المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرأي العام والسياسة


محمد خطاب
12-16-2013, 08:04 PM
الرأي العام والسياسة
يختلف الباحثون في تعريف الرأي العام ، وينتج الاختلاف من الاختلاف الفكري عندهم ، رغم أن هذه الاختلافات ليست ذات أهمية كبيرة طالما أن لا تباعد بين الظاهرة وجوهرها . ونستطيع وضع تعريف للرأي العام يتفق مع كل التوجهات والرؤى
تعريف الرأي العام :
انه حصيلة أفكار ومعتقدات ومواقف الأفراد والجماعات إزاء شأن أو شئون تمس النسق الاجتماعي كأفراد وتنظيمات ونظم والتي يمكن أن يؤثر في تشكيلها من خلال عملية الاتصال التي قد تؤثر نسبيا او كليا في مجريات أمور الجماعة الإنسانية علي النطاق المحلي أو الدولي .
الرأي العام علي النطاق المحلي :
في النظم الديمقراطية نجد أن صانعي القرار والرأي يتجهون نحو الألغاز في طرح قضية ما هذا من جانب ، والي التأثير في الرأي العام دون الاهتمام بمعرفة الرأي العام نفسه وتوجهاته من جانب آخر .
فعلي سبيل المثال العاملون في مجال العلاقات العامة في أمريكا وغيرها من الدول الأوربية يصرفون جل همهم علي التأثير في الرأي العام في قضية انتخابية او حرب مثل الحرب علي العراق وأفغانستان لخدمة مصالح الحزب الحاكم أو أطراف أخري دون الاهتمام بتوجهات الرأي العام عندهم .
إلا أن الإرادة القومية وأعني ما هو بخلاف الطبقة الحاكمة لا تتفق دوما مع صانعي القرار وان كانت المحاولات دائما هو إظهار أن الإرادة القومية جزء لا يتجزأ من تخطيط الدولة وسياستها وان لا خلاف ولا تناقض بينهما .
غير ان علماء الاجتماع يرون في الرأي العام انه المواقف التي يتخذها الأفراد والجماعات إزاء قضية معينة والتي تتشكل في المجتمع بما ليس له علاقة في السياسة مثل طريق الملبس وتصفيف الشعر والعلاقة بين الرجل والمرأة وما إلي ذلك .
الرأي العام في النطاق الدولي :
كان التعامل مع الرأي العام الدولي في بدايات القرن العشرين أكثر صعوبة مما هو عليه اليوم ، وكانت مصادر الاتصال محدودة ضعيفة متمثلة بالصحف والمجلات والإذاعات المسموعة ولعل محطة b. b . c البريطانية هي من أوائل المحطات التي كانت موجهة إلي العالم العربي للتأثير علي الإنسان العربي وكذلك علي حكمه علي الأحداث ومجريات الأمور . ثم تابعتها الكثير من المحطات مثل السوفيتية سابقا والإسرائيلية والأمريكية والألمانية وغيرها . والغريب أن هذه المحطات كانت ذات تأثير علي المواطن العربي أكثر من المحطات المحلية ، ويعتقدون بصحة خبرها أكثر من المحطات المحلية .
ومع انتشار الفضائيات وفي عصر العولمة والذي تلاشت فيه المسافات بين الدول أصبحت وسائل التأثير في الرأي العام أكثر سهولة ويسرا .
ولذلك أنشأت المحطات الفضائية بلغة أهل البلاد ليكون التأثير اكبر ، وكسب الرأي العام والتعاطف ، ولعل في حرب غزة اكبر دليل علي ذلك فقناة الجزيرة مثلا استطاعت بتغطيتها للحرب الإجرامية التي تشنها دولة الصهاينة وقتلها للمدنيين واستخدام أسلحة محرمة دوليا كان لها الأثر الكبير في تأليب الرأي العام العالمي علي الصهاينة في كل مكان في العالم ، وكذلك تغطيتها لحرب أمريكا في العراق وقتل المدنيين .
وللأسف الشديد كانت محطات فضائية تدعي أنها عربية تقف جنبا الي جنب مع الأعلام الصهيوني وتبرر له قتل الفلسطينيين ، بل وتحرض علي ذلك وتبث الكراهية ضدهم .وهي بذلك تكون مسايرة لخطة كسب الرأي العام ضد الفلسطينيين .
ومن جانب آخر كانت الفضائيات الأجنبية الأمريكية والأوربية تعتم عما يحدث في غزة من جرائم بل وتظهر أن الجانب( الإسرائيلي ) مظلوما مدافعا عن نفسه .
وما إنشاء عصبة الأمم قبل الحرب العالمية الثانية إلا صورة من صور التعامل مع الرأي العام ، ثم إنشاء الأمم المتحدة وسيطرة قطب واحد عليها جعلها أداة طيعة في يد أمريكا واستطاعت به أن تكسب الرأي العام الدولي في حربها ضد العراق عام 2003 وقد لجأت إلي الكذب والتضليل في ذلك ، وكان خطاب كولن باول في المجلس وعرض بعض الصور كإثبات ودليل علي امتلاك وتصنيع العراق لأسلحة دمار شامل ،كل ذلك كان لكسب الرأي العام الدولي والمحلي والذي ظهر زيفه وكذبه فيما بعد .
وارتباط السياسة بالرأي العام يتم من أربعة وجوه ترتب بحسب مقتضي الحال .
1 – النسق السياسي .
2 – النظام السائد .
3 – الإطار الدستوري .
4 – الطريقة التي تحسم بها القضية .
الرأي العام والاغتراب :
يفصل الباحثون في الرأي العام بين ما يتعلق بالسياسة أو ما يتعلق بما هو اجتماعي .
أي يمكننا ان نفصل بين ما يتعلق بالرأي العام وقضاياه السياسية العامة وبين ما هو مرتبط بالمشكلات الاجتماعية ، فالأول له تأثير علي شرعية الدولة مباشرة والثاني له تأثير علي الدولة ولكن بالتراكم .
ولذلك فان البناء الاجتماعي السياسي يجب أن يؤدي إلي عدم الاغتراب وهو شعور الفرد بعد الانتماء يقتل عنده الشعور بالمشاركة والإسهام في البناء
إذن الاغتراب هو :
النتيجة الحتمية في فشل صناعة وتشكيل الرأي العام مع النسق السياسي السائد .
والاتفاق علي رأي العام في بلد مستقر سياسيا لا يعني أبدا وجود حزب او جماعة واحدة فقط تحكم ، ولكن قد يوجد أكثر من جهة لها اتفاق دستوري أي من حيث الإدارة واتخاذ القرار وان اختلف في أسلوب التطبيق ، وهذا ما نراه من اختلاف الإدارات الأمريكية واتفاقها علي دعم العدو الصهيوني وان اختلفت السبل .
وفي عالمنا العربي نجد أن السلطة فيه تحتكر صناعة القرار وكذلك احتكار الرأي العام والذي تعتبره صحيحا من وجهة نظرها .فالسلطة المجال الوحيد الذي يبني حوله الرأي العام وهي علي الأغلب شعارات فارغة لا تؤدي إلي نتيجة مرجوة أو نفع قريب أو بعيد لعامة الناس.
ونستطيع القول أن عدم الاستجابة من الرأي العام لما تطرحه أجهزة الدولة لليقين التام أن من ينتفع بنتائج هذا الرأي هم فئة أو طبقة معينة ، فيعود النفع المادي لها دون عامة الناس .وهكذا تتسع دائرة الاغتراب وتزداد الهوة والمسافة بين صناع القرار وبين الأمة ، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلي التصادم بينهما .وكلما كانت ردة الفعل من السلطة الحاكمة تجاه الأمة عنيفا كلما زاد الاغتراب واتسعت الهوة أكثر فأكثر .
والسؤال في الأحزاب المعارضة للسلطة والتي تتبني رأيا عاما معاكس للسلطة هل هذه الأحزاب تتبني أراء المنتمين إليها أم تبني المنتمون إليها أراء الأحزاب .بمعني آخر هل صنعت الأمة هذه الأحزاب أم ان هناك شخصية قيادية تحمل صفات الزعامة والقيادة استطاع من خلال طرحه لقضايا الأمة أن يكون رأيا عاما عند الجماهير التي رأت في الطرح ما يخدم أهدافها أو ما يحقق مصالحها ولو بالحد الأدني .
إن هذه الشخصيات التي تحمل الصفات القيادية كان لها الأثر الأكبر في الشعوب وفي تغيير مجري التاريخ الإنساني ، بعد ان استطاع أن يجعل الرأي العام يسير معه .
كما ان هذه الشخصيات كانت قادرة علي قلب موازيين الانتخابات وكسب الرأي العام ونجاحها في الوصول إلي الحكم .
والدولة الحديثة تعمل من خلال مؤسساتها المختلفة وبالاعتماد علي أفراد ذوي قدرات خاصة متميزة علي تكوين الرأي العام المناسب لها ثم صياغة الرأي العام وتوجيهه ، وهؤلاء الأفراد هم الذين يرسموا سياسات الدولة ونهجها داخليا وخارجيا .و هؤلاء يعتمدون علي القوة العلمية في نشر وتثبيت ما يصبون إليه والتفوق العلمي تفوق قوة عسكرية من خلالها يحاول البعض احتكار الرأي العام من خلال الحروب .
محمد خطاب