المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الليث بن سعد: فقيه مصر ومحدثها


عبدالناصر محمود
12-08-2013, 08:37 AM
الليث بن سعد: فقيه مصر ومحدثها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

5 / 2 / 1435 هــ
8 / 12 / 2013 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3473.jpg




لم يلتحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى إلا وقد اكتمل دين الإسلام تماما, بعقيدته وشريعته وأحكامه, قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِْسْلاَمَ دِينًا} المائدة/3.

ولقد طبق الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته أكثر أمور التشريع عمليا, سواء ما يتعلق منها بنظام الحكم أو الأسرة, أو المعاملات المدنية من بيع وشراء وأخذ وعطاء, ليأتي عهد الصحابة الذي كثرت فيه الفتوحات, واختلط فيه المسلمون بغيرهم من الأمم, ممن لهم أعراف جديدة وغريبة, ولا بد من معرفة حكم الله فيها, فتصدر علماء الصحابة للفتيا والاجتهاد فيها, طبقا لما فهموه من كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم, وإجماعهم الذي غدا مصدرا ثالثا للتشريع.

ثم تابع التابعون الطريق وكانوا امتدادا لعهد صغار الصحابة الكرام, وتميز هذا العهد بوجود مدرستين: مدرسة الحجاز التي اعتمدت على نصوص الكتاب والسنة ولا تلجأ إلى الرأي إلا نادرا, ويتزعمها عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب من بعده, ومدرسة العراق التي تلجأ إلى الرأي (القياس) أكثر, ويتزعمها عبد الله بن مسعود ومن بعده النخعي.

وفي أواخر القرن الهجري الأول وبداية الثاني ظهر الليث بن سعد ضمن طبقة من كبار الفقهاء و المحدثين, التي يعود فضل ابتداء نشوئها وتكوينها لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز, الذي شرح الله صدره لتدوين السنة النبوية, التي اختلطت بفتاوى الصحابة والتابعين, فكانت تمهيدا لنشوء طبقة كبار المجتهدين, ومنهم شخصية هذا التقرير الليث بن سعد.

مولده ونشأته

ولد الليث بن سعد في بلدة قَلْقَشَنْدَة إحدى قرى القليوبية بمصر في شهر شعبان سنة 94 هجرية, ونشأ منذ نعومة أظفاره طالبا للعلم حريصا على أن يتلقاه من الشيوخ والعلماء، فطاف البلاد لأجل هذا الأمر.

وعائلة الليث مصرية تنحدر من المصريين القدماء, وقد دخلت في الإسلام وتعلمت اللغة العربية منذ الفتح الإسلامي, وأخذ الأجداد أبناءهم وأحفادهم بالتفقه في الإسلام، وبإتقان لغة الدين الجديد الذي دخلوا فيه, ولقد اشتهر عائلات كثيرة منها عائلة الليث بحفظ القرآن والحديث والشعر والأخبار وفصاحة اللسان.

كان أبوه واسع الغنى، يملك في قلقشندة وما حولها ضيعة خصبة، تنتج خير الثمرات من زرع وفاكهة, وكان الأب يدرك أن العلم هو خير ما يزين الرجل العاقل, وقد نال الأب قسطا من التعليم ولكنه قرر أن يجعل ابنه زينة الحياة الدنيا بحق، فوفر له كل ما يتاح من علوم ذلك الزمان.

طلبه للعلم

حفظ القرآن في قريته وهو صبي، وحفظ كل ما وصل إليه من أحاديث نبوية وكل ما عرفه العصر من تراث الشعر العربي وعلوم اللغة العربية وآثار الخلفاء, حتى إذا كان في مطلع الشباب وقد استوعب كل ما يمكن أن يصل إلى قريته من معرفة، وجهه أبوه إلى الفسطاط ليتعلم علمها ويثقف نفسه بمعارفها.

أدرك الليث أهمية اللغة العربية في فهم نصوص القرآن والسنة, فعكف -بعد أن حفظ القرآن والأحاديث- على حفظ الشعر العربي الذي قيل قبل نزول الوحي بالقرآن وخلال نزوله، ليدرك أسرار اللغة جميعا.

خرج إلى الحج والعمرة وكان في العشرين من عمره, وكان الفقهاء من كل الأمصار يجتمعون في الحج ثم في الحرم النبوي فيتبادلون الرأي, وهناك التقى الليث بشهاب الزهري وتلقى منه وناظره، وطرح الليث عليه ما انتهى إليه من نظر، ووجد الليث في الزهري من عمق الفكر وسعة العلم ودقة الفهم ما لم يجد في أحد قط.

كما التقى في الحجاز بعدد من فقهاء العصر من أهل السنة وأهل الرأي على السواء وجلس إليهم, وفي حلقة ربيعة الرأي تعرف بمالك بن أنس وهو في مثل سنه، وتبادلا الرأي بعد الحلقة.

عاد بعد ذلك الليث إلى مصر وتعلم فيها على يد كبار الفقهاء والمحدثين، مثل يزيد بن أبي حبيب وعمرو بن الحارث, قبل أن يطوف ببعض البلاد الإسلامية ليتلقى العلم على يد شيوخ الحجاز و العراق.

جلس للفتيا والدرس وهو في 30 من عمره.

شهادة العلماء فيه وبمكانته

شهد الكثير من كبار العلماء والفقهاء للإمام الليث بن سعد رحمه الله بنبوغه وكثرة علمه وفقهه, فقال الشافعي رضي الله عنه: الليث بن سعد أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به. أي أن تلامذته لم يقوموا بتدوين علمه وفقهه ونشره في الآفاق مثلما فعل تلاميذ الإمام مالك.

وقال أحمد بن سعد الزهري: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الليث ثقة ثبت.

وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: ليس في المصريين أصح حديثا من الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث يقاربه.

وكان ابن وهب تُقرأ عليه مسائل الليث، فمرّت به مسألة فقال رجل من الغرباء: أحسن والله الليث، كأنه كان يسمع مالكا يجيب فيجيب هو، فقال ابن وهب للرجل: بل كأن مالك يسمع الليث يجيب فيجيب هو، والله الذي لا إله إلا هو ما رأينا أحدًا قط أفقه من الليث.

أسس مدرسته الفقهية

كان الليث محدثا وفقيها, وهذا ما يجعل من مدرسته الفقهية فريدة من نوعها, فهو متمسك بالحديث بحيث يمكن اعتباره من مدرسة أهل الحديث, إضافة إلى اجتهاده ببعض المسائل التي ليس فيها نص من كتاب أو سنة أو إجماع, مما يمكن اعتباره أخذا من مدرسة الرأي أيضا.

وتظهر أصول مدرسته في أجوبته على سؤال الناس له فيما يعرض لهم من أمور الحياة، فقد كان يجيب مستوحيا القرآن في فتاواه، فإن لم يجد لجأ إلى السنة، فإن لم يجد الإجابة في النصوص، التمس الجواب في إجماع الصحابة، وكان من رأيه أن إجماع الصحابة نادر، فإن لم يجد، اجتهد رأيه، ولجأ إلى القياس وإلى العادات والعرف ما لم تخالف نصا.

بعض آرائه التي خالف فيها الإمام مالك

ربطت الصداقة والمحبة في الله بين إمام مصر الليث بن سعد وبين إمام المدينة المنورة مالك بن أنس, ومع ذلك فقد اختلفوا في الكثير من المسائل الفقهية, وقد كان الخلاف بينهما مثالا للحرص على الحقيقة وشجاعة العالم في مواجهة الخطأ، وقدرته على الرجوع إلى الحق, قال الليث: أحصيت على مالك سبعين مسألة قال فيها برأيه وكلها مخالفة لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

ومن هذه المسائل:

1- أن الجنين يستقر في بطن أمه ثلاث سنوات وهذا مخالف للعقل والعلم والطب, وليس في الشرع ما يخالف العقل, ورأى أن رأي مالك هذا يفتح باب الفساد للنساء اللاتي يغيب عنهن الزوج بالطلاق أو الوفاة أو السفر أو لأي سبب آخر, وتقبل مالك نقد الليث ولم يعد يفتي بهذا.
2- القضاء بشهادة شاهد ويمين صاحب الحق, وهو الذي كان يقضي به مالك في المدينة المنورة, وقد اعتبره الليث مخالفا لفعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم حيث لم يقض به أحد منهم, كما أنه مخالف لفعل عمر بن عبد العزيز, حيث كتب إليه رزيق بن الحكم: إنك كنت تقضي في المدينة بشهادة الشاهد الواحد ويمين صاحب الحق, فكتب إليه: إنا كنا نقضي بذلك في المدينة فوجدت أهل الشام على غير ذلك, فلا تقض إلا بشهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين.
3- أنكر الليث فتيا الإمام مالك أن الشريكين في المال لا تجب عليهما الزكاة، حتى يكون لكل واحد منهما ما تجب فيه الزكاة، وفي رأي عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه تجب عليهما الزكاة بالسوية، وبهذا أخذ الليث.
4- خالف الليث مالك في موضوع الكفاءة في الزواج، فمالك يعتد بالنسب، فلا يصح زواج القرشي بغير القرشية أو العربي بغير العربية, أما الليث فالمعول عنده عن الإسلام, فكل مسلم كفء لكل مسلمة, والقول بغير ذلك يخالف القرآن {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ويخالف الحديث: (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى).
5- اختلف الليث مع مالك في قوله بالجمع بين صلاة المغرب وصلاة العشاء في حالة المطر, كما اختلف معه في صلاة الاستسقاء، فمالك يقدم الصلاة على الخطبة، بينما يرأى الليث أنها كالجمعة تتقدم فيها الخطبة والدعاء على الصلاة.
6- اختلف الليث مع الإمام مالك في جواز ضرب المتهم بالسرقة للحصول على اعترافه حماية للأموال، حيث يرى مالك الجواز لتحقق مصلحة عامة وهي أولى بالرعاية من مصلحة المضروب, بينما تساءل الليث: فإذا ثبت أن المتهم برئ؟! إن حماية البريء أولى من عقاب المذنب, ولأن يفلت عشرة مذنبين خير من ظلم برئ واحد, ثم إن الضرب في ذاته عقوبة لا يقضي بها إلا بعد ثبوت الجريمة، وإلا فالضارب والآمر بالضرب ومن أفتى بجوازه كلهم مسئولون.

ولا ريب أن أساس كل الخلافات بين الإمام الليث والإمام مالك هو الخلاف بين منهج كل منهما في استنباط الحكم ما لم يكن النص واضحا قطعي الدلالة, فالإمام مالك يرد الحديث الذي يرويه صحابي واحد، ويأخذ بعمل أهل المدينة أو بما يستحسنه ويراه محققا للمصلحة.

أما الإمام الليث فيأخذ بالأحاديث التي يرويها الآحاد، ويقول: إننا لو فتحنا باب الاستحسان والمصالح فما هي الضوابط؟؟ أكلما بدا للمفتي أو القاضي أن رأيا ما أحسن أو أرعى للمصلحة أخذنا به؟! إذن تتناقض الفتاوى في المسألة الواحدة!! فلا عاصم إلا ضبط الأحكام التي لم يرد بها نص قطعي بقبول الحديث الذي يرويه الصحابي الواحد, مادام هذا الحديث يوافق روح القرآن، ويوافق روح السنة، ولا يخالف العقل، أو يجافي مقاصد الشرع.

لم تكن خلافات مالك والليث في الفقه فحسب, بل بطريقة الحياة أيضا, فقد سمع الإمام مالك بما يصنعه الليث من التمتع بأطيب الطعام، والتزين بأبهى الثياب، والخروج للنزهة في الحدائق والأسواق، فكتب مالك إليه معاتبا: (بلغني أنك تأكل الرقاق وتلبس الرقاق (أي الثياب الرقيقة الفاخرة) وتمشي في الأسواق).
فكتب إليه الليث: قال الله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) الأعراف:32.
لقد حفظ التاريخ رسالتين كاملتين، تصوران التقدير والاحترام والعواطف المتبادلة بين الرجلين، على الرغم من حدة الخلاف, وهذه الرسائل نموذج طيب لأدب الحوار بين العلماء.

جرأته وذكاؤه وزهده

كان الليث جريئا في قول الحق, فقد نادى بأنه ليس من حق أحد أن يحتفظ بمال إلا إذا بلغ الناس حد الكفاية, والحكام وولاة الأمور مسئولون أمام الله عن أن يوفروا للناس جميعا حد الكفاية لا حد الكفاف.
وحد الكفاف هو ما يحفظ للناس حياتهم من الطعام والشراب، أما حد الكفاية فهو ما يكفي كل حاجات الناس من جودة الطعام والشراب، والمسكن الصالح المريح، والدواب التي تحملهم، والعلم الذي ينقذهم من الضلال، وسداد ديونهم, وكل ما يوفر الحياة المريحة الكريمة للإنسان, وقد استنبط الليث هذه الأحكام من فهم عميق لنصوص القرآن الكريم والسنة، ومن أعماله الفكر واجتهاده بالرأي.

وكان أشد ما يسوء الليث بن سعد من ولاة الأمر أن يقبل أحدهم هدية, وكان يجهر في مجالسه أنه إذا دخلت الهدية من الباب، خرجت العدالة من النافذة.

ومن أمثلة ذكائه قول الحسن بن يوسف بن مليح قال: سمعت أبا الحسن الخادم قال: كنت غلاما لزبيدة (زوجة الرشيد) وأتي بالليث بن سعد تستفتيه, فكنت واقفا على رأس سيدتي زبيدة خلف الستارة فسأله الرشيد فقال له: حلفت على زوجتي: (أنت طالق إن لم أكن من أهل الجنة) فاستحلفه الليث ثلاثا إنك تخاف الله فحلف له فقال: قال الله: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} (الرحمن:16).

وكان زاهدا في الإمارة والولاية, قال يحيى بن بكير: قال الليث: قال لي المنصور تلي مصر؛ فاستعفيت قال: أما إذ أبيت فدلني على رجل أقلده مصر, قلت: عثمان ابن الحكم الجذامي رجل له صلاح وله عشيرة, قال: فبلغ عثمان ذلك فعاهد الله ألا يكلم الليث, وذلك لشدة كرههم للولاية والإمارة واعتبارها مسؤولية وتكليف.

وقد تعلم من أحد شيوخ ألا يغشى مجالس الولاة، فكان إذا استدعاه أحد الولاة ليسأله عن شيء من العلم رد عليه الليث بقول شيخه: ائتني أنت فإن مجيئك إلي زين لك ومجيئي إليك شين علي.

كرمه وسخاؤه

من أبرز الصفات التي تظهر لنا في هذه الشخصية العظيمة صفة الكرم والسخاء, فمع كثرة علمه وفقهه وورعه كان الليث كريما معطاءا حتى عُرف بهذه الصفة وصارت من سجاياه التي لا تنفك عنه بحال من الأحوال، وهذه مواقف من حياته تظهر فيها هذه الصفة دون تكلّف أو اصطناع.

ذكر الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: عن حَرملة قال: كان الليث بن سعد يصِل مالكا بمائة دينار في السنة، فكتب مالك إليه: عليَّ دَين، فبعث إليه بخمس مائة دينار. فسمعتُ ابن وهب يقول: كتب مالك إلى الليث: إني أريد أن أُدخل بنتي على زوجها، فأحبُّ أن تبعث لي بشيء من عُصفر، فبعث إليه بثلاثين حِملا عُصفرا، فباع منه بخمس مائة دينار، وبقي عنده فضلة.

قال: وجاءت امرأة إلى الليث فقالت: يا أبا الحارث، إن ابنا لي عليل، واشتهى عسلا، فقال: يا غلام، أعطها مِرطا من عسل. والمِرط: عشرون ومائة رطل.

ويكفي الليث كرما وسخاء قول محمد بن رمح: كان دخل الليث بن سعد في كل سنة ثمانين ألف دينار ما أوجب الله عليه زكاة درهم قط، وذلك لأنه كان لا يبقي على شيء منها وإنما ينفقها كلها لكرمه وسخائه.

وفاته

كانت وفاته بالقاهرة -رحمه الله- يوم الجمعة 15 من شهر شعبان 175 هـ، 16 ديسمبر 791 م، عن 81 عاما قمريا, وقد صلى عليه موسى بن عيسى صلاة الجنازة مع الناس وقد بلغ حزن المصريين وبكاؤهم علي فقدانه الغاية.

قال خالد بن عبد السلام الصدفي: شهدت جنازة الليث بن سعد مع والدي، فما رأيت جنازة قط أعظم منها، رأيت الناس كلهم عليهم الحزن، وهم يعزي بعضهم بعضا، ويبكون، فقلت: يا أبت، كأن كل واحد من الناس صاحب هذه الجنازة، فقال: يا بني لا ترى مثله أبدا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ
{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــــــــــــ