المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ليبيا ؛ أزمة أخلاق وأعمال لا أزمة أرزاق وأموال !! بقلم // د. فتحي خليفه عقوب


ابو الطيب
11-27-2013, 11:27 PM
http://www.almanaralink.com/press/wp-content/uploads/image117.jpg




إن أخطر ما يهدد أمن الوطن واستقراره تلك الأعمال التي تمس النسيج الوطني، أو الساعية لتصنيف الليبيين أو التفريق بين كلمتهم والنيل من وحدتهم، والمساس برابطتهم الوطنية،


وإنه لا قيمة لوطن نعيش متقاتلين متدابرين على ترابه، مهما كانت الأسباب، وأيا كانت المبررات، وبقدر ما ينبغي الاتفاق على نبذ كل أشكال الظلم والعدوان، بالقدر الذي ينبغي أن نكون في أقصى درجات الحذر من محاولات ممنهجة لإثارة الخلافات والنزاعات، سواء بين مناطق ليبيا وقبائلها، أو بين توجهات أبنائها وانتماءاتهم الفكرية والسياسية، فكل ذلك يجب أن يكون من الكبائر في ميزان الوطنية، فليبيا تتسع للجميع، ولن تنهض من كبوتها إلا بجهد الجميع وتعاونهم وتكاثف جهودهم.



إننا ما لم نصل للاتفاق على ميثاق وطني من هذا القبيل فلا يجوز لنا أن نتحدث عن بناء وطن، ولا أن ندعي وطنية أو انتماءا لهذا التراب العزيز، فإن أهم مقتضيات الانتماء لهذا الوطن هو أن يكون لدينا الاستعداد الحقيقي لأن نقبل بالتعايش مع أبنائه، أيا كان انتماؤهم الفكري أو الثقافي أو السياسي، بل فوق ذلك أن تترسخ في وعينا حقيقة أن هذا الوطن للجميع وبالجميع،





وإنه بقدر اعترافنا بالآخر وبكامل حقوق المواطنة له، سواء في التعبير عن رأيه أوفكره أو اختياراته، أو في مشاركته السياسية والاجتماعية وغيرها، مهما اختلفنا معه في تلك الأفكار والقناعات والتوجهات، بقدر ما نضمن لأنفسنا، وللأجيال القادمة هذا الحق، ولا يجوز لأي منا أن يتصور أن هناك سبيلا آخر لبناء ليبيا عدا العمل الوطني المشترك، واللقاء والحوار والتواصل الجاد، بل والجدال بالتي هي أحسن، أسلوبا لتغيير القناعات أو تقليل الاختلاف في وجهات النظر أو التقريب بين الأفكار والمناهج والانتماءات السياسية، لأن ما عدا ذلك سيكون إجهاضا مباشرا لما يمكن وصفه بالمشروع الوطني لبناء ليبيا.





في هذا الإطار، وبقدر ما أحزنني وساءني سماع أخبار الاقتتال بين أبناء الوطن الواحد بل والمدينة الواحدة والهم المشترك، سواء في طرابلس ومصراتة، أو في بنغازي أو غيرها، بالقدر نفسه تأسفت كثيرا عما بدر من أحد المحسوبين على التيار الإسلامي من إطلاق لأحكام الكفر، وتعميم لها على شريحة واسعة من أبناء ليبيا المنتسبين لمؤسستي الجيش والشرطة، فإن هذا المبدأ التكفيري الخطير تأباه الشريعة الإسلامية، أصولها وفروعها، وهو أمر مناقض لكلياتها وقواعدها، ولا يستند لأساس علمي، لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ويجب على أهل العلم إنكاره وإعلان رفضه جملة وتفصيلا،




هذا أمر لا جدال فيه ولا خلاف، وفي ذات الوقت، ومع التأكيد على عدم جواز تعميم هذا الكلام وسحبه على جميع المحسوبين على فصيل بعينه أو تيار معين، فإن إنكار المنكر، وزجر المعتدي، والأخذ على يد الظالم في ظلمه، وكبح جماح الفاسق ومجونه، الذي لا يراعي حرمة ولا حراما، ومحاسبة المفسد، ومعاقبة السارق والظالم، كلها أمور واجبة أيضاً، ولا يمكن تصور قيام دولة المؤسسات والقانون في ظل وجود عناصر السوء والانحراف الأخلاقي، وبخاصة بين أفراد أهم مؤسسات الدولة الموكول إليها حفظ الأمن والمحافظة على الاستقرار،




فضلا عن التمكين لهم في تلك المؤسسات الهامة، إذ إنه أمر يناقض مبدأ وجود تلك المؤسستين بالأساس. ها هنا وجب تقديم واجب النصح والإرشاد، واتخاذ الإجراءات العملية، لمنع وقوع هذا الانحراف المشين، لقطع دابر الفتنة والشر، ولإهدار الفرصة أمام للمتسترين بظلام الليل وظلمات الإعلام، ولإلجام قنوات الفتنة التي لا تكاد تترك شاردة ولا واردة إلا وظفتها في تعزيز انقسام المجتمع، وزرع فتيل التحارب والتنازع بين الأشقاء.





إن الأمر جلل، والخطب عظيم، ونسأل الله تعالى أن يرحم الشهداء، ويحقن دماء الليبيين جميعا، وأن يهيء لشعبنا الليبي أمر رشد، ويلهم أبناء شعبنا الصواب والسداد، ويزرقهم الصبر والجلد على الحق وفي الخير، ويوفقهم للمبادرة إلى العمل والإنتاج، والالتفات لما فيه صالحهم وصالح الأجيال القادمة، فبالسعي والعمل الجاد، وبالحرص والنظام، وبالتعاون والتآخي، وبالتواد والتآلف، تبنى الدول، وتنهض الشعوب، وتتحقق الآمال، لا بالراحة، وإيثار الدعة والترف. ورحم الله القائل : ” إن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة التي تحاول هذا، أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل،


إلي قوة نفسية عظيمة، تتمثل في عدة أمور :


إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف،
ووفاء ثابت لا يعدو عليه سكونولا غدر،
وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل،
ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له، يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره.




على هذه الأركان الأولية التي هي من خصائص النفوس وحدها، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة تبنَى المبادئ وتتربَّى الأمم الناهضة وتتكون الشعوب الفتية وتتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمنًا طويلاً”.. وكل شعب فقد هذه الصفات الأربعة أو على الأقل فقدها قواده ودعاة الإصلاح فيه، هو شعب عابث مسكين، لا يصل إلى خير ولا يحقق أملاً، وحسبه أن يعيش في جوٍّ من الأحلام والظنون والأوهام ﴿ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ (يونس: من الآية 36) ، ( إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (الرعد:11) .
و هو أيضا القانون الذي عبر عنه النبي في الحديث الشريف الذي رواه أبو داود : ( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل: ومن قِلّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، ولينزعنَّ اللّه من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنَّ اللّه في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول اللّه وما الوهن؟ قال: حبُّ الدنيا وكراهية الموت ) أولست تراه قد بين أن سبب ضعف الأمم و ذلة الشعوب وهن نفوسها و ضعف قلوبها وخلاء أفئدتها من الأخلاق الفاضلة وصفات الرجولة الصحيحة،






و إن كثر عددها و زادت خيراتها و ثمراتها و إن الأمة إذا رتعت في النعيم و أنست بالترف و غرقت في أعراض المادة و افتتنت بزهرة الحياة الدنيا، و نسيت احتمال الشدائد و مقارعة الخطوب و المجاهدة في سبيل الحق، فقل على عزتها و آمالها العفاء …. لا تيأسوا، فليس اليأس من أخلاق المسلمين! وحقائق اليوم أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد، ولا زال في الوقت متسع، ولا زالت عناصر السلامة قوية عظيمة في نفوس شعوبكم المؤمنة، رغم طغيان مظاهر الفساد، والضعيف لا يظل ضعيفا طول حياته، والقوي لا تدوم قوته أبد الآبدين ( ونريد أن نمن على المستضعفين في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ) (القصص 5-6) …
(كلمات تنبض بالحياة والجدية وروح الأمل والعمل، من كلمات الأستاذ حسن البنا يرحمه الله في رسالة إلى أي شيء ندعو الناس )
د. فتحي خليفه عقوب