المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البراجماتية .. الفلسفة عندما تعادي الدين والناس


عبدالناصر محمود
12-18-2013, 08:33 AM
البراجماتية .. الفلسفة عندما تعادي الدين والناس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ

15 / 2 / 1435 هــ
18 / 12 / 2013 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(د. محمد حجاج)
ــــــــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_3730.jpg


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أما بعد،

فالعالم الذي نعيش فيه يعج بالأفكار والمعتقدات والفلسفات ومن تلك الفلسفات فلسفة البراجماتية التي تقوم عليها فلسفة كثير من الدول الغربية بالخصوص وفي مقدمتها أمريكا، ولقد أثرت هذه الفلسفة في السياسة الغربية والأمريكية أسوأ تأثير، فما يدور في منطقتنا العربية, وما حدث من تقارب أمريكي غربي إيراني بعد إعلانات العداء الطويلة, مع غض الطرف عن الدور الإيراني الشيعي في المنطقة, وما حدث مسبقا في العراق وغيرها هو أثر من آثار الفلسفة البراجماتية التي تقدم المصلحة الذاتية على القيم والمبادئ الثابتة.

وقد ننخدع بعبارات البراجماتيين في أهمية النتائج والآثار والمنافع وتطوير السلوك فهي كلمات خلابة رغم أن المراد بها باطل.

ما هي البراجماتية؟

البراجماتية اسم مشتق من اللفظ اليوناني براجما(Pragma) وتعني "العمل". وعرفها قاموس ويبستر العالمي(***ster) "بأنها تيار فلسفي أنشأه شارلز بيرس(peirce)ووليام جيمس (William James) يدعو إلى أن حقيقة كل المفاهيم لا تثبت إلا بالتجربة العلمية".

أما ديوي (Dewey) فقد وصف البراجماتية بأنها "فلسفة معاكسة للفلسفة القديمة التي تبدأ بالتصورات، وبقدر صدق هذه التصورات تكون النتائج، أما البراجماتية فهي تدعُ الواقع يفرض على البشر معنى الحقيقة، وليس هناك حق أو حقيقة ابتدائية تفرض نفسها على الواقع"

وكما يؤكد جيمس الذي طور هذا الفكر ونظَّر له في كتابه "البراجماتية" (Pragmatism)، فإن البراجماتية لا تعتقد بوجود حقيقة مثل الأشياء مستقلة عنها. فالحقيقة هي مجرد منهج للتفكير كما أن الخير هو منهج للعمل والسلوك؛ فحقيقة اليوم قد تصبح خطأ الغد؛ فالمنطق والثوابت التي ظلت حقائق لقرون ماضية ليست حقائق مطلقة، بل ربما أمكننا أن نقول: إنها خاطئة(1).

يقول الدكتور مصطفى حلمي: " فالبراجماتية فلسفة عملية انبثقت من الروح المادية للقرن العشرين, وهي أمريكية النشأة، رأسمالية الإتجاه, وتنسب " البراجماتية " كفرع فلسفي إلى أصل شجرتها المسماة بـ " الوضعية ", اتجاه فكرى يقتنع بما هو كائن ويفسره ويرفض: أن ينبغي أن يكون "، ثم أخذت الوضعية الشكل الجديد في الولايات المتحدة الأمريكية واسمه " البراجماتية "، هذا الشكل الجديد يحدده الدكتور توفيق الطويل بقوله " إذا كانت الوضعية قد رفضت التسليم بالحقائق المطلقة والقضايا الميتافيزيقية، فإن الفلسفة العملية لا تتردد في قبولها واعتبارها صادقة متى كانت مفضية إلى نفع يتحقق في حياة الناس " - الفكر الإسلامي في مواجهة الغزو الثقافي 203 -

سمات البراجماتية :

· اهتمت الفلسفة بقضايا الإنسان الفرد وحاولت أن تعالج مشكلاته الراهنة على قدر طاقتها.

· أكدت وجود الإنسان الفردي والاجتماعي وأحلته محل الآلة.

· أسقطت من اعتبارها معظم قضايا الميتافيزيقا.

· أنكرت قيام الوجود العام، وانصرفت عنه إلى دراسة الواقع المحسوس.

· انصرفت عن النظر العقلي المجرد الذي يهدف إلى كشف الحقيقة لذاتها إلى البحث الذي يهدف إلى تغيير الواقع من خلال الحقيقة واعتبارها مجرد أداة للتحكم في السلوك البشري.

· أغفلت المناهج العقلية والنقلية، واعتمدت أساساً على مناهج الحس والتجربة المادية(2).

مفهوم الدين في الفلسفة البراجماتية:

اعتمدت البراجماتية على مقولتين أساسيتين هما:

الأولي: ازدراء الفكر أو النظر.
الثانية: إنكار الحقائق والقيم.

فإن العمل عند البراجماتيين مقياس الحقيقة " فالفكرة صادقة عندما تكون مفيدة. ومعنى ذلك أن النفع والضرر هما اللذان يحددان الأخذ بفكرة ما أو رفضها ".

فليس عندهم من شئ يقال له الحق دون سواه!. إن الذي ندعوه بالحق إنما هو فرض عملي ـ أي أداة مؤقتة نستطيع بها أن نحيل قطعه من الخامات الأولية إلى قطعة من النظام.

ويلزم من هذا التعريف للحق، أنه خاضع للتحولات والتغيرات الدائمة ولا يستقر على حال, فما كان حقاً بالأمس ـأي ما كان أداة صالحة أمس ـ قد لا يكون اليوم حقاًـ ذلك بأن الحقائق القديمة تتعرض للصدأ وتغدو عديمة النفع.

فالبراجماتية تعتبر الحق أو الخير كالسلعة المطروحة في الأسواق، قيمتها لا تقوم في ذاتها بل في الثمن الذي يدفع فيها فعلاً.

ووضع وليم جيمس للدين مفهوماً خاصاً لا يتفق مع المفهوم الواضح الذي أشارت إليه الأديان حول وجود الله وصفاته وسائر قضايا العقيدة، حيث يرى أن الدين: هو مجرد الإيمان بما فوق الطبيعة "فهناك وراء العالم المشاهد عالماً آخر غير مشاهد لا نعرف الآن عنه شيئاً إيجابياً. ولكننا ندرك أنه ليس لحياتنا هذه من قيمة إلا في علاقتنا وارتباطها به. وليس للعقيدة الدينية عندي من معنى (مهما يكن شأن ما تضمنته من تفاصيل) إلا الاعتقاد في وجود نظام خفي غير مشاهد يمكن أن توجد فيه حلول لطلاسم ذلك النظام. ويرتضي جيمس عبارة "تشارلز سيكريتان" بأن الدين هو الإيمان (بالكائن الكامل هو الأبدي السرمدي".

ولقد رفض البراجماتيون في ضوء منهجهم السابق مناهج الاستدلال المتعارف عليها في إثبات وجود الله، كما أسقطوا من حسابهم كثيراً من قضايا الألوهية التي ظنوا أن الجدل حولها لا يؤدي إلى منافع عملية أو تغيير في السلوك وكانت المناهج السابقة تنحصر في:

· المناهج العقلية المنطقية التي تتم في صورة استدلالات وبراهين.

· والمناهج النقلية التي تأتي من خلال الوحي السماوي.

ولكن دعاة البراجماتية أعرضوا عن هذه المناهج، وحصروا المنهج الصحيح في شيء واحد وهو إرادة الإنسان في الاعتقاد، ومدى صلاحية تجربة المعتقد لتحقيق منفعة الإنسان.

غير أن هذا المنهج لا يمكن أن ينتهي بناء على موقف موحد في قضية الدين لذلك لم يكن غريباً أن يصل بنا هذا المنهج إلى نتائج متناقضة فبينما أقر جيمس وبيرس قضية الألوهية بصفة عامة، نجد شيلر يميل إلى تأليه الإنسانية والقيم العليا التي تحقق مصالح الإنسان ، وفي الوقت ذاته نجد جون ديوي يتبنى قضية الإلحاد ويدافع عنها معتقداً صحتها(3).

حقيقة الإله وصفاته عند البراجماتية:

يجيب وليم جيمس على هذا .. بأننا لا نعرف تماماً ما هي صفات ذلك المفكر الإلهي حتى ولو كنا متأكدين من وجوده.

ومن هنا فلا يلزم أن نأخذ بكل الصفات الإلهية التي يقول بها الميتافيزيقيون، ورجال الدين مثل صفات، الموجود بالذات، أو الكمال اللانهائي، أو اللامادية؟! فإذا كنت مؤمناً بالله فإني سأسلك في حياتي على نحو يطابق اعتقادي، سواء علمت أنه روح وعقل واحد أم علمت أنه ليس كذلك ـ فلا يوجد فعل معين يعتبر نتيجة لاعتقادي في بساطة الله أو عدم بساطته.

ولكن ما هي الصفات التي تؤثر في سلوك الإنسان؟

هنا يحدد جيمس لإلهه صفات أربعة هي:

1- أنه أعظم قوة في العالم.

2- أنه شخصية عالمة مدركة.

3- أنه موضوع خارجي مغاير لنا.

4- أنه قوة خيرة.

وبعد ذلك يرى جيمس أنه موضوع الصفات هو موضوع شخصي يضفي كل منا على الإله ما يتناسب وحالته النفسية يقول جيمس: فالإله الحق هو حسب ما يتصوره كل منا تبعاً لحاجته، فيتصوره البعض معزياً مقوياً، والبعض منذراً معاقباً.

وهو ليس مفارقاً للعالم ولا متحداً به، لأنه لو كان مفارقاً فكيف يدخل في علاقة مع الإنسان، إذا كان متحداً فكيف نفسر وجود الكثرة والشرور في العالم.

كما أنه متناه ونحن أجزاء منه باطنة، وهو نفسه جزء من العالم، لأن في القول بإله متناه تفسيراً لفكرة الحرية والإرادة وحافزاً إلى العمل كي نعاون الله على تحقيق مصائر الكون وعلينا أن نهتم بالصفات الخلقية مثل القداسة والعدالة والعلم، لأنها تبعث فينا الخوف، ومثل القدرة والخيرية فإنهما تبعثان فينا الرجاء.

وهكذا يثبت جيمس اسم الإله ولكنه ينفي حقيقة الألوهية ويردها إلى التصور الشخصي.

وكذلك ذهب شيلر إلى وصف الإله بصفات عامة لا تعبر عن حقيقة الألوهية.

فوجوده وكينونته إنما تكون بمقدار ما هو قوة دائمة للعقل تبث الحياة في كل شيء "والله من وجهة نظر التطور هو الغاية النهائية وأرفع مثل أعلى، وهو اكتمال العملية الكونية بمعنى أن جميع العوامل والاتجاهات الجزئية تصل إلى الانسجام والتوافق الكامل فيه".

وهكذا فالإله عند شيلر هو لمجرد خدمة الإنسانية وإشباع حاجاتها. فهو إله من خلق الإنسان، ومن هنا لم يفرق شيلر بين أنواع الأديان فقال: "إن أخلاق المذهب الإنساني لتفضي بنا إلى احترام جميع المعتقدات، ولو بدا لنا بعضها باطلاً مادام أصحابها مخلصين".

هذا هو موقف البراجماتية من قضية الدين التي ركزوا فيها على قضية الإله ، وأما قضية النبوات فلم يتحدث عنها البراجماتيون، وإن كان جيمس يتحدث أحياناً عن عقيدة البعث حديثاً عابراً بصيغة الاحتمال والتوقع دون يقين أو استدلال(4).

البراجماتيون حملوا هذه الخلفية في المواقف الحياتية والسياسية المختلفة, فكأن البحث عن المنفعة الشخصية والحزبية صارت هي الهدف ابتداء, وكأن حصول السعادة الفردية ولو المؤقتة هي الهدف الذي ينبغي أن يكون أمام عيني الإنسان, ليس المقصود بالطبع سعادة الدنيا والآخرة التي يتحدث عنها الإسلام لكنها سعادة مؤقتة تحصل بالاستجابة لكل الشهوات مادامت في رغبة الإنسان ومادامت تحقق له النشوة, جل ما ضبطوا به النفعية أن اشترطوا ألا يتسبب ذلك في أخطار للشخص البراجماتي من البحث عن تلك السعادة, وبالطبع فهو وصف نسبي فضفاض.

فكرة النفعية تعدت -مجتمعيا– نطاق الفلسفة وصارت طريقة في الحياة عند الكثيرين, فصاروا يبحثون عن المنفعة غير مبالين بما يحدث للآخرين!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ

(1) مدخل إلى الفلسفة د/إمام عبد الفتاح إمام ص284، ومجلة البيان عدد (145) ص130، 131، البراجماتية وأثرها على سلوك المسلمين د/ أحمد الشميمري.

(2) المجلة العلمية لكلية أصول الدين والدعوة الإسلامية بالزقازيق العدد الثالث1991م بحث الدكتور/ سعد الدين صالح التجربة الدينية في الفلسفة البراجماتية ص20، 21.

(3) تاريخ الفلسفة الغربية برتراندرسل، الكتاب الثالث ص220 ـ 223 ترجمة الدكتور/ فتحي الشنيطي.

(4) بحوث في الفلسفة د/ يحيى هاشم حسن فرغل ص120 ـ 124باختصار، المجلة العلمية لكلية أصول الدين والدعوة الإسلامية بالزقازيق العدد الثالث1991م من ص33 حتى ص36 باختصار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ