المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العالم عام 2050 (عرض كتاب)


Eng.Jordan
11-08-2013, 10:38 PM
يمكنك التعامل مع هذا الكتاب باعتباره «حكاية خيالية» عن المستقبل، ويمكنك أن تأخذ أفكاره على محمل الجد، وتصدقها لو اقتنعت بالمنطق، الذي تبناه مؤلف الكتاب الفرنسي، جاك أتالي.الكتاب يقدم رواية عما سيكون عليه العالم عام 2050، حيث يقتنع «أتالي»، الذي عمل مستشاراً للرئيس الفرنسي الراحل، فرنسوا ميتران، لأكثر من 20 عاماً بما كتبه، لكنه يشكك في الوقت ذاته في إمكانية توقع قصة المستقبل ذاتها، فهذا الذي لم يأت بعد لا يمكن التوقع به بصفة مبدئية، لأن «العديد من المعايير قد يؤثر على مساره، والعديد من المصادفات يمكنه تحويل واقعة

http://www.almasryalyoum.com//sites/default/files/imagecache/highslide_zoom/photo/2013/05/11/80356/300-15_fmt.jpeg

محلية إلى واقعة عالمية سعيدة أو سيئة، وسيكون للعديد من الفاعلين رأي في الجغرافيا السياسية والثقافة والأيديولوجيا والاقتصاد لدرجة تجعل من المستحيل الإجابة عن أى من الأسئلة عن المستقبل، حتى القريب جداً».ورغم هذا الإقرار المبدئي فإن الباحث الفرنسي، الذي يثق في كتبه التي تجاوزت مبيعات بعضها 100 ألف نسخة، أسس عمله هذا على سيناريو محكم استند أساساً إلى قراءة الماضي بهدف استخلاص بعض الأحكام العامة، التي يمكن عبرها قراءة أحداث المستقبل: «إذا ما أردنا فهم المفاجآت غير العادية، التي قد يخبئها المستقبل يتوجب علينا معرفة أساس ما كان منها في الماضى، ويساعد خاصة في الوعي بالإمكانيات الرائعة للتاريخ». وهكذا بدأ «أتالي» الكتاب بفصل استعرض فيه القصة الموجزة للماضي منذ الأزمان السحيقة، عصور البداوة والتوحش، ثم زمن الإمبراطوريات «الصين، ومصر، وبابل»، الذي ساعد على ظهور مجتمعات صغيرة وهامشية وجديدة، ثم قدم قصة موجزة أخرى، لكن عن الرأسمالية هذه المرة، التي من خلال قراءة الكتاب، يتأكد أنه يعتبرها المرجع الأساسي لفهم التاريخ.فالنظام التجاري عند «أتالي» هو كلمة السر في صعود وانهيار الإمبراطوريات والممالك، وهو مرتبط أساساً بقيم الفردية، وانتصار مفاهيم الحرية الإنسانية. ويقف الكاتب خلال رحلته في الماضى عند النموذج اليوناني العبري، ثم يشير إلى مقدم المسيحية، ومن بعدها الإسلام، ثم يستعرض كيف آلت السلطة إلى أوروبا المسيحية، وساد فيه النظام التجاري الأثير عند المؤلف فثبتت النخبة التجارية مركزها، ونظمت حرية التجوال والإبداع والنقل والمعرفة، وتكوين الثروات، وانتصرت الحرية السياسية والتجارية «في الحيز الخاص، صارت حرية كل الأفراد تحددها فقط ملكيته، وفي الحيز العام صارت الحرية تكمن في القرار الجماعي للآخرين، والكل مقتنع بأن تزامنية قراراتهم الحرة تؤدي إلى أقصى درجة من الرضا الجماعي».من هنا قدم الكاتب مفهومه حول المركز أو القلب: يحدث تراكم لرأس المال في مدينة «قلب» تصبح مركزاً للرأسمالية، وتنظمها على أساس المنافسة، ووفقاً لقواعد الديمقراطية لذا هناك دوماً صلة بين السوق والديمقراطية والعنف، وحول هذا المركز «القلب» هناك وسط يتكون من المنافسين القدامى والجدد. وتشكل بقية العالم الطرف الخارجي المحكوم بالنظم الداخلية، والذي يبيع مواده الأولية، والأيدي العاملة للمركز القلب.المدينة «القلب» هي من يتحكم إذن في كل شيء: تحديد السعر، وتراكم الأرباح، والتحكم في الأجور، ونشر الجيش، وتمويل المكتشفين، وتطوير الفكر الذى يؤمن سلطتها، السيطرة على الطاقة وطرق الاتصالات، ويرى الكاتب أن النموذج التجارى عرف حتى اليوم تسعة أشكال من المدينة المركز أو القلب هى بروج، البندقية، أنفرس، جنوى، أمستردام، لندن، بوسطن، نيويورك، لوس أنجلوس. ولكي نكتشف قوانين المستقبل يقول لنا «أتالي»، لابد أولاً أن نفهم طبيعة وأدوار هذه المدن، وقد شرحها سريعاً وتوقف عند الشكل التاسع منها بالتفصيل، وتمثله لوس أنجلوس في ولاية كاليفورنيا، وهو الشكل الذى يعيش العالم فيه الآن، ففي هذه المدينة شهد العالم كل التطور التقنى الأبرز، والتراكم المالي الذي لم نشهد مثيلاً له من قبل، ورغم ذلك يعلن أتالى عن قرب نهاية هذا الشكل لما يعانيه من تناقضات داخلية خطيرة «ديون، عدم المساواة الفجوات بين الأثرياء والفقراء، ازدياد العنف»: الشكل التاسع سوف يزول، وسيبزغ شكل عاشر مع تقلبات جديدة، جغرافية وسياسية واقتصادية وتكنولوجية وثقافية مع مركز «قلب» جديد ومهزومين جدد.

من هذه النقطة يتنبأ الباحث الأمريكي بانهيار الإمبراطورية الأمريكية قريباً حتى لو بدا هذا المنظور للكثيرين غير معقول، ويرشح مدناً أخرى في دول أخرى لتصير هي المدينة المركز، لندن أو طوكيو أو إحدى مدن الدول الإسكندنافية «ستوكهولم، هلسنكى، أوسلو»، شنغهاى، بومباى، أو دولة أستراليا، لكن يقول أتالى إن انهيار المدينة المركز الحالية أى لوس أنجلوس لن يحدث إلا بعد موجات ثلاث للمستقبل.الموجة الأولى أطلق عليها الإمبراطورية المفرطة: نحو 2050، وتحت ضغط متطلبات السوق وبفضل وسائل تكنولوجية جديدة سوف يتحد العالم حول سوق بحجم الكوكب وبدون دول، وستبدأ الإمبراطورية الفائقة التي ستفكك الخدمات العامة، ثم الديمقراطية، ثم الدول، وحتى الأمم نفسها، لكن ستبقى هذه الإمبراطورية أمريكية بشكل جزئي، وستكون سلعها الاستهلاكية استمراراً موسعاً للسلع الجوالة، التي ميزت الشكل التاسع من المدينة «القلب» «الهاتف المحمول أبرز تجلياتها»، وستكون ثقافتها هجينة وقيمها فردية، وستخلق التنمية التجارية نحو عام 2035 في كل مكان، حيث لا توجد به ديمقراطية، في الصين والعالم الإسلامى، حسب أتالى، طبقة متوسطة سوف تقضى على الديمقراطية، وتضع ديمقراطية برلمانية، وستعمم السوق ثم الديمقراطية على كل العالم بتدرج في فوضى أحادية الاتجاه.«ستمس هذه الظاهرة مصر، وإندونيسيا، ونيجيريا، والكونغو، والصين، وإيران». ويشير المؤلف إلى أن إجراء انتخابات حرة لن يكفي لتشييد دائم لديمقراطيات السوق فلابد أن تكون هناك رغبة حقيقية من المواطنين في الحياة المشتركة.ستتعادل الديمقراطية والسوق، وسينتظم النظام التجارى كتجمع لديمقراطيات السوق، وسيصبح العالم متعدد المراكز مع قوة مهمة أو اثنتين في كل قارة، يصير هناك الأمم التسع الكبار: الولايات المتحدة والبرازيل والمكسيك والصين والهند ومصر وروسيا والاتحاد الأوروبي، وقد تنضم إلى هذه القائمة نيجيريا إذا كانت لا تزال موجودة.يقول «أتالي»: «سوياً، هذه الأمم التسع التي ستصبح سيدة النظام متعدد المراكز ستقيم حكومة غير رسمية للعالم»، لكن لن يستمر هذا النظام طويلاً، وسيحدث الصراع العنيف، وستنتصر السوق على الديمقراطية، وستزول السيادة عن دول المركز ذاتها، ويقدم المؤلف توصيفات لهذه الموجة، التي ستبلغ ذروتها نحو عام 2050: اختراع أجهزة جوالة جديدة تدمج في الجسم، وتصبح وسيلة للتحكم والمراقبة، وستوضع أجهزة التقاط وتصوير مصغرة في كل الأماكن العامة والخاصة، وستقوم بمراقبة الذهاب والإياب، ومراقبة المسافرين والعاملين والمستهلكين، سيعلم الكل كل شيء عن الكل، وستختفي الأسرار. ستتفك الدول، ويظهر في بعضها الحكم الديكتاتوري من جديد، وستصل الرأسمالية إلى منتهاها، وتدمر كل ما لا ينتمى إليها، وسيكون الاستهلاك الهدف الأعظم للبشرية، وستكون صناعتا الترفيه والتأمين المسيطرتين على إدارة الوقت التجاري، وستصبح السياسة عرضاً عفي عليه الزمان. لكن الفقر سيستمر، ويزداد البؤس، و«نحو عام 2050 ستكون الإمبراطورية الفائقة عالماً من عدم التوازن الشديد، والتناقضات الكبيرة، وسوف تفشل وتنهار واقعة في شباكها الخاصة».النزاع المتطرف هو الموجة الثانية من موجات المستقبل وفقاً لـ«أتالي»، فالطموحات الإقليمية أول أسباب هذا النزاع: كل الدول ستتملكها الرغبة في الوصول إلى نفس الثروات، وستتصادم هذه الطموحات فيما بينها وستنتشر أعمال القرصنة، وترتفع انتقادات المتدينين ضد فسوق السوق وقيمها اللاأخلاقية، وقد تقع الولايات المتحدة الأمريكية فريسة الحكم الديني نحو عام 2040، وتصبح الديمقراطية فيها مجرد واجهة، وستزداد من جهة أخرى الصراعات الدينية في العالم.حروب الندرة المتعلقة بالمياه والبترول شكل آخر من أشكال النزاع المتطرف هى الحروب الحدودية من الشرق الأوسط إلى أفريقيا، وستظهر كذلك حروب النفوذ وحروب بين قراصنة ومدنيين، وسيحدث في النهاية ما اسماه الكتاب الصراع الفائق، حيث سيصبح العالم ساحة صراع هائلة، لكن الهلاك لن يحدث.فالخير سينتصر ثانية، وسيرغب الجميع في السلام بشكل درامي تماماً كمآساوية تصور «أتالي» عن الصراعات والحروب، فثمة «رغبة هائلة في الحياة» ستولد من جديد، و«ستنبع حضارات جديدة قائمة على بقايا الأمم المستنزفة والإمبراطورية الفائقة»، و«سوف تستقر ديمقراطية عالمية تحد من سلطة السوق، ستحاول كسب حروب أخرى أكثر إلحاحاً ضد جنون الإنسان، وضد الخلل المناخي وضد الأمراض القاتلة، والاستعباد، واستغلال البؤس، وحينئذ سترتفع الموجة الثالثة للمستقبل، موجة الديمقراطية الفائقة».