المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موقفنا من الخرافة


ام زهرة
11-23-2013, 01:48 AM
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:
روى البخاري ومسلم في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها وهي تتحدث عن يوم مات فيه ولد النبي صلى الله عليه وسلم "إبراهيم" فتقول: خسفت الشمس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم (فصلى) ثم قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال (هما من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة).

خرافة اعتقدها البعض أن الشمس والقمر لا يخسفان إلا لموت عظيم أو حياته، ربما تأثر المسلمون حينها بخرافات كانت تعتقدها العرب في الجاهلية، فكانت العرب إذا أرادت مطرا من السماء حزمت حطباً لتربطه في ذيل ثور ثم تضمر النار في الحطب فيسرع الثور بصوته وخلفه شرر النار يتطاير (يصورون الرعد والبرق) خرافة يعتقدون أنها ت*** لهم المطر، وربما ربطت بعيرا لتضعه في حفرة جوار الميت حتى يهلك البعير جوعا وعطشا وهي خرافة يعتقدون فيها أن الميت سيركب تلك الدابة في رحلته إلى الدار الآخرة، وربما إذا أرادوا دخول قرية من القرى يخافون فيها من الجن فإنهم ينهقون كما تنهق الحمير خرافة يعتقدون أنه تطرد الجن وتحميهم من شرها.

خرافات كثيرة عند العرب وغيرهم من الأقوام؛ ربما تأثر بها المسلمون حينما ظنوا أن خسوف الشمس والقمر لا يكونا إلا لموت عظيم أو حياته، وهنا يأتي الوحي بالحق المبين ليزيل تلك الأوهام ويمحو تلك الخرافات ويرفع تلك القيود ويحطم تلك الأثقال فيقول صلى الله عليه وسلم: (هما من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة).

هكذا إذا جاءت الخرافة أفسدت على الناس دينهم وبددت إيمانهم وجعلتهم عبيدا لتلك الطقوس ورقيقا لمروجي تلك المعتقدات من سدنة الانحراف وسادة الدجاجلة الذين يتربحون ويتكسبون من أموال أولئك المساكين.

ويروي الطبراني وغيره من حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى في يد رجل حلقة من صفر (حديد) فقال: "ما هذه؟"، قال: "من الواهنة"، قال: "أما إنها لا تزيدك إلا وهنا، وإنك لو مت وأنت ترى أنها تنفعك لمت على غير الفطرة"، حديدة يظن أنها تدفع عنه الضر أو ت*** له النفع فكان الرد من الوحي في إبطال تلك الخرافة (أما إنها لا تزيدك إلا وهنا).

جاء الإسلام ليحررك أيها الإنسان من قيود العبودية لغير الله، جاء الإسلام ليحررك أيها الإنسان من سطوة الخرافة ومن مهازل الأسطورة ومن ضبابية الأوهام والأحلام، جاء الإسلام ليحررك أيها الإنسان من قيد الآباء والأجداد كما قال جل في علاه ﴿ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: 23]، جاء الإسلام ليحررك أيها الإنسان من قيود السادة والكبراء فقال سبحانه ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴾ [الأحزاب: 67]، جاء الإسلام ليحررك أيها الإنسان من قيد المجتمع الجاهلي الذي تعيش فيه حاضرك فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا فلا تظلموا ".

جاء الإسلام بعقيدة واضحة بينة ركيزها الهدى وأساسها التوحيد ومنبعها الوحي والقائم على بيانها النبي، قال جل في علاه: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾ [الشعراء:78 :82] فلا خرافة ولا أسطورة ولا أوهام ولا أحلام، وانظر اليوم إلى أقوام يتعبدون الله بالخرافة والأسطورة، انظر اليوم إلى أولئك الذين سلموا عقولهم وغاصوا في بحر خرافة لا قعر له، انظر إلى الذين منحوا عقولهم إجازات مفتوحة ودائمة وهم يتعبدون بالوهم والخيال، فأقاموا طقوسا وشعائر ما أنزل الله بها من سلطان فيجلدون ذواتهم ويحرقون أنفسهم ويقضون دهرهم نوحاً وعويلاً في سوق رائجة أصلها الجهل ورائدها الغلو مصدقين لأساطير وخرافات يرويها دهاقنة كذابون ودجالون منتفعون، فخرقة تدفع الضر وأخرى ت*** النفع.

فيرى أحدهم الرؤيا لتكون لهم دينا يلزم الجميع، يقوم أحدهم ليذبح ولده بحجة أنه رأى رؤيا الخليل بولده اسماعيل ﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ [الصافات: 102] فيذبح ولده ينتظر الكبش الذي سيفدي ولده كما فُدي اسماعيل ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ [الصافات: 107].

حمقى يصدقون كل ما يقال لهم كما روى أهل الأدب أن كلثوم بن عمرو (شاعر عباسي) أراد أن يختبر حمق الناس في زمانه مع صاحب له فقام فوعظ وقص ودعا حتى كثر الزحام عليه، ثم قال لهم: روى لنا غير واحد، أنه من بلغ لسانه أرنبة أنفه لم يدخل النار. فما بقي واحد إلا وأخرج لسانه يومئ به نحو أرنبة انفه، ويقدره حتى يبلغها أم لا. فلما تفرقوا، قال: ألم أخبرك أنهم حمقى؟

وهكذا بعضهم يصدق كل ما يقال له مما وضعه الوضاعون والكذابون والأفاكون، قال جعفر بن محمد الطيالسي: صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهم قاص فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله يخلق من كل كلمة منها طير منقاره من ذهب، وريشه من مرجان، وأخذ في قصة نحو من عشرين ورقة، فجعل أحمد ينظر إلى يحيى، ويحيى ينظر إلى أحمد، فيقول: أنت حدثته، فقال: والله ما سمعت به إلا هذه الساعة. فلما فرغ من قصصه وأخذ قطاعه، قال له يحيى بن معين: أن تعال، فجاء متوهماً لنوال يجيزه، فقال له يحيى: من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فقال: أنا يحيى بن معين، وهذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قط، فإن كان ولا بد والكذب فعلى غيرنا، فقال له: أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم، قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، فقال له يحيى: وكيف علمت أني أحمق؟ قال: كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما، كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين غيركما، قال: فوضع أحمد كمه على وجهه فقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزئ بهما.

أخي في الله..
شتان بين من تعلق بالخرافة وبين من تعلق بالله... شتان بين من بنى بنيانه على تقوى من الله ورضوان وبين من بنى بنيانه على شفا جرف هار.. فأهل التوحيد يشربون صفوا وأهل الخرافة يتجرعون كدرا.

أخي في الله..
تعلق الموحدون بالذي يضر وينفع وتعلق الخرافيون بما لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا.. تعلق الموحدون بالحي الذي لا يموت وتعلق الخرافيون بجميع الأحياء والأموات.

أخي في الله..
لا يجتمع توحيد مع خرافة في قلب إنسان أبدا... فإما توحيد وإما خرافة.. فإذا دخلت إحداهما من باب خرجت الأخرى من الباب الآخر.

أخي في الله..
يا من ميزك الله عن سائر المخلوقات بنعمة العقل فقال: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾{ } [الغاشية: 17: 20] أُنج بنفسك من تلك العقائد الدخيلة، فإن الله سبحانه ذم أقواما لم يفطنوا لتلك الهبة العظيمة التي أنعم الله بها عليهم فقال سبحانه: ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف: 179].

اللهم لا تجعلنا من الغافلين، واكتبنا في عبادك الموحدين.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.

دحسام الدين السامرائي