المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في مدرسة الحياة ...!!!


صباح الورد
12-03-2013, 08:38 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


(( في مدرسة الحياة ))







مدخل :


الفرق بين الحياة والمدرسة :

أننا في المدرسة نتعلم الدروس لندخل الإختبار

أما في الحياة فندخل الاختبار لنتعلم الدروس






كان رقيقاً جداً ،، تنطلق من عينيه العسليتين براءة الطفولة

وتشع من ثغره الباسم ،، ضحكات تملأ الفصل

يستحيل أن يمر يوم دون أن يتشاجر مع أحد زملائه

بل ربما حدث ذلك مراراً في اليوم الواحد

بسمته آسرة ... وبكاؤه يذيب الفؤاد

تشعر عندما يكون حزيناً أو باكياً وكأنه محاط بهالة من البؤس والألم





إنه سعيد (( شكاوي )) ... كما يحلو لبعض المعلمين تسميته

سعيد عبدالله عبدالرحمن

ففي كل يوم تنطلق إلى غرفة المعلمين الشكاوي

إما يشكو أحداً ... أو أحدهم يشكوه





بعد مضي شهر أو أكثر بقليل أتت مسيرات رواتب التلاميذ

وكانت توزع مكافآت شهرية للتلاميذ .. من إدارة التربية والتعليم

بما قدره (( 150 )) ريال لطالب المرحلة الابتدائية

وتزيد في المرحلة المتوسطة

كنت لا أزال جديداً على المدرسة فلم أحفظ الأسماء جيداً

وصلتني المسيرات عبر العامل وأنا في الصف الثاني الابتدائي

وقال لي : ال**** يطلب منك توقيع الطلاب وسيأتي بعد قليل ليسلمهم المكافأة ...

بدأت بتوقيع التلاميذ واحداً تلو الآخر

وصلت إلى سعيد : سعيد محمد أحمد

قام : حبيبنا وأتى ليوقع

قلت : هل يوجد أحد اسمه سعيد هنا غيرك ؟؟

قال : لا يا أستاذ

قلت ما اسمك الكامل يا سعيد ؟؟

قال : سعيد عبدالله عبدالرحمن

قلت : لكن الموجود في المسير سعيد محمد أحمد

قال : أنا يا أستاذ ...

قلت : كيف أنت ..!!

قال : غيروا اسمي يا أستاذ

قلت يا أخي يغيروا أسمك معقول .. لكن اسم أبوك وجدك .. كيف ؟؟؟

قال : والله أنا يا أستاذ بس غيروا اسمي السنة هذي

شعرت بغيظ وظننت أنه يتغابى لكي يأخذ ما ليس له

فتحت حقيبتي : ونظرت في كشوفات الأسماء لدي

في الصف الثاني سعيد واحد فقط

ولكنه سعيد عبدالله عبدالرحمن

في وسط هذه المعمعة : دخل ال**** وأنا وسعيد في حيص بيص

مالك يا أستاذ : قلت له تعال هنا مشكلة

قال : ما هي ..؟؟

قلت ما اسم هذا الولد : قال سعيد عبدالله عبدالرحمن

قلت لكنه يقول أنه كان سعيد محمد أحمد

والآن سعيد عبدالله عبدالرحمن ...!!!

نظر إلي ال**** نظرة منكسرة وقال صدق ... !!

وعندما رأى الدهشة في عينيّ : قال لي : الحقني بعد الحصة وأشرح لك

تم توقيع سعيد ... وتسليمه وبقية زملائه

وبعد انتهاء الحصة أسرعت لغرفة ال**** لأعرف السر الغامض في حياة سعيد




دخلت غرفة ال**** .. وقال لي : أغلق الباب خلفك .. وتعال

أتيت وفي داخلي مئات الأسئلة

بدأ بالحديث مباشرة ليزيل عني هذه الاستفهامات

لقد صدقك سعيد يا أستاذ

فقد كان اسمه سعيد محمد أحمد في كشوفات السنة الماضية

ولكن تم تغييره في السنة الجديدة إلى سعيد عبدالله عبد الرحمن

فمكافأة هذا الشهر والشهر القادم ستكون باسمه القديم

حتى نرفع مسيرات السنة الجديدة ويتغير اسمه

أما سبب التغيير فهو مؤلم ومرير

قالها وهو ينظر إلى الأرض

وأنفاسه تكاد تخنقه

لقد كان ميلاد سعيد نتيجة علاقة غير شرعية ...

وكان المراد أن يتم احتواء الموضوع

ويكون سعيد محمد أحمد وتنتهي القضية

ولكن عدم إقرار الرجل جعل من سعيد طفلاً مجهول الوالد

وتم اعتماد هذا الاسم له من قِبل الأحوال المدنية

ليحصل على سجل مدني ... ويُنسب لشخص مجهول

يتم وضع اسم افتراضي له ...كحال كثير من أمثال سعيد ...!!!





شعرت بدوار شديد وألم كبير

وأبحرت .. بخيالي مستشرفاً مستقبل سعيد عندما يكبر ويعلم أنه لا أب له

كيف حاله عندما يعلم بطريقة قدومه إلى الدنيا

تأملت ألمه عندما يعيره أقرانه بحاله

كم هو مؤلم أن تنتحر هذه البراءة وتقتل بخطأ لا يُقدره من وقع فيه

شهوة ساعة كانت سبباً في حرمان طفل من عيش سوي

سُمي تقديراً : سعيد ، بينما قد يكون أبعد شيءٍ عن السعادة

سافر بي خيالي إلى ذلك الطفل البريء

حينما شعرت لأول وهلة ببرودة تلامس يدي اليسرى

حال جلوسي على طاولة المعلم

وأنا أصحح كتب طلاب الصف الثاني

فنظرت وإذ به سعيد يقبلها ... ويقلبها تارة على خده الأيمن وتارة على الأيسر

شعرت في تلك اللحظة بفراغ كبير يحتوي هذا الطفل الصغير

والذي كان يكرر هذه الممارسة حيناً بعد آخر

وظننته يتيم الوالدين أحدهما أو كلاهما





في هذه اللحظة شعرت بألم يجتاح قلبي .. ومازالت كلمات سعيد

تتردد في داخلي : والله أنا يا أستاذ بس غيروا اسمي السنة هذي

بكل بساطة وسهولة : غيروا اسمي

تأملته وهو يدافع عن قضيته .. وعينيه الصغيرتين تغرورق بالدمع

والله أنا يا أستاذ بس غيروا اسمي السنة هذي

لا أدري هل كان يبكي من أجل المكافأة

أم يبكي لأنهم غيروا اسمه ؟؟!!





كبر سعيد ... وهمه يكبر معه

انتهى العام وكان من الناجحين الأوائل

صعد إلى الصف الثالث ... ثم إلى الرابع ..

وكان يوماً حزيناً .. عندما جاء أحد أقاربه ليأخذه إلى مدرسة أخرى

ليكمل الصف الرابع فيها

ذهب سعيد ... وترك ألماً داخلي

ذهب وقد علمنا درساً ... أبلغ من جميع الدروس التي علمناه

كان سعيد محتوى هذا الدرس

وكانت الحياة هي المدرسة ...!!!



منقول

دمتم بخير