المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دور المسلمين تجاه موجة العداء للإسلام


عبدالناصر محمود
12-14-2013, 08:27 AM
دور المسلمين تجاه موجة العداء للإسلام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ

11 / 2 / 1435 هــ
14 / 12 / 2013 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(د. عامر الهوشان)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ




لا يكاد يمر يوم إلا ويرى كل مسلم أو يسمع عن مأساة للمسلمين هنا أو هناك, في بورما قتل لمسلمي الروهنجيا بأبشع الصور, وتهجير للسكان من قبل البوذيين, وفي أوربا وأمريكا موجة عنصرية بغيضة ضد المسلمين, وحظر للإسلام في أنغولا, واضطهاد للمسلمين في روسيا والصين, وحتى بعض الدول العربية والإسلامية لم يسلم المسلمون فيها من موجة العنف المادي والمعنوي ضدهم.

ومع الاعتراف بوجود عداء قديم ومتأصل في نفوس اليهود والصليبيين والمجوس ضد الإسلام والمسلمين, منذ عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وحتى قيام الساعة, ومع عدم إنكار كثرة المؤامرات التي تحاك في الغرف المظلمة في الشرق والغرب وشدتها في العصر الحديث, إلا أن ذلك لا يعني إغفال تقصير المسلمين الشديد تجاه دينهم الذي ساعد في زيادة موجة العداء هذه, والاعتراف بوجود القابلية المفرطة في العالم الإسلامي لامكانية تنفيذ المؤامرات التي تحاك ضدهم, بسبب الخلافات الكثيرة الموجودة بينهم, وعدم العمل على مواجهة كل ذلك بالشكل الصحيح.

إن المكائد والمؤامرات لم تتوقف يوما على هذه الأمة, فالمشركون والمنافقون واليهود لم يتوقفوا ساعة عن الكيد للإسلام بالليل والنهار منذ اليوم الأول لظهوره, ثم جاء دور المجوس الذي فتح باب الفتن على مصراعيه بعد جريمة قتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه, ليستمر الأمر مع الصليببيين وأعداء الدين على هذا المنوال حتى إسقاط الخلافة العثمانية في بداية القرن العشرين, ومع ذلك لم يتوقف عمل المسلمين على مواجهة تلك المؤامرات, من خلال الفهم الصحيح لتعاليم دينهم والتمسك به, مما جعل تلك المؤامرات تتكسر على صخرة وحدتهم وتمسكهم بدينهم.

إن تركيز المفكرين والباحثين على ما يحاك للمسلمين من مؤامرات, وما يراد بهم وبدينهم من زوال, لا يعني أبدا اليأس والخمول والاستسلام, وإنما أريد به معرفة حجم المواجهة لمزيد من العمل والاستعداد والالتزام, فمن المعلوم أن معرفة العدو وحجم قوته وما يخطط له يعتبر نصف الانتصار.

وأمام حال المسلمين المؤلم والمحزن في هذه الأيام, يتساءل الكثير من المسلمين –على مستوى الأفراد والجماعات- وهم يرون أشكال الظلم والبغي تنزل تترى بإخوانهم في كل أصقاع الأرض, ماذا يمكن أن نفعل؟؟ وكيف يمكن أن نساعد؟؟

والحقيقة أن أمورا كثيرة يمكن أن يقوم بها المسلمون تجاه تلك الموجة الشديدة من العداء للإسلام والكراهية للمسلمين, تبدأ بترسيخ العقيدة الإسلامية العظيمة في النفوس والدعوة إليها ونشر هذا الدين وإبلاغه للناس مع تطبيقه واقعيا في الحياة , والدور هنا منوط ابتداء بالفرد المسلم أيا كان ودعوته ودوره , ومن ثم المجتمع المسلم المتحضر الملتزم بدينه , وصولا إلى الجمعيات الخيرية والمنظمات والمؤسسات الإسلامية, وانتهاء بالدول العربية والإسلامية.

1- على مستوى الفرد المسلم وهو الأهم, فإن دوره يتمحور أولا بتطبيق الإسلام بشكله الصحيح على أرض الواقع, أينما حل أو ارتحل, ليس فقط من صلاة تؤدى في المسجد في جماعة, أو صيام للفريضة والنافلة, أو أداء لفريضة الحج في كل عام, أو الظهور بمظهر المسلم في اللباس والشكل والهيئة, أو ما شابه ذلك من الأمور التي لا ينكر أحد أهميتها ووجوبها في الإسلام, إلا أنها لا تكفي وحدها, ولا بد أن تكون موصولة بعزة بهذا الدين وحياة كاملة به وتطبيقه في الحياة مع حسن الجوار وطيب الكلام, وأداء الأمانة والحقوق لأصحابها, ويسر المعاملة في البيع والشراء والتجارة, وعدم أكل أموال الناس بالباطل, والوفاء بالعهد وحفظ الحرمات, وحب النظام وتقديس الواجب.

إن تطبيق الإسلام بشكله المتكامل هذا يزيد من ربط المسلم بأخيه المسلم في ديار الإسلام, ويرفع من منسوب المحبة والتآخي بينهم, الأمر الذي يجعلهم كما وصف الله تعالى في كتابه العزيز: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} الفتح/29, وأنى لأمة هذا وصف رجالها أن تعمل فيهم المؤامرات عملها أو أن تأثر فيهم المكائد؟؟

كما أن التطبيق الصحيح للإسلام بهذا الشكل المتكامل في بلاد الغرب سيزيد من رصيد هذا الدين في نفوس الناس أجمعين, وهل انتشر هذا الدين في ربوع المعمورة إلا حين أعطى المسلمون الصورة الصحيحة والمشرقة للإسلام!! من خلال معاملتهم وأخلاقهم لا من خلال أقوالهم التي تناقض أفعالهم, وما دخول الإسلام إلى شرق آسيا إلا مثالا صارخا على أهمية هذا الأمر في الإسلام.

إن فهم الإسلام فهما صحيحا بلا إفراط ولا تفريط, وتبليغه للناس بهذا الشكل المتوازن, من أهم العوامل التي يمكن أن تقلب الكراهية للإسلام في نفوس كثير من الناس إلى محبة, كما أن هذا الفهم سيقي الأمة شر المؤامرات التي تحاك ضدهم, وهل يمكن لمؤامرات الشرق أو الغرب أن تنجح لولا وجود القابلية لنجاحها داخل الكيان الإسلامي من خلال وجود المغالاة أو التفريط في أمر الدين؟!

إن الإقرار بوجود الخلل والمرض نصف العلاج كما يقال, ولا بد في هذا المقام من الاعتراف بوجود قصور في فهم الإسلام فهما صحيحا لدى المسلمين, ناهيك عن ضعف التطبيق المتكامل والمتوازن له, وهو ما يأثر سلبا على صورة الإسلام في العالم, ويظهره على غير حقيقته وجوهره.

لقد عشنا لنرى دك مدن عظام وتمزيق أمة كبيرة وغيبوبة الوعي الإسلامي بإزاء آلام تحرك الرواسي, ومع النشاط الهائل الذي يسود جبهة الأعداء فقد رأيت بني قومي لا يزالون يمضغون خلافات جوفاء, وتسيطر عليهم أفكار ضحلة, وتسيرهم أهواء قاتلة وشهوات غبية.

وكما قال بعضهم : في عالم يتشدق أنه يبحث عن الحرية نصور الإسلام دين استبداد, وفي عالم يحترم التجربة ويتبع البرهان نصور الإسلام دين غيبيات مستوردة من عالم الجن, وتهاويل مبتوتة الصلة بعالم الشهادة, وفي عالم تقارب فيه المتباعدون ليحققوا هدفا مشتركا, نرى حالنا نبحث عن الخلاف والشقاق !

2- أما على صعيد العمل والمؤسسات الإغاثية الإسلامية, فإن قصور عملها واضح وجلي في ظل حاجات إنسانية متزايدة للمنكوبين المسلمين في معظم دول العالم, الأمر الذي ترك فراغا كبيرا تقوم المنظمات الإغاثية غير الإسلامية بسده, مع ما تحمله هذه المنظمات من أفكار لا تتفق مع أصول الإسلام وثوابته.

ويكفي أن نذكر مثلا أن في السودان وحدها ما لا يقل عن 130 منظمة أوربية من هذا النوع, 22 منها ذات خلفيات صهيونية وإداراتها وتمويلها صهيوني, كما أن بعضها الآخر تمثل واجهات لأجهزة استخبارات غربية, إضافة لأجندات أخرى مختلفة, في حين لا توجد إلا بضعة جمعيات ومؤسسات إسلامية إغاثية هناك, أشهرها جمعية العون المباشر.

وقد وصل تأثير هذه المنظمات الإغاثية الأجنبية إلى حدود لا يمكن تخيلها في قلب الحقائق وتشويه الوقائع, مما دفع الصادق المهدي رئيس الوزراء السوداني الأسبق للقول في ندوة حول (سر التدخل الأجنبي والاهتمام الأوربي بما يجري بالسودان) عام2004م: (هناك 21 مطبخا أوربيا وأمريكيا –ليس من بينها مطبخ عربي واحد– تهتم بقضية السودان, وتعد له الطبيخ المناسب له من وجهة نظرها, وأن السودان أصبح قضية داخلية في العديد من برلمانات الدول الأوربية مثل هولندا وألمانيا ....)

وإذا ما اتجهنا إلى دولة إفريقية أخرى وهي (تشاد) فإن فيها حوالي 318 منظمة دولية غربية, إضافة لمظلاتها المحلية من المنظمات الكنسية التي يبلغ عددها حوالي 205, بينما لم يتعدى عدد المنظمات الإسلامية العاملة في تشاد حتى عام 1996 الثلاث, ثم زاد العدد ليصل إلى 12 في عام 2004م, وبينما بلغت ميزانية أقل جمعية كنسية 60 ألف دولار سنويا, لم تتجاوز ميزانية ثلاث جمعيات إسلامية محلية 30 ألف دولار فقط.

ولا شك أن زيادة عدد هذه الجمعيات والمؤسسات الإغاثية الإسلامية, في زمن يعج بالصراعات والحروب التي تخلف الملايين من المحتاجين, سيسد أي باب قد يفتح لمزيد من بث الكراهية والعداء للإسلام والمسلمين عبر الحاقدين عليه والمعادين له, بل سيكون بلا شك بابا عظيما للتعريف بإنسانية الإسلام وعدله وإحسانه.

ويعجبني قول الشيخ الغزالي في هذا الإطار: (قرأت في الصحف نبأ هذا الكاثوليكي الذي تبنى 30 ألف طفل مسلم في الصومال لينشئهم على النصرانية بداهة, وقلت: إن جزءا من المال العربي الضائع كان يمكن أن يحفظ مستقبل هؤلاء) هموم داعية / ص9

3- أما على مستوى منظمات علماء المسلمين المحلية والدولية والمؤسسات والهيئات العلمية الإسلامية , فإن دورهم كبير وخطير في مواجهة موجة العداء والكراهية للإسلام غير أن ما نراه من ذلك الدور هو شكل متراجع للغاية في قابل نشاط مكثف من شتى مؤسسات العالم .

ومع الإقرار بأن وسائل التعريف بالإسلام ما زالت ضعيفة ودون المستوى المطلوب في العالم بشكل عام, مع وجود الحاجة الملحة لمن يعلم الناس أمور دينهم الصحيح في كثير من تلك الدول, وإذا أضفنا إلى ذلك امتلاك أعداء الإسلام معظم وسائل الإعلام العالمية, والتي تعمل على تشويه صورة الإسلام الصحيح, والإساءة لسمعة المسلمين, فإن واجب تلك المنظمات الإسلامية يبدو أكثر حاجة وأشد إلحاحا.

ويتمثل هذا الدور باستخدام جميع الوسائل الممكنة للتعريف بالإسلام الصحيح وإيصاله إلى الناس, سواء من خلال إرسال الدعاة إلى الله تعالى للمناطق الأكثر حاجة, أو من خلال عقد المؤتمرات والندوات عن الإسلام في شتى بقاع الأرض, أو من خلال الرد على الشبهات والاتهامات التي تكال للإسلام من قبل أعدائه, أو من خلال العمل على زيادة وسائل الإعلام التي تتحدث عن الإسلام الوسطي الصحيح.

4- وأخيرا يأتي دور الدول الإسلامية تجاه موجة العداء للإسلام, فمن المعلوم أن موجة العداء والكراهية للإسلام ليست من فعل هيئات أو منظمات أو أحزاب فحسب, بل وراءها دول داعمة وممولة, الأمر الذي يتطلب من الدول الإسلامية دورا موازيا ومكافئا.

ومن المؤكد أن دور الدولة يأتي معززا أو محبطا لكل الأدوار السابقة, فإذا ما وفرت الدول العربية والإسلامية البيئة المناسبة لتطبيق الفرد المسلم لدينه والتزامه بأحكام شريعة ربه, فإنه بلا شك سيكون أشد تمسكا بهذا الدين وأكثر التزاما بأحكامه, مما سينعكس إيجابا على سلوكيات المسلمين الحضارية, الأمر الذي سيعطي صورة مشرقة وصحيحة عن الإسلام والمسلمين.

كما أن دعم الدولة الإسلامية ماديا ومعنويا لكل من الجمعيات الخيرية والمؤسسات الإغاثية سيزيد من عددها, وسيدفعها للمزيد من التوسع والتمدد لتغطية احتياجات المسلمين في كل مكان, مما يفوت الفرصة على أعداء الإسلام لاستغلال حاجة المسلمين لدفعهم نحو ترك دينهم, أو لتشويه صورته في نظر غير المسلمين.

ولا يخفى دور الدولة القوي والمأثر في مواجهة العداء للإسلام إن كان داعما للمنظمات الدعوية الإسلامية والمؤسسات العلمية, ومقربا للعلماء والمفكرين والحكماء من مصدر القرار السياسي, فلا تصدر قرارت سياسية تخالف تعاليم الإسلام, ولا مجال لتدخل أعداء الإسلام لزرع الفتن بين الدولة والشعب باسم الدين أو الإسلام, لوجود التوافق والتصالح بينهما.

ولا شك أن موقف الدولة السلبي من كل ما سبق سيزيد من موجه العداء ضد الإسلام, فإذا كان هذا الإسلام غير مأخوذ به وبأحكامه داخل الدول التي ترفع رايته وتتكلم باسمه, فكيف ستكون نظرة غير المسلمين لهذا الدين من خارجه؟!

إن موجة العداء والكراهية للإسلام لا يمكن أن تواجه بالخطاب الحماسي المنفعل المنفصل عن الواقع, كما لا يمكن معالجتها بتصدير أسبابها لجهة خارجية تارة, أو لجهة داخلية معينة تارة أخرى, فالفرد يتهم الدولة والدولة تتهم الشعوب, بينما المنظمات والهيئات تشكتي العجز والضعف وقلة الحيلة.

والحقيقة التي لا بد أن نعيها جيدا أن المسؤولية تقع على الجميع دون استثناء, وأن واجب مواجهة موجة العداء والكراهية لهذا الدين لا تقتصر على طرف دون آخر, فإذا ما تكاملت جميع الجهود السابقة, فلا شك أن حال المسلمين سيتغير مصداقا لقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} الرعد/11
--------------------------------------------------