المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دور رفاعة الطهطاوي في تخريب الهوية الإسلامية


Eng.Jordan
11-20-2013, 12:51 PM
تأليف الاستاذ هاني السباعي

مقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.

(ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حقَّ تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون).
(ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً. واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام. إنّ الله كان عليكم رقيباً).
(ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما).

لقد تعلمنا ونحن في مراحل التعليم الأولى أن هناك شيخاً أزهرياً من صعيد مصر اسمه رفاعة الطهطاوي ابتعثه محمد علي باشا حاكم مصر إلى فرنسا ونبغ هذا الأزهري وأتقن اللغة الفرنسية واقتبس أنوار العلوم الفرنسية ليرجع إلى مصر عالماً مستنيراً ورائداً من رواد النهضة العلمية الحديثة.

وفي مقرر كتاب القراءة والمطالعة كنا نهيم بهذا الرائد الفذ العملاق الذي لم تزل صورته بعمامته الأزهرية عالقة في ذهني؛ عالم أزهري يسافر إلى فرنسا لبضع سنين يأتي بجذوة من علم أهل باريس ليضيئ الطريق لأمته هذا أمر عجاب وفذ بحق!!

لكن مرت السنون وتغيرت مفاهيم الصبا عن الرجل الفذ وانكشف المخبوء وبان المستور وظهرت حقيقة رائد النهضة المصرية والعربية الحديثة؛ تلكم الحقيقة الغائبة أو المغيبة عمداً حتى وقتنا الحاضر.

ويرجع الفضل إلى الله أولاً في تصحيح هذه المفاهيم عن ما يسمى برواد النهضة المصرية والعربية الحديثة ثم إلى مؤلفات الغيورين من أهل الإسلام الذين كشفوا سوأة أفكار رواد النهضة الحديثة الذين اصطنعوا على أعين الغرب وتربوا على موائدهم؛ فكتابات هؤلاء العلماء والأدباء والمشتغلين بالتاريخ وبتاريخ الأدب ساهموا في كشف الدعاوي الخبيثة المستوردة التي تحملها أدمغة وأقلام هؤلاء الرواد الجدد؛ كشفوا حقيقة دعاوى هؤلاء جميعاً رغم تسترهم بزي الإسلام وحب المعرفة وزعمهم البحث عن الحقيقة!!
وهم أبعد الناس عن تلك الحقيقة إنهم مجرد مرتزقة في مجال الفكر والأدب تعمل بالأجر لحساب الغير!!

هذا الغير الذي لايريد خيراً لأمتنا كما لايريد لها بعثاً ولا نهضة كما يروجون!!

وأذكر من هؤلاء الكتاب الغيورين الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي رحمه الله تعالى الذي جند قلمه للدفاع عن الفصحى وخاض معاركه الأدبية تحت راية القرآن.

وأذكر آل شاكر تلكم الأسرة المباركة التي حملت لواء الذب عن العقيدة والسنة النبوية ونذرت نفسها للغة العربية أولهم والدهم الشيخ محمد شاكرالذي شغل منصب قاضي القضاة في السودان وتوفي سنة 1929م.

والمحدث العلامة أبو الأشبال القاضي الشرعي أحمد محمد شاكر الذي توفي سنة 1958م وزبدة هذه الأسرة الكريمة الأديب العلامة أبو فهر الأستاذ الشيخ محمود محمد شاكر الذي توفي أغسطس 1997م الموافق (ربيع الآخر 1418هـ) رحمهم الله جميعاً.

وأذكر أيضاً أستاذ الأدب والتاريخ الدكتور محمد محمد حسين ذلك الرجل الغيور على دينه الذي ألف وأجاد وأفاد حتى صارت كتبه معلماً لاغنى لطالب العلم الذي يبحث في جذور البلاء الذي أحل بأمتنا في العصر الحديث.

وأرجو ألا أكون مغالياً إن قلت: إن كل من كتب ويكتب عن تاريخ الحركية الوطنية والأدبية وحركة التغريب والإستشراق في العصر الحديث هم عيال على كتب ومؤلفات الدكتور محمد حسين ذلك الرجل الذي كان يعمل في صمت ودافع عن حصوننا المهددة من داخلها وفند الإتجاهات الوطنية والأدبية في العصر الحديث ووضعهم تحت المجهر وبقلم الناقد البصير دحض مزاعمهم وبيّن لحن قولهم وأفكارهم الهدامة.

فجزاه الله خيراً لحسن صنيعه بكتابته القيمة المفيدة التي ساهمت في تبصير أجيال كانوا قد تربوا على تقديس أصنام من صنع ماكينة إعلامية معادية لهوية أمتنا الإسلامية.

ومما لاشك فيه أن هناك لفيفاً ممن فند ودحض شبهات هؤلاء المرجفين ممن سار على نهج آل شاكر والرافعي ومحمد حسين فجزاهم الله خيراً لأنهم كانوا بحق منافحين مدافعين عن عقيدة الإسلام وثوابت الأمة ضد الهجمة الشرسة التي يشنها من يطلق عليهم رواد النهضة العربية والإسلامية الحديثة!

لا نريد أن ننقص من قدر أحد :

"ونحن حين ندعو إلى إعادة النظر في تقويم الرجال، لا نريد أن ننقص من قدر أحد، ولكننا لا نريد أن تقوم في مجتمعاتنا أصنامٌ جديدة معبودة لأناس يزعم الزاعمون أنهم معصومون من كل خطأ، وأن أعمالهم كلها حسنات لا تقبل القدح والنقد، حتى إن المخدوع بهم والمتعصب لهم والمروج لآرائهم ليهيج ويموج إذا وصف أحدُ الناس إماماً من أئمتهم بالخطأ في رأي من آرائه، في الوقت الذي لا يهيجون فيه ولا يموجون حين يوصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لايقبلون أن يوصف به زعماؤهم المعصومون.

فيقبلون أن يوصم سيف الإسلام خالد بن الوليد بأنه قتل مالك بن نويرة في حرب الردة طمعاً في زوجته، ويرددون ماشاع حول ذلك من أكاذيب. ويقبلون أن يلّطخ تاريخ ذي النورين عثمان بن عفان بما ألصقه به ابن سبأ اليهودي من تُهم.

ويقبلون مايروي الأصبهاني في كتاب الأغاني في سُكَيْنَة بنت سيد شباب أهل الجنة الحسين من أخبار اللهو والمجون. ويردّدون ما يُذاع من أخبار هارون الرشيد الذي كان يحج عاماً ويغزو عاماً ثم أصبح في أوهام أبناء هذا الجيل رمزاً للخلاعة والترف، بل كاد يصبح رمزاً للإسراف في طلب الشهوات، وصورة من أبطال (ألف ليلة وليلة).

يقبلون ذلك كله، ثم يرفضون أن يُمَسّ أحدُ أصنامهم بما هو أيسر منه.

ويحتمون بحرية الرأي في كل ما يخالفون به اجماع المسلمين، ويأبون على مخالفيهم في الرأي هذه الحرية.

يُخطّئون كبار المجتهدين من أئمة المسلمين، ويجرّحونهم بالظنون والأوهام ويثورون لتخطيئ سادتهم أو تجريحهم بالحقائق الدامغة" د. محمد محمد حسين



بطاقة تعريف بشخصية الطهطاوي :

مولده ونشأته:
ولد رفاعة رافع الطهطاوي في 7جمادى الثانية سنة 1216هـ الموافق 15 أكتوبر سنة 1801م في مدينة طهطا إحدى مدن محافظة سوهاج بصعيد مصر.

الطهطاوي في الأزهر:
التحق بالأزهر في سنة 1817م (1232هـ).
تلقى رفاعة العلم عن عديد من شيوخ الأزهر الأعلام: لقد درس صحيح البخاري على الشيخ الفضالي المتوفى 1820م (1236هـ).

ودرس جمع الجوامع في الأصول و مشارق الأنوار في الحديث على الشيخ حسن القويسني الذي تولى مشيخة الأزهر سنة 1834م (1250هـ) ودرس الحكم لابن عطاء الله السكندري على الشيخ البخاري المتوفى 1840م (1256هـ) ودرس (مغنى اللبيب) و (جمع الجوامع) على الشيخ محمد حبيش المتوفى 1869م (1269). ودرس (شرح ابن عقيل) على الشيخ الدمنهوري المتوفى 1869م (1286هـ). ودرس (الأشموني) على الشيخ أحمد الدمهوجي الذي تولى مشيخة الأزهر سنة 1838م (1254هـ)، والمتوفى 1848م (1264هـ). ودرس على الشيخ إبراهيم البيجوري الذي تولى مشيخة الأزهر المتوفى 1860م (1277هـ).

أما أهم أستاذ تتلمذ على يديه رفاعة الطهطاوي هو الشيخ حسن العطار المولود 1766م (1180هـ) والمتوفى 1835م (1251هـ) وقد تولى الشيخ العطار مشيخة الأزهر سنة 1830م (1246هـ).

تلقى تعليمه على أيدي نخبة من العلماء منهم الشيخان الأمير والصبان وتخصص في علم المنطق وكانت له معارف واسعة في علم الفلك والطب والكيمياء والهندسة والموسيقى وكان شاعراً.

يعده البعض رائداً من رواد النهضة العربية الحديثة حيث تتلمذ على يديه جيل من الرواد كرفاعة الطهطاوي والأديب واللغوي محمد عياد الطنطاوي هاجر إلى روسيا عام 1840م وتخرج على يديه عدد كبير من المستشرقين في مدينة بطرسبرج الذين تلقوا علوم اللغة العربية وآدابها وظل هناك حتى توفي في بطرسبرج سنة 1861م.

أنشأ الشيخ حسن العطار جريدة الوقائع المصرية ورأس تحريرها.

كان يتردد على المجمع العلمي الذي أنشأه نابليون عقب احتلاله لمصر سنة 1798م وكانت له علاقة حميمة مع حاكم مصر محمد على باشا وقد أدى ذلك إلى اتهامه من قبل بعض العلماء أنه مهادن لمحمد علي وكان يبرر ذلك أنه يريد مصلحة الأزهر! وكان لرفاعة الطهطاوي امتياز خاص عند أستاذه الشيخ العطار إذ كان يلازمه في غير الدروس ليتلقى عنه علوماً أخرى كالتاريخ والجغرافيا والأدب، وكان يشترك معه في الإطلاع على الكتب الغربية التي لم تتداولها أيدي علماء الأزهر.

ولاننسى أن الشيخ العطار هو الذي رشح رفاعة الطهطاوي للسفر إلى باريس وزكاه عند محمد علي باشا. في سنة 1821م تخرج رفاعة في الجامع الأزهر، وكانت سنه واحد وعشرين عاماً، ثم جلس للتدريس في نفس الجامع الأزهر لمدة عامين (1822م - 1824م) ثم انتقل إلى وظيفة واعظ وإمام في خدمة الجيش واستمر في هذا العمل حتى سنة 1826.

وفي سنة 1826م قررت الحكومة المصرية إيفاد أكبر بعثاتها إلى فرنسا وكان الطهطاوي ضمن هذه البعثة رغم أنه لم يكن طالباً من طلاب هذه البعثة، بل لقد رشحه الشيخ حسن العطار لكي يقوم لطلابها بالوعظ والإرشاد، ويؤمهم في الصلاة، لكنه لم يكتف بذلك ونبغ في تعلم الفرنسية وأجادها وتتلمذ على أيدي أنبه علماء فرنسا في ذلك الوقت فلما رجع إلى مصر صار علماً من الأعلام حتى وقتنا الحاضر. وأهم أسماء بعض طلبة البعوث العلمية التي أرسلها محمد علي إلى أوروبا:

(1) رفاعة رافع بك الطهطاوي (أول ناظر لمدرسة اللغات والألسن).
(2) مصطفى مختار بك (أول ناظر للمعارف من تلامذة بعثة 1826م.
(3) علي مبارك باشا (المهندس والمؤرخ المشهور).
(4) يوسف بك حكيكيان ( ناظر مدرسة المهندسخانة من سنة 1834م إلى سنة 1838م.
(5) محمد علي باشا الحكيم (طبيب وجراح مشهور).
(6) مصطفى محرمجي (مهندس قناطر وجسور).
(7) محمد بك السكري (مدرس بمدرسة الطب).
(8) محمد شافعي بك (ناظر المدرسة الطبية)
(9) محمد بيومي بك (مدرس بمدرسة المهندسخانة).
(10) مظهر بك (مهندس القناطر الخيرية).
(11) محمد شباسي بك (مدرس بمدرسة الطب).
(12) حسين بك الإسكندراني (ناظر البحرية)
(13) لمبير بك (ناظر ممدرسة المهندسخانة من 1838.

لقد بلغ عدد من أرسلهم محمد علي باشا إلى أوروبا في زمنه 319 طالباً أنفق عليهم 224 ألف جنيه مصري.

واستطاع هؤلاء التلاميذ أن يكونوا سادة المجتمع وأن يساهموا بشكل مباشر وفعال في تغيير وجه المجتمع المصري على كافة الأصعدة والميادين الحياتية كما ساهموا في تغيير بنية المجتمع العقدية والفكرية هم وتلامذتهم الذين جاءوا من بعدهم تماماً كما أراد محمد علي باشا ومستشارووه.

العودة إلى مصر:
في سنة 1832م (1283هـ) عاد الطهطاوي إلى مصر من بعثته وكانت قد سبقته إلى محمد علي تقارير أساتذته في فرنسا تحكي تفوقه وامتيازه وتعلق عليه الآمال في مجال الترجمة.

وكانت أولى الوظائف التي تولاها بعد عودته من باريس، وظيفة مترجم بمدرسة الطب، فكان أول مصري يعين في مثل هذا العمل.

وفي سنة 1833 (1249هـ) انتقل رفاعة الطهطاوي من مدرسة الطب إلى مدرسة الطوبجية (المدفعية) بمنطقة (طره) إحدى ضواحي القاهرة كي يعمل مترجماً للعلوم الهندسية والفنون العسكرية.

وفي سنة 1835 (1251هـ) تم افتتاح أول مدرسة للغات في مصر وكانت تسمى أول الأمر (مدرسة الترجمة) ثم تغير اسمها بعد ذلك إلى (مدرسة الألسن) وهي الآن كلية الألسن التابعة لجامعة عين شمس بالقاهرة. ويعتبر الطهطاوي أول من أنشأ متحفاً للآثار في تاريخ مصر.
ويعتبر الطهطاوي أول منشئ لصحيفة أخبار في الديار المصرية حيث قام بتغيير شكل جريدة (الوقائع المصرية) التي صدر عددها الأول في سنة 3 ديسمبر 1828م أي عندما كان الطهطاوي في باريس لكنه لما عاد تولى الإشراف عليها سنة 1842م وكانت تصدر باللغتين العربية والتركية حيث جعل الأخبار المصرية المادة الأساسية بدلاً من التركية، وأول من أحيا المقال السياسي عبر افتتاحيته في جريدة الوقائع، أصبح للجريدة في عهده محررون من الكتاب كان من أبرزهم أحمد فارس الشدياق، والسيد شهاب الدين.

أهم مؤلفات الطهطاوي:

(1) تخليص الإبريز في تلخيص باريز ويسمى هذا الكتاب أيضاً (الديوان النفيس بإيوان باريس) وهو الذي صور فيه الطهطاوي رحلته إلى باريس وتقدم به إلى لجنة الإمتحان في 19 أكتوبر 1830م.
(2) مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية... وقد خصصه الطهطاوي للكلام عن التمدن والعمران ولقد طبع في حياته سنة 1869م (1286هـ).
(3) المرشد الأمين في تربية البنات والبنين.. خصصه الطهطاوي لفكره في التربية والتعليم وآرائه في الوطن والوطنية، وقد طبع في العام الذي توفي فيه 1873م (1290هـ) ومطبوع الآن طباعة حسنة متوفرة في الأسواق.
(4) أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل.. وهو الجزء الأول من الموسوعة التي كان قد عزم الطهطاوي على تأليفها وفي هذا الجزء يتكلم عن تاريخ مصر القديمة حتى الفتح الإسلامي، وطبع في حياة المؤلف سنة 1868م (1285هـ).

وعشرات الكتب والأبحاث والقصائد والمنظومات الشعرية من علوم شرعية ولغوية وأشعار في الوطنية ومدح الولاة وغير ذلك.

أهم المترجمات التي قام بها الطهطاوي:

(1) ترايخ القدماء المصريين. طبع 1838م.
(2) (تعريب قانون التجارة الفرنسي طبع سنة 1868م.
(3) تعريب القانون المدني الفرنسي.. طبع سنة 1866م.
(4) كتاب قلائد الفلاسفة.. طبع سنة 1836م.
(5) مبادئ الهندسة.. طبع 1854م.
(6) المنطق.. طبع 1838م.
(7) روح الشرائع لمتسكيو.. لم يطبع.
(8) أصول الحقوق الطبيعية التي تعتبرها الإفرنج أصلاً لأحكامهم.. لم يطبع.
(9) الدستور الفرنسي الي نشره في كتابه تخليص الإبريز.
(10) كتاب جغرافية العمومية.. وهو كتاب (ملطبرون).. ترجم منه رفاعة الطهطاوي أربع مجلدات من ثمانية.. وطبع بدون تاريخ.

هذا بالإضافة إلى عشرات الكتب والأبحاث التي كتبها بنفسه أو أشرف عليها ولولا خشية الإطالة لذكرناها.

لقد رضي محمد علي ومعظم أبنائه الولاة عن الشيخ رفاعة الطهطاوي فقد بلغت ثروته يوم وفاته 1600 ألف وستمائة فدان غير العقارات وهذه ثروته كما ذكرها علي مبارك باشا في خططه: أهدى له إبراهيم باشا حديقة نادرة المثال في (الخانقاة). وهي مدينة تبلغ 36 فداناً.. أهداه محمد علي 250 فداناً بمدينة طهطا.. أهداه الخديو سعيد 200 فدانا.. وأهداه الخديو إسماعيل 250 فداناً.. واشترى الطهطاوي 900 فدان.. فبلغ جميع ما في ملكه إلى حين وفاته 1600 فدان، غير ما شراه من العقارات العديدة في بلده طهطا وفي القاهرة!!

وفي سنة 1873م كان الطهطاوي قد بلغ الثانية والسبعين من عمره.. ودب في جسده الوهن.. ثم توفي يوم الثلاثاء 27 مايو سنة 1873م الموافق (غرة ربيع الثاني 1290هـ).

مدخل لفهم فكر الطهطاوي :

استوقفتني عبارة ذكرها الشيخ رفاعة الطهطاوي في كتابه تخليص الإبريز: "اعلم أنه جاء إلى الفرنساوية خبر وقوع بلاد الجزائر في أيديهم قبل حصول هذه الفتنة بزمن يسير، فبمجرد ما وصل هذا الخبر إلى رئيس الوزراء "بوليناق" أمر بتسييب مدافع الفرح والسرور، وصار يتماشى في المدينة كأنه يظهر العجب بنفسه، حيث إن مراده نفذ وانتصرت الفرنساوية في زمن وزراته على بلاد الجزائر، ومما وقع أن المطران الكبير لما سمع بأخذ الجزائر، ودخل الملك القديم الكنيسة يشكر الله سبحانه وتعالى على ذلك، جاء إليه ذلك المطران ليهنيه على هذه النصرة. فمن جملة كلامه مامعناه: أنه بحمد الله سبحانه وتعالى على كون الملة المسيحية انتصرت نصرة عظيمة على الملة الإسلامية، ولازالت كذلك. انتهى.

مع أن الحرب بين الفرنساوية وأهالي الجزائر إنما هي مجرد أمور سياسية ومشاحنات تجارات ومعاملات ومشاجرات ومجادلات، منشأها التكبر والتعاظم! ومن الأمثال الحكيمة لو كانت المشاجرة شجراً لم تثمر إلا ضجرا" هكذا بكل بساطة يشخص لنا الشيخ رفاعة الطهطاوي سبب عدوان فرنسا على الجزائر!! فقراءة الأحداث بنفس مادي واضح في ثنايا كلمات الطهطاوي؛ فحرب فرنسا الصليبية للجزائر المسلمة مجرد أمور سياسية ومشاحنات ومعاملات تجارية!! هكذا حللت لنا قرحة الشيخ الطهطاوي أصل الداء؛ فأس المعضلة الفرنسية الجزائرية منشؤها التكبر والتعاظم!! فمن الذي يتكبر على من أيها الشيخ المبجل؟! فرنسا الدولة المعتدية المحاربة لبلد إسلامي أم شعب الجزائر الأعزل؟!

والعجيب أن الشيخ رفاعة نقل لنا فرح وسرور الفرنسيين لدرجة أن رئيس حكومتهم أمر بإطلاق المدافع علامة الفرح والسرور... لماذا؟ لأن الملة المسيحية انتصرت على الملة الإسلامية!!

ويزيد الأمر وضوحاً أن الطهطاوي ذكر أن مطران باريس الكبير كان يقيم القداس وشكر الرب لانتصار الملة المسيحية على الملة الإسلامية!! ورغم هذا الوضوح نرى الشيخ يبعد النجعة! ويرجع الأمر إلى غير مراد أهله. وهنا كانت خطورة العلمنة والتفسير المادي للأحداث التاريخية.

ولعل قارئاً يتساءل وما علاقة الحكاية السابقة بالعلمانية؟ أقول إن الهدف من هذه الدراسة هو إماطة اللثام عن فكر شخصية يعتبرها اللادينيون (العلمانيون) رائدة من رواد النهضة العربية والإسلامية الحديثة ويضفي هؤلاء العلمانيون الجدد على هذه الشخصية مسوح القديسين وهالات التنوير والعقلنة وألقاب كثيرة بغية ارهاب الباحث وكأن رواد العلمانية أنبياء جدد!! وحيث إن العلمانية ليست شعاراً أجوف أو سفسطة جدلية محضة بل إنها حقيقة واقعية ضاربة جذورها في كافة المناحي الحياتية في أمتنا العربية والإسلامية رغم حداثتها نسبياً.

لذلك نسلط الضوء على شخصية الطهطاوي لكونه رائداً من رواد العلمانية المستوردة من المنظومة الغربية وذلك من خلال مؤلفاته وآرائه التي كانت اللبنات الأولى لدخول العلمانية في أقطارنا العربية والإسلامية.
والعلمانية ذلك السرطان الخبيث نجده يحاصرنا علي كافة المستويات فهناك علمانية حاكمة متسلطة: وهي أظهر أنواع العلمنة ونراها شاخصة في عالمنا العربي والإسلامي سواء تسربلت بنظام يطلق على نفسه أنه جمهوري أو ملكي..إلخ.

وهناك علمانية فكرية: وهي أخطر أنواع العلمنة إذا أنها تؤصل وتقعد للسلطة الحاكمة ولها منابر إعلامية وثقافية (إذاعة، تلفاز، مجلات، صحف، دور سينما، مسارح، مؤلفات، مراجع، منديات، قنوات فضائية..) وهناك علمانية اجتماعية: وهي نتيجة التقعيد السابق وثمرته وهي التي تعنى بالسلوك والأخلاق والآداب العامة والخاصة وقد أدت إلى تفسخ الروابط الأسرية وصدع المجتمعات العربية والإسلامية الحديثة.. فالعلمانية قد أحاطت بحياتنا وصارت عقبة كأداء أمام تقدم المسلمين وعودتهم لدينهم واستردادهم حقوقهم المغتصبة من شريعة وحكم وأرض وعرض..إلخ فهذه العلمانية شجرة خبيثة يجب اجتثاث جذورها كمطلب شرعي من حياة المسلمين ودفنها في مقبرة اللاعودة.

"والعلمانية كلمة اخترعها اللبنانيون من جذر (علم) أي الإعتماد على العلم وأن الدين خرافة ولاينسجم مع العلم، إذن يجب أن يفصل بين الدولة وبين الدين ومع حرية التدين لمن شاء" "العلمانية هي فصل بين مجالين في حياة الإنسان: مجال الدنيا، وزينتها ومتعها، ومجال الصلة الخاصة بين الإنسان وخالقه.

هي: فصل بين سلطتين غير متجانستين: بين دين أو كنيسة... وسلطة زمنية أو دولة.

هي تفرقة بين (طاهر) وهو سر الله في الإنسان... و(نجس) وهو ما يمثل المادة وشرها في حياته.

والكنيسة كسلطة مسيحية تباشر أحوال الإنسان المسيحي فيما يتصل بعلاقته بربه: تباشره منذ ولادته إلى موته... ومنذ زواجه وانجاب الولد.. حتى يظل في رضاء الله. بينما الدولة والسلطة الزمنية تباشر شؤونه الإجتماعية في علاقته بالآخرين معه في المجتمع.. وشؤونه الإقتصادية في الملكية ومنفعة المال.. وشؤونه في المعاملات التجارية والزراعية والصناعية.

العلمانية فصل في كتاب الحياة الأوربية، عنيت به الخصومة بين الكنيسة والسلطة الزمنية، في المجتمعات الأوربية في محاولة لاستقلال كل منهما، أو في محاولة لمنع الإحتكاك بينهما، بعد الشد والتوتر في علاقتهما، طوال القرون الوسطى وسيادة حكم الكنيسة فيها.

ومفهوم الدين: هو ما يغطي حاجة الإنسان، كفرد في صلته بالله داخل مكان العبادة، أو في خارجها في الأسرة. ومفهوم السياسة: هو مايشتمل ما عدا ذلك الجانب في حياة الإنسان. والإنسان بذلك له جانبان: جانب ديني.. وآخر سياسي.. ولايتكلم في الجانب الأول، كما لايفصل فيه إلا (رجل دين) - بالمفهوم الكنسي - بينما لايمارس الجانب الثاني إلا (رجل دولة).

ورجل الدين مطالب بأن لايقحم نفسه في مجال السياسة.. ورجل الدولة مطالب بأن لايقحم نفسه في مجال الدين، وقد يكون لكل منهما تأثير في مجال الآخر، ولكن هذا التأثير يبقى في الخفاء، ويظل من الوجهة الشكلية غير معترف به من الجانب الآخر. وعلى أية حال فالعلمانية، كما اتفق على مفهومها رجال الكنيسة والدولة معاً: فصل واضح بين تدخل أية من السلطتين القائمتين ـ سلطة الكنيسة، وسلطة الدولة ـ في مجال الأخرى، وشؤونها" وأود أن أؤكد أن لفظة (علماني) لايعني القائم بالعلم لامن قريب ولامن بعيد! "وإنما يعني التفكير المادي الذي لايؤمن إلا بالمحسوس ويستبعد المغيبات تماماً من مجال بحثه، ولايسلم أصلاً بوجودها، ولقد ظهر المنهج المادي في الغرب كرد فعل للمنهج الروحي المستمد من المسيحية والذي يحط من قيمة المادة ويعلل الحوادث والأشياء بالمشيئة الإلهية وحدها، وينفي القول بالأسباب" أما الإسلام فهو دين حياة، دين ودولة.. لا يوجد في الإسلام فصل بين السلطتين الدينية والدنيوية كما هو مستقر في المفهوم الكنسي.

نلاحظ أن الذي أوصل الطهطاوي إلى هذا التأويل الفاسد والفهم السقيم هو انطلاقه من مقدمة مادية فاسدة فكانت النتيجة فاسدة بالتبعية لأنه كان أسير التفسير المادي للظواهر والأحداث التاريخية. هكذا بشر الطهطاوي الأمة الإسلامية بدين الغرب الجديد وبقوانين الغرب وأخلاقهم!! ونتيجة خلطة الطهطاوي لأهل فرنسا وعلمائها وانبهاره بقوانينهم وسلوكياتهم، نراه يتأثر بالتفسير المادي في قراءة الأحداث التاريخية، فلاعجب إذن أن ينظر الطهطاوي إلى اعتداء فرنسا على الجزائر من منظور مادي، فالخلافات التجارية والمشاحنات المالية مع التكبر والتعاظم هو سبب الإعتداء!! وتغاضى الطهطاوي عن الباعث الحقيقي للعدوان الفرنسي وأغفل الجانب العقدي وأسقط من قاموسه التحليلي الحرب المقدسة أو الجهاد في سبيل الله.

ومن ثم تواصى العلمانيون الجدد بنهج روادهم الأوائل وساروا على نفس الدرب المادي؛ فمراكز الدراسات المنتشرة في ربوع البلاد العربية والإسلامية تسير على نفس الأنموذج؛ التحليل المادي للأحداث الجارية في العالم الإسلامي كالجهاد في فلسطين والشيشان والحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي وخلاصة أبحاثهم التي أنفقوا عليها الأموال الطائلة، ناهيك عن الوقت والجهد؛ تدندن حول التفسير المادي سواء عن عمد أو شبه عمد؛ فتارة هذا الجهاد نتيجة على حد زعمهم لظروف اقتصادية وحالة الفقر وانتشار البطالة وعدم تداول السلطة، وتارة حالة رد فعل لهزيمة 1967 وتارة لحب الظهور هذا في حالة إذا وجدوا أن القائمين على الجهاد ليسوا فقراء أو عاطلين!! وتحليلات ساذجة أن وراء هذا الجهاد دولاً أجنبية تمول الشباب القائمين على هذا الجهاد بالمال!! وهناك تحليلات لا حصر لها تدور في فلك المنظومة الغربية أو السلطوية وتصب في قناة التحليل المادي.

وتصداقاً لما نقول عندما اجتاحت القوات الشيوعية السوفيتية أفغانستان عام 1979م خرجت علينا العلمانية العربية الحمراء! تطل برأسها وتقول إن سبب دخول القوات الشيوعية استجابة لطلب رئيس دولة أفغانستان فدخل السوفييت لمساعدة دولة صديقة!! أما العلمانية البيضاء! إن سبب الإحتلال هو الوصول إلى المياه الدافئة وتأمين حدود الإتحاد السوفياتي من القوات الإمريكية..إلخ.

وقس على ذلك مشكلة المسلمين في البوسنة وكوسوفا وجنوب السودان والقوقاز وكشمير وبورما: مشاكل عرقية وتداخلات جيوسياسية... تحليلات ماأنزل الله بها من سلطان!! وضاعت بلاد الإسلام بسبب هذه التحليلات المادية المتعمدة وتم تمييع القضايا وكاد أن يختفي من قاموسنا الشرعي الجهاد في سبيل الله كل ذلك نتيجة هذا السرطان العلماني الذي هيأ المناخ لهذه المصطلحات الدخيلة!!

وبعد :

كانت هذه تقدمة لإلقاء الضوء على فكر ومنهج الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي واضع النطفة الأولى للعلمانية في العالم العربي والإسلامي؛ هذه النطفة الأولى التي وضعت في رحم أمتنا على حين فرقة من المسلمين وعلى حين ضعف وغفلة في بلاد الإسلام! وطفق السلخ يكبر في رحم الأمة حتى صار تنيناً مخيفاً يبتلع في جوفه كل القيم بلا استثناء!! من منطلق هذه التقدمة سأحاول بتوفيق الله أن أستعرض بإيجاز غير مخل أهم القضايا المنهجية في فكر رفاعة الطهطاوي وقد رتبتها على النحو التالي:

الفصل الأول: الحضارة والبداوة في فكر الطهطاوي.
الفصل الثاني: اللبنات الأولى للحياة البرلمانية والقوانين الوضعية.
الفصل الثالث: دور العقل في التحسين والتقبيح عند الطهطاوي.
الفصل الرابع: الطهطاوي وإحياء نعرات الجاهلية وإحلال ولاء الوطن محل الدين والعقيدة.

(رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري )
أسأل الله التوفيق والسداد

Eng.Jordan
11-20-2013, 01:13 PM
الفصل الأول
الحضارة، البداوة، التخلف

ماذا تعني هذه المفاهيم لدى الشيخ رفاعة وما أثر ذلك واقعياً؟ أو بمعنى آخر هل كان للمنظومة الغربية أثر في تشكيل عقلية الطهطاوي ونظرته إلى هذه المفردات (الحضارة/البداوة/التخلف) بمنظور مادي وتبنيه التعريف الغربي لهذه المفردات؟

هذا ما سنجيب عنه في هذا الفصل.

يقول الطهطاوي في الباب الثامن من كتابه (تخليص الإبريز): "وقد كانت الناس في أول الزمن تعبد الشمس والقمر والنجوم، وغير ذلك، ثم بالهام الله تعالى، وبإرساله الرسل، يعبدون إلهاً واحداً، فكما الزمن في الصعود رأيت في الصنائع البشرية والعلوم المدنية، وكلما نزلت ونظرت إلى الزمن في الهبوط رأيت في الغالب ترقيهم وتقدمهم في ذلك، وبهذا الترقي وقياس درجاته، وحساب البعد عن عن الحالة الأصلية والقرب منها، انقسم سائر الخلق إلى عدة مراتب:
المرتبة الأولى: مرتبة الهمل المتوحشين.
المرتبة الثانية: مرتبة البرابرة الخشنين.
المرتبة الثالثة: مرتبة أهل الأدب والظرافة والتحضر والتمدن والتمصر المتطرقين".

ثم يذكر الطهطاوي أمثلة لكل مرتبة نختار أمثلة المرتبتين الثانية والثالثة: "ومثال المرتبة الثانية؛ عرب البادية، فإن عندهم نوعاً من الإجتماع الإنساني والإستئناس والإئتلاف، لمعرفتهم الحلال من الحرام، والقراءة والكتابة، وغيرها من أمور الدين، ونحو ذلك، غير أنهم أيضاً لم تكتمل عندهم درجة الترقي في أمور المعاش والعمران والصنائع البشرية والعلوم العقلية والنقلية، وإن عرفوا البناء والفلاحة وتربية البهائم ونحو ذلك.

ومثال المرتبة الثالثة: بلاد مصر والشام واليمن والروم والعجم والإفرنج والمغرب وسنار وبلاد أمريكة، على أكثرها، وكثير من جزائر البحر المحيط، فإن جميع هؤلاء الأمم أرباب عمران وسياسات، وعلوم، وشرائع وتجارات، ولهم معارف كاملة في آلات الصنائع والحيل على حمل الأشياء الثقيلة بأخف الطرق، ولهم علم بالسفر في البحور، إلى غير ذلك" نلاحظ تأثر الطهطاوي بالمنظومة الغربية فألفاظ (الحضارة/البداوة/التخلف) مصطلحات إغريقية المولد، قد أفرزتها المنظومة الغربية التي تنظر إلى المجتمعات الإنسانية نظرة مادية لاتعترف بالقيم والأخلاق كمعيار للرقي!

وهناك بعض الباحثين الأوروبيين لايعترفون بذلك بل يصرون على أن حضارتهم لها صلة بالقيم وبالدين المسيحي وبتعاليم الإنجيل ويرد على هذا الوهم الأستاذ محمد قطب: "وأحياناً تغالط أوربا نفسها وتزعم أن حضارتها ذات صلة بالدين! فتتمحك بالمسيح، وتسمي حضارتها (الحضارة المسيحية) وليس هناك ما هو أكذب من هذا على الواقع ! فالمسيح قد دعا للترفع عن متاع الأرض من أجل خلاص الروح، وقال: (من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر، ومن أراد أن يأخذ ثوبك فأعطه الرداء أيضاً). وما أبعد الواقع الأوربي عن دعوة المسيح عليه السلام.

فهي لاتدير خدها الأيسر لمن ضربها على خدها الأيمن، بل هي تضرب، وتنهب، وتسلب، وتغتصب برغبة عدوانية خالصة دون أن يمسها أحد! إنها ليست وريثة دعوة المسيح، إنما هي وريثة الجاهلية الرومانية التي تسعى إلى القوة لتذل الآخرين وتقهرهم، وتستعبدهم لمصالحها الخاصة، والتي تسعى إلى تزيين الحياة الدنيا بكل زينة من أجل أن تغرق في المتاع! والذين يقولون عن الحضارة الغربية المعاصرة إنها إغريقية رومانية هم أصدق بكثير، وأوضح بكثير من الذين يزعمون لها أي صلة بالمسيح عليه السلام.

وكونها إغريقية رومانية في أساسها، هو الذي رشحها أن تتقبل التفسير الحيواني للإنسان الذي ابتدعه دارون، وأن تتبنى للإنسان فكرة صراع البقاء التي فسربها دارون حياة الحيوان وسلوكه.

ورشحها كذلك أن تفسر المتاع ذلك التفسير الحيواني الذي تمارسه في الفوضى الجنسية التي تعيشها في وسائل إعلامها وفي واقع حياتها" أقول: أوربا رغم انسلاخ حضارتها من دعوة المسيح عليه السلام إلا أنها تعلن تمسكها بهذه الصلة إذا شعرت أن مصالحها مهددة من قبل قوة عقائدية تخالف منظومتها فشعار الصليب يظهر وتعلن التعبئة الإعلامية العامة في مواجهة الإسلام، عدوها الأول في هذه المرحلة.

ومن قبل كانت تحارب المنظومة الغربية الشيوعية باسم دعوة المسيح!! فأي حضارة يبشرنا بها الشيخ رفاعة الطهطاوي!! فالطهطاوي جعل مرتبة أفضل الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الأطهار أدنى من المرتبة الثالثة أي في مرتبة المتخلفين حضارياً!! بمعنى أوضح مرتبة هتلر وبيتهوفن وماري أنطوانيت ورزفلت وبوش وغيرهم أفضل رقياً وحضارة من مرتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقية الصحابة الأخيار طبقاً للمنظور الغربي!! والسبب في ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم من أجيال خيرية لم تكتمل عندهم درجة الرقي في أمور المعاش والعمران طبقاً للتقويم المادي لدى الطهطاوي!! ومن ثم فالمرتبة الثالثة: هي الأنموذج الأمثل.. لماذا؟ "لأن جميع هؤلاء الأمم أرباب عمران وسياسات، وعلوم صنائع، وشرائع، وتجارات، ولهم معارف كاملة في آلات الصنائع والحيل على حمل الأشياء الثقيلة أخف الطرق " بناء على هذه المنطلقات والمفاهيم المنحرفة ظهرت كتب مثل "العظماء مائة، أولهم محمد صلى الله عليه وسلم" فالكتاب ظاهره المدح وباطنه القدح والإساءة لشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم!! فهل يعقل أن أضع رسول الله مع مجموعة من المنحرفين والشواذ والساقطين وسفاكي الدماء وأقول هؤلاء أعظمهم محمد صلى الله عليه وسلم.. حاشا لمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدنس ويوضع مع سفلة القوم مهما علت منزلتهم في أوطانهم.

كل ذلك بسبب التقويم المادي، والذي دفعهم إلى ذلك هو نظرتهم إلى شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم المجردة دون النظر إلى الوحي فشخصية الرسول عندهم الرجل المنتصر العبقري الذي اكتسح أتباعه العالم ونشروا تعاليمه... دون النظر إلى الوحي أو إلى أو إلى القيمة الأخلاقية فيستوي الرسول هنا في نظرهم مع نابليون وروميل جورج واشنطن!! ومن ثم ظهرت حمى المنهج التجريبي في بداية القرن المنصرم في المنطقة العربية والإسلامية.

ونرى ذلك واضحاً في كتاب "حياة محمد صلى الله عليه وسلم" لهيكل الذي تكلم عن شخصية الرسول القائد العظيم دون النظر إلى الوحي.. وانخدع البعض ببريق الألقاب فألف العقاد عبقرياته الشهيرة رغم أن العقاد أحسنهم في الدفاع عن الإسلام وعن قادته الأخيار.

واتسع الخرق على الراقع! وظهرت كتابات تطعن رمزاً وتصريحاً في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم بل وفي رب العزة سبحانه وتعالى وملائكته المقربين مثل كتاب "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ و"آيات شيطانية لسلمان رشدي" وكتابات لبعض المغمورين الذين سطروا صحائف سوداء بأقلام حاقدة على الإسلام وأهله والقائمة طويل!! كل ذلك بسبب هذه المفاهيم العلمانية المستوردة لتقويم وتحليل الظاهرة الإنسانية من خلال مايسمى بالرقي المادي.

وفي هذا السياق يقول الدكتور محمد رشاد رداً على الذين ينبهرون بهذه المفردات الغربية: "إن الإنسياق وراء هذا المفهوم - ونحن ننبه هنا أننا لاننكر الرقي المادي في إطار أخلاقي معين، ولانقلل من قيمته ـ يجرنا دون وعي إلى احتقار الجانب الأكثر قيمة في تاريخنا، إننا إذا طبقنا هذا الإصطلاح بمفهومه المادي على تاريخنا فسوف نسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خير الخلق، ونسلك أصحابه وهم خير جيل من البشر في عداد المتخلفين حضارياً وذلك لأنهم عاشوا حياة بسيطة خالية من التكلف والتعقيد في المأكل والمشرب والمسكن وطرائق الحياة المختلفة، مع أننا انطلاقاً من مفهومنا الخاص للحضارة نتخذ من هذا المظهر دليلاً على سمو الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وعلى نبلهم وعظيم خلقهم.

إننا بهذا المفهوم لانسيئ إلى تاريخ الإسلام وحده وإنما نسيئ إلى تاريخ الإنسانية كلها؛ إذ نهدر بذلك قيمة أخلاقية قدرتها وأجلتها الإنسانية عبر تاريخها وفي جميع عصورها وفي مختلف أديانها، وهي قيمة الزهد في عرض الدنيا وأشيائها ومتعاها وأدواتها لا عن جهل بها، ولا عن عجز عن استعمالها، ولكن ادراكاً لقيمتها الحقيقية وهي التغير والزوال وإيثاراً لما هو أبقى، وهذه أعلى مراتب الإدراك، والقدرة على ضبط النفس، وهي أرقى مراتب الأخلاق. وإن علينا أن نستعيد ثقتنا في أنفسنا والتي فقدناها أمام ضغط الفكر الغربي والحضارة الغربية.

إننا إن فعلنا ذلك تخلصنا من أسر المصطلحات التي استعبدت عقولنا لحساب الغرب وحضارته. وهذه المصطلحات التي لاتمثل مقياساً إنسانياً شاملاً تقاس به الأفكار والمعتقدات والحضارات ـ كما يزعمون ـ وإنما تمثل وجهات نظر خاصة للأفكار والمعتقدات، والحضارات تمثل عقول مبتدعيها، وقد توافق الحق أو تخالفه فيما يتعلق بالآخرين.

لو ووثقنا في أنفسنا لتحررنا؛ ولو تحررنا لرأينا الأشياء على حقائقها، ولعرفنا أنفسنا على حقائقها" وتصداق ذلك ينقل لنا الطهطاوي صورة كاملة لمأكل وملبس الفرنسيس نختار منها: "أحضروا لنا عدة خدم فرنساوية لانعرف لغاتهم، ونحو مئة كرسي للجلوس عليها، لأن هذه البلاد يستغربون جلوس الإنسان على سجادة مفروشة على الأرض، فضلاً عن الجلوس بالأرض، ثم السفرة للفطور، ثم جاءوا بطبليات عالية ثم رصوها من الصحون البيضاء الشبيهة بالعجمية، وجعلوا قدام كل صحن قدحاً من القزاز وسكينة وشوكة وملعقة، وفي كل طبلية نحو قزازتين من الماء وإناء فيه ملح وآخر فيه فلفل، ثم رصوا حوالي الطبلية كراسي لكل واحد كرس، ثم جاءوا بالطبيخ فوضعوا في كل طبلية صحناً كبيراً أو صحنين ليغرف أحد أهل الطبلية ويقسم على الجميع، فيعطي لك إنسان في صحنه شيئاً يقطعه بالسكينة التي قدامه، ثم يوصله إلى فمه بالشوكة التي بيده، فلا يأكل الإنسان بيده أصلاً ولا بشوكة غيره أو سكينته أو يشرب من قدحه أبداً، ويزعمون أن هذا أنظف وأسلم عاقبة" ويسترسل الطهطاوي في وصف الصحون والأطباق وأطنب الطهطاوي في الهيام بالشوربة الفرنسية والقهوة والشاي والمقبلات والسلاطة!! لكنه نسي أن يذكر لنا هل كان يمسك الشوكة بيده اليمنى أم اليسرى!!

ولايخفى علينا أن هذا الإسهاب في وصف البيت الفرنسي ليس من قبيل التسلية وإضفاء مسحة التشويق في الكتابة، بل إن الطهطاوي نقل أنموذجاً غريباً إلى مجتمعاتنا الإسلامية بحكم أنها شعوب مقهورة، ومغلوبة على أمرها، والمغلوب يتطلع دائماً إلى من هو أقوى منه سواء في الحكم أو في المأكل والملبس! فالطهطاوي نظر إلى الأنموذج الغربي على انه أرقى درجة التحضر والتمدن وأرقى عقلانية وأوسع معرفة! هكذا ينظر المهزوم إلى المنتصر! هكذا ينظر المغلوب التائه الحائر إلى القوي المتغلب!

وقد سبر اين خلدون غور هذه الأنفس المنهزمة فشخص لنا هذه الحالة المتكرة في تاريخ الإنسانية بقلمه الواعي الراصد لمثل هذه الظواهر البشرية: "المغلوب دائماً مولع بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده.

والسبب في ذلك أن النفس تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه؛ إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب وتشبهت به.

وذلك هو الإقتداء أو لما تراه ـ والله أعلم ـ من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولاقوة بأس، وإنما هو بما انتحلته من العوائد والمذاهب تغالط أيضاً بذلك عن الغلب.

وهذا راجع للأول، ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبداً بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه، في أخذها وأشكالها، بل وفي سائر أحواله.

وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم دائماً. وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال فيهم.

وانظر إلى كل قطر من الاقطار كيف يغلب على أهله زي الحامية وجند السلطان في الأكثر لأنهم الغالبون لهم حتى إنه إذا كانت أمة تجاور أمة أخرى ولها الغلب عليها فيسري إليهم هذا التشبيه والإقتداء حظ كبير.
تأمل هذا في سر قولهم: العامة على دين الملك! فإنه من بابه. إذ الملك غالب لمن تحت يده والرعية مقتدون به لإعتقاد الكمال فيه".

أقول: الشيخ رفاعة الطهطاوي بهرته الحضارة الغربية المادية ولأنه مهزوم ومغلوب اعتقد فيهم الكمال فنقل لمجتمعاتنا الإسلامية صوراً سياسية واقتصادية واجتماعية وحياتية لهذا المتغلب القوي لكي يحتذي به عالمنا الإسلامي وهنا كان مكمن الخطورة لدى التجربة الطهطاوي في باريس فنراه ينقل لنا كل شئ في فرنسا حتى حفلات الرقص يصفها بالتفصيل بل ويحسنها.

وهذا ما سنتكلم عنه في الفصل الثالث من هذا الكتاب.





















الفصل الثاني
اللبنات الأولى للحياة البرلمانية والقوانين الوضعية

لقد اختمرت الفكرة العلمانية في عقل الشيخ الأزهري رفاعة الطهطاوي بعد أن استقاها من عدة مصادر نذكر منها:

أولاً: اطلاعه على الدستور الفرنسي وترجمته للقوانين الفرنسية.

ثانياً: معاصرته للثورة الفرنسية:

فقد شهد الطهطاوي أحداث ثورة الشعب الفرنسي 1830م على الملك شارل العاشر..

حيث عاش الطهطاوي أحداث هذه الثورة ونزل في شوارع باريس وسجل غضب الجماهير وتحركاتهم المسلحة، ووصف انتصاراتهم ضد السلطة الحاكمة، وتكلم عن السلطة الثورية المؤقتة التي أقاموها في الأحياء.

"هذه هي ثورة 1830 التي عاشها رفاعة الطهطاوي يوماً بيوم ومسه منها لهيب أشعل قلبه وأضاء عقله، وعلمه أن الحرية جوهرها مرادف انساني".

وفي هذا الوصف المثير صور رفاعة الطهطاوي كيف استولى الشعب في باريس على الأوتيل دي فيل وهي دار البلدية، وكيف خرج الحرس الوطني للدفاع عن الشعب، وكيف رفع الفرنسيون من جديد التريكولور - أي العلم المثلث الألوان - على الكنائس، والمباني العامة. وهو علم الثورة الفرنسية الذي كانت الملكية قد ألغته بعد سقوط نابليون وعودة الحكم إلى البوربون وكيف انضم الجيش إلى الثوار، وكيف انتهى الأمر بعزل شارل العاشر وطرد ولي العهد إلى إنجلترا، وبتولي لافاييت رئاسة الحكومة المؤقتة وبعودة لويس فيليب، دوق أورليان، ليكون وصياً على العرش ثم إعلانه ملكاً على الفرنسيين، بعد أن أقسم يمين الولاء للدستور.

فأسباب ثورة 1830 كما شرحها رفاعة الطهطاوي لمثقفي جيله تتلخص في شئ واحد وهو الأوتوقراطية أو الحكم المطلق.

وقد تجلت أوتوقراطية شارل العاشر في خرقه دستور 1818 مرتين: مرة بتمسكه بوزارة بولينياك التي أقالتها الأغلبية البرلمانية ولجوئه إلى إصادر سلسلة من القوانين غير الدستورية دون الرجوع إلى البرلمان، وأمره بفرض الرقابة على المطبوعات وبمصادرة حرية الصحافة وحرية التعبير بوجه عام".

أقول: هذه الثورة التي يشيد بها الطهطاوي ثورة الححادية معدية لأي دين، قامت للقضاء على الرابطة الدينية لدى الشعوب المسيحية، وأكدت على عبادة الفرد والمصلحة وإطلاق العنان لرغبات الفرد وقد أدت إلى تفسخ المجتمع الواحد وتفرق الناس شيعاً وأحزاباً ووقع المجتمع في فوضى وتناحر نتيجة لتشعب الآراء واختلاف المشاعر التي كان يوحدها الدين.

فالشيخ الطهطاوي أعجبه بريق الحرية التي نادت بها الثورة الفرنسية وحالة الأمن والرخاء المادي في المجتمع الفرنسي ولم يسبر غور مبادئ الثورة الفرنسية وأسباب اندلاعها ومن وراء أحداثها فهو لم يفهم من الحرية معناها الواسع الذي عنته الثورة الفرنسية وهي ثورة لا دينية، بل هي ثورة معادية للدين، وأصبع الماسونية وأثر الصهيونية العالمية فيها واضح مشهور.

لم يفهم الطهطاوي الحرية في ذلك المعنى اللاديني الواسع الذي يشمل حماية القانون لكل الأعمال والأقوال التي تهز القيم الدينية والأعراف الإجتماعية.

وتجاهر بمخالفتها وتسفيهها، والتي تنشر الفوضى وتفرق الجماعة بالتشكيك فيما يلتقي عليه الناس من عقائد وقيم، والتي تطلق للشهوات العنان لأنها لاترى أن على الدولة التزاماً دينيا أو خلقياً.

ثالثاً: أساتذته الذين أشرفوا على تعليمه في فرنسا:

من أمثال: المسيو "جومار" المشرف على البعثة التعليمية. والكونت "دي شبرول" محافظ ولاية السين وعضو مجلس النواب، وأحد علماء الحملة الفرنسية على مصر.

ورئيس بعثة الإستشراق في عصره "سلفستردي ساسي" والمستشرق "كوسان دي برسفال" وقد تتلمذ الطهطاوي على مجموعة من أنبه علماء فرنسا في ذلك الوقت وعقد معهم صداقات وعكف على مؤلفاتهم، ولم تفته أمهات هذه المؤلفات منها: "روح القوانين" لمنتسكيو و"العقد الإجتماعي" لجان جاك روسو..إلخ.

وقد ذكر الطهطاوي في كتابه (تخليص الإبريز) بعض المراسلات بينه وبين كبار علماء فرنسا، وذكر عبارات الحفاوة والتشجيع التي كتبها له هؤلاء العلماء.

فيقول عن نفسه: رسالة من المسيو دساسي: "فيمن كاتبني عدة مرات مسيو دساسي، ولنذكر لك بعض مكاتبيه، فمنها ما كتبه باللغة العربية، ومنها ما كتبه باللغة الفرنساوية. صورة مكتوب منه: " من الفقير إلى رحمة ربه، سبحانه وتعالى، إلى المحب العزيز المكرم والأخ المعز المحترم الشيخ الرفيع رفاعة الطهطاوي، صانه الله عزوجل، من كل مكروه وشر، وجعله من ذي العافية وأصحاب السعادة والخير. أما بعد فإن القطعة التي أكملت المطالعة فيها من كتابك النفيس وحوادث إقامتك في باريس رددتها إليك على يد غلامك، ويصلك صحبتها حاشية مني على ماتقوله في باب الفعل في لغتنا الفرنساوية، فإذا نظرت فيها تبين لك صحة ما نستعمله من صيغة الفعل الماضي، فمن الواجب عليك أن تصنف كتاباً يشتمل على نحو اللغة الفرنساوية المتداولة عند أمم أوربا كلها وفي ممالكها حتى يهتدي أهل مصر إلى موارد تصانيفنا في فنون العلوم والصناعات ومسالكها، فإنه يعود لك في بلادك أعظم الفخر، ويجعلك عند القرون الآتية دائم الذكر ودمت سالماً. كتبه المحب: سلوستري دساسي. انتهى".

ورسالة من المسيو جومار: "لما أراد مسيو رفاعة أن أطلع على كتاب سفره، المؤلف باللغة العربية، قرأت هذا التاريخ، إلا اليسير منه، فحق لي أن أقول: أنه يظهر لي أن صناعة ترتيبه عظيمة، وأن منه يفهم إخوانه من أهل بلاده فهماً صحيحاً عوائدنا وأمورنا الدينية والسياسية والعلمية، ولكنه يشتمل على بعض أوهام إسلامية. (..) وبالجملة فقد بان لي أن مسيو رفاعة أحسن صرف زمنه مدة إقامته في فرنسا، وأنه اكتسب فيها معارف عظيمة، وتمكن منها كل التمكن، حتى تأهل لأن يكون نافعاً في بلاده، وقد شهدت له بذلك عن طيب نفس، وله عندي منزلة عظيمة، ومحبة جسيمة. البارون: سلوستري دساسي. باريس في شهر فبراير سنة 1831 - 19 في شعبان سنة 1246". وهناك بعض الرسائل الأخرى من مسيو كوسين دي برسوال المؤرخة بتاريخ 24 فبراير1831 ولكن نكتفي بهذين المثالين.


رابعاً: تأثره بآراء "سان سيمون" :

وهو مفكر فرنسي ولد عام 1760 وهو مؤسس المذهب الوضعي الذي يرى تطبيق المبادئ العلمية على جميع الظواهر الطبيعية والإنسانية، وفهمها بعيداً عن الدين تماماً وقد اصر "سان سيمون" الثورة الفرنسية.

بل يعتبره البعض من أبرز محركيها كما أنه المؤسس الفعلي لعلم الإجتماع، فهو أستاذ "أوجست كونت" الذي تعرف عليه سنة 1817م وجعله سكرتيراً له لمدة ست سنوات، ومنه استقى "أوجست كونت" مبادئ تقويض الدين وتدميره، وقد تأثر بأفكاره كارل ماركس.

وخلاصة مذهب سيمون الإلحادي:

" أ- يرى سيمون أن الإنسان هو الذي اخترع الله مدفوعاً بدوافع مادية! وبعد أن تم له ذلك الإختراع اعتقد في أهمية نفسه، ويذهب سان سيمون إلى أبعد من ذلك فيقول: إن الله في الحقيقة فكرة مادية، وهي نتيجة لدورة السائل العصبي في المخ.

ب - اقترح سان سيمون تكوين جمعية من واحد وعشرين عضواً لتمثيل الإدارة الإلهية في الكون، ويقول سان سيمون: إن الله يحدثه، ويحى إليه بفكرة الديانة الجديدة - ديانة نيوتن - ويقول له: إن مجلس سوف يمثلني على الأرض، فيقسم الإنسانية إلى أربعة أقسام: الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية، وسوف يكون لكل قسم من هذه الأقسام مجلس على غرارالمجلس الرئيس، وسوف يرتبط كل فرع في العالم مهما كان موطنه بأحد هذه الأقسام (الأوروبية الغربية بالطبع)، وبالمجلس الرئيس ومجلس القسم الذي يتبعه، وينتخب النساء في هذه المجالس على قدم المساواة مع الرجال".

وقد التقى الطهطاوي بتلاميذ سان سيمون في مدرسة الهندسة العسكرية بباريس، وتأثر بأفكارهم بل والتقى بهم في القاهرة عقب عودته إلى مصر، ونقل الطهطاوي أهداف الماسونية في مؤلفاته، بمعنى أوضح التقى الطهطاوي وأتباع سان سيمون على هدف واحد هو القضاء على الإسلام، وتغريب المسلمين بحجة التطوير، ومواكبة التحديث الأوروبي.

هكذا اصطنع الطهطاوي على أعين علماء الفكر المادي الحديث في فرنسا، وهؤلاء هم شيوخه الجدد الجدد!! وهذه أهم الينابيع التي استقى الطهطاوي منها أفكاره التي نقلها إلى العالم الإسلامي.

وكانت أخطر الصور التي نقلها الطهطاوي إلى مجتمعاتنا هي الحياة البرلمانية ومجالس التشريع وهي عصب المنظومة الغربية بل وعمودها وإن اختلفت أشكالها.

ومن منطلق هذه التقدمة، سنلقي الضوء على بعض الأفكار التي استقاها الطهطاوي من الدستور الفرنسي كقضية الحقوق المدنية التي تعتمد على ركيزتين هما (المساواة والحرية) وقد دندن الطهطاوي حول هذه الحقوق في معظم كتبه وهي التي جعلته مغرماً بالمنظومة الغربية:

أولاً: الدستور الفرنسي والكلام عن الحياة البرلمانية:

بداية لم يكن الطهطاوي مترجماً بالمعنى الحرفي لهذه المهنة، بل إن الطهطاوي قد تجاوز ذلك كثيراً..

فالشيخ رفاعة يقوم بالترجمة والشرح والتعليق وابداء وجهة نظره في كثير من القضايا وهذا ما سنوضحه على النحو التالي:

يقول الطهطاوي في تقدمته لترجمة الدستور الفرنسي: "والقانون الذي يمشي عليه الفرنساوية الآن ويتخذونه أساساً لسياستهم، هو القانون الذي ألفه لهم ملكهم المسمى لويز الثامن عشر ولايزال متبعاً عندهم ومرضياً لهم وفيه أمور لاينكره ذووا العقول أنها من باب العدل. والكتاب المذكور الذي فيه هذا القانون يسمى الشرطة. ومعناها في اللغة اللاطينية ورقة، ثم تسومح فيها فأطلقت على السجل المكتوب فيه الأحكام المقيدة، فنذكره لك، وإن كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتعرف كيف قد حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد، وكيف انقادت الحكام والرعايا لذلك حتى عمرت بلادهم، وكثرت معارفهم، وتراكم غناهم، وارتاحت قلوبهم، فلاتسمع فيهم من يشكو ظلماً أبداً، والعدل أساس العمران."

أقول: نلاحظ أن الطهطاوي يمدح دين العلمانية؛ فقانونهم البشري هو الذي أراح بالهم وعقولهم وكثرت معارفهم وتراكم غناهم وارتاحت قلوبهم..إلخ .

وكأن الرجل يتكلم عن الدولة العمرية أو الخلافة الراشدة! ولا نقول على الرجل؛ فالطهطاوي يعلم أنه يتكلم عن قوانين وضعية من أدمغة بشرية كما يقول "وإن كان غالب مافيه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم" ورغم هذا الوضوح انبرى الأستاذ فتحي رضوان مدافعاً عن عبارة الطهطاوي المذكورة: "ولم يكن قصد الطهطاوي بهذه العبارة الإشارة إلى علمانية الحكم الفرنسي، أي فصل الدين عن الدولة".

وتصداقاً لوجهة نظرنا نجد أن معظم من كتب عن الطهطاوي يثبت مدح الطهطاوي العلمانية الغربية؛ فالدكتور محمد عمارة محقق الأعمال الكاملة لمؤلفات الطهطاوي يذكر: "فالطهطاوي يمتدح علمانية الفرنسيين وتسامحهم الديني الناتج عن هذه العلمانية".

ولمزيد من تلبس الطهطاوي بالفكرة العلمانية وخاصة في التشريع، يقول الطهطاوي في كتابه مناهج الألباب "ثم إن الحالة الراهنة اقتضت أن تكون الأقضية والأحكام على وفق معاملات العصر، بما حدث فيها من المتفرعات الكثيرة المتنوعة بتنوع الأخذ والإعطاء من الأنام"، ولنا وقفة مع هذه الفقرات في الفصل الثالث - إن شاء الله - وفي هذا القدر كفاية.

عود إلى الدستور الفرنسي حيث يترجم الطهطاوي مواد الدستور بالتفصي المتعمد، ثم يشرع في التعليق على بعض بنوده، وقد أفسح لها المجال في فصل كامل في كتابه تخليص الإبريز.

نختار بعض الفقرات والبنود التي ترجمها وعلق عليها الشيخ رفاعة: ذكر الطهطاوي في ترجمة ديباجة الدستور الفرنسي "وفي هذا القانون عدة مقاصد؛
المقصد الأول: (الحق العام للفرنساوية).
الثاني: (كيفية تدبير المملكة).
الثالث: (في منصب ديوان البير).
الرابع: (في ديوان رسل العمالات الذين هم أمناء الرعايا ونوابهم).
الخامس: (في منصب الوزراء).
السادس: (في طبقات القضاة وحكمهم).
السابع: (في حقوق الرعية)".

ثم شرع الطهطاوي في ذكر مواد الدستور الفرنسي نختار منها: "المادة الخامسة عشر: (تدبير أمور المعاملات بفعل الملك وديوان البير ورسل العمالات)".

ولنترك الطهطاوي يوضح لنا وظيفة هذه الديوانين: "وظيفة أهل ديوان البير: تجديد قانون مفقود أو إبقاء قانون موجود على حاله ويسمى عند الفرنساوية شريعة، فلذلك يقولون: شريعة الملك الفلاني. ومن وظيفة ديوان البير أن يعضد حقوق تاج المملكة ويحامي عنه ويمانع سائر من يتعرض له، وانعقاد هذا الديوان يكون مدة معلومة من السنة في زمن اجتماع ديوان رسل العمالات بإذن ملك الفرنسيس، وعدد أهل ذلك الديوان غير منحصر في مخصوصة، ولايقبل دخول الإنسان فيه إلا وهو ابن خمسة وعشرين سنة، ولايشرك في الشورى إلا وهو ابن ثلاثين سنة، مالم يكن من بيت المملكة، وإلا فبمجرد ولادته يحسب من أهل هذا الديوان، ويشرك في المشورة حين يبلغ عمره خمسة وعشرين سنة، وكانت وظيفة البيرية متوارثة للذكور، فيقدم أكبر الأولاد، ثم بعد موته يقدم من يليه، وهكذا".

ويشرح لنا الطهطاوي وظيفة ديوان رسل العمالات قائلاً: "ووظيفة ديوان رسل العمالات غير متوارثة، ووظيفتهم امتحان القوانين والسياسات والأوامر والتدبير، والبحث عن إيراد الدولة ومدخولها ومصرفها، والمنازعة في ذلك، والممانعة عن الرعية في المكوس والفرد وغيرها إبعاداً للظلم والجور، وهذا الديوان مؤلف من عدة رجال ينصبهم أهالي العمالات، وعددهم أربعمائة وثمانية وعشرون رسولاً، ولا يقبلون إلا بعد بلوغ كل واحد منهم أربعين سنة، ولابد أن يكون لكل واحد منهم عقارات تبلغ فردتها ألف فرنك كل سنة" ، تأمل! هذا الوصف المسهب لهذه المادة!

فالطهطاوي يتحدث عن ديوان البير وهو بمثابة مجلس شورى للسلطة الحاكمة، ويشبه هذا الديوان مجلس اللوردات في انجلترا. ثم يتحدث عن ديوان رسل العمالات وهو ما يسمى بمجلس التشريع وهو يشبه مجلس العموم البريطاني، ومايسمى بمجالس الشعب أو الأمة في بلادنا هذه الأيام.. ونلاحظ أن الطهطاوي تكلم عن وظيفة الديوان وشروط وكيفية عضوية هذه المجالس بالتفصيل!! وكأنه يقول لمجتمعاتنا الإسلامية هذه صورة مثلى لحكم العلمانية الغربية فحري بكم أن تطبقوها في مجتمعاتكم!! وفعلاً نزلت كتابات الطهطاوي على أرض الواقع وصرنا ندور في فلك المنظومة التي كان ينشدها الشيخ رفاعة الأزهري النشأة، الصوفي النزعة، الأشعري العقيدة!! ولن نطيل في التعليق على مواد الدستور الفرنسي ولكن سنتعرض لبعض القضايا المنبثقة من قضية ترجمة الدستور الفرنسي التي أثارها الطهطاوي في كتبه وتغنى بها العلمانيون الجدد وهي كثيرة منها: الحقوق المدنية ومايتعلق بها مثل (المساواة ـ الحرية).

قضية الحقوق المدنية:

لم يستخدم الطهطاوي مصطلح الحقوق المدنية في كتابه تخليص الإبريز أي في بداية حياته وهو في ريعان شبابه، لكنه استخدم المصطلح المذكور بعد أربعين سنة وكان ذلك في كتابه مناهج الألباب الذي ألفه سنة 1870لقد تحدث الطهطاوي عن الحقوق المدنية أو مايسمى بإعلان حقوق الإنسان والمواطنة حيث ذكر ذلك في خاتمة كتابه مناهج الألباب في الفصل الأول تحت عنوان (حقوق الرعية).

ويعرف الطهطاوي الحقوق المدنية قائلاً: "هي حقوق أهل العمران بعضهم على بعض لحفظ أملاكهم ومالهم وما عليهم، محافظة ومدافعة، ويتفرع من حقوق المملكة العمومية أي الساسة والإدارة الملكية، ومن الحقوق المدنية الشخصية فرع آخر من الحقوق مايسمى بحقوق الدوائر البلدية، يعني حقوق النواحي والمشيخة البلدية، فهذه الحقوق تتعلق بالامتيازات الخصوصية لكل ناحية" أقول: نلاحظ أن الطهطاوي لم يأت بجديد فهذه الحقوق مدونة في كتب الفقه الإسلامي تحت مقاصد الشريعة الإسلامية نجدها في أبواب المعاملات والأنكحة، والفرائض، والوصايا، والحدود، والجنايات، والأقضية، والبينات والدعاوى..إلخ. فالطهطاوي يتكلم عن القانون الإداري والقانون الدستوري بالمفهوم الغربي الحديث لذلك بسط الكلام عن الدوائر البلدية وطريقة انتخاب أعضاء المجالس التشريعية والبلدية..

فالطهطاوي ينقل الأنموذج ويرسم السياسة من خلال ترجمته ومؤلفاته. لذلك لاغرو أن يشيد العلمانيون الجدد بعبقرية الطهطاوي ومنهجيته؛ حيث امتدحه لفيف من الكتاب والأدباء؛ فهذا سمير أبوحمدان يقول عن الطهطاوي بعد تعليقه على قضية الحقوق المدنية: "لعله من نافل القول بأن رفاعة الطهطاوي يأتي في طليعة من تصدى، في مصر لمسألة الحريات والحقوق المدنية.

وتأسيساً على ذلك نستطيع أن نعتبره عن حق أب الديمقراطية المصرية. ولعل رفاعة في تركيزه على هذه النقطة أي الحريات والحقوق المدنية.
كان ينطلق من فهم عميق لبنية الدولة الحديثة.

فلن تكون الدولة الحديثة في متناول اليد، وفي متناول المصريين تحديداً، مالم يطالبوا بدستور يحفظ حقوقهم المدنية وحرياتهم. فلاحداثة بغير حريات، ولادولة على نمط ما هو سائد في أوربا بغير حقوق مدنية تحفظ كرامة الإنسان وتنظر إليه كقيمة قائمة بذاتها" تأمل! هذه الأوصاف التي يرددونها (لاحداثة بغير حريات) (ولا دولة على نمط ماهو سائد في أوروبا بغير حقوق مدنية تحفظ كرامة الإنسان) أي بمفهوم المخالفة: لا حداثة طالما الإسلام يحكم!! لا دولة على النمط الأوروبي طالماً الإسلام يحكم!! لا كرامة للإنسان في ظل حكم إسلامي!! هذا ما يريده الطهطاوي ومريدوه وتلاميذه.. إسلام الموالد والدراويش!! إسلام كنسي لاغير!! نتكلم الآن عن قضيتين متعلقتين بموضوع الحقوق المدنية ذكرهما الطهطاوي بصدد شرحه للدستور الفرنسي:

(أ) المساواة :

ذكر الشيخ رفاعة نص المادة الأولي من الدستور الفرنسي: "سائر الفرنساوية مستوون قدام الشريعة" ويعلق الطهطاوي على نص هذه المادة قائلاً: "(الفرنساوية مستوون).. معناه سائر من يوجد في بلاد فرانسا من رفيع ووضيع لايختلفون في إجراء الأحكام المذكورة في القانون حتى إن الدعوة الشرعية التي تقام على الملك، وينفذ عليه الحكم كغيره، فانظر إلى هذه المادة الأولى فإن لها سلطاناً عظيماً على إقامة العدل وإسعاف المظلوم وإرضاء خاطر الفقير بأنه العظيم نظراً إلى إجراء الأحكام، ولقد كادت هذه القضية أن تكون من جوامع الكلم عند الفرنساوية، وهي من الأدلة على وصول العدل عندهم إلى درجة عالية، وتقدمهم في الآداب الحاضرة".

هكذا يستمر الطهطاوي في الإطراء بعلمانية فرنسا ويمتدح قوانينهم لدرجة الهيام! فنص المادة الأولى أخذ بلبه وطفق يردد (لافرق بين حاكم ومحكوم.. الكل أمام القانون سواء.. كادت هذه القضية أن تكون من جوامع الكلم عند الفرنساوية).. لو كان غير الشيخ رفاعة قالها لقلنا ربما لم يقرأ الرجل عن العدل والمساواة والحرية في شريعة الإسلام!!

فهل يجهل الطهطاوي وهو الشيخ الأزهري مقاصد ومحاسن الشريعة الإسلامية؟! هل يجهل الطهطاوي مبادئ شريعننا الغراء التي سطرت للبشرية صحائف من ضياء حيث العدل والمساواة والحرية ورفع الظلم..إلخ، تلكم الشريعة التي طبقها الإئمة الإعلام عدة قرون؟! أكاد أجزم أن الطهطاوي يعلم يقينا أن تاريخ الإسلام حافل بمثل هذه المبادئ والشعارات التي عرفها في باريس.. فالطهطاوي ربيب الأزهر يعلم أحكام الشريعة الإسلامية جيداً ومن ثم نستطيع أن نؤكد أنه لا يشفع للطهطاوي جور حكام زمانه وبعدهم عن شريعة الإسلام أن يستورد للمسلمين قوانين الفرنجة ويتغنى بها لتحل محل شريعة الرحمن!!

وقد وقع الطهطاوي في تناقض عجيب!! ففي الوقت الذي يشيد فيه بنص المادة الأولى من الدستور الفرنسي (سائر الفرنساوية مستوون قدام الشريعة) .. (فلا فرق بين حاكم ومحكوم ولابين رفيع ووضيع).. نجد هذه المادة التي هي من جوامع الكلم عند الفرنساوية على حد قوله! تصطدم بنص المادة الرابعة والثلاثين في باب كيفية تدبير المملكة الفرنساوية.

وهذا نصها: المادة الرابعة والثلاثون: لايمكن أن يقبض أحد على واحد من أهل ديوان البير إلا بأمر ذلك الديوان، ولايمكن أن يحكم عليه غيرهم في مواد الجنايات".

أقول: تأمل! هذه المادة تتكلم عن الحصانة البرلمانية لعضو مجلس النواب (شورى/شعب/أمة) بمعنى أن أي عضو يرتكب أية جريمة سواء (جناية/جنحة/مخالفة) فإنه لايستطيع أحد أن يحرك ضده الدعوى العمومية إلا بعد موافقة مجلس الشعب أو الشورى ولايستطيع مأمورة الضبط القضائي أن يقبض عليه بموجب هذه الحصانة!!

فأين المساوة وأين (لافرق بين حاكم ومحكوم)!! وأين (جوامع الكلم)!! هذه المادة التي صدرتها الثورة الفرنسية وهي مادة استغلال النفوذ؛ تعطي امتيازات لطبقة من أبناء المجتمع على حساب الآخرين، فلا يستطيع أحد أن يقاضي عضو مجلس النواب إلا بعد موافقة المجلس وهي عملية معقدة، وقد لايوافق المجلس على سحب الحصانة من العضو!! فأي مساواة هذه التي يبشرنا بها الطهطاوي؟!!

وأين هذه المساواة من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

أين هذا من التطبيقات الواقعية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في إقامته حد القذف على حسان بن ثابت رضي الله عنه؛ رجل الإعلام الأول الذي كان ينافح عن دعوة الإسلام؟!
وأين هذه المساواة من قول عمر رضي الله عنه لأحد أقباط مصر وهو يشكو ابن الحاكم "اضرب ابن الأكرمين".. أين حصانة عمرو بن العاص الذي جيئ به من مصر وهو واليها، ليحاكم أمام أحد رعيته، ويقتص من ابنه وأمام جمع من عامة المسلمين!!

وهل نسي الطهطاوي أو تناسى عدل الرشيد وآل زنكي وصلاح الدين الأيوبي؟!! التاريخ الإسلامي ذاخر بهذه الوقائع النورانية ولكن ماذا عسانا أن نقول إزاء هؤلاء المهزومين الذين يستضيئون بنار العلمانية!!

(ب): الحرية :

ذكر الطهطاوي في ترجمته للدستور الفرنسي: "المادة الرابعة: ذات كل واحد منهم يستقل بها، ويضمن له حريتها، فلايتعرض له إنسان إلا ببعض حقوق مذكورة في الشريعة، وبالصورة التي يطلبه بها الحاكم" وذكر أيضاً: "المادة الثامنة: لايمنع إنسان في فرنسا أن يظهر رأيه، وأن يكتبه، ويطبعه، بشرط أن لايضر مافي القانون، فإذا ضر أزيل"، ويعلق الطهطاوي علي هاتين المادتين قائلاً: "أما المادة الرابعة: فإنها نافعة لأهل البلاد والغرباء، فلذلك كثر أهل هذه البلاد وعمرت بكثير من الغرباء. أما المادة الثامنة: فإنها تقوي كل إنسان على أن يظهر رأيه وعلمه وسائر ما يخطر بباله مما لايضر غيره، فيعلم الإنسان سائر ما في نفس صاحبه".

ثم يتكلم الطهطاوي تحت بند (خلاصة الحقوق الفرنساوية الآن بعد سنة 1830): "ومن الأشياء التي ترتبت على الحرية عند الفرنساوية أن لكل إنسان يتبع دينه الذي يختاره يكون تحت حماية الدولة. ويعاقب من تعرض لعابد في عبادته، ولايجوز وقف شئ على الكنائس أو إهداء شئ لها إلا بإذن صريح من الدولة، وكل فرنساوي له أن يبدي رأيه في مادة السياسات أو في مادة الأديان، بشرط أن لايخل بالإنتظام المذكور في كتب الأحكام".

وفي كتابه مناهج الألباب ينقل الطهطاوي وصية القس الفرنسي (فنلون) لولي عهد بريطانيا (جرجس جاكس) وكان بروتستاني المذهب: "إذا آل الملك إليك أيها الأمير لاتجبر رعيتك القاثوليقية (الكاثوليكية) على تغيير مذهبهم ولاتبديل عقائدهم الدينية، فإنه لاسلطان يستطيع أن يتسلطن على القلب وينزع منه صفة الحرية".

هكذا يستمر الطهطاوي في تحسين صورة الثورة الفرنسية وشعاراتها وينقل لنا وصية القلس الفرنسي فنلون باعتبره غير متعصب وإظهار صورة ولي عهد بريطانيا على أنه حاكم يتقبل النصيحة، وفي الجملة تحين لدين الغرب الجديد باعتبارهم أهل المعارف والعلوم والتقدم ودعاة الحرية التي يجب على العالم الإسلامي أن يسير على نفس الصراط الغربي!!

رغم أن الواقع يكذب مثل هذه الوصايا فيما يسمى بحرية العقائد؛ ذلك الشعار المزيف لدى الغرب! فالحرب بين أهل الملة المسيحية لم تزل مستعرة بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا أم الحريات! وبين الكاثوليك والأرثوذكس!! أما العداء العقدي المستمر والمستعر ضد الإسلام فلايخفى على أحد!! فكان أولى بالطهطاوي أن يذكر المسلمين بمحنة إخوانهم في الجزائر الذين يكتوون بنير الآلة العسكرية الفرنسية! نعم فرنسا أم الحريات التي اعتبر الطهطاوي حربها مع فرنسا من أجل مشاكل تجارية!! كان الأولى أن يتكلم عن الحرية التي نالها المسلمون في محاكم التفتيش في الأندلس!!

أما قضية الحرية العقدية؛ فالإسلام هو الدين الوحيد الذي رسخ هذا المبدأ الذي يتشدق به العلمانيون أمس واليوم! (لاإكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي).. لولا سماحة الإسلام وعدل ولاته وسلاطينه لما قامت لأوروبا قائمة! لو عامل طارق بن زياد وموسى بن نصير وعبد الرحمن الناصر وابن أبي عامر وابن تاشفين وغيرهم من ملوك الإسلام لو عاملوا نصارى الأندلس والبرتغال بنفس معاملة إليزابيث وفردريك وغيرهم من ملوك ورؤساء أوروبا لما قامت للمسيحية قائمة إلى وقتنا الحاضر!! ولكن قدر الله كان مقدورا!!

فهل أفلس التاريخ الإسلامي ليأتي الطهطاوي بوصية القس (فنلون) كعنوان لحرية العقائد وعدم التعصب! ويترك آيات الله ووصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مرض الموت وهو يوصي بأهل الذمة خيراً! وهذه شهادة رجل من أهل أوروبا تصداقاً لما نرى؛ إذ يقول (ستنلي لينبول) منددا بوحشية بني جلدته ومشمئزاً من سوء أخلاقهم وقسوتهم مع مسلمي الأندلس: "وكانت أخلاقهم على اتساق مع رعيتهم، وماكان يتوقع من هؤلاء الجفاة المتوحشين إلا التعصب والقسوة، فإنهم لم يؤمنوا مستجيراً، ولم يتركوا فاراً، ولم يبقوا على جريح، وهذا يذكرنا والحزن ملء صدورنا، بما كان للعرب من بطولة ورفق وسماحة خلق، فكثيراً ما عفوا عن أعدائهم نبلاء متكرمين، بينما نرى اليوم أن رجال ليون وقشتالة العتاة، يذبحون جميع الحاميات، ويستأصلون مدناً مليئة بالقطان، حتى إذا نجا من سيفهم لم ينج من استعبادهم".

وهل انتهى عداء الغرب للإسلام وأهله؟! لم ينته بعد وما محنة المسلمين في قلب أوروبا عنا ببعيد؛ البونسة والهرسك وكوسوفو، وتزايد العداء ضد الأقليات المسلمة التي تعيش في دول الحريات والتحضر والمدنية وحرية العقائد كفرنسا أول دولة غربية تتخذ العلمانية ديناً قامت قيامتهم يوم أن وضعت طالبة مسلمة على رأسها خماراً!! وبريطانيا وألمانيا وغيرهم من دول الغرب بالإضافة إلى الدولة الأولى في العالم أمريكا التي جعلت الإسلام عدوها الأول وهي التي تتبنى سياسة التخويف من الإسلام وضربه وحصاره وتجويع شعوب المسلمين!!

تكلم الطهطاوي عن سلطات الدولة الحديثة في كتابه (مناهج الألباب): "فالقوة الحاكمة العمومية وما يتفرع عليها تسمى أيضاً بالحكومة وبالملكية، هي أمر مركزي تنبعث منه ثلاثة أشعة قوية تسمى أركان الحكومة وقواها؛
فالقوة الأولى: قوة تقنين القوانين، تنظيمها وترجيح ما يجري عليه العمل من أحكام الشريعة أو السياسة الشرعية.
الثانية: قوة القضاء وفصل الحكم.
الثالثة: قوة التنفيذ للأحكام بعد حكم القضاة بها".

هكذا نرى أول غيث للعلمانية (سلطة تشريعية/قضائية/تنفيذية) ثم ينهمر علينا الطهطاوي بسيل من ترجمات للقوانين والمؤلفات الفرنسية لإصباغ حياتنا بسربال من العلمنة الغربية المستوردة.

ثمرات الفكر الطهطاوي :

أما عن أثر هذه الأفكار الطهطاوية على أرض الواقع فنوجزها في النقاط التالية: ترجمة وتعريب القوانين: "عندما أراد الخديو إسماعيل إصلاح القضاء، أنشأ لترجمة القوانين الحديثة (قلم) الترجمة الجديد سنة 1863م، وعيّن رفاعة ناظراً له فاستدعى تلاميذه القدامى الذين تخرجوا من مدرسة الألسن، وعاونوه في ترجمة القوانين، ومن هؤلاء التلاميذ القدامى: عبد الله السيد، وصالح مجدي، ومحمد قدري، ومحمد لاظ، وعبدالله أبوالسعود، وكان مقر هذا القلم في غرفة واحدة بديوان المدارس.

ومع ذلك أنجزوا ترجمة مجلدات القانون الفرنسي (كود نابليون) الذي طبع في بولاق مابين عامي سنة 1866 وسنة 1868م" ونزولاً على رغبة الخديو إسماعيل انكبّ الطهطاوي وآخرون على ترجمة القوانين الفرنسية وفي طليعتها القانون المدني وقانون الإجراءات الجنائية، وقانون العقوبات وهي كلها قوانين فرنسية، ولعل هذه الموسوعة القانونية كانت الأساس الذي بني عليه القانون المصري الحديث" هكذا تم ترجمة عدة قوانين في فترة زمنية وجيزة منها: تعريب الدستور الفرنسي الذي نشره الطهطاوي في (تخليص الإبريز).

تعريب قانون العقوبات الفرنسي :

تعريب قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي.
تعريب قانون التجارة الفرنسي الذي طبع سنة 1868م.
تعريب القانون المدني الفرنسي الذي ترجمه االطهطاوي في مجلدين سنة 1868م.

افتتاح أول مجلس نيابي في تاريخ مصر والعالم العربي والإسلامي:

افتتح الخديو إسماعيل مجلس شورى النواب بخطبة العرش في 25 نوفمبر 1866م بالقلعة بمدينة القاهرة، وكان هذا أول مجلس نيابي في تاريخ الحياة البرلمانية للمصريين ذلك الأنموذج الغربي الذي تكلم عنه الطهطاوي في مؤلفاته.

المحاكم المختلطة:

كانت أول خطوة في سبيل إنشاء المحاكم المختلطة عندما فتح الخديو إسماعيل الوزارة الفرنسية في عام 1867 أي في حياة الطهطاوي فقد شهد ثمرة أفكاره وهو على قيد الحياة.

وفي أوائل شهر يولية 1870م تم طبع القوانين المصرية المختلطة فوزعها نوبار باشا على الدول المختلفة، فمرر اللورد (جرانفل) وزير الخارجية الإنجليزي إلى المركيز (دي لافاليت) سفير فرنسا في لندن في 22 يولية 1870 أنه بعد اطلاعه عليها يوافق تمام الموافقة على إنشاء الهيئة القضائية الجديدة المرغوب فيها بمصر، وعلى شكلها المبين في المشروع الفرنساوي" "تم تشكيل هذه المحاكم في ذي القعدة 1291هـ (أول يناير 1875م)، إلا أنها لم تفتح إبوابها إلا في شهر المحرم 1293هـ (فبراير 1876م)".

أقول: وكانت هذه أول نطفة لاستبدال الشريعة الإسلامية وتنحيتها بشكل رسمي من قبل الخديو وعلى يد الطهطاوي وتلامذته من أمثال محمد قدري باشا أحد أعلام القانون الذي قام بعبء ترجمة القوانين الأوروبية وتقنينها وشرحها بعد الطهطاوي، وساهم في تخريب بنية المسلمين الشرعية، وقد تخرج على يديه زمرة من رواد القانون حتى جاء عبد الرزاق السنهوري باشا الذي استكمل مسيرة التخريب وقدم للحكام خدمات ومسوغات لإضفاء الشرعية على سلطانهم!!

وبناء على ما سبق اخترت عينة من كتابات بعض المفكرين والأدباء الذين أشادوا بالطهطاوي وبآثاره الفكرية لتعضيد ما وصلنا إليه من نتيجة.

يقول الدكتور حسين فوزي النجار: "ولعل أعظم ماقدمه محمد علي لمصر أنه وضع البذرة الأولى لتعليم عصري أخذت تؤتي أكلها في عصر إسماعيل، روى تربتها رفاعة الطهطاوي في كثير من الوصب والجهد ثم جاء علي مبارك فنماها وأوصل جذورها فأينعت وأثمرت، وشهد تباشير الطهطاوي في أخريات أيامه عندما تهيأت العقول لتقبل حركة الإصلاح وأخذت البلاد تسلك سبيلها إلى الثورة السياسية والفكرية والإجتماعية" .

وتحت عنوان (أبو الديمقراطية المصرية) ، كتب عنه لويس عوض: "إن كفاح الشعب المصري في سبيل الديمقراطية قديم، وقد كان لمصر برلمان اسمه (البولا) قبل الفتح الروماني وكان مقره مدينة الإسكندرية، فعصف به الرومان. وقد حاول المصريون استخلاصه من أباطرة الرومان ولكنهم عجزوا لأنهم تمسكوا بمبادئ الحرية والمساواة غير أنهم فقدوا القدرة على التنظيم السياسي، أو على الأصح أفقدهم إياها غزاتهم. وبعد ألفي عام أو نحوهما من الحكم الأوتوقراطي، ظهر فيهم رفاعة رافع الطهطاوي لينادي بسيادة الشعب على الملوك وليفتح أعينهم على تجارب الأمم الأخرى في ممارسة الحرية والمساواة من خلال الدساتير والنظم النيابية" .

ويقول سمير أبو حمدان عن الطهطاوي: "ومن هنا فإن الفضل يعود للطهطاوي في غرس فكرة الحياة البرلمانية الممثلة بالسلطة التشريعية في تربة البلاد الإسلامية وقد أنبت هذا الغرس الطيب (على حد زعم الكاتب) بعد سنوان من وفاة الطهطاوي، وذلك عندما قامت في مصر أول جمعية تشريعية على أساس انتخابي. والجدير بالذكر هنا أن الطهطاوي مهّد لفكرته هذه بترجمة لبنود الدستور الفرنسي وشرحها بحيث أصبحت في متناول الجميع من ساسة ورجال فكر وأناس عاديين. وكان رفاعة يرمي من وراء التفسيرات والشروح المسهبة لبنود الدستور الفرنسي إلى خلق وعي برلماني في مصر التي لم تكن قد عرفت حتى ذلك الوقت سوى المجالس الإدارية المعينة من قبل العثمانيين".

ويثني عليه محقق الأعمال الكاملة الدكتور محمد عمارة: "ولقد كان الطهطاوي هو المبشر بهذا الفكر الديمقراطي الليبرالي في ربوع الشرق التي ألفت طويلاً نمط الحكم الفردي (يقصد الحكم الإسلامي) بل لقد استطاع أن يضع كل أسس هذا النمط من أنماط التفكير والسلوك والممارسة السياسية بين يدي قومه".

أقول: نستطيع أن نقرر أن الشيخ رفاعة الطهطاوي أول من غرس النبتة الأولى للعلمانية الغربية، وأول من وضع النطفة الأولى لتنحية الشريعة الإسلامية، وأول من بشر بالفكر الديمقراطي على غرار المنظومة الغربية الذي يتعارض والشريعة الإسلامية.





















الفصل الثالث
قضية التحسين والتقبيح
تقدمة :

إن قضية التحسين والتقبيح من أخطر القضايا التي قصمت ظهر أمتنا الإسلامية. فما نراه اليوم من قوانين وضعية، وتفسخات اجتماعية، وتحلل خلقي، وعلو الباطل في مجتمعاتنا...إلخ، كل ذلك نتاج قضية التحسين التي أثارها المعتزلة الذين قالوا بالتحسين والتقبيح بواسطة العقل، وأن العقل هو الذي يحكم بحسن الأشياء وقبحها بصرف النظر عن نصوص الكتاب والسنة. هكذا أُطلق للعقل العنان فصار العقل رباً جديداً!! فما يراه العقل حسناً فهو حسن، وما يقبحه العقل فهو كذلك ولاعبرة بنصوص القرآن المنزل من لدن حكيم حميد، ولا بالسنة النبوية المطهرة طالما خالفها العقل!! ورغم ذلك لم تذكر كتب التاريخ والفرق أن المعتزلة كان يدور في خلدهم تنحية الشريعة الإسلامية.

لكن المعتزلة الجدد يرون تنحية الشريعة وفصلها عن الحكم بحجة تطوير الشريعة وأن هذا ما يستحسنه العقل في عصرنا الحاضر!! إذن قضية التحسين والتقبيح ليست ترفاً فكرياً أو جدلاً أصولياً، بل نحن بصدد قضية لها افرازاتها ونتائجها الملموسة على أرض الواقع.

ومن منطلق هذه التقدمة نتناول هذه القضية عبر النقاط التالية:

أولاً: نبذة سريعة عن التحسين العقلي والتقبيح.
ثانياً: موقف الطهطاوي من قدرة العقل على التحسين والتقبيح.
ثالثاً: تباين وجهة نظر الطهطاوي في قضية التحسين والتقبيح.
رابعاً: أثر الفكر الطهطاوي على أرض الواقع.

أولاً: نبذة سريعة عن التحسين العقلي والتقبيح :

يذكر علماء الأصول مسألة التحسين العقلي والتقبيح في باب الحاكم أي الذي صدر عنه الحكم وهو المشرع الحكيم؛ الله سبحانه وتعالى حيث قال (إن الحكم إلا لله) (ألاله الحكم والأمر).. (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) والإجماع منعقد على أن الحاكم هو الله جل جلاله.
إلا أن العلماء اختلفوا في مسألة: هل المكلف مأخوذ بما يقضي به العقل أو هل يمكن للعقل أن يستقل بإدراك أحكام الله وإذا كان كذلك فهل يعد مصدراً من مصادر الفقه الإسلامي؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على عدة أقوال:

القول الأول: رأي المعتزلة والشيعة الإمامية: "إن الحسن والقبح صفتان ذاتيتان لبعض الأشياء، وإن أشياء تتردد بين النفع والضرر والخير والشر. وبهذا يتحرر أن المعتزلة يرون أن الأشياء أقسام ثلاثة: أشياء حسنة في ذاتها لا يجوز إلا أن يأمر بها الله، وأشياء قبيحة في ذاتها، وهذه لايجوز أن يأمر الله بها، وأشياء مترددة بين الأمرين القبيح والحسن، وهذا القسم يجوز أن الأمر به والنهي عنه، فإن أمر به فهو حسن للأمر، وإن نهى فهو قبيح للنهي. وهذا تقرير مذهب المعتزلة وأساسه الحسن الذاتي والقبح الذاتي، وأن الحسن لذاته يكلف الشخص القيام به، وإن لم يعلم الشرع، والقبيح لذاته يكلف الشخص أن يتجتنبه، ولو كان يعلم نهي الشارع عنه" وترتب على هذا الرأي عدة أمور منها:

الأول: أن أهل الفترة ومن لم تبلغه دعوة الإسلام أو دعوة الرسل مجزيزن على عدلهم محاسبون على ظلمهم فهم مكلفون أن يفعلوا ماهو حسن لذاته وأن يمتنعوا عما هو قبيح لذاته حسب قول المتعزلة والإمامية.

الثاني: إذا لم يكن هناك نص فالناس مكلفون بما يقضي به العقل في الحكم على الأشياء من حسن ذاتي أو قبح ذاتي.

القول الثاني: الماتريدية وبعض الأصوليين: وهو قول أبي منصور محمد بن محمد الماتريدي وهو مذهب بعض الأحناف وبعض الأصوليين وفريق من الإمامية وغيرهم. "يقولون إن للأشياء حسناً ذاتياً وقبحاً ذاتياً، وأن الله تعالى لا يأمر بما هو قبيح في ذاته، ولا ينهى عن أمر هو حسن في ذاته، وهم يقسمون الأشياء إلى حسن لذاته، وقبيح لذاته، وما هو بينهما تابع لأمر الله تعالى ونهيه، وهو ذات التقسيم الذي قرره الجبائي المعتزلي. وفي هذا القدر يتفق الماتردية والحنفية مع المعتزلة، لكنهم يختلفون بعد ذلك عنهم، فالحنفية لا يرون أنه لا تكليف ولا ثواب بحكم العقل المجرد، بل إن الأمر في التكليف والثواب والعقاب إلى النص والحمل عليه، فليس للعقل المجرد أن ينفرد بتقرير الأحكام في غير موضع النص، بل لا بد أن يرجع إلى النص أو يحمل عليه بأي طريق من طرق الحمل، بالقياس أو المصلحة المعتبرة المشابهة، لما جاء بالنص، وهذا هو الإستحسان. وفي الجملة لابد من الرجوع إلى النص في الجملة فليس للعقل المجرد قدرة على التكليف، والحكم على الأشياء، بل لابد من الإستعانة بالشرع" وترتب على ذلك أن حكم الله لابد أن يدرك بواسطة الرسل ومن ثم فلا حكم في أفعال العباد بدون هذه الواسطة إذن فلا ثواب ولا عقاب حيث لاتكليف.

القول الثالث: رأي الأشاعرة وجمهور الأصوليين: "فهم يرون أن الأشياء ليس لها حسن ذاتي، ولاقبح ذاتي. وأن الأمور كلها اضافية، وإن إرادة الله تعالى في الشرع مطلقة لا يقيدها شئ، فهو خالق الأشياء، وهو خالق الحسن والقبيح، فأوامره هي التي تحسن وتقبح ولا تكليف بالعقل، إنما التكليف بأوامر الشارع، ولا عبرة بأوامر العقل، إنما العبرة دائماً بأوامر الشارع الحكيم. وبذلك خالفوا الماتريدية والمعتزلة، فقرروا أنه لاوجود لحسن ذاتي أو قبح ذاتي ولاتكليف إلا من الشارع" وترتب على ذلك أن أهل الفترة ومن لم تبلغهم دعوة الرسل لايجب عليهم شئ ولا يحرم عليهم فعل، حيث لاحكم لله في أفعال العباد قبل بعثة الرسل ومن ثم فلا تكليف ولاحساب ولامدح ولاثواب ولاعقاب.


وهناك توضيح لشيخ الإسلام ابن تيمية حول هذه القضية حيث ذكر في مجموع الفتاوى: "النوع الأول: أن يكون العقل مشتملاً على مصلحة أو مفسدة ولو لم يأت الشرع بذلك.
كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة، والظلم يشتمل على فسادهم. فهذا النوع هو حسن وقبيح، وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك؛ لا أنه أثبت للعقل صفة لم تكن، لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقباً عليه في الآخرة. النوع الثاني: أن الشارع إذا أمر بشيئ ليمتحن العبد، هل يطيعه أم يعصيه؟ إلا أن يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر إبراهيم (عليه السلام) بذبح ابنه، فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به".

وهذا قول نفيس للعلامة الشوكاني: "الكلام في هذا البحث يطول، وإنكار مجرد ادراك العقل لكون الفعل حسناً أو قبيحاً مكابرة ومباهتة، وأما إدراكه لكون الفعل الحسن متعلقاً للثواب، أو كون الفعل القبيح متعلقاً للعقاب فغير مسلم، وغاية ما تدركه العقول أن هذا الفعل الحسن يمدح فاعله، وهذا الفعل القبيح يذم فاعله، ولا تلازم بين هذا، وبين كونه متعلقاً للثواب والعقاب"

القول المختار في قضية التحسين والتقبيح:

وهو القول الثاني قول الماتريدية وبعض الحنفية وبعض الأصوليين وقول ابن تيمية والشوكاني: "هو الرأي الراجح المؤيد بالكتاب والسنة وبالعقل، أما الكتاب ففيه آيات كثيرة تدل على أن الله إنما يأمر بما هو حسن وينهى عما هو قبيح، والحسن والقبح ثابتان للأفعال قبل الأمر والنهي، ومنها قوله تعالى: (إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) وقوله تعالى: (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) فما أمر به الشارع من عدل وإحسان ومعروف، وما نهاهم عنه من فحشاء ومنكر وبغي، وما أحل لهم من طيبات وما حرم عليهم من خبائث، كل هذه الأوصاف الحسنة أو القبيحة: كانت ثابتة للأفعال قبل ورود حكم الشرع فيها، مما يدل على أن للأفعال حسناً وقبحاً ذاتيين.

والعقل يدرك حسن بعض الأفعال وقبح البعض الآخر بالضرورة: كحسن العدل والصدق، وقبح الظلم والكذب، ولكن حكم الله لا يعرف إلا عن طريق الرسول، فما لم يأت رسول يبلغ الناس حكم الله، فلا يثبت في أفعال الناس حكم بالإيجاب أو التحريم بدليل قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) فلا عذاب قبل بعثة الرسول أو بلوغ الدعوة، وحيث لا عذاب فلا تكليف، وحيث لا تكليف فلا حكم لله في أفعال العباد على وجه طلب الفعل أو التخيير بينهما".

ثانياً: موقف الطهطاوي من قدرة العقل على التحسين والتقبيح:

يقول الطهطاوي: "إن العقل هو الفيصل في كل الأمور" ويقول في موطن آخر: "وأما ما وهبه الله تعالى للإنسان خاصة، في حياته المعنوية وصفاته العقلية التي يعبر عنها في تعريفه بالناطقية. فقد وهبه الله تعالى الدماغ الذي هو مجلس الحواس الباطنية والقوى العقلية التي هي آلة الفكر وأداة النظر، وإن شئت قلت الناطقية، أي الجزء الناطق من الإنسان وهو الروح البشرية التي هي عبارة عن الفكر والإرادة، فبالإدراك يقتدر أن يرتب المقدمات لإستخراج النتائج، وأن ينسب الماضي للحال، ويتصرف في عواقب المستقبل، ويتصور أسباب الظواهر الجوية والحوادث السماوية، ويميز الحسن من القبيح والضار من النافع" .

ويمدح الطهطاوي ما أفرزته العقول الفرنسية من قوانين قائلاً: "والقانون الذي يمشي عليه الفرنساوية الآن ويتخذونه أساساً لسياستهم، هو القانون الذي ألفه لهم ملكهم المسمى "لويز الثامن عشر" ولايزال متبعاً عندهم ومرضياً لهم وفيه أمورلاينكر ذوو العقول أنها من باب العدل. وإن كان غالب مافيه ليس في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لتعرف كيف قد حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد، وكيف انقادت الحكام والرعايا لذلك حتى عمرت بلادهم، وكثرت معارفهم، وتراكم غناهم، وارتاحت قلوبهم" .

وبذلك مهد الطهطاوي من حيث يدري أو من حيث لايدري لقبول التشريع الوضعي الذي يستند إلى العقل على قصوره وعلى مخالطة الشهوات له" .

ويوضح الطهطاوي فكرته قائلاً: "وقد أكرم الله سبحانه وتعالى الإنسان، وخلق له ما في سائر الكون من سائر المنافع، وزينه بالعقل الذي يميز به بين الحسن والقبيح والضار والنافع والخطأ والصواب" نلاحظ أن الطهطاوي أطلق العنان للعقل وقدرته على التحسين والتقبيح بصرف النظر عن قيد الشرع!! ورغم هذه الثقة المطلقة في قدرة العقل على التحسين والتقبيح، نراه يتناقض وهذه الثقة المفرطة!

وهذا ما سنوضحه في الفقرة التالية.

ثالثاً: تباين و اضطراب رأي الطهطاوي في قضية التحسين والتقبيح :

يقول الطهطاوي في كتابه (المرشد الأمين): "لأن الشريعة والسياسة مبنيتان على الحكمة المعقولة لنا أو التعبدية التي يعلم حكمتها المولى سبحانه وتعالى، وإنما ليس لنا أن نعتمد على ما يحسنه العقل أو يقبحه إلا إذا ورد الشرع بتحسينه وتقبيحه" ، "ولايسوغ لمتولي أن يحكم في التحريم والتحليل بما يلائم مزاجه فما يخالف الأوضاع الشرعية المنقولة عن الأئمة المجتهدين، ولاعبرة بالإستكراه النفساني والإستحسان الطبيعي والأخذ بالرأي من غير دليل، بل يعتمد متولي الأحكام على فتاوى العلماء وأقوال المجتهدين في الدين، فإن الإمامة تخلف النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا" ، "وأما السلطنة الرسمية على الرعية فهي لاتكون إلا في البلاد التي تكون قوانينها محض سياسة وضعية بشرية، لأن قوانين هذه الممالك تبيح اختلاط الرجال بالنساء بناء على قانون الحرية المؤسس عليه تمدن تلك البلاد وإلا فتمدن الممالك الإسلامية مؤسس على التحليل والتحريم الشرعيين بدون مدخل للعقل تحسيناً وتقبيحاً في ذلك حيث لا حسن ولا قبيح إلا بالشرع" ، "فكل رياضة لم تكن بسياسة الشرع لا تثمر العاقبة الحسنى، فلا عبرة بالنفوس القاصرة الذين حكموا عقولهم بما اكتسبوه من الخواطر التي ركنوا إليها تحسيناً وتقبيحاً، وظنوا أنهم فازوا بالمقصود يتعدى الحدود، فينبغي تعليم النفوس السياسة بطريق الشرع، لا بطرق العقول المجردة" .
تأمل! تجد الطهطاوي هنا يناقض نفسه في قدرة العقل على التحسين والتقبيح!

فهل تراجع الطهطاوي عن رأيه السابق؟ هذا ما سنوضحه في خاتمة هذا الفصل.

رابعاً: أثر الفكر الطهطاوي على أرض الواقع:

(أ) تنحية الشريعة الإسلامية: يقول الطهطاوي في كتابه مناهج الألباب "ثم إن الحالة الراهنة اقتضت أن تكون الأقضية والأحكام على وفق معاملات العصر، بما حدث فيها من المتفرعات الكثيرة المتنوعة بتنوع الأخذ والإعطاء من الأنام".. كانا هذه أول تصريح بتنحية الشريعة الإسلامية والأخذ من قوانين غربية وبداية التشريع بغير ما أنزل الله!

(ب): تحسينه لسلوك وآداب أهل الفرنجة: يقول الطهطاوي محسناً مادحاً أهل الفرنجة: "ولاينكر منصف أن بلاد الفرنج الآن في غاية البراعة والعلوم الحكمية وأعلاها في التبحر. من ذلك بلاد الإنجليز والفرنسيس والنمسا، فإن حكماءها فاقوا الحكماء المتقدمين. وفلسفتهم أخلص من فلسفة المتقدمين، كما أنهم يقيمون الأدلة على وجود الله تعالى وبقايا الأرواح والثواب والعقاب. وإذا رأيت سياستها (أي باريس) علمت كمال راحة الغرباء فيها وحظهم وانبساطهم مع أهلها، فالغالب على أهلها البشاشة في وجوه الغرباء ومراعاة خاطرهم، ولو اختلف الدين، وذلك لأن أكثر أهل هذه المدينة إنما له من دين النصرانية الإسم فقط، حتى لا يتبع دينه، ولا غيرة له عليه، بل هو من الفرق المحسنة والمقبحة بالعقل، أو فرقة من الإباحيين الذين يقولون إن كل عمل يأذن فيه العقل صواب، فإذا ذكرت له دين الإسلام في مقابلة غيره من الأديان أثنى على سائرها من حيث إنها كلها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وإذا ذكرت له في مقابلة العلوم الطبيعية. وبالجملة إنه لا يصدق بشئ مما في كتب أهل الكتاب لخروجه عن الأمور الطبيعية. وبالجملة ففي بلاد الفرنسيس يباح التعبد بسائر الأديان، فلا يعارض مسلم في بنائه مسجد ولايهودي في بنائه بيعة إلى آخره".

ويقول الطهطاوي محسناً ومادحاً لأهل باريس: "ظهر لي بعد التأمل في آداب الفرنساوية وأحوالهم السياسية أنهم أقرب شبهاً بالعرب منهم للترك ولغيرهم من الأجناس، وأقوى مظنة العرب بأمور العرض والحرية والإفتخار، ويسمون العرض شرفاً، ويقسمون به عند المهمات، وإذا عاهدوا عاهدوا عليه، ووفوا بعهودهم، ولا شك أن العرض عند العرب العرباء أهم صفات الإنسان".
ويقول أيضاً: "اعلم أن البارزيين يختصون من بين النصارى بذكاء العقل ودقة الفهم وغوص ذهنهم في العويصات، وليسوا مثل النصارى القبط في أنهم يميلون بالطبيعة إلى الجهل والغفلة، وليسوا أسراء التقليد أصلاً، بل يحبون معرفة أصل الشئ والإستدلال عليه".

ويمتدح نساء باريس وعفتهن!: "وحيث إن كثيراً ما يقع السؤال عن حالة النساء عند الإفرنج كشفنا عن حالهن الغطاء. وملخص ذلك أيضاً وقوع اللخبطة بالنسبة لعفة النساء لا يأتي من كشفهن أو سترهن، بل منشأ ذلك التربية الجيدة والخسيسة، والتعود على محبة واحد دون غيره، وعدم التشريك في المحبة، والالتئام بين الزوجين، وقد جرب في بلاد فرانسا أن العفة تستولي على قلوب النساء المنسوبات إلى الرتبة الوسطى من الناس دون نساء الأعيان والرعاع؛ فنساء هاتين المرتبتين يقع عندهن الشبهة كثيراً ويتهمون في الغالب".

أقول: هكذا تستمر التحسينات الطهطاوية لعلوم وآداب وسلوك وأخلاق أهل الفرنجة!! حتى العرض والشرف فهم والعرب سواء إن لم يكونوا أكثر غيرة وحمية للعرض والشرف من العرب كما هو واضح في ثنايا خطابه وأنفس كلماته!! فليس للعرب والمسلمين إلا الجهل والتخلف!! فالطهطاوي ينبري مدافعاً عن اتهام نساء الفرنجة بعدم العفة! ويدافع عن حياض فرنسا ويذب عن نساء باريس العفيفات الغافلات!!

ولعل الطهطاوي أراد أن يرد على المؤرخ العلامة عبد الرحمن الجبرتي الذي عاصر الحملة الفرنسية منذ احتلالها مصر إلى وقت خروجها منها حيث صور لنا الحياة الإجتماعية والتحلل الخلقي الذي ظهر في شوارع المحروسة على أيدي الفرنسيس (أهل العلوم والآداب والخلق القويم!!) .

ونحن بدورنا سننقل قول الجبرتي بنفس اللهجة المصرية التي كتب بها مؤلفه الماتع (عجائب الآثار) حيث يقول: "ومنها تبرج النساء وخروج غالبهن عن الحشمة والحياء وهو أنه لما حضر الفرنسيس إلى مصر ومع البعض منهم نساؤهم كانوا يمشون في الشوارع مع نسائهم وهن حاسرات الوجوه لابسات الفستانات والمناديل الحرير الملونة ويسدلن على مناكبهن الطرح الكشميري والمزركشات المصبوغة ويركبن الخيول والحمير ويسوقونها سوقاً عنيفاً مع الضحك والقهقهة ومداعبة المكارية وحرافيش العامة، فمالت إليهم نفوس أهل الأهواء من النساء الأسافل. فلما وقعت الفتنة الأخيرة بمصر وحاربت الفرنسيس بولاق وفتكوا في أهلها وغنموا أموالها وأخذوا ما استحسنوه من النساء والبنات صرن مأسورات عندهم فزيوهن بزي نسائهم وأجروهن على طريقتهن في كامل الأحوال فخلع أكثرهن نقاب الحياء بالكلية وتداخل مع أولئك المأسورات غيرهن من النساء الفواجر. ولما حل بأهل البلاد من الذل والهوان وسلب الأموال واجتماع الخيرات في غي جوار الفرنسيس ومن والاهم وشدة رغبتهم في النساء وخضوعهن لهن وموافقة مرادهن وعدم مخالفة هواهن لو شتمته أو ضربته...فطرحن الحشمة والوقار والإعتبار".

أقول: تأمل! هذا ما فعله الفرنسيس (أهل العلم والأدب والعرض والشرف!!) في نسائنا وبناتنا ومجتمعاتنا الإسلامية! فشهادة الجبرتي الذي عاصر احتلال جيوش نابليون لأرض مصر لم تعجب الطهطاوي!! فكأنه يوجه رسالة للجبرتي أنا قد سافرت إلى فرنسا وخالطت القوم ودخلت بيوت أهل باريس ومسارحهم وحتى مراقصهم، فلم أجد إلا الوقار والحشمة والعلم!!

لذلك لاغرو أن يثني طابور العلمانيين على هجوم نابليون واحتلاله لمصر لأنه جاء بحملة عسكرية حررت المرأة من رق الإسلام!! وأخرجت المرأة من قفص الحريم!!

فهذا لويس عوض يقول: "هذه المقارنة التي يعقدها رفاعة الطهطاوي بين الرقص الإفرنجي والرقص الشرقي مقارنة مهمة، لأنه تحمل فيها مسئولية التنديد برقص الغوازي ورقص العوالم في مصر ووسمه بالإنحطاط والشهوانية بينما رفع رقص الإفرنجي إلى مرتبة الرياضة والفن الجميل، فهو بهذا يقول لنا إننا أقرب إلى الفسق في لهونا من الأوروبيين. وهذا عكس الفكرة التي صورها الجبرتي عن المجتمع الفرنسي والمصري المختلط الذي رآه يحتفل بالرقص والغناء في عيد وفاء النيل رجاله مع نسائه".

ويقول أبو حمدان: "والجدير ذكره أن هذا الجدل (أي السفور) وأيضاً الإنتفاضات النسوية التي تحدثنا عنها، وجدت أرضاً خصبة لها بعد الحملة الفرنسية على مصر، حيث شاهدت المرأة المصرية وبأم العين مدى الحرية التي تتمتع بها المرأة الفرنسية من التبجيل الذي تحاط من قبل الرجل".

ويلخص الكاتب المذكور مادحاً فكرة الطهطاوي عن المرأة: "وليس ثمة من دليل أقوى على التخلف والتبرير من تلك المجتمعات (يقصد المجتمعات الإسلامية) التي تحجب عن المرأة حقوقها وتمنعها من ممارسة حريتها. هذه هي باختصار شديد الفكرة التي تبناها رفاعة الطهطاوي حينما كان يدعو إلى تحرر المرأة المصرية أولاً والمرأة العربية الإسلامية ثانياً".
ونحن بدورنا نحاول أن نلقي الضوء على وضع المرأة في المنظومة الغربية، تلك المرأة التي يبشر بها الطهطاوي العالم الإسلامي!

نظرة رجال الدين المسيحي إلى المرأة: "لقد هال رجال المسيحية الأوائل ما رأوا في المجتمع الروماني من انتشار الفواحش والمنكرات، و ما آل إليه المجتمع من انحلال أخلاقي شنيع. فاعتبروا المرأة مسؤولة عن هذا كله، لأنها كانت تخرج إلى المجتمعات، وتتمتع بما تشاء من اللهو وتختلط بمن تشاء من الرجال كما تشاء فقرروا أن الزواج دنس يجب الإبتعاد عنه وأن العزب عند الله أكرم من المتزوج، وأعلنوا أنها باب الشيطان، وأنها يجب أن تستحي من جمالها لأنه سلاح إبليس للفتنة والإغراء. قال القديس (ترتوليان): إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، ناقضة لنواميس الله، مشوهة لصورة الله (حاشا لله) أي الرجل!! وقال القديس (سوستام): إنها شر لابد منه، وآفة مرغوب فيها وخطر على الأسرة والبيت، ومحبوبة فتاكة، ومصيبة مطلية مموهة. وفي القرن الخامس اجتمع مجمع (ماكون) للبحث في المسألة التالية: هل المرأة مجرد جسم لا روح فيه؟ أم لها روح؟ وأخيراً قرروا أنها خلو من الروح الناجية (من عذاب جهنم) ما عدا أم المسيح. ولما دخلت أمم الغرب في المسيحية كانت آراء رجال الدين قد أثرت في نظرتهم للمرأة، فعقد الفرنسيون في عام 586 للميلاد (أي في أيام شباب النبي عليه الصلاة والسلام) مؤتمراً للبحث: هل تعد المرأة إنساناً أم غير إنسان؟ وأخيراً قرروا أنها إنسان خلقت لخدمة الرجل فحسب".

هذا عن رجال الدين المسيحي قديما أما في القرون الوسطى: "واستمر احتقار الغربيين للمرأة وحرمانهم لحقوقها طيلة القرون الوسطى حتى إن عهد الفروسية الذي كان يظن فيه أن المرأة احتلت شيئاً من المكانة الإجتماعية حيث كان الفرسان يتغزلون بها ويرفعون من شأنها، لم يكن عهد خير لها بالنسبة لوضعها القانوني والإجتماعي. فقد ظلت تعتبر قاصرة لاحق لها في التصرف بأموالها دون إذن زوجها. والحق أن عصر الفروسية يرينا بعض الشواهد الواضحة على هذا الإزدراء، يروى فيها: أن الملكة (بلانشفلور) ذهبت إلى قرينها الملك (بيبيين) تسأله معونة أهل اللورين. فأصغى إليها الملك، ثم استشاط غضباً، ولطمها على أنفها بجمع يده فسقطت منها أربع قطرات من الدم وصاحت تقول: شكراً لك. إن أرضاك هذا فأعطني منيدك لطمة أخرى حين تشاء. ولم تكن هذه حادثة مفردة لأن الكلمات على هذا النحو كثيراً ما تتكرر، كأنها صيغة محفوظة. وكأنما اللطمة بقبضة اليد جزاء كل امرأة جسرت في عهد الفروسية على أن تواجه زوجها بمشورة!!".

أما عن وضع المرأة في عصر النهضة الصناعية في أوروبا: "ولقد تقدم الزمن في الغرب من العصور المظلمة، إلى عصور الفروسية، إلى مابعدها من طلائع العهد الحديث، ولما تبرح المرأة في منزلة مسفة، لا تفضل ما كانت عليه في الجاهلية العربية، وقد تفضلها منزلة المرأة في تلك الجاهلية. ففي سنة 1790 بيعت امرأة في أسواق انجلترا بشلنين لأنها ثقلت بتكاليف معيشتها على الكنيسة التي كانت تؤويها. وبقيت المرأة إلى سنة 1882 محرومة من حقها الكامل في ملك العقار وحرية المقاضاة.. وكان تعلّم المرأة سبة تشمئز منها النساء قبل الرجال فلما (الياصابات بلاكويل) تتعلم في جامعة جنيف سنة 1849 ـ وهي أول طبيبة في العالم ـ كانت النسوة المقيمات معها يقاطعنها، ويأبين أن يكلمنها، ويزوين ذيولهن من طريقها احتقاراً لها، كأنهن متحرزات من نجاسة يتقين مساسها. ولما اجتهد بعضهم في اقامة معهد يعلم النساء الطب بمدينة (فلادلفيا) الأمريكية، أعلنت الجماعة الطبية بالمدينة أنها تصادر كل طبيب يقبل التعليم بذلك المعهد وتصادر كل من يستشير أولئك الأطباء... ومن الطريف أن نذكر أن القانون الإنجليزي حتى عام 1805 كان يبيح للرجل أن يبيع زوجته، وقد حدد ثمن الزوجة بستة بنسات. فقد حدث أن باع انجليزي زوجته عام 1931 بخمسمائة جنيه. وقال محاميه في الدفاع عنه: إن القانون الإنجليزي قبل مائة عام كان يبيح للزوج أن يبيع زوجته، وكان القانون الإنجليزي عام 1801 يحدد ثمن الزوجة بستة بنسات بشرط أن يتم البيع بموافقة الزوجة. فأجابت المحكمة بأن هذا القانون قد ألغي عام 1805 بقانون يمنع بيع الزوجات أو التنازل عنهن، وبعد المداولة حكمت المحكمة على بائع زوجته بالسجن عشرة أشهر.!! وقد حدث أن باع ايطالي زوجته لآخر على أقساط، فلما امتنع المشتري عن سداد الأقساط الأخيرة قتله الزوج البائع. ولما قامت الثورة الفرنسية (نهاية القرن الثامن عشر) وأعلنت تحرير الإنسان من العبودية والمهانة، لم تشمل بحنوها المرأة، فنص القانون المدني الفرنسي على أنها ليست أهلاً للتعاقد دون رضا وليها إن كانت غير متزوجة، وقد جاء النص على أن القاصرين هم: الصبي، والمجنون، والمرأة!!. واستمر ذلك حتى عام 1938 حيث عدلت هذه النصوص لمصلحة المرأة، ولاتزال، فيه بعض القيود على تصرفات المرأة المتزوجة".

أقول: هكذا كان وضع المرأة في فرنسا وفي أوروبا حتى بعد وفاة الطهطاوي بسبعين سنة!! فإذا كان الطهطاوي يريد أن يحرر المرأة المسلمة على الطريقة الغربية فكان أولى به وهو في باريس أن يطالبهم بتحرير المرأة الفرنسية والأوروبية من رق العبودية للرجل!! فحتى بعد إلغاء انجلترا لقانون بيع الزوجات عام 1805 ظل حال النساء في الغرب مزرياً إلى نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 فأي بشارة هذه التي يبشرنا بها الطهطاوي وتلامذته؟!!

لقد كان وضع المرأة المسلمة بالمقارنة بالمرأة الأوربية في عصر الطهطاوي وما قبله وما بعده أفضل بمراحل ولامقارنة البتة بين وضع المرأة المسلمة التي كرمها الله في كتابه العزيز وأكرمتها السنة النبوية أحسن تكريم وبين المرأة الأوروبية التي يتحكم في حالتها مجموعة من العاهات العقلية والعقد النفسية التي أصابت رجل الدين المسيحي الذي أثر على المجتمع الأوروبي عدة قرون برسم صورة نمطية للمرأة تلك الكائن الشرير وذلكم الرجس الذي يجب الإبتعاد عنه واجتنابه على حد زعمهم!!

أم ماذا يريد الطهطاوي من تقليد المرأة المسلمة للمرأة الأوروبية؟! هل يريد أن تجاريها في العري والسفور والإبتذال؟!! هل هذا هو تحرير المرأة أم تدميرها؟!

لقد أثمرت دعوة الطهطاوي فبعد خمسين عاما من وفاة الطهطاوي ألف قاسم أمين المتوفى 1908 كتاب (تحرير المرأة).. وظهرت حمى التقليد الأعمى للمرأة الغربية: فهذه صفية مصطفى فهمي (التي تنسب إلى زوجها سعد زغلول على الطريقة الغربية) تقوم بشبه مسرحية هزلية مستغلة ثورة الشعب ضد الإحتلال الإنجليزي فتقوم بتظاهرة من النسوة تحت قيادتها وتجمع النسوة أمام ثكنات الإنجليز في قصر النيل بالقاهرة (وهو ميدان الإسماعيلية، فبعد هذه الواقعة غيروا اسمه إلى ميدان التحرير احتفالاً بتظاهرة هؤلاء النسوة)، ويهتفن ضد الإحتلال.. ثم يخلعن الحجاب، ويلقينه في الأرض، ويسكبن عليه الكيروسين، ويشعلن فيه النار.. ويحيا تحرير المرأة!!

لكن ماعلاقة الإحتلال الإنجليزي ومقاومته بخلع الحجاب؟!! رغم أنهن خرجن لابسات الحجاب ضمن طوائف المجتمع التي خرجت في ثورة 1919م.. أكاد أشك أن هناك أمراً دبر بليل!! فإذا كنت تريدين التحرر فلم التمحك في الرجل - حسب تعبير الأستاذ محمد قطب - وتنسبين نفسك إليه وتتركين اسم أبيك؟!

أقول: ولايزال هذا التقليد الغربي معمولاً به وخاصة في بيوتات ذوي الياقات البيضاء وما يمسى بعلية القوم!! الله يكرم الإنسان: (ادعوهم لآبائهم).. ويصر الإنسان أن ينسب إلى غير أبيه!! فكأنهم يحرفون الآية (ادعوهم لأزواجهم)!! فماذا يريد هؤلاء الطهطاويون من المرأة المسلمة: إسلامها كرمها أعظم تكريم؛ ذمتها المالية منفصلة عن ذمة زوجها، لاتباع ولاتشترى، هي حرة بتحرير الإسلام لها فهي الأم والأخت والبنت والزوجة والمربية والشاعرة والفقيهة والعابدة والمستشارة.. فماذا (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير)..

وكان من ثمرات الفكر الطهطاوي أنه "عندما أصدر قاسم أمين كتابه تحرير المرأة، قاطعه الناس وحرم الكبراء عليه دخول بيوتهم، وأفتى بعض العلماء أنه خرج عن الإسلام، وكان أحمد لطفي السيد من القلائل الذين وقفوا إلى جانب قاسم أمين، وقال لطفي السيد يومها: (إنه لن تمر على مصر أكثر من خمسين عاماً إلا وتكون المرأة المصرية وزيرة) وسمع الخديوي عباس لهذا الرأي، فقال: (إن لطفي السيد قد جن وأنه يحسن وضعه في السراي الصفراء) والسراي الصفراء هو الإسم الذي كان يطلق على مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية.

وقبل أن تمضي خمسون عاماً على هذا الحديث كانت المرأة المصرية تثبت بالفعل وزيرة للشئون الإجتماعية" وكان من ثمرات الفكر الطهطاوي ظهور جيل من النساء اللائي تفرنجن وفضلن السفور على الحجاب منهن الكاتبة الشهيرة (باحثة البادية) واسمها ملك ناصف ابنة الشيخ حفني ناصف بك، ولدت بالقاهرة سنة 1886م وتلقت مبادئ العلوم في مدارس أولية ثم دخلت المدرسة السنية فنالت الشهادة الإبتدائية في سنة 1900م ثم نالت إجازة التدريس من قسم المعلمات ومارست التعليم في مدارس البنات الأميرية، وتوفيت 1918م، وكانت من الداعيات إلى السفور بعد قاسم أمين، وكانت تفضل السفور على الحجاب ولها كتاب (النسائيات) وكانت تكتب مقالات في تناهض الحجاب ورغم ذلك حافظ إبراهيم بقصيدة منشورة في ديوانه سنة 1918م.

وجاءت نبوية موسى (1890 ـ 1951) وسارت على نفس الدرب فكانت أول ناظرة وأول مفتشة في وزارة المعارف المصرية ولها كتابات عن المرأة وتحريرها!! ولها كتابات أيضاً عن تاريخ الفراعنة وتمجيدها للشخصية المصرية بغض النظر عن الدين!! هكذا تولى الطهطاوي كبر سفور المرأة المسلمة تحت شعار (تحرير المرأة!) وسار على دربه العلمانيون الجدد الذي لم تعجبهم شهادة الجبرتي فغمزوا ولمزوا وهمزوا في هذا المؤرخ الأمين!! وعظموا وبجلوا وشرفوا وكرموا الطهطاوي ومن سار على نهجه لأنه فتح باب الطعن على مبادئ الإسلام وقيمه، فطفقوا يعربدون في مقدسات الإسلام ولا رادع لهم!!

(ج): استحسانه الغناء والتمثيل والرقص: قال الطهطاوي محسناً الغناء: "قال بعض الحكماء: فضل الغناء كفضل النطق على الخرس والدينار المنقوش على القطعة من الذهب، وفي بعض كلامهم: إن الغناء يحرك الهوى الساكن ويسكن ألم الهوى المتحرك. قال أفلاطون: هذا العلم، يعني علم الموسيقى. لم يضعه الحكماء للهو واللعب، بل للمنافع الذاتية، ولذة ********ة، وبسط النفس، وترطيب اليبوسات، وتعديل السوداء، وترويق الدم، وقال بعضهم: سميت الأنغام والألحان بالغناء لأن النفس تستغني به عن الملاذ البدنية في حال سماعه"، "فمن مجالس الملاهي عندهم محال تسمى (التياتر) و(السكاتاكل) وهي يلعب فيها تقليد سائر ما وقع، وفي الحقيقة إن هذه الألعاب هي جد في صورة هزل، فإن الإنسان يأخذ منها عبراً عجيبة، وذلك فيها سائر الأعمال الصالحة والسيئة، ومدح الأولى، وذم الثانية حتى إن الفرنساوية يقولون إنها تؤدب أخلاق الإنسان وتهذبه"، "ومن المتنزهات محال الرقص المسماة (البال) وفيه الغناء والرقص، وقلّ إن دخلت في بيت من بيوت الأكابر إلا وقد سمعت به الموسيقى والمغنى، ولقد مكثنا لانفهم لغنائهم معنى أصلاً لعدم معرفتنا بلسانهم".

أقول: نتساءل بدورنا: لماذا ذهبت إلى هذه الملاهي وهذه المسارح وأماكن اللهو والعبث أيها الشيخ الأزهري الوقور؟! وما الداعي لدخولك بيوت الأكابر والأسافل لتشاركهم في طربهم وغنائهم ورقصهم؟! وما هي الأعمال الصالحة التي يتعلمها مرتادوالملاهي بعد جرعات السموم من رقص وتمثيل وخلاعة؟! هل نسي أو تناسى الشيخ الطهطاوي أنه رجل أزهري يعلم حرمة التردد على هذه الأماكن؟! ألم يعلم الشيخ رفاعة أن خلطته وجلوسه لأهل الفن واللهو والطرب خارم من خوارم المروءة؟! أكاد أجزم أنه يعلم ذلك جيداً.

ويحدثنا فضيلة الشيخ رفاعة الطهطاوي عن فوائد الرقص: "وقد قلنا إن الرقص عندهم من الفنون وقد أشار إليه المسعودي في تاريخه (مروج الذهب) فهو نظير المصارعة في موازنة الأعضاء ودفع قوى بعضها إلى بعض. فليس كل قوي يعرف المصارعة، بل قد يغلبه ضعيف البنية بواسطة الحيل المقررة عندهم، وما كل راقص يقدر على دقائق حركات الأعضاء، وظهر لي أن الرقص والمصارعة وجعلهما شئ واحد يعرف بالتأمل، ويتعلق بالرقص في فرنسا كل الناس وكأنه نوع من العيافة والشلبنة، لا من الفسق، فلذلك كان دائماً غير خارج عن قوانين الحياء، بخلاف الرقص في أرض مصر لا يشم منه رائحة العهر أبداً، وكل إنسان يعزم امرأة يرقص معها، فإذا فرغ الراقص عزمها آخر للرقصة الثانية وهكذا، وسواء كان يعرفها أولاً أم لا، وتفرح النساء بكثرة الراغبين في الرقص معهن، ولايكفيهن واحد ولا اثنان، بل يحببن رؤية كثير من الناس يرقصن معهن لسآمة أنفسهن بالتعلق بشئ واحد".

ويسترسل الشيخ رفاعة شارحاً بروتوكولات وقواعد الرقص وآدابه وأصوله: "وقد يقع من الرقص رقصة مخصوصة يرقص الإنسان ويده في خاصرة من ترقص معه، وأغلب الأوقات يمسكها بيده، وبالجملة فمس المرأة أياً ما كانت في الجهة العليا من البدن غير عيب عند هؤلاء النصارى، وكلما حسن خطاب الرجل مع النساء ومدحهن عد هذا من الأدب".

أقول: هذه بشارة لأهل الخلاعة والفساد فقد جاءهم الشيخ رفاعة الطهطاوي بالرقص!! فليهنأ الراقصون والراقصات وأهل الفن والطرب فإنهم أبطال المصارعة الحرة!! لقد حسّن الطهطاوي لهم الفن الرفيع ومنحهم الصك الشرعي بالإباحة فلا ضير عليهم فليرقصوا وليرتعوا وليفسدوا فكل شئ مباح!! تأمل! هذا السخف الذي وضعه فضيلة الشيخ الأزهري في كتبه! تأمل هذه الدعوى الخبيثة التي تدعو إلى محاكاة الغرب حتى في فجورهم وفسادهم! هذه دعوى بكل وضوح وصراحة للإختلاط بين الرجال والنساء حيث الرقص والتفسخ الخلقي! وحيث إن الطهطاوي يعلم أن دعواه مرفوضة لدى العالم الإسلامي وستقابل بالسخط والإستنكار حتى من عوام الناس، نراه يستشهد بالمؤرخ المسعودي صاحب كتاب مروج الذهب، وكأنه يخوفنا بمروج الذهبي وبالمسعودي لأن لديه أثارة من علم بخصوص الرقص! إذن فالرقص مدون في كتب التاريخ وشبهه المسعودي بالمصارعة!!

ولنا رد على هذه الجزئية نختصره في النقاط التالية: لم يقل المسعودي هذا النص الذي نقله الطهطاوي بل إن أقرب حكاية ذكرها المسعودي عن الرقص وردت في المجلد الرابع من مروج الذهب: "فلما كان صبيحة تلك الليلة دعا الخليفة المعتمد من حضره في اليوم الأول، فلما أخذوا مراتبهم من المجلس قال لبعض من حضره من ندمائه ومغنيه؛ صف لي الرقص وأنواعه، والصفة المحمودة من الراقص واذكر لي شمائله".

وبعد التحقيق لم نجد النص الذي ذكره الطهطاوي في مروج الذهب. ورغم ذلك فإن المسعودي ذكر أشنع من الرقص في حق الصحابة وخلفاء المسلمين من تهم وأباطيل لطالما يتخذها العلمانيون وأهل الأهواء تكأة للنيل من الإسلام والمسلمين.

إن الحكايات التاريخية ليست من المستندات الشرعية التي تبنى عليها الأحكام، وهذا معلوم في كتب الأصول.

أما المسعودي المؤرخ وأماته العلمية: يقول عنه أبو بكر بن العربي: "ومن أشد شئ على الناس جاهل عاقل، أو مبتدع حتال، فأما الجاهل (..) وأما المبتدع المحتال فالمسعودي، فإنه يأتي منه متاخمة الإلحاد فيما روي من ذلك، وأما البدعة فلاشك فيه، فإذا صنتم أسماعكم وأبصاركم عن مطالعة الباطل، ولم تسمعوا في خليفة ما ينسب إليه ما لايليق ويذكره عنه ما لايجوز نقله، كنتم على منهج السلف سائرين، وعن سبيل الباطل ناكبين".

ويقول فيه الشيخ محب الدين محقق العواصم من القواصم: "على بن الحسين المسعودي يعده الشيعة من شيوخهم وكبارهم، ويذكر له المامقانيٍ في تنقيح المقال (2 : 282 - 283) مؤلفات في الوصاية وعصمة الإمام وغير ذلك مما يكشف عن عصيبته والتزامه غير سبيل السنة المحمدية. ومن طبيعة التشيع والتحزب البعد بصاحبه عن الإعتدال والإنصاف".

وكان من ثمرات الفكر الطهطاوي أن التمثيل والغناء في عهد الخديو إسماعيل صار مرعياً من جانب الدولة: " ولما كان إسماعيل باشا نفسه.. ميالاً بطبيعته للفنون الجميلة وفي طليعتها الموسيقى والغناء لم يكن غريباً أن يشتهر عصره بالمرح والحبور وأن ينمو الفن في عهده. ولما كانت النهضة التمثيلية في النصف الثاني من القرن الغابر ماتزال في بدايتها فقد راح إسماعيل يساعد الجانب الأوربي منه آملاً في أن يؤدي ذلك إلى نهضة التمثيل في مصر. وفي الحق إنه لم يستكثر أية مساعدة على المسرح المصري ولذا أنشأ في القاهرة مسرح الكوميدي بالأزبكية وقد شرع في بنائه في نوفمبر سنة 1866 واحتفل بافتتاحه في 3 يناير 1868 ثم دار الأوبرا في سنة 1869 لمناسبة حفلات افتتاح قناة السويس. وتم بناء الأوبرا في خمسة أشهر ومثلت فيها في مساء 29 نوفمبر سنة 1866 أول أوبرا واسمها (يجوليتو) شهدتها الأمبراطورة أوجيني عقيلة نابليون الثالث وأعجبت بها. ولم يفت إسماعيل أن يعهد للموسيقى الإيطالي (فردي) بأن يضع أوبرا مصرية وضع العلامة ماربيت باشا موضوعها وهي روايى (عايدة) وقد مثلت فعلاً في القاهرة لأول مرة في 24 ديسمبر سنة 1871م ومنذ ذلك الحين أخذت الحكومة تجلب الفرق الفرق الأجنبية وتغدق عليها المال. أما في الإسكندرية فقد أنشأ الخديو مسرح (زيزينا) ومسرحاً آخر اسمه (الفييري)!!".

وكان الخديو إسماعيل يقرب المغنين وأهل الطرب فكان عبده الحامولي المتوفى سنة 1901م من ندماء الخديو ومن المقربين إليه وكان الخديو يصحب هذا المغني معه في رحلاته واستصحبه معه إلى الآستانة.. وظهرت في عصر الخديو أيضاً راقصات وعوالم ومغنيات مثل (ألماس) التي يناديها العامة بألماظ كانت زوجاً لعبده الحامولي!! وهناك مغن يهودي من أهالي الإسكندرية اسمه (جاك رومانو) كان صديقاً لعبده الحامولي مدحه حافظ إبراهيم وأشاد ببراعته في الغناء في قصيدته التي نشرها في 15 نوفمبر 1908م.

وانظر إلى قول حافظ واسرافه في المدح المخالف للشرع:

ارحمونا بني اليهود كفاكم ما جمعتم بحذقكم من نقودِ
واصفحوا عن عقولنا ودعوا الخلـــقَ بسرِّ التوراة والتلمودِ
لاتزيدوا على الصكوك فخاخاً من غناءٍ ما بين دفٍ وعودِ
ويحكم إنّ (جاك) أسرفَ حتى زادَ في قومه على داودِ
أسكتوه لا أسكتَ الله ذلك الـــصوتَ صوتَ المتيّم الغريّدِ
أوْ دعوه فداؤه إن تغنّى كلُّنفسٍ وكلُّ ما في الوجودِ

وقال في هذا الجاك أيضاً:

يا (جاكُ) إنك في زمانك واحدٌ ولكلِّ عصرٍ واحدٌ لا يُلْحَقُ
إن الأولى عاصروك وفاتهم أنْ يسمعوك كأنّهم لم يخلقوا
قد جاء (موسى) بالعصا وأتيتنا بالعود يشدو في يديك وينطقُ
فإذا ارتجلت لنا الغناء فكلنا مُهجٌ تسيلُ وأنفسٌ تتحرقُ

أقول: هكذا يستمر حافظ إبراهيم بك شاعر النيل في مبالغاته وذكره لأنبياء الله لدرجة أن هذا الجاك اليهودي من حلاوة صوته زاد على حسن صوت نبي الله داود عليه السلام!! ليس هذا فحسب بل فكما جاء نبي الله موسى عليه السلام بمعجزة العصا جاء هذا (الجاك) بآلة العود ليطرب أهل هذا الزمان!! فبئس التشبيه وبئست المقارنة!! فمقام أنبياء الله أسمى وأرفع من أن تدنس أسماؤهم في مثل هذه الأبيات وصدق الله تعالى إذ يقول (والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون).. وظهر في عصر إسماعيل أيضاً رجل يعتبرونه سلطان العازفين على آلة القانون !! اسمه (محمد العقاد القانونجي)..

وهكذا صار سفلة القوم علية الناس وانقلت المواززيين واختلت المعادلات وأصبح للراقصين والمغنين والعوالم حماية من جانب الجولة وقويت شوكتهم على مرور الزمان وصارت لهم دولة تسمى دولة الفناننيين يقربهم الحكام المتسلطون ليخدروا الأمة بأغانيهم وممسرحياتهم وأفلامهم ومن ثم يتغافل الناس عن هزائم الحاكم وجبروته وظلمه للبلاد والعباد!!

أقول: لقد منح الطهطاوي ثقته الكاملة في قدرة العقل على التحسين والتقبيح مثلما رأت المعتزلة قديماً غير أنه يفوق المعتزلة الأوائل بأطروحاته الغريبة حيث لم يتطرق المعتزلة لتنحية الشريعة الإسلامية ولم يدر في أدمغتهم ذلك، رغم أنهم فتحوا باب هذه الفتنة للمعتزلة الجدد واللادينين أيضاً.

أما الطهطاوي تجاوز الثوابت المقدسة!! لكن الملاحظ أن الطهطاوي سحب ثقته المطلقة في قدرة العقل على التحسين والتقبيح بمعنى أنه رجع إلى أشعريته الأزهرية؟! لأن الأزهر ومعظم العالم الإسلامي في تلك الفترة كان على مذهب الأشاعرة! لكن بماذا نفسر هذا التناقض لدى الطهطاوي؟

قد يقول قائل: الرجل غير رأيه فلماذا تحاكموه؟!!
أقول: إن الطهطاوي لم يتراجع كما يفهم من آرائه المتناقضة، فلو أنه قال رأيه في كتابه الأول تخليص الإبريز ثم تراجع في آخر مؤلفاته مناهج الألباب؛ لقلنا إن الرجل غير رأيه في آخر حياته. لكن الأمر الذي لامراء فيه أن الطهطاوي لم يتراجع ولم يغير رأيه؛ فحالة الإضطراب التي انتابت الرجل هي التي أوقعته في مثل هذه التناقضات. فالرجل متناقض في المؤلف الواحد ففي صدر الكتاب تراه يبدي رأياً ثم في نفس الكتاب يتناقض مع رأيه السابق!! فالطهطاوي كان يمثل مرحلة انتقالية (مرحلة الإنسلاخ من الإسلام) والتسربل بدين جديد اسمه (العلمانية)!!

وقد فسر الدكتور عمارة محقق الأعمال الكامل هذه الإزدواجية وهذا الإضطراب قائلاً: "إنه لم يدخل معركة فكرية ضد النمط اللاعقلاني الذي كان سائداً في الدولة العثمانية ـ عصر المماليك والأتراك العثمانية ـ وأيضاً كون الرجل في هذا الحقل يمثل مرحلة الإنتقال، وهي أمور وعوامل أثقلت من خطاه على هذا الدرب، ولم تثقل من خطا الذين جاءوا من بعده، فكانوا امتداداً متطوراً لكثير من الأفكار التي قدمها هذا الرائد العملاق للإنسان العربي في مطلع عهد هذا الإنسان بحركة البعث والنهضة والإحياء".

أقول: هكذا برر أحد المولعين بالفكر الإعتزالي اضطراب وتناقض الطهطاوي في قدرة العقل على التحسين والتقبيح؟! وما هي الآثار المترتبة على هذا التراجع؟!

أو بمعنى آخر: هل تراجع الطهطاوي عن تحسيناته العقلية للأنموذج الغربي المستورد ومدحه للمجالس التشريعية التي تشرع بغير ما أنزل الله وتحسينه لسن قوانين على غرار المنظومة الغربية؟!! هل تراجع الطهطاوي عن تحسينه للرقص والغناء والتمثبل والموسيقى؟! هل تراجع عن تسحينه لتقييد تعدد الزوجات؟ هل تراجع عن تحسينه لخروج المرأة ومزاحمتها للرجال في ميادين الحياة التي أدت إلى ضياع المرأة وضياع مجتمعاتنا؟!! هل تراجع الطهطاوي عن عدائه للخلافة العثمانية ومدحه لحاكم مصر محمد علي باشا وهو يحارب أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله؟! هل تراجع الطهطاوي عن تحسينه لتاريخ الفراعنة وإثارته للنعرة المصرية الفرعونية؟!!
زبدة القول: لم يتراجع الشيخ رفاعة ولم يتب عن اطروحاته في كتبه المذكورة، ومن ثم كانت أفكاره هي اللبنات الأولى للعلمانية العربية الحديثة.






























الفصل الرابع
الطهطاوي وإحياء نعرات الجاهلية
وإحلال ولاء الوطن محل الدين والعقيدة

لأول مرة في تاريخ المسلمين تظهر كتابات تتكلم عن الوطنية وللمواطن والتغني بالوطن على حساب الدين. لأول مرة في تاريخ الإسلام تحل رابطة الأرض والعرق والدم والقرابة محل الرابطة الدينية الإيمانية، ولما كانت القضية الوطنية تحتاج إلى سياج يحميها، نبش دعاة التغريب في تاريخ ما قبل الإسلام، من تاريخ الفراعنة والفينيقيين وبابل آشور...إلخ.

لقد تكلم الطهطاوي عن تاريخ الفراعنة بفخر واعتزاز بغية تأكيد مفهوم الولاء والبراء على أساس الأرض والدم والقرابة، فتمجيد تاريخ ما قبل الإسلام كان لتأكيد مصطلحات الجاهلية الجديدة (الوطن/المواطن/الوطنية).

كانت هذه تقدمة لما سنتناوله في هذا الفصل الذي خصصناه لمناقشة هذه القضية التي تكلم الطهطاوي عنها في مؤلفاته وتعليقنا على آرائه المطروحة والمبثوثة في كتبه.

أولاً: الطهطاوي ومفهوم الوطن والوطنية:

يعرف الطهطاوي الوطن بأنه: "عش الإنسان الذي فيه درج، ومنه خرج ومجمع أسرته، ومقطع سرته وهو البلد الذي نشأته تربته وغذاؤه وهواؤه، وربّاه نسيمه، وحلت عنه التمائم فيه".

ويقول عن (حقوق المواطن) : "ثم إن ابن الوطن المتأصل به، أو المنتجع إليه، الذي توطن به واتخذه وطناً، ينسب إليه، تارة إلى اسمه فيقال: مصري مثلاً، أو إلى الأهل فيقال: أهلي، أو إلى الوطن فيقال: وطني، ومعنى ذاك أنه يتمتع بحقوق بلده، وأعظم هذه الحقوق الحرية التامة في الجمعية التأنسية، ولا يتصف الوطني بوصف الحرية إلا إذا كان منقاداً لقانون الوطن ومعيناً على اجرائه، فانقياده لأصول بلده يستلزم ضمناً ضمان وطنه له التمتع بالحقوق المدنية، والتمزي بالمزايا البلدية، فبهذا المعنى هو وطني وبلدي، يعني أنه معدود عضواً من أعضاء المدينة، فهو لها بمنزلة أحد أعضاء البدن، وهذه أعظم المزايا عند الأمم المتمدنة. وقد كان أهالي غالب الأمم محرومين من تلك المزية، التي هي من أعظم المناقب".

ويتحدث عن واجبات الوطن: "فالوطني المخلص في حب الوطن يفدي وطنه بجميع منافع نفسه، ويخدمه ببذل جميع ما يملك، ويفديه بروحه، ويدفع عنه كل من تعرض له بضرر كما يدفع الوالد عن ولده الشر، فينبغي أن تكون نية أبناء الوطن دائماً متوجهة في حق وطنهم إلى الفضيلة والشرف، ولا يرتكبون شيئاً مما يخل بحقوق أوطانهم وإخوانهم، فيكون ميلهم لما فيه النفع والصلاح، كما أن الوطن نفسه يحمي عن ابنه جميع ما يضره، لما فيه هذه الصفات، فحب الأوطان وجلب المصالح العامة للإخوان من الصفات الجميلة التي تتمكن من كل واحد منهم محبوباً للآخرين، فما أسعد الإنسان الذي يميل بطبعه لإبعاد الشر عن وطنه ولو بإضرار نفسه، فصفة الوطنية لاتستدعي فقط أن يطلب الإنسان حقوقه الواجبة له على الوطن، بل يجب عليه أيضاً أن يؤدي الحقوق التي للوطن عليه للوطن، فإذا لم يوف أحد من أبناء الوطن بحقوق وطنه ضاعت حقوقه المدنية التي يستحقها على وطنه".

ويتكلم عن الأخوة في الوطن: "الأخوة الوطنية: فجميع ما يجب على المؤمن لأخيه المؤمن يجب على أعضاء الوطن في حقوق بعضهم على بعض، لما بينهم من الإخوة الوطنية فضلاً عن الأخوة الدينية، فيجب أدباً لمن يجمعهم وطن واحد: التعاون على تحسين الوطن وتكميل نظامه فيما يخص شرف الوطن وإعظامه وغناءه وثروته، لأن الغنى إنما يتحصل من انتظام المعاملات وتحصيل المنافع العمومية، وهي تكون بين أهل الوطن على السوية".

نلاحظ تبني الطهطاوي للمفهوم الأوروبي للتعريف بالوطن "للمرة الأولى في البيئة الإسلامية نجد كلاماً عن الوطن والوطنية وحب الوطن بالمعنى القومي الحديث في أوروبا، الذي يقوم على التعصب لمساحة محدودة من الأرض، يراد اتخاذها وحدة وجودية، يرتبط تاريخها القديم بتاريخها المعاصر، فكوّنا وحدة متكاملة، ذات شخصية مستقلة، تميزها عن غيرها من بلاد المسلمين وغير المسلمين. وللمرة الأولى نجد اهتماماً بالتاريخ القديم يوجه لتدهيم هذا المفهوم الجديد للوطن".

وهذا سر اهتمام الطهطاوي بتاريخ ماقبل الإسلام وهو ما سنوضحه في الفقرة التالية.

ثانياً: تمجيد الطهطاوي لتاريخ الفراعنة:

تحت عنوان حضارة مصر القديمة يقول الطهطاوي: "فقد أجمع المؤرخون على أن مصر عظم تمدنها، وبلغ أهلها درجة عليا في الفنون والمنافع العمومية، فكيف لا وإن آثار التمدن وأماراته وعلاماته مكثت بمصر نحو ثلاثة وأربعين قرناً يشاهدها الوارد والمتردد، ويعجب من حسنها الوافد والمتفرج، مع تنوعها كل التنوع، وسلاطينها هي من أقوى دلائل العظمة الملوكية. وفيها بيت فرعون، وهو قطعة واحدة من الحجر وسقفه وفرشه وحيطانه من الحجر الأخضر، وكان لها سبعون باباً، وهي مدينة المملكة المصرية، وكانت منازل الملوك من القبط الأولى والعماليق ومسكن الفراعنة، ومازال الملك بها إلى أن ملك الروم اليونان ديار مصر، فانتقل كرسي المملكة منها إلى الإسكندرية ومع ذلك لم تزل عامرة إلى أن جاء الإسلام، ثم خربت، وفيها كانت الأنهار تجري من تحت سرير الملك وكانت أربعة أنهار".

ويستمر الطهطاوي في مدح الفراعنة: "والمصريون من قديم الزمان كانوا منقادين للحكم الملوكي، فكانوا مطيعين لملكهم، وكان الملك منقاداً أيضاً لقوانين المملكة وأصولها، وكانت حكماء مصر تذكر الملوك دائماً بالحقوق والواجبات، وتحثهم على التمسك بالفضائل الملوكية، وتعلن من يصرفهم عنها من بطانة السوء وأهل النفاق، وكانت الملوك في تلك الأوقات يشتغلون بمطالعة الحكم والآداب والمواعظ، والتواريخ، وكل مايرشد إلى العدل والإستقامة. وكانت مصر منقسمة إلى عمالات (أي محافظات) وعلى كل عمالة حاكم فهذا التقسيم قوى شوكة أمناء الدين وجعلهم مختصين بممارسة العلوم، وبتقنين القوانين الملكية، وبنفوذ الكلمة في الحكومة "، " وأما الديانة عن المصريين فكانت أيضاً مرتبة إذ كان أمناء دينهم يعتقدون ألوهية الذات العليا، وكان لهم أسرار عجيبة، فكانوا لايظهرونها إلا لقليل من الناس، وكان عامة الناس يعبدون الأوثان، ومنشأ عبادتها عندهم أنهم كانوا يؤلهون كل من اخترع أمراً غريباً من قانون أو علم أو فن، فكانوا متقدمين في الهندسة والمساحة والآلات الهندسية كعلم الجغرافيا والنجوم ".

ويقول في مدح قوانين الفراعنة: "وكانت قوانينهم تميل إلى الحث على العمل، فقطع عرق البطالة والغش والتدليس، وغير ذلك من الموبقات، فمن هذا يفهم تقدمهم في التمدن، وأن مملكتهم في الأزمان السالفة كانت عادلة محترسة مستنيرة بالمعارف".

وفي تعليقه على قصة نبي الله يوسف عليه السلام يقول مادحاً قانون الفرعون: "ويستدل بهذا أيضاً على أن قوانين معاملة الخدم والرقيق كانت عادلة لايسوغ فيها للسيد الذي أساءه عبده كل الإساءة أن ينتقم منه لنفسه، كما يحب ويختار، فهذا يفيد أن الملة كانت متمدنة". ويضيف أيضاً : " فمنه يعلم أنه كان بمصر إذ ذاك أحكام عادلة وحدود مشروعة خالية من الأغراض والنفسيات وهي نتيجة التمدن التام".

أقول: لكن لماذا سجن نبي الله يوسف عليه السلام إذا كانت أحكامهم عادلة؟! ألم يقل عزيز مصر وحاكمها لما تأكد من براءة نبي الله يوسف عليه السلام كما يقول القرآن الكريم: (فلما رءا قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إنّ كيدكن عظيم. يوسفُ أعرضْ عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) فبعد أن تحقق حاكم مصر من صدق يوسف عليه السلام وكذب زوجته يقول لزوجته (إنه من كيدكن).. (إن كيدكن عظيم).. ثم يقول للبرئ آمراً ليوسف عليه السلام بكتمان ما وقع (يوسف أعرض عن هذا).. ثم يقول العزيز لزوجته بكل هدوء ولين شأن أصحاب القصور وأهل الحكم (استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين)..

ويتمادى القوم في غيهم وظلمهم ليوسف عليه السلام فيضعونه في السجن بعدما رأوا الآيات : (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين).. يقول الحافظ ابن كثير معلقاً على هذه الآية: (يقول تعالى ثم ظهر لهم من المصلحة فيما رأوه أنهم يسجنونه إلى حين أي إلى مدة وذلك بعد ما عرفوا براءته وظهرت الآيات وهي الأدلة على صدقه وعفته ونزاهته. وذكر السدي أنهم سجنوه لئلا يشيع ما كان منها في حقه ويبرأ عرضه فيفضحها).

ثم يأتي الطهطاوي بعد ذلك ليقول : "ويستدل بهذا أيضاً على أن قوانين معاملة الخدم والرقيق كانت عادلة لايسوغ فيها للسيد الذي أساءه عبده كل الإساءة أن ينتقم منه لنفسه، كما يحب ويختار، فهذا يفيد أن الملة كانت متمدنة"..

فأي عدل هذا وأي تمدن هذا الذي يتكلم عنه الطهطاوي والقوم قد سجنوا البرئ؟!!

ويقول مادحاً فرعون مصر رمسيس: "من المعلوم أن من أسس في مملكة مصر السعادة والسياسة والأمنية وحفظ حقوق الرعية هو الملك رمسيس الذي اشتهر باسم سيزوستريس وهو الذي شيد في مصر القصور الشامخة والهياكل السامية المنافسة للأطواد الراسخة، واتخذ ما يلزم للوطن من الجسور والقناطر والخلجان، ولم يفارق الدنيا حتى ترك مصر على غاية من الثروة والغنى والسعادة والهنا وكل إنسان شاكر لفعله وعلى تداول الأزمان لازال التاريخ يثني على شمائله وجميل خصاله".

ويزيد في مدح فرعون مصر: "فكان هذا الملك في الحقيقة فخر الدولة المصرية في الأزمان الجاهلية ومصباح تاريخها، اعتنى بتاريخه مؤرخو اليونان، لأنه أول ملك مصري قربهم إلى بلاده، واستمال قلوبهم بتوظيفهم لرئاسة أجناده وخالف عوائد أسلافه، وعامل يونان وآسيا وأوروبا بأخص استعطاف وأقطعهم الإقطاعات من الأراضي المصري، و سوى في الحقوق بينهم وبين الجنود في الوطنية".

من خلال هذا التصور الجديد للوطن والوطنية ضرب الطهطاوي أمثلة للأسوة والقدوة من تاريخ الفراعنة وتعظيمه لفرعون مصر (فخر الدولة المصرية في الأزمان الجاهلية ومصباح تاريخها)!! فأي فخر هذا لملك يفرط في أرضه ويدخل الأجانب ويمنحهم هذه الامتيازات على حساب شعبه وأبناء جلدته!! فهذه دعوى الجاهلية الأولى، ولسنا نتقول على الرجل بل هذه أقواله شاهدة على آرائه الغريبة على عالمنا الإسلامي!!

فالطهطاوي لم يكتف بتحسين التاريخ الفرعوني بل تمادى في إطرائه لدرجة أنه مدح ديانة الفراعنة كما ذكرنا آنفاً. تأمل! هذا الإحياء الجديد لهذه الرمم التي عفا عليها الزمن. إنها دعوى للفرعونية وبعثها من جديد لتأكيد مفهوم الوطن والوطنية والعودة إلى العصبية للأرض والقرابة أي دعوة إلى عدم اعتبار رابطة الإسلام والإيمان التي دعا إليها القرآن الكريم (إنما المؤمنون أخوة) وتكمن خطورة الطهطاوي في كونه عالماً أزهرياً يستشهد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وكثير من أبيات الشعر، مما يسهل مهمة تلبيس الحق بالباطل، وهذا نجده واضحاً في قوله: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكة، علا مطيته، واستقبل الكعبة، وقال: (والله لأعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله تعالى، ولولا أن أهلك أخرجوني منك لما خرجت".

أقول: هذا الحنين إلى الديار أمر فطري لاجناح عليه، ولايتناقض وعقيدة الولاء والبراء في الإسلام، لكنه في حالة تعارض الولاءات، فالرسول صلى الله عليه وسلم قدم ولاء العقيدة والإسلام على ولاء الأرض رغم أن مكة خير بقاع الأرض، فهنا انتصر ولاء العقيدة على ولاء الوطن، ومن قبل فعل نبي الله إبراهيم عليه السلام عندما تعارض ولاء الأبوة والرحم مع ولاء العقيدة قال تعالى: (فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه) وقال تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده) وقد كان هذا منهج الصحابة رضوان الله عليهم؛ ففي غزوة بدر تباينت الولاءات، وتمايزت البراءات، فالمهاجرون يقاتلون آباءهم وأبناءهم وإخوانهم وعشيرتهم من المشركين، وهم بنو وطن واحد، وعشيرة واحدة، بل وعائلة واحدة، فهذا أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه يقتل أباه، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقتل خاله، فانتصر ولاء العقيدة على ولاء القرابة والدم والأرض.

وهذا عبادة بن الصامت رضي الله عنه الذي كان حليفاً لليهود يعلن ولاءه لله ورسوله ويتبرأ من حلفائه من يهود بني قينقاع الذين غدروا ونقضوا عهدهم إذ يعلن على الملأ براءته من حلفائه من يهود مظاهرة لله ورسوله قائلاً: (يا رسول الله إن لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله). هكذا عندما تعارضت مصلحة العقيدة مع المصلحة الشخصية قدم عبادة بن الصامت ولاء العقيدة وأسقط تحت قدميه ولاء المصلحة الشخصية.

وقد أفاض القرآن الكريم في هذه القضية وركز على ولاء العقيدة والإيمان فقال تعالى: (ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون) (ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض. ومن يتولهم منكم فإنه منهم. إن الله لايهدي القوم الظالمين) .

لكن الطهطاوي يتغافل عن هذه الآيات البينات في عقيدة الولاء والبراءة ويضرب بها عرض الحائط ويضّيق المفهوم الواسع للولاء والبراء في العقيدة الإسلامية وينادى برابطة جديدة تحل محل رابطة الإسلام.

ولكي يفصل القرآن مبدأ (الولاء) الذي هو مبدأ أساسي في سياسة الأمة الإسلامي، ويبرر أسباب ما يراه فيه فيقول: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) فالآية الأولى تحدد من يكون له الولاء والمودة. وهم الله ورسوله، والمؤمنون الذين يباشرون العبادة والطاعة لله. والآية الثانية تعد بنجاح التماسك في الأمة على أساس مثل هذا الولاء.

ثم يستطرد القرآن مبرراً لما حدده هنا فيقول: (ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء، واتقوا الله إن كنتم مؤمنين، وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعباً ذلك بأنهم قوم لايعقلون) فقد اعتاد الفريقان أن يسخرا من الصلاة عندما يؤذن لها. وسخريتهم من دين المؤمنين على هذا النحو يعبر عن عدم احترامهم للمؤمنين. وليس من حسن السياسة أن يكونوا هم وأهل الكتاب والمشركون على السواء، موضحاً: أن منع المؤمنين والمؤمنات من أن يكون لهم ولاء لغيرهم: يكون الإنسان موالياً أو صاحب ودّ وصداقة لمن لايحترمه، ولمن يسئ إليه فيما يعتقده. وكما ينهى القرآن عن أن يتجاوز المؤمنون والمؤمنات بولائهم أو صداقتهم وودهم: إخوانهم في الإيمان، إلى غير المؤمنين من أهل الكتاب والمشركين ممن اعتادوا أو ممن شأنهم أن يسخروا من المؤمنين ومن دينهم على السواء، ينهي أيضاً عن أن يتخذ المؤمنون والمؤمنات (خاصة) و(مستشارين) من غير المؤمنين، فيقول: (ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ماعنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون. هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ. قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور. إن تمسسكم حسنةٌ تسؤهم وإن تصبكم سيئةٌ يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لايضركم كيدهم شيئاً إن الله بما تعملون محيط) ، وإذا كان القرآن يبرر ما يدعوا إليه المؤمنين والمؤمنات من قبل: من عدم الولاء لغيرهم، بسبب سخرية هؤلاء لدين المؤمنين واستهزائهم بما يؤدونه من عبادة، فإنه يبرر دعوته الثانية إلى المؤمنين والمؤمنات بعدم اتخاذ (بطانة) و(خاصة) و(مستشارين):
أ) بعدم تقصير هؤلاء من أهل الكتاب والوثنيين أو الماديين الملحدين - إذا ما أصبحوا بطانة للمؤمنين والمؤمنات - فيما يسبب الأزمات والشر والفساد لهم (لايألونكم خبالاً).
ب) وبالرغبة في التفتيش عما يشق على نفوسهم، ويسبب لهم العنت: (ودوا ماعنتم).
ج) وبانطواء نفوسهم على البغض والحقد (قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر).
د) وبالرغبة في الانتقام منهم: (وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ).
هـ) وبأن نجاح المؤمنين يسوؤهم.. بينما يسعدهم اخفاقهم (إن تمسسكم حسنة تسؤهم، وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها).

وقد بلور القرآن ما دعا إليه المؤمنين والمؤمنات من مواقف في سياستهم مع غيرهم على الأخص في قوله تعالى: (تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) ، هم في واقع أمرهم أعداء للممؤمنين وأعداء لله جل جلاله لأنهم جميعاً يكفرون بالقرآن كآخر رسالة سماوية.

وقد حذر القرآن المؤمنين بعد أن كفر أعداؤهم بما جاء إليهم من الحق، وهو القرآن الكريم: من أن يمدوا إليهم يد الولاء والمودة.. أو أن يتخذوا منهم خاصة وبطانة لهم. لأن نفوسهم تنطوي على البغض والحقد، لأنهم إن صادقوكم وانفردوا بكم يكشفوا لكم عن عدوانهم وتمتد أيديهم إليكم بالسوء، كما تمتد ألسنتهم، ونهاية مطافهم معكم: أن تعودوا كفاراً وتتحولوا إلى أن تكونوا أتباعاً لهم (إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء، ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون).
فهل يعي المؤمنون سياسة القرآن بالنسبة لأمتهم في تماسكهم.. وبالنسبة لأعدائهم في عدم موالاتهم، واتخاذ بعضهم خاصة له؟. ما أصاب المسلمين بالأمس.. وما يصيبهم اليوم أو غداً، هو بسبب عدم اتباعهم لسياسة القرآن.. وبقائهم مع حزب الشيطان فياتباع سياسة الهوى والشهوة.

من منطلق هذا المفهوم الجديد للوطن، أعلن الطهطاوي عداءه للخلافة العثمانية، وتغنى ببطولات محمد علي باشا، وأشاد بانتصاراته على العثمانيين وفي ذلك يقول: "وحروبه مع والي عكا معلومة، وجولان جنوده في الشام، وغير الشام مفهومة، ولم تكن من محض العبث، ولا من ذميم تعدي الحدود، إذ جل مقصوده تنبيه أعضاء ملة عظيمة تحسبهم أيقاظاً وهم رقود، والدليل على حسن النية أن هذه الحسنة التي على صورة الجنية، أنتجت أصل وارثي مصر، التي ترتب عليها رفع الإصر"، "ولولا بقاؤه (يقصد محمد علي باشا) (ت 1849) تحت ولاء الدولة العلية، ومراعاة حفظ الحالة الراهنة عليه من الراجحية والمرجوحية، لجال في الفتوحات الخارجة مجال اسكندر الأكبر".

ويشيد محقق الأعمال الكاملة بهذا الفكر التقدمي! لرفاعة الطهطاوي فيقول: "فهو هنا يقدم فكراً محدداً يرى في العمل العسكري الذي مارسه الجيش المصري ضد العثمانيين، وحرر به أغلب أجزاء المشرق العربي، عملاً لا يدخل في إطار (العبث) أو(التعدي) وإنما هو تنبيه الأمة وإيقاظها من نومها ورقودها، فيا للكهف المظلم للأتراك العثمانيين، هو فكر قومي عربي لانطلب من الطهطاوي أكثر منه في ذلك التاريخ وتلك الظروف".

وانتشرت عدوى الفكر الطهطاوي في عقول أمتنا؛ فيقول أحدهم في معرض مدحه لحرب محمد علي باشا ضد الخلافة العثمانية: "ونحن في نوفمبر 1831 ها هو محمد علي يرسل ابنه إبراهيم على رأس جيش إلى فلسطين، وهاهو الجيش يتقدم بسرعة من فلسطين إلى باقي أجزاء الشام ـ في تلك الفترة كان لفظ الشام يعني فلسطين ولبنان وسوريا".

ويقول مادحاً الفلاح المصري: "الآن يتحول الفلاح نفسه إلى مقاتل منظم في جيش حديث، يهزم الإمبراطوية التي حكمته من قبل ثلاثة قرون".

من منطلق المفهوم الجديد للوطن نادى الطهطاوي بتقعيد اللهجة العامية والاعتناء بها، وحقق مشروعه بتعريبه لصحيفة (الوقائع المصرية) وتشجيعه للكتابة العامية: "وموقف الطهطاوي من اللهجة العامية جدير بالتأمل والدراسة، فقد كان الرجل يستخدم مصطلحاتها عند الترجمة إذا أعوزه المصطلح الفصيح، ويقدم المصطلح العامي على المصطلح المعرب، كما استخدم الكثير من ألفاظها في تأليفه.. وهو قد تحدث عن أهمية تقعيد قواعدها والإستفادة منها في تعليم الصناعات لأبناء الشعب، فقال: إن اللغة المتداولة في بلدة من البلاد، المسماة باللغة الدارجة، التي يقع بها في المعاملات السائرة، لامانع أن يكون لها قواعد قريبة المأخذ تضبطها، وأصول على حسب الإمكان تربطها، ليتعارفها أهل الإقليم، حيث نفعها بالنسبة إليهم عميم، وتصنف فيه كتب المنافع العمومية والمصالح البلدية".

وقد كان الطهطاوي عملياً فكتبه زاخرة بهذه الألفاظ العامية.. ونلاحظ ذلك جيداً في مجلة الوقائع التي كان يشرف على تحريرها وتطوير أسلوبها حيث غلبت عليها العامية المصرية.. وهكذا سن الطهطاوي سنة الكتابة بالعامية المصرية في الصحف التي صدرت في وقته وصار الخلف على نفس السنة الطهطاوية إلى وقتنا الحاضر.

أقول: أود أن أشير إلى أن هناك بعض المحاولات قد جرت للكتابة بالعامية بعد الطهطاوي عن طريق نقل أعمال من التراث العالمي أو من الأعمال الأدبية الكلاسيكسة كمسرحيات شكسبير إلى لهجتنا العامية: "مثل تجربة محمد عثمان جلال لتعريب أعمال من التراث الكلاسيكي الفرنسي للقرن السادس عشر. إذ قام في نهاية القرن التاسع عشر بنقل مسرحيات المؤلف الكوميدي موليير إلى العامية المصرية؛ فترجم أربع مسرحيات هي (تاتوف) وقام يتعريبها بما يتلاءم مع البيئة الثقافية والإجتماعية المصرية، واعطائها عنوان (الشيخ متلوف) وكذلك مسرحية (النساء العاملات) ومسرحيات أخرى من هذا التراث الفكاهي الساخر. ولم تقف تجربة محمد عثمان جلال عند تعريب التراث الكلاسيكي الكوميدي، بل أقدم على ترجمة وتعريب مسرحيات (راسين) التراجيدية، وجاءت الترجمة لمسرحية (ايستير) و (ايفيجيني) كذلك في صورة أشعار زجلية. وفي نفس هذه الفترة شرع (وليام ولكوكس) بترجمة مقتطفات من روايتي (هنري الرابع) و (هملت) لشكسبير إلى العامية المصرية ونشرها عام 1893م ولكن في أغلب الظن لم يكن ولكوكس يفكر في نقل ما كان يقدمه إلى خشبة المسرح، بل كان هدفه الأساسي هو تعضيد رأيه أن العامية هي أداة التعبير التي يجب على المصريين تبنيها والكتابة بها لجميع أغراض الإتصال".

وتعتبر جريدة (أبو نضارة) أول صحيفة هزلية تكتب بالعامية تنتقد حكم الخديو إسماعيل المتوفى 1879، وهذه الجريدة أسسها جمال الدين الأفغاني المتوفى 1897م الذي يلقب برائد اليقظة في الشرق! وتجاوب معه يعقوب صنوع والشيخ محمد عبده في تحرير هذه الجريدة. وانتشرت الكتابة بالعامية على نطاق واسع وهناك محاولات مستميتة لإقصاء اللغة العربية من حياة الناطقين بها.
لكن الفصحى لم تزل والحمد لله تشغل وظائف الإتصال الأكثر رسمية كتابية كانت أو شفهية، ولم تزل هناك مجالات عملية لاتستخدم إلا الفصحى كالخطابة وحتى الكتابة الإدارية ونقل المعلومات العلمية ووسائل الإتصال الحديثة التي تنقل هذه المعلومات لا تترجم إلا بالفصحى وطالما كان القرآن حياً لم يرفع من صدور الناس بعد فلن تموت الفصحى مهما حاول أعداؤها الذين يتسترون بالعامية القضاء عليها!!

أما عن العلاقة بين الوطنية وتمجيد ماقبل الإسلام:

لقد كان من لوازم مفهوم الوطنية أن نبش الطهطاوي في تاريخ ما قبل الإسلام وإحياءه نعرات الجاهلية كالفرعونية، واعتبارها امتداداً طبيعياً لتاريخ المصريين مع الحض على تعظيمها، مما أدى فيما بعد إلى إحياء طقوس حرمها الإسلام وأبطلتها الشريعة الإسلامية الغراء كالإحتفال بيوم وفاء النيل وتقديس الحجارة والمقابر الفرعونية.

وكان من ثمرة ذلك الفكر من الناحية التطبيقية انشاء مدرسة اللسان المصري القديم (اللغة الهيروغليفية) وكان ذلك عام 1879م وكان مديرها الألماني (بروكش باشا) ومنها تخرج أحمد كمال باشا المولود 1851 والمتوفي 1923م وهو أول مصري حمل لواء علم الآثار الفرعونية القديمة وأول مصري يتقن هذا الفن الحديث فهو العربي المصري الأول الذي تلقى هذا العلم من أثري الغرب وعربه وأقام له فلسفة واضحة. وله موسوعات وأبحاث في قواعد اللغة الهيروغليفية وقاموس بمفرداتها. وقد استطاع هذا الرجل أن يحمل الحكومة المصرية على تعليم اللسان المصري لبعض الطلبة المصريين وقد تخرج على يديه مجموعة من أزكي تلاميذ مدرسة المعلمين: مثل سليم حسن عالم الآثار المشهور المتوفى سنة 1961م وسليم حسن هو مكتشف أول مقبرة في الدولة الفرعونية القديمة وهي مقبرة (رع ور) الكاهن الأكبر للوجهين البحري والقبلي. وهو مكتشف الهرم الرابع للجيزة وصاحبته هي الملكة (خنت كاوس) أول مصرية تحمل لقب الملوكية كما يقولون!!
ومحمود حمزة ورمسيس شافعي وغيرهم من علماء الآثار المصريين. ومع ظهور كشوف مقبرة الملك (توت عنخ آمون) عام 1922م تفرعنت الصحف المصرية وظهرت الدعوة إلى احياء طابع الفرعونية في المجتمع المصري.

وقد كان الإهتمام بهذه الحفريات والكشوفات بغية خلق تيار التشرذم والتجزئة في المنطقة، والقضاء على وحدة الأمة حيث سيهتم كل قطر بنفسه ويتقوقع داخل حضارته القديمة فيمجد المصريون الفرعونية، واللبنانيون الفينيقية، والعراقيون الآشورية وهكذا تحل ولاءات الجاهلية محل رابطة العقيدة والدين.
هكذا "نشأت فكرة الوطنية وقتذاك، فكرة تحاول أن تجمع الناس حول المطالبة بحقوقهم، ودعوة إلى الحرية وإلى هدم صرح الظلم والإستعباد. ثم تطورت الفكرة على أيدي أصحاب الثقافة الأوروبية، وبدأت تهاجم الرابطة الدينية وتعتبرها مصدر شر وتفرقة بين أبناء الجنس الواحد. فدعا هذا لفهم الجديد للوطنية إلى أن يهاجمها المتمسكون بالرابطة الدينية، ويعتبرونها خطراً يهدد وحدة الأقطار الإسلامية ويفرق كلمتها ويهدم تعاطفها ويضعف تكتلها، بما يعرضها للسقوط تحت أقدام الدول الأوروبية الطامعة، واحدة تلو أخرى".

مما لاشك فيه أن هذه الأفكار (اتخاذ الوطن معبوداً من دون الله ) وإحلاله في الشعر والأناشيد محل الدين، وقد ظهر ذلك جلياً في قصائد زوج ابنته - صالح مجدي بك - الذي سار على منهج أستاذه الطهطاوي وحامل أفكاره والمدافع عنه..

وكما يقول د. محمد حسين: "وربما كان صالح مجدي من أسبق الشعراء في العصر الحديث إلى ترديد كلمات الوطن والوطنية في شعره بعد أستاذه رفاعة الطهطاوي. وله في آخر ديوانه خمس عشرة مزدوجة سماها (الوطنيات)، امتدح فيها سعيد باشا والي مصر، وعرضت عليه فأمر بتلحينها والتغني بها بمصاحبة الموسيقى العسكرية في المحافل والمواسم. وهو في هذه الوطنيات يشيد بالوطن محاولاً أن يغرس حبه في القلوب، ويتغنى بأمجاد الأجداد، ويفاخر بجيش البلاد، مبرزاً قوته، معتداً بشدة بأسه. ولكنه يربط ذلك شخصياً بشخص سعيد، ويجعله سبباً للتعظيم من شأنه وتحبيبه إلى أبناء جنسه، فمن ذلك قوله في الوطنية: فامتداح الصدر غنوا فهو للأوطان حصن وهو للإيمان ركن ولكم في الحتوف أمن في ميادين الوقائع في الوغى أنتم أسود يا بني الأوطان سودوا ولها بالروح جودوا وادخلوا الأحياء وصيدوا يا بني الأوطان هيا خيموا فوق الثريا واهجروا النوم مليا واطعنوا الضد الأبيا واجدعوا أنف الممانع"، "من الواضح أن الصياغة ليست هي التي تلفت النظر في شعر صالح مجدي. فهو قليل الحظ من هذه الناحية، لا يقارن بشاعر كالبارودي. لكن الذي يلفت النظر في شعره هو هذا الوضوح المبكر للفكرة الوطنية، التي تعتز بمصر وجيش مصر، وتمتلئ حماساً للحرب والقتال في سبيل مجد الوطن ورفعته" .

لقد سار على هذا النهج شاعر النيل حافظ إبراهيم المتوفى 1932 إذ يقول في قصيدته التي نشرت في 15/12/1921م وهذه القصيدة على لسان مصر تتحدث بنفسها:

وقف الخلق ينظرون جميعاً كيف أبني قواعد المجد وحي
وبناةُ الأهرام في سالف الدهــر كفوني الكلام عند التحدي
أنا تاج العلاء في مفرق الشرق ودرَّاته فرائدُ عقدي
قل لمن أنكروا مفاخر قومي مثل ما أنكروا مآثر وُلْدي
هل وقفتُمْ بقمّة الهرم الأكـْ ـبر يوماً فرَيْتُمُ بعضَ جُهْدي
هل رأيتم تلك النقوشَ اللّواتي أعجزتْ طَوْقَ صنعة التحدي
حال لون النهار قديم العهـ ـد وما مسّ لونَها طولُ عهدي
هل فهمتم أسرار ما كان عندي من علوم ٍ مخبوءة ٍ طَيّ بَرْدي
ذاك فن التحنيط قد غلب الدهـ ـر وأبلى البلى وأعجز ندِّي
قد عقدتُ العهودَ من عهد فرعو ن ففي مصر كان أولُ عقد
إنّ مجدي في الأولياتِ عريقٌ من له مثل أُولياتي ومجدي
أنا أمُّ التشريعٍ قد أخذ الرّو مانُ عنّي الأصولَ في كلِّ حدِ
ورصدتُ النجومَ منذ أضاءتْ في سماءِ الدُّجى فأحكمتُ رَصْدي
وشدا (بنتئور) فوق ربوعي قبل عهد اليونان أو عهد (نجدِ)

هكذا يتغنى شاعر فحل مثل حافظ إبراهيم بذلك المعبود الجديد الذي حل محل رابطة الدين والعقيدة!!

وهذا أحمد لطفي السيد المتوفى سنة 1963 الذي يلقبه أتباعه بأستاذ الجيل يوجه رسالة إلى فتيان مصر بشأن الوطنية: "يابني عليك مصرك لا ينفعك إلا مجدها، ولا يذلك إلا ضعفها، ولو قلّبت تاريخها حديثاً على قديم، لما وجدتها في الحقيقة مدينة إلى أحد من الناس، تدعوك الذمة إلى أداء الدين عنها. إنها كانت مطمع الطامعين، يأخذون منافعها بقوة السلاح، أو بقوة العقل، فما أنت مسئول إلا عنها، ولو أنفقت من عواطفك ومن نتائج جهادك العقلي والبدني مثقال ذرة على غيرها، في حين أنها أحوج ماتكون إلى ما أنفقت، لو سمتك بالعقوق. وكما أنك بين أقرانك لك شخصية تجب عليك رعايتها، فإن لوطنك بين الأوطان شخصية أيضاً رعايتها واجبة على أهله، وأن فناءك في إرادة الغير، واهتمامك بأن تكون في رق اختياري، شر من الرق الإضطراري، كذلك اهتمامك بتمجيد غير وطنك، والسعي في انجاحه دون بلادك نقص في وطنيتك، واحتقار لنفسك وأهلك وبلادك، وما الأمم الطبيعية إلا آكل أو مأكول. ولو جعلت وطنك شيوعاً بين من لا تتفق منفعته مع منفعتك دون أن تحدده بحدود بلادك، لكنت عديم الوطن، وحاشاك أن تجهل حقوق وطنط عليك".

وكان أحمد عرابي المتوفى 1911 صاحب الثورة العرابية الشهيرة ضد الإنجليز يستعمل لفظ المصريين والأمة المصرية بمعناه الحديث ويعتبر من ليسوا من أهل البلاد سواء كانوا من الأرمن والأتراك، وسواء أكانوا من المسلمين أو غير المسلمين، أجانب لايحق لهم أن يحكموها وهو أمر جديد - على حد قول الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى - لم يوجد له أثر في التفكير المصري منذ أن احتضنته الموجة المسيحية، وقد قال في هذا في جريدة الأستاذ التي أنشأها عبد الله النديم المتوفى 1896 في بداية حكم الخديو عباس الثاني تحت عنوان (المسلمون والأقباط) مايلي: "هم أبناء مصر الذين ينسبون إليها وتنسب إليهم، لايعرفون غير بلدهمم ولايرحلون لغيرها إلا زيارة... ورغم تقلبات الدولية إخوان الوطنية يتزاورون تزاور أهل البيت ويشارك الجار جاره في أفراحه وأتراحه علماً منهم أن البلاد تطالبهم بصرف حياتهم في إحيائها بالمحافظة على وحدة الإجتماع الوطني الذي يشمله اسم مصري من غير النظر إلى الإختلاف الديني " (الأستاذ ج1 ص749 وما بعدها).

ويروي أحمد عرابي باشا عن نفسه قائلاً: "إنني فلاح مصري، وقد اجتهدت قدر طاقتي أن أحقق الإصلاح لوطني الذي أنا من أبنائه ومحبيه. لقد كنت أجتهد في حفظ استقلال بلادي مع نيل الحرية والعدل والمساواة للمساكين الذين أنا خادم لهم. فلسوء البخت لم يتيسر لي الغرض المقصود. وإنني مكتف بشرفي الشخصي الذي سوف يلازمني ماحييت ويبقى بعدي إذا مت. وسوف يرضيني دائماً أن أنادى بـ (أحمد عرابي المصري) فقط، وبغيرألقاب. لقد ولدت في بلاد الفراعنة وستظل أهراماتهم قبري. إن الأمة المصري بأسرها كانت معي، وصحبة لي، كما أني محب لها أبداً، فآمل أنها لاتنساني".

وفي مقالة بعنوان (دروس الوطنية التي أخذها مصطفى كامل من النديم) يبين د.عبد المنعم إبراهيم الجميعي أوجه الإختلاف بين مصطفى كامل وأستاذه عبدالله النديم: "رغم أن مصطفى كامل كان تلميذ عبدالله النديم - الذي نادى بأن تكون مصر للمصريين وفضل الوطنية المصرية عما عداها - فقد دعا إلى دعم تبعية مصر لتركيا وضرورة التمسك بالرابطة العثمانية بقوله: (يجب على المصريين أن يتمسكوا أشد التمسك بالرابطة الأكيدة التي تربطهم بالدولة العثمانية) بل وصل به الأمر أن طلب من السلطان ارسال جيوشه لاغراج الإنجليز منها واحتلالها باعتبارها ولاية عثمانية. كما أعلن في خطبة له بباريس بمناسبة عيد جلوس السلطان في 31 من مارس أغسطس 1895 (أن الراية العثمانية هي الراية الوحيدة التي يجب أن نجتمع حولها). لقد كان الفرق شاسعاً بين سياسة النديم وسياسة مصطفى كامل تجاه الدولة العثمانية، فالنديم فضّل الولاء للوطنية عن الإرتباط بجامعة الدين وعندما تعارضت مصلحة مصر مع مصلحة الدولة العثمانية وقف النديم بجانب مصر، وهاجم سياسة الدولة العثمانية تجاه القضية المصرية، ورفض أن تتنازل مصر عن الإمتيازات التي نالتها بالستقلالها في شئونها الداخلية، بينما نجد مصطفى كامل يطلب من السلطان ارسال جيوش عثمانية لاحتلال مصر وإخراج الإنجليز منها".
هكذا وضع الطهطاوي النطفة الأولى لتخريب الهوية الإسلامية ولتمزيق رابط الدين والعقيدة، فصار المسلم المصري يقاتل المسلم السوداني أو الليبي أو العراقي بحجة الدفاع عن الولاء الجديد: الوطن!!

صفوة القول :

لقد كان للشيخ الأزهري رفاعة رافع الطهطاوي أوقل إن شئت (رفاعة بك) السبق والريادة في إدخال العلمنة بما تعنيه هذه الكلمة من تهميش الإسلام، وإقصائه عن إدارة شئون المسلمين.

لقد استخدم الطهطاوي منهج التلفيق بغية اضفاء الشرعية الإسلامية على أفكاره المستوردة من فرنسا حيث كان يشتشهد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وشواهد من الشعر العربي القديم والإستدلال ببعض المذاهب الفكرية.

لكنه قد أبعد النجعة باستدلالاته التي كانت في غير مواضعها!! وفي نهاية هذا التطواف نخلص إلى الأفكار الأساسية التي نادى بها الطهطاوي:

أولاً: التأكيد على فكرة أن الدولة الغربية اللادينية هي الأنموذج الأمثل لكي ينهض العالم الإسلامي.

ثانيا:ً تأكيده على أن الشريعة الإسلامية لا تمنع العمل بقوانين وضعية!!

ثانياً: إحياء النعرات الفرعونية والتأكيد على فكرة القومية المصرية.

ثالثاً: التأكيد على ولاء الوطن قبل ولاء الدين والعقيدة.

رابعاً: تأكيده على أن سفور المرأة لا يدل على انحطاط المجتمع.

خامساً: التأكيد على أن اختلاط الرجال بالنساء على الطريقة الغربية لا ينافي الدين والأخلاق.

سادساً: تأكيده على أن فنون الرقص والغناء والتمثيل عمل ممدوح من قبيل الأعمال الرياضية.

سابعاً: تثبيت فكرة أن الكتابة بالعامية المصرية أسرع وصولاً للجماهير.

أرجو أن أكون قد وفقت في تقديم صورة واضحة عن شخصية الشيخ رفاعة الطهطاوي ودوره الخطير في تخريب الهوية الإسلامية.

والله أسأل أن يحفظ الإسلام وأهله! اللهم آمين!

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

هاني السباعي
لندن في 17 إبريل 2001م











مراجع

(1) الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي.... تحقيق د. محمد عمارة المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت/ ط1/1973.
(2) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده.... تحقيق د. محمد عمارة المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت/ ط1/1973.
(3) الإعمال الكاملة لقاسم أمين... تحقيق د. محمد عمارة دار الشروق/ القاهرة.
(4) الإسلام والحضارة الغربية/ د. محمد محمد حسين/مؤسسة الرسالة/بيروت.
(5) الإتجاهات الوطنية في الأدب المعاصرد. محمد حسين
(5) صفوة العصر / زكي فهمي/ مكتبة مدبولي/ القاهرة 1995.
(6) ارشاد الفحول/ الشوكاني/دارالفكر/بيروت/1992.
(7) العواصم من القواصم/ أبوبكر بن العربي/ تحقيق محب الدين الخطيب/ لجنة الشباب المسلم/ القاهرة.
(8) أصول الفقه/ محمد أبو زهرة/ دار الفكر العربي/بيروت.
(9) أصول الفقه/ عبد الكريم زيدان/مؤسسة الرسالة/بيروت.
(10) شهود العصر/ مركز الأهرام للترجمة والنشر/ القاهرة.
(11) أعلام وأصحاب أقلام/ أنور الجندي/ دار النهضة العربية/ مصر.
(12) رفاعة راقع الطهطاوي (رائد التحديث الأوربي الحديث)... سمير أبو حمدان/ الشركة العالمية للكتاب/ بيروت.
(13) الإمام محمد عبده (جدلية العقل والنهضة)/ سمير أبوحمدان/ الشركة العالمية للكتاب/ بيروت.
(14) الثائر الإسلامي جمال الدين الأفغاني/ بقلم الشيخ محمد عبده/ دارالهلال/ القاهرة.
(15) عجائب الآثار في التراجم والأخبار/ الجبرتي/ تحقيق عبدالعزيز جمال الدين/ مكتبة مدبولي/ القاهرة 1977.
(16) كتاب تذكاري عن أستاذ الجيل (أحمد لطفي السيد) المجلس الأعلى للثقافة/ القاهرة 1986.
(17) بحوث ندوة: بذكرى مرور مائة عام على وفاة (عبدالله النديم)/ المجلس الأعلى للثقافة/ القاهرة 1997.
(18) تاريخ مصر في عهد الخديو إسماعيل باشا/ إلياس الأيوبي مكتبة مدبولي/ القاهرة.
(19) تاريخ مصر من عهد المماليك إلى نهاية حكم إسماعيل تأليف جورج يانج/ تعريب علي أحمد شكري/ مكتبة مدبولي/ القاهرة 1995.
(20) تاريخ مصر من الفتح العثماني (إلى قبيل الوقت الحاضر) تأليف عمر الإسكندري وسليم حسن/ مكتبة مدبولي/ القاهرة.
(21) المؤامرة على الإسلام/ أنور الجندي/ دار الإعتصام/ القاهرة 1977.
(22) التعريف بالإسلام في مواجهة العصر الحديث وتحدياته/ عبد الكريم الخطيب/ دار الفكر العربي.
(23) تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر/ عبد الرحمن الرافعي/ دار المعارف/ القاهرة 1994.
(24) تاريخ الفكر المصري الحديث/ د. لويس عوض/ دار الهلال/ القاهرة 1994.
(25) الثورة العرابية/ صلاح عيسى/ دار المستقبل العربي/ القاهرة.
(26) مذكرات الإمام محمد عبده/ تقديم وتعليق طاهر الطناحي/ دار الهلال/ القاهرة.
(27) باشوات وسوبر باشوات/ د. حسين مؤنس/ الزهراء للإعلام العربي/القاهرة/1984.
(28) الحملة الفرنسية على مصر/ هنري لورنس/ ترجمة بشير السباعي/ دار سينا للنشر 1995. (29) كيف نكتب التاريخ./محمد قطب/ دار الوطن للنشر/ الرياض.
(30) دور العمائم في تاريخ مصر الحديث/ فتحي رضوان الزهراء/القاهرة.
(31) اليقظة الإسلامية في مواجهة الإستعمار/ أنور الجندي/ دار الإعتصام/ القاهرة.
(32) العودة إلى الينابيع/ أنور الجندي/ دار الإعتصام/ القاهرة.
(33) علماء الإجتماع وموقفهم من الإسلام/ أحمد إبراهيم خضر / المنتدى الإسلامي/ لندن.
(34) وعليكم السلام/ محمود عوض/ دار المستقبل العربي/ بيروت.
(35) المنهج الإسلامي لدراسة التاريخ وتفسيره/ د.محمد رشاد سالم/ دار الثقافة/ الدار البيضاء/ 1986.