المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دليـل العقول الحائرة في كشف المذاهب المعاصرة


Eng.Jordan
02-07-2012, 02:44 PM
حامد بن عبد الله العلي

الحمد لله ، والصلاة والسلام على نبينا محمد ، وعلى آله ، وصحبه ، وبعـد :


فهذه ثلاثـة دروس في وريقات مختصـرة ، تلقي الضوء على المذاهب المعاصرة ، التي جاءت بلادنا من الغرب الملحد الكافر ، وتعرّف بهـا تعريفا موجزا ، مع بعض الإشارات بلطيف العبارات إلى فوائد أخـرى لها عـلاقـة ، وهو بمثابة مدخـل موجـز لهذا العلم الذي بحاجة إلى تأليف أوسع ، وكتاب لشتاته أجمع ، فنسأل الله أن ييسر ذلك لاحـقا ، ويزيل ما قـد يكون دونه عائقـا آمين

الـدرس الأول :

نشأة المذاهب المعاصــرة

عندما نطلق مصطلح المذاهب المعاصرة ، فالمقصود ما ظهر في العصور الأخيرة من مناهج ، وأفكار ، انتشرت في العالم ، وهي في الغالـب قـد جاءت من الغرب ، وتبلورت بعد عزل الكنيسة عن السيطرة على الفرد ، والمجتمع ، والدولة في أوربا.

فقد أدّى ضلال الكنيسة ، وجهلها ، ومحاربتها للعلم ، والمعرفة ، والعلماء ، وطغيانها السياسي ، والإجتماعي ، إلى فصل الدين عن الحياة ، فالإنطلاق في تفسير الكون ، والإنسان ، والحياة ، بعيدا عن هداية الدين.

المراحل التي مرت بها أوربا وتشكلت بها المذاهب المعاصرة :

وقد مرت أ وربــا بأربع مراحــل منذ القرن 14 ميلادي حتى الآن :

المرحلة الأولى : سيطرة الكثلكة ، وهي تعني سيطرة البابا بسلطة إلهية على كلّ شيء ، فهو يزعـم أنـه يتكلم بإسم الله تعالى ، كما تعنـي إمتلاك الكنيسة وحدها حق تفسير الكتاب المقدّس، فلافرق بين نص الكتاب المقدس ، وأفهام الكنيسة .

المرحلة الثانية : مرحلة اللوثرية الكالفنية ، حيث ظهر مارتن لوثر ( 1453م ـ 1546م ) ، وبعده كالفـن ( 1509ـ 1564) فعارضا تعاليم الكثلكة ، وتمردا على الكنيسة الكاثوليكية ، وحاربا سلطة البابا ، وطالبا بالحرية في بحث الكتاب المقدس ، وأنّ البابا لايملك وحده حق تفسيره ، ولكنهما بقيـا على أن الكتاب المقدس هو وحده مصدر المعرفة .

المرحلة الثالثة : مرحلة عصر التنوير ، أو العصر الإنساني ، بدأ من النصف الثاني من القرن الثامن عشـر ، وفيـه انطـلقـت فكـرتان :

أولا : إعتداد العقل الغربي بنفسه ، وأنـّه قادر أن يصوغ كــلّ شيء في حياة الإنسان.

ثانيا : الجرأة في إخضاع كلّ شيء لسلطان العقل بعيدا عن تأثير الدين.

بمعنى آخر أنه بداية طغيان الإنسان الغربـي ، بعد ضلالـه الديني ، وأنه بـدأ ينظر إلى نفسه أنّه إلـه ، فليس هناك إله فوقه يتقرب إليه ، بل هو نفسه الهــدف، من كل شـيء ، وإليه يرجع كل شــيء .

ومع إنطلاق العقل الغربي ، في هذه المرحلة والتالية ـ سنذكرها بعد قليـل ـ بعيدا عن هداية الدين ، صار الجدل الفكري يدور حول العلاقة بين ثلاثة أمور ،

العقل ، والدين ، والطبيعة

وما هو مصدر المعرفة المطلق.

فهذا العصر ، في هذه المرحلة ، سادت فيه الفلسفة المثالية ، التي تجعل العقـل مصدر المعرفة المطلـق .

المرحلة الرابعة : مرحلة ( عصر الوضعية ) ، بدأ مع فــجر القرن التاسع عشر ، وفي هذا العصر ، نزوع كبير إلى الواقع ، واعتبر فلاسفته أن الحس ( الطبيعة ) هـو الذي له السيادة المطلقة ، فالطبيعة هي المصدر الفريد للمعرفة ،

قالوا : لأن الطبيعة هي التي تصنع عقل الإنسان أصلا ، فالعقل وليد الطبيعة ، وما فيه من معرفة نتاج الطبيعة أصلا ، فالعقل متولد من الوراثة ، و البيئة ، والحياة الإقتصادية ، والإجتماعية ..إلخ ، فهي التي تخلق العقل.

والطبيعة هي هذا الواقع والحس ، عالم المادة ، فلا حقيقة لشيء وراء المادة ، ووراء هذا الواقع الحسي ، فالطبيعة هـي كل شـيء ، هي التي صنعت الإنسان ، وهي التي تنقش في عقله المعرفة ، فعلينا أن لانؤمن إلا بشيء واحـد فقط ، هو هذا العالم المادي الذي حولنا .

ومن هـنا بدأ ينتشـر الإلحــاد .

ونلاحظ أن الغرب بدأ أولا بتأليه الكنيسة وشركها ، كما قال تعالى ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله و المسيح ابن مريم ) ،

ثم كفروا بها ، فألّهوا العقــل ، كما قال تعالى ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه )

ثم كفروا به ، فاتخذوا الطبيعة والمادة إلهـا ، كما قال تعالى ( إن الذين لايرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك.. الآية )

الدرس الثانـــي :

أهم المذاهب المعاصرة

ينبغي أن نعلم أولا أن جميع المذاهب المعاصرة ، يجمعها إسم العلمانية ، ولهذا نبدأ بتعريفها

العلمانية :

العلمانيـــــــة

التعريف:


العلمانية كلمة منقول بترجمة خاطئة عن : اللادينية أوالدنيوية ، فهي لاعلاقة لها بالعلم ، ولكن اختيـر لها هذا الإصطلاح ( العلمانية ) تجميلا لقبحها ،

ومعناها فصل الدين عن الحياة ، وإبقاءه حبيسا في ضمير الفرد ، ودور العبادة ، على أنه علاقة خاصة بين معتقد العقيدة الدينية وربه ، وقد ظهرت فيأوربا منذ القرن السابع عشر ، وانتقلت إلى الشرق في بداية القرن التاسع عشر


ظروف النشأة :

- تحول رجال الكنيسة ، إلى طغاة ، ومستبدين ، وإنحيازهم إلى جانب الإقطاعيين الظلمة ،و الملوك الجائرة.

- محاربة الكنيسة للعــلم ، وتسلطها بغير حـق على الفكر ،

حتى كانت تشكل محاكمات ، لإتهام المكتشفين بالهرطقة .

ومن الأمثلة :



- نجاح الثورةالفرنسية : فقـد كانتولادة أول حكومة فرنسية سنة 1789م ، لا دينية تحكم باسم الشعب ، سبب في إنتشار العلمانية كالنار في الهشيم .

- ظهور مؤلفات انتشرت ونشرت الفكر العلماني ، مثـل العقد الاجتماعي الذي يعـد إنجيل الثورة الفرنسية ، للمفكـر جان جاك روسو سنة 1778، وكذلك روح القوانين للمفكر مونتسكيو القوانين , ورسالة اللاهوت و السياسة ، للمفكـر سبينوزا ، وهذا اليهودي يعـد رائد العلمانية باعتبارها منهجا للحياة والسلوك ، ومؤلف الدين في حدود العـقل لفولتير صاحب القانون الطبيعي ، ثم وليم جودين 1793م له العدالة السياسية لوليم جودين .

- ظهور نيتشه : وفلسفته التي تزعم بأن الإله قد مات وأن الإنسان الأعلى (السوبر مان ) ينبغي أنيحل محله!

الأفكار والمعتقدات:

العلمانيون : أقسام كثيرة جدا ، ذلك أن كل فكـر ينطلق من التمرد على الخضوع على تعاليم الدين فهو فكـر علماني

ثم هم ينقسمون إلى قسمين :

علمانيون يعتقدون وجوب القضاء على الدين بالكلية مثل الشيوعية.

وعلمانيون يعتقدون ترك الدين وشأنه ما دام لايتدخل في الحياة ، ثم هؤلاء يقول بعضهم أنه قـد يكون من المفيد توظيف المعتقدات الدينية في بعض جوانب الحياة بشرط أن يكون ذلك تحت سلطة النهج العلماني .

أقسام العلمانيين بالنسبة للإيمان بالله والرسول :


ثم هم بالنسبة للإيمان بالله والرسول أقسام :

منهم من لايؤمن بالله تعالى ، وينكر وجوده .

ومنهم من يؤمن بالله تعالى الخالـق ، وينـكر أنه أرسل الرسل ، ويقول هؤلاء إن الله تعالى جعل في الإنسان العقل الذي يغنيه عن كل هداية.

ومنهم من يؤمن بالله تعالى وبالرسل ولكن يقولون إن الرسل جاؤوا لمن يحتاجهـم فقط ، فإذا استغنت البشرية عنهم ، بتطورها ، ومعارفها ، جاز لها أن تعتمد في الهداية على نفسها .

ومنهم من يؤمن بالله تعالى والرسل ، ولكنهم يقولون إنهم جاؤوا بالتعاليم الروحية فقط ، وحتى لو مارسوا مهام الحكم والسياسة وهدوا الناس إلى مبادىء الإقتصاد ، والاجتماع ، وغيرها من جوانب الحياة ، فإنهم فعلوا ذلك من منطلق دنيوية ، لا من منطلق رسالي ، فلا يجب علينا إتباعهم إلا في الجوانب الروحية فقط ، أما غيره فهم لم يلزمونا أصلا بها .

وهذا القسم الأخير هو الذي يكثر في المتدثرين بالعلمانية في بلادنا الإسلامية ، لاسيما إذا كان الجو العام في المجتمع ضدهم ، فليجأون إلى هذه الشبهة ، ليدفعوا عن أنفسهم معرة التمرد على تعاليم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ،

وهم بذلك يتعلقون بشبـه ساقطة متهافتة ، مردود عليها بأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قام بمهام الحكم والدولة ، وهدى الناس إلى مختلف شؤون الحياة وأمرهم بإتباعه فيها ، كان إنما يمتثل الأوامـر القرآنية الصريحة ، ويقول إنه يقوم بمهمة الرسالة باتباع أوامر المرسِل سبحانه ، الذي جاء بهذا الهدى ملزما للناس جميعا ، كمــــا قال ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ، قيل ومـن يأبى يارسول الله ، قال من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى ) .

من أفكار العلمانية :


ـ الحياة تقوم على أساس دلالة العقـل ، والتجربة ، والحس ، الذي لايخضع للدين ، بل الدين هو الذي يجب أن يخضع للعقـل ، والتجربة ، والحس ، وكل شيء وراء الواقع والحس لايستحق الإهتمام .


ـ إقامة حاجز بين عالمي الروح والمادة ، بينما الواقع أن بينهما ارتباط وثيق ولكنه خفي في كثير من الأحيان ، لايراه إلا المؤمنون .

،ـ فصل الدين عن السياسة ، وإقامة الحكم على أساس مادي ، يجعل الدين تباعا وليس متبوعا

ـ إعمـال مبدأ النفعية على كل شئ في الحياة.


أما مبادىء الذين تمثلوا العلمانية في البلاد الإسلامية ومن بني جلدتنا

ـ الطعن في شريعـة الإسلام ، والقرآن ، والنبوّة.

ـ الزعم بان الإسلام لايصلح لهذا الزمان ، وهو يصلح طقوسا وشعائر روحية فحسب .

ـ يقولون : الفقه الإسلامي فقير ، وما فيه مأخوذ عن القانون الروماني ، وليس فيه جانب سياسي يصلح لقيادة المجتمعات ،

ـ الدعوة إلى التحرر من القيم ، لاسيما قيمالمرأة وفق الأسلوب الغربي.

ـ تشويه الحضارة الإسلامية ، والتاريخ الإسلامي ، وتضخيم حجم الحركاتالهدامة فيه ، وترويجها على أنها حركات إصلاح ، وإحياء الحضارات التي قبل الإسلام


الدعوة إلى الإرتباط بالغرب ، وإلحاق الأمة به ، وتقليده في كل شيء ، بما فيه نشر التفسخ الأخلاقـي .

السخرية من المعتقدات الغيبية في الإسلام ، والهـزؤ بهـا .

التغــريب :

التعريــف

التغريب هو تيار فكري كبير ذو أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية وفنية ، يرمي الى صبغ حياة الأمم بعامة ، والمسلمين بخاصة بالأسلوب الغربي ، وذلك بهدف إلغاء شخصيتهم المستقلة وخصائصهم المتفرده وجعلهم أسرى التبعية الكاملة للحضارة الغربية.

بدأ التغريب في العالم الإسلامي مع ابتعاث بعض المفكرين إلى أوربا ، أمثال رفاعة الطهطاوي الذي ابعـث إلى باريس وأقام فيها خمس سنوات 1826/1831م ، وكذلك ابتعث خير الدين التونسي إليها وأقام فيها أربع سنوات 1852 – 1856م ، فعادا يبشران بضرورة بناء المجتمع العربي على أساس أفكار ونهج المجتمعات الغربية.

وبعد ذلك بدأت حركة ترجمة كتب المفكرين الغربيين ، أمثال فولتير ، وروسو ، ومونتسكيو ، لتكريس المفاهيم الأوربية في العقول العربية .

وبعد ذلك أنشـأ كرومر كلية فيكتوريا بالإسكندرية لتربية جيل من أبناء النخبـة ، نخبة المجتمع ، في أجواء الثقافة الإنجليزيـة ، ليكونوا أداة المستقبل في نقل ونشر الحضارة الغربية.

ثم ظهرت حركـة جمال الدين الأفغاني 1838-1897م ، وبعـد الشيخ محمد عبده 1849 – 1905م وكانا على صلة بالمستر بلنت البريطاني ، وكان محمد عبده له صداقة خاصة باللورد كرومر ، وقد عمل محمد عبده على تأويل نصوص الشريعة لتلائم المفاهيم الغربية ،

ومن تلاميذه قاسم أمين 1865 – 1908م وهو تلميذ محمد عبده ، الدعوة الى تحرير المرأة وتمكينها من العمل في الوظائف والأعمال العامة . وذلك عن طريـق مؤلفين : تحرير المرأة 1899م ، والمرأة الجديدة 1900م.

ثم جاء السياسي سعد زغلول : الذي صار وزيرا للمعارف سنة 1906م شديد التأثر بآراء محمد عبده وقد نفذ فكرة كرومر القديمة والداعية إلى إنشاء مدرسة للقضاء الشرعي بقصد تطوير الفكر الإسلامي من خلال مؤسسة غير أزهرية منافسة له.

بعض رموز تيار التغريب القديمة :

1ـ احمد لطفي السيد 1872 – 1963م ، وكان يدعو إلى الانفصال عن العروبة والإسلام وأن مصر للمصريين ، الضيقة ، وقد تولى شؤون الجامعة المصرية منذ تسلمتها الحكومة المصرية عام 1916م وحتى 1941م تقريبا.

2ـ طه حسين 1889 – 1973م ، وكان من أبرز دعاة التغريب في العالم الإسلامي ، وقـد تلقى علومه على يد المستشرق كايم دور ، وكان أخطر ما كتبه في كتابيه الشعر الجاهلي ، ومستقبل الثقافة في مصر، فقد صرح بالدعوة إلى إخضاع حتى ما في القرآن لمعايير الثقافة الغربية .

فمثلا : يقول في كتابه الشعر الجاهلي ص26 : للتوراة أن تحدثنا عن ابراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا أيضا ، ولكن ورورد هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي.

ويقول بعد ذلك : وقد كانت قريش مستعدة كل الاستعداد لقبول هذه الأسطورة في القرن السابع للمسيح . كما أنه ينفي فيه نسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أشراف قريش.

3ـ علي عبد الرزاق : نشر سنة 1925م كتابه الإسلام وأصول الحكم الذي ترجم إلى الانجليزية والأردية ، قرر فيه بأن الإسلام دين فقط وليس دينا ودولة ، وقد حوكم الكتاب ، والمؤلف من قبل هيئة العلماء بالأزهر في 12/08/1925م ، وصدرت ضده إدانة أخرجته من زمرة العلماء .

أهـم الأفكـار :

يقول لورنس بروان : إن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام ، وفي قدرته على التوسع ، والإخضاع وفي حيويته ، إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الغربي . ولهذا فلابد من الدعوة إلى أن يطبع العالم الإسلامي بطابع الغرب الحضاري.

تشجيع فكرة إسلام مشوه يوافـق الأنماط الغربية ، ومحو تميـّز الشخصية الإسلامية .

الدعوة الى الحرية على أساس المفهوم الغربي ، والتشكيك بتشريعات الإسلام الاجتماعية مثـل تعدد الزوجات في الإسلام ، وتحديد الطلاق ، واختلاط الجنسين.

نشر فكرة العالمية والإنسانية ، بديلا عن الرابطة الإسلامية بين الشعوب الإسلامية .

الديمقراطية الغربية :

التعـريف

الديمقراطية كلمة يونانية الأصل تتكون من مقطعين «ديموس» و «كراتُوس» بمعنى حكم الشعبللشعب أي أن الشعب يحكم نفسه بنفسه .


يقوم المبدأ الديمقراطي على ما يسمىبالحريات الأربع :
1ـحرية الرأي.
2ـ حرية الاعتقاد.
3ـ حريةالتملك.
4ـ الحرية الشخصية.

والشعب في الفكرة الديمقراطية هو السيد المطلق، وهو صاحب السيادة الذي يملك وحـده زمام أمره، ، وهو غير مسؤول أمام سلطة غير سلطته ، ولهذا هو الذي يشرع القوانين من غير خضوع منـه لسلطة أعلى منه ، لا رب معبود ، ولا رسول مرسل ، وبهذا فالشعب هـو أيضا الذي ينفذ القوانين التيشرعها.

منطلق الفكرة العلمانية

كان مبـدأ إنطلاق الفكرة العلمانية مـن أمرين :

أحدهـما : إلغاء " الحق الإلهي المقدس " الذي كان مفروضا من الكنيسة فيما قبل الثورة الفرنسية ، فقد كانت الكنيسة قد أضفت هذا الحـق على السلطة ، فلما قامت الثورة الفرنسية بفكرة الديمقراطية ، أخضعت الحكومة لرقابة الشعب علي تصرفاتها ، وعملت بمبـدأ فصل السلطات ، فجعلـت الحكومة سلطة تنفيذية فحسب ، لا سلطة تشريعية ..

الثاني : إعطاء الشعب حقوقه " الإنسانية " التي حرم منها أكثر من ألف عام في ظل نظام الإقطاع الذي كان سائدا في أوربا.

وبهذا يعلم أن الديمقراطية لها شقان :

أحدهما : منـع الظلم والإستبداد ، ومنح الشعوب حقوقها ، ومنها المشاركة السياسية ، وهذا الشقّ جاء بـه الإسلام ، شريطـة أن تكون الحقوق تبعا لأحكام الله تعالى .

الشق الثاني : جعل السيادة المطلقة بيد الشعب ، لا يخضع لشريعة الله تعالى ، ولا يلزمه الإنقياد لهــا .

ذلك أنـه لما كانت تلك الثورة على الظلم والإستبداد ، التي انبثقت عنها فكرة الديمقراطية ، منطلقة من غير هدى من الله تعالى ، ومصحوبة بكراهيتة شديد لإرث الكنيسـة المقـيت في الظلم ومحاربة العلم في تلك العصور، إضافة إلى أنه لم يكـن يمثـّل الهدى ، بل هو دين محرف عن دين الحق الذي جاء بـه عيسى عليه السلام ،

لما كان الأمر كذلك ، تولد من الثورة نظام حكـم نقل السيادة المطلقة إلى الشعـب ، جاحدا أن لله تعالى شريعـة له السيادة المطلـقة على العباد ، لأنهم أصلا لم يعرفوا شريعة سوى شريعة الكنيسة المحرفة لرسالة الرسل ،

الشـق الأخطـر للديمقراطيـة

وبهذا يعلم أن هذا الشـق من الديمقراطية بمفهومها الغربي ما هي سوى التمرد على شريعة الله تعالى ، والحكم بغير ما أنزل الله تعالى ،

ولئن كانـت في إنطلاقتها الأولى في أوربا صادقت بيئة لاتعرف دينا إلاّ الدين المحرف الذي كان سببا لشقاءهم ، فتمردت عليه ، فإن استنساخها إلى بلاد المسلمين ،وبين أيديهـم هدى الله الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ليس سوى تقليد أعمى لايأتـيه إلا من بدّل نعمة الله التي أنعم الله بها عليه .

وقد سمّى الله تعالى ، الحاكمين بغير شريعتهكافرين ، وظالمين ، وفاسقين ، ومرتدّين ، ومتحاكمين إلى الطاغوت ، ومؤمنين بــه ،ونفي نفيا مقرونا بالقسم بربويته الخاصة المضافة إلى من انزل عليه الشريعة ، نفىعنهم الإيمان ، وسماهم المبدّلين نعمة الله كفرا ، والمتّخذين أربابا من دون اللهتعالى ، وجعل إيمان الذين يريدون ـ حتى لو لم يفعلوا ـ التحاكم إلى غير شريعة اللهتعالى زعمـا محضــا ، وأنهّم المبتغون حكم الجاهلية ،والمشركون بالله تعالى فيالحكم، وسماهم المنافقين ، والمشاقّينللرسول ، والمتبعين غير سبيل المؤمنين .

فهذه خمسـة عشر وصفا ، هي أشدّ الأوصاف ذمّـا ، وأعظماجُرما، كلّها قد وُصـِم بها الحكم بغير ما أنزل الله تعالى .


فليتأمـّل المؤمن برب الشريعة العلية المطهرة ، التي انزلها نورا على خير الناس ، هدى وشفاء للناس ، فليتأمل هذه الآيات الكريمات :

قال تعالى : (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بما أنزل اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، وقال : ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بما أنزل اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ، وقال : ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بما أنزل اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون) ، وقال : ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)، فسمى غير أحكام الله ، أحكام الجاهلية ، وسمى المعرضين عن تحكيم الشريعة مبتغين أحكام الجاهلية ، وإذا كان (أبغض الناس إلى الله تعالى مبتغ في الإسلام سنّة الجاهلية) ، خرجه البخاري من حديث ابن عباس ، فكيف بمن يحكم في الناس بحكم الجاهلية ؟!

وقال : (أَلَمْ تَرَإِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَاأُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَاأُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُو اْإِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا) ، فجعل الذين يريدون التحاكم إلى غير ما أنزل الله تعالى ، غير كافرين بالطاغوت ، وهذا يعني أنهم مؤمنون بالطاغوت ، ولهذا جعل إيمانهم بما أنزل الله تعالى زعما ، ومعلوم أن الكفر بالطاغوت أحد ركني الشهادتين ، فالطاغوت كل مــا يتخذ من دون الله تعالى من أرباب ، أو آلهة ، أوأنداد ، وقد قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَافِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِاعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) ، وقال ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَانفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)

وفي هذا بيان واضح أن مريد التحاكم إلى غير ما أنزل الله مؤمنٌ بالطاغوت ، كافرٌ بالله تعالى ، مجانبٌ لما جاءت بـه الرسل الكرام ، عليهم السلام ، ذلك أن ما أرسلوا بــه هو الحكم بالكتاب بالحق ، قال تعالى :(فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ).

وقال تعالى : (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ) . فقد وصفهم بالمنافقين

وقال تعالى : (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ، ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا). وأيّ مشاقّة للرسول صلى الله عليه وسلم أعظم من الإعراض عن شريعته ؟! وأيّ تولِّ لغير سبيل المؤمنين ، أعظم من نبذ التحاكم إلى التنزيل الذي آمن به المؤمنون واتّبعوه ؟!

وقال تعالى : (اتخذوا أحبارهم وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَاأُمِرُواْ إلا ليعبدوا إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّإِلَـهَ إِلاَّهُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، ،ومعلوم أنهم أطاعو الأحبار، والرهبان ، في تحليل ما حرم الله ، وتحريم ما أحل الله تعالى ، فكان ذلك اتخاذهم أحبارهم ، ورهبانهم ، أربابا من دون الله تعالى ، مع أنهم كانوا يفعلون ذلك تدينا ، وتعظيما لدينهم المحرّف ، ظانين أن للأحبار ، والرهبان ، ذلك الحقّ ، وليس تحقيرا للدين ، ولا إقصاء لـه ، ثم سمّاهم الله تعالى متخذي الأرباب من دون الله تعالى ، فكيف يكون حكـم الذين يقصون الشريعة ، من المتحاكمين إلى القوانين الوضعية ؟!

ولهذا قال تعالى : (ولا يشرك في حكمه أحدا) ، فسمى المتخذ الطاغوت يتحاكم إليه ، مشركا بالله تعالى.

وقال تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَار) ، وأعظم نعمة هي الشريعة المنزلة على خير النبيين محمد صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَمُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌرَّحِيمٌ) ، وقد ذكر الله تعالى هذه الآية بعد أحكام الذّكاة ، وتحريم الميتة ، وقرن ذلك بشرك الذبح على الأنصاب ، والإستقسام بالأزلام ، وفيها بيان أنّ النعمة إنمّا تّمت على هذه الأمّة المرحومة ، بشريعتها الشاملة لكل مناحي الحياة ، حتى المآكل والمشارب ، فمن بدل شريعة الله بغيرها ، فقد بدل نعمة الله كفرا وأحل قومه دار البوار.

وقال تعالى) : إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ* ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَانَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ )

فهؤلاء قالوا للذين يكرهون ما نزل الله ، أنهم سيطيعونهم في بعض الأمر ، لاكله ، وقالوا ذلك سرا لا جهرا ، صارا مرتدين بذلك ، فكيف بالذين يطيعون الكارهين للشريعة من الكفار ، بتبديل الشريعة كلها ، ويفعلون ذلك جهرا لا سرا ، ويتبجحون بذلك زاعمين أن قوانينهم الوضعية عدل ، وصلاح ، وإصلاح للبلاد والعباد ؟!

وقال تعالى) : فَلاَوَرَبِّكَ لاَيُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَبَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَيَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا( ، فقد أقسم الله تعالى بروبيته الخاصة على محمد صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه الشريعة الحاكمة ، وشرفه بكونه المبلغ لها ، الحاكم بها ، الذي قوله حكمٌ ، وفعله حكمٌ ، وإقراره حكمٌ ، يتفـرّق الناس على أساس ما جاء بــه ، إلى الإيمان والكفر ، والهدى والضلال ، والحق والباطل ، والسعيد والشقي ، أقسم عز وجــل ، أنّ أحداً لن ينال حقيقة الإيمان حتى يجعل ما يأتي به الرسول صلى الله عليه وسلم ، هو الحُكمُ الفصلُ في كلّ شيء ، ثم لايجد في نفسه حرجا مسلِّما بذلك تسليما ، إذ كان هذا هو معنى الإسلام ، ولهذا ، وبهذا ، صار صلى الله عليه وسلم خير الأولين والآخرين ، ورحمة الله تعالى للناس أجمعين ،

ومعلوم أن دين الإسلام قائم على الإستسلام لأحكام الله تعالى ، والإنقياد التام لما أنزله سبحانه ، ولهذا عطف الله تعالى تفرده بالحكم على كلمة التوحيد ، (وَلاتَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلها آخر لاإِلَهَ إِلاَّ هُوَكُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وجهه لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(، وعطف كلمة التوحيد على تفرده بالحكم وسماه الدين القيم ) : إِنِ الْحُكْمُ إلا لله أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إلا إياه ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَيَعْلَمُونَ)، وهذا مثل قوله تعالى)وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّتَعْبُدُو اْإِلاَّ إِيَّاهُ( أي لماكان هو الحكم وإليه الحكم ، حكم أن لايُعبد سواه ، ولهذا قال ) قل أعوذ برب الناس ، ملك الناس ، إله الناس) ( ، أي :كون الرب الخالق المدبر ، والملك الحاكم الآمر ، استحق العبادة وحكمَ أنْ تكون العبادةُ له وحده ،وأن من جعلها لغيره ،فهـو كافـرٌ به سبحانه

ولهذا كان أوّل أسباب الشقاء ، التي وقعت في الوجود ، الخروج عن حكمه سبحانه ، كما فعل إبليس لعنه الله ، فاستحق اللعنة الأبديّة ،

كمـا كان عنوان السعادة الأبدية طاعة أحكامه ، والخضوع لسلطانه ، وفي الحديث: (كلّ أمّتي يدخلون الجنة إلاّ من أبى ، قالوا : ومن يأبى يارسول الله ، قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) خرجه البخاري من حديث أبي هريرة

ولهذا قال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا لاتقدموا بين يدي الله ورسوله) ، أي لاتقولوا حتى يقول ، ولا تأمروا حتى يأمر ، ولا تفتوا حتى يفتي ، ولا تقطعوا أمرا حتى يكون هو الذين يحكم فيه ويُمضي .

وسبب هذه العناية العظيمة في القرآن بالحكم بما أنزل الله تعالى ، والتحذير العظيم من تعطيلها أن تعطيلها هو أعظم جريمة تقترف ،

ذلك أنها كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله : (فالشريعة عدل الله بن عباده ، ورحمته بين خلقه ، وظله في أرضه ، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم ، أتم دلاله وأصدقها ، وهي نوره الذي أبصر به المبصرون ، وهداه الذي به اهتدى المهتدون ، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل ، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه في استقام على سواء السبيل ، فهي قرة العيون ، وحياة القلوب ، ولذة الأرواح ، فهي بها الحياة ، والغذاء ، والدواء ، والنور ، و الشفاء ، والعصمة ، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها ، وحاصل بها ، وكل نقص في الوجود ، فسببه من إضاعتها ، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم ، وهي العصمة للناس وقوام العالم ، وبها يمسك الله السموات والأرض أن تزولا ، فإذا أراد الله سبحانه وتعالى خراب الدنيا وطي العالم ، رفع إليه ما بقي من رسومها ، فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم ، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة ).

إذا تبيـّن هذا ، فليُعلم أنّ ما يُسمى ( الديمقراطية ) بمعناها الذي أراده مخترعوها ، والدعاة إليها ـ فقد يُراد بإطلاقهـا جهلا أنهـا ما يُضاد الإستبداد فحسب ـ هي أعظم مناقضٍ للشريعة ، والداعون إليها ، هم الدعاة إلى أبواب جهنم ، لأنهـم هم الداعون إلى رفض الحكم بما أنزل الله تعالى، المبتغون حكم الجاهلية ، المشركون بالله تعالى في حكمه ، الزاعمون الإيمان المنفيَّ عنهم ، الكافرون ، الظالمون ، الفاسقون ، المرتدون ، المتحاكمون إلى الطاغوت ، المؤمنون بــه ، المتخذون أربابا من دون الله ، المبدلون نعمة الله كفرا ، المنافقون ، المشاقون للرسول صلى الله عليه وسلم ، المتبعون غير سبيل المؤمنين .

ذلك أن الديمقراطية تعني إتخاذ أحكام البشر بإعتبار أصوات غالب ممثليهم ،شريعة بديلة عن شريعة الله تعالى ، مهيمنة بأحكامها على الأقوال ، والأفعال ،والأفكار ، وجميع السلوك الإنساني ، والعلاقات الدولية الداخلية ، والخارجية ، لها أنْ تحلّ ما حرّم الله ، وتحرّم ما أحلّ الله تعالى .

فهي أمّ القوانين التي تخلقها إفكا ، وهي منبـع الطواغيت التي تحدثها باطلا ، وهي مصنع الجاهلية المعاصرة التي تصدّ عن سبيل الله تعالى ، وتحارب شريعته .

ومعلوم أن سدنة هذا الدين الجديد ، يقولون إنّه لايُحكـم على السلوك الإنساني منفردا أومجتمعا في صورة دولة ، بأنه صواب أو خطأ ، فيكون جريمة ، أم سلوكا مباحا ، إلاّ بقانون ، ولابد للقانون من مشرِّع يشرّعه ، ومصدر يُحدثه ،ويُنشئـه :

فإمّا إن يكون مصدره من غير البشر ، وهو الله تعالى ، عند أتباع الرسل.

وإما أن يكون من البشر ، وهذا الأخير لايخلو :

إمّا أن يكون من حاكم مستبد ، يفصل في الأمور برأيه ، ويقضي فيها بحكمه وهذه هي الدكتاتورية التي ثارت عليها الشعوب في القرن الماضي ، حتى ساد المذهب الثالث.

وهو أن يكون مصدر التشريع هو حكم الأغلبيّة بحسب العـدّ المحض ، الذي يعدّ الرؤوس ولا يزنها ، فيجعل العاقل الحكيم المصلح ، مساويا للجاهل الأحمق المفسد ، والمؤمن الصالح الأمين ، مكافئا للكافر الفاسق الخائن ، وسيد القوم الشريف سديد الرأي ، معادلا للمرأة التي ربما تكون عاهرة تسعى بفرجها !

فكلهم سواء في ميزان هذا الدين الجديد ، فتُعدّ أصواتهم عدّا فحسـب ، ثم يُعرف بأكثر العدّ ، الشــرعُ الذي يجب أن يسيروا عليه ، والنهج الذي يهديهم سواء السبيل !

ولئن قال قائل إن هذا الحمق ،والجهل ، والضلال المبين ، لايمكن أن يتواطأ عليه العقلاء ، لأنه يعرف بالبداهة فساده ، ويتبين بمنطق الأمور مناقضته للعقل الصريح .

فالجوب أنهم علموا أنـّه لافرق ـ في الحقيقة ـ بين هذا الدين الجديد ، وما قبله ، لأنّ فئة قليلة قادرة على التأثير على الغالب بالترغيب والترهيب ، ستسيطر على عدد الأصوات ، فيصير التشريع بأيديهم ،علموا ذلك ، غير أنهم وجدوا أنّ إبقاء اللعبة التي تُسمّى الديمقراطية ، في ظاهرها تخدع الشعوب ، وتخدّرهم يوم التصويـت، أنفع لهم من المجاهرة بأنهم مستبدون ، يبتغون الإستيلاء والهيمنة بشعارات خداعة .

وهذا يُشبه ـ من وجه ـ ما يسمى الشركات المساهمة، حيث يظنّ المساهمون أنهم تّجار بما يملكون من أسهم في الشركات ، بينما يتحكم في الشركات الكبار الذين يخدرونهم بتلك الخدعة ، حتى يملكوا أموالهم ، كما ملكت تلك الخدعة المسماة الديمقراطية عقولهم وإرادتهم ، ولهذا قال احد المفكّرين الغربيين : إنّ أكبر كذبتين في التاريخ هما الديمقراطية ، والشركات المساهمة !

ولهذا كان ما فيهما من الفساد العام ، ومحق البركة من المجتمعات ما فيهما .

والمقصود أنّ سدنة هذا الصنم قالوا : إنّ التشريعات التي تنتج عن حكم الأغلبيّة ، مقدمة على كلّ حكم آخر حتى شريعة الله تعالى ، وأنهــا ملزمة للشعوب ، فهي شريعة كاملة ، وأحكام نافذة ، والخارج عليها مجرم ، والمتمرد عليها خائن ، والساعي في تعطليها مرتد يحكم عليه أحيانا بالإعدام ، أو الحبس المؤبد ، أوالنكال الشديد ، ثم جعلوا لهذا الدين خبـــراء يطوّرونـه ، أطلقوا عليهم إسم ( فقهاء القانون ) كما أطلقوا على آراءهم ( الفتوى ) ، إمعانا في المضادة لشريعة الله تعالى واستبدالها بغيرها .

وبهذا يتبين أن هذه القوانين الوضعية ، ترجع إلى أصل عقدي ، هو دين الديمقراطية ، تنبثق منها على أساس إعتقاد أنّ الحكم بين الناس ، والتشريع لهــم ، لايرجع فيه إلى الله تعالى خالق البشر بل إلى البشر أنفسهم .

والخلاصة أن الديمقراطية بشقها الثاني مناقضة تمام المناقضة لدين الإسلام ، عقيدة وشريعة .

Eng.Jordan
02-07-2012, 02:51 PM
الليبراليــة

التعريف

هذا المصطلح الغربي من أشد المصطلحات غموضا ، وقد اختلف معرفوه الغربيون في تعريفه اختلافا كبيرا ، غيـر أنها كلها ترجع إلى أحـد أركان الديمقراطية الغربيـة ، وهي الحرية ، والحرية بالمفهوم الغربي فحـسب ، فهي حرية زائفة ترجع إلى كونها عبودية للغـرب حتى في تعريف الحرية!

وبهذا يعـلم أن الليبراليَّة هي وجه آخر من وجوه العلمانيِّة بمعناها العام الذي هو التمرد على الديـن والتحـلل من الإلتـزام بـه ، ولهذا فمعتنقوها يقصدون بها أن يكون الإنسان حراً في أن يفعل ما يشاء ، ويقول ما يشاء ، ويعتقد ما يشاء ، ويحكم بما يشاء ، بدون التقيد بشريعة إلهية ، فالإنسان عند الليبراليين إله نفسه ، وعابد هواه ، غير محكوم بشريعة من الله تعالى ، ولا مأمور من خالقه باتباع منهج إلهيّ ينظم حياته كلها، كما قال تعالــى ( قُل إنَّ صَلاتي ونُسُكِي وَمَحيايَ وَمَماتي للهِ رَبَّ العالَمِينَ ، لاشَريكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرتُ وَأَنا أَوَّلُ المِسلِمين) الأنعام 162، 163 ، وكما قال تعالى ( ثمَُّ جَعَلنَاكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمرِ فَاتَّبِعها وَلاتتَّبِع أَهواءَ الذِينَ لايَعلَمُون ) الجاثية 18

هل تملك الليبرالية إجابات حاسمة لما يحتاجه الإنسان :

الليبراليَّة لاتُعطيك إجابات حاسمة على الأسئلة التالية مثلا : هل الله موجود ؟ هل هناك حياة بعد الموت أم لا ؟ وهل هناك أنبياء أم لا ؟ وكيف نعبد الله كما يريد منّا أن نعبده ؟ وما هو الهدف من الحياة ؟ وهل النظام الإسلاميُّ حق أم لا ؟ وهل الربا حرام أم حلال ؟ وهل القمار حلال أم حرام ؟ وهل نسمح بالخمر أم نمنعها ، وهل للمرأة أن تتبرج أم تتحجب ، وهل تساوي الرجل في كل شيء أم تختلف معه في بعض الأمور ،

وهل الزنى جريمة أم علاقة شخصية وإشباع لغريزة طبيعية إذا وقعت برضا الطرفين ، وهل القرآن حق أم يشتمل على حق وباطل ، أم كله باطل ، أم كله من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم ولا يصلح لهذا الزمان ، وهل سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وحي من الله تعالى فيحب أتباعه فيما يأمر بـه ، أم مشكوك فيها ، وهل الرسول صلى الله عليه وسلم رسول من الله تعالى أم مصلح اجتماعي ،

وما هي القيم التي تحكم المجتمع ؟ هل هي تعاليم الإسلام أم الحرية المطلقة من كل قيد ، أم حرية مقيدة بقيود من ثقافات غربية أو شرقية ، وماهو نظام العقوبات الذي يكفل الأمن في المجتمع ، هل الحدود الشرعية أم القوانين الجنائية الوضعية ، وهل الإجهاض مسموح أم ممنوع ، وهل الشذوذ الجنسي حق أم باطل ، وهل نسمح بحرية نشر أي شيء أم نمنع نشر الإلحاد والإباحية ، وهل نسمح بالبرامج الجنسية في قنوات الإعلام أم نمنعه ، وهل نعلم الناس القرآن في المدارس على أنه منهج لحياتهم كلها ، أم هو كتاب روحي لاعلاقة له بالحياة ؟؟؟؟

المبدأ العام الليبرالية :

فالليبراليّة ليس عندها جواب تعطيه للناس على هذه الأسئلة ، ومبدؤها العام هو : دعوا الناس كلُّ إله لنفسه ومعبود لهواه ، فهم أحرار في الإجابة على هذه الأسئلة كما يشتهون ويشاؤون ، ولن يحاسبهم رب على شيء في الدنيا ، وليس بعد الموت شيء ، لاحساب ولا ثواب ولاعقاب


ماالذي يجب أن يسود المجتمع في المذهب الليبرالـي :

وأما ما يجب أن يسود المجتمع من القوانين والأحكام ، فليس هناك سبيل إلا التصويت الديمقراطي ، وبـه وحده تعرف القوانين التي تحكم الحياة العامة ، وهو شريعة الناس لاشريعة لهم سواها ، وذلك بجمع أصوات ممثلي الشعب ، فمتى وقعت الأصوات أكثر وجب الحكم بالنتيجة سواء وافقت حكم الله وخالفته 0

السمة الأساسية للمذهب الليبرالـي :

السمة الأساسية للمذهب الليبرالية أن كل شيء في المذهب الليبراليِّ متغيِّر ، وقابل للجدل والأخذ والردِّ حتى أحكام القرآن المحكمة القطعيِّة ، وإذا تغيَّرت أصوات الأغلبية تغيَّرت الأحكام والقيم ، وتبدلت الثوابت بأخرى جديدة ، وهكذا دواليك ، لايوجد حقّ مطلق في الحياة ، وكل شيء متغير ، ولا يوجد حقيقة مطلقة سوى التغيُّــر.

إله الليبراليـــة :


فإذن إله الليبراليِّة الحاكم على كل شيء بالصواب أو الخطأ ، حرية الإنسان وهواه وعقله وفكره ، وحكم الأغلبيِّة من الأصوات هو القول الفصل في كل شئون حياة الناس العامة ، سواءُُ عندهم عارض الشريعة الإلهيّة ووافقها ، وليس لأحد أن يتقدَّم بين يدي هذا الحكم بشيء ، ولا يعقب عليه إلا بمثله فقط 0

تناقض الليبراليـة :

ومن أقبح تناقضات الليبرالية ، أنَّه لو صار حكمُ الأغلبيِّة هو الدين ـ في الليبرالية السياسية مثلا ـ واختار عامة الشعب بحرية الحكم بالإسلام ، واتباع منهج الله تعالى ، والسير على أحكامه العادلة الشاملة الهادية إلى كل خير ، فإن الليبراليّة هنا تنزعج انزعاجاً شديداً ، وتشن على هذا الاختيار الشعبي حرباً شعواء ، وتندِّدُ بالشعب وتزدري اختياره إذا اختار الإسلام ، وتطالب بنقض هذا الاختيار وتسميه إرهاباً وتطرفاً وتخلفاً وظلاميّة ورجعيّة 00الخ

كما قال تعالى ( وإذا ذُكِر الله ُوَحدَهُ اشمَأَزَّت قلوبُ الذين لايُؤمِنُونَ بِالآخرِةِ وَإِذا ذُكِرَ الذينَ مِنَ دونِهِ إذا هُم يَستَبشِروُن) الزمر 45 .

فإذا ذُكر منهج الله تعالى ، وأراد الناس شريعته اشمأزت قلوب الليبراليين ، وإذا ذُكِر أيُّ منهجٍ آخر ، أو شريعة أخرى ، أو قانون آخر ، إذا هم يستبشرون به ، ويرحِّبون به أيَّما ترحيب ، ولايتردَّدون في تأيِّيده.

حكم الاسلام في الليبراليــة :

فإذن الليبراليِّة ماهي إلاّ وجه آخر للعلمانيِّة التي بنيت أركانها على الإعراض عن شريعة الله تعالى ، والكفر بما أنزل الله تعالى ، والصد عن سبيله ، ومحاربة المصلحين ، وتشجيع المنكرات الأخلاقيِّة ، والضلالات الفكريِّة ، تحت ذريعة الحريِّة الزائفـــــة ، والتي هي في حقيقتها طاعة للشيطان وعبودية له0

هذه هي الليبراليّة ، وحكمها في الإسلام هو نفس حكم العلمانيّة سواء بسواء ، لأنها فرع من فروع تلك الشجرة ، ووجه آخر من وجوهها


التعدديــة

التعريــف :

التعددية هي فرع عن الليرالية التي هي فرع عن العلمانية ، والديمقراطية الغربية تجعل التعددية من صور الحرية التي هـي أحد أركانها ، وقد بينا فيما مضى أن الحرية هنا ، حرية زائفة ، يقصد بها العبودية للعقل الغربي في توصيف حتى معنى الحرية .

والتعددية تعني أن يسمح في المجتمع بالاختلاف والتعدد في كلّ شيء ، حتى لو كان هذا الإختلاف بين الحق والباطل ، بل لايوجد في التعددية ، حق مطلق ، وباطل مطلق ، ولهذا ترى التعددية أن الاختلاف مهما كان هو في حـد ذاته ظاهرة محمودة بإطلاق ، تجـب رعايتها ، وتشجيعها ، ومحاربة من يقف في طريقها ،

وحتى لو كان في المجتمع من يعبد إبليس نفسه ، فيجب أن يسمح لهم ـ في نظر التعددية ـ بإظهار دعوتهم ، وتمكينهم من دعوة الناس إليها ، ونشر كل ما يزينها ويشجع على إعتناقها ، وعلى الصعيد السياسي يجب أن يسمـح لهم بتأسيس حزب سياسي يحمي معتقداتهم ، ويسمح لهم بنشرها .

وكذلك يجب أن يسمح العالم كله بعبور كلّ العقائد ، والأفكار ، والديانات ، ونشرها عبر المجتمعات من غير حـجر ولا تضييق ولامنع .

والعجـب من التعددية ـ كسائر ما يأتي من الغرب الأعور المنافق ـ أنها عندما يأتي دور الإسلام ، لايسمح لها بالتعددية ، بل يحارب حربا شعواء ، ويضيق عليه ، كما فعلت فرنسا مع الحجاب ، فإنها عندما رأت انتشار الحجاب في المدارس ، أعلنت حربا على التعددية الثقافية ، بل الحرية الشخصية ،

ومن الأمثلة الأخرى تلك القوانين الغربية التي تحظـر مناقشة تاريخ الهلوكوست ، ( المذبحة اليهودية المزعومة ) ، ولا تسمح هنا بالتعددية في الآراء ، وقـد تمت مطاردة عدة مفكرين غربيين قضائيا ، ومنهم من سجن ، لتشكيكهـم في صحة ما تزعمه اليهود من وقوع الهلوكوست بالصورة التي وقعت بها .

وهاهـي أمريكا تمارس أبشع أنواع التمييز العنصري ضد المسلمين ، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول ، وتحـذوا حذوها دول أوربية ، ضاربة عرض الحائـط بمزاعمها عن التعدديــة الثقافية !

حكم التعدديــة

الأصل الجامع لهذا الدين ، وكل دين أرسل الله بـه المرسلين والنبيين ، أن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، أن يُعلوا أحكام هذا الدين ، وهو كلمة الحق ، وأن ينصروه .

وأن يقيموا العدل ، وينصبوه ، وأن يمنعوا الباطل من العلوّ والظهور ، وكذا الظلم والفجور .

وأن معيار العلم بالحق والباطل ، إنما هو الوحي ، هو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال ، قال سبحانه " فاسْتَقْمْ كَمَا أُمِرَتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا "

وذلك أن الله تعالى هو الحق ، وهو ربّ الناس ، ملك الناس ، إله الناس ، له الأمر كلّه ، كما له الملك و الخلق كلّه ، وقد أقام هذه السموات والأرض على الحق والعدل ، وأنزل به الوحي ، حاكما بين الناس ، وأمر المرسلين والمؤمنين أن يقوموا به في الأرض ، ويجاهدوا في سبيل إقامته ، بالعلم واللسان ، وبالقوة والسنان .

قال تعالى : (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ).

وقال تعالى (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُور ) ِ

وقال تعال : ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ )

فأمر الناس أن يقيموا دين الله وأن يجتمعوا عليه ، ولا يتفرقوا .

والقرآن مليء بالأمر بالاجتماع على الحق ومدحه ، وذم الافتراق عنه والتفرق فيه ، والأمر بجهاد الباطل وأهله ، وقد سماهم أهل الشقاق ، وأهل النفاق ، وأهل الكفر ، أو الفسق والفجور ، وجمع لهم أوصاف الذم وأسماءه.

هذا هو الأصل العظيم الجامع ، المعلوم من الدين بالضرورة ، من دفعه كفر وارتد ، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه بإتفاق العلماء .

وعلى هذا الأصل أقيمت شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام ، بل جعل النظام السياسي كله قائما على هذا الأصل ، فمقصوده إظهار الحق الذي تحمله الأمّة بالوحي ، إظهاره أي جعله ظاهرا بالقوة والعلوّ ، بين المؤمنين ، وعلى الأرض كلها بجهاد الطلب .


قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" وإذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي ؛ فالأمر الذي بعث الله بـه رسوله هو الأمر بالمعروف والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر وهذا نعت النبي والمؤمنين ؛ كما قال تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}

وهذا واجب على كل مسلم قادر وهو فرض على الكفاية ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره والقدرة هو السلطان والولاية فذوو السلطان أقدر من غيرهم ؛ وعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم .

فإن مناط الوجوب هو القدرة ؛ فيجب على كل إنسان بحسب قدرته قال تعالـــى : { فاتقوا الله ما استطعتم}

وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواء في ذلك ولاية الحرب الكبرى : مثل نيابة السلطنة والصغرى مثل ولاية الشرطة : وولاية الحكم ؛ أو ولاية المال وهي ولاية الدواوين المالية ؛ وولاية الحسبة .

لكن من المتولين من يكون بمنزلة الشاهد المؤتمن ؛ والمطلوب منه الصدق ؛ مثل الشهود عند الحاكم ؛ ومثل صاحب الديوان الذي وظيفته أن يكتب المستخرج والمصروف ؛ والنقيب والعريف الذي وظيفته إخبار ذي الأمر بالأحوال .

ومنهم من يكون بمنزلة الأمين المطاع ؛ والمطلوب منه العدل مثل الأمير والحاكم والمحتسب وبالصدق في كل الأخبار والعدل في الإنشاء من الأقوال والأعمال : تصلح جميع الأحوال وهما قرينان كما قال تعالى : { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا } {وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الظلمة : " { من صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ؛ ولا يرد علي الحوض ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه : وسيرد على الحوض}

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " { عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابـا}

ولهذا قــال سبحانه وتعالى : { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين }{ تنزل على كل أفاك أثيم } وقال : " { لنسفعن بالناصية } { ناصية كاذبة خاطئة} . مجموع الفتاوى 28/65

وكل هذا قد اتفقت عليه المذاهب الإسلامية من أهل السنة والجماعة .

*** غير أن هذا لايعني أنه ليس في الإسلام مساحة لتعدد الآراء ، والتسامح في الخلاف ، مادام ذلك لا يكون في دائرة المحكمات ، والثوابت.

فالتعدّدية إن أريد بها هذا فهي من الحقّ نفسه .

ولهذا لم يكن عند أحد من العلماء تعارض بين ما أمر الله به من إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المكر ، وبين القاعدة المشهورة : أنه لا إنكار في المسائل الاجتهادية ، لان الله تعالى شاء بحكمته أن يكون فيما أنزل محكمات هنّ أمّ الكتاب ، يجتمع عليها أهل الحق ولا يتفرقون ، ومتشابهات يجري وقد يسوغ فيها اختلاف النظر والاجتهاد ، ولهذا صح في الحديث : ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإن أخطأ فله اجر) ,

ولهذا ذكر من ذكر من العلماء أنه لا يجوز للحاكم أن يلزم الناس في مسائل الاجتهاد برأيه ،

قال شيخ الإسلام جوابا على سؤال هل يلزم ولي الأمر الناس بمذهبه في مسائلا الاجتهاد :

فَأَجَابَ : لَيْسَ لَهُ مَنْعُ النَّاسِ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَلا مِنْ نَظَائِرِهِ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الاجْتِهَادُ وَلَيْسَ مَعَهُ بِالْمَنْعِ نَصٌّ مِنْ كِتَابٍ وَلاسُنَّةٍ وَلاإجْمَاعٍ وَلَا مَا هُوَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ؛ لا سِيَّمَا وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ وَهُوَ مِمَّا يَعْمَلُ بِهِ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِي عَامَّةِ الأمصار . وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْحَاكِمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَ غَيْرِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلا لِلْعَالِمِ وَالْمُفْتِي أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بِاتِّبَاعِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ ؛ وَلِهَذَا لَمَّا اسْتَشَارَ الرَّشِيدُ مَالِكًا أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى " مُوَطَّئِهِ " فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ . وَقَالَ : إنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفَرَّقُوا فِي الآَمْصَارِ وَقَدْ أَخَذَ كُلُّ قَوْمٍ مِنْ الْعِلْمِ مَا بَلَغَهُمْ . وَصَنَّفَ رَجُلٌ كِتَابًا فِي الاخْتِلافِ فَقَالَ أَحْمَد : لا تُسَمِّهِ " كِتَابَ الاخْتِلافِ " وَلَكِنْ سَمِّهِ " كِتَابَ السُّعةِ " . وَلِهَذَا كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ : إجْمَاعُهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ وَاخْتِلافُهُمْ رَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ .

وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ : مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْتَلِفُوا ؛ لاَنَّهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى قَوْلٍ فَخَالَفَهُمْ رَجُلٌ كَانَ ضَالا وَإِذَا اخْتَلَفُوا فَأَخَذَ رَجُلٌ بِقَوْلِ هَذَا وَرَجُلٌ بِقَوْلِ هَذَا كَانَ فِي الأمر سَعَةٌ .

وَكَذَلِكَ قَالَ غَيْرُ مَالِكٍ مِنْ الأئمة : لَيْسَ لِلْفَقِيهِ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى مَذْهَبِهِ .

وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُصَنِّفُونَ فِي الأمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ : إنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الاجْتِهَادِيَّةِ لا تُنْكَرُ بِالْيَدِ وَلَيْسَ لأحَدِ أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بِاتِّبَاعِهِ فِيهَا ؛

وَلَكِنْ يَتَكَلَّمُ فِيهَا بِالْحُجَجِ الْعِلْمِيَّةِ فَمَنْ تَبَيَّنَ لَهُ صِحَّةُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ تَبِعَهُ وَمَنْ قَلَّدَ أَهْلَ الْقَوْلِ الآخَرِ فَلا إنْكَارَ عَلَيْهِ.

وَنَظَائِرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ كَثِيرَةٌ : مِثْلَ تَنَازُعِ النَّاسِ فِي بَيْعِ الباقلا الأخْضَرِ فِي قِشْرَتِهِ وَفِي بَيْعِ المقاثي جُمْلَةً وَاحِدَةً وَبَيْعِ الْمُعَاطَاةِ وَالسَّلَمِ الْحَالِّ وَاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ بَعْدَ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ إذَا لَمْ تُغَيِّرْهُ وَالتَّوَضُّؤِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ وَالنِّسَاءِ وَخُرُوجِ النَّجَاسَاتِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ وَالْقَهْقَهَةِ وَتَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ ذَلِكَ وَالْقِرَاءَةِ بِالْبَسْمَلَةِ سِرًّا أَوْ جَهْرًا وَتَرْكِ ذَلِكَ .

وَتَنْجِيسِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثِهِ أَوْ الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ ذَلِكَ وَبَيْعِ الأعْيَانِ الْغَائِبَةِ بِالصِّفَةِ وَتَرْكِ ذَلِكَ .

وَالتَّيَمُّمِ بِضَرْبَةٍ أَوْ ضَرْبَتَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ أَوْ الْمِرْفَقَيْنِ وَالتَّيَمُّمِ لِكُلِّ صَلاةٍ أَوْ لِوَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ أَوْ الاكتفاء بِتَيَمُّمِ وَاحِدٍ وَقَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ أَوْ الْمَنْعِ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ " مجموع الفتاوى 30/79 ـ 81

*** كما أن الإسلام لا يعاقب على الخطأ في غير المسائل الجليلة والمحكمات ، مادام المخطئ متأوّلا ، ولهذا أقــرّ عبر عصور الإسلام ، الخلاف بين المذاهب الفقهية ، في مسائل لا تحصى ، وكثير منها الخطأ فيها واضح ، لمخالفته النص ، غير أنه لما كان ذلك في مسائل الفروع العمليّة ، أو في مسائل دقيقة يعذر فيها المخطئ بتأويل ، فقد أقــر فيهــا تعدد الآراء ، واختلاف المذاهب .

*** وكذا إن أريد بالتعددية ، التعددية السياسية المحضة ، أعني التي هي سياسة مصالح الأمة في هدى الشريعة ، كالأخذ بنظام سياسي يسمح بتداول السلطة بين أحزاب ، في نظام سياسي قائم على الشرع ، فتكون الأحزاب المتعددة تطرح حلولا للمشكلات الحياتية ، لا يخرج كل حزب منها ، عن الالتزام بأحكام الشريعة ، في نظام الخلافة الإسلامية ، بما يشبه ما كان يطلق عليه وزارة التفويض.

فهذا غاية ما يمكن أن يقال فيه ، إنه مشروع في الجملة ، إن احتيج إليه كان بها ، وإلا فمتى كان السلطان حاكما بالشرع ، قائما بالعدل ، ناصرا للملة ، حافظا للحقوق ومن أهمّها حقّ الشورى لمن هو أهل للشورى ، فقد أدى ما عليه ، فمن يوجب عليه التعددية السياسية مطلقا ، فهو مخطئ خطأ بينا ، زاعــمٌ مالا برهان له بـه من الشرع .

وقد ذكرنا فيما سبق ، في غير موضع ، أنه ليس ثمة في الكتاب والسنة ، ما يمنع من الاستفادة من الوسائل العصرية السياسية التنظيمية ، حتى في إدارة الدولة ، مادامت تحقق مقاصد الشريعة ، ولا تعارض نصا من نصوصها .

*** وكذا يقر الإسلام التعددية في الأفكار والابتكارات العلميّة الدنيوية ، والفنون المباحة ، والعادات ، ونحو ذلك مما فطر الله الخلق على التنوّع فيه ، لأن ذلك من طبيعة الخلق التي فطر الله الناس عليها ، وهي تثري المجتمعات ، وتضفي عليها تلونا جميلا ، فهو أمر محمود مطلوب ، ومازالت أمتنا تحوي هذا التنوع المحمود في تاريخها منذ عصر الصحابة من غير نكير ، هذا ولم تزل أمتنا مزيجا متنوعا رائعا من شعوب شتى ، تختلف في عاداتها وألوان فنونها ، ومعايشها ، ولغاتها ، غير أنها تجتمع على ثوابت الأمة العامة وهي أصول هذا الدين العظيم .

*** أما التعددية في عرف العصر ، فإنها يقصد بها في الغالب عند الإطلاق ، السماح بما يسمى التعدد الثقافي ـ والسياسي تبع له ـ القائم على أصول تناقض أصول الشريعة ، وليس المقصود هنــا ـ في هذا العرف العصــــري ـ السكوت عن الباطل ما بقي اعتقادا بالقلب ، أو إقرار أهل الأديان التي يكونون أهل ذمة على دينهم وعباداتهم ، بالشروط الشرعية المرعية .

بل المقصود الإذن بإظهار الدعوة إلى الكفر ، والمنكر ، وحماية الداعين إلى ذلك بالقوانين ، كما تنص على ذلك الدساتير العلمانيّة الوضعيّة تحت شعار الديمقراطيّة .

فهذا من الكفر ، بل هو الكفر نفسه ، وما أشبه هذه العقيدة الكفرية بقول المشركين ( أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلهاً وَاحِداً إنّ هَذّا لَشَيءٌ عُجَابْ).


*** ومن الواضح أن هذا ليس من التعددية في ثقافة أمة في شيء ، بل هو اختراق ثقافي لها ، وغزو عقدي من ثقافة أمة إلى أمة أخرى ، فتسميته تعددية من التلاعب بالألفاظ .

ومن يدعو إلى مثل هذا ، دون أن يشترط أن تغير الأحزاب عقائدها وتدين بالإسلام ، وتُسلك في نظام لايتحاكم إلا إلى الشريعة ، يبيّن له حقيقة ما يدعو إليه ، وأنه يناقض أصل الدين ، فإن أصر فهو مرتد له حكم أمثاله من المرتدين .

وأما من يحتج على جوازه بوجود الزنادقة في تاريخ الإسلام ، فهو كالقدرية المشركة التي تستدل بوقوع الكفر على إباحته ، كماقالى تعالى :

" وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ " .

وما هذه الأحزاب العلمانيّة اللادينيّة ، والمرتدة الضالة ، الداعية إلى ما ينقض الإسلام إلا زنادقة العصر ، ومن طالب بأن يشرع لهم تشريع يبيح لهم الدعوة إلى كفرهم وحماية دعوتهم ، فحكمه حكمهم .

وأما من يحتج على جواز ما يسمى "التعدديّة " ، بوجود الفرق الضالّة التي لم تخرج عن الإسلام ، وجودها في تاريخ الإسلام ، فيقـــــال :

أولا : إن تلك الفرق كانت من جملة المسلمين ، المقرين بالتنزيل والانقياد للوحي في الجملة ، وإنما ضلّوا في تأويله ، لا في تنزيله ، فلا يصح قياس الزنادقة عليهم ، وهي هذه الأحزاب اللادينية العلمانية.

وثانيا : لا يحتج بما يقع في الوجود ، على أنه مشروع ، كما تقدم ، وقد وقع في تاريخ ملوك الإسلام من المخالفات الشرعية ما الله به عليم ، وليس هذا بحجة .

وأما زعم الزاعم إقرار العلماء لوجود الفرق الضالة ، فلم يقرّوه ، بل أنكروا عليهم بدعهم ، وبيّنوا ضلالهم وحذّروا منهم ، كما أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله ( فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه ، فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم).

ولا أعلم عالما من أهل السنة ، أباح لسلطان أن يشرّع لأهل البدع والضلالة تشريعا يسمح لهم بالدعوة إلى منكراتهم وبدعهم ، أو ينصب لهم منبراً يمكنهم من ذلك ، كيف وقد أمر الله تعالى بإنكار المنكر إن ظهر ، وجعل ذلك من أعظم واجبات الدين ، وجعله حقا عاما للمسلمين ؟!!

ولهذا كان عمر رضي الله عنها يعاقب على إظهار منكرات البدع أشد العقوبة ، وكان في ذلك قائما بالقسط ، حاكما بالعدل ، عاملا بالكتاب ، كما فعل بصبيغ بن عسل .

وقد اتفق العلماء على وجوب منع أهل البدع من إظهار بدعهم ، وأن السلطان يكون مفرطا فيما يجب عليه إن لم يفعل ، كما اتفقوا على وجوب قتال أهل البدع إن كانوا طائفة ممتنعة ، وتنازعوا هل يجوز قتل الواحد منهـم :

قال شيخ الإسلام : " وأمــــا الواحد المقدور عليه من الخوارج والرافضة فقد روي عنهما - أعني عمر وعليا - قتلهما أيضا ، والفقهاء وإن تنازعوا في قتل الواحد المقدور عليه من هؤلاء فلم يتنازعوا في وجوب قتلهم إذا كانوا ممتنعين "

وأما الرد على من زعم أن عليا رضي الله عنه أباح للخوارج الدعوة إلى ضلالهم ، ومكّنهم من ذلك ، فنذكر أولا الرواية ، ثم نبيّن بطلان هذا الاستدلال .

قال ابن كثير رحمه الله :

"ذكر خروج الخوارج من الكوفة ومبارزتهم عليا رضي الله عنه بالعداوة والمخالفة وقتال علي إياهم وما ورد في ذلك من الأحاديث.

لما بعث علي أبا موسى ومن معه من الجيش إلى دومة الجندل اشتد أمر الخوارج وبالغوا في النكير على علي وصرحوا بكفره، فجاء إليه رجلان منهم، وهما زرعة بن البرج الطائي، وحرقوص بن زهير السعدي، فقالا: لا حكم إلا لله. فقال علي: لا حكم إلا لله. فقال له حرقوص: تب إلى الله من خطيئتك، وارجع عن قضيتك، اذهب بنا إلى عدونا حتى نقاتلهم حتى نلقى ربنا.
فقال علي: قد أردتكم على ذلك فأبيتم، وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتابا وعهودا، وقد قال الله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ الآية ، فقال له حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه. فقال علي: ما هو بذنب ولكنه عجز من الرأي، وقد تقدمت إليكم فيما كان منه، ونهيتكم عنه.

فقال له زرعة بن البرج: أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لأقاتلنك أطلب بذلك وجه الله ورضوانه.

فقال له: تبا لك ما أشقاك! كأني بك قتيلا تسفى عليك الريح. فقال: وددت أن قد كان ذلك.

فقال له علي: إنك لو كنت محقا كان في الموت تعزية عن الدنيا، ولكن الشيطان قد استهواكم.

فخرجا من عنده يحكمان أمرهما، وفشى فيهم ذلك، وجاهروا به الناس، وتعرضوا لعلي في خطبه

وأسمعوه السب والشتم والتعريض بآيات من القرآن، وذلك أن عليا قام خطيبا في بعض الجمع فذكر أمر الخوارج فذمه وعابه.

فقام إليه جماعة منهم كل يقول: لا حكم إلا لله. وقام رجل منهم وهو واضع أصبعه في أذنيه يقول: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ فجعل علي يقلب يديه هكذا وهكذا وهو على المنبر يقول: حكم الله ننتظر فيكم.

ثم قال: إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ما لم تخرجوا علينا، ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا " أ.هـ

فليس في هذا ـ إن صح إسناده ـ حجة البتة على أنه يجوز تمكين أهل البدع من إظهار بدعهم ، والدعوة إليها ، والمطالبة بتأسيس حزب يدعو إلى الضلالة بقانون يحميهم ، ولا يقول بهذا عالم يفقه هذه الشريعة ، فيعارض النصوص المحكمة الآمرة بإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، باليد ، يـد السلطان ، ويـد من يقدر وجوبا ، قبل اللسان والقلب .

وإنما كان هذا القول من علي رضي الله عنه ، تبرئة للذمة ، وقطعا لأي حجة قد يحتج بها مبطل فيما لو قام رضي الله عنه فقاتلهم ، فقال : إن كنتم مع جماعة المسلمين ، لم تُمْنعوا من المساجد ، وإن كانت أيديكم معنا في جهاد أعداءنا ،لم تمنعوا الفيء ، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا ، وسكت عما وراء ذلك ، وكان بينه وبين القوم مناوشات ، وكانوا طائفة خرجت من جيشه ، في وقت يحارب أعداءه ، وكان يتربص بهم حكم الله فيهم ، وأن يحسّهم حسّا بسيفه فرحا بذلك ، مستبشرا بما سيجريه الله على يديه من الخير العظيم بإنكار منكرهم العظيم .

وليس في هذا من الدلالة ، من شيء ، على أن الإمام له أن يأذن بإظهار البدع ، أو يقر الدعاة إليها فلا يأخذ على أيديهم ! عجبا لهذا الاستدلال ما أضعفه ، وأبعده عن الفهم الصحيح !

بل ما يجب على الإمام العادل ، من منع إظهار البدع ، أعظم مما يجب من منع إظهار المعاصي ، فالولايات أصلا لم تنصب إلا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما تقدم.

وقد كان علي رضي الله عنه ، يمنع ويعاقب على بدع أدنى من بدع الخوارج ،

كما قال شيخ الإسلام رحمه الله:

" وروي عنه بأسانيد جيدة أنه قال : لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري . وعنه أنه طلب عبد الله بن سبأ لما بلغه أنه سب أبا بكر وعمر ليقتله فهرب منه ، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر برجل فضله على أبي بكر أن يجلد لذلك ، وقال عمر رضي الله عنه لصبيغ بن عسل ؛ لما ظن أنه من الخوارج : لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك ، فهذه سنة أمير المؤمنين علي وغيره قد أمر بعقوبة الشيعة : الأصناف الثلاثة وأخفهم المفضلة ، فأمر هو وعمر بجلدهم "

وكذا كانت سنة الخلفاء ، قال شيخ الإسلام ابن تيميه :

" فأما إذا كانت البدعة ظاهرة - تعرف العامة أنها مخالفة للشريعة - كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والجهمية .

فهذه على السلطان إنكارها ؛ لأن علمها عام ، كما عليه الإنكار على من يستحل الفواحش والخمر وترك الصلاة ونحو ذلك .

ومع هذا فقد يكثر أهل هذه الأهواء في بعض الأمكنة والأزمنة حتى يصير بسبب كثرة كلامهم مكافئا - عند الجهال - لكلام أهل العلم والسنة حتى يشتبه الأمر على من يتولى أمر هؤلاء فيحتاج حينئذ إلى من يقوم بإظهار حجة الله وتبيينها حتى تكون العقوبة بعد الحجة .

وإلا فالعقوبة قبل الحجة ليست مشروعة : قال تعالى{ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} .

ولهذا قال الفقهاء في البغاة إن الإمام يراسلهم فإن ذكروا شبهة بينها وإن ذكروا مظلمة أزالها كما أرسل علي ابن عباس إلى الخوارج فناظرهم حتى رجع منهم أربعة آلاف وكما طلب عمر بن عبد العزيز دعاة القدرية والخوارج فناظرهم حتى ظهر لهم الحق وأقروا به ، ثم بعد موته نقض غيلان القدري التوبة فصلب " أ.هـ.

*** والحاصل : أن التعدديــة بالمفهوم العصري كفر وضلال مبين ، والتعددية ـ إن جاز هذا الإطلاق ـ التي وجدت في الإسلام ، هي أمر آخر يختلف اختلافا عظيما ، بل يتناقض تناقضا تاما مع التعددية في عرف العصر.

*** مع أنه يجب أن يعلم أن ثمة فرق كبير بين التعاطي مع واقع سياسي مخالف ، لم يصنعه الإسلام ، التعاطي معه بما يحقق مصلحة المسلمين ، وبين إقامة أو المشاركة أو الدعوة إلى إقامة هذا الواقع المخالف بإسم الإسلام.

وذلك يشبه من وجه ما يقولــه الفقهاء : قـــد يجوز استدامة ، ما لا يجوز ابتداء.

وذلك أيضا كما يجوز للمسلم أن يرتكب أدنى الضررين ليدفع أشدهما عند التزاحم ، ولا يجوز له أن يصنع الضررين بنفسه ، ليختار أدناهما ضررا !!

ومن الأمثلة على هذا أن المسلمين لا يجوز لهم أن يطالبوا بقضاء لا يقضي بالشرع ، ولا أن يشاركوا في صناعة هذا النظام ، لكن إن وجدوا في نظام قضائي يخالف الشرع ، جاز لهم التحاكم إليه إن اضطروا لرفع الظلم عنهم ، كما رفع نبي الله يوسف عليه السلام شكايته على ظلم الوزير ، إلى الملك الكافر ، رسالة مع ساقي الملك الذي يسقيه الخمر.

فالعجب والله كل العجب ممن يقول ، إن هذه الأحزاب المخالفة للإسلام ودعوتها إلى كفرها وضلالها ، واقع ما له من دافع ، فلماذا لا نقنن هذا الواقع بما يحميه ، وينظّمه ، ويشرّعه ؟!

فما مثل هذا القائــــل ـ ليت شعري ـ إلا كمثل من يرى الخمر قد شاع شربها ، والفاحشة قد ذاع فعلها ، فدعا إلى تشريع ينظم العصابات القائمة على هذه المنكرات ، وتنظيمها في ناظم يقنّنها !!

بل الدعوة إلى تنظيم الداعين إلى المنكر في الاعتقادات ، والعلم ، والتصورات التي تفسد الإيمان ، وتقنين دعوتهم ، أشد قبحا ، لو كانوا يعلمون .

*** وأخيرا فإن هذه التعددية العصرية الزائفة ، ما هي إلا خداع ألقاه مفكروا الغرب التائهون إلينا ، فاغتر به من خضع لضغط هذا الواقع الجاهلي المزيّف ، لتبقي هذه الأمة في حال الفرقة والخلاف .

أما العالم الغربي فقد بقى متشبثا بالجامع الذي يجمع الأمة ، متعصبا له أشد التعصب ، متطلعا لفرضه على العالم .

كما قال المفكر الدكتور عبد الوهاب مسيري عن الفكر المادي الغربي بشكل عام:

" يمكن القول بأن النموذج الكامن وراء جميع الأيدلوجيات العلمانية الشاملة ـ ومثل لها بالليبرالية أيضا ـ هو ما يسمى " التطور أحادى الخط " UNILINAR، أي الإيمان بأن ثمة قانونا علميا وطبيعيا واحدا للتطور تخضع له المجتمعات والظواهر البشرية كافة ، وأن ثمة مراحل تمر بها كل المجتمعات البشرية تصل بعدها إلى نقطة تتلاقى عندها سائر المجتمعات والنظم بحيث يسود التجانس ، وهذا ما يسمى أيضا " نظرية التلاقي " CONVERGENC THEORY

والتلاقي هو تواجد النماذج كلها بحيث تبع نمطا واحدا وقانونا عاما واحدا ، هو قانون التطور والتقدم بحيث يصبح العالم مكونا من وحدات متجانسة ، ما يحدث في الواحدة يحدث في الأخرى ، ويرى بعض المؤرخين أن العصر الحديث هو بحق عصر نهاية التاريخ " أ.هـ الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ 267

ولهذا فإني لا أجد في وصف هذا الزيف الذي يسمى التعددية أحسن من وصف الكاتب راسل جاكوبي في كتابه " نهاية اليوتوبيا " حيث قال :

" فضلا عن أن مونتييه الذب ابتكر الشعار عاش حياة لايمكن أن توصف بالاستقامة ، ولقي حتفه مختنقا في مبغى ، وباختصار إن الشعار المرفوع كشعار للتعددية الثقافية الأمريكية ، ليس فقط مفتقدا تراثا كلاسيكيا واضحا ، بل مختلطا أيضا بالغموض والفضيحة ، وهذا أحد مؤرخي القرن التاسع عشر ، حين بحث في هذا التاريخ الشائك ، وجدها أمرا مخزيـا :

لقد كنا غير محظوظين بشكل استثنائي ، في اختيار هذا الشعار ، ومن الصعب أن تجد شعارا آخر أكثر ابتذالا ، وأقل لباقة منه بالتأكيد ، ليس ثمة شعار يمكن أن يكون نابيا وبلا دلالة مثله ، شعار ذو أصل حديث مبتذل لا علاقه له بأصل كلاسيكي ، شعار بلا مستدعيات أدبية أو تاريخيه ، شعار مجرد تماما من أي صدى ديني أو أخلاقي ، شعار يمكن أن يعني الإتحاد أو التفكك في أهواء كل فرد ، ولسوء الحظ غالبا ما يعني المعنى الأخير لدى واضعيه الأصليين " ص 45

وينبغي أن يعلم أنه يجب على المسلمين الدعوة إلى الحق الذي نزل به الوحي ، والاجتماع عليه ، وجهاد ضده .

ثم إن لهم أحوالا :

1ـ أن يُمكّنوا في الأرض ، فيجب عليهم أن يقيموه كما أمره الله تعالى ، بالسلطان القاهر ، والسيف الظافـر ، وأن يجتمعوا على الحق ولا يتفرقوا فيه ، وأن يحكموا بين العباد بما أنزل الله تعالى ، وأن يجاهدوا في الأرض لإعلاء كلمة الله .

2ـ أن لا يُمَكّنوا فيجب عليهم الصبر على غربتهم ، مع التمسك بالحق دون تنازل عنه ، ولا مداهنة فيه ، والسعي لتجميع أسباب القوة ، حَتّى يُمَكَّن لِحَقّهِمْ ويعلون به على الجاهلية .

3ـ أن يستجمعوا أسبابا من القوة تمكنهم من الجهاد ، فيجب عليهم أن يقوموا به ، مجاهدين بالسلاح حتى يصلوا إلى التمكين .

أما أن يجدوا أنفسهم في غربة بسبب تمسكهم بالحقّ ، فيشتـدّ عليهم بلاؤها ، فيدفعونها عنهم جزعــا بتأويل الشرع المنزّل ، ليوافق الواقع الجاهلي المبدّل ؟! فهذا هو الذي حذر الله تعالى منه نبيه صلى الله عليه وسلم قائلا : " وَدّوُا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوُن " ، وهو البلاء المنتشر هذه الأيام ، قد تكبكب الناس فيه زرافات ووحدانا ، وضلّ فيه من ضلّ ، وزاغ فيه من زاغ ، وهو خلاف ما أمر الله بـه من الثبات على الهدى ، والصبر على الغربة فيه ، نسأل الله أن يثبتنا بفضله ومنّه وكرمه .

وقد عاش من عاش من الأنبياء في غربةٍ فصبروا ولم يغيروا ولم يداهنوا ، ومضى من مضى من الصالحين أولي بقية ينهون عن الفساد في الأرض في غربة فثبتوا ، وما بدّلوا تبديلا.

وإنما الأمر لله ، بيده الأمر كلّه ، وإليه يرجع الأمر كلّه ، علانيته وسره ، ليس علينا سوى الاستقامة على ما أمر ، والدعوة إلى دينه بالثبات والصبر .



الدرس الثالـث
عالمية الإسلامية في مواجهـة عولمة الماديـة

الإسلام قوة عالمية تمتلك كلّ مقومات الحضارة القادرة على قيادة العالم ، فبلاد الإسلام تملك الطاقة ، والثروة ، والكثافة السكانية ، والامتداد الإقليمي ، في أغنى بقع العالم ، وأكثرها تحكما في المواصلات الجوية ، والبحرية ، والبرية .

والحضارة الإسلامية تمتلك أغنى ثقافة إنسانية مصدرها رباني محفوظ ، قادرة على إخراج الإنسان من الظلمات إلى النور ، ومن الباطل إلى الحق ، ومن الضياع إلى الهدى ، ومن التخبط إلى الرشاد ، قال تعالى ( ، فمن اتبع هداي فلا يضل ولايشقى ، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ، ونحشره يوم القيامة أعمى ) .

ولكن العالم الإسلامي ، بات يعاني من هجوم أجنبي ، غربي ، هدفــه :

الحليولة دون عودة الإسلام حضارة قيادية للعالم ، ولهذا فهو يستهدف حضارتنـا ، على شتى المستويات ، وذلك عن طريق :

1ـ التشكيك في ثوابت الحضارة الإسلامية ، في الرسول صلى الله عليه وسلم ، والقرآن ، والشريعة الإسلامية ، والتاريخ الإسلامي.

2ـ تمزيق العالم الإسلامي ، وتشجيع التباعد بين أقطاره ، وشعوبه ، بدعم الحروب الداخلية ، والعنصريات البغيضة ، وتأجيج الأزمات فيه .

3ـ إبقاؤه في حالة تخلف إقتصادي ، وعسكري ، وإجتماعي ، وتكنلوجي ، وسياسي.

4ـ إشاعة الفساد الأخلاقي المتمثل في الإباحية ، والشذوذ ، والميوعة ، عن طريق الاعلام المفسد ، الذي يقدم النماذج المهترئة للشباب المسلم .

5ـ منع القيادات الإسلامية الملتزمة ، والجادة ، والنهضوية ، من تولي زمام الأمور في العالم الإسلامي ، على مستوى الأنظمة السياسية ، وعلى مستوى التوجيه الثقافي ، والفكري ، والحضاري.

6ـ غرس النماذج الثقافية ، والقيادية ، التي تخدم المخطط الغربي ، في مواقع صنع القرار ، والقيادة الفكرية في العالم الإسلامي .

والعالم الغربي يجدد هذا الغزو الفكري ، و الشمولي ، اليــوم ، تـحــت شعار العولمة ، التي تدعو إلى الماديـّة النفعيـّة التي تقدّس المال ، واللذّة فحســب ، ويقدم هذا الدين الجديد ( العولمة ) على أنه البديل الحضاري العالمي ، الذي يجب أن يسود العالم .

فالعولمة في حقيقتها هي هوية بلا هوية ، وثقافة مفرغة من أيّ قيمة إنسانية تنفع البشرية ، فهي بإختصار تعبيد البشر للمادة ، فهي صنم العولة الأكبـر ، وأما محرابها الذي تدعو الناس إلى السجود فيه ، وقبلتها التي تيمم وجوهــهم إليها ، فأسواق المال ، وأما شريعتها فهـي عبادة الحياة الدنيا ، والتنافس فيها ، كما يتنافس الحيوانات في شريعة الغاب ، وأصدق شيء في وصفها ما قاله الله تعالى : ( ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لايهدي القوم الكافريــن ) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس وإنتكس ، إن أعطي رضي ، وإن منع سخط ) .

فهذه العولمة الغربية تعست وانتكست ، وستقود العالم إلى الفوضى ، والدمار ، والصراع الحيواني على الملذّات ، والمنافع المادية ، ولهذا نجد الحروب ، والفقر ، و الدمار، قـد ازدادت وتيرتها ، وتضاعفـت ، بعد إنطلاق العولمة التي يقودها الغرب .

ولا خلاص من مصير البشرية الأسود الذي ينتظرها إذا إنحدرت وراء العولمة الغربية ، إلا بعالمية الإسلام الذي يدعو إلى :

1ـ غرس الإيمان بالله تعالى ، والآخرة ، في نفوس الناس ، فهو الوازع الأعظم الذي يعصم الإنسان من التحوّل إلى حالة البهيمية المدمرة للحضارة البشرية .

2ـ تقديم القيم الأخلاقية التي تقدس الإحسان ، والنفع الخيـّـر المتعدّي ، على الجشع الرأسمالي المادي.

3ـ الجمع بين حاجات الجسد المباحة ، وحاجات الروح التي لاقوام للإنسان ، ولا سعادة ، ولافلاح ، إلاّ بهـــا .

مسؤولية الإسلام عالمية :

وقد غرس الإسلام في نفوس أتباعه الشعور بالمسؤولية تجاه العالم ، عندما وصف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) .

وجعل عناوين هذا الدين الرئيسة هي : الإسلام ، والإيمان ، والإحسان ، ووصف أمته بأنها أمة الخير ، وما ذلك كلـّـه إلا لتحميلها مسؤولية قيادة البشرية ، و العالم ، إلى الهدى والنور ، إذ هي التي تحمل السلـم ، والأمن ، والإحسان ، والخير للعالــم .

ولهذا يجب على الأمة الإسلامية أن تسعى للقيام بدورها الحضاري العالمي عن طريـق :

1ـ العودة إلى شريعتها التي تحدد هويّتهــا ، وتشكّل ثقافتهـا ، وإلى تحكيمها في كلّ مناحي الحياة.

2ـ توحيد الأمـّة الإسلامية كلّها في نظام ينتظم جميع عوامل القوة والإستقلال ، ويحمل رسالتها العالمية في إطار حضاري شامـل ، يواجه مشكلات العصر ، ويحلها ، بثوابته الهادية ، بوسائل مكافئة عصرية.

ملحـق
العولمــة الثقافيــة وخطرها

قال تعالى : (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .

إن الموقف المطلوب من المسلمين تجاه العولمة الثقافية والفكرية هو التفاعل الحضاري والتعامل الثقافي الحذر ، القادر على التمييز بين النافع والضار ، حفاظاً على عقيدة الأمة وهويتها من التضليل والعبث الفكري والثقافي

الحمد لله الذي لا إله إلاّ هو ، لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته . والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء محمد وعلى آله وصحابته وبعد :

فإن الدعوة إلى العولمة الثقافية لا تخرج في حقيقتها عن محاولة لتذويب الثقافات والحضارات وإلغاء الخصوصيات الحضارية لصالح حضارة الغالب .. وعالم المسلمين يعد أول المستهدفين .. ذلك أن الثقافة الإسلامية التي تشكل هوية الأمة وقسمات شخصيتها الحضارية ، هي في ثوابتها من عطاء معرفة الوحي ، لذلك فالاستهداف يتركز حول عقيدة الأمة الإسلامية ؛ لأن الدين ليس أمراً مفصولاً عن الثقافة .

أعمدة الهيمنة الأربعة :

ولقد أصبح من الواضح في تحليل السياسة العالمية بصورة عامة منذ تفرد الولايات المتحدة بكونها القوة الكبرى المهيمنة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ، أن العولمة ما هي إلاّ أحد الأعمدة الأربعة التي أوثقت بها دول القلب ( الولايات المتحدة وأوروبا ) ، التي تشكل موقع صناعة القرار العالمي ، ما حولها من العالم تفي أسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية وأوروبا الشرقية - والتي غدت لا تعني سوى كونها سوقاً مربحة أو ساحة مصالح لدول القلب - أو ثقتها بهذه الأعمدة لتجبرها على البقاء تحت هيمنة دول القلب ، تجري في فلكها لتضمن تحقق السيطرة الكفيلة بضمان تفوق الغرب على الشرق والشمال على الجنوب ، وتدفق المصالح الاستراتيجية من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال.

وأما الأعمدة الثلاثة الأخرى فهي :

الشرعية الدولية :

حيث تحتكر دول القلب هذه الشرعية المتمثلة في ( الأمم المتحدة ) وتستعملها لإسباغ الشرعية أو نزعها عن أي دولة تحاول التخلص من الوثاق ذي الأعمدة الأربعة التي أوثقت به دول القلب العالم ، ولم يعد يهم دول القلب أن تتعسف وتتناقض وتكيل بمكيالين في استعمال أداة (الشرعية الدولية) فتصدر قراراً من مجلس الأمن لعقاب من تريد ، لأنه أعلن رفضه لقانون الهيمنة الذي فرضته دول القلب على العالم ، بينما تكتفي بموقف المتفرج في حالات أشد خطورة وانتهاكاً لحقوق الإنسان وقيم الأمم المتحدة ، لسبب واضح وهو أن دول القلب لم تشعر بالحاجة إلى تحريك (الشرعية) هنا لضمان مصالح أو تأديب خارج على قانونها ، قانون الهيمنة والسيطرة .

السلاح :

وبوسيلة هذا العمود تتحكم دول القلب بالحروب والتوترات العالمية ، وتأجج أو تخمد مناطق الصراع العالمية على وفق مصالحها .

والخامات :

مثل النفط والقمح ، وبوسيلة هذا العمود تتحكم دول القلب بالتنمية والتطور والتكنولوجيا أيضاً في الدول الواقعة في أحزمة مصالح دول القلب ، وذلك وفق مصالحها وبما يضمن بقاء تفوقها وتدفق المصالح الاستراتيجية إليها.

والعولمة تعتمد على محورين أساسين :

المحور الأول :
التجارة العالمية .

المحور الثاني :
الإعلام الذي يحمل الثقافة والفكر .

والعولمة التجارية يقصد بها ضمان تدفق رؤوس الأموال الغريبة إلى أسواق العالم ، وضمان تدفق المصالح المادية نحو دول القلب ، كما تقدم .. والعولمة الإعلامية يقصد بها إخضاع العالم لقيم العالم الغربي .

الموقف من العولمة الفكرية والثقافية:

يمكن تلخيص المواقف تجاه العولمة في أربعة :
الأول :
الموقف القابل للعولمة ، الذائب فيها ، المؤيد لها تأييداً مطلقاً .

الثاني :
الموقف الرافض لها جملة وتفصيلاً .

الثالث :
الموقف الملفق الذي يحاول التلفيق بين ما تحمله العولمة والإسلام.

الرابع :
الموقف المتفاعل معها على أساس الانتقائية المشوبة بالحذر .

- أما الموقف القابل بإطلاق فهو موقف تابع ، و قد جلب ، ولا يزال يجلب سلبيات الحضارة الغربية ، لأنه موقف قائم على الخلط بين مقومات الحضارة الإنسانية التي هي بناء فكري ينبثق منه منهج للتعامل مع الخالق والحياة والإنسان والكون ، وبين الآلات والتكنولوجيا التي هي منجزات علمية مشتركة بين الناس .. فالأول هي الحضارة وهي لا تستورد ولا تشتري ولا يمكن نقلها من أمة إلى أمة إلاّ بإحداث انقلاب جذري استئصالي .
- وأما الموقف الرافض ، فهو موقف خاسر غير واقعي ، وسيؤدي إلى الانكفاء والانعزال فالموت الحضاري .

- وأما الموقف الملفق وهو الموقف الذي يتزعمه بعض من يسمون أنفسهم الليبراليين في عالمنا العربي ، والذي يعتبرون أنفسهم معتدلين ، لأن المتطرفين منهم هم أصحاب الموقف المؤيد تأييداً مطلقاً للعولمة .. ويدندن حول هذا الموقف من يسمون أنفسهم (اليسار الإسلامي ) أيضاً .. وهاتان الفئتان تضيعان وقت الأمة بممارستهما عملية (قص ولزق ) وبتر لبعض قيم الأمة وعزلها من سياقها المتكامل لإخضاعها للفلسفات المعاصرة ، وما هذا الصنيع إلاّ تكريس لإلغاء الذات أو تشويهها لصالح الأجنبي.

-وأما الموقف الرابع القائم على التفاعل الحضاري الناقد والانتقائي الحذر ، الذي يقوم على الفحص والتدقيق وتقليب الشعارات والتنقيب عن المسميات ، فيكشف ما تحت بريق العولمة من الظلمات كالإباحية والمادية النفعية والميكافيلية الشريرة والاستغلال الرأسمالي للإنسان باسم التحرير ، وفلسفة اللذة والمتعة وعبادة الدنيا ، ثم يأخذ ما في العولمة من الصواب والخير بعد التمييز والتفتيش والنقد الموضوعي المنبثق من الثقة بالذات والاعتزاز بالهوية ، ويرفض ما في العولمة من الشر والضلال.

الموقف الصواب من العولمة :

وهذا الموقف لا شك أنه هو الحق الذي يجب اتباعه ، وأصله في الشريعة الإسلامية قول النبيّ صلى الله عليه وسلم :((...حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)) رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، وورد في بعض ألفاظه :((ولكن لا تصدقوهم .. ولا تكذبوهم)) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .. ووجه الاستدلال به ، أنه إذن بالتفاعل الحضاري والتواصل الثقافي مع ما عند أهل الكتاب ، غير أنه صلى الله عليه وسلم أمر برفض ما يعارض القرآن وقبول ما يوافقه والحذر مما لا يعلم صدقه من كذبه .

وحتى نبرهن على صحة هذا الموقف من العولمة ، نقف عند أهم أخطارها الثقافية والفكرية على أمتنا ، لتأخذ حذرها وتدرك كيفية التعامل مع وجهة العالم الجديد ، مما يمكنها من إبلاغ رسالتها وإلحاق الرحمة بالعالمين قياماً بدورها في الشهود الحضاري.

أهم أخطار العولمة :

تعرف العولمة مطلقاً بأنها :
ظاهرة الانتماء العالمي بمعناه العام ، وهي تعبير مختصر عن مفاهيم عدة ، فهي تشمل الخروج من الأطر المحدودة - الإقليمية والعنصرية والطائفية ، وغيرها - إلى الانتماء العالمي الأعم .. ففي جانبها الاقتصادي تشمل الانفتاح التجاري وإلغاء القيود التجارية ، وتوفير فرص للتبادل التجاري الواسع محكوماً بقواعد السوق فقط ، بدون وجود إجراءات حمائية حكومية .. وفي جانبها الفكري والثقافي هي الانفتاح الفكري على الآخر وعدم الانغلاق على الذات ، ورفض التعصب الفكري الذي يدعو لإلغاء (الآخر) ، لا لشيء سوى أنه مغاير للفكر .. وفي جانبها السياسي هي شيوع تطبيق القانون على الجميع ومراعاة الحقوق السياسية للإنسان ..فهي باختصار الشعور بالانتماء الكبير العالمي بدلاً من الاقتصار على الانتماء المحلي الإقليمي ( الديني ، العنصري ، الطائفي).
لكن هذا العرض اللطيف الذي حاول تجميل وجه العولمة ، ليس سوى محاولة لإخفاء حقيقتها التي تنطوي عليها أهدافها .

أهداف العولمة :

1- محاولة سيطرة قيم وعادات وثقافات العالم الغربي على بقية دول العالم ، خاصة النامي منها ، وإذابة خصائصها .

2- تهميش تميز دين الإسلام ، وإزالة الحدود الفاصلة بينه وبين غيره من الأديان الباطلة ، تمهيداً لشن هجوم على مبادئه وتعاليمه وصد الناس عن الإيمان به .

3- فرض مفهوم نهاية التاريخ بانتظار قيم العالم الرأسمالي الغربي انتصاراً نهائياً ، والتسليم بلزوم تسليم القيادة البشرية إلى ثقافة الغرب إلى الأبد .

4- إبقاء حال الهيمنة الغربية - بأعمدتها المذكورة آنفاً - أطول فترة ممكنة تحت ستار مصطلح العولمة .

هوية بلا هوية :

وباختصار العولمة هي في الحقيقة ) هوية بلا هوية ) وهدفها باختصار تفريغ ثقافة (الغير) من محتواها واستدراجها إلى الثقافة الغربية بحيلة وشعار مزيف يطلق عليه اسم (العولمة) ، لأنه لو قيل للعالم )الأمركة) لنفر كثير من الناس من هذه الدعوى ، فاستبدل باسم (العولمة) ، فكأنهم يقولون تعالوا لنصير جميعاً عالماً واحداً ، وننصهر في ثقافة واحدة ، ونحتكم إلى قوانين عالمية واحدة ، وتسيرنا ثقافة وعادات واحدة أو متقاربة حتى نتعايش ونتفاهم ولا تقع بيننا الحروب ...إلخ ، حتى إذا وقع المدعوون في هذا الفخ ، اكتشفوا أنهم في قفص الأمركة والعالم الغربي ، ثم وجدوا اللافتة التي تحمل اسم (العولمة) تساقطت حروفها واختفت كهيئة الحبر السري ، وظهر من تحتها اسم جديد وشعار جديد هو (التغريب) ، واكتشف المخدوعون أن حضاراتهم سلبت من حيث لا يشعرون ، وثقافتهم ذابت من حيث لا يعلمون ، وهويتهم طمست بالتدريج من حيث لا يدرون.

- إذن العولمة في النهاية هي نتيجة انهيار نظام عالمي كان يقوم على (القطبية الثنائية ) بانهيار أحد قطبيه - وهو الاتحاد السوفيتي - وسيطرة قطب واحد أخذ يهيمن بانتهاء الحرب الباردة على العالم سياسياً وعسكرياً .

- هذا القطب الواحد - كما أشرنا في مطلع هذه المقالة - يستخدم آلات كثيرة خداعة للسيطرة الفكرية والثقافية على العالم تحت شعار كبير اسمه (العولمة).. وقد بدأت تظهر آثار سياسة هيمنة وسيطرة القطب الواحد) دول القلب) بملامح حملة تغريب الإنسان في أفكاره ومنهاج تعليمه ، وفي طراز حياته، وفي طعامه وشرابه ، حتى في صورته الظاهرية وشكله الخارجي ، التي أصبحت ظاهرة منتشرة في شباب اليوم الذي يحمل جراثيم التغريب ، باتت هذه القبعات الجديدة تذكرنا بالقبعة التي فرضها أتاتورك على الشعب التركي عندما أعلن أول خطوات الانهزام أمام التغريب عند بدء عصر الانحطاط أول هذا القرن .

المخاوف من العولمة على العالم الإسلامي:

أولاً : تهديد العولمة لأصل العقيدة الإسلامية :

لعل من أخطر ما تحمله العولمة هو تهديدها لأصل العقيدة الإسلامية ، وذلك لأن العولمة تشتمل على الدعوة إلى وحدة الأديان ، وهي دعوة تنقض عقيدة الإسلام من أساسها ، وتهدمها من أصلها، لأن دين الإسلام قائم على حقيقة أنه الرسالة الخاتمة من الله تعالى للبشرية ، الناسخة لكل الأديان السابقة التي نزلت من السماء ثم أصابها التحريف والتغيير ، ودخل على أتباعها الانحراف العقائدي.

والعولمة تحمل في طياتها اعتبار الأديان كلها سواء ، وأن الحق في هذه الدائرة نسبي بحسب اعتقاد كل أمة .. ولا يصحّ في العولمة الفكرية والثقافية اعتبار دين الإسلام هو الحق الذي ليس بعده إلاّ الضلال ، ولهذا تشجع العولمة ما يسمى (حوار الأديان) ، لا على أساس دعوة الأديان الأخرى إلى الإسلام ، بل على أساس إزالة التمييز بين الإسلام وغيره بالحوار الذي يتوقعون أنه سيحمل المسلمين على التنازل عن اعتزازهم بدينهم واعتقادهم ببطلان غيره ، وبذلك يزول التعصب وتتقارب الأديان .. وتتجلى خطورة هذه الدعوة في كونها تنقض عقد الإسلام من أصله ، فعقد الإسلام لا يستقيم إلاّ مع اعتقاد بطلان كل الأديان الأخرى ، والإيمان لا يعد صحيحاً إلاّ على أساس قوله تعالى: { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } (الكافرون :1-2) ، أي باعتقاد كفر كل من يعبد غير الله تعالى ، أو يزعم أنه يعبد الله تعالى بغير دين الإسلام وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى:{ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ } (آل عمران:85)، وقوله:{ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ } (آل عمران :( 19 )

كما يعبر عن هذه الحقيقة علماء الإسلام بأن من نواقض الإسلام ، من لم يكفر المشركين والكفار أو شك في كفرهم أو صحح دينهم .. والكفار هم أتباع كل دين غير دين الإسلام بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم.

وقولهم : إن من نواقض الإسلام أيضاً من اعتقد جواز الخروج عن شريعة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم .


ثانياً : تهديد العولمة للمفاهيم الأساسية في العقيدة الإسلامية :

كما أن العولمة تسعى لإعادة تشكيل المفاهيم الأساسية عن الكون والإنسان والحياة عند المسلمين ، والاستعاضة عنها بالمفاهيم التي يروج لها الغرب ثقافياً وفكرياً .

فالكون - في نظر العولمة الثقافية والفكرية - لم يخلق تسخيراً للإنسان ، ليكون ميدان امتحان للناس ولابتلائهم أيهم أحسن عملاً !! والإنسان لم يخلق لهدف عبادة الله تعالى!! والحياة ليست صراعاً ابتدأ منذ خلق الإنسان، بين الحق الذي يمثله الرسل والأنبياء وأتباعهم الذين يدعون إلى سبيل الله تعالى بالوحي ، وبين الباطل الذي يدعو إليه الشيطان .. والشيطان ليس هو الذي يقود - في الحقيقة - معركة الباطل ويجند لها جنوده من الرجال والنساء كما قال سبحانه وتعالى:{ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ }(الإسراء :64) .. وقال سبحانه وتعالى: { أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً } (مريم : 83) ، وقال الله تعالى : { الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً } (النساء:76)، وقال سبحانه :{ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ } (الحشر:16) ...هذه المفاهيم الأساسية للعقيدة الإسلامية ، ليست في نظر العولمة الفكرية والثقافية سوى خرافة .

كما أن الموقف من أمم الأرض - في نظر العولمة الفكرية والثقافية - ليس على أساس المفهوم القرآني القائم على التقسيم العقائدي إلى :

أ- ((المسلمون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم))أخرجه احمد وأبو داود و غيرهما ، وأنه تجب موالاة المسلم لأخيه المسلم ونصرته ، وأن يكونوا أمة واحدة تجمعها العقيدة ولا تفرقها أي وشيجة أخرى .

ب- وإلى كفار تجري عليهم الأحكام الشرعية بحسب علاقتهم بالمسلمين .

- هذه المفاهيم القرآنية الإسلامية الأساسية كلها تنقضها العولمة الفكرية والثقافية من أصلها ، وتهدمها من أساسها ، فالكون - في نظر العولمة - ما هو إلاّ ميدان تنافس على المصالح الدنيوية ، والإنسان حيوان دائب البحث عن ملذاته وشهواته ومنافعه ، وليست الحياة سوى فرصة قصيرة لا ينبغي أن تضيع في غير اللذة والشهرة والجنس والمال والثروة والجمال، وليس وراءها شيء آخر ، وما هي إلاّ سباق بين الناس في هذا الميدان لا ينقصه سوى تنظيم هذه اللعبة لئلا تفسد على الجميع ، ولا يصحّ التفريق بين الناس على أساس عقائدهم فهم أمة واحدة في الإنسانية تجري عليهم أحكام واحدة لا يجوز بحال أن تتفاوت هذه الأحكام بسبب الدين أو العقيدة .


- إن خطورة العولمة الفكرية والثقافية تكمن في أنها تعمل على إعادة تشكيل المفاهيم الأساسية التي تشكل أصول عقيدة المسلم ، بل تنقضها ، وتستعيض عنها بمفاهيم غربية كافرة ملحدة لا تؤمن بوجوب عبادة الله واتباع الوحي والاستعداد للآخرة .

ثالثاً : تهديد العولمة لمبادئ الشريعة الإسلامية :

كما أن العولمة تحمل في طياتها نقضاً لأحكام الشريعة الإسلامية ، بفرضها مبادئ تخالف الشريعة.

تسويق العولمة لوهم المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة :

ومن الأمثلة الواضحة على هذا قضية فرض مفهوم المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة ، فهذا المفهوم منصوص عليه في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان ، ومقتضاه إزالة جميع الفوارق في الأحكام والحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة ، وهو الأمر الذي يتناقض مع الشريعة الإسلامية التي تقوم على أساس الفرق الفطري والخلقي بين الرجل والمرأة .. ذلك الفرق الذي يقتضي اختلافاً في بعض الأحكام والحقوق والواجبات بحسب اختلاف الاستعدادات الفطرية والمؤهلات التكوينية بينهما ، ولهذا نجد الشريعة الإسلامية تقرر أن مبدأ عدم المساواة المطلقة بين الرجال والنساء أمر قطعي الثبوت والدلالة ، ولا خلاف فيه ، ولا مجال فيه للاجتهاد .. ونفي المساواة المطلقة لا يقتضي نفي مطلق المساواة كما لا يخفي .

- الشريعة الإسلامية تقوم على أساس الفروق بين الجنسين :

على هذا قام الفقه الإسلامي ، ودلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة وإجماع العلماء .. وبدءاً من باب الطهارة إلى باب الشهادات ، آخر أبواب الفقه الإسلامي ، نجد المرأة والرجل يجتمعان في أحكام ويختلفان في أحكام أخرى .. ومن صور الاختلافات ما جاء في أحكام الحيض والنفاس ، وأحكام لباس المرأة في الصلاة ، وعدم وجوب الجمعة والجماعة عليها ، وكون صلاتها في بيتها أفضل، وأنها ممنوعة من الآذان بإجماع العلماء ، ومن إمامة الرجال في الصلاة وخطبة الجمعة لهم بإجماع العلماء ، وأنها تصفق لتنبيه الإمام إذا سهى ولا تسبح كالرجال ، وأن صفوف النساء في الصلاة وراء صفوف الرجال ، ولا يجوز تقدمهن ولا اختلاطهن بصفوف الرجال بإجماع الفقهاء ، و((خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها)) أخرجه مسلم ، بعكس الرجال .

- ومن الأمثلة أيضاً على الاختلاف ، إحرامها للحج والعمرة في بعض الأحكام، وفي عدم وجوب الجهاد عليها ، وفي اختلاف أحكام الميراث والنفقة وجعل الطلاق بيد الرجل في الأصل ، وتقديمها في الحضانة في الجملة ، وفي تحريم الخلوة بها ، وفي تحريم التبرج ، وعدم قبول شهادتها في الحدود والدماء.

- وهذا كله على سبيل المثال ، وإلاّ فثمة أحكام كثيرة غير هذه قد أجمع العلماء على أن المرأة لا تتساوى فيها والرجل ، كما دل على ذلك صريح قوله سبحانه وتعالى : { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى } (آل عمران:36).

- وأما العولمة فإنها كما ترفض التمييز بين الناس على أساس الإيمان والكفر ، ترفض أيضا التمييز بين الرجل والمرأة ، مناقضة لأحكام الشريعة الإسلامية التي بنيت على أساس التقسيم الوظيفي بين الرجل والمرأة في المجتمع ، وأن دور كل منهما مكمل لدور الآخر في النظام الاجتماعي الإسلامي ، بناء على أساس أن التكوين الخلقي للمرأة يختلف عن الرجل ، وأن مؤهلاتها واستعدادتها الفطرية تقتضي توليها دوراً ما في المجتمع يختلف عن دور الرجل ، وهو الدور الأسري .

- إن الحقائق العلمية لتؤكد الفرق البيولوجي الأساس بين الجنسين ، ولا بأس أن أستشهد هنا بما أورده مؤلفا كتاب جنس الدماغ ( Brainsex ) الدكتور في علم الوراثة ((آن موير)) و ((ديفيد جيسيل ))، وهو في الحقيقة مؤلف اشترك فيه أكثر من (25) اختصاصي على رأسهم رائدة علم الفروق الدكتورة ((كوراين هت )) ، لأنهما نقلا نتيجة إجابات كل هؤلاء الأخصائيين في الكتاب.

- يقول مؤلفا الكتاب في المقدمة : (( تمت صياغة المادة الأساسية لهذا الكتاب من أبحاث قام بها علماء كثيرون من جميع أنحاء العالم))..ثم قالا في وصف دقيق للحقيقة التي توصلا إليها بعد أبحاث مضنية (( الرجال مختلفون عن النساء،وهم لا يتساوون إلاّ في عضويتهم المشتركة في الجنس البشري .. والادعاء بأنهم متماثلون في القدرات والمهارات والسلوك تعني بأننا نقوم ببناء مجتمع يرتكز على كذبة بيولوجية وعلمية ، فالجنسان مختلفان ، لأن أدمغتهم تختلف عن بعضهما ، فالدماغ وهو العضو الذي يضطلع بالمهام الإرادية والعاطفية في الحياة،قد تم تركيبه بصورة مختلفة عند كل منهما،والذي ينتج عنه في النهاية اختلاف في المفاهيم والأولويات والسلوك)).

- وإنما أطلت في هذا المثال ، لأن حمى مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة أضحت موجة آخذة في الصعود في الخليج ، متساوقة مع تنامي الدعوة إلى العولمة الثقافية والفكرية ، ولأنها قضية بالغة الخطورة ، لأن الغرب يسعى من خلالها إلى إعادة تشكيل النظام الاجتماعي في المجتمعات الخليجية وفقاً للمفاهيم الغربية .

إنه مثال واضح لما تفرضه العولمة من مبادئ وتشريعات تناقض الشريعة الإسلامية ومبادئها .

رابعاً: تهديد العولمة للأخلاق الإسلامية :

- كما أن العولمة تهدد النظام الأخلاقي الإسلامي ، فمن خلال العولمة يروج للشذوذ الجنسي ، ويحاول الغرب استصدار قوانين لحماية الشذوذ الجنسي في العالم .. ومن أحدث محاولات العولمة محاولة فرض مصطلح جديد يطلق عليــــــه (Gender ) بدل كلمة ( sex ) ، يقول الدكتور محمد الركن في مجلة المستقبل الإسلامية : ((ومن المسائل الجديد المستحدثة التي تحاول بعض المنظمات والحكومات الغربية فرضها وإلزام شعوب العالم الأخرى بوجهة نظرهم فيها مسألة تعريف الجنس والأسرة ، ومما حداني للحديث حول هذا الموضوع ما شاهدته في المستندات الرسمية ، فقد تمت ترجمة الجنس الغربي إلى مصطلـــح (Gender ) باللغة الإنجليزية ، وهي تنم عن عدم إلمام بما يسعى إليه الغربيون في فرض ثقافتهم على الآخرين ، فلفظة الجندر لا تتطابق تماماً مع لفظة ( sex ) ، بل إن لها أبعاداً خطيرة قلما نتنبه إليها .

- والموسوعة البريطانية تعرف الجندر بأنه : (( تقبل المرء لذاته ، وتعريفه لنفسه كشيء متميز عن جنسه البيولوجي الحقيقي )).. فهناك من الأشخاص من يرون أنه لا صلة بين الجنس والجندر ، إذ أن ملامح الإنسان البيولوجية الخارجية الجنسية مختلفة عن الإحساس الشخصي الداخلي لذاته أو للجندر.. بعبارة أخرى أكثر تبسيطاً ، فإن الجندر بعبارتهم تنصرف إلى غير الذكر والأنثى كجنسين فقط، ونحن لا نعرف ولا نقر في ديننا وثقافتنا إلاّ بهما ، فالجندر تشمل الشاذين جنسياً من سحاقيات ولواطيين ومتحولي الجنس ، إذ أنها ترتبط بتعريف المرء لذاته وهويته وليس بجنسه البيولوجي .. ومن هنا تأتي خطورة المسألة ، ولهذا نرى في المؤتمرات الدولية تسابقاً محموماً من المنظومات الغربية وبعض الحكومات الغربية ، وخصوصاً الأوربية لفرض لفظ ( Gender ) بدل لفظ ( sex ) التي تنصرف إلى الذكر والأنثى فقط ، وذلك عند الحديث عن حقوق الإنسان أو محاربة التمييز ضد الإنسان أو تجريم أفعال ترتكب ضد الإنسان )) .

خلاصـــة

وبعد هذا العرض لمخاطر العولمة ، لا يبقى مجال للشك أن الموقف الواجب تجاه العولمة الثقافية والفكرية هو التفاعل الحضاري والتعامل الثقافي الانتقائي بحذر، حفاظاً على عقيدة الأمة وهويتها وأخلاقها من عبث العولمة الفكرية والثقافية.. ولا يتم ذلك إلاّ بإحياء مشروع نهضوي ثقافي شامل يعيد للأمة ثقتها بثقافتها واعتزازها بتاريخها وفخرها بهويتها ، على أساس الالتفاف حول الإسلام النقي الخالص من شوائب الموروث المتخلف ، بفهم صحيح يضع الثوابت والمتغيرات في مواضعها الصحيحة ، ويوجه الاجتهاد الشرعي العصري توجيهاً سليماً جامعاً بين الأصالة والأسس السلفية ، والاستفادة من المعاصرة النافعة ، وسطاً بين الغلو والإجحاف .. ذلك أن الموقف الرافض المنكفئ العاجز عن التعامل مع حقبة العولمة ، يحمل من المخاطر على الأمة المسلمة وطمس هويتها وتوهين قيمها وعزلها عن الواقع العالمي الشيء الكثير ، لذلك لابد من التفكير بامتلاك الوسائل القادرة على حماية الأمة ، والإفادة من وسائل العولمة وطروحاتها لتقديم البديل الإسلامي على المستوى العالمي .

كما لابد من تفعيل كل جهود الوحدة التي تقرب الأمة ، حكومات وشعوباً، من بعضها ، وتقرب الحكام من الشعوب والشعوب من الحكام ، وتصلح بين السياسة والثقافة ، والحكام والعلماء، وتجمع بين الكتاب والميزان والحديد ، لتعود هذه الأمة إلى مجدها من جديد .. حيث تتمكن من حشد قواها التي تمكنها من استئناف دورها في إلحاق الرحمة بالعالمين.

هذا وحسبنا الله ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصيـر ، وصلى الله على نبينـا محمد وعلى آله وصحبـه وسلم تسليما كثيرا .