المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كبلادٍ لا تعرف أن ترتجف أمام الشعر


Eng.Jordan
11-16-2013, 02:21 PM
النهار - عقل العويط

9 تشرين الثاني 2013

يمكنني أن أكون غاضباً أو حزيناً جداً، وقادراً على الاعتزال أو الانتحار. لكني لن أرضخ لمثل هذه الحلول. البلاد التي لا تعرف أن ترتجف أمام الشعر، بأيّ كلامٍ يخاطبها شخصٌ مثلي، داعياً إياها إلى أن تسترشد برفوف الكتب الموجوعة، أو بأولئك الناس الهائمين بين الغيوم، القائلين للمطر أن ينهمر برفق على التائهين في الأرض؟ ثمّ، كيف لي أن أجعل عيون هذه البلاد وأيديها وشفاهها وآذانها تنصت إلى الجمال الباقي، وإلى أعمال الفنّ، أو إلى حاملي آلات العزف ونافخي الأبواق وجارحي الأفق بأصواتهم الشجية؟!

لستُ أدري.
هي هذه البلاد التي لا تستطيع أن تمنع انحدارها إلى الهاوية، كلّ يوم، ولا أكاد أستطيع فيها أن أُقنِع أحداً بأن يكفّ عن مشاهدة نفايات السياسة والسياسيين والكيتش وشاشات التلفزيون، أو بأن يحترم قوانين السير، أو بأن يمتنع عن المشاركة في الاحتفال العلني القاتل، فكيف يمكنني فيها أن أطلب من أحد أن يقرأ كتاباً صادراً للتوّ، أو أن يجالس طاولةً وكرسياً في مقهى، أو أن ينصت إلى مشهد الزوارق المبحرة عند الفجر؟!
هي هذه البلاد التي شعبُها يؤثر أن يذهب إلى مصيره الهمجي، من دون أن يُحدِث تغييراً طفيفاً في بنيته العقلية، أو في إحداثيات طقوسه وغرائزه العمياء، فكيف يكون لي أن أخاطبها بالأدب؟!
هي هذه البلاد التي ربابنتُها ساسةٌ معربدون، وصنّاع دين كَذَبة، وقراصنة أمن، ودهاقنة بورصة ومال، يمعنون، بسكاكين وأنصال و... كلمات، في تجريح المادة الأساسية للخيال، فبأيّ اجتراحٍ يستطيع شخصٌ مثلي أن يمنع هؤلاء من ارتكاب ما يرتكبون، ومن مواصلة حدوث ما يحدث؟!
لقد كان ينبغي لي أن أكون مهرّجاً في سيرك أو حاوياً أو ساحراً، لكي أستدرج هذه البلاد إلى الفتنة التي تسحر وتنسحر، لا إلى الفتنة التي ترشد الوحش إلى غريزته.
لكني لستُ مهرّجاً ولا حاوياً ولا ساحراً. وعليه، لن يكون أمامي سوى أن أغادر إلى يديَّ، وإلى ما بقي من رأسي المضروب بزلزال، لئلاّ يقال إني أصادق واحداً من "هؤلاء" في هذه البلاد، التي لا صديق لي فيها، وليس عندي نقطة ضعف حيال شيء أو أحد فيها، إلاّ البلاد بالذات، والخيال وأحبابي والذكريات.
كلّ يوم، أُقنِع نفسي بأنه ينبغي لي أن أظلّ أزرع وردةً في أرض هذا الفراغ، أو أرشق عطراً عبثياً، أو أستدرج غيمة زرقاء لتخاطب عصفوراً أعزل، أو أحاور زورقاً يتيماً في بحر.
لكني إذ أفعل هذا، وغيره، كلّ يوم، أعود بعد انتهاء الوقت، أعود إلى رأسي صفر العقل والوجدان. فأنا لا أستطيع أن أُقنِع، حتى نفسي، بجدوى أيّ عمل مماثل، من شأنه أن يساهم في إشغال بلاد ملعونة بأقدارها، وشعب مشغوف بغرائزه، عن الذهاب القَدَري إلى الهاوية.
ليس في يدي حيلة. لقد عرفتُ هذا كلّه، مذ بدأت الحرب في العام 1975، لكني لا أصدّق ولا أرعوي. كنتُ يومذاك فتى حالماً، أنضوي في حركة شبابية، حالمة ونزيهة، تأمل في تغيير الواقع. لكنْ، كيف لحلمٍ ونزاهةٍ أن يعثرا على حيّز عام، وأن يفعلا فعلهما فيه، في خضمّ معادلات همجية بحتة، لا تترك شبراً واحداً حرّاً على الأرض أو في الفضاء. عرفتُ أنه ينبغي لي أن أتحصّن في رأسي. فقط في رأسي. لأنه لن يكون ثمة حيّزٌ عام لهذين الحلم والنزاهة.
الآن، يؤلمني، في جملة ما يؤلمني، أن أذهب إلى معرض للكتاب فلا أجد أحداً، إلاّ أولئك الذين تفرض عليهم الظروف الموضوعية أن يكونوا هناك. فالكتب ستظلّ على الرفوف. والأفكار ستطير هائمةً على صفحاتها. وإذا قُدِّر لكتابٍ أن يستلّه واحدٌ من القرّاء، أو أكثر، فسيغادر هذا الكتاب وحيداً إلى بيت القارئ، ليعيش وإياه في منفى.
أعرف هذا المنفى جيداً وتماماً، فقد روت لي كتبٌ كثيرة مثل هذا المصير، ورويتُ بنفسي للكتب، لكني لا أزال مقتنعاً بأن لا مفرّ من معاودة الكرّة.
أمس، صدر لي كتاب جديد، فسألني البعض: هل تنظّم "حفلة" توقيع؟ قلتُ: لا. لن أفعل. مَن شاء أن يقرأ كتاباً فليذهب إلى مكتبة. في الحقيقة، لا أعرف ما إذا كان أحدهم قد بادر فعلاً بالذهاب إلى المكتبة ليقتني الكتاب الذي لم يعد ملكي، بل ملك الرفوف والأيدي والأعين التي قد ترغب في انتشاله من عزلته الممضّة، لكن الأنيقة.
ثمّ، ماذا يستطيع كتابٌ أن يفعل في هذا الوقت المأسوي؟ هل ثمّة حياةٌ يمكنه أن ينتزعها لنفسه في هذا الحيّز المغمور بالعربدة اللفظية والروحية، وبالجهل والأمية والفساد واللاجدوى؟
بعد قليل، لن يجد الكتاب داراً للنشر توافق على نشره من دون أن تفرض على الشاعر تسديد تكاليف الطباعة والتوزيع. سيكون ذلك الوقت قريباً جداً، هذا إنْ لم تكن دورٌ كثيرة قد أخذت منذ وقت ليس بقصير، بهذا "الحلّ" المهين. لكن لا بأس. يمكنني من جرّاء ذلك أن أكون غاضباً أو حزيناً جداً، وقادراً على الاعتزال أو الانتحار. لكني لن أرضخ.
لماذا؟ لأسباب رمزية عدّة، أحبّ أن أختار منها عيّنات قليلة ذات دلالة:
- الحرية المهدّدة بالاختناق في لبنان، وفي الشرق الحزين.
- لأني أعتقد أني مؤتمَن على أملٍ ما، وعلى أمانةٍ ما، ولا يمكنني أن أفرّط بهذا العبء الجليل.
- الأفراد والقرّاء الأشاوس الذين أتعرف إليهم، باستمرار، ويزيدونني خجلاً من نفسي، لِما يعتمر في نفوسهم من رغبة في المعرفة النبيلة، ومن عزم على رفض السقوط في اليأس، والاستسلام لمعطيات الأمر الواقع.
- الطفل الذي وُلد خلواً من أيّ ذكْرٍ للمذهب على وثيقة ولادته.
- الكتب اللافتة التي صدرت أخيراً، وأنحني لها ولأصحابها.
- المبادرات الفذّة، المدنية، العلمانية، والديموقراطية، التي تواصل الوقوف في وجه العربدة الجماعية المتخلفة، والتي من شأنها أن تعزّز الثقة بالمجتمع المدني، وتضاعف الإحساس بالأمل والجدوى، على رغم ما يعصف بالبلاد من أنواء ميئّسة.
- المزاد الفني الضخم والنبيل الذي تنظّمه بيروت في "البيال"، على أن يعود ريعه من أجل مساعدة الأطفال السوريين اللاجئين.
فمن أجل نفسي أولاً، التي تجعلني أفكارها المتألمة قليل الجسد إلى درجة الشعور بالانحلال، ومن أجل هؤلاء الأفراد، والقرّاء، والمبادرات، وهذه الكتب، ومن أجل أجيال طالعة في الحياة والمجتمع والأدب والفنّ، ومن أجل الجمال الباقي في الخيال وعلى الأرض، ومن أجل ما أعتقد أنه مسؤوليتي المتواضعة حيال الحرية، أجدني أعود إلى كبرياء الرشد، أو إلى "التواطؤات" التي تحضّني على أن أكون أهلاً لمعاندة التفكّك الذي يأخذني إلى ما يشبه الموت، وإلى مواجهة أقدار هذا المستنقع القسري، فأقول "لا"، بعناد المكابرين، على رغم أن أوجاعاً وجودية عميقة تعصف بالوجدانَين الشخصي والعام، كأنها الأوجاع التي تصاب بها الحياة والأمكنة التي يتركها زلزالٌ بعد عبوره.
يمكنني أن أكون غاضباً أو حزيناً جداً، وقادراً على الاعتزال أو الانتحار. لكني لن أرضخ.
أريد أن أُرشد كتاباً إلى صفحاته وقرّائه. أريد أن أسحر هذه البلاد لتعود ترتجف أمام الشعر. هذا، في اعتقادي، سببٌ كافٍ لعدم الرضوخ.