المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإسلام والمسلمون في شرق إفريقيا


Eng.Jordan
11-14-2013, 09:24 PM
للدكتور محمد حب الله
الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين ، وبعد فهذه خلاصة موجزة تصف أحوال المسلمين الاجتماعية والثقافية والدينية في إفريقيا الشرقية ، وتقترح بعض العلاج لما أصابهم من وهن ونزل بهم من ضعف ، وهي نتيجة ملاحظة دقيقة ودراسات مستفيضة لأحوال تلك البلاد ، قمت بها أثناء إقامتي فيها شهرين كاملين ، تغلغلت فيهما في صميم الحياة .
وقد تبدو تلك المادة غير كافية لتعرف أسرار أربعة أقطار بسيطة الأرجاء ومترامية الأطراف ، ولكن الانسجام الروحي بيني وبين مسلمي تلك الأقطار الذي بدت بوادره عند ماتقابلنا ونما بمرور الأيام أتاح لي فرصة تعرف الحياة الواقعية للجماعات المختلفة ومكنني من فهم كثير من الأسرار التي كانت تستدعي معرفتها ، من غير ذلك ، الشهور الطوال .
ولد توخيت في تقريري هذا الدقة والحيطة ولم أكتب إلا عن الأمور التي أعرفها يقينا أو أكاد ، وقبل أن أتحدث عن دراساتي وأعمالي الأخري أحب أن أذكر كلمة موجزة عن منشىء فكرة البعثة وعن الأشخاص الذين يرجع إليهم الفضل في إنجازها.
أصل الفكرة :
لما كان الأزهر أقدم جامعة إسلامية ، وكان محط رحال طلاب المعرفة من قديم الزمان – إذ كان يفد إليه طلاب العلم من جميع أنحاء العالم فيتزودون بما شاء لهم القدر من معارف ، ثم يعودون إلي بلادهم حاملين تاج الأزهر وإجازته ليتقلدوا مناصب القضاء وليقوموا بالإفتاء في بلادهم ، فيكون قولهم في المسائل الدينية والعربية قولا فصلا وحكما قاطعا لأنه يحمل سلطان الأزهر وطابعه ، حيث كان الأزهر هو الزعيم الأدبي والروحي للعالم الإسلامي بلا مراء .
ومن الواجب علي من احتل مكانة الزعامة أن يتعهد من تزعمهم ويعني بهم مهما بعدت ديارهم ، فليست مهمة الأزهر ، إذن منحصرة في العناية بالوافدين إلي رحابه فحسب ، ولكن المرجو منه فوق ذلك ، أن يتعهد هؤلاء الذين لم يقدروا علي أن يتصلوا به ، فيرسل إليهم من أبنائه من يتولي تثقيفهم وتهذيبهم ويرشدهم إلي سواء السبيل ، ويفتح أبوابه للفقراء منهم ويزودهم بما يحتاجون إليه من نفقات فوق تزويدهم بالعلوم والمعارف .
وتلك هي رسالة الأزهر الأولي التي يجب عليه أن يجاهد في سبيلها ، ويجب علي مصر الرشيدة أن تهييء له السبيل حتي يؤدي تلك الرسالة ، إذا ما قدر لها أن تتبوأ بحق مكان الزعامة من العالم الشرقي .
وبتلك النظرة نظرة العالم الإسلامي إلي مصر وإلي الأزهر ، فهم يرونه معهدا إسلاميا قبل أن يكون مصريا ويعتقدون أنه من العوامل الرئيسية التي هيأت لمصر سبل زعامة العالم الإسلامي ، إذ إن هناك من الأقطار الإسلامية من ينازع مصر في كثير من نواحي الفخار والعظمة ، وأما الأزهر فهو ميزة اختص الله بها مصر لتكون لها الكمة العليا فيما تخصص فيه الأزهر من موضوعات : وهي موضوعات يعتز بها المسلمون ويفتدونها بأرواحهم ودمائهم .
فلا غرو إذن أن نجد كثيراً من العتب موجها إلي الازهر وإلي مصر إذا ما قصرا في تأدية رسالة الأزهر العالمية ، ولا غرو ، إذن أن نجد سيلا من الرسائل ينهمر علي الأزهر كل عام طالبا منه المعونة الثقافية والأدبية.
ولقد كان من بين ذلك السيل المنهمر من الرسائل رسائل من مسلمي إفريقيا الشرقية جاءت إلي الأزهر في العام المنصرم شاكية وملتمسة ومحذرة .
فهي تألم لأن الأزهر ، وهو القوام علي الثقافات الدينية وعلي نشر الدعوة الإسلامية ، لم يعن بشئون المسلمين خارج الأقطار المصرية ، ولم يهتم بأحوال المسلمين في إفريقيا الشرقية ، وهم أكثر الناس حاجة إلي رعايته، وذلك لأن الظواهر الاجتماعية قد تضافرت عليهم والبيئة تعمل لإبادتهم كجماعة تتخذ الإسلام دينا.
وهي تلتمس من الأزهر أن يعمل سريعا ويسد ذلك الفراغ بما يراه من سبل ، وأن يمهد بإرسال بعض البعوث التعليمية المكونة من رجال قد تمكنوا من الدراسات الإسلامية وعرفوا مقتضيات الحياة العصرية ، وأجادوا اللغة الانكليزية إجادة تمكنهم من المحاضرة بها ، وذلك ليحاضروا المسلمين وغير المسلمين هناك في موضوعات تتصل بالثقافة الإسلامية ، وليروا بأنفسهم مقدار انحطاط الحياة التعليمية ومقدار الجهاد العنيف الذي يقوم به المسلمون ليظلوا مسلمين .
وهي تحذر قائلة إن لم يقم الأزهر بتلك الرسالة عاجلا كانت العاقبة وبالا وكان رجال الأزهر أنفسهم مسئولين ، فإن جهود المبشرين هناك بالمسيحية جهود جبارة وذات أساليب شتي ، ونجد مع ذلك عونا من أولي الأمر ، فلولم يتدارك الأزهر الأمر ، ليقوي علي الأقل الحالة النفسية للمسملين بزياراته المتكررة ، لخشي علي المستضعفين منهم أن تزل بهم الأقدام تحت الضغط والتخويف أو بفعل الإغراء ، والترغيب ، ولكان مصير الأقوياء منهم إلي الفناء الاقتصادي والأدبي ثم إلي الزوال ، وبذلك تنمحي معالم الإسلام من إفريقيا الشرقية كما انمحت قبل من اسبانيا .
جاءت تلك الرسائل كلها إلــي الأزهر من جميعات لا من أفراد ، وهي تلك الجمعيات ( 1) التي تكونت حديثا لتعمل علي درء ذلك الخطر الداهم عن المسلمين ، وذلك بتقوية الروح الإسلامية فيهم ، وبالنهوض بهم ثقافيا واقتصاديا حتي يقووا علي الوقوف في تيار التبشير الجارف ، وبإذاعة التعاليم الإسلامية الصحيحة في جميع أنحاء البلاد ، حتي يكون الوطنيون وغيرهم علي بينة من الإسلام الصحيح الذي لايعرف كثير منهم شيئا عنه إلا صورة مشوهة يلقنها لهم رجال التبشير .
فاتصلت " الجمعية الثقافية الإسلامية(2) . إحدي الجمعيات المكونة بالأزهر في أوائل عام 1946م راجية منه إرسال البعثة التعليمية التي أشرنا إليها ، وشرحت أغراض الجمعية والأسباب التي دعت لتكوينها ، ثم رحبت بالمساعدات الأدبية والمادية التي يمكن أن يقدمها الأزهر في هذا السبيل .
فما أن علم فضيلة الاستاذ الأكبر المرحوم الشيخ مصطفي عبدالرازق شيخ الجامع الأزهر بالأمر حتي استجاب له سريعا ، فلقد كان طيب الله ثراه قوي الإيمان وشديد الغيرة في المسائل الدينية ، ومؤمنا كل الإيمان بأن للأزهر رسالة عالمية لايمكن أن يتخلي عنها ، وحريصا كل الحرص علي أن يؤدي الأزهر هذه الرسالة العالمية ، وأن يساهم بنصيب وافر في نشر الثقافات الإسلامية ، تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته جزاء وفافاً لما قدم للإسلام والمسلمين من خير ولما اعتزم عمله إن مد له في أجله .
فشرفني فضيلته بأن كلفني بالقيام بتلك الرسالة ، ولم يخف عني جسامة العبء وخطر المسئولية ، وخاصة لأنني مرسل إلي وكر المبشرين وعشهم الذي ركزوا فيه جهودهم من عشرات السنين مستمدين العون الأدبي والمادي من دول أوروبا وأمريكا حكوماتها وأفرادها ، وخاصة أيضا ، لأن المسلمين هناك علي قلتهم ، جماعات وشيعا وطوائف ، قد لايكون الانسجام بينها تاما ، وأبان لي فضيلته في وضوح أن ذلك أول اختبار عملي من نوعه للأزهر ولرجاله وأن الأزهر يعلق آمالا كبارا علي نجاحه في هذا الاختيار ، ثم رسم لي فضيلته خططا حكيمة كانت لي خير معين .
قبلت القيام بذلك العبء ، علي الرغم من شعوري بضخامته ، وحزمت الرأي وصممت علي السفر ، علي الرغم من كل مابدا في الجو من معوقات ، فلقد هاجم بعض الناس فكرة البعثة ، وحمل بعض الصحف عليها ، لأسباب لا أعرف حقيقتها ، وقد تكون حزبية ، وعد التبشير بالدين الإسلامي أو شرحه مقدمة للمروق منه ، وبدا الإسلام في نظره في خطر لأن الأزهر يستجيب لاستغاثة بعض المسلمين وينصرهم في محنتهم الدينية ، ولو لم يستجب الأزهر للنداء لرأيت هذا البعض نفسه يتباكي علي حال الإسلام والمسلمين ويكتب بالخط العريض " الأزهر يتخلي عن واجبه الأول)
كان الهجوم في هذه الصحف عنيفا ومقذعا ، ولكن الله عصم المرحوم شيخ الأزهر وعصمني من أن نصبخ لتلك الأباطيل التي حاولت ضمن ما حاولت ، الإيقاع بيني وبين فضيلته ، وأعرناها أذنا صماء ، ولم تزدني إلا إصرارا وإيمانا ، وذلك لأنني اعتقدت أن أداء مثل هذه الرسالة واجب عيني علي الأزهر وفرض كفائي علي القادرين عليه من رجاله ، وعلي هذا الأساس فهو واجب عينى يلزمني فعله ، لأنه يحتاج في تنفيذه إلي إجادة اللغة الإنكليزية ، علاوة علي مايحتاج إليه من شروط أخري وذلك شرط لايحققه من الأزهريين إلا القليل .
لذلك كان لزاما علي القبول ، ولذلك قبلت وسافرت مستمدا العون من الله تعالي ، وله الحمد والثناء علي أن أمدني بتلك المعونة التي لم أجد لها من قبل نظيرا في حياتي الطويلة والتي جعلتني أعتقد أنني نجحت في مهمتي نجاحا فاق ماتوقعته وماتوقعه أولوا الأمر من قبل .
شعور المسلمين نحو مصر ونحو الأزهر :
للمسلمين في تلك البلاد شغف كبير يتعرف أخبار مصر وأحوالها ، وهم كثيرو الحساسية بالنسبة لكل مايحدث فيها ، فيتجاوب . شعورهم مع شعورها سرورا وألما ، ويتناقلون بسرعة البرق كل مايتعلق بها من أخبار ، وذلك لأنهم يعتبرونها زعيمة النهضة الحديثةفي العالم الإسلامي كله ، ويعتقدون أن الأزهر هيأ لها مكانة عليا بين الأقطار الإسلامية ، وأنه لو أدي رسالته الخارجية، كما ينبغي له وكما يرجو العالم الإسلامي ، لحقق لمصر زعامة حقة قد تتجاوز في مداها النواحي الروحية والأدبية.
وأما حبهم لجلالة الفاروق فهو حب لايكاد يعدله إلا حب المصريين لجلالته ولقد اتضح لي ذلك في كل مكان وفي كل المناسبات ومن جميع الطوائف ، وكثيرا ما يتحدثون عن عطف جلالته علي المسلمين ويصفون جلالته بأنه " ملك المسلمين " و( الملك الصالح ) وكثيرا ما كنت أحمل منهم رسالات ولاء وإخلاص لجلالته تفيض كلها حمدا وثناء .
ولقد كان استقبالهم وتوديعهم لمبعوث الأزهر ، وحفلات التكريم التي كانت تقام بين ذلك مظهرا رائعا يدل علي مقدار مايكنون من حب وإخلاص نحو مصر وبنيها وعلي مقدار مكانة الأزهر ورجاله في نفوسهم ، ولولا شعوري النفسي بأنه لايحق لي أن أتحدث عن الحفاوة التي غمروني بها لضاقت صحف كثيرة عن وصفها ، غير أني أحب أن أشير هنا إلي ظاهرة واحدة أسجلها لإخواننا المسلمين هناك بجزيل الحمد وعاطر الثناء لأنها تدل علي خلق كريم وحسن استقبال ، أو سياسة حكيمة ومقدرة علي التحكم في الأهواء .
قبل أن أنزل بتلك البلاد ، وأنا في طريقي إليها ، كان يساورني كثير من القلق النفسي ويجول بخاطري كثير من الهواجس ، إذ كان يشاع أن المسلمين هناك طوائف متعاندة لايمكن أن تلتقي أو تتقارب ، فكيف لي إذن ، أن أجمعهم في صعيد واحد ؟ وكيف لي إذن أن أؤدي رسالتي ما دام اتصالي بطائفة قد يحرمني من الاتصال بالأخري تلك كانت هي الوساوس التي تجول بخاطري فتجعلني أحس بأن المهمة أكثر عسراً مما كنت أظن ، ولكن عندما وطئت قدماي أرض هاتيك البلاد تبددت وساوسي جميعا ، إذ إنني رأيتهم جميعا يظهرون بمظهر الوحدة والانسجام ، ويشعرونني بأنهم متعاضدون متساندون ، علي الرغم من أنهم فرق وطوائف ، وتلك ظاهرة لمستها في كل مكان ، فكانت الطوائف جميعها ممثلة في أستقبالي وفي توديعي وفي التنقل معي وفي تكريمي ، وكان لايجد الواحد منهم مانعا يمنعه من أن يذهب معي ويصلي في مسجد الآخر ، وتلك الأخيرة ظاهرة لايذكر أحد أنها حدثت من قبل ، وذلك مثل أعلي في النبل وفي حسن الضيافة .
ولقد رحبت الصحف كذلك أيما ترحيب بمبعوث الأزهر ، وكانت ميدانا فسيحا تجلي فيه مقدار تقدير الناس هناك للأزهر ورجاله ، وكثيرا ما خصصت صحائفها للتحدث عن مبعوث الأزهر وعن أعماله : فنشرت محاضراته كاملة وملخصة ونشرت له أحاديث عدة ، ونوهت بمصر وبفضلها علي العالم الشرقي .
ولقد ساهم بعض رجال من الإنجليز في الحفاوة بمعوث الأزهر وفي الترحيب به ، ويسرني أن أقرر أنني لم ألق عنتا من واحد منهم ، بل ترحيبا كلما سنحت الفرصة .
ومن الإنصاف أن أقرر ايضا أن روح المودة والعطف نحوي لم تخص فريقاً ، دون فريق ، بل كانت ظاهرة عامة ساهم فيها كل من لقيت بنصيب ، ولقد أظهر غير المسلمين منها الشيء الكثير وتلك لعمري روح طيبة وعاطفة كريمة ، لو غذيناها واستجبنا لها لأثمرت خير الثمار التي تخدمنا وتخدمهم .
ولايفوتني هنا أن اسجل بجليل الحمد وجزيل الثناء تلك العاطفة الكريمة التي استقبلني بها أمراء القصر السلطاني ببلاد الزنجبار وولي العهد وصاحب العظمة السلطان الذي يحتفظ لمصر ولجلالة الفاروق بجميل الذكريات ويكن لجلالته حباً صادقا وإخلاصا قويا .
دراسات عامة :
الحالة الاجتماعية:
تتكون بلاد إفريقيا الشرقية من أربع مقاطعات : كينيا وتنجانيقا ويوغندة وبلاد الزنجبار وهي إما مستعمرات انكليزية أو تحت الانتداب الانكليزي ، ويسكنها مايقرب من ستة عشر مليونا من الأنفس ، ومن هؤلاء من يعتبر من السكان الأصليين ، ومنهم النازحون الذين انحدروا إليها من أقطار متعددة وأمم متباينة .
1- السكان :
1- فهناك الأوربيون أو البيض ، وهم الطبقة الحاكمة والمتمتعة بكثير من الامتيازات ، فلكل أوروبي مركز ممتاز ، وعليه واجبات وقيود يقصد بها الاحتفاظ بكرامته ويمركزه الممتاز ، فلهم أحياء خاصة وفنادق خاصة ومرافق خاصة لايسمح لغيرهم أن يطرقها ، ولا يصح لواحد منهم أن يسافر في الدرجة الثالثة ، لأنه لايصح أن يكون شعبيا ، والحد الفاصل الذي يضع الشخص في هذه الناحية أو في تلك الناحية هو اللون ، حتي يتبين خلافه ، ولا يسكن هؤلاء المدن عادة إلا المبشرون منهم فإنهم متغلغلون في طول البلاد وعرضها .
2- وهناك الهنود النازحون من الهند وسيلان ، وهم جماعات شتي وطوائف متعددة ، وأديان مختلفة ، شأنهم في ذلك شأن الهند نفسها ، وهم متغلغلون في البلاد أيضا ، غير أنهم يتزاوجون مع الوطنيين ، وهذا هو السر في احتفاظهم بلغاتهم الأصلية، علي الرغم من طول مكثهم هناك .
3- وهناك العرب الذين نزحوا ولايزالون ينزحون من جزيرة العرب ، وخاصة من عمان وحضرموت وعدن ومسقط ، وهم متغلغلون في البلاد كلها أيضا ، فتجدهم علي قلتهم ، في المدن وفي القري وفي الغابات ، وهم يندمجون مع الوطنيين ويتزوجون منهم ، وهذا هو السر في أن كثيرا منهم نسي لغته الأصلية واستبدل بها اللغة الوطنية، ولكنه نال نظير ذلك إسلام الوطنيين .
4- وهناك الوطنيون الأصليون ، وهم أكثرية البلاد ، وأما المسلمون من السكان فيقربون من أربعة ملايين من الأنفس : وهم منتشرون في البلاد كلها ، فنجدهم في العواصم وفي القري ، وعلي السواحل وفي داخل البلاد ، وهم طبعا أقلية في كل مكان إلا في بلاد الزنجبار فهم هناك يكادون يكونون كل السكان ، ولا يوجدد بينهم ألا نفر قليل من غير المسلمين، وتعتبر بلاد الزنجبار المركز الرئيسي للإسلام ، هناك ، لا لأن سكانها مسلمون فحسب ، بل لأن سلطانها عربي مسلم أيضا ، ويدين له كل عرب إفريقيا الشرقية بالطاعة والولاء .
ب – الإدارة : تحكم هذه المقاطعات كلها مباشرة أو عن طريق غير مباشر بالحكومة الانجليزية ، وليس لغيرهم من السكان إلا سلطان محدود حين يوجد. فعلي الرغم من أن الهنود يحتلون مراكز اقتصادية ممتازة ، لا نجد لهم أثرا حقيقيا في توجيه سياسة البلاد ، وكأنهم يخشون أن تضع الحكومة العراقيل في وجوههم ، وتسد عليهم أبواب الرزق أو تخرجهم من البلاد إذا ما أظهروا شيئا من التذمر ، ولهذا فهم يظهرون أنهم راضون بما يسود هناك من أوضاع ولكن هل هذا هى الحقيقية ؟
وليس العرب بأحسن حظا من الهنود في تلك الناحية ، فليس لهم رأي حقيقي في توجيه سياسة البلاد أيضا ، وعلي الرغم من ذلك ، فهناك ولاة من العرب في بعض البلاد ، وهناك مديرون منهم في بلاد الزنجبار يساعدون السلطان في إدارة البلاد.
وشأن الوطنيين في ذلك شأن غيرهم ، مع أن منهم مديرين بيوغندة ، ومن بين هؤلاء مدير مسلم ، وهو الوحيد هناك منهم .
وهناك من المسلمين من يعين عضوا في المجالس المحالية أو ينتخب فيها ، ولكن الكلمة العليا في النهاية لدي السلطان .
ج- القضاء : والقضاء المدني بجميع درجاته في أيدي قضاة من الانجليز ، وأما القضاء الشرعي للمسلمين فهو حيث يوجد في أيدي المسلمين ، وسلطان القضاة منحصر في المسائل الشرعية من زواج وطلاق وميراث وأحيانا يتعدد القضاة الشرعيون في البلد الواحد بتعدد الفرق ، ولقد رأيت(3) في بلاد الزنجبار قاضيا للإباضيين وآخر لأهل السنة ، وفي ممباسا قاضيين لأهل السنة ، علي أنني لم أر قضاة شرعيين في غير هذين البلدين ، ولقد عجبت ماذا يصنع المسلمون في البلاد الأخري حينما تعرض لهم مشاكل ، وبينهم وبين هذين البلدين مئات من الأميال ، ولقد سألت هذا السؤال فوجدت أجابات استظهرت منها أن الناس يحلون مشاكلهم بأنفسهم أو بواسطة مجالس يختارونها هم ، أو بواسطة عرفاء المكاتب مادام ذلك ممكنا وإلا فإنهم يتجشمون مشاق الرحلة إلي أحد هذين البلدين .
2- الحالة الاقتصادية
تتمتع هذه البلاد علي وجه عام ، بالرخاء ورغد العيش ، وذلك لتوافر المحصولات بسبب كثرة الأمطار وقلة عدد السكان بالنسبة لاتساع الأرض المكسوة بالخضر والفاكهة ، ولجودتها وخصوبتها ، فتجد في بلاد الزنجبار الكثير من القرنفل وجوز الهند ، وهما من المحاصيل الرئيسية ، غير انهما يباعان بأبخس الأثمان ، وفيها معاصر لاستخراج زيت القرنفل ، وهناك المانجة والأناناس والبرتقال والموز والبطيخ والذرة الشامية ، وأثمانها بخسة جدا إذا ماقورنت بالأسعار في مصر ، ولكن ذلك لايؤثر كثيرا في السكان ، لأن مجهودهم في استخراج هذه المحصولات ضئيل ويكاد أحيانا ينحصر في جمع هذه المحصولات بعد أن يكون قد آن حصادها ، ونجد في كينيا ، عدا الكثير من هذا كله ، الشاي والأرز والقمح والشعير ، ونجد في تنجانيقا الشاي والبن كذلك وفي يوغندا كثيراً من البن والقطن وقصب السكر ، وهناك محالج له ومصانع للسكر .
وعندهم ( عدا هذا ) كثير من المواد الخام الضرورية للصناعات ، وتمدهم الغابات المترامية الأطراف بكثير من أجود أنواع الخشب ، وأما الثروة الحيوانية فيوجد منها الكثير ، فهناك الحيوانات الوحشية التي ينتفعون بجلودها وعظامها وأوبارها ، والحيوانات الأليفة التي ينتفعون بلحومها كذلك ، ولقد ساعدتهم كثرة المراعي علي الإكثار من هذه الثروة ، وهي في نمو مطرد .
وللبحيرات دخل كبير في كثرة الأمطار التي جعلت هذه البلاد جميعها تبدو كأنها حقل واحد مكسو وجهه بالخضرة وتمدهم البحيرات أيضا بثروات أخري مثل السمك والتماسيح وهذه هي البحيرات التي تمد النيل بمائه ، ومنها بحيرة فيكتوريا الواقعة في يوغندا ، وهي من أكبر البحيرات التي تمد النيل ، ولقد سمعت بهذه المناسبة ، أن حكومة يوغندا تفكر جديا في التحكم في ماء تلك البحيرة وذلك ببناء خزان عند جنجا ليستغل في توليد الكهرباء من مساقط الماء هناك وإذا تم هذا المشروع وضبطت مياه البحيرة فماذا يكون الشأن بالنسبة لمصر ؟ هل ستدفع النواحي الإنسانية حكومة يوغندا إلي أن تترك المياه تجري في مجاريها الطبيعية ، أو أنها ستعمد إلي تهديد مصر وإلي مساومتها ؟ ذلك مايجب أن نتنبه له وأن نفكر فيه .
حالة المسلمين الاقتصادية :
قدا يتبادر إلي الذهن من حديثي عن مركز المسلمين الاجتماعي والاقتصادي أنهم يكونون هناك وحدة اجتماعية أو اقتصادية ، أو لهم شخصية متميزة تعامل علي أنهم يكونون هناك وحدة اجتماعية أواقتصادية ، وأن لهم شخصية متميزة تعامل علي أنها وحدة من تلك النواحي ، ولكنه لا وجود في الواقع لمثل هذه الوحدة وكل ما هنالك بين السملمين من روابط هو علي الأكثر ذلك الشعور الروحي الذي يوجد بين المسلم وأخيه المسلم فحسب .
لذلك كان من الدقة التحدث عن طوائفهم لا عن جماعتهم ، فذلك أقرب إلي الصواب ، إذ إن ارتباط كل فرد منهم بطائفته وفرقته لايزال أقوي وأكبر أثرا في حياته الاجتماعية والاقتصادية من ارتباطه بجماعة المسلمين ، ويمكن أن ترتب طوائفهم من الناحية الاقتصادية ترتيبا تنازليا هكذا :
الشيعة ، فالإباضية ، فأهل السنة
فالشيعة أغني الطوائف هناك بلا مراء ، ولكن يظهر أنهم ليسوا في مستوي واحد من الثراء فالإسماعيليون – أتباع أغاخان يأتون أولا ، ولقد ساعدهم جدهم واجتهادهم من ناحية ، ونظامهم التعاوني الدقيق وارتباط بعضهم ببعض برباط متين من ناحية أخري ، علي أن ينهضوا نهضة عظمي في جميع نواحي الحياة .
والبهريون والاثنا عشريون من الشيعة ذوو مركز اقتصادي طيب أيضا وأما الاباضيون فهم علي مايبدو ، أقل ثراء من الاولين ، وأما أهل السنة وهم جمهور المسلمين ، فيأتون أخيرا ، وهم أكثرهم فقرا ، علي الرغم من أنه يوجد من بينهم أفراد قلائل يملكون ثروات طائلة .
وإذا علمنا أن جمهور العرب والوطنيين من أهل السنة علمنا أين يحل الفقر ، وإذا حل الفقر في مكان اصطحب معه صديقيه المرض والجهل ، وهذا هو شأن كثير من العرب والوطنيين .
ولقد أخبرت أن العرب كانوا يوما ما أرباب الثراء والنعمة ، ولكنهم خلدوا إلي الترف وغرتهم النعمة ، وكأنهم آمنوا بخلودها فيهم ، فلم يفكروا في تنميتها أو الاحتفاظ بها ، فلم يمض إلا قليل من الزمن حتي كانت مرهونة في أيدي إخوانهم المسلمين من الهنود وهم أكثر منهم نشاطا ، ولم تمض فترة أخري حتي انتقلت إليهم لعجز العرب عن الوفاء ، ولقد أوجدت تلك الظاهرة الاقتصادية فيهم شعورا من العداء نحو إخوانهم الهنود ، ولكنه قد زال الآن أو كاد يزول لأنهم أدركوا أنهم هم المسئولون حقا ، وأن ثروتهم لو لم تنتقل إلي هؤلاء لانتقلت إلي غيرهم من غير المسلمين ، وكانت العاقبة أدهي وأمر .
ولكن علي الرغم من أنه لايوجد بين المسلمين هناك ما يمكن أن يعتبر وحدة اقتصادية فلا مراء في أنه يوجد بينهم كثير من المساعدات المالية المشكورة التي يقدمها أرباب الثراء منهم للمعسرين علي اختلاف فرقهم وطوائفهم ، وتتمثل تلك المساعدات في نواح شتي ، والمساجد ناحية منها ، فنجد أغنياء الشيعة : مثلا : يساهمون بنصيب كبير في بناء مساجد أهل السنة أو في إصلاحها ، وقد رأيت عدة أمثلة من ذلك ، وليست الجمعيات الخيرية التي تألفت هناك إلا مظهر آخر من مظاهر العون المالي الذي يقدمه الموسرون للمعسرين ، وعلي الرغم من أن المساهمة في هذه الجمعيات عامة ولاتخص فريقا دون فريق ، فإن المبالغ التي دفعت فعلا والتي يرجي أن تدفع من العرب ومن الوطنيين مبالغ ضئيلة بجانب مادفعه أو سيدفعه الآخرون ، وأما ثمرة هذه الجمعيات فستكون أولا وبالذات للعرب وللوطنيين ، لأنهم هم وحدهم الذين لايجدون مدارس يربون فيها أبناءهم ، وليس لديهم من القدرة المالية مايمكنهم من تربية أبنائهم خارج بلادهم .
3 /الحالة الثقافية :
إن نظرة واحدة إلي هذه البلاد تكفي لمعرفة مقدار تأخرها من الناحية الثقافية ، وعلي الرغم من أننا نجد هنا مجالا فسيحا للتحدث فسأكتفي بشرح موجز لحالة المدارس واللغات السائدة هناك .
1- المدارس : هنالك نوعان من المدارس ومعاهد التعليم : مدارس حكومية وأخري أهلية ، فالحكومية قليلة العدد ، ولا يمكن أن تفي بحال من الأحوال بحاجة السكان ، وهي مع ذلك طائفية ويظهر أن تقسيم الناس إلي طوائف شيء يعجب السلطة هناك وتوحي به ، إذ إنه ظاهر في كل مكان وفي كل مرافق الحياة حتي في التشريع نفسه .
2- فإذا قطعنا النظر عن المدارس التي يتعلم فيها أبناء الاوربيين ، وجدنا مدارس حكومية للهنود في كثير من البلاد ، وهي مدارس مدنية وتقبل المسلمين وغير المسلمين من أبناء الهنود ، وتعلم من اللغات بجانب الانكليزية ، اللغات الهنديةمن أوردوية وهندوستانية ولكنها لا تعلم اللغة العربية وفي بعضها أقسام ثانوية .
وأما العرب والوطنيون فليس لهم مدارس حكومية علي الإطلاق ، اللهم إلا شيئا يشبه الكتاب بممباسا ، ويتكون من عدة غرف بعيد بعضها عن بعض ، وهما مع ذلك لم تبدءا إلا قريبا بعد جهاد عنيف قام به بعض المسلمين هناك ، ولا تعلم إلا مقدارا ضئيلا من اللغة العربية .
وليس هناك معاهد حكومية عليا إلا كلية مكويري(4) في يوغندا وهي تعني أكثر مما تعني بالثقافات الانكليزية وبالأدب الانكليزي ، وتقبل طلابها من جميع الأجناس والأديان من أهل إفريقيا الشرقية، ولكنها تقبل السودانيين أيضا ، وقد علمت أن بها الآن عشرة طلاب من مسلمي الزنجبار .
وأما المدارس الأهلية فكثيرة ومنتشرة في جميع أنحاء البلاد ، ومنها مدارس المبشرين ، وسأتحدث عنها عند التحدث عن المبشرين وجهودهم ، ومنها مدارس أخري ترتبط بالطوائف والفرق والجماعات المتعددة .
فهناك مدارس الإسماعيليين ، وهذه تكاد تكون موجودة في كل بلاد إفريقيا الشرقية والشطر الأكبر من قراها ، إذ إنهم ينشئون مدارس ، أينما حلوا ، تتناسب مع حاجتهم ، فأحيانا تكون ابتدائية ، وأحيانا تكون ثانوية أيضا، وقد زرت بعض هذه المدارس فوجدتها تسير بدقة ونظام يفوقان كثيرا من المدارس الحكومية .
وهي تنفق بسعة علي المدرسين ، وتقبل الطلاب بلا أجور ، وهي مدنية ولاتقبل غير أبناء طائفتهم ، ولبعض الطوائف الأخري مدارس خاصة يعلمون فيها أبناءهم شيئا من الدين بعد عودتهم من مدارس الحكومة وهذه توجد غالبا في المساجد أو في رحابها .
وأما العرب والمسلمون من الوطنيين ، وهم يزيدون علي 70% من مجموع المسلمين ، فليس لهم مدارس منظمة أو ذات مورد ثابت ، وكل ما هنالك هو آلاف من الكتاتيب المنتشرة في طول البلاد وعرضها ، والتي لايجمع بينها جامع ولاتخضع لنظام واحد أو منهج واحد ، فعريف الكتاب – أحيانا لايكون له من المؤهلات أكثر من أنه يعرف شيئا من القراءة والكتابة – هو السلطة العليا التي تضع المناهج وتطبقها ، وهذه الكتاتيب في جملتها لاتعلم إلا مقداراً ضئيلا من القرآن يحفظه الناشيء بغير فهم غالبا ، وشيئا من العبادات والعقائد ، ولكن بأسلوب بدائي ، ولقد زرت كتابا في قرية من قري نيروبي فوجدت المعلم يعلم المبتدئين الذين لا يعرفون شيئا من اللغة العربية قواعد النحو والصرف ، كأنه يري أنهم يجب أن يعرفوا قواعد اللغة أولا ثم اللغة بعد ذلك ،وقد يكون هذا المعلم محقا في منطقه ولكنها طريقة عسرة ومملة .
ولكن هناك من الكتاتيب ماهو أرقي من ذلك بكثير ، فهناك مثلا مدرسة الرياضة العربية بممباسا ، وأستاذها الشيخ سالمين بن عوض العامري ، وهي تعلم الألعاب الرياضية بجانب اللغة العربية والثقافات الإسلامية ، ويحسن أبناؤها النطق باللغة العربية ، وهي نهضة طيبة ، غير أن المدرسة في حاجة ماسة إلي المساعدة المادية ، وهناك في يوغندا وتنجانيقا كثير من المدارس التي يشرف علي إدارتها الشريف عبدالقادر الجفري ، وقد زرت بعضها فسرني منهجها ومافيها من حيوية وسألت بعض الطلاب عن مسائل لغوية ودينية فأجابوا إجابات موفقة ، واستمعت إلي خطب كثير منهم – وهم من أبناء الوطنيين – فوجدت أن لهجتهم لهجة عربية صحيحة .
ولكن تلك المدارس كلها قائمة من ناحية مالية علي أكتاف الوطنيين وقليل من العرب ، وهؤلاء جميعا فقراء فلا يفي مايتبرعون به بحاجة المدارس ، وليس لديهم كتب مدرسية ، ولايجدون العدد الكافي من المدرسين ولايجد المدرسون موردا يعيشون منه مما يضطر الكثير منهم إلي العمل بجانب التدريس ، وأخيرا لاتفي المدارس الموجودة بحاجة السكان المتزايدة .
وإنني أعتقد أنه لو نظمت هذه المدارس والكتاتيب وزيد عددها ورصد لها من المال مايكفيها لكانت فتحا مبينا لأنها تجذب قلوب الوطنيين جميعا ( وشبه الشيء منجذب إليه ) ولقد تسلمت هناك عددا وفيرا من الالتماسات ، ولاتزال الخطابات ترد إلي تلتمس كلها من الأزهر ومن مصر أن يمدا يد العون لهذه المدارس حتي تتمكن من تأدية مهمتها .
ب- اللغات : اللغة الرسمية في إفريقيا الشرقية بمقاطعاتها الأربع هي اللغة الانكليزية : فهي لغة الحكومة والدواوين، وهي لغة البنوك والتجارة ، وهي لغة التخاطب وخاصة في المدن ، فإذا كان الشخص يتكلم اللغة الانجليزية أمكنه أن يخاطب مالايقل عن 70% من سكان المدن وكثيراً من غيرهم ، وإذا كان يتكلم اللغة الوطنية – كالسواحلية – أمكنه أن يخاطب عددا كبيرا من السكان أيضا ، وأما إذا كان يتكلم العربية فقط ، فعليه أن يبحث عن الشخص الذي يتمكن من التخاطب معه ،فقد يخفق وقد يسعده الحظ فيجد طلبته ، وأما في بلاد الزنجبار فسيجد بسهولة من يخاطبه بالعربية ، إذ إن جمهور السكان من العرب ، ولكن سرعان مايضيق المخاطب ذرعا بمخاطبه فيضيف هنا أو هناك بعض الكلمات الوطنية ، ثم يندفع إليها أخيرا بقصد أو بغير قصد.
ومما يصح أن يلاحظ هنا أن ضعف العرب في اللغة العربية ، ونسيان بعضهم إياها راجع إلي عدة أسباب : منها عدم وجود مدارس يعلمون فيها أبناءهم، ومنها - وهو عامل مهم - امتزاجهم بالسكان الوطنيين امتزاجا كليا ، فيناكحونهم ويخالطونهم ويعيشون بينهم بخلاف إخوانهم المسلمين من الهنود : فإنهم يحتفظون بشخصيتهم ويظلون متميزين عنهم ، لذلك كثيرا مانري الدم العربي ممتزجا هناك بالدم الوطني ، ويتمكن الخبير بالأجناس من التمييز بسهولة بين الدم العربي الخالص والدم الإفريقي الخالص والدم المولد منهما ، وهذا الأخير كثير بين المسلمين ولهذا الاختلاط اعتبرت الحكومة في تشريعاتها العرب والوطنيين وحدة ، ويفسر لنا هذا الامتزاج أيضا السر في أن علاقة العرب بالوطنيين خير من علاقة النازحين الآخرين بهم ، فهم يحبون العرب أكثر من حبهم غيرهم ، ويفسر لنا هذا بدوره السر في أن العرب وحدهم هم أقدر الناس علي نشر مباديء الدين الإسلامي هناك ، فهم ينشرونها بأخلاقهم وحسن عشرتهم أكثر من نشرها بأعمال الوعظ والتبشير ، ولو وجد العرب المتغلغلون في البلاد كلها شيئا من التنظيم ومن الثروة لأدخلوا الألوف من السكان في دين الله كل عام .
من كل هذا يتبين مقدار الضعف الثقافي الذي ابتلي به العرب والوطنيون معا ومقدار حاجتهم جميعا إلي نهضة ثقافية شاملة ، وخاصة في المسائل العربية والدينية علي أن الهنود أنفسهم أصبحوا يشكون من ضعف مستوي الثقافة الدينية فيما بينهم ويرجون أن يأتي اليوم الذي يتمكن فيه أبناؤهم من أن ينالوا قسطا وافرا من الثقافات الدينية والعربية ، وليس أدل علي توجه أذهان المسلمين الهنود إلي تلك الناحية من تلك البعثة الهندية التي جاءت إلي الأزهر من جنوب إفريقيا راجبة من فضيلة الاستاذ الأكبر المرحوم الشيخ مصطفي عبدالرازق أن يمدهم برجال من الأزهر ليهيئوا لهم الفرصة اللازمة لإدخال اللغة العربية والثقافات الإسلامية في مدارسهم ، ولقد اتصلت بي هذه البعثة ، وأنا في شرق إفريقيا ، بناء علي توجيه فضيلته ، فوعدتهم بالسفر إليهم ، ولكن ظروفاً خارجة عن طوقنا وطوقهم حالت دون تنفيذ ذلك حتي اليوم .

4-الناحية الدينية:
وهنا لا أبيح لنفسي أن أتحدث عن كل الأوضاع الدينية والمعتقدات البدائية التي توجد في تلك البلاد ، فليس لدي من المعلومات اليقينية التي حصلتها بنفسي عن طريق المشاهدة والدراسات الشخصية ما يسمح لي بالتحدث فيها لذلك ساقصر حديثي علي ما أعلم من مسائل تتعلق بالمسلمين وبدعوتهم إلي الإسلام وبالمبشرين وبأعمالهم .
10 الفرق الدينية للمسلمين : يوجد هناك كثير من الفرق الإسلامية : فهناك أهل السنة والإباضية والاثنا عشرية ، وهناك اليهوية والإسماعيلية والقاديانية .
أما القاديانية فهم أفراد قليلون ، ولايوجدون الآن إلا في بعض البلدان ، وهناك فرقتان منهم : فرقة تري أن( مرزا غلام أحمد القادياني ) نبي مرسل وأنه المسيح الموعود ، الخ . وفرقة أخري تري أنه مجدد ومصلح فحسب ، والخلف بين هذين الفريقين ليس بأقل من الخلف بينهم أو بين الفرقة الأولي منهم وبين عامة المسلمين ، وليس لهم أتباع من غير الهنود.
وأما البهرة فهم فرقة من فرق الشيعة ، وزعيمهم في الهند هو (طاهر سيف الدين ) وهم يرون أنه معصوم لايجوز عليه الخطأ ، ويثبتون له كثيرا من خوارق العادات ، وهؤلاء قليلون في إفريقيا الشرقية غير أنهم يكادون يوجدون في كل بلادها ومدنها ، وهم جميعا من الهند ، ولم يسعدني الحظ بمقابلة أحد علمائهم الدينيين .
والأثنا عشرية من الشيعة ايضا ، وهم يقولون بانحصار الخلافة في علي وفي ذريته ، ولايزالون يتمسكون بعادة الحداد علي الحسين عليه السلام ، ولايستثنون منه أحدا ، وهم منتشرون في كثير من بقاع إفريقيا الشرقية ، ولهم كثير من المساجد الضخمة التي ينفقون عليها بسخاء ، وقد زرت بعضها فوجدته مثلا طيبا للنظافة وجودة البناء ، وأمكنة خاصة للنساء، ولقد قابلت بعض علمائهم فوجدتهم علي جانب لا بأس به من المعرفة في العلوم الإسلامية ، وجميعهم من الهند أيضا.
وأما الإسماعيليون فهم أتباع أغا خان ، وكلهم من الهند أيضا ويكاد يوجد هؤلاء في كل قرية وفي كل بلد في إفريقيا الشرقية ، بيد أن دار السلام بتنجانيقا تعتبر المركز الرئيسي لهم ، لأنها تضم أكثر عدد منهم ، ولعل هذا أحد الأسباب التي جعلت عظمة السلطان أغا خان يختارها لبناء جامعة ضخمة فيها لأتباعه ، قد يبدأ فيها هذا العام أو في العام الذي يليه ، وقد قابلت أحد مبشريهم هناك فعلمت أنه يبشر بالإسلام في ذاته ، لا بالمذهب الإسماعيلي أوأى مذهب آخر .
وأما الإباضيون فجمهورهم في بلاد الزنجبار ، والسلطان نفسه إباضي ، وهم جميعا من العرب.
وأما أهل السنة فهم عرب ووطنيون وهنود ، وهم غالبية أهل البلاد ومنتشرون في جميع أنحائها والمذهب السائد هناك هو المذهب الشافعي .
غير أنه مما يلاحظ أن الرجل العادي لايعرف الفرق بين آراء فرقته والفرق الأخري ، بل لايهمه أيضا أن يعرف ذلك ، فالانتساب إلي الفرق يكاد يكون شيئا وراثيا أكثر منه عقيدة ومذهبا ، وهذا هو السر في أنه يندر أن يوجد بينهم الإفريقيون المسيحيون راغبين في الدخول إليها ، فيدخلونها تاركين وراءهم مدارس المبشرين بقضها وقضيضها ، ثم يصبحون بعد فترة وجيزة مسلمين تقليدا لأبناء المسلمين ثم يتبعهم الآباء والأقارب .
وأن هناك شبها كبيرا بين الإفريقي والعربي في حب كل منهما للحرية الشخصية وفي الإيمان بقيمة المرء الذاتية ، فإذا وجد الإفريقي من يقول إن الناس أمام الله وأمام القانون سواء وإن التفاضل بالأعمال لا بالألوان وآخر يجعل الناس درجات بعضها فوق بعض ويجعل الإفريقي في الطبقة الدنيا – إذا وجد الإفريقي من يخيّره بين هذا وذاك لم يجد مجالا للاختيار ، فالأول طبعه ومزاجه ، وقد يخضع للثاني حين تلجئه الظروف الملحة ، ولكن لايلبث أن يثور حين تواتيه الفرص ، ولقد طلب مني بعض زعماء المسلمين الوطنيين أن أشرح لهم نظرة الإسلام إلي التفاخر بالأنساب والألوان ، فما أن فرغت حتي قال : ( ذلك وحده كاف لأن يدخل جميع الإفريقيين في دين الله إذا ماعلموه كما سمعنا اليوم )
ج- المبشرون وجهودهم : أما المبشرون بالمسيحية هناك فهم قوة لايستهان بها ، وهم متغلغلون في جميع أنحاء البلاد ، فلا تكاد تجد قرية أو بلدا يخلو منها نفوذهم ، ولهم مراكز تبشيرية يتكون كل واحد منها من ملجأ ومستشفي وبعض المدارس والكنائس ، وهي موزعة توزيعا تاما علي البلاد كلها ، والبلاد مقسمة إلي مناطق ، وفي كل منطقة منها عدد من المراكز التي يختلف عددها باختلاف أهمية المناطق نفسها ، ولهم أقطاعيات كبيرة أقطعتها لهم الحكومة أو اشتروها هم من ثروتهم التي تعد بالملايين من الجنيهات التي يستمدونها من أرباب الثراء من امريكا وانجلترا واوربا ومن المكوس الكثيرة في هذه البلاد التي رصدت لهذا الغرض ، لذلك تراهم ينفقون بسخاء علي بناء الكنائس والمدارس والمستشفيات والمكاتب العامة ، وكثيرا مايذهبون إلي البيوت ويوزعون كثيرا من الكتب التي تتضمن ، بجانب شرح المسيحية شرحا عاطفيا ، كثيرا من المطاعن ضد الإسلام ، ولايفوتهم دائما أن ينبهوا المسيحيين ومن اعتنق المسيحية من الوطنيين بالتباعد عن المسلمين بقدر الإمكان ويصورون لهم المسلمين بصورة بشعة كأنهم مرض معد ، يجدر بهم الابتعاد عنه ، وإذا ما تنصر شخص هيأوا له من العمل ما يتناسب مع مؤهلاته وساعدتهم الحكومة علي إيجاد ذلك العمل ، ويؤسفني أن أقول إن هناك أفرادا من المسضعفين من المسلمين – وخصوصا من قريبي العهد بالإسلام – تضطرهم ظروف اقتصادية ملحة إلي اعتناق المسيحية، وهؤلاء ، وإن كان يمكن أن يوصفوا بأنهم منافقون في المسيحية ، إلا أن طول العهد يجعلهم هم وأبناءهم من المسيحيين حقا ، وهم أيضا علي الرغم من قلة عددهم لابد أن يعتبروا عاراً بالنسبة للمسلمين الذين يسمحون للظروف الاقتصادية – وهم قادرون علي التغلب عليها – أن تلعب هذا الدور في العقيدة وهم عار بالنسبة للمبشرين أيضا الذين يجعلون العقيدة محل مساومة ويستغلون حاجة الضعفاء الاقتصادية ، في حين أن العقيدة رغبة قلبية لا يمكن أن تشتري بالمال , ومدارس المبشرين ومستشفياتهم مفتحة الأبواب للجميع ، ولكن جمهور المسلمين يخشاها وينصرف عنها ، لأنها تنتهز ساعة الضعف وساعة الحاجة وتلك الساعة التي يضعف فيها المرء نفسيا عن الدفاع ، وتهاجم الإسلام وتبشر بالمسيحية لذلك تري المسلمين يفضلون أن يموتوا بعلتهم وبجهلهم علي أن يضعوا أنفسهم في مواطن الزلل ، ولكن يوجد من بينهم من يغريه حب التعلم او تدفعه شدة ومرض فيذهب هناك علي كره منه ، فلا يلبث ان يسمع تلك العبارة المريرة التي حدثني كثيرون أنهم سمعوها بآذانهم ، ألا وهي أن الإسلام يقدم المرض والجهل ، وأما المسيحية فتقدم الصحة والثروة والمعرفة كأن تلك المعاني أوصاف ذاتية ولوازم ضرورية للمسيحية والإسلام ، وهكذا يلعبون بعقول الأغرار وقت ضعفهم النفسي وحاجتهم إلي المعونة ، فماذا يصنع ضعفاء المسلمين هناك وقد سدت في وجوهم سبل العيش وسبل التعلم وسبل الاستشفاء ولم يبق أمامهم إلا هذا السبيل الوعر .
ومن أمثلة عوامل الإغراء التي تصنع علي عين الحكومة وسمعها تلك القصة للحضارة ولما تتمشدق به المدنية الحديثة من تهيئة الوسائل الضرورية لحرية الأديان وتتلخص تلك القصة فيما يلي :
كان سلطان يوغندا يوما ما من المسلمين ، ولكنه إقيل أو استقال في ظروف غامضة وبعد جهاد طويل ليتولي مكانه سلطان مسيحي ولقد كان من رغبته أن يبني مسجدا للمسلمين علي أحد الجبال المحيطة بكمبالا ، ولكن المنية عاجلته قبل أن ينفذ رغبته ، وميزة هذا المكان المختار للبناء أنه أحد جبال ثلاثة تحيط بكمبالا ، بني علي الجبلين الأخيرين كنيستان ، واحدة للكاثوليك والأخري للبروتستانت فكان من الطبيعي أن تكون هناك منارة للمسلمين علي الجبل وهم كثيرون في البلد ، فلما أن اراد ابنه البرنس بدر الدين تنفيذ رغبته ظهرت عوامل الإغراء ، إذ جاء من يساوم البرنس علي شراء ذلك الجبل ، ومساحته ثمانون فدانا ، وقدم له عشرة أمثال ثمنه الحقيقي ، ثم ضاعف الثمن ضعفه حتي وصل العرض إلي ثمن خيالي يجعل المرء يشك في الدافع إلي هذه المساومة ، ولكن نفس البرنس الأبية وروحه الكريمة رفضت في إباء كل العروض ويعلم الله أنه كان في حاجة إلي عشر معشار الثمن الذي قدم له ، وتنازل عن ذلك الجبل للمسلمين ليبنوا عليه مسجداَ ومدرسة ، وليستغل الباقي لينفق علي المدرسة من ريعه وتلك روح منه طيبة لابد أن تقابل من المسلمين وخاصة إذا علمنا أن ماسيتبقي له من الثروة بعد ذلك لايكاد يفي بضرورياته ويؤسفني أن أسمع الآن من كثير من المقيمين هناك أن تكوين الجمعية الخيرية وزيارتي لتلك البلاد أيقظتا المبشرين ، فجددوا جهودهم نحو المدارس الوطنية وبدأوا يحاربونها بكثير من الوسائل ، وهناك كثير من عوامل الضغط والإغراء التي لايتسع المقام لذكرها .
ومما يسترعي الانتباه في هذا الصدد أن المرء لايكاد يتصور أن أعمال التبشير كلها وماينفق فيها من ملايين الجنيهات يقصد بها وجه الله والناحية الروحية ، فليس هناك مظهر واحد سياسي أو اقتصادي أو أخلاقي يشهد بذلك ، ولكن تنبيء هذه النواحي كلها أن الفرض بعيد كل البعد عن النواحي الروحية ، وأنه مشروع استعماري محض ، أو أنه علي أقل تقدير مستغل الآن في هذا السبيل ، فحركة التبشير هناك علي مايبدو ، حركة استعمارية ولكنها تلبس مسوح القسيس وسحنة التاجر ، وهذان يسبقان عادة رجال الجيش ، وهذا هو الشأن في إفريقيا الشرقية ، فليست حركة التبشير ، إذن ، منبعثة عن حب للمسيحية أو حب للناس ، رجاء أن تطهر نفوسهم فيصلوا إلي النعيم الأبدي ، ولكنها حركة استعمارية فطن لها الوطنيون أنفسهم ويعجبني هنا ما قاله أحد الإفريقيين ردا علي أحد القسيسيين حين سمعه يقول : إننا نجهد أنفسنا ونترجم الانجيل إلي لغتكم الوطنية ، ونأتيكم بالتعليم وبالرحمة والأمن والعافية لتزكوا نفوسكم ولتعيشوا في أمن ورخاء ، وأما المسلمون فلا يأتونكم بشيء ، فقال الإفريقي : نعم إنكم تأتوننا بالانجيل وبمباديء لاتؤمنون بها أنتم لأنكم لا تعملون بها ، وتأخذون منا نظيرها أموالنا وأرضنا وحرياتنا ونصبح لكم عبيدا وخدما ، أما المسلمون فحق أنهم يأتون هنا مزودين بقليل من المعرفة ، ولكنهم يعملون بما يعرفون ، ولايأخذون منا شيئا ، بل يعملون مثلنا في تعمير بلادنا من غير أن يطغوا علينا ، وإذا قبلنا دينهم أصبحنا لهم إخوة وإخوانا ، وإما إذا قبلنا دينكم ظللنا لكم عبيدا وخدما ، خذوا إنجليكم وردوا علينا أموالنا وحرياتنا ودعوا أرواحنا تذهب ولو إلي الشياطين ، أعملوا بانجيلكم أولا ثم تعالوا للتبشير به، فلم يحر القس جوابا ، لذلك نري أن نجاح المبشرين من ناحية دينية ضئيل جدا ، ولايبرر بحال من الأحوال تلك الملايين التي تنفق في سبيله والتي لو حولت إلي ذهب وفضة لرجح وزنها والذين يتنصرون بها كل عام ، ولكنه نجاح استعماري لابأس به ، وهم يستعملون في تلك الناحية كمخدر ، ولايعدمون مع ذلك ازديادا في عدد المسيحيين وإنني مؤمن كل الإيمان بأنه لو كان للمسلمين هناك واحد من جهود المبشرين لكانت البلاد الآن كلها أو جلها من المسلمين ، ولكن شيئا لو ؟
محاضرات وزيارات
لم تمر لحظة من وقتي هناك إلا انتفعت بها في دراسات أو محاضرات فبجانب ماقمت به من دراسات زرت مقاطعات إفريقيا الشرقية كلها وقدمت عددا كبيرا من المحاضرات والأحاديث الطوال .
زرت بلاد الزنجبار ورأيت كثيرا من مساجدها وصليت الجمعة في مسجدين أحدهما مسجد أهل السنة وزرت بعض قراها أيضا ورأيت ما فيها من مساجد في عدة أماكن في تنجانيقا ورأيت بعض مساجد دار السلام الفسيحة وأقمت فترة طويلة من الزمن وزرت كثيرا من ضواحيها ومساجدها ، وأقمت حوالي أسبوعا زرت فيه كثيرا من قراها وصليت الجمعة في المسجد الجامع وكثيرا من البلاد والقري في يوغندا ورأيت مساجدها العديدة .
زرت كثيرا من معاهد العلم ودور تحفيظ القرآن ، فزرت المدارس ورأيت عددا وفيرا من مدارس المبشرين ومن مراكزهم التبشيرية ومئات من الكتاتيب العربية والوطنية وزرت بعض مدارس الإسماعيليين ، ومدارس الاثناعشريين .
أما المحاضرات فكانت جمة ، وكثيرا ما كنت أترك للقوم هناك اختيار نوع المحاضرات لأنهم أكثر الناس دراية بحاجاتهم وبمشاكلهم ، وهذه عدة أمثلة للمحاضرات التي ألقيتها في الأماكن المختلفة :
1- وجود الله وأداته العقلية
2- حاجة الناس إلي هداية ربانية
3- بعثة محمد صلي الله عليهوسلم – دواعيها وأغراضها.
4- نظرة الإسلام إلي حرية الفرد
5- الدور الذي لعبه الإسلام في النهوض بالإنسانية جمعاء
6- أسس الحياة الاقتصادية في الإسلام
7- الإنسانية في الإسلام
8- نظرة الإسلام إلي المراة
9- نظرة الإسلام إلي الرق والرقيق
10- الوحدة العالمية في ظل الإسلام
11- واجب الفرد نحو نفسه ونحو الجماعة
12- المسئولية والجزاء في الإسلام
13- لماذا أنا مسلم
14- الغرض من التعليم
وما إلي ذلك من الموضوعات المختلفة
وكانت اللغة الانجليزية لغة هذه المحاضرات كلها ، اللهم إلا عددا يسيرا منها لايتجاوز 5% من مجموع المحاضرات فكانت لغته اللغة العربية ، ولقد كان من الضروري بعد ذلك أن تترجم إلي اللغة الوطنية .
وأما الجماهير التي تحدثت إليها ، فكانت في غالب الحالات مكونة من طوائف متباينة وأديان متعددة وأجناس مختلفة ، ولقد كنت أحاضر أحيانا بعض الطوائف الخاصة : فحاضرت الوطنيين وحدهم عدة مرات ، وكذا حاضرت السيدات ، وحاضرت الطلبةوحدهم مرتين وكذا العرب.
استطاعت جمعية الثقافة أن تطبع بعض المحاضرات لتوزعها علي الجمهور لتنتفع بثمنها في مشروعاتها الجليلة ، فوافقت علي ذلك ونقحت عدداً منها لهذا الغرض .
من المؤكد أن ماقمت به ليس إلا نواة يجب أن يبدأ منها العمل حيث تتبعها خطوات فقد يكون لنا العذر قبل اليوم ، وأما الداء ففي يدنا العلاج وفقنا الله للعمل الصالح .
اقتراحات
يتبين أن إخواننا هناك في حاجة ملحة إلي نهضة تعليمية شاملة من هيئة من الهيئات التي تساعدها ظروفها المالية والعلمية والأدبية وتلك الهيئة هي الأزهر ، أو ينبغي أن يكون الأزهر علي الأقل من عناصرها ، وذلك لما بينت آنفا من مركز الأزهر الممتاز.
أفادتني دراساتي الخاصة هناك ومحادثاتي المتعددة مع كثير من مفكري المسلمين إلي أن أصل إلي نتائج ومقترحات أقدمها رجاء أن يكون فيها فوائد وهي(5) .
1- سبق أن تحدثت عن وجود كتاتيب ومدارس أهلية يقوم بالانفاق عليها العرب والوطنيون معا ، وتلك المدارس يجب أن تجعل النواة الأولي للعمل وتنظم تنظيما يشمل جميع نواحيها ، فبدل أن يكون مدرسوها بلا أجر أو باجر زهيد يضطرهم للقيام ببعض الأعمال الأخري حتي يجدوا كفايتهم من العيش يجب أن يكون لهم مورد كاف يتعيشون منه ، وبدل أن تكون بلا برامج منقطعا بعضها عن بعض بحيث لاتكوّن وحدة منهجية أو ثقافية ، يجب أن تكون ذات برامج متقاربة وخاضعة لرقابة واحدة .
ولهذا يجب أن تكون هناك جمعية علمية إدارية مهمتها الإشراف العلمي والإداري علي هذه المدارس وإنشاء مدارس أخري حين تسمح لها الميزانية وأن تكون هناك هيئة أخري أو هيئات تجمع الأموال اللازمة لإدارة هذه المدارس ، وهنا يمكننا أن نتعاون تعاونا فعليا مع الجمعية الخيرية الإسلامية لإفريقيا الشرقية ، فهي تقوم بجمع التبرعات هناك ، ولتقم هنا جمعية أخري لتجمع المال من مصر وغيرها من البلدان المجاورة ، وحبذا لو ساهمت الجامعة العربية في هذا المشروع الجليل .
2- ارسال رجال مثقفين الآن ، ليساعدوا تلك البلاد علي النهوض بمدارسها وكتاتيبها ، علي أن تتولي نفقاتهم الهيئات التي ترسلهم ، حتي تتكون الجمعيات المقترحة ويتكون لها رصيد كاف.
وينبغي أن يكون هؤلاء المبعوثون ممن يجيدون اللغة العربيةويعرفون مقدارا كبيرا من الثقافات الإسلامية وأن يكون لهم إلمام باللغة الانجليزية ليكونوا قادرين علي التخاطب والترجمة .
2- إرسال رجال آخرين الآن أيضا أو في أقرب فرصة ممكنة للتعريف بالإسلام ولشرحه شرحا صحيحا ، ويجب أن يتوافر في هؤلاء كثير من الصفات الخاصة ، فينبغي أن يكونوا من ذوي الشخصيات الممتازة ، الذين ليست لهم مطامع شخصية ، وأن يكونوا متخصصين في الدراسات الإسلامية ، وقادرين علي أن يدفعوا كل مايرد علي الإسلام من شبه دفعا يقبله العقل الحديث ، وأن تكون لهم خبرة بالحياة العصرية وبمقتضياتها ، وأن يكونوا ممن يجيدون اللغة الانجليزية إجادة تمكنهم من المحاضرة بها لأهلها ، وإذا عز تحقيق هذا الشرط الأخير وجب أن يكون مع المبعوثين من يجيد هذه اللغة ليكون حلقة الاتصال بينهم وبين الناس.
وليس من الضروري بعد ذلك أن تقيم تلك البعثة هناك ، بل يصح أن تقضي فترة لاتقل عن شهر في كل مقاطعة من مقاطعات شرق إفريقيا الأربع من كل عام ، علي أن يتولي الأزهر الإنفاق علي البعثة بسخاء من بند نشر الثقافات الإسلامية ،
3- أن يفتح الأزهر أبوابه للطلاب الذين يفدون إليه من شرق إفريقيا ، وأن يتولي الإنفاق علي المعسر منهم أثناء إقامته بمصر ، علي أن تتولي الجمعية الخيرية هناك أو ذووه شأن ترحيله من بلاده إلي مصر ومن مصر إلي بلاده.
وينبغي للازهر أن يعلنهم بذلك وبأنه علي استعداد لقبول أكبر عدد منهم أو لقبول العدد الذي يعينه ، لأن كثيرا منهم يحب الاتصال بالأزهر ، ولكن ظروفه الاقتصادية أو بعض الاعتبارات الأخري تقعد به عن تنفيذ رغبته ، ولقد قابلت كثيرا من هذا النوع.
فإذا ماوصل هؤلاء الطلاب إلي مصر ، كان علي الأزهر أن يتسبقي الفوج الأول منهم أقصر مدة ممكنة ، علي أن يقسموا هم وسائر الفرق من بعدهم في دراساتهم قسمين ، فيدرب فريق منهم علي اعمال الدعوةإلي الله ، ويدرب الفريق الآخر علي أعمال التدريس ، ويستحسن إلا يربط الأزهر تعليم هؤلاء بالتعليم النظامي في الأزهر بل يضع لهم منهجا خاصا ويعين لهم مدرسين أكفاء ، ويجب ألا تقل سنتهم الدراسية التي يتلقون فيها دروسا فعلية عن تسعة أشهر في العام.
وسيكون هؤلاء الأشخاص حين عودتهم إلي بلادهم أكثر نفعا وأعم فائدة من غيرهم ، لأنهم أبناء البلاد وأعلم الناس بحاجاتها وعاداتها وعواطفها وتقاليدها ولغتها ، فهم أعلم الناس بكيفية توجيهها ، ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه)
وبذا تكون دعايتهم أكبر أثرا في النفوس وأكثر نفاذا إلي القلوب ، وبما أن هذا الاقتراح الأخير اقتراح لايعز علي الأزهر تنفيذه الآن ، وهو مع ذلك جزيل الفائدة ، والحاجة إلي تنفيذه ماسة ، كان علي الأزهر أن ينفذه في أقرب فرصة ممكنة ، وأظن أنه من الممكن تنفيذه هذا العام ، فهل يفعل الأزهر ذلك . نرجو أن يوفقه الله .
5 - وعلي كل حال فقد آن الأوان لأن تنشأ في الأزهر إدارة مركزية خاصة ، يشغلها أصحاب المؤهلات الممتازة في الثقافات الإسلامية والثقافات العصرية الغربية ، علي أن تكون لها ميزانية خاصة ، ويكون من عملها العناية برسالة الأزهر الخارجية .
ولكن المشروع كله ضخم يعجز الأزهر بوضعه الحالي عن القيام به ، وخاصة لأن المشكلة أكثر تعقيدا وضخامة مما صورت من قبل ، فهي ليست مشكلة إفريقيا الشرقية فحسب ، ولكنها مشكلة عالمية ، فكل أقطار إفريقيا تتطلع إلي الأزهر ، وآسيا بهندها وصينها ويابانها تطلب من الأزهر الشيء الكثير واوربا وامريكا يجب أن يشرح لهما الإسلام علي حقيقته لتزول من نفوس أبنائهما تلك الفكرة السيئة عن الإسلام التي توارثوها عن الإسلاف والتي استقرت في نفوسهم بفعل ذوي الأغراض والأهواء .
هذه كلها نواحي نشاط تستدعي مجهودا كبيرا وثروة عظيمة ويجب أن تكون ولكن الحاجة إلي الاتصال بإفريقيا الشرقية أكثر الحاحا من حاجات البلاد كلها ويجب أن نعطيها مقدارا كبيرا من الاهتمام إذ إنه ينبغي أن نلاحظ أن الروابط بيننا وبينها روابط طبيعية وضرورية وإذا أهملناها نحن علينا أن نتحمل النتائج المريرة فلا توجد منابع النيل وينابيعه في السودان ولا في الحبشة ولكنها توجد وراء ذلك في إفريقيا الشرقية ولا تنتهي حدود مصر الطبيعية بجوبا في السودان ولكنها تمتد وراء ذلك إلي حيث توجد البحيرات في يوغندا وتنجانيقا .
وإذا كان سكان هذه المناطق يعطفون علينا وتربطنا بهم روابط المحبة والأخوة أمنا علي الأقل غائلة الموت عطشا ، ولو كانوا تحت رحمة الاستعمار الأجنبي وأن خزان بحيرة فكتوريا المزمع إنشاؤه والذي ألمحت اليه سابقا ليدعونا أيضا الي التفكير الجدي في هذه البلاد وفي مصيرها فليست المسألة مسألة أخوة ونشر ثقافة فحسب ولكنها مع ذلك مسألة حيوية لنا وضرورة اجتماعية ويجب أن تدفعنا غريزة حب البقاء لتكوين روابط وصلات مع هؤلاء القوم والفرصة الآن مواتية وهم لايكلفوننا شططا ولايطلبون منا أكثر من ان نفيض عليهم مما أفاض الله علينا من ثقافات ومعارف نظير مايفيضون علينا من ماء عذب فرات تتوقف عليه حياتنا.
وانا لنتلفت ذات اليمين وذات اليسار باحثين عن ملجأ نركن إليه بعد الله في ذلك المشروع الجليل ، فلا نجد إلا راعي مصر الأكبر وقائد نهضتها الحديثة حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق الأول.
وأن لفتة ملكية سامية من جلالته إلي ذلك المشروع الثقافي الجليل لكفيلة بإنجاحه وإبلاغه الغاية المرجوة .
فإلي حضرة صاحب الجلالة مولانا الفاروق وهو الذي عود الأزهر الجميل ، وهو الذي أغدق عليه كثيرا من نعمه وآلائه ، نتوجه رجاء أن يتفضل جلالته فينفح الأزهر نفحة أخري من نفحات جلالته ويمده بروح منه ليستمد الأزهر منها قوة تدفعه دفعا عنيفا إلي الأمام حتي ينهض ويؤدي رسالته العالمية.
أعز الله مجدكم وأدام ملككم .
محمود حب الله
من علماء الأزهر ودكتور في الفلسفة من جامعة لندن

الهوامش :

1) الجمعية الثقافية الإسلامية والجمعية الخيرية الإسلامية لإفريقيا الشرقية وقد ساهم صاحب العظمة أغاخان بنصيب وافر في بناء هاتين الجمعيتين وهما – كما سيتبين من هذا التقرير – لايخدمان أحدا من أتباعه بنوع خاص ولا غرضا شخصيا له ، ولكنهما يهدفان نحو خدمة الامة عامة وخدمة العرب والوطنيين هناك علي وجه خاص ، ولقد وعد عظمته أن يدفع في هذا السبيل مبالغ توازي كل المبالغ التي تجمع من كافة الناس عدا اتباعه ، في مدي خمس سنوات ، وسيكون ذلك بلا شك مبلغا عظيما ن وهو هو من العوامل الرئيسية التي حدت بالقائمين بالامر إلي استئذان عظمته في تسمية الجمعيتين باسمه وجعلهما تحت رعايته ، ورؤساء هاتين الجمعيتين والقائمون بشئونهما من غير الإسماعيليين .
2) ورئيسها الحالي السيد مبارك بن علي الهنائي ، وهو عربي مسلم ومن أهل السنة ، وهو أحد الأشخاص القلائل الذين يرجع إليهم الفضل في تكوين هاتين الجمعيتين ، وهو وإلي ممباسا والساحل كله ، وهو أكبر منصب يشغله شخص عربي بعد السلطان ، ولقد صاحبني في زيارتي لبلاد الزنجبار ودار السلام فكان مثلا طيبا للمسلم الصالح والسياسي المحنك وللرفيق الخير .
3)ومن إمارات ذلك التجاوب شعورهم بالحزن العميق عند ماعلموا بوفاة المغفور له شيخ الأزهر السابق الشيخ مصطفي عبدالرازق ، وإقامة بعضهم حفلة تأبين له ، ورسائل التعزية التي جاءتني منهم .

3) وممن تشرفت بمعرفتهم السيد عمر بن سليط قاضي أهل السنة في بلاد الزنجبار ، وهو عالم ورع وزعيم مدرسة ومحبب إلي النفوس جميعا ، ولقد شرفني بأن لازمني أثناء إقامتي ببلاد الزنجبار ، وعرفت السيد محمد الأمين قاضي قضاة ممباسا ، وهو شافعي المذهب كالسيد عمر ، وهو جليل القدر ، وله عدة مؤلفات باللغة الوطنية في الرد علي القاديانية ولم أتشرف بمقابلته إلا مرتين زرته في بيته الريفي الذي كان يمرض فيه .
4) عميدها الحالي الدكتور لامونت الذي كان من قبل أستاذا للفلسفة بجامعة فؤاد الأول ، ولقد كان الدكتور كريما ومجاملا ، وأثني علي مصر ثناء مستطابا حين كان يعلق علي إحدي محاضراتي ، ولقد دعاني بعد ذلك ودعا معي آخرين إلي العشاء في بيته ، ودار الحديث حول موضوعات شتي تتعلق بالمسلمين ومنها موضوع كان يحز في نفوس المسلمين ، ذلك أن المسلمين جمعوا من عشر سنوات مضت عشرة آلاف من الجنيهات ليبني بها مسجد داخل أسوار الكلية ، كما أن هناك كنائس للمسيحيين ولكن المسجد لم يبن حتي اليوم ، فوعد الدكتور لامونت بالبدء في البناء هذا العام ، وفهمت أنه غير ملوم عن هذا التأخير الطويل لأنه لم يعين في الكلية إلا قريبا .
5) يهدف هذا المشروع نحو غرض استعماري أو نحو إكراه احد علي الإسلام فليس يقر الإسلام وضعا من هذه الأوضاع ولكنه يهدف إلي أفكار الناس عن الإسلام وتبين ان الدين الإسلامي ليس هو الذي يصور لهم وتبيين الدور الذي لعبه الإسلام في بناء ما يعتز به من مدنية ، إنه يهدف نحو شرح الإسلام على حقيقته فحسب 6) ومن يشاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، فهو مشروع ثقافي إنساني ، وليس هجمة أو استعماراً.