المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لا تصنعوا الجبابرة


عبدالناصر محمود
11-21-2013, 09:46 AM
لا تصنعوا الجبابرة
ـــــــــــــــــــــــــــ

17 / 1 / 1435 هــ
21 / 11 / 2013 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(د. ياسر برهامي)
ـــــــــــــــــــــــــ
http://www.fath-news.com/images/writers/39.jpg



روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلّ على راهب، فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسا، فهل له من توبة؟ قال: لا، فقتله فكمّل به مائة, ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلّ على عالم، فقال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبه؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؛ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها قوماً يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب إنه لم يعمل خيرا قط، قأتاهم ملك في صورة آدمي فجلوه بينهم -أي حكما- فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة".

كثير من الشعوب والأمم والطوائف تساهم في صنع الطواغيت والجبابرة وتحويل البعض ممن أذنب وأخطأ, مع أنه في قلبه حب الخير, إلى فرعون عنيد بسبب الجهل أحيانا ودفعه إلى الظلم والسكوت عليه أحيانا أكثر.

وفي قصتنا التي ذكرنا هنا في هذا الحديث العظيم الشأن كانت البلد التي نشأ فيها هذا الرجل التائب أرض سوء تسبب أهلها في طغيانه وجبروته قبل توبته حيث لم ينكروا عليه قتل التسعة والتسعين نفسا، ومسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالضوابط الشرعية التي ت*** الخير وتزيده وتمنع الشر أو تقلله من أهم سمات الأمة الإسلامية (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله).

وفي القصة أيضا بيان سبب آخر من أسباب تحول من في قلبه شيء من الدين إلى جبار عنيد, هو هذا الراهب الجاهل الذي ظن أن مواجهة قاتل التسعة والتسعين نفسا بفتوى جاهلة ظالمة تسد أمامه باب التوبة المفتوح عند الله، نوعا من الجرأة في الحق والثبات عليه والتضحية من أجله، فهو يعلم جبروته وظلمه ومع ذلك لم يحسن أن يقول له القول اللين الذي هو في الحقيقة الموافق للشرع لا المداهن فيه كما يظنه البعض.

فلا يلزم أن يكون التغليظ دائماً هو سبيل الوعظ بل قد يكون في كثير من الأحيان خصوصا مع من خفت ديانته وورعه سببا في نفرته وذلك لما شاهد من فظاظة وغلظة (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)، فضلا عما قد يفعله البعض من مزيد من التهييج لهذا القاتل بسبه أو شتمه أو السخرية منه أو إعطائه مبرراً للقتل بنوع من الاعتداء والبغي على من لا يستحق ذلك، وأشد ما في هذه الفتوى الباطلة بعد القول على الله بغير علم وتضييق الواسع الذي وسعه الله، التعرض لإذهاب بقية الدين التي في قلب الرجل الذي جاء يسأل عن التوبة بإخباره أنه لا نصيب له في الدين ولا في الدار الآخرة، بالكذب على الله في ذلك، فيدفعه العناد وحب الانتقام مع قلة الورع إلى مزيد من البطش والعدوان ولربما إن لم يقيض الله له الرجل العالم الفقيه اللين القول صار هذا الرجل من أهل العذاب، ولذا كان أمر التكفير للمسلمين من أعظم ما ي*** كراهية المسلمين وسخطهم ونفرتهم ممن يفعل ذلك، ولربما كان سبباً لنفرتهم من الدين كله، فإذا اجتمع معه سفك الدماء بغير حق -ولو كان بتأويل- إلا أنه يصير في هذه الحالة من أعظم أسباب دفع الظالم إلى مزيد من الظلم بدلا من الأخذ بيده إلى التوبة والدين، وأن ينمي ما في قلبه من حب الخير.

فليتعظ أبناء العمل الإسلامي في دعوتهم إلى الله، وفي مجتمعاتهم المليئة بأنواع العصاة والظلمة لكن في قلوبهم حب الخير وتعظيم الدين، فلابد أن نستثمر ذلك ونفتح لهم باب الرجاء في حديثنا معهم، ولا نغلق باباً فتحه الله للتوبة حتى مع الذنوب العظام كالقتل العمد للعدد الكبير، وبالتأكيد يكون ذلك مع نهي الظالم عن ظلمه والقاتل عن مزيد القتل والمعتدي الباغي عن اعتدائه وبغيه بما قال الله لموسى وهارون (اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى).

-----------------------------------------

جاسم داود
11-21-2013, 04:04 PM
و بارك الله بكم بهذا الاختيار الموفق و المفيد