المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حاجة الإنسان للاجتماع


ام زهرة
12-14-2013, 12:33 AM
إن سنة الله تعالى في وجود الإنسان أن يعيش في مجتمع بشري تتكامل فيه الوظائف والأدوار وتتم معه المصالح والمنافع، فلا قيام للإنسان بمفرده في الحياة، ولا قيام لمجموعة من الأفراد مستقلين عن مجتمع لا تكتمل وظائفهم الضرورية إلا به. وهذه حقيقة تتسع مع النظر لطبيعة التكامل والترابط الذي يقوم بين المجتمعات في المنافع والمصالح. ومن هنا قيل: الإنسان مدني بطبعه.

وهي عبارة مأثورة عن فلاسفة حضارات قديمة، إلا أن علماء المسلمين تداولوها بالقبول لمـا شهد لها من براهين العقل والتجربة والوحي.
يقول ابن تيمية: "... إِذ كان الإِنسَانُ مَدَنِيًّا بالطَبعِ، لا تَتِمُّ مَصلَحَتُه إلا ببَنِي جِنسِه، يُعَاوِنُونه على جَلبِ المـَنفَعَةِ ودَفعِ المـَضَّرة"؛ ويقول أيضا: "الإنسانُ مَدَنِيٌّ بالطَبعِ لا يَستَقِلُ بتَحصِيلِ مصالحه، فلا بُدَّ لهم مِن الاجتماع للتعاون على المصالح" ،لاويقول ابن القيم: "إن الإنسانَ مَدَنِيٌّ بالطبع، لا بد له أن يعيش مع الناس".

ويقول الفخر الرازي – رحمه الله- عند قوله تعالى: {والنهار مبصراً } : "اعلم أن الإنسان مدني بالطبع، ومعناه أنه ما لم يحصلُ مَدِينَةٌ تَامَّةٌ لم تَنتَظِم مُهمَّاتُ الإنسانِ في مَأكُولِهِ ومَشرُوبِهِ ومَلبَسِهِ ومَنكَحِهِ، وتلك المهمات لا تحصل إلا بأعمال كثيرة" ويقول عند قوله تعالى: {فَاحكُم بَينَ النَّاسِ بالحَقِّ} : "واعلم أن الإنسان خُلِقَ مَدَنيًّا بالطبع، لأن الإنسان الواحد لا تنتظم مصالحه إلا عند وجود مدينة تامة، حتى أن هذا يحرث وذلك يطحن وذلك يخبز وذلك ينسج وهذا يخيط، وبالجملة فيكون كل واحد منهم مشغولا بمهم، وينتظم من أعمال الجميع مصالح الجميع. فثبت أن الإنسان مدني بالطبع".
ويقول الفقيه ابن العربي - رحمه الله: "فنقول: لما كان الإنسان مدنيا بالجِبِلَّةِ، مفتقراً إلى الصحبة بالضَرُورَةِ، لأنه خُلِقَ خَلقاً لا يَستَقِلُ بمعاشه ولا يستبد بمنافعه بل هو مُفتَقِرٌ في ذلك إلى غيره، وكان ذلك الغير إما مجتمعا معه وإما مبايناً عنه، والمنفعة التي يفتقر إليها إما حاضرة وإما غائبة...إلخ".

ويقول الطاهر بن عاشور – رحمه الله: "والله بنى نِظَامَ هذا العَالمِ على تعاون الناس بعضهم مع بعض، لأن الإنسان مدني بالطبع، فإذا لم يَأمَن أفرادُ الإنسانِ بعضُهم بعضاً تَنَكَّرَ بعضُهم لبعض، وتبادروا الإضرار والإهلاك ليفوز كل واحد بكيد الآخر قبل أن يقع فيه، فيفضي ذلك إلى فساد كبير في العالم، والله لا يحب الفساد ولا ضُرَّ عبيدِه إلا حيث تأذن شرائعه بشيء....".
ويقول الإمام المناوي –رحمه الله- في شرحه لحديث (المـُؤْمِنُ للمُؤْمِنِ كَالبُنيَانِ): "والمراد بعض المؤمنين لبعض كالحائط، لا يتقوى في أمر دينه ودنياه إلا بمعونة أخيه كما أن بعض البنيان يقوى ببعضه، (يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضا) بيان لوجه التشبيه"،.. ويضيف: "وفيه تفضيل الاجتماع على الانفراد، ومدح الاتصال على الانفصال، فإن البنيان إذا تفاصل بطل وإذا اتصل ثبت الانتفاع به بكل ما يراد منه".
ثم ينسب للراغب الأصفهاني قوله: "إنه لما صَعُبَ على كُلِّ أَحَدٍ أَن يُحصِّل لنفسه أَدنى ما يحتاجُ إليه إلا بمُعَاونةِ غَيرِهِ له، فلُقمَةُ طَعَامٍ لو عَدَّدنا تَعَبَ تحصِيلِها من زَرعٍ وطَحنٍ وخَبزٍ وصِناعِ آلاتها لصَعُب حَصرُه، فلذلك قيل الإنسان مدني بالطبع، ولا يمكنه التفرد عن الجماعة بعيشه، بل يفتقر بعضهم لبعض في مصالح الدارين، وعلى ذلك نبه بهذا الحديث" .
وهذا الاجتماع كما أنه سنة اجتماعية وجبلة بشرية فقد جاء الإسلام للاتفاق مع هذا القانون الكوني، حيث أكد على هذه الحقيقة بالمفاهيم والتصورات والأحكام والآداب. وكل ما شُرِعَ للأمة المسلمة من عبادات وأحكام وشعائر وأخلاق روعي فيها تأكيد هذا المعنى، فغالبية العبادات فُرِضَ فيها الاجتماع أو ما في معناه، وكذلك الشعائر الدينية، والحقوق والواجبات إنما صيغت في ضوء وجود الإنسان في مجتمع بكل صوره وبتنوعه العرقي والديني والثقافي.

بل لقد جعل الإسلام الاجتماع تعبيرا صادقا عن مدى تحقق الإيمان والالتزام بتكاليفه، سواء في حدود الأسرة أو الجيرة أو ذوي الرحم والقربى أو الصحبة أو الكيان السياسي، هذا في شأن الأمة الداخلي. أما على مستوى البشرية جمعاء فقد انتظم الإسلام علاقة المسلمين بغيرهم دولا وأفرادا خارج بلاد المسلمين، نظرا لأن الأمة الإسلامية مهما بلغت ستظل جزءا من أمم الأرض ودولها.
ولو سردنا الأدلة والشواهد في هذا المقام لتكلفنا نقل كافة نصوص القرآن والسنة والآثار كونها لا تخلوا عن الإشارة إلى هذا المعنى بوجه من الوجوه، إما خطابا أو تكليفا أو مدحا أو وصفا.. أو غير ذلك.

وفي مقابل ذلك حرَّم الإسلام كل معاني الخلاف والنزاع، والفرقة والصراع، إلا في سبيل الحق ولإقامة العدل. فنهى عن كُلِّ ما يَضُرُّ بالاجتماع من أسباب، كالكفر والابتداع، والظلم والنزاع، والبغي والفساد. قال تعالى:{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ؛ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} ، وقال سبحانه: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ؛ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ؛ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .
ورغم ما وقع من البشر من فرقة وصراع، إلا أن الإسلام ظل يؤكد على وحدة البشرية من حيث نشأتها ووظيفتها ومصيرها. فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} ؛ وجعل للتنوع غاية وحكمة:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} ، وأمر بالتعاون على الخير والصلاح . {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ، وشرع ونظم علاقة النسب والمصاهرة بين المسلم وغير المسلم، والعلاقات التجارية والمالية، وعلاقات السلم والحرب.. وغيرها من المعاملات والروابط.


انور قاسم الخضري