المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجواسيس الذين خربوا الصحة العالمية


Eng.Jordan
11-21-2013, 12:59 PM
الجواسيس الذين خربوا الصحة العالمية(*)
لقد أخطأت الولايات المتحدة باستخدامها العاملين في مجال الصحة العامة من أجل استهداف أسامة بن لادن.
رأي وتحليل هيئة تحرير ساينتفيك أمريكان


بعد منتصف الليل بقليل بتاريخ 2011/5/2 هاجمت قوات البحرية Navy Seal مبنى مؤلفا من ثلاثة طوابق في أبوتأباد، بباكستان ، وسارعت إلى أعلى طابق في هذا المبنى وقتلت ابن لادن. ومع أن قلة من الناس حزنوا لمقتل الرجل المسؤول عن مقتل آلاف عدة من الأبرياء في أنحاء العالم على مدى سنين، إلا أن العملية التي أدت إلى مقتله قد تتسبب إضافة إلى ذلك، بمقتل المئات بل الألوف. وفي غمرة حماسة الـ CIA لتحديد هوية ابن لادن أو أسرته، استخدمت مشروعا خادعا للتلقيح ضد مرض التهاب الكبد B أجرته على السكان المجاورين للمكان الذي كان يختبئ فيه من أجل جمع دنا(1) DNA من هؤلاء السكان. وكما يبدو فقد أخفق هذا الجهد؛ ولكن انتهاك الثقة الذي تم نتيجة ذلك يهدد بإرجاع جهود الصحة العالمية العامة إلى الوراء عقودا من الزمن.

فمثلا، من الصعوبة بمكان، توزيع لقاح شلل الأطفال على أطفال في مناطق شديدة الفقر وغير مستقرة سياسي، وذلك بعد أن انتشرت فيها شائعات لمدة عشر سنين بأن الدواء هو مؤامرة غربية لتعقيم الفتيات - إنها مزاعم زائفة استمرت طويلا قبل أن يتبرأ منها رجال الدين النيجيريون الذين روّجوا لها في البداية. والآن تأتي تقارير موثوقة عديدة عن حملة تلقيح هي جزء من مؤامرة الـ CIA - وهذه لم تنكرها الولايات المتحدة.

وقد بدأت من الآن النتائج القاتلة بالظهور. فقد أخذ القرويون على امتداد الحدود بين باكستان وأفغانستان يطردون العاملين الرسميين في مجال اللقاح، متهمين إياهم بأنهم جواسيس. لقد منع زعماء طالبان لقاحات شلل الأطفال في أجزاء من باكستان ذاكرين على وجه الخصوص خديعة ابن لادن تبريرا لتصرفهم. وفي الشهر 2013/5 الماضي، قُتل تسعة من العاملين في مجال اللقاح بباكستان، مما جعل الأمم المتحدة تسحب فرق اللقاح الخاصة بها. وبعد شهرين قَتل مسلحون عشرة من العاملين في لقاح شلل الأطفال في نيجيريا - وذلك إشارة إلى أن العنف ضد العاملين في مجال اللقاح ربما يكون قد انتشر.

وكان ذلك أسوأ توقيت لمثل هذه الهجمات؛ إذ إن حملات اللقاح العالمية ضد مرض شلل الأطفال قد دخلت آخر مراحلها المقررة. فعدد الحالات هبط من 350000 عام 1988 إلى 650 عام 2011. والمرض ينتشر بشكل طبيعي في ثلاثة بلاد فقط - أفغانستان وباكستان ونيجيريا - من أصل 125 بلدا كان ينتشر فيها هذا المرض قبل ربع قرن. وإيقاف أو تأجيل جهود التلقيح قد يثير انبعاث مرض شلل الأطفال في العالم من جديد.

وفقدان الثقة الذي زُرع بسبب خديعة حملة اللقاح في باكستان، يمكن أن يؤخر محو مرض شلل الأطفال نحو عشرين عاما. «وهذا يؤدي إلى وقوع 100000 حالة إضافية ما كانت لتحدث» على حد قول <.F .L روبرتس> [من جامعة كولومبيا كلية <ميلمان> للصحة العامة]. ويضيف: «وسيقال إلى الأبد إن هذا المرض وهذا الولد المعاق سببه أن الولايات المتحدة جن جنونها كي تنال من ابن لادن.»

لقد طَرحت خديعة اللقاح هذه أيضا مشكلة أخلاقية.

فالأطباء يُقسِمون قَسَم أبِقراط «بألا يسببوا أي أذى». ويتقيد العاملون الإنسانيون بقانون سلوك دولي يتطلب أن تقدم خدماتهم بشكل مستقل عن الأجندات القومية وبناء على الحاجة إليها فقط. ومما لا شك فيه أن برنامج التلقيح المضلل في باكستان قد بدأ بمنطقة فقيرة مجاورة لـِ «أبوتأباد»، كي يُعطى مسحة من الشرعية. ومع ذلك، وبعد إعطاء أولى حقنة من سلسلة من ثلاث حقن معيارية ضد التهاب الكبد B تم التوقف عن هذا المسعى كي ينتقل الفريق إلى منطقة مجتمع ابن لادن الأغنى. وهذا الانحراف في البروتوكول، يبرهن على أن الفائدة المثلى لمتلقي العلاج لم تكن هي المبدأ الموجِّه للمسعى - فلم يكن من باب الصدفة خيانة البرنامج من أجل تنفيذ الخدعة!

وينبغي أن يوضع خط أحمر بين الجهود الإنسانية ومكائد الحرب، حتى في الحروب غير التقليدية؛ إذ إن تكاليف المساعي الإنسانية المستقبلية والاستقرار العالمي والأمن القومي للولايات المتحدة نتيجة الإحجام عن فعل ذلك ستكون أعلى بكثير - حتى مقابل أهمية التخلص من أحد ألد أعداء الولايات المتحدة وحتى إذا لم يتوفر خيار آخر. وكما أُشِير في رسالة وقعها عمداء عشرات الكليات البارزة في مجال الصحة العامة بُعثت إلى البيت الأبيض، ينبغي للرئيس <باراك أوباما> أن يوجه الوكالات العسكرية والاستخبارية إلى الإحجام عن استعمال غطاء طبي أو إنساني في تحقيق أهدافها. فهذه الجهود هي طب سيئ وحنكة جاسوسية فاشلة، والقائد الحكيم يتنصل منها.

محررو ساينتفيك أمريكان


(*) The Spies Who Sabotaged Global Health



(1) الحمض النووي الريبي المنقوص الأكسجين.