المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اكتشاف الخواص الفريدة لمركبات جديدة مثل نيتريد البورون Boron Nitride BN


Eng.Jordan
11-12-2013, 11:18 PM
آفاق جديدة للطاقة.. نيتريد البورون رؤى - فتح الله الشيخ
العالم في سباق مع الزمن لاكتشاف مصادر جديدة ومتجددة للطاقة، تحسباً ليوم ينضب فيه البترول. وخلال البحث عن تلك المصادر، يعيد العالم اكتشاف مصادره الأولى التي واكبت نهضته في الأيام السابقة على الثورة الصناعية والاستخدام الطاغي لحرق الوقود الحفري. فتطويع طاقة الرياح وسريان المياه في الأنهار قديم قدم الحضارة البشرية أو يكاد. لكن الزمن أصبح غير ذلك الزمن البعيد، وجوع التقدم التكنولوجي للطاقة يضاهي حاجة المخلوقات للماء والهواء، فضلاً عن الغذاء. وقد واكبت الزيادة المطردة في الحاجة إلى الطاقة تطور البشرية، منذ استغلال النار ثم اكتشاف طرق الحصول عليها. وأخيراً، وبعد الآلاف المؤلفة من السنوات تطويع طاقة البخار واختراع الآلة البخارية التي أدارت المصانع ووسائل النقل، واختراع آلة الاحتراق الداخلي في السيارات والطائرات والسفن.
كان المحرك الأساسي للحصول على الطاقة هو الوقود الحفري من فحم وبترول وغاز طبيعي. وفي النصف الأول من القرن العشرين، توصل العلم إلى شطر أنوية العناصر الثقيلة مثل اليورانيوم والحصول على طاقة الانشطار النووي Nuclear Fission، ثم تطلعت البشرية، ممثلة في الدول المتقدمة صناعيًا، إلى الحصول على الطاقة الأعلى – طاقة الاندماج النووي Nuclear Fusion من دمج أنوية الهيدروجين لتكوين أنوية الهليوم.
وللطاقة أشكال متعددة، أبسطها وأول ما عرف الإنسان هي الطاقة الحرارية، وأكثرها استخداماً في كل المجالات اليوم هي الطاقة الكهربية. ولسهولة ودقة التحكم في الطاقة الكهربية يتم تحويل كل أشكال الطاقة الأخرى إليها في النهاية. ولذا تستغل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطاقة العيون الحارة وطاقة المد والجزر للحصول على الطاقة الكهربية لجميع الأغراض، هذا عدا المصادر التقليدية من مساقط مائية ومحطات حرارية ونووية. وقد أضيف مصدر آخر جديد تماماً لهذه المصادر، يعد بحصاد ثري للطاقة مستغلاً ظاهرة معروفة منذ زمن بعيد هي الأسموزية Osmotic power. فالفرق في الملوحة بين الماء العذب والماء المالح قد يكون مصدراً لطاقة متجددة. لكن التكنولوجيا المتاحة في هذا الشأن اليوم لا تقدم طاقة تستحق المعاناة. ومع التطور الكبير الذي حدث في التكنولوجيا النانوية Nanotechnology واكتشاف الخواص الفريدة لمركبات جديدة مثل نيتريد البورون Boron Nitride BN أعلن فريق بحثي من الفيزيائيين من معهد لوميير ماتيير Lumiere Matiere في جامعة كلود برنارد ليون I، بالتعاون مع معهد نييل Neel CNRS أنهم اكتشفوا طريقة جيدة لحصاد الطاقة: يولد السريان الأسموزي خلال أنابيب نانوية من نيتريد البورون تياراً كهربياً هائلاً، تزيد كفاءته 1000 مرة على أي نظام سابق. وللتوصل إلى هذه النتيجة، طور الباحثون تصميمًا تجريبيًا غير مسبوق، مكنهم وللمرة الأولى، من دراسة السريان الأسموزي لمائع خلال أنبوبة نانوية مفردة. وقد نشرت النتائج في عدد 28 فبراير 2013 من مجلة نيتشر Nature.
عندما يحدث تماس بين مستودع للماء المالح مع مستودع للماء العذب من خلال غشاء من نوع معين شبه منفذ، فإن الظاهرة الأسموزية الناتجة تجعل من الممكن إنتاج الكهرباء من تدرج الملوحة. ويمكن إنجاز ذلك بطريقتين: إما أن يقوم الضغط الأسموزي المختلف بين المستودعين (المالح والعذب) بإدارة توربين، أو يقوم الغشاء شبه المنفذ الذي يمرر الماء دون الأملاح بإنتاج تيار كهربي.
وتملك الطاقة الأسموزية المركزة عند مصبات الأنهار في جميع أنحاء العالم قدرة نظرية كامنة تصل إلى تيراوات (1012 وات) – وهو ما يكافئ 1000 مفاعل نووي. لكن التكنولوجيا المتاحة لحصاد هذه الطاقة غير كافية، وتنتج فقط حوالي 3 وات من كل متر مربع من الغشاء. واليوم قام فريق العلماء المذكور أعلاه بإيجاد حل للتغلب على هذه العقبة. كان هدفهم الأساسى هو دراسة ديناميكية الموائع المحبوسة في فراغات نانوية مثل الأنابيب النانوية.
واعتماداً على التحفيز من البيولوجيا وبحوث القناة الخلوية، فقد توصلوا إلى أول قياس في العالم للسريان الأسموزي خلال أنبوبة نانومترية مفردة. كان التصميم المدروس يتكون من غشاء غير منفذ وعازل كهربي مثقوب بثقب وحيد، قام الباحثون بإدخال أنبوبة نانوية من نيتريد البورون باستخدام سن ميكروسكوب نفقي ماسح Scanning Tunneling Microscope، وكان قطر الأنبوبة الخارجية عدة عشرات من النانومترات. تم غمر قطبين على جانبى الأنبوبة النانوية حتى يتمكن الباحثون من قياس التيار الكهربي الذي يمر خلال الغشاء. وباستخدام هذا الغشاء للفصل بين مستودع المياه المالحة ومستودع المياه العذبة تمكن الفريق من توليد تيار كهربي مهول خلال الأنبوبة النانوية والذي أثارته الشحنة السطحية الشديدة السالبة التي تميز الأنابيب النانوية المصنوعة من نيتريد البورون، وهي بذلك تجذب إليها الكاتيونات (الأيونات الموجبة) الموجودة في المياه المالحة. كانت شدة التيار المار خلال الأنبوبة النانوية في حدود 1 نانوأمبير، أي أكثر 1000 مرة من إنتاجية التقنيات المعروفة الأخرى التي تتناول الطاقة الأسموزية.
وبذلك تزودنا الأنابيب النانوية المصنوعة من نيتريد البورون بحل عالي الكفاءة لتحويل طاقة التدرج في الملوحة مباشرة إلى طاقة كهربية. واستغلال هذه النتائج على مستوى أكبر يعطي 4 kW/m2 من الأنابيب النانوية من نيتريد البورون، ولها المقدرة على توليد حتى 30 ميجاوات ساعة MWh في السنة. ويتفوق هذا الإنجاز ألف مرة على النماذج الأولية لمشاريع القوى الأسموزية المستخدمة حالياً. والخطوة التالية تتمثل في إجراء دراسات بحثية لإنتاج أغشية مصنوعة من أنابيب نانوية من نيتريد البورون، وكذلك اختبار أنابيب نانوية من مواد مختلفة أخرى.
والصيغة الكيميائية لنيتريد البورون هي BN. ويوجد هذا المركب في عدة أشكال بلورية لأنه متماثل إلكترونياً مع الكربون الذي له البنية نفسها. فالشكل السداسي لنيتريد البورون يقابل الجرافيت، وهو الأكثر ثباتاً وليناً بين أشكال BN التآصلية، ولذا فهو يستخدم كمشحم وكإضافة لمنتجات التجميل. أما الشكل المكعب فيقابل الماس ويسمى c-BN. ولا تقل صلابة الصورة العادية إلا عن الماس فقط. لكن عند تحضيره ببنية نانوية يسود فيها الازدواج الدقيق بسمك متوسط 3.8 نانومتر، فإن صلابته تتفوق على الماس الصناعي. ونيتريد البورون BN أكثر ثباتاً حرارياً وكيميائياً من الماس. ولا يوجد نيتريد البورون في الطبيعة، لكنه ينتج صناعياً في المعمل من حمض البوريك أو من ثالث أكسيد البورون.
ولا يعد نيتريد البورون فقط بآفاق جديدة للطاقة، لكنه يفتح مجالاً هائلاً أمام تطوير الإلكترونيات النانوية. فقد بين الباحثون من جامعة رايس إمكانية تنسيق موصل (جرافين graphene) وعازل (نيتريد البورون السداسي hexagonal boron nitride) في هجين منهما، ثنائي الأبعاد (2-D) في طبقة سمكها ذرة واحدة. وهو ما يمثل خطوة مهمة على طريق تخليق إلكترونيات في بعدين (مسطحة)، فقد تمكن الباحثون من جامعة رايس من غرز مواد متماثلة تماماً في بنيتها معاً منذ عدة سنوات. ومنذ ذلك الحين حازت الفكرة اهتماماً كبيراً من الباحثين المعنيين بآفاق واحتمالات بناء دوائر ثنائية الأبعاد بسمك ذرة واحدة. وقد أبدى بوليكل أجايان Pulickel Ajayan، أحد الباحثين الذين شاركوا في إجراء ونشر هذا البحث، ملحوظات حول إنجازات العلماء من جامعة كورنيل في هذا المجال منذ عام مضى. فقد نجحوا في تكوين طبقة وحيدة الذرة، غير متجانسة البنية heterostructures بواسطة خطة نمو متسلسل.
وقد قدم علماء جامعة رايس للمنتجين إمكانية تقليص التصميمات الإلكترونية إلى أحجام أصغر كثيراً. فبينما حددت تقنية جامعة رايس حدود مقدرة الفصل بـ 100 نانومتر، فقد صرح جون لو، أحد مؤلفي البحث الجديد، بأن الحدود الحقيقية هي تلك المحددة بالتقنيات الليثوجرافية Lithographic (الطباعة الحجرية) وفقاً للباحثين. ولابد أن يكون من الممكن إنجاز تصميم فعال لدوائر بمقاييس 30 بل وحتى 20 نانومتر في عرضها، وكلها في بعدين اثنين (2-D)، وسيؤدي ذلك إلى إنجاز دوائر بنفس المقاييس من أشباه الموصلات.
وقد عرف عن الجرافين منذ اكتشافه في العقد الماضي أنه مادة عجيبة. وحتى بسمك ذرة واحدة، فإن النسق السداسي لذرات الكربون قد أثبت مقدرته الكامنة كمادة إلكترونية رائعة. لكن بناء تصميم فعال من موصل وحده لن يقوم بالعمل. وتتطلب الإلكترونيات المبنية على الجرافين مواد مماثلة تتوافق معه في بعدين (2-D). وقد اكتشف الباحثون أن نيتريد البورون السداسي (h-BN) يعمل كعازل رائع. وأظهرت صور الميكروسكوب الإلكتروني النافذ الماسح التركيب السداسي لنيتريد البورون في الهجين ثنائي الأبعاد مع الجرافين.
ويشبه h-BN الجرافين بنفس التجمع الذري. وأظهرت الدراسات المبكرة بجامعة رايس أن مزج الجرافين وh-BN بواسطة الترسيب الكيميائي للبخار Chemical Vapor Deposition يكون أغشية متجمعات من المادتين، تقدم بعض التحكم في الخواص الإلكترونية للمادة. يقول أجايان إن هذه الدراسات منحت ملعباً عظيماً لعلماء المواد material scientists. ومنذ ذلك الحين نما مجال المواد ذات البعدين نمواً كبيراً أبعد من الجرافين، وسيلعب دوراً كمواد حاكمة ومثيرة في المستقبل. ويحمل تنبؤ أجايان ثمار الأبحاث الجديدة التي قام فيها الباحثون بزرع الجرافين في الفراغات التي تكونت في غشاء h-BN. وقد تم طبع شعار جامعة رايس (البومة) بمقياس ميكروسكوبي، كما تمت طباعة أمشاط وقضبان وحلقات متحدة المركز بنفس التقنية. وقد أظهرت الصور أن الحد الفاصل بين العناصر يبدو حاداً واضحاً كالموسى بين الجرافين ونيتريد البورون السداسي مثل خط سمكه أقل من نانومتر.
وليس الأمر كله مجرد غشاء، بل هو غشاء مهندس بدقة فائقة، كما يقول لو. ويمكننا التحكم في أحجام المجال وأشكاله، وهما الخاصيتان الضروريتان للتصميمات الإلكترونية. بدأت التقنية الجديدة بالترسيب الكيميائي للبخار. رسب فريق البحث من جامعة رايس أولاً غشاء من h-BN. ثم تم تقطيع أقنعة مقاومة للضوء بواسطة أشعة الليزر. وضعت الأقنعة فوق غشاء h-BN وتم كشط المادة المعرضة للضوء بواسطة غاز الأرجون (منظومة شعاع أيوني مركز استخدمت في ما بعد لتكوين نسق أدق من ذلك بدرجة فصل 100 نانومتر بدون قناع). وبعد إزالة الأقنعة جرت عملية تنمية للجرافين بواسطة الترسيب الكيميائي للبخار في الفراغات المفتوحة حيث التحمت مع h-BN. بعد ذلك يمكن التقاط الطبقة المهجنة المتكونة ووضعها فوق ركيزة مناسبة. وحيث إن الجرافين موصل و-BN عازل، فإن المادة تمتلك خواص كهربية متفردة وهي في بعدين.
ولايزال هناك الكثير لإنجازه في المستقبل حول الأربطة الذرية في مواقع التقاء الجرافين و-BN لتحليل العيوب المحتملة على طول الحدود الفاصلة. وأثبتت القياسات الكهربية أن جودة المكونات تظل صالحة. يقول زينج Zheng، أحد الباحثين، أنه بإجراء كل المطلوب من عمليات النمو والكشط ثم إعادة النمو، فإن الخواص الذاتية الداخلية للمادتين لا تتأثر، فالعوازل تظل عوازل لا يدممها الكربون. كما يظل الجرافين في حالة جيدة، وذلك في غاية الأهمية لأننا بذلك نتأكد أننا ننمي بالضبط ما نرغب في تنميته.
والخطوة التالية، كما يقول ليو، هي وضع عنصر ثالث شبه موصل في نسيج 2-D، ويضيف «إننا نحاول جاهدين لنكامل ذلك في المنصة المكونة من المادتين، فإذا استطعنا إنجاز ذلك سنتمكن من بناء تصميمات متكاملة بذاتها». ويقدم ذلك خيارات جديدة في عالم الإلكترونيات المرنة والقوية بأبعاد على حدود الممكن.
----------------------------------------------
*أستاذ الكيمياء الفيزيائية بكلية العلوم جامعة سوهاج - مصر.