المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وَلّى زمان الأصفار..


تراتيل
02-04-2012, 08:30 PM
مقع مسلم

قبل نحو قرن من الزمان قيل للسياسي المصري الشهير سعد زغلول: ما رأيك في توحيد البلدان العربية فقال: إن ناتج جمع الأصفار مع الأصفار لن يكون سوى أصفار!!
كان يمكن التعامل مع ذلك الرأي السوداوي بشيء من القابلية للمناقشة لو أن صاحبه حصر رؤيته المتشائمة في نطاق الظروف التي كانت سائدة يومئذ، حيث تفككت دولة الخلافة العثمانية كآخر دولة تضم أكثر المسلمين تحت راية موحدة، بصرف النظر عما يمكن توجيهه إليها من انتقادات موضوعية.
فقد كانت الحصيلة الحتمية لنجاح الغرب الصليبي في تمزيق ذلك الكيان، توزيع أجزائه أسلاباً بين الدول الاستعمارية المسيطرة في تلك الفترة، وبخاصة بريطانيا وفرنسا، وأصبح لكل مزقة منها حدود مصطنعة رسمها الغزاة بحسب مصالحهم العاجلة والآجلة، مع تركيز واضح على تعزيز عوامل الشقاق المفتعلة بحيث يصبح السعي إلى إعادة توحد أشلاء الجسد الواحد شديدة العسر إن لم تكن مستحيلة.
وسرعان ما استسلمت النخبة المنبهرة بالغرب لتلك اللحظة الطارئة، حتى لدى القلة القليلة من تلك النخبة ممن كانوا صادقين في الدعوة إلى التحرر من الهيمنة الغربية سياسياً وعسكرياً!!
فلقد تعامى هؤلاء عن استحالة التحرر السياسي والاقتصادي والعسكري في ظل الاستكانة لمدنية الغزاة التي احتفظت بإرث الحقد النصراني وأضافت إليه رؤيتها الاستعلائية العنصرية ضد سائر الشعوب غير الأوربية بعامة، وضد أمة الإسلام بخاصة.
من هنا غاب عن زغلول وأمثاله أننا نكون أصفاراً ما دمنا مفككين سياسياً وتابعين حضارياً.
وسبحان من بيده ملكوت السماوات والأرض!!
دارت الأيام وكَرّت الأعوام، وشقيت خلالها الأمة بذلك الفصام النكد، واستقرت السيطرة القسرية للصفوة العميلة عمالة مطلقة، حتى بات العرب والمسلمون موضع ازدراء البشرية جمعاء، وتداعت عليهم الأمم كما تتداعى الأَكَلَةُ إلى قصعتها، فالثروات منهوبة والكرامة ضائعة والحقوق ضائعة والإرادة مغيبة!! ولذلك لم يكترث الغرب يوماً بالرأي العام في دنيا العرب والمسلمين؛ لأن صوته مكتوم، حتى انطبق علينا قول الشاعر القديم عن قبيلة تيم:
ويُقْضى الأمرُ حين تغيب تيمٌ *** ولا يُستأمرون وهم شهودُ
فأين تلك اللامبالاة المؤلمة من الصورة البهية التي يتم رسمها في الوقت الحاضر، على أيدي شعوب سئمت الخسف وثارت على الظلم وحطمت قيود الذل والخوف وسلاسل الهوان والاستكانة.
بدأت الملحمة في تونس الخضراء على حين غرة من الغرب المتغطرس، فألجمه هول الزلزال غير المتوقع، ثم صعقته جدية التغيير عندما أعربت الجماهير المتمردة عن غضبها عليه؛ لأنه كان راعي الطاغية ونصيره ضدها، واستمر في عدائه لها في خضم الثورة التي ظنها فورة نزق عابرة، ثم تبين أنها اقتلعت ****ه الذي طالما توهم أنه راسخ كالجبال!
ولولا ثورة مصر الرائعة بحجمها بعد أيام من كنس ابن علي من تونس، لما اضطر الصليبي الصلف ساركوزي في محنة القذافي إلى رفض فكرة التدخل العسكري الغربي المباشر في ليبيا وإلى التصريح العلني بسبب هذه "العفة"الغربية الطارئة، وهي أن الرأي العام العربي والإسلامي سوف يستثار ويغضب!!
فمنذ متى كانت باريس ولندن وواشنطن تلقي لرأينا العام بالاً أو تأخذه في حسبانها؟
ألم تتدفق جيوش الغرب كالجراد الوبائي على العراق وأفغانستان منذ بضع سنوات ليس غير، على الرغم من معرفتهم بأن هذا العمل المشين يستفز مئات الملايين من العرب والمسلمين؟
أَوَلم ينحدر الرئيس الأمريكي السابق بوش الابن إلى حضيض الوقاحة وهو يصف غزوه لبلاد الرافدين بأنه حرب صليبية؟
ألم يتطاول بابا الفاتيكان على الإسلام ومقدساته ضارباً عرض الحائط بمشاعرنا الغاضبة، يوم كان يدرك أن الطغاة لن يسمحوا لشعوبهم بأن تتجاوز التنديد اللفظي والتنفيس اللحظي؟
ألم تبلغ خسة الغرب منذ سنوات معدودة حد الدفاع السفيه عن رسام تافه افترى على خير البشر وسيد ولد آدم نبينا محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وآله وسلم -؟
إن كل الفرق الشاسع بين الصورتين المتناقضتين يتلخص في أن الشعوب العربية راحت تنفض عنها غبار العملاء لتثبت للغرب وأدواته أنها ليست أصفاراً وإنما هي أرقام صعبة، لكنها انتقلت من مرحلة كمون الإمكانات الهائلة المخنوقة بسياط الطغاة، إلى مرحلة الفعل الواثق بنفسه والمتشبث بهويته والمنافح عن مصالحه وحقوقه.