الصدر"(85).
ويتأكد هذا المنحى الكلي في موقع آخر هو القانون الثالث الخاص بتأليف بعض بيوت الفصل إلى بعض، حيث من مقتضياته وجوب إرداف "البيت الأول من الفصل بما يكون لائقاً به من باقي معاني الفصل.. مثلاً أن يكون مقابلاً له على جهة من جهات التقابل أو بعضه مقابلاً لبعضه، أو يكون مقتضى له مثل أن يكون مسبباً عنه، أو تفسيراً له، أو محاكى بعض ما فيه ببعض ما في الآخر، أو غير ذلك من الوجوه التي تقتضي ذكر شيء بعد شيء آخر. وكذلك الحكم في ما يتلى به الثاني والثالث إلى آخر الفصل"(86).
فإذا أدركنا أن هذه القوانين هي نفسها التي تنظم العلائق الحادثة بين المعاني وأنها تطول هنا بنية النص كاملاً، وهي نفسها المحدثة للهيئة الأسلوبية الحادثة عن طرائق الانتقال اللطيف بين معاني الجهات التي تؤسس مجموعة منها فصلاً واحداً، أمكن ضبط هذا الخط الذي يلتحم فيه مستوى البحث الأسلوبي العالق بالمعنى بمستوى البحث اللفظي في درجته الثانية، التي هي دلالة أبيات القصيدة على المعاني.. ويمتزج المستويان ويتلاحمان في سبك عناصر القصيدة اللفظية والمعنوية، هذا السبك الذي ينجر عنه توليد الدلالة، ويترتب عليه تعاضد الأبيات والفصول بحسب الأشكال المختلفة للتلاحم والتناسب. وإذ يتأكد اقتراب النظم من الأسلوب إذ ينبغي "ملاحظة الوجوه التي تجعلهما معاً مخيلين للحال الذي يريد تخيلها الشاعر.. من رقة أو غلظة أو غير ذلك"(87). يكون الانتقال ميسوراً إلى بحث المنازع الشعرية التي في ثناياها يبدو التلاحم كأقوى ما يكون، بين بنية النص اللفظية وبنيته المعنوية ولا يتحقق ذلك إلا بالمراهنة على معاني النحو.



المنزع الشعري
وتآلف العناصر الشكلية والمضمونية

"والمنازع هي الهيئات الحاصلة عن كيفيات مآخذ الشعراء في أغراضهم وأنحاء اعتماداتهم فيها، وما يميلون بالكلام نحوه أبداً، ويذهبون به إليه، حتى يحصل بذلك للكلام صورة تقبلها النفس أو تمتنع من قبولها. والذي تقبله النفس من ذلك ما كانت المآخذ فيه لطيفة، والمقصد فيه مستطرفاً، وكان للكلام به حسن موقع من النفس"(88). وعلى الرغم من أن المنزع يكاد يتعادل بهذا التحديد مع الطريقة أو المنحى الذي ينتحيه شاعر ما في الكلام أبداً حتى يعرف به، وإذ ينحصر في نوع الأسلوب المعتمد في الغرض المنتقى فإن درجة التحديد المفهومي في هذه المقاربة الأولى تعلق بالمستوى المعنوي من البنية، لذلك لا يجد حازم بداً من مزيد من التدقيق ومحاصرة الحد، إذ يرى أنه "قد يعني بالمنزع أيضاً كيفية مأخذ الشاعر في بنية نظمه وصيغة عباراته وما يتخذه أبداً كالقانون في ذلك كمأخذ أبي الطيب في توطئة صدور الفصول للحكم التي يوقعها في نهاياتها، فإن ذلك كله منزع اختص به أو اختص بالإكثار منه والاعتناء به. وقد يعني بالمنزع غير ذلك إلا أنه راجع إلى معنى ما تقدم، فإنه أبداً لطف مأخذ في عبارات أو معان أو نظم أو أسلوب"(89).
ومن هنا يستحيل المنزع وصفاً للمنحنى المعتمد في القول الشعري على مستوى البنية المتضامة كلها، إذ لا يمكن ضبط الطريقة المعتمدة لدى شاعر إلا بملاحظة تعاضد عناصر الصياغة جميعاً. من هنا يمكن اعتبار المنزع الصورة المخصوصة المميزة لمنحى شاعر ما في الشعر، ولذلك ينبغي تحديد أنماط التآلفات المتناسبة معاني وألفاظاً، المفرزة لخصوصية الصورة التي تكون محصلة تفاعل بين مقصد نفسي وألوان من تلك التآلفات، إذ لا يخلو المأخذ في المنزع من أن يكون: "1-من جهة تبديل، 2-أو تغيير، 3-أو اقتران بين شيئين، 4-أو نسبة بينهما، 5-أو نقلة من أحدهما إلى الآخر، 6-أو تلويح به إلى جهة وإشارة به إليه"(90).
وتمارس هذه الأنحاء الستة من التصرف فعاليتها في المعاني الذهنية، إذ لا يخلو أن تكون متعلقة "بالتصورات منها، أو بالنسبة الواقعة بين بعضها وبعض، أو بالأحوال المنوطة بها، أو بجهة الأحكام فيها. أو بالمحددات لها، أو بأنحاء التخاطب المتعلق بها"(91)، وبتفاعل مآخذ المنازع ومسالكها بالمادة المعنوية المتعلقة بمشمول ما يفرزه الذهن وما له به صلة يتشكل مسلك تعبيري متميز فريد، إذ ستقود المقاصد النفسية الشاعر أو المعبر إلى أنحاء معينة من الاعتمادات من شأن تفاعلها مع أغراضه أن يولّد أسلوبه الخاص، ولا يكون ذلك إلا بالإقرار بالتلاؤم التام بين المعنى وأشكال صياغته. وهذه النتيجة قادت حازماً إلى النحو للتدليل على لطف المنزع، يقول: "وحسن المآخذ، في المنازع التي ينزع بالمعاني والأساليب نحوها، يكون بلطف المذهب في الاستمرار على الأساليب والاطراد في المعاني والإثلاج إلى الكلام من مدخل لطيف. فتوجد للكلام بذلك طلاوة وحسن موقع من النفس لا توجد مع وضعه على خلاف تلك الهيئة والإثلاج إليه من غير ذلك المدخل. وهذا النوع من الكلام لا يكاد يميزه إلا الناقد البصير الجيد الطبع. ولك أن تعتبر حسن المأخذ في المعاني والعبارات عنها بقول أبي تمام:
يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا
فلو أخلى المعنى من التعجب واقتصر على إيجاب بعد غاية الدمع لبعدهم لم يكن له من حسن الموقع ما له في هذه العبارة التي أورده فيها، وكذلك أيضاً لو عبر عن معنى التعجب بغير هذه العبارة فقال: "ما أبعد غاية دمع العين إن بعدوا" لم يكن له من حسن الموقع ما له في هذه العبارة التي أورده فيها باقتران التعجب بالمعنى في صورة النداء حسن منزع في الكلام ولطف مأخذ فيه"(92).
فحسن وقع المعنى في النفس تترجمه صورة معناه الناتجة عن الصياغة المميزة لغرض الشاعر المقصود، وهو "إيجاب بعد غاية الدمع لبعدهم" إذ تشكل هذا الغرض في صورة مخصوصة أوجدها تفاعله مع معنى التعجب، هذا المعنى الذي أدي بصيغة النداء، فكان تعاضد مقصد الشاعر مع البنية النحوية للعبارة في صيغة النداء التي انحرفت عن أداء معناها الأصلي إلى معنى التعجب، هو السر في جمال العبارة ومن ثمة في حسن موقعها في النفس. ومن هنا يكون كل تغيير للبنية التي يوجدها تفاعل النحو مع معاني الكلم أو غرض الشاعر ذهاباً لفضل الكلام ومزيته، وليس هذا الموقف إلا استغلالاً لعبد القاهر. ثم يعمد حازم إلى رصد هذه المزية باستثمار فكرة الوضع والصيغة، وليس ذلك إلا تشخيصاً للظاهرة من خلال وصف ما يترتب على وظائفها، إذ يرى أنه "قد يرد من حسن المأخذ ما لا يقدر أن يعبر عن الوجه الذي من أجله حسن ولا يعرف كنهه، غير أنه يعرف أنه مأخذ حسن في العبارة.. من حيث أنك إذا حاولت تغيير العبارة عن وضعها والإثلاج إليها من غير المهيع الذي منه أثلج واضعها وجدت حسن الكلام زائلاً بزوال ذلك الوضع والدخول إليه من غير ذلك المدخل، واعتبر ذلك بقول أبي سعيد المخزومي:
ذنبي إلى الخيل كرّي في جوانبها



إذا مشى الليث فيها مشى مختتل



فإنك لو غيرت صيغة هذا البيت وأزلتها عن موضعها، فقلت مثلاً: "كم أذنبت إلى الخيل بكرّي في جوانبها"، أو غيرته غير هذا التغيير لم تجد له من حسن الموقع من النفس، ما لـه في صيغته ووضعه الذي وضعه عليه المخزومي"(93).
فعلى الرغم من تجنب حازم التدليل على حسن البيت باعتماد وجه نحوي صريح فإن تعليل ذلك بالرجوع إلى وضعه وصيغته تحرك في حقل المفهوم العام المترتب على النظم.
والخلاصة إن حازماً استطاع أن يؤلف من محصول آراء النقاد قبله في النص وبخاصة الفلاسفة وعبد القاهر تركيبة متماسكة، انصهر في أتونها "التخييل والنظم" فولدا نظرية بالقدر الذي بحثت الشعر من جوانب عناصره الكلية التي تحدّد مفهومه وغايته، بقدر ما كيفت أداته للغاية والمفهوم، فتجسدت بنيته اللغوية في تلاحم المعاني والألفاظ في مراتب دائرية، تبدأ بمركز يترسخ في لحمة المعنى المحاكى باللفظ، ليتسع قليلاً في أشكال التأليفات والهيئات التي تنسج للجوهر بعض الامتداد التحسيني الأول، ثم تتضخم في كمال القصيدة في امتداد الأسلوب والنظم اللذين يشكلان بينتها التي تشمل أغراضاً شتى، ويلتحمان في ثنايا النسيج في تعاضد المعاني مع صياغاتها المخصوصة.

c
¡ هوامش الفصل الخامس

(1)-أشار المحقق إلى مواضع عديدة يستعين فيها حازم بالفيلسوفين في الهامش، مثل ما ورد في: 165 هامش 1. و: 63 هامش 1. و: 69 هامش- 1-3.
(2)-نفسه: 86.
(3)-ينظر: ابن حازم، التقريب لحد المنطق: 206. الرسائل 1: 389، جـ3: 163-164.
(4)-حازم، المنهاج: 121-122.
(5)-نفسه: 124.
(6)-ينظر الفصل السابق.
(7)-إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي: 370.
(8)-حازم، المنهاج: 87.
(9)-ينظر: شوقي ضيف، البلاغة تطور وتاريخ: 32.. جابر عصفور، الصورة الفنية: 123.
(10)-ينظر مثلاً: المنهاج: 135. وكتاب الشعر: 228.
(11)-نفسه: 18-19.
(12)-ينظر: جابر عصفور، مفهوم الشعر: 305.
(13)-حازم، المنهاج: 17.
(14)-وحازم بهذا يتأثر بالفلاسفة الإسلاميين. ينظر: جابر عصفور، مفهوم الشعر: 237. الأخضر جمعي، نظرية الشعر: 27-43.
(15)-حازم، المنهاج: 249-250.
(16)-نفسه: 193.
(17)-نفسه.
(18)-نفسه: 195-196.
(19)-ينظر: الفصل الخاص بالفلاسفة.
(20)-حازم، المنهاج: 89.
(21)-نفسه: 63.
(22)-نفسه: 71.
(23)-نفسه: 21.
(24)-نفسه: 19.
(25)-نفسه: 67.
(26)-بياض بمقدار كلمتين بالأصل. المحقق.
(27)-حازم، المنهاج: 362.
(28)-نفسه: 84.
(29)-نفسه: 72.
(30)-نفسه: 71.
(31)-نفسه: 81.
(32)-نفسه.
(33)-نفسه: 214.
(34)-نفسه: 42.
(35)-نفسه: 199-200.
(36)-جابر عصفور، مفهوم الشعر: 63.
(37)-حازم، المنهاج: 109-110.
(38)-نفسه: 204.
(39)-شكري عياد، المؤثرات الفلسفية...: 11.
(40)-حازم، المنهاج: 341.
(41)-نفسه: 342 وما بعدها.
(42)-نفسه: 36.
(43)-ينظر: المنهاج: 37- 38- 39، 42-43.
إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي: 557.
جابر عصفور، الصورة الفنية: 89.
(44)-نفسه: 118.
(45)نفسه: 119.
(46)-بياض مقدار كلمة. المحقق.
(47)-حازم، المنهاج: 215-216.
(48)-نفسه: 129.
(49)-ينظر الفصل السابق.
(50)-نفسه: 222.
(51)-نفسه.
(52)-نفسه: 223-224.
(53)-نفسه: 225.
(54)-نفسه: 223.
(55)-نفسه: 175.
(56)-نفسه: 184-185-186.
(57)-بياض بالأصل مقداره ثلاث كلمات. المحقق.
(58)-حازم، المنهاج: 187.
(59)-نفسه: 177.
(60)-نفسه: 216.
(61)-نفسه: 116-117.
(62)-نفسه: 23.
(63)-جابر عصفور، مفهوم الشعر: 350.
(64)-ينظر الفصل الخاص بالفلاسفة في الموضع الذي تعقب أشكال الترتيبات العالقة بالألفاظ والمعاني.
(65)-إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي: 570.
(66)-دون أن ننسى الإشارة إلى أن في مصادر الفلاسفة ما يشكل منطلقات اعتمدها حازم أيضاً في تأسيس الرأي في صور المعاني. ينظر مثلاً ابن رشد. تلخيص الخطابة: 547-548.
(67)-المنهاج: 14.
(68)-نفسه.
(69)-نفسه: 36-37.
(70)-نفسه: 90-91.
(71)-نفسه: 34-35.
(72)-نفسه: 35.
(73)-والحق أن النقاد والبلاغيين المتأخرين لم يشذ أغلبهم من هذه القاعدة، إذ نجد في مؤلفاتهم صدى نظرية النظم، وفهم عبد القاهر لعلاقة اللفظ بالمعنى. ينظر: القزويني. الإيضاح 1: 80-81-82، 105-106. الزمخشري. الكشاف 1: 23-24، 146. ابن الأثير، الجامع الكبير: 64. المثل السائر 1: 115-116، 213، 229-230. ابن الزملكاني، التبيان: 32، 89، 147، 153-154، 195. العلوي، الطراز: 181، 157، جـ2: 166-167، 224-225.
(74)-نفسه: 15-16.
(75)-نفسه: 35.

(76)-نفسه: 26.
(77)-نفسه: 89.
(78)-نفسه: 93.
(79)-نفسه: 364.
(80)-نفسه: 363.
(81)-نفسه: 354.
(82)-نفسه: 287.
(83)-نفسه: 342.
(84)-نفسه: 288.
(85)-نفسه: 288. وقد عرض لطرق الشعر العائدة إلى طريق الجد وطريق الهزل: 320 وما ينبغي أن تختص به كل طريقة، وكذا ضرورة مراعاة الانسجام بين معاني كل غرض شعري وألفاظه على حدة كأن ينسجم لفظ المدح ومعناه: 351، وفق خصوصية الغرض. وبحث الوزن الشعري وتلاؤمه مع المعنى: 265-266. ثم مستوى الأغراض في القصيدة الواحدة وكيفيات نظم القصائد المركبة: 318-319. وكذا مواقع محددة في القصائد كالمطالع والمقاطع والمبادئ وطرق الخروج والوصل: 282-303-309.
(86)-نفسه: 290.
(87)-نفسه: 364.
(88)-نفسه: 365.
(89)-نفسه: 366.
(90)-نفسه: 367.
(91)-نفسه.
(92)-نفسه: 371.
(93)-نفسه: 371-372.